العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تصميم السياسات الصحية لمواجهة أزمة جائحة كورونا في مصر وتركيا

تصميم السياسات الصحية لمواجهة أزمة جائحة كورونا في مصر وتركيا

Designing Health Policy to Fight the Coronavirus in Egypt and Turkey

أحمد محسن

الملخّص

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: لماذا اختلفت استجابة الأجهزة البيروقراطية والتنفيذية عند تصميم السياسات الصحية وتنفيذها تجاه أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في دول تبدو متشابهة، كونها تملك ميراثًا من المركزية والأنظمة الرئاسية، كم هي الحال في مصر وتركيا؟ وتنطلق فرضية الدراسة الرئيسة من أن الأزمة في بدايتها أعطت مساحة أكبر للوزراء التنفيذيين والتكنوقراط والأجهزة البيروقراطية المتخصصة في السياسات الصحية والوبائية للمساهمة بشكل أكبر في تصميم السياسات الصحية لمواجهة هذا الوباء، لكن استمرار هذه المساحة واستكمل تلك الأدوار ارتبط بعد ذلك بمدى توافر "القدرة السياساتية" التي تتيح لهؤلاء المسؤولين ذلك. تُظهر الدراسة من خلال دراسة الحالة التركية والمصرية بصورة مقارنة، أنه كلم كانت الدولة أكثر مركزية، وكانت للأزمة التي تواجهها طبيعة خاصة وغير مسبوقة، ولديها في الوقت نفسه قدرات سياساتية أعلى في تصميم السياسات، فإن هذا يساهم في تعزيز دور الخبراء والبيروقراطيين في تصميم السياسات على حساب السياسيين. كلمت مفتاحية:  تصميم السياسات، أزمة جائحة كورونا، مصر، تركيا، القدرة السياساتية. This paper seeks to answer the following question: Why have the bureaucracies and executive arms of two highly centralized presidential regimes – Egypt and Turkey – produced such different responses to the Coronavirus crisis? Its basic hypothesis is that while the crisis did initially provide scope for ministers, technocrats and bureaucrats specialized in public health to play a greater part in making health policy, their ability to maintain this newfound influence depended on their "policy capability". Through a comparison of the two case studies, this article shows that the more centralized a state is, the more unprecedented the crisis is and the more policy capability it has, the greater the role bureaucrats play at the expense of politicians.

Abstract

This paper seeks to answer the following question: Why have the bureaucracies and executive arms of two highly centralized presidential regimes – Egypt and Turkey – produced such different responses to the Coronavirus crisis? Its basic hypothesis is that while the crisis did initially provide scope for ministers, technocrats and bureaucrats specialized in public health to play a greater part in making health policy, their ability to maintain this newfound influence depended on their "policy capability". Through a comparison of the two case studies, this article shows that the more centralized a state is, the more unprecedented the crisis is and the more policy capability it has, the greater the role bureaucrats play at the expense of politicians.

الكلمات المفتاحية:
  • تصميم السياسات
  • أزمة جائحة كورونا
  • مصر
  • تركيا
  • القدرة السياساتية
Keywords:
  • Policy Design
  • Coronavirus Crisis
  • Turkey
  • Egypt
  • Policy Capability

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: لماذا اختلفت استجابة الأجهزة البيروقراطية والتنفيذية عند تصميم السياسات الصحية وتنفيذها تجاه أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في دول تبدو متشابهة، كونها تملك ميراثًا من المركزية والأنظمة الرئاسية، كم هي الحال في مصر وتركيا؟ وتنطلق فرضية الدراسة الرئيسة من أن الأزمة في بدايتها أعطت مساحة أكبر للوزراء التنفيذيين والتكنوقراط والأجهزة البيروقراطية المتخصصة في السياسات الصحية والوبائية للمساهمة بشكل أكبر في تصميم السياسات الصحية لمواجهة هذا الوباء، لكن استمرار هذه المساحة واستكمل تلك الأدوار ارتبط بعد ذلك بمدى توافر "القدرة السياساتية" التي تتيح لهؤلاء المسؤولين ذلك. تُظهر الدراسة من خلال دراسة الحالة التركية والمصرية بصورة مقارنة، أنه كلم كانت الدولة أكثر مركزية، وكانت للأزمة التي تواجهها طبيعة خاصة وغير مسبوقة، ولديها في الوقت نفسه قدرات سياساتية أعلى في تصميم السياسات، فإن هذا يساهم في تعزيز دور الخبراء والبيروقراطيين في تصميم السياسات على حساب السياسيين. كلمت مفتاحية:  تصميم السياسات، أزمة جائحة كورونا، مصر، تركيا، القدرة السياساتية. This paper seeks to answer the following question: Why have the bureaucracies and executive arms of two highly centralized presidential regimes – Egypt and Turkey – produced such different responses to the Coronavirus crisis? Its basic hypothesis is that while the crisis did initially provide scope for ministers, technocrats and bureaucrats specialized in public health to play a greater part in making health policy, their ability to maintain this newfound influence depended on their "policy capability". Through a comparison of the two case studies, this article shows that the more centralized a state is, the more unprecedented the crisis is and the more policy capability it has, the greater the role bureaucrats play at the expense of politicians.

باحث دكتوراه في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة صباح الدين زعيم، تركيا.

Doctoral candidate, Faculty of Political Science and International Relations, Sabahattin Zaim University, Turkey. Email: abdelrahman.ahmed@std.izu.edu.tr

مقدمة

كان لميراث الحكومات في التعامل مع الأوبئة السابقة دور في تصميم السياسات الحالية لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-). لكن، سيكون لطبيعة الوباء الخاصة تأثير في هذه السياسات، سيختلف من بلد إلى آخر، وسيدفع الباحثين إلى العمل على معرفة أسباب هذا الاختلاف كجزء من أسئلة بحثية ظهرت مؤخرًا، تشكل أجندة بحثية مقارنة نشأت نتيجة أزمة كورونا. نقصد بالطبيعة الخاصة لأزمة كورونا أمورًا عدة، فقد جاء فيروس كورونا على هيئة وباء عالمي، لا يتوافر الكثير من المعلومات العلمية والطبية عن طبيعته، ولا عن طرائق انتشاره وكيفية علاجه. وكانت الأزمة مفاجئة، وفي التوقيت نفسه، تقريبًا، في أغلبية دول العالم. وفي الوقت نفسه، كانت هناك مستويات مرتفعة من الغموض وعدم اليقين، في ظل عدم وضوح موعد محدد لوصول العلمء إلى لقاح يُقلّل من انتشاره. لذا، كان وباء كورونا اختبارًا مفاجئًا لقياس قدرة الحكومات المختلفة على إدارة الأزمة وتصميم سياسات مناسبة في عدم اليقين وغياب الوضوح. وظهر هذا الوباء في بعض الدول في وقت مبكر، في حين أن دولً أخرى استفادت من مرور أسابيع عدة قبل أن يظهر فيها، ما أعطاها ميزة نسبية للاستعداد. مع هذا، وفي ظل ضعف المعلومات الكافية عن طبيعة هذا المرض وكيفية انتشاره، وعن أفضل البروتوكولات العلاجية له، كان معظم المحاولات المبذولة للتعامل مع الأزمة خلال عام 2020 يقوم على أسلوب المحاولة والخطأ. كان الغموض هو العامل المشترك في الدول التي ظهر فيها الفيروس، خصوصًا خلال الأسابيع الأولى. وعلى الرغم مم بدا من تشابه في استجابة الحكومات في البداية تجاه أزمة كورونا، فإنه اتّضح، لاحقًا، أن هناك اختلافات واضحة بين استجابات الحكومات المختلفة؛ إذ سارت كل حكومة في مسار مختلف عن الحكومات الأخرى. وبذلك، خلقت لنا أزمة كورونا فرصةً لدراسة استجابات الحكومات وقدرتها على تصميم السياسات، وعلى نحو مقارن أيضًا. يمكن التعامل مع الاستجابة لأزمة كورونا على مستويات متعددة: المستوى الأول هو المستوى العالمي، ويركّز على المنظمت الدولية ودورها في إدارة الأزمة. أما المستوى الثاني، فهو المستوى الوطني، ويركّز على استجابة الحكومات والجهات التنفيذية والمنظمت الوطنية والمؤسسات المحلية في إدارة الأزمة. وهناك مستوى ثالث هو مستوى الأفراد، وفيه يكون التركيز على استجابة الأفراد تجاه هذه الأزمة، كم يشمل دور بعض القيادات والأفراد، سواء على المستوى الرسمي أم غير الرسمي في هذه الأزمة. وتركز هذه الدراسة على الاستجابة على المستوى الوطني، وتحديدًا على استجابة المنظمت والمؤسسات التنفيذية. يمكن التعامل مع أزمة كورونا بأكثر من مقاربة، مثل التركيز على المقاربة الطبية/ الصحية التي تهتم بنوع الفيروس وطريقة علاجه، أو المقاربة الاقتصادية التي تركز على الآثار الاقتصادية للأزمة وتداعياتها، أو المقاربة الاجتمعية التي تركز على الآثار الاجتمعية. وهناك أيضًا "المقاربة السياساتية" التي اختارت هذه الدراسة استخدامها، وتركز

Scott L. Greer et al., "The Comparative Politics of COVID-19: The Need to Understand Government Responses," Global Public

Health , vol. 15, no. 9 (2020), p. 1415. Giliberto Capano et al., "Mobilizing Policy (In)Capacity to Fight COVID-19: Understanding Variations in State Responses,"

Policy and Society , vol. 39, no. 3 (July 2020), pp. 285-286.

على السياسات والبرامج التي تخطط لها الحكومة والأجهزة التنفيذية، وتعمل على تصميمها لمواجهة أزمة كورونا في المجال الصحي. وقد اختارت الدراسة حالتين دراسيتين هم مصر وتركيا. السبب الأول لاختيار مصر وتركيا في هذه الدراسة هو اشتراكهم في وجود ميراث من البيروقراطية والميل إلى المركزية في تصميم السياسات العامة. بدأ تراث تركيا المركزي بالتحديد بعد تأسيس الجمهورية في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1923، كم تحوّلت مؤخرًا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بعد التعديلات الدستورية التي أقرّت في عامُ 2017. لكن قبل إقرار هذه التعديلات، كانت تركيا جمهورية برلمانية، وتميّز نظام الإدارة العامة فيها بالمركزية وسيطرة السياسة على البيروقراطية؛ وطبقًا للتعديلات الجديدة على الدستور، تحوّلت تركيا إلى النظام الرئاسي، حيث أصبحت السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية الذي أصبح المسؤول الأول عن وضع السياسات العامة ومتابعة تنفيذها، كم أنه أضحى الجهة التي تتّجه إليها المطالب بإيجاد حلول للمشكلات التي يعانيها المجتمع التركي من الصحة والتعليم والعلاقات الخارجية والأمن القومي أيضًا. أما مصر، فلها تاريخ أطول مع المركزية. وطبقًا لدستور عام 2014، فإن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية، وطبقًا للمدة 150 منه، يمكن للرئيس إلقاء بيان عن السياسات العامة للدولة أمام مجلس النواب، وتُعطي المادة 167 لمجلس الوزراء اختصاصًا بالمشاركة مع رئيس الجمهورية في وضع السياسات العامة للدولة ومتابعة تنفيذها. نظريًا، تبدو تركيا مع التعديلات الأخيرة في الدستور أكثر مركزية في صنع السياسات العامة وتصميمها من مصر التي ما زال يوجد فيها رئيس وزراء ومجلس وزراء، يشاركان في صنع السياسات العامة وتصميمها، إلّ أن من الناحية الفعلية، ما زال لمؤسسة الرئاسة في مصر القرار الأخير في السياسات العامة. وعلى الرغم من المحاولات العديدة لإصلاح الإدارة العامة وتبنّي اللامركزية، فإن مصر لا تزال دولة مركزية إلى حدٍ بعيد. الجدول (1) أهم المؤشرات الاقتصادية والصحية في مصر وتركيا طبقًا لبيانات البنك الدولي

المؤشرتركيامصر
عدد السكان في عام 202084 مليون نسمة102 مليون نسمة
الناتج المحلي الإجملي في عام 2020720 مليار دولار363 مليار دولار
نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجملي معادلً بالقوة الشرائية في عام 201828 ألف دولار12 ألف دولار
متوسط العمر المتوقع بعد الولادة في عام 201977.6 عامًا71.9 عامًا

77.6 عامًا 71.9 عامًا

المصدر: The World Bank, "World Bank Open Data," accessed on 5/8/2021, at: https://bit.ly/3BOM9nu

Yılmaz Üstüner & Nilay Yavuz, "Turkey's Public Administration Today: An Overview and Appraisal," International Journal of

Public Administration , vol. 41, no. 10 (October 2018), p. 821. Mehmet Zahİd Sobaci, Nebİ Mİş, & Özer Köseoğlu , "Turkey's New Government Model and the Presidential Organization," SETA

Perspective , no. 45 (July 2018), accessed on 5/8/2021, at: https://bit.ly/2Vuhxqv للمزيد حول مركزية الدولة المصرية، يُنظر: نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 Ghada Barsoum, "Egypt's Many Public Administration Transitions: Reform Vision and Implementation Challenges," International

Journal of Public Administration , vol. 41, no. 10 (November 2018), pp. 772-780.

إضافة إلى اشتراكهم في وجود تاريخ من البيروقراطية والميل إلى المركزية، فإن هناك تقاربًا في عدد السكان وفي التركيبة العمرية في البلدين. وكم سنُبيّ لاحقًا، لدى كل منهم نسبة مرتفعة من الشباب، مقارنة بالدول الأوروبية. وجادل عدد من الباحثين بأن للعوامل الديموغرافية تأثيرًا في تطور وباء كورونا وانتشاره بين السكان. من خلال المقارنة بين البلدين، على المستوى الاقتصادي والاجتمعي، لدى تركيا ناتج محلي إجملي أعلى، مع نصيب أعلى للفرد من هذا الناتج المحلي، مُعادلً بالقوة الشرائية. أما على المستوى الصحي، وكم يشير الجدول (1)، فإن مؤشر متوسط العمر المتوقع بعد الولادة (77.4 عامًا في تركيا، في مقابل 71.8 عامًا لمصر)، يشير إلى أفضلية الحالة الصحية في تركيا عنها في مصر. وفي المجمل، على الرغم من أن لدى كلا البلدين نظامَ حكمٍ مركزيًا رئاسيًا، فإن تركيا أفضل من حيث توافر القدرات المالية والاقتصادية، وتوافر الموارد والخدمات الصحية. أخيرًا، تقع كل من مصر وتركيا في موقع جغرافي متقارب. لكن، على الرغم من أن بعض الدول كان يقع في الإقليم نفسه، فإن استجابة كل حكومة في مواجهة أزمة كورونا، كانت مختلفة عن الأخرى. كانت هناك إحدى محاولات فهم استجابة الحكومات المختلفة تجاه أزمة كورونا تمثلت في ما قدّمه الباحث جنار باكير عند دراسته الحالة التركية، من أن طبيعة أزمة كورونا البارزة للجميع، مع تصويرها في بدايتها باعتبارها أزمةً تُهدّد الوجود، وفي ظل أجواء من التهديد وعدم اليقين، أتاحت مساحة أكبر من الاستقلالية للبيروقراطية والجهات التنفيذية في الأنظمة الرئاسية في تصميم السياسات وتنفيذها بشكل إدماجي وليس إقصائيًا؛ ما ساهم في زيادة فاعلية تصميم هذه السياسات وتنفيذها. وبمعنى آخر، أتاحت طبيعة الأزمة الحالية ظهور استجابات مختلفة عن تلك التي اعتادت الحكومات تصميمها وتنفيذها. واستنادًا إلى ما تقدم، تسعى هذه الدراسة لاختبار هذه النتيجة من خلال المقارنة بين استجابة كل من مصر وتركيا في تصميم السياسات الصحية تجاه أزمة كورونا وتنفيذها، وتحاول الإجابة عن السؤال الرئيس التالي: لماذا اختلفت استجابة الأجهزة البيروقراطية والتنفيذية عند تصميم السياسات الصحية وتنفيذها تجاه أزمة كورونا في دول تبدو متشابهة، كونها تملك ميراثًا من المركزية والأنظمة الرئاسية، كم هي الحال في مصر وتركيا؟

Nicoletta Balbo et al., "Demography and the Coronavirus Pandemic," Population and Policy Brief , no. 25, Population Europe (May

2020), accessed on 5/8/2021, at: https://bit.ly/3yiHDv5 هناك من قد يجادل بأن توافر الموارد الاقتصادية بصورة أفضل في تركيا هو العامل المفسّ لتباين استجابة البلدين. لكن كما توضح هذه الدراسة، فإن الموارد الاقتصادية وحدها غير كافية لتحقيق ذلك؛ فهي في حاجة إلى أن تتحوّل إلى "قدرات سياساتية" يمكن الاستفادة منها على نحوٍ أفضل، ومن دون حدوث هذا التحوّل، لا يصبح لهذه الموارد الاقتصادية قيمة في ذاتها. وهذا يعني أن طريقة إدارة الموارد الاقتصادية وتحويلها إلى قدرات سياساتية هي التي تُحدّد استجابات الحكومات لاحقًا. ويتشابه هذا مع ما توصلت إليه بعض الأوراق البحثية مؤخرًا من أن في الدول الفقيرة، كلما زاد تحسّن الأداء الاقتصادي، ساهم ذلك في تحسين جودة المخرجات الصحية. لكن بمجرد أن تصل الدولة إلى مستوى معيّ من التنمية، فإن العلاقة لا تستمر على النمط نفسه. ففي الدول الصناعية المتقدمة، لا يعتبر النمو أو مستوى الثروة هو العامل المُحدّد لمستوى جودة المخرجات الصحية، بل يصبح العامل الأهم هو طريقة توزيع الثروة داخل المجتمع وإدارتها. للمزيد بشأن هذه النقطة، ينظر: Viktor Stojkoski et al., The Socio-Economic Determinants of the Coronavirus Disease (COVID-19) Pandemic , ARVIX (17/11/2020),

pp. 5-6, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3jmJgBZ Ahmed Mohsen, "Government Responses Toward The Coronavirus Crisis: A Comparative Analysis Of Egypt, Turkey, And Saudi

Arabia," Expert Brief , Al Sharq Strategic Research, 20/7/2020, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3yMuBG7 Caner Bakir, "The Turkish State's Responses to Existential COVID-19 Crisis," Policy and Society , vol. 39, no. 3 (2020), pp. 424-441.

تنطلق فرضية الدراسة الرئيسة من أن الأزمة في بدايتها أعطت مساحة أكبر للوزراء التنفيذيين والتكنوقراط والأجهزة البيروقراطية المتخصصة في السياسات الصحية والوبائية للمساهمة بشكل أكبر في تصميم السياسات الصحية لمواجهة وباء كورونا. لكن استمرار هذه المساحة واستكمل هذه الأدوار يرتبط بعد ذلك، بمدى توافر "القدرة السياساتية" التي تتيح لهذه الأجهزة ذلك. بمعنى أن القدرة السياساتية هي العامل المستقل الذي يمكن أن يكون له القدرة على فهم أسباب اختلاف تصميم السياسات العامة في مصر وتركيا وتفسيرها، وذلك باعتبار أن تصميم السياسات هو العامل التابع. يُستخدم مصطلح "تصميم السياسات" Design Policy في أحيان كثيرة باعتباره "مجال دراسة السياسات العامة الذي يستهدف الفحص المنهجي للمحتوى الموضوعي للسياسات العامة". في هذه الدراسة، لا نتعامل مع تصميم السياسات باعتبارها "مجالً دراسيًا"، لكن باعتبارها المحتوى الموضوعي للسياسات التي تبنّتها الحكومات والأجهزة التنفيذية. ولأن هذا المحتوى كبيرٌ ومتعدّدٌ، فإن الدراسة ستختار التركيز على مواضيع محددة، نعرضها لاحقًا لاختبار هذه الفرضية. قبل البدء في اختبار الفرضية، ينبغي لنا التفريق بين "قدرة الدولة" Capacity State و"القدرة السياساتية" Policy Capacity. يُقدّم مارتن بينتر وجون بيير تفريقًا مهمً بين المفهومين، فالقدرة السياساتية تعني "القدرة على حشد الموارد اللازمة لاتخاذ خيارات جمعية رشيدة وتحديد الاتجاهات الاستراتيجية لتخصيص الموارد النادرة من أجل النفع العام". أما قدرة الدولة، فتعني "قدرة الدولة على حشد الدعم الاجتمعي والاقتصادي والموافقة العامة من أجل إنجاز أهداف عامة". نلاحظ هنا أن قدرة الدولة أكبر من القدرة السياساتية وأوسع، حيث تشمل، إضافة إلى القدرة السياساتية (التي في جوهرها هي القدرة على اتخاذ قرارات سياساتية رشيدة)، القدرات التي يمكن أن تكون موجودة في القطاع الخاص، أو في القطاع الخدمي ومنظمت المجتمع المدني، من أجل تحقيق أهداف الدولة العامة. ومع أهمية قدرة الدولة، سنركز في هذه الدراسة، بشكل رئيس، على القدرة السياساتية باعتبارها الأقرب إلى قياس الأدوار التي تقوم بها الحكومة في معالجة أزمة كورونا. تختار هذه الدراسة تعريفًا تجريبيًا، يمكن قياسه، للقدرة السياساتية، باعتبارها "مجموعة المهارات والموارد - أو الكفاءات والقدرات - اللازمة لأداء الوظائف السياساتية". ذلك أن هذا التعريف يتيح قدرة أكبر على تحليل هذا المفهوم على نحوٍ تجريبي، ولا يتعامل معه بشكل اصطلاحي فحسب. ويمكننا ملاحظة ذلك من خلال النظر إلى أن التعريف الأول اهتم بما يمكن أن تقوم به الحكومة في حال كانت لديها قدرة سياساتية، أي اهتم بالنتيجة على حساب تحديد عوامل القدرة ذاتها. أما التعريف الذي نستخدمه في هذه الدراسة، فيتميّز بأنه يركز على المكونات الرئيسة للقدرة السياساتية، وكيف يمكن أن تعمل معًا من أجل الوصول إلى النتائج المطلوبة.

Kevin B. Smith & Christopher W. Larimer, The Public Policy Theory Primer (Colorado: Westview Press, 2009), p. 181. Martin Painter & Jon Pierre, "Unpacking Policy Capacity: Issues and Themes," in: Martin Painter & Jon Pierre (eds.), Challenges

to State Policy Capacity: Global Trends and Comparative Perspectives (London: Palgrave Macmillan, 2005), p. 2. X. Wu, M. Ramesh & M. Howlett, "Policy Capacity: A Conceptual Framework for Understanding Policy Competences and

Capabilities," Policy and Society , vol. 34, no. 3–4 (November 2015), p. 166. 14 Ibid.

الجدول (2) القدرة السياساتية والمهارات والموارد

مستويات الموارد
والقدرات
المهارات والكفاءات
التحليليالتشغيلي/ التنفيذيالسياسي
الفرديةالقدرات التحليلية الفرديةالقدرات التشغيلية الفرديةالقدرات السياسية الفردية
المنظمةالقدرات التحليلية للمنظمةالقدرات التشغيلية للمنظمةالقدرات السياسية
للمنظمة
العامالقدرات التحليلية العامةالقدرات التشغيلية العامةالقدرات السياسية العامة/
المنهجية

المصدر: X. Wu, M. Ramesh & M. Howlett, "Policy Capacity: A Conceptual Framework for Understanding Policy Competences and Capabilities," Policy and Society , vol. 34, no. 3-4 (November 2015), p. 167.

قدّم وي وآخرون في تعريفهم القدرة السياساتية، ثلاثة مستويات لها، على مستوى الفرد، والمنظمة، والعام؛ ورُبطت هذه المستويات بثلاث مهارات وكفاءات: التحليلية، والتشغيلية، والسياسية، الجدول (2). وستركّز هذه الدراسة، في الأساس، على القدرة السياساتية في مستوى المنظمت. وبهذا، يشمل مستوى التحليل المنظمت والهيئات على المستوى الوطني والدور الذي يمكن أن يقوم به الأفراد داخل هذه المنظمت، مع البحث في القدرات الثلاث المذكورة (التحليلية، والتشغيلية، والسياسية). وسيكون ذلك على نحو مقارن بين مصر وتركيا بين بداية عام 2020 وكانون الثاني/ يناير 2021. إن ميل الإدارة العامة والبيروقراطية إلى العمل باستقلالية، والمشاركة في تصميم السياسات العامة بآرائها وخبراتها، يعتبر أحد الاستنتاجات التي توصّل إليها أيضًا غاي بيترز عند دراسته القدرة السياساتية في الإدارة العامة. فعلى عكس التصورات التقليدية التي تنظر إلى الإدارة العامة باعتبارها جهازًا محايدًا، يقوم بتنفيذ السياسات والقرارات التي يصدرها السياسيون، توصّل بيترز إلى أن لدى الإدارة العامة موارد عدة، تدفعها إلى المشاركة في السياسات العامة باستقلالية أكبر؛ وذلك بسبب وجود الخبرة والاستمرارية ومعرفتهم الجيدة بعمليات صنع السياسات العامة. وبمعنى آخر، هناك رغبة لدى الإدارة العامة في المشاركة بصفة مستقلة في السياسات العامة. وبسبب طبيعة أزمة وباء كورونا التي تحدّثنا عنها سابقًا، بدت الأزمة الحالية فرصةً لاختبار هذه الفرضية. تحاول هذه الدراسة اختبار النتيجة التي توصّل إليها الباحث جنار باكير في دراسته من أن الطبيعة الخاصة لأزمة كورونا أتاحت مساحة أكبر من الاستقلالية للبيروقراطية والجهات التنفيذية في الأنظمة الرئاسية في تصميم السياسات وتنفيذها على نحوٍ إدماجي وليس إقصائيًا، في سياق مقارن، وهي واحدة من الاقتراحات البحثية المستقبلية التي اقترحها الباحث في دراسته. لن

سنتناول بالتفصيل هذه الكفاءات والمهارات في المباحث التالية من هذه الدراسة. Guy Peters, "Policy Capacity in Public Administration," Policy and Society , vol. 34, no. 3-4 (2015), pp. 219-222. 17 Bakir, p. 437

تكتفي الدراسة بذلك فحسب، لكن ستسعى لتفسير هذه الاستقلالية التي تولّدت في تصميم السياسات العامة، باستخدام عامل "القدرة السياساتية" باعتباره العامل المفسر لحدوث هذا التغيير في تصميم السياسات الصحية من عدمه.

تصميم السياسات الصحية

سنعمل، في هذا المحور، على اختبار الأوجه الثلاثة للقدرة السياساتية (التحليلية، التشغيلية، السياسية) على مستوى المنظمت والمؤسسات، مع التركيز في الأساس على وزارة الصحة والجهات التنفيذية التي تعاونها.

1. الجانب التشغيلي للقدرات السياساتية

يعني الجانب التشغيلي في هذا البحث القدرات السياساتية للجهات والمؤسسات التي ساهمت في تصميم السياسات العامة، والتي كانت جزءًا من إدارة تصميم السياسات الصحية الخاصة بجائحة كورونا وتنفيذها. نقدّم في البداية تعريفًا بأهم الجهات التي شاركت في تصميم السياسات العامة في كل دولة، مع التركيز على الجهات والمؤسسات التي تم إنشاؤها حديثًا لهذا الغرض. سنركز أيضًا، على توضيح المستويات المختلفة التي شاركت في تصميم السياسات الصحية وحدود الأدوار التي قامت بها. وننتهي بمناقشة الأدوار التي قامت بها الجيوش خلال هذا الوباء؛ إذ كان يُنظر إليه في البداية على أنه تهديد قومي للدول. في بداية الأزمة، أنشأت أغلبية الدول لجانًا علمية لمواجهة فيروس كورونا، وحدث هذا في مصر وتركيا أيضًا. ففي مصر، نشأت لجنة جديدة باسم "اللجنة العلمية لإدارة الأزمة"، واختار عبد الفتاح السيسي أيضًا وزير الصحة الأسبق عوض تاج الدين مستشارًا له للشؤون الصحية. وفي الوقت نفسه، تُعدّ "لجنة إدارة الأزمات والكوارث" التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، وهي برئاسة اللواء محمد عبد المقصود، واحدة من اللجان التي تشارك في إدارة الأزمة، ولها دور يهتم بالتنسيق بين الوزارات المختلفة والمستويات المختلفة بين المحافظات. هذا فضلً عن قيام وزارة التعليم العالي باستخدام علوم البيانات من أجل التنبؤ بمسار المرض وتوقع عدد الحالات. في تركيا، في كانون الثاني/ يناير 2020 نشئت "اللجنة العلمية" التي تتكوّن من، أُ 26 شخصًا، أغلبيتهم من الأطباء والمتخصصين في الصحة العامة وعلوم الأوبئة، وأضيف إليها أعضاء آخرون لاحقًا. وفي نيسان/ أبريل، أسس وزير الصحة "اللجنة العلمية الثانية" التي تهتم أكثر بالجوانب النفسية والمجتمعية للأزمة، لكنها لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمم. ومن هنا، نلاحظ أن في البلدين، أُنشئت لجان جديدة، أخذت الطابع العلمي من أجل المشاركة في إدارة الأزمة، لكنها لن تكون بمفردها المسؤولة عن تصميم السياسات الصحية، بل تعاونها جهات من مستويات متعددة.

تعريفات الجوانب الثلاثة للقدرات السياساتية (التشغيلي، والتحليلي، والسياسي)، الموجودة في هذا البحث، وضعها الباحث. توجد في المصادر التي أحلنا إليها سابقًا تعريفات لهذه الجوانب الثلاثة، لكننا رأينا أنها غير كافية، كما لا يمكن قياسها بصفة جيدة. لذا رأينا، بدلً من ذلك، محاولة صياغة تعريفات محددة لهذه الجوانب المختلفة حتى نتمكن من فحصها على نحوٍ أفضل. " İşte Koronavirüse Karşı Gece Gündüz Demeden Çalışan 26 Bilim Kurulu Üyesi - Son Dakika Flaş Haberler," CNN TÜRK ,

27/3/2020, accessed on 6/8/2020, at: https://bit.ly/3r3Rnqa "Türkiye'deki Corona Ölümleriyle Ilgili TTB'den Flaş Açıklama - Sağlık Son Dakika Haberler," Sözcü , 8/4/2020, accessed on

6/8/2021, at: https://bit.ly/36rv1Wm

من الملاحظات التي يمكن أن نصل إليها، من خلال متابعة الاستجابات المختلفة للدول تجاه أزمة كورونا، هي الحاجة إلى "حكامة ذات مستويات متعددة" Governance Multi-Level؛ حيث تكون لدى السلطة المركزية القدرة على الاستجابة السريعة والفعالة تجاه الأزمات والقضايا التي تشبه أزمة كورونا، في حين يكون لدى السلطات المحلية القدرة على التأقلم مع الأوضاع المحلية على نحوٍ أفضل والاستجابة لتطلّعات أصحاب المصلحة ومطالبهم. ومن هنا تأتي أهمية وجود مستويات متعددة في إدارة الأزمة؛ كونها تعطي مساحة أكبر للمشاركة في تصميم السياسات العامة من فئات وجهات مختلفة. طبقًا لتحليل بعض المسؤولين الحكوميين، تقوم الدولة المصرية بإدارة أزمة كورونا على ثلاثة مستويات مختلفة: المستوى الاستراتيجي (يتكوّن من لجنة عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء، تتابع عمل باقي الجهات والوزارات)، ومستوى قطاع إدارة الأزمات والكوارث الموجود في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء (ودوره التنسيق بين الجهات السيادية في الدولة والوزارات والمحافظات المختلفة)، والمستوى التنفيذي (المستوى الذي يشمل الوزارات والمحافظات المختلفة وما تقوم به من إجراءات تجاه الأزمة). في تركيا، هناك في الأساس مستويان رئيسان في إدارة أزمة كورونا: المستوى الأول هو المستوى الوطني الذي يشمل رئيس الجمهورية ووزير الصحة والوزارات المختلفة التي تشارك في تصميم السياسات الصحية. أما المستوى الثاني، فهو مستوى الولايات المختلفة التي يمكن أن تقوم بتصميم بعض السياسات الخاصة بها طبقًا للسياقات المحلية. من خلال المقارنة بين المستويات المختلفة لإدارة الأزمة في مصر وتركيا، نجد أن في كلا البلدين مستويين رئيسين في إدارة الأزمة: الأول على المستوى الوطني/ الاستراتيجي: يشمل في تركيا رئيس الجمهورية والوزارات الرئيسة واللجان العلمية والفنية المساعدة. أما في مصر، فيشمل رئيس الوزراء وبعض الجهات المعاونة والتنسيقية الموجودة في مؤسسات تابعة لرئاسة الوزراء، كمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، كم يشمل رئاسة الجمهورية والجهات والأفراد التابعة لها. والمستوى الثاني، المستوى المحلي/ والتنفيذي، ويشمل مستوى الولايات في تركيا، ومستوى المحافظات في مصر. تبدو تركيا في هذا السياق أكثر مركزية على المستوى الوطني، حيث تشارك هيئات معدودة في تصميم السياسات على المستوى الوطني، ولها قيادة واحدة ومحددة. أما في مصر، فتوجد جهات متعددة تشارك في تصميم السياسات العامة، بقيادات مختلفة، مع وجود روابط تنسيقية في ما بينها. إذا انتقلنا إلى المستوى المحلي/ التنفيذي، فسنلاحظ أنه على مستوى الولايات التركية هناك مساحات أكبر للمشاركة في تصميم السياسات. فعلى سبيل المثال، تم تكوين لجان لإدارة الأزمة على مستوى الولايات المختلفة، يمكنها تبني بعض السياسات الإضافية، بخلاف تلك التي يتم إقرارها على المستوى الوطني. وأقرّت في بعض الولايات سياسات تمنع خروج كبار السن، أو تمنع التجمعات العامة أو الحظر في أوقات معينة. ويلاحظ أن هذه المساحة من المشاركة في تصميم السياسات أقل في السياق المصري؛ إذ يوجد حالات تبنّى فيها بعض المحافظات المصرية قرارات محلية، مثل خفض عدد العاملين في المصالح الحكومية. ويعود هذا إلى فروق رئيسة بين الولايات التركية والمحافظات المصرية،

Bulent Aras & Emirhan Yorulmazlar, "The Day after COVID-19: Capacity, Governance and Order," Policy Brief , Istanbul Policy

Center (July 2020), pp. 4-5, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3yFk5R0 محمد عبد المقصود، "جهود الدولة لإدارة أزمة كورونا"، أحوال مصرية، مج 19، العدد 77 (2020)، ص.89–78 سيّد الخلفاوي، "محافظ القاهرة يخفض العاملين بالدواوين العامة ل 50% ضمن إجراءات مواجهة كورونا"، اليوم السابع، 2020/12/1، شوهد في 2021/8/6، في: https://bit.ly/3hXxjBT

فمسؤولو الولايات التركية يجري اختيارهم من خلال انتخابات على مستوى الولاية، في حين يُعيّ رئيس الجمهورية في مصر المحافظين. وفي الولايات التركية، هناك مجالس تتغير بصورة منتظمة من خلال الانتخابات، في حين لم تشهد مصر انتخابات محلية منذ عام 2008، مع العلم أن آخر مجالس محلية منتخبة جرى حلُّها في بعد ثورة 25 يناير 2011. هذا فضلً عن أن للولايات التركية ميراثًا من مشاركة أحزاب المعارضة على مستوى الولايات والبلديات التابعة لها، سواء على رأس هذه الولايات أم في مجالس الولايات والبلديات المحلية، في حين تغيب القوى السياسية المعارضة على مستوى المحافظات المصرية في موقع المحافظ، وكانت توجد، بنسب غير مؤثرة، في المجالس المحلية القديمة. لهذه الأسباب، تحظى الولايات التركية باستقلالية أكبر في تصميم بعض السياسات الخاصة بالولاية وتنفيذها، كم يكون لديها قدرة أكبر على الاستجابة للحاجات المحلّية. إذا كان وجود مستويات مختلفة من الحوكمة لإدارة هذه الأزمة أمرًا ضروريًا، فإن استعداد المؤسسة العسكرية للمشاركة في مواجهة وباء كورونا يُعتبر إضافةً إلى القدرات التشغيلية للدولة. فالمؤسسة العسكرية في أثناء الأزمات، تتمتع بعدد من المزايا التي لا توجد في المؤسسات الأخرى، مثل القدرة على التضحية والعمل بصفة منظمة والقدرة على إدارة عملية لوجستية ضخمة، كم أن التدريب على مواجهة الأوبئة جزء من التحديات التي تتدرب عليها هذه القوات في سبيل المحافظة على الأمن القومي للدولة واستقرارها. لذلك لم يكن مستغربًا، في أثناء هذه الأزمة، مشاركة جيش التحرير الشعبي الصيني والجيش الإيراني والجيش المغربي وغيرها من الجيوش في نشاطات ذات طبيعة مختلفة، لكنها تشترك في أن لها علاقة بإدارة أزمة كورونا. أدّت المؤسسة العسكرية في مصر وتركيا أدوارًا مختلفة في إدارة الأزمة. في تركيا، غابت مشاركة الجيش التركي في النشاطات المدنية لمواجهة أزمة كورونا. في مقابل ذلك، اهتمت المؤسسة العسكرية بضمن عمل قواتها المنتشرة على جبهات مختلفة، بصفة مستديمة وبعدم تأثر عملياتها العسكرية سلبيًا بسبب كورونا. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، أنشأت لجنة مركزية داخل المؤسسة العسكرية لمتابعة تطوّرات الأزمة في المؤسسة، واعتمدت بصفة أكبر على الآلات والدرونز في عملياتها العسكرية، كم أجّلت استقبال أفواج جديدة من المُجنّدين من أجل تجنّب نقل المرض إلى قواتها. وفي المحصلة، ساعد ذلك في تقليل إصابات كورونا داخل الجيش التركي إلى معدلات منخفضة. أما في مصر، ففي بداية أزمة كورونا، شاركت ثلاث جهات على الأقل من القوات المسلحة في إدارة الأزمة مع الجانب المدني، وهي إدارة الحرب الكيميائية التي قامت بإجراءات التطهير والتعقيم؛ والقوات المسلحة مع وزارة الصحة والسكان والهيئة المصرية للشراء الموحَّد والإمداد الطبي من أجل توفير الأجهزة والمستلزمات الطبية؛ والهيئة الهندسية للقوات المسلّحة التي قامت برفع كفاءة المدن الجامعية لاستقبال حالات العزل. وهي نشاطات طبية لمكافحة الوباء، كان يمكن أن تقوم بها وزارة الصحة، لكن القوات المسلحة هي التي قامت بذلك كمؤشر جديد على

James Stavridis, "U.S. Military Has Untapped Potential In Fighting Coronavirus," Bloomberg , 11/4/2020, accessed on 6/8/2021, at:

https://bloom.bg/3hABrsF إبراهيم أسعيدي، "مراجعات فيروس كورونا للعلاقات المدنية- العسكرية"، تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/4/13، شوهد في 2021/8/6، في: https://bit.ly/2TLFqtf Can Kasapoglu, "Can the Turkish Military's Fight Against the Pandemic Set an Example for NATO?" Eurasia Daily Monitor ,

vol. 17, no. 114 (2020), accessed on 19/12/2020, at: https://bit.ly/2UEyDBM "Turkey's Military Boasts One of World's Lowest COVID-19 Rates," Daily Sabah , 24/9/2020, accessed on 6/8/2021, at:

https://bit.ly/3ec0Vdw

تدخل الجيش المتزايد في الوزارات المدنية، من ضمنها وزارة الصحة. وربما نتيجة لذلك، زادت إصابات كورونا داخل القوات المسلحة المصرية، لكن الخطر هو انتشارها أيضًا بين قيادات الجيش العليا؛ ما أدى إلى وفاة ضابطين برتبة لواء بسبب إجراءات مكافحة كورونا. وخطورة انتشار العدوى في صفوف المجندين والقادة في أثناء المشاركة في نشاطات مكافحة الوباء مع المدنيين، واحدة من التأثيرات السلبية المحتملة لهذه النشاطات. يمكن القول بصورة إجملية إنه باعتمد المقارنة بين مصر وتركيا على مستوى القدرات التشغيلية، يمكن الوصول إلى ملاحظتين رئيستين: الأولى: ظهرت في البلدين الحاجة إلى وجود لجان علمية وأكاديمية للمساهمة في إدارة أزمة كورونا، وكان للعاملين في القطاع الطبي والمتخصصين في الصحة العامة وعلم الأوبئة الدورُ الأبرز في هذه اللجان. وهذا مؤشر على بروز حاجة فعلية إلى المتخصصين والتكنوقراط في إدارة هذه الأزمة، وهذا يتوافق مع ما افترضناه سابقًا من أن هذه الأزمة أتاحت دورًا أكبر للخبراء والتكنوقراط والبيروقراطيين في إدارة الأزمة. لكن استمرار هذا الدور سيرتبط بالقدرات التحليلية والتشغيلية في البلدين. الثانية: على المستوى الوطني، كان هناك ميل إلى المركزية أكبر في تركيا، ومشاركة عدد محدود من الجهات في تصميم السياسات داخل إطار مركزي واضح. أما في مصر، فشاركت جهات مختلفة على المستوى الوطني، مع وجود كيانات مختلفة للتنسيق بين هذه الجهات. وعلى المستوى المحلي، كانت هناك مشاركة أوسع في تصميم السياسات على مستوى الولايات في تركيا (على النحو الذي سنوضحه لاحقًا)، في حين كانت القدرة على هذه المشاركة أقل في مصر.

2. الجانب التحليلي للقدرات السياساتية

يُقصد بالقدرة التحليلية قدرة المؤسسات والمنظمت على المفاضلة بين اختيارات متعددة، بعد جمع البيانات والمعلومات اللازمة، من أجل الوصول إلى السياسات والحلول المناسبة. وفي أزمة كورونا، هناك حاجة إلى المفاضلة بين خيارات سياساتية متعددة. في البداية، نعرض كيف تعاملت كل دولة مع مواردها المحدودة من أجل جمع المعلومات اللازمة للمفاضلة بين الخيارات. وبعد ذلك، تركز الدراسة على مواضيع السياسات المتعلقة بالإغلاق، والسياسات المتعلقة بالفحوصات والمفاضلة بين السياسات المختلفة لهم من أجل الوصول إلى قرارات نهائية كأمثلة على القدرة التحليلية في البلدين. بحسب وزيرة الصحة المصرية، كان الهدف الأول لاستراتيجية الوزارة يتمثّل في العمل على تسطيح منحنى الإصابات؛ حيث يتجنّب النظام الصحي الدخول في صدمة، أو عدم قدرة على التعامل مع عدد كبير من الحالات، وهو ما جرى تجنّبه بالفعل في ذروة الموجة الأولى في حزيران/ يونيو 2020. تقع هذه الاستراتيجية ضمن استراتيجية أوسع، تتبنّاها مصر تجاه الكوارث والمخاطر المختلفة، يُطلق عليها "نهج الحد من المخاطر". بعد المفاضلة بين الإغلاق

أمجد حمدي، "عسكرة الوزارات المدنية: وزارة الصحة نموذجًا"، مجلة المعهد المصري للدراسات، مج 4، العدد 14 (2019)، ص.267 29 أسعيدي، ص.8 "Tahrir Dialogue No. 90: Protecting Lives and Sustaining Livelihood," YouTube, 11/11/2020, accessed on 6/8/2020, at:

https://bit.ly/3yIEep6 31 عبد المقصود، ص.78

الجزئي والإغلاق الكلي، والفحوصات المستهدِفة لفئات محددة أو التوسع في الفحوصات، اختارت مصر سياسات مبنية على الإغلاق الجزئي مع الفحوصات المستهدِفة لفئات محددة. وفي هذه الفحوصات، اقتصر الأمر على إجراء تحليل ال PCR للمخالطين الذين تظهر عليهم الأعراض فحسب، وتقوم الحكومة بهذا التحليل مع الحد من دور القطاع الخاص والمستشفيات والمعامل الخاصة في إجراء هذه التحاليل. أما في تركيا، فستميل إلى التوسع في إجراء الفحوصات على نحوٍ بعيد، وبناء القدرات اللازمة لذلك من معدات وأدوات طبية، وحتى نهاية عام 2020 أجرت تركيا 260 ألف فحص لكل مليون مواطن، في حين أجرت مصر في حدود 9500 فحص لكل مليون مواطن. عند المقارنة بين البلدين، سنجد أن القدرة على جمع البيانات وتحليلها، مثّلت عاملً مؤثرًا في نوع السياسات التي تتبنّاها كل دولة. فالفحوصات القليلة والمستهدِفة لفئات محددة في مصر هي للإبقاء على قدرة الدولة على إجراء فحوصات كورونا للحالات الخطرة، في حين أن التوسع في "إجراء هذه الفحوصات في تركيا أعطى لهم قدرة أكبر على تحليل معدلات انتشار المرض والعمل على الحد من انتشاره من خلال سياسات الإغلاق الموجه". مع هذا، تعرّضت الأرقام المعلنة في البلدين للتشكيك؛ ففي مصر، كان التشكيك في الأساس ضد البروتوكول الحكومي للفحوصات الذي يقصر حق من يمكنه إجراء الفحوصات على المخالطين الذين لديهم أعراض، وهو بروتوكول لا يُعبّ تعبيرًا دقيقًا عن معدل انتشار المرض. كم بقيت الحكومة، فترة طويلة، هي المصدر الوحيد للمعلومات بشأن معدلّات انتشار الوباء؛ كونها الجهة الوحيدة التي كانت تقوم بإجراء هذه الفحوصات، ولم يشارك القطاع الخاص في هذا إلّ في عام 2021. أما في تركيا، وفي نهاية صيف 2020، فتعرّض وزير الصحة إلى حملات من المعارضة السياسية التي تشكك في الأرقام المعلنة عن الإصابات؛ ونتيجة لاستمرار الضغط من المعارضة، ومن المنظمت المهنية الطبية، أعلن الوزير في نهاية الصيف أنه منذ بداية الصيف تقوم الحكومة، فحسب، بإعلان الأرقام التي تمثل الفحوصات الإيجابية لدى الشخص الذي لديه أعراض طبية، أما إذا لم توجد أعراض، فلا يدخل أصحاب هذه الفحوصات ضمن الأرقام المعلنة، كونهم لا يعتبرون مرضى. هذه الطريقة في حساب حالات كورونا مخالفة للطريقة التي أقرّتها المنظمت الدولية في هذا المجال؛ ما دفع الباحثين إلى القول إن هذه ليست أول مرة تحاول فيها تركيا تحدّي الأعراف الدولية السائدة وتبنّي أعراف أخرى باعتبارها أفضل. وغيّت الوزارة لاحقًا هذه السياسة وبدأت تعلن الأرقام كاملة.

تغير هذا مع بداية عام 2021، حيث سُمح للقطاع الخاص بإجراء التحاليل الخاصة بكورونا. "Coronavirus Update (Live): 201,063,706 Cases, 4,271,347 Deaths and 181,053,540 Recovered from COVID-19 Virus Pandemic,"

Worldometers , accessed on 5/8/2020, at: https://bit.ly/3rRQPEn للمزيد بشأن قدرة السلطات الصحية المصرية على كشف المرض، ينظر: عبده موسى، "مواجهه جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في مصر: التداعيات والسياسات"، حِكامة، العدد 2 (آذار/ مارس 2021)، ص.172-171 "WHO Official Doubts Egypt's Statistics for Coronavirus Infections," Egypt Independent , 9/12/2020, accessed on 6/8/2021, at:

https://bit.ly/3wZtH7P Michael Daventry, "Turkey Not Counting Positive COVID-19 Cases Unless There Are Symptoms, Health Minister Admits,"

Euronews , 1/10/2020, accessed on 7//122020, at: https://bit.ly/3i1UieV Senem Aydın-Düzgit & Evren Balta, "Normative Challengers During A Pandemic: Covid-19 Reporting in Turkey And Russıa,"

Policy Brief , Istanbul Policy Center (October 2020), p. 3, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3yN88IT

عند المقارنة بين البلدين، يتبين أن لدى تركيا قدرةً أعلى على جمع بيانات عن معدلّات انتشار المرض، على الرغم من أنها في بعض الأحيان لم تكن تُعلن عن البيانات التي لديها كاملةً. أما مصر، فلم تكن تتوافر لها هذه القدرة بالقدر نفسه بسبب محدودية الإمكانات المتاحة؛ ما دفعها إلى التركيز أكثر على المخالطين الذين لديهم أعراض طبية. إذا انتقلنا من جمع البيانات إلى المفاضلة بين الخيارات الخاصة بسياسات الحظر، فلأسباب اقتصادية، وقع الاختيار في مصر على عدم تطبيق سياسات حظر التجوال على نطاق كبير، لأوقاتٍ طويلة، واقتصر الأمر على الإغلاق الجزئي، في أوقات محدودة. أما في تركيا، فاستُخدمت سياسات حظر التجوال على نطاق أكبر وعلى مدى أوسع لتحقيق ما يُطلق عليه "مناعة الطبقة العاملة". يعني هذا، التركيز على فرض حظر التجوال بصفة متكررة وشبه مستديمة على الفئات العمرية الأكثر عرضة للمرض (فوق 65 عامًا) أو الأكثر نقلً له من دون ظهور أعراض (أقل من 20 عامًا). أما بالنسبة إلى باقي الفئات العمرية التي تقع ضمن الطبقة العاملة والمنتجة، فعملت الحكومة على الجمع بين استمرار النشاط الاقتصادي، مع محاولة منع انتشار المرض بين هذه الطبقات العاملة. وفرضت الحكومة على هذه الفئة إجراءات حظر بعد انتهاء أوقات العمل الرسمية (بين الساعة 9 مساءً و 5 فجرًا)، أو خلال عطلات نهاية الأسبوع. لم يعان البلدان أوضاعًا كانت المنظومة الصحية فيها مهددة بالانهيار، كم حدث في بعض الدول الأوروبية، أو في بعض الولايات في الولايات المتحدة الأميركية. لكن، لا تعود أسباب هذا إلى السياسات التي تبنتها الدولتان فحسب، بل هناك أسباب أخرى أيضًا؛ فقد تمتع البلدان بشعبين، يمثل الشباب فيهم النسبة الأكبر، ففي عام 2019، وطبقًا لبيانات البنك الدولي، كانت نسبة المواطنين بعمر فوق ال 65 عامًا، أي ممن يُصنّفون في سن الشيخوخة، من إجملي السكان في مصر، 5.2 في المئة. أما في تركيا، فكانت النسبة 8.7 في المئة، في حين كانت في ألمانيا 21 في المئة، وفي إيطاليا 23 في المئة. ومثّلت هذه النسبة المنخفضة ميزةً، وساهمت في تجنيب المنظومة الصحية في البلدين الاختبار الذي مرّ به بعض الدول الأوروبية، حيث نسبة كبار السن والتشيّخ السكاني أكبر. لكن، نظرًا إلى أن الدعم الحكومي المقدم إلى القطاعات الطبية في مصر خلال السنوات القليلة الماضية، كان أقل من تركيا، وأن القدرة على جمع البيانات كانت أقل، كم أشرنا، يبرز سؤال رئيس: لماذا لم تعانِ المستشفيات الحكومية في مصر خطر انهيار المنظومة الصحية، على الرغم من فرق الإمكانات بينها وبين تركيا؟ حاول بعض الدراسات تفسير انخفاض عدد الإصابات في مصر من خلال عوامل طبية، مثل درجة الحرارة والرطوبة المرتفعة نسبيًا في مصر، التي يمكن أن تساهم في خفض معدل العدوى؛ وكذلك التطعيم ضدّ الأدران الذي يمكن أن يساهم في بناء مناعة تجاه الفيروس؛ ونوع فيروس كورونا الذي انتشر في مصر الأقل خطورة من النوع المنتشر في أوروبا مثلً، مع إقرار هذه الدراسات أن هذه العوامل تبقى غير مؤكدة وتحتاج إلى المزيد من البحث في المستقبل.

Evren Balta & Soli Özel, "The Battle Over the Numbers: Turkey's Low Case Fatality Rate," Institut Montaigne , 4/5/2020, accessed

on 6/8/2020, at: https://bit.ly/3yKOD3K The world Bank, Population Ages 65 and above (% of Total Population) - Egypt, Arab Rep., Turkey/ Data (Washington: 2019),

accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3kaJZYO لمزيد من التفصيلات عن حجم الدعم الحكومي الذي قدمته حكومة كل من مصر وتركيا إلى القطاع الصحي خلال السنوات القليلة الماضية، إضافة إلى نسبة الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي في كلا البلدين، ينظر.Mohsen, pp. 4-7: Mohammed A Medhat & Mohamed El Kassas, "COVID-19 in Egypt: Uncovered Figures or a Different Situation?" Journal of

Global Health , vol. 10, no. 1 (2020), accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/2WYZLfR

من جانب الآخر، ترى هذه الدراسة أن المقاربة السياساتية هي الأقرب إلى تفسير قدرة المنظومة الصحية في مصر على التعامل مع الأزمة وحالت دون انهيارها، على الرغم من فارق الإمكانات بينها وبين المنظومة الموجودة في تركيا. فالخيارات السياساتية التي تم تبنّيها في مصر، مالت إلى التقليل من دور الدولة في تقديم الرعاية الصحية إلى المشتبهين بالإصابة بفيروس كورونا، وقصرت تقديم الرعاية على المخالطين الذين ظهرت عليهم الأعراض فحسب. أما في إجراءات العزل، فكانت المسؤولية في أغلبيتها مسؤولية فردية تقع على عاتق المريض المشتبه بإصابته بكورونا، في حين أن العزل الحكومي استهدف، في الأساس، متابعة فئات القادمين من الخارج ورعايتهم. وطبقًا لتصريحات وزيرة الصحة، لم يكن في قدرة المنظومة الصحية في مصر، في ذروة الموجة الأولى خلال نهاية أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، تحمّل الاستمرار في متابعة حالات العزل، لذلك كان العزل المنزلي ومسؤولية المشتبه بإصابته بكورونا عن ذلك من دون متابعة من الوزارة، إلّ في حالات الضرورة. وساهمت هذه الحزمة من السياسات في تخفيف الضغط على المنظومة الصحية في مصر، لأن أغلبية المواطنين مالت إلى التعامل مع المرض تعاملً شخصيًا، أو من خلال طلب الرعاية من القطاع الخاص والقطاع الأهلي الطبي الذي لا توجد فيه مسحات طبية، حيث إنها كانت متاحة، فحسب، في المؤسسات الحكومية في معظم عام 2020. ولم تتدخل الدولة في علاج هذه الحالات، لا من حيث الفحوصات، ولا من حيث تقديم الرعاية الصحية، واقتصر دور وزارة الصحة أساسًا على الحالات المتقدمة. وطبقًا لشهادات شخصية، تأكد منها الباحث بنفسه، جرى تداولها على نطاق واسع على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتمعي، يعرض فيها المواطنون تجاربهم الشخصية في الحصول على علاج لمرض كورونا، فقد وصلت الرعاية الصحية في بعض البيوت إلى تعاون الأفراد على إيجاد أجهزة تساعد في قياس نسبة الأوكسجين في الدم وجلب أسطوانات الأوكسجين إلى بيوت المصابين من أجل علاجهم داخل المنازل، مع غياب كبير لدور الدولة. إذا كانت هذ السياسة قد حافظت على عدم انهيار المنظومة الصحية في مصر، فإنها تطرح الكثير من الشكوك حول قدرة هذه المنظومة نفسها وحدودها؛ فعلى الرغم من أنها استطاعت الاستمرار في العمل، فإن هذا تم من خلال المحافظة على القدرات المحدودة. وبمعنى آخر، من خلال تجنّب المشاركة الواسعة في تقديم الرعاية الصحية إلى جميع المصابين، والاقتصار على فئات محدودة. وتطرح هذه الطريقة في التعامل أسئلةً أخرى خاصة بعدالة تقديم الرعاية الصحية من خلال القطاع الخاص في وقت الأزمات، مثل أزمة كورونا، وبحرمان شرائح اجتمعية أو جغرافية أو نسائية من الوصول إلى الخدمة الصحية. في تركيا، تم التعامل مع قدرة المواطنين في الوصول إلى الخدمات الصحية بطريقة مختلفة. ففي نيسان/ أبريل 2020، صدر مرسوم رئاسي يتيح لجميع المواطنين الوصول إلى الخدمات الصحية المتعلقة بمرض كورونا في المستشفيات العامة والمراكز الصحية الحكومية وإجراء الفحوصات والحصول على العلاج مجانًا، حتى لو لم يسدد المواطن اشتراكه الشهري للتأمين الصحي. وأتاح هذا القرار للمواطنين الأتراك فرصًا أعلى من نظرائهم في مصر للوصول إلى الرعاية الصحية في أثناء أزمة كورونا. نظريًا، كان لطالبي اللجوء والمهاجرين الشرعيين والمهاجرين غير الرسميين في تركيا الفرص نفسها للوصول إلى الخدمات الصحية والحصول عليها مجانًا، لكن عمليًا عانى المهاجرون غير المسجلين، أو المهاجرون

"Tahrir Dialogue No. 90: Protecting Lives and Sustaining Livelihood." Ragip Soylu, "Coronavirus: Turkey Makes Treatment and Medicine Totally Free of Charge," Middle East Eye , 14/4/2020, accessed

on 2/2/2021, at: https://bit.ly/3xBIQ0n

السوريون المسجلون في ولايات خارج أماكن إقامتهم الحالية، مخاوف أعلى وقدرات أقل للوصول إلى المراكز الصحية. فمن جهة لم يكن يسيرًا على المراكز الصحية الحكومية متابعة هذه الحالات لعدم تسجيلهم في السجلات الحكومية الصحية. ومن جهة أخرى كان لدى هؤلاء مخاوف من الملاحقة الحكومية لاحقًا بسبب الإقامة غير القانونية. مجمل القول، إن القدرات التحليلية الأعلى في تركيا - سواء من حيث القدرة على جمع البيانات بصفة كافية، أو على استخدامها من أجل المفاضلة بين الخيارات المختلفة - أدّت إلى نتائج أكثر إيجابية، مقارنةً بمصر. ولم يتعرض البلدان إلى انهيار المنظومة الصحية، لكن هذا كان من خلال استراتيجيات مختلفة. وكم أشرنا، استطاعت مصر تجنّب الوصول إلى انهيار المنظومة الصحية من خلال الحدّ من دور الدولة في تقديم الرعاية الصحية إلى المصابين، والاعتمد أكثر على تحركات المواطنين الذاتية والاعتمد على القطاعين الخاص والأهلي لتقديم الخدمات الصحية. كم جرى على حساب قدرة المواطنين على الوصول المتكافئ والعادل إلى خدمات الرعاية الصحية، وعلى حساب جودة الرعاية الصحية التي يحصل عليها المواطن عند الكشف أو العلاج. ويُضعف هذا التراجع في القدرة التحليلية في مصر، دور البيروقراطيين والفنيين مع مرور الوقت. أما في تركيا، فإن وجود هذه القدرة سيُعطيهم فرصةً أعلى للمساهمة في تصميم السياسات.

3. الجوانب السياسية للقدرات السياساتية

يُقصد بالجوانب السياسية للقدرات السياساتية قدرة المؤسسات والمنظمت على فهم السياق السياسي الذي تعمل به واستيعابه، ووجود قنوات للتواصل مع القوى السياسية المختلفة، تسمح لهذه القوى بالمشاركة في تصميم السياسات العامة إذا أرادت ذلك، كم تضمن وجود دعم من السياسيين لهذه السياسات. في هذا المبحث، نتناول طبيعة العلاقة بين السياسيين والبيروقراطيين، وكيف أثّرت أزمة كورونا فيها، ثم نعرض لقنوات الاتصال التي كانت موجودة بين كل من البيروقراطية والمؤسسات السياسية المختلفة من أجل إشراكها في تصميم السياسات العامة لإدارة أزمة كورونا، والحصول على دعمها. تقليديًا، يميل السياسيون إلى الاعتمد على الخبراء والبيروقراطيين باعتبارهم الجانب الفني الأكثر فهمً للأزمة وطبيعتها من أجل تصميم السياسات المناسبة، على أن تبقى السلطة الأخيرة للسياسي عند اتخاذ القرار. في تركيا، يمكن ملاحظة أن الجانب الفني في مواضع مختلفة كان له قدرة أعلى على توجيه الجانب السياسي في تصميم السياسات الصحية، وهناك عدد من الشواهد التي تؤيّد ذلك. فعلى سبيل المثال، في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ومع تصاعد الموجة الثانية لكورونا وزيادة السخط الشعبي بسبب ذلك، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للصحافيين أن القرار في خصوص إجراءات التعامل مع كورونا هو في يد اللجنة العلمية. قد يكون هذا التصريح محاولة لتحميل اللجنة جزءًا من مسؤولية زيادة عدد الإصابات، لكن في كل الأحوال، يدل أيضًا على المكانة التي وصلت إليها اللجنة في تصميم السياسات الصحية، حيث يظهر رئيس الجمهورية في الإعلام وكأنه تابعٌ لها، وليست هي التابعة له.

"Migrants and Refugees in a Time of Pandemic: Access to Healthcare Services in Turkey," Heinrich Böll Stiftung , 18/5/2020,

accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3eatpnZ "Son dakika açıklaması: Cumhurbaşkanı Erdoğan'dan koronavirüs açıklaması!" HaberTürk , 27/11/2020, accessed on 6/8/2021, at:

https://bit.ly/3yNSfCe

ليس هذا هو المثال الوحيد. ففي نهاية كانون الثاني/ يناير 2021، ومع تراجع عدد الإصابات، كانت هناك توقعات بتخفيف الإجراءات المفروضة وإعادة الفتح التدرجي وعودة الدراسة حضوريًا في المدارس والجامعات وتخفيف القيود على المحلات التجارية. لكن اللجنة العلمية، وقبل لقاء للرئيس مع الوزراء، خرجت لتعلن أنه ليس من المستحب تخفيف الإجراءات الحكومية الآن، ومن الأفضل الانتظار فترة أطول، بسبب ظهور السلالات الجديدة والحاجة إلى جمع مزيد من المعلومات عنها، ومن أجل تلقيح عدد أكبر من السكان. وهو ما تم لاحقًا وأعطى دلالةً إضافية على الدور الذي تقوم به اللجنة في توجيه القرار السياسي. في أغلبية الأحيان، تُعلن اللجنة العلمية عن تقديراتها إلى الرأي العام عن تطور وباء كورونا قبل عقد اجتمع الحكومة. نتيجة لهذا، تصبح هذه التصريحات جزءًا من السجالات السياسية بين الأحزاب المختلفة للضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات في اتجاه معيّ. وفي أكثر من مرة، كانت هناك محاولات من أحزاب المعارضة الرئيسة للضغط على اللجنة من أجل دفعها إلى الخروج بتصريحات في اتجاه معيّ، أو محاولة التأثير في قراراتها. وهذا مثال ثالث على أهمية مواقف اللجنة وتصريحاتها. إضافة إلى ذلك، يمكن توقع، إلى حدٍ بعيد، اتجاه القرارات الحكومية بناء على التصريحات الصادرة من اللجنة العلمية لإدارة الأزمة. أما في مصر، فبقي للجانب السياسي اليد العليا في إدارة الأزمة على الجانب الفني منذ البداية. ويبدو هذا واضحًا من تغيير موقف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزيرة الصحة هالة زايد، من فرض حظر التجوال. ففي بداية آذار/ مارس 2020، صرّح كلاهم أن مصر ليست في حاجة إلى حظر تجوال. لكن تغيّ هذا الموقف بعد أقل من أربعة أيام. ليس التغيير في القرار هو المهم، لكن الأهم هو تغيير موقف وزيرة الصحة الفني، الذي يؤثر في تصميم السياسات الصحية. فقد انتقل من التقليل من شأن الأزمة من الناحية الطبية/ الفنية من التعامل مع كورونا باعتبارها نزلة برد إلى اعتبارها وباءً عالميًا، ومن أن المرض سيتراجع خلال أسابيع إلى القول إن مدى الوباء غير معلوم، ومن القول إن حامل الفيروس الذي لا تظهر عليه الأعراض لا ينقل المرض إلى اعتبار أنه ناقلٌ للمرض. هذا التراجع في الموقف الفني للوزيرة من أزمة كورونا مؤشر على أن الرأي الفني تابع للاعتبارات السياسية. المرة الثانية التي سيظهر فيها أن الرأي الفني تابع للرأي السياسي خلال هذه الأزمة، كانت في أثناء الحظر الكلي؛ ففي فترة عيد الفطر في عام 2020، وطبقًا لتقدير وزيرة الصحة الفني، كانت سياسة الإغلاق الكلي التي طُبّقت السبب في ارتفاع عدد الحالات المصابة في ما بعد؛ وتفسر الوزيرة ذلك بأن البقاء في المنازل أدّى إلى انتشار المرض بصورة أوسع وظهور أرقام إصابات أعلى، وهي تشبه بقاء المواطنين في منازلهم ضمن سياسات الإغلاق بما يحدث عند إعداد الفشار (الذرة)؛ بمجرد أن توضع على النار، يكبر حجمها بشكل سريع، لتتحول إلى فشار، وهو ما أطلقت عليه الوزيرة اسم

"Health Minister Warns of Increase in New Coronavirus Variant Cases," Daily News , 3/2/2021, accessed on 6/8/2021, at:

https://bit.ly/3wtJhZe Başkanı Kemal Kılıçdaroğlu , "CHP Genel Başkanı Kemal Kılıçdaroğlu: Kusura Bakmasınlar Ama Bilim Kurulu'na Da Bir Çift

Lafım Var…," YouTube, 26/11/2020, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3xGbqxK صدرت هذه التصريحات في مؤتمر صحافي لوزيرة الصحة ووزير الإعلام المصريين، ينظر:"الآن، وزيرة الصحة تكشف سيناريوهات الوزارة للتعامل مع المدارس في الفترة المقبلة"، يوتيوب، 2020/3/10، شوهد في 2020/12/2، في: https://bit.ly/2UHQGad أمجد حمدي، "مصر: وزيرة الصحة وإدارة أزمة كورونا"، سياسات عامة، المعهد المصري للدراسات، 2020/4/20، ص 14، شوهد في 2021/6/21، في: https://bit.ly/37jn4CP

"نظرية الفشار". على الرغم من تبنّي الوزيرة هذا الرأي، وبغض النظر عن صحته من الناحية الفنية من عدمها، فإنه كان من المتوقع بناءً على هذه الحسابات الفنية أن يتّخذ مجلس الوزراء قرارات لا تشمل الإغلاق الكلي. لكن ما حدث فعليًا أنه اتخذ قرارًا، على عكس، ما كانت تريد الوزيرة في ذلك الوقت. وهو دليل آخر على أن اليد العليا كانت لحسابات وتقديرات سياسية، وليس للحسابات الفنية التي قدّمتها الوزيرة. يمكن اعتبار قرارات الوزيرة في الحالتين وسلوكها دلائل على ضعف الكفاءة المهنية، خصوصًا أنها تأتي على عكس التوصيات المهنية في هذه القضايا، التي تدفع في اتجاه الإغلاق والتعامل مع انتشار المرض بجدية أكبر. ربما يفسر هذا لماذا لا تعتمد السلطة السياسية كثيرًا على القدرات الفنية والمهنية الموجودة لدى الوزارة في قراراتها وتوصياتها. لكنه على الجانب الآخر يُعطي دلالة أهم على طريقة تعامل السياسيين مع الجانب الفني؛ فالسياسي يريد أن يكون هذا الجانب تابعًا له طوال الوقت. وبدلً من أن يعمل الجانب السياسي على تغيير الجانب الفني المسؤول عن إدارة الأزمة داخل الوزارة بطاقم أكثر كفاءة، فإنه اختار، بدلً من ذلك، تعيين عدد من المستشارين الفنيين في مؤسسة الرئاسة، أو الأخذ ببعض النصائح الفنية من جهات غير حكومية، في مقابل ضمن استمرار سيطرته على الجانب الفني والتحكم في القرار النهائي. ونتيجة لذلك كانت قرارات الوزارة وتوجهاتها تتم لمصلحة توجّهات السياسيين وقراراتهم، وهو مؤشر على أن الجانب السياسي في مصر له اليد العليا في اتخاذ القرارات، من دون أن يحدث أي تغيير له، بسبب أزمة كورونا. يعتبر السياسيون في السلطة التنفيذية في البلدين فاعلين رئيسين في تصميم السياسات العامة. وفي البلدين، غاب دور السياسيين في البرلمان في تصميم هذه السياسات. في تركيا كان هذا بسبب التغيير الذي تم من النظام البرلماني- الذي كان يعطي فرصة أكبر لأحزاب المعارضة للمشاركة في إقرار السياسات العامة قبل تنفيذها - إلى النظام الرئاسي الذي أعطى رئيس الجمهورية سلطة أوسع في هذا المجال. أما في مصر، فإن النظام السياسي لا يعطى للبرلمان إلّ سلطة يسيرة في مراقبة النشاطات الحكومية، وليس المشاركة في تصميمها. إذا انتقلنا من المستوى المركزي إلى المستويات المحلية، فقد كان لدى تركيا فرصة أكبر في مشاركة قطاعات أوسع من المعارضة في تصميم السياسات الصحية على مستوى البلديات. يذهب الباحثان فؤاد كيمن وأندرو أودونوهيو إلى أن الميل إلى المركزية في تركيا، خصوصًا بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، أثّر سلبيًا في قدرة البلديات على الحركة باستقلال، وبدء المبادرات الخاصة بهم حتى بين صفوف البلديات التابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن في الوقت نفسه، مثّلت الأزمة فرصةً لجزء من المعارضة السياسية للظهور بصفتها بديلً سياسيًا، خصوصًا أن بعض البلديات التابعة للمعارضة كان جزءًا من الخط الأول في مواجهه الأزمة، ونجحت بلديات - مثل أنقرة على سبيل المثال - في الحصول على تأييد شعبي في تحركها في مواجهة كورونا، تمثل في القدرة على جمع 28 مليون ليرة تركية لمواجهه الأزمة. لم تقتصر مثل هذه الإجراءات على المعارضة فحسب، بل شملت أيضًا بلديات تابعة للحزب

50 "Tahrir Dialogue No. 90." عاطف بدر، "نقيب الأطباء يتقدم باقتراح لمجلس الوزراء بتطبيق حظر كلي: "رأى شخصي"، المصري اليوم، 2020/5/10، شوهد في 2021/8/6، في: https://bit.ly/3kaLc2i E. Fuat Keyman & Andrew O Donohue, "The Five Challenges to Erdoğan's Executive Presidential Rule after the Coronavirus,"

The German Marshall Fund of the United States, 9/9/2020, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/2VkLER9

الحاكم. لكن عمومًا، تعطي قدرة البلديات على جمع الأموال دلالة أخرى على أنها قادرة ليس على تبني سياسات تنظيمية فحسب، بل على سياسات توزيع وإعادة توزيع أيضًا. في حين كانت فرص مشاركة الجمعات والأحزاب السياسية في تصميم سياسات مواجهة وباء كورونا ودعمها على المستوى المحلي في مصر، ضعيفة. وكم ذكرنا سابقًا، غابت الانتخابات عن المجالس المحلية في مصر منذ عام 2008، ما أدّى إلى غياب القنوات الرسمية التي يمكن من خلالها التواصل مع التيارات السياسية المختلفة والعمل على مشاركتها في تصميم السياسات العامة ودعمها. وسيحلّ بدلً من ذلك شكل العلاقات الشخصية وغير الرسمية بين المؤسسات المحلية والأحزاب والشخصيات السياسية. من خلال المقارنة السابقة، يتبيّ أنه على الرغم من أن النظام المركزي يميل إلى العمل بكفاءة أعلى على حساب التمثيل الواسع لمصالح المواطنين ورغباتهم، فإن أزمة كورونا أتاحت فرصًا لبناء سياسات أكثر تمثيلً من خلال طريقتين على الأقل: الأولى: مشاركة التكنوقراط والفنيين في تصميم السياسات العامة؛ ما ساهم في تقليل تسيس عملية تصميم السياسات لمصلحة تبنّي سياسات أكثر علمية وكفاءة في مواجهه الأزمة. يمكننا القول إنه في تركيا كان للجانب الفني دور كبير في التأثير في الجانب السياسي. أما في مصر، فإن واقعتي وزيرة الصحة (فرض الحظر في آذار/ مارس، والإغلاق في أثناء عيد الفطر) تعطيان دليلً على أنه ما زال للجانب السياسي الأفضلية على الجانب الفني في تصميم السياسات. الثانية: من خلال مشاركة سياسيين من المعارضين في تصميم السياسات العامة على مستوى المحليات. ففي حين غابت هذه المشاركة من جانب المعارضة على المستوى الوطني التركي، باعتبار أن وزير الصحة يعيّنه رئيس الجمهورية، ومن ثمّ فإنه أقرب إلى تمثيل خيارات الرئيس على مستوى السياسات بسبب طبيعة النظام الرئاسي، لكن على مستوى البلديات، وفّر وجود رؤساء بلديات من المعارضة في ثلاث أكبر مدن في تركيا (إسطنبول، وأنقرة، وأزمير)، مساحة للسياسيين من المعارضة في تصميم السياسات العامة ضمن الإطار الأوسع الذي تم إقراره مركزيًا، لكن بما يستجيب بصفة أفضل لحاجات المواطنين المحلية بحسب تقديرهم. في حين كانت هذه المساحة على المستوى المحلي محدودةً في مصر.

خاتمة

أظهرت الدراسة أنه على الرغم من أن مصر وتركيا كانا قبل أزمة كورونا يميلان إلى المركزية في تصميم السياسات العامة، فإن الأزمة، وبسبب طبيعتها الخاصة، أتاحت في بدايتها فرصة لاستقلالية البيروقراطيين والتنفيذيين. وبهذا، تتفق مع الاستنتاج الذي وصل إليه جنار باكير في دراسته التي أشرنا إليها سابقًا. لكن هذه الدراسة قدمت، بخلاف البحث في حالتين دراسيتين، إضافةً مهمة تتمثل بأنها حاولت تقديم تفسير لاستمرار هذه الاستقلالية من عدمه، ومن خلال المقارنة بين مصر وتركيا، أظهرت الدراسة أن استمرار فرصة حصول البيروقراطيين والتنفيذيين على استقلاليتهم مرتبط بمدى توافر "القدرة السياساتية"، بمعنى القدرة على حشد الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف العامة وامتلاك الكفاءات والقدرات اللازمة لذلك. وأظهرت الدراسة أنه كان لدى تركيا، بعامةٍ، قدرات أفضل، وظهر هذا بصفة أوضح

في القدرات التحليلية والسياسية؛ ما أعطى استمرارية للمساحة والأدوار التي حصلت عليها البيروقراطية، على خلاف الحالة المصرية التي كانت فيها هذه القدرات السياساتية أقل. لذلك عملت مصر على التعامل مع هذه القدرات بطريقة تمنع انهيار المنظومة الصحية، من خلال تبني استراتيجية تعمل على الحدّ من دور الدولة في تقديم الرعاية الصحية للمصابين، والاعتمد أكثر على المواطنين أنفسهم ومشاركة القطاعين الخاص والأهلي. وأثّرت هذه الاستراتيجية في قدرة المواطنين على الوصول المتكافئ والعادل إلى خدمات الرعاية الصحية، وكانت على حساب جودة الرعاية الصحية التي يحصل عليها المواطن. أظهرت دراسة الحالة التركية أيضًا أنه كلم كانت الدولة أكثر مركزية، وكانت للأزمة التي تواجهها طبيعة خاصة وغير مسبوقة، ولديها في الوقت نفسه قدرات سياساتية أعلى في تصميم السياسات، فإن هذا يساهم في تعزيز دور الخبراء والبيروقراطيين في تصميم السياسات. أي إن دور الخبراء والبيروقراطيين واستقلاليتهم يزيدان على حساب السياسيين. وبمعنى آخر، أنه في الوقت الذي قد يحاول السياسيون السيطرة على صنع السياسات العامة وتصميمها، بمزيد من المركزية، ويؤدي هذا، في ظروف الأزمات ذات الطبيعة الخاصة وغير المسبوقة، إلى اعتمدهم بشكل أكبر على البيروقراطيين والفنيين، ما يفقدهم جزءًا من هذه السيطرة. أخيرًا، أظهرت هذه الدراسة أن الاستثمر في القدرات السياساتية للدول، قبل الأزمات، يساعدها في التعامل معها على نحوٍ أفضل خلال الأزمة. فالقدرة السياساتية للدول، يمكن أن تقدم لنا تفسيرات مفيدة عن أسباب اختلاف استجابات الدول المتشابهة تجاه وباء كورونا، على الرغم من أنه انتشر في الوقت نفسه، تقريبًا، وفي ظروف متشابهة. إن أرادت الدول التعامل على نحوٍ أفضل مع الأزمات مستقبلً، فإنها تحتاج إلى أن تستثمر أكثر في بناء قدراتها السياساتية.

المراجع

العربية

الأيوبي، نزيه نصيف. الدولة المركزية في مصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 أسعيدي، إبراهيم. "مراجعات فيروس كورونا للعلاقات المدنية- العسكرية". تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2020/4/13.فيhttps://bit.ly/2TLFqtf:. حمدي، أمجد. "عسكرة الوزارات المدنية: وزارة الصحة نموذجًا". مجلة المعهد المصري للدراسات. مج 4، العدد 14 (2019). _______. "مصر: وزيرة الصحة وإدارة أزمة كورونا". سياسات عامة. المعهد المصري للدراساتفي.:2020/4/20. https://bit.ly/37jn4CP عبد المقصود، محمد. "جهود الدولة لإدارة أزمة كورونا". أحوال مصرية. مج 19، العدد 77.)2020(موسى، عبده. "مواجهه جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في مصر: التداعيات والسياسات". حِكامة. العدد 2 (آذار/ مارس.)2021

الأجنبية

Aras, Bulent & Emirhan Yorulmazlar. "The Day after COVID-19: Capacity, Governance and Order." Policy Brief. Istanbul Policy Center (July 2020). at: https://bit.ly/3yFk5R0 Aydın-Düzgit, Senem & Evren Balta. "Normative Challengers During A Pandemic: Covid-19 Reporting in Turkey And Russıa." Policy Brief. Istanbul Policy Center (October 2020). at: https://bit.ly/3yN88IT Bakir, Caner. "The Turkish State's Responses to Existential COVID-19 Crisis." Policy and Society. vol. 39, no. 3 (2020). Balbo, Nicoletta et al. "Demography and the Coronavirus Pandemic." Population and Policy Brief. no. 25. Population Europe (May 2020). at: https://bit.ly/3yiHDv5 Balta, Evren & Soli Özel. "The Battle Over the Numbers: Turkey's Low Case Fatality Rate." Institut Montaigne. 4/5/2020. at: https://bit.ly/3yKOD3K Barsoum, Ghada. "Egypt's Many Public Administration Transitions: Reform Vision and Implementation Challenges." International Journal of Public Administration. vol. 41, no. 10 (November 2018). Capano, Giliberto et al. "Mobilizing Policy (In)Capacity to Fight COVID-19: Understanding Variations in State Responses." Policy and Society. vol. 39, no. 3 (July 2020).

Greer, Scott L. et al. "The Comparative Politics of COVID-19: The Need to Understand Government Responses." Global Public Health. vol. 15, no. 9 (2020). Kasapoglu, Can. "Can the Turkish Military's Fight Against the Pandemic Set an Example for NATO?" Eurasia Daily Monitor. vol. 17, no. 114 (2020). at: https://bit.ly/2UEyDBM Keyman, E. Fuat & Andrew O Donohue. "The Five Challenges to Erdoğan's Executive Presidential Rule after the Coronavirus." The German Marshall Fund of the United States. 9/9/2020. at: https://bit.ly/2VkLER9 Medhat, Mohammed A & Mohamed El Kassas. "COVID-19 in Egypt: Uncovered Figures or a Different Situation?" Journal of Global Health. vol. 10, no. 1 (2020). at: https://bit.ly/2WYZLfR Mohsen, Ahmed. "Government Responses Toward The Coronavirus Crisis: A Comparative Analysis Of Egypt, Turkey, And Saudi Arabia." Expert Brief. Al Sharq Strategic Research. 20/7/2020. at: https://bit.ly/3yMuBG7 Painter, Martin & Jon Pierre (eds.). Challenges to State Policy Capacity: Global Trends and Comparative Perspectives. London: Palgrave Macmillan, 2005. Peters, B. Guy. "Policy Capacity in Public Administration." Policy and Society. vol. 34, no. 3-4 (2015). Smith, Kevin B. & Christopher W. Larimer. The Public Policy Theory Primer. Colorado: Westview Press, 2009. Sobaci, Mehmet Zahİd, Nebİ Mİş , & Özer Köseoğlu. "Turkey ' s New Government Model and the Presidential Organization." SETA Perspectiv. no. 45 (July 2018). at: https://bit.ly/2Vuhxqv Stojkoski, Viktor et al. The Socio-Economic Determinants of the Coronavirus Disease (COVID-19) Pandemic. ARVIX (17/11/2020). at: https://bit.ly/3jmJgBZ The World Bank. "World Bank Open Data." at: https://bit.ly/3BOM9nu _______. Population Ages 65 and above (% of Total Population) - Egypt, Arab Rep., Turkey/ Data. Washington: 2019. at: https://bit.ly/3kaJZYO Üstüner, Yılmaz & Nilay Yavuz. "Turkey's Public Administration Today: An Overview and Appraisal." International Journal of Public Administration. vol. 41, no. 10 (October 2018). Wu, X. M. Ramesh & M. Howlett. "Policy Capacity: A Conceptual Framework for Understanding Policy Competences and Capabilities." Policy and Society. vol. 34, no. 3–4 (November 2015).