العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر

عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر

“Merahrah Bread”: The Political Economy of Food Sovereignty in Egypt

عبده موسى البرماوي

الملخّص

عنوان الكتاب: عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر المؤلف: محمد رمضان وصقر النور. الناشر: الجيزة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات. تاريخ النشر:. 2021 عدد الصفحات: 236 صفحة.

Abstract

The book examines the concept of food sovereignty, an often overlooked, resistance-based idea rooted in people’s everyday struggles against impoverishment and austerity. It highlights how agricultural sovereignty intersects with demands for radical democracy and social justice in the Arab region, especially after the Arab Spring. Drawing on field evidence, the book raises a critical call against neoliberal policies shaping Egypt’s agricultural economy and sheds light on the neglected, impoverished rural communities of Upper Egypt.

الكلمات المفتاحية:
  • الاقتصاد السياسي
  • السيادة على الغذاء
  • مصر
Keywords:
  • Egypt
  • Political Economy
  • Food Sovereignty

Researcher at the Arab Centre for Research and Policy Studies. Email: abdou.moussa@dohainstitute.org

نبّه الغزو الروسي لأوكرانيا مجددًا إلى الأثر الهائل في معيشة الفقراء حول العالم لما بات يسمى أزمة أسعار الغذاء، وهي الأزمة الممتدة منذ أن حدثت الأزمة المالية العالمية (2008)، وليس بمستغرب أن تُصدى أجراس هذا التنبيه في بلادنا العربية بحدةٍ مضاعفة؛ إذ إنها بين مجتمعات الجنوب الفقيرة الأشد هشاشة أمام تقلبات السوق العالمية واليوم نراها تقف رهينة تلك الحرب التي اندلعت بين طرفين يسيطران على صادرات القمح إلى المنطقة. بل إن الحال تصل إلى أقصاها في بلد كمصر، اعتمد على روسيا وحدها في تدبير 69 في المئة من احتياجاته من القمح في عام 2021. ويسود التوقع بأن تسجل أسعار هذه السلعة الاستراتيجية ارتفاعًا يجاوز ال 40 في المئة. في المقابل كثر الحديث عن خطط طارئة للحكومة لأجل الاستعاضة عمّ يُستورَد من شرق أوروبا، عبر التوسع مجددًا في خطتها لزراعة 3.6 ملايين فدان من القمح المحلي، بغية تحقيق 62-60 في المئة من الاكتفاء الذاتي منه هذا الموسم، ومن المقرر أن تنتج 9.5 إلى 10 ملايين طن، من أصل احتياج يقدَّر ب 18 مليون طن. يُتوقَّع أن تأتي الخطط الجديدة على حساب المحاصيل النقدية التي يعتمد على عوائدها الاقتصاد الزراعي في مصر. ويسهل مع هذا التراجع أن نتوقع جملة مضافة من التداعيات على معيشة الفلاح المصري، فتصاعد سعر مشتقات البترول مجددًا، في ظل قفزات السعر العالمي بسبب الحرب، ينعكس سلبيًا على أسعار العديد من مدخلات الإنتاج الزراعي. والأمر ليس في حاجة إلى كارثة مضافة، في ظل ما تعانيه الاقتصادات العربية منذ عامين من آثار تعطيل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) لسلاسل الإمداد على الصعيد العالمي، على نحوٍ قفز بمجمل أسعار الغذاء إلى مستوى استثنائي. صحيح أن ارتفاع أسعار الغذاء على الصعيد العالمي ظاهرة مرصودة تحرّكها سياسات اقتصادية دولية بعينها، لكنها تزداد سوءًا مع الكوارث التي تصيب النظام الاقتصادي العالمي، وتجعل ميزته في الاعتمد المتبادل هي ذاتها عيبه الأكبر؛ ففي أزمات كتلك، تزداد معدلات سقوط المزيد من سكان بلدان الجنوب في هاوية الفقر وتدهور المعيشة. وفي ظرفٍ كهذا، تجد السياسة الزراعية في مصر نفسها محل اختبار حقيقي، وبخاصة في منحاها النيوليبرالي، المرتكز على تصور بعينه للتقسيم الدولي للعمل، يؤدي فيه الجنوب دور المصدّر للخامات ومدخلات الصناعة الأولية، بما فيها المنتجات الزراعية، وتربطه في توفير احتياجاته علاقات لا تكافؤية مع المنظومة الرأسملية. جعلت النيوليبرالية من هذا التقسيم "طبيعة" ومعطى اقتصاديًا ثابتًا، بينم خطابها الأيديولوجي يَعِدُ من يتحملون قسوة هذه السياسات بتساقط الثمر عليهم. لكن حقيقة تدهور الموقف

"Middle East to Suffer from the Grain Shortage due to the War in Ukraine," Business Standard , 7/3/2022, accessed on 7/3/2022, at: https://bit.ly/3Oo8E8O تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن روسيا تحتل رأس قائمة الدول الموردة للقمح إلى مصر، حيث سجلت قيمة واردات مصر منها 1.2 مليار دولار وبكمية بلغت 4.2 ملايين طن بنسبة 69.4 في المئة من إجمالي كمية واردات مصر من القمح، وذلك في خلال ال 11 شهرًا الأولى من عام 2021. ينظر: محمد سامي، "بعد أزمة روسيا وأوكرانيا.. إجراء جديد من التموين بشأن استيراد القمح"، مصراوي، 2022/2/26، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3KHMD2q Salma El Wardany & Abdel Latif Wahba, "War Choking off Wheat Leaves Middle East Buyers Most Vulnerable," Bloomberg , 2/3/2022, accessed on 20/4/2022, at: https://bit.ly/3KYZ1eU "الحكومة ترفع مستهدفها لمشتريات القمح المحلي مع احتدام الصراع الروسي الأوكراني"، إنتربرايز، 2022/3/2، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3vYFI0n للمزيد عن آثار جائحة (كوفيد 19-) في أسعار الغذاء على الصعيد العالمي، ينظر تقرير لجنة الأمن الغذائي العالمي: "Impacts of COVID-19 on Food Security and Nutrition: Developing Effective Policy Responses to Address The Hunger and Malnutrition Pandemic," Committee on World Food Security , September 2020, accessed on 21/4/2022, at: https://www.fao.org/3/cb1000en/cb1000en.pdf

المعيشي لفلّحي الجنوب في العموم، ولفلّحي منطقتنا على وجه الخصوص، منذ أن طبّقت هذه السياسات، تطرح علامة استفهام كل يوم، تشكك في صدق هذه الوعود؛ وكيف يخفى أن تلك السياسات لم تعد تصنعها يدٌ خفية، بل يرى فقراء الجنوب يدًا علنية للشركات المتعددة الجنسيات، ولرأس المال الدولي الاحتكاري، الذي تحرر من كل قيد بفضل الاتفاقات الدولية لتحرير التجارة، في صنع هذه الأوضاع. من هنا، تنبع أهمية المفاهيم البديلة والمقاومة لأيديولوجيا النيوليبرالية، وبخاصة مفهوم السيادة الزراعية، الذي يدور حوله هذا الكتاب المهمّ للاقتصادييَن محمد رمضان، الباحث في المبادرة الوطنية لدعم التعاونيات، وصقر النور، الباحث المشارك في معهد بحوث التنمية المستدامة في باريس. يتضاءل الاهتمم بهذه المفاهيم المقاومة، المستقاة من ممرسات الناس وأفعالهم في مواجهتهم غوائل الإفقار وآثار سياسات التقشف، بالرغم من وضوح أنها الجزء المخفيّ من التحولات الاجتمعية والسياسية. ولعل المتأمل في الأحوال المعيشية في

المنطقة العربية خلال العقد الماضي يدرك مدى صعوبة فصل مفاهيم السيادة الزراعية عمّ أضمره الربيع العربي من مطلبيات الديمقراطية الجذرية، وما يتصل بها من ديمقراطية التوزيع، وهو بعض من حلم الجمهير بعدالة اجتمعية تترجم في سياسات لا تنحاز ضد الفقراء في الريف وهوامش المدن، وتنتج مكاسب حقيقية يلمسها هؤلاء المغبونون. هذا الكتاب بمنزلة صرخة علمية، معززة بالشواهد الميدانية، في وجه السياسات النيوليبرالية وطغيانها على الاقتصاد الزراعي في مصر. وهو يلفت النظر إلى عالم منسيّ، بقرى حزام الريف الأشد فقرًا في شمل صعيد مصر ووسطه. ومن قلب هذا العالم الشديد القسوة، يبين الكتاب تجارب صغيرة لفلاحين على حوافّ الإدقاع قدّموا صورًا مدهشة لمقاومة النيوليبرالية. مقاومة تقوم على فكر عملي تحت مسمى "السيادة الغذائية" وجعلها أولوية قصوى، وتترجم في قرارات اقتصادية ذكية، وشديدة التأثير في معيشة الأسر. تنتهي هذه القرارات إلى رفض الاندماج الكامل في السوق، وعدم الانصياع للمنطق النفعي، وتكوين صور تكيفية، تستجيب لضغوطات السلطة الزراعية وضغوطات السوق، لكنها لا تتنازل عن الحق في الغذاء الآمن والصحي، وفي عائد عن العمل مُجزٍ.

المنهج والتساؤلات وهيكل الكتاب

تبدو المنهجية التي اتبعها المؤلفان مركبة بين تحليلات الاقتصاد الزراعي ومقاربات علم اجتمع الريف، وأكثر ما يلفت الانتباه فيها هو التركيز على صغار المنتجين في الريف، ممن يعيشون تحت مظلة الفقر المدقع. يجيب الكتاب عن سؤال في قلب السياسة، وفي قلب علاقات المجتمع والدولة، ألا وهو سؤال العدالة الاجتمعية، على الرغم من محدودية نطاقه البحثي، باقتصاره على قريتين في صعيد مصر الشملي والأوسط، وتركيزه على دراسة عدد محدود من المحاصيل وليس مجملها. ويأخذنا أيضًا إلى مثال مهمّ عن سياسات السيطرة، وتحكّم السلطة في الجسد ونتاج عمله، وتفاعل هذا النتاج بوصفه قيمة تداولية مع آليات السلطة وانتظاماتها. ولعلّ أقول إنّ ما يرد في فصول الكتاب الستة إنما يجدد الطرح الكلاسيكي لهارولد لاسويل بخصوص معنى السياسة، ويراها من زاوية التوزيع، بمعنى أنّ فهم المصالح وممرسة التأثير وديناميات عمل القوة في الواقع الاجتمعي، يبدأ من الإجابة عن الأسئلة التالية: من يحصل على ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟

Harold D. Laswell, Politics: Who Gets What, When, How (New York: Whittlesey House, 1936).

يبسط الكتاب هذه المعضلة، آخذ ا بيد القارئ عبر رحلة تتبع ديناميات توزيع القيم في ريف مصر، سواء القيم المادية من الثروة والأملاك والموارد الطبيعية، أو غير المادية من مكانات ونفوذ. وعلى الرغم من صغر نطاق البحث وصعوبة الادعاء بإمكان التعميم انطلاقًا من استنتاجاته، تبصر فوائد فيه، إذ على الأقل ينبّهنا

كباحثين لإمكانية بحثية كبيرة في ظواهر اجتمع الريف؛ وهي ظواهر تستحق عنايةً أكبر. ربط الكتاب بين أحوال قرى صغيرة فقيرة وأوضاع فقراء الجنوب. وفي تضاعيفه يمكننا إبصار من أين يأتي فقرها هذا، من عين تستوعب ترابط علاقات الاستغلال؛ استغلال المدينة لريفها، واستغلال المركز الحضري لأطرافه، واستغلال قلة الهيمنة على القرار الاقتصادي (ملّكًا ومستثمرين يرتدون قفازًا اسمه السياسيون) لكل هذا، وكيف يمثلون الجسر بعملهم وكلاء للشركات الكبيرة المتحكمة في الاقتصاد العالمي، ويلتزمون بقيود وروابط تضمر سلطوية هذا النظام الاقتصادي الدولي، تضمن في الأخير استنزاف القيمة ونقلها صوب المركز. لقد اجتهد المؤلفان في تفكيك عناصر مصطلح السيادة الزراعية، منطلقيَن من فهم للمنظومة الدولية للغذاء، وما شهدته آليات عمل الرأسملية الزراعية على الصعيد الدولي، وكيف يجري تحريك القيمة من بلدان الأطراف في هذا النظام نحو مركزه، وضمن إطار مفهوم حرية التجارة النيوليبرالي الراهن، الذي اندمجت فيه البلدان الزراعية، كمصر ومثيلاتها في العالم الثالث، في هذه المنظومة ومبادلاتها اللامتكافئة. وهم منتبهان لتشغيل الكثير من مفاهيم نظريات الفعل والمقاومة الاجتمعية أمام النيوليبرالية ولعبتها في فرض مفاهيمها الضيقة الرؤية، التي تجعل من المنفعة الاقتصادية اختزالً لمعنى المنفعة الاجتمعية الأوسع، وتفرض مركزة الإنسان الاقتصادي economicus homo في بؤرة التفكير السياسي. وسيدهش القارئ لبراعة تطبيق الفلاحين في هذه القرى البعيدة مفاهيم اقتصادية متطورة على بساطتها من الوجهة الإنسانية. إضافة إلى المقدمة، ضمّ الكتاب ستة فصول؛ رسم الباحثان في الفصل الأول (ص. 21-40) إطارًا منهاجيًا شديد التمسك، اجتهدا فيه لإيضاح البنية المفاهيمية المركبة التي وظفاها في أقسام الكتاب الخمسة الأخرى. كم بيّنَا الفوارق بين ما وصفاه بالسيادة الغذائية وما عنته التوجهات النيوليبرالية بشعار "الأمن الغذائي" الرنّان. وأبرزا التباين المنهاجي في تناول السياستين على الصعيد البحثي. ومن هذه المداخلة الجدالية عرّجا على الفصل الثاني (ص 78–41)، بعرض بانوراما تاريخية للتحولات التي عرفها الريف المصري عبر القرن العشرين، وبيَّنا العوامل الرئيسة وراء هيكلة اقتصاده الزراعي على النحو الذي نراه اليوم، وبخاصة ما يتصل بالتأطير القانوني للملكية وسلطة إدارة الريف وتنظيم الدورات الزراعية، وغيرها. دلف الباحثان في الفصل الثالث (ص. 79-114) إلى الجانب الميداني مباشرة، وقدّما بحثًا ميدانيًا عن محصول البطاطس، بوصفه أحد أبرز المحاصيل التي تسمها القيمة التجارية العالية، وتقف على رأس قوائم التصدير، وتتحكم في وجودها الشركات والدولة معًا، وتؤثر سياسات زراعتها في نواتج العمل وفي نمط الغذاء. وينضم إلى هذا الفصل فصلٌ رابع مكمّل (ص. 115-144)، يطرح نموذجًا للربط الإدماجي بالسوق العالمية، وهو سياسة الزراعة التعاقدية الملزمة، تطبيقًا على إنتاج السكر من البنجر، وأدوار شركات الإنتاج المحتكرة لمحصول البنجر. يبرز الفصلان إشكالات إدماج عمل الفلاح المصري وما ينتجه في السوق العالمية، وطبيعة الآليات السلطوية والاستغلالية التي تنجز هذا الإدماج. وفي الفصل الخامس (ص. 145-176) ناقش الباحثان تطبيق مفاهيم السيادة الغذائية، وما يعترض ذلك من معوقات، وبخاصة مع تحولات الملكية في القريتين محلّ الدراسة. توسّل الباحثان في

ذلك حزمة من المتغيرات الكمية والنوعية، ليضعا أمام عينَي القارئ صورة بانورامية لتشكّل علاقات الإنتاج الزراعي في الريف المصري. وفي الفصل السادس أبرز الباحثان (ص. 177-206) الموضوع الأكثر إثارةً للجدل، والذي اقتبس

منه اسم الكتاب، أي موضوع الخبز، أو بلغة المصريين "العيش". وألقيا الضوء على الأبعاد الجندرية للمقاومة عبر السيادة الغذائية وكذلك بيَّنَا دور القدرات التنظيمية التضامنية في مجتمعات الريف الفقيرة في هذه المقاومة. في نهاية الكتاب وضع الباحثان خاتمة تولّف بين نواتجه، وتمنحنا أفقًا لفهم مفهوم السيادة الغذائية على مستويَي الفكر والممرسة، وكيف يتحدى العديد من النظم الراهنة التي تشوه معنى العدالة على الصعيد العالمي. نركز فيم يلي على بعض أفكار الكتاب التي نرى فيها أساسًا مكينًا لجدلٍ مطلوب من الجمعة البحثية المعنية بالسياسات وبالاقتصاد الزراعي وبالحركات الاجتمعية، فضلً عن المعنيّيِن بالديمقراطية الجذرية وبطبيعة العلاقات الدولية الراهنة.

السيادة الغذائية مفهومًا وحركة

يحدثنا الكتاب، الذي رعته مبادرة أهلية صغيرة تأسست في محافظة الفيوم، وهي إحدى أفقر المحافظات في صعيد مصر، عن انكشاف الريف وقواه المنتجة أمام القوى الاحتكارية المحلية والدولية، وعن فعل المقاومة المتمثل في السعي لأجل "السيادة الغذائية". ويبين أن السيادة الغذائية مفهوم يجمع بين ما هو اقتصادي وما هو اجتمعي حركي؛ فمرتكزه هو تمكين الفلاح، وإعادة الاعتبار للبيئة المحلية، والأولوية لاحتياجاتها، من خلال تحقيق توازن عادل مع قوى السوق، يقي من انكشاف الفلاحين أمام أزمات كتلك التي حملتها جائحة فيروس كورونا والحرب في أوكرانيا. قد يبدو مفهوم السيادة الغذائية منتميًا إلى عالم قديم طمرته قوى العولمة، وهو أمر لا يجافي الحقيقة؛ فقد قصد به المؤلفان، وقصدت به الحركة العالمية التي تعبّ عن مسعاه، استراتيجية لمناهضة سياسات ترشيد شملت النظام الغذائي عالميًا، وبعضها كم هي الحال في مصر حمل مسمّيات رنانة، كاسم "الأمن الغذائي"، في حين أنّ محتواه لم يجاوز الإفقار والتجويع، والانصياع التام لهيمنة الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات على الاقتصاد الزراعي في الجنوب، والتحكم في المنظومة الغذائية على مستوى العالم أجمع. من هنا، يبرز مفهوم السيادة الغذائية أساسًا لحركة اجتمعية واسعة عابرة للحدود. تعي هذه الحركة ارتكاز السيادة الغذائية على حق طبيعي وأصيل للإنسان، هو الحق في الغذاء، ووجوب تمكين الناس من النفاذ إلى موردٍ آمن ومناسب لحاجاتهم المعيشية والاجتمعية والثقافية. وأنّ الأصل في هذا المفهوم هو أولوية حاجات البشر في المجتمع المحلي وكفايتها، على أي اعتبارات اقتصادية أخرى. من ثم، تروم الحركة بناء أنظمة بديلة لنظم إنتاج الغذاء الراهنة، لا تحطم عوالم الفلاحة والصيد والرعي، بل تعزز استقلالها، ولا ترهن بطن المجتمع لإرادة المتحكمين في رأس المال الدولي الكبير وصناع السياسات الزراعية المنحازة؛ ولطالما أثبت هؤلاء نفورهم من الدعوة لاستيعاب احتياجات المجتمعات المحلية، فضلً عن احترام إرادتها، وكذا هدر خبرتها، ونفي طابعها وعناصر انتظامها واستقرارها. تشدد خبيرة الحق في الغذاء هالة بركات على أهمية تعيين الفارق بين سياسات الأمن الغذائي وما تطالب به من السيادة الغذائية؛ الأخير مفهوم يُعنى بما هو أبعد من مجرد توفير كمٍ كافٍ من الغذاء، إذ يدعو إلى نظام بديل لتأمين الاحتياجات الغذائية، يتسم بالتكامل والشمول، ويلتزم معايير للجودة والاستدامة، تؤطر معنى المصلحة الفضلى للفلاحين بوصفهم منتجي الغذاء.

هالة نايل بركات، "السيادة الغذائية- لماذا؟"، مدى مصر، 2013/11/24، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/35YKy2G

ونستشف من جدالات الكتاب أنّ مثل هذا التوجه لا مجال لأن ينشأ بغير حركة شعبية، محلية وعالمية، قوامها تمكين وتقوية موقف المنتجين المباشرين، وهم في بلادنا في غالبهم من صغار المزارعين والصيادين ومربِّ الدواجن والمواشي، وضمن أن يكون لهم الدور الأكبر في صنع القرارات الخاصة بنظام إنتاج الغذاء. وهو أمر يحتاج إلى دعم المجتمع والحكومات لتعزيز قدراتهم على مواجهة الأوضاع الاحتكارية للشركات المتعددة الجنسيات، التي تسيطر على مدخلات الزراعة الأساسية، بذورًا وأسمدةً وطاقة، وكذلك دعمهم في مواجهة تحكّم شركات التصدير في التسعير وتحديد الجودة، وغير ذلك من أمور تؤثّر في السوق. يبرز الكتاب موقف السلطة في الحالة المصرية وكيف ظل رهينًا بهيمنة المنظور النيوليبرالي القائم على الانحياز لمصالح المستثمرين وقوى رأس المال والشركات على حساب المنتجين المباشرين. لم تر الحكومات المتعاقبة في السيادة الغذائية موقفًا استراتيجيًا يستحق التبنّي لصالح عموم المواطنين، وظلت تطرح أطرًا قانونية هي أقرب إلى إملاءات من هذه الشركات، وفي الممرسة، كانت تحمي مصالح ضيّقة لفئة من المستثمرين ووكلاء الشركات العالمية، بل بات القرار عمليًا بأيديهم، وخفتت تمامًا القوة التفاوضية للفلاحين.

السيادة على البذور يف مواجهة الاحتكار المعولم

من بين المسائل العديدة التي يطرحها الكتاب، تبرز قضية السيادة على البذور، بوصفها نقطة البدء في السيادة الغذائية، ويضعنا من لدن هذه المسألة أمام سؤال أوسع عن آثار الإدماج القسري لنواتج التفكير والعمل القادمة من عالم الجنوب في آليات السوق العالمية. ويقدّم الكتاب مشهدًا محليًا كاشفًا لحقيقة أنّ السوق العالمية للبذور باتت مرهونة بإرادة ثلاث شركات دولية (ص. 166) تسيطر وحدها على نصف السوق العالمية للبذور. لقد سعت هذه الشركات معززةً بقوة دولها لتأطير نظام عالمي مانع للتنوع البيولوجي في مجال البذور، تقف على رأسه اتفاقيتان هم اتفاقية حمية الملكية الفكرية TRIPS و"الاتفاقية الدولية لحمية الأصناف الزراعية الجديدة"، والمعروفة اختصارًا باسم UPOV. وقد شكّلتا إطار الحمية المطلوبة لنهب الأصول الوراثية. الاتفاقية الأخيرة التي أقرّها البرلمان المصري في عام 2017، وانضمت مصر بموجبها إلى الاتحاد الدولي لحمية الأصناف النباتية في عام 2019، بضغطٍ من المحتكرين في الصادرات الزراعية، تناهض في أساسها السيادة الزراعية، وتعتدي على حق الفلاح في ملكية الأصول الوراثية التي تستنبط في أرضه، والتي راكمت تجويدها وتحسينها جهود أجيال من الفلاحين المحليين، قبل المعامل والشركات. ودونما مبالغة، شرعن هذا الإطار ما يمكن اعتباره "منظومة كولونيالية الطابع"، للسيطرة على أصول الأفكار والسلع باسم هذه الحمية، وتشكلت معها موجة للنهب تغطّيها مفاهيم الحمية القانونية، التي انحازت إلى القدرة على الوفاء بشكليات قانونية، كسرعة تسجيل براءات الاختراع. يمثّل توطين هذه البنية القانونية الدولية المنحازة للشركات شرطًا للارتباط بالسوق الدولية، استيرادًا وتصديرًا. وهو ينطوي على إهدارٍ صريح لحقّ الفلاح في بذوره، وفي نتاج جهده المبذول عبر أجيال متعاقبة رعت تلك

في مقابل اعتراضات دعاة السيادة على الغذاء وحماية التنوع البيولوجي المحلي، تطرح الحكومة مسألة إقرار هذه الاتفاقية بوصفها نجاحًا. ينظر: إيمان محمد عباس، "ماذا يعني انضمام مصر لاتحاد حماية النباتات؟"، الأهرام، 2019/11/28، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3jVqQZu

الأصول الوراثية، وفي حيازة قيمتها، لصالح نظام لتوريد البذور ينحاز إلى الشركات. وفي ظل هذه السياسة لم تتورع الشركات الاحتكارية عن ممرسات أقل ما توصف به أنها شريرة، كانت تتخذ من العلم ستارًا لفرض وتعميم البذور المعالجة وراثيًا، والتي طالما حذّر منها العلمء أنفسهم. مارست بعض هذه الشركات أساليب عديدة لمنع إعادة إنتاج التقاوي والبذور من الأصناف المختلفة، لصالح فرض أصناف بعينها تملك حقوقها وإنتاجها، وعملت من خلال سلطات الدول وعبر وكلائها لوقف إنماء أي أصناف أخرى منافسة على الصعيد المحلي. ولم يكن مستغربًا أنّ هيمنة الشركات الاحتكارية على تجارة البذور قد قلّدتها الحكومة، بادعاء ملكية بعض أجهزتها للبذور بطريقة الشركات نفسها، بل نقل حقوق الملكية هذه إلى شركات خاصة، وعلى نحو ينكر حقوق المزارعين في البذور باسم الحمية القانونية. وكانت النتيجة منذ تطبيق هذه السياسات هي الانكشاف أمام الخارج، باعتمد الدولة على استيراد البذور، بنسبٍ تراوح بين 80 و 90 في المئة، في حين افتقر الإنتاج المحلي الضئيل، الذي تهيمن عليه وزارة الزراعة، إلى التطوير، حتى بات بعيدًا عن أي منافسة ممكنة. جرى الأمر ذاته بتممه في مجال الأسمدة والمبيدات، المرتبطة باستيراد البذور (لكل صنف ما يناسبه من الأسمدة والمبيدات، وغيرها)، وباتت جميعها تعتمد على الخارج. بات احتكار البذور حالً عالمية بسبب سطوة الشركات وهيمنتها، ولم يعد هناك مجال للتساؤل عن أسباب انصياع حكومات الدول النامية، كم هو في مصر. تكمن الإجابة في التوجه إلى التصدير؛ فالشركات الاحتكارية المورِّدة للبذور ذاتها تؤدي الدور نفسه في التحكم في معايير التصدير التي تتبناها دول الاستقبال، وبذلك تغلق الدائرة ولسان حالها يقول: لن تصدر حتى تستورد منا البذور، ولن نعطيك إياها إلا إن عطلت المنافسة ضدنا ولم تَحْم حقوقنا الفكرية على الأصناف، وبما يصب في الأخير في مصلحتها. ولعل بعض الإجابة يكمن في عامل الفساد. يقدّم الكتاب لمحة عن حال صغار المزارعين والكيانات المحلية منتجة البذور، والتي تعجز عن الوفاء بالشروط التي تفرضها اتفاقيات حمية الأصناف النباتية، والتي لا تعترف بأثر الاستزراع والفرز وتطوير أساليب الزراعة، بينم يقصر الاعتراف لدى سلطات التسجيل المحلية والدولية على الإثبات المعملي، وعبر طرق معقدة تسمح لمن يملك أدواتها بأن ينهب جهد الآخرين ويعطل إثبات حقوقهم. ورأينا أنّ هذه المنظومة تتجاهل الحقوق المشاعية؛ فلم تخلق هذه الأصناف أصلً في المعامل، ونسبة المستنبط منها من الطبيعة وعبر الفلاحة تبرر القول بالمشاعية، في مواجهة عنصر ضئيل لا شك في أن الفضل فيه للعلم والاستثمر. فلا ينفصل معنى السيادة على الغذاء عن الاستدامة البيئية، فمسألة التنوع البيولوجي باتت عرضة لقصفٍ عنيف من أدعياء الملكية الفكرية والمحاصرين لأي تنوّع في إنتاج البذور لصالح النظام

9 تثير حالة شركة مونسانتو للبذور هذا الأمر، فهي تعمل في مصر منذ عام 2008، وكانت قضيتها قد شغلت الرأي العام في مصر إلى درجة أثارت احتجاجات وتظاهرات شعبية، تساوقت مع الاحتجاجات العالمية ضد الشركة نفسها. ينظر: "لماذا نرفض مونسانتو؟"، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2013/5/24، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3pOiuGm 10 بركات. 11 تعدّ فترة يوسف والي وزير الزراعة المصرية خلال عهد مبارك كاشفة بوضوح لهذا العامل، فقد تعلّق أشهر قضايا الفساد في عهده بالبذور والمبيدات والانحياز إلى الشركات الدولية في هذين المجالين عبر تورّط الموظفين العموميين في مواقع القرار في تمرير مصالح الشركات لقاء الرشى. وقد أشارت العديد من الكتابات التي وثّقت لعهد مبارك ولأسباب الغضب الشعبي الذي أدى إلى الثورة عليه، وكان منها فساد وزارة الزراعة. ينظر: عزمي بشارة، ثورة مصر: الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.199

الاحتكاري الدولي. وبفقدان المزارع حقّه في البذور يفقد أول خطوة في مسار السيادة على غذائه ويتضاءل دوره في تقرير نظام الغذاء في البلاد لصالح تلك الاحتكارية المعولمة. يحتاج تحرير البذور إنتاجًا وتداولً إلى أكثر من جهد الفلاح، فهو يحتاج إلى بناء قدرات وطنية لإنتاج البذور، تضع الفلاح في بؤرة نظرها، وتشكّل جدران الوقاية له من غوائل الضغوطات الدولية. ولا تستطيع دولة واحدة القيام بهذا، ولا بد من مقاومةٍ عامّة من بلدان الجنوب، التي باتت تستنزف مواردها، أرضها ومياهها ومعرفتها وقوّة عملها، بأبخس الأثمان.

الفلاحات ومقاومة منظومة الغذاء الرديء

في الفصل السادس، يتناول الكتاب ثلاثية تلخص حال الريف المصري في وقتنا الراهن، تربط علاقات الإنتاج بالأبعاد الجندرية بطبيعة الإدماج في النظام الرأسملي؛ ثلاثية الخبز والنساء والسيادة الغذائية. استعرض الباحثان قرنًا من تطور أصناف القمح المصري، وكيف أسهمت جهود الفلاحين ووحدات البحوث الزراعية التابعة للدولة، في إكثار أبرز أصنافه، ثم كيف انتهت الحال بقوانين السوق لتحاصر إنتاج أصناف القمح المصرية، لصالح تعظيم الاستيراد. وبيّنا كيف ساد منطق التضييق، الذي أبرزت حالات الدراسة محاولات

الفلاحين للتخلص من قيوده، وصراع مكتوم مع فروض السوق وإلزاماتها. وركّزا على تطور منظومة إنتاج الخبز في الريف المصري، ونبّها للتلازم بين تغيّ أشكال الإنتاج المنزلية والتحولات العمرانية التي غيّت شكل القرية في مصر، بعد التحول للبناء بالخرسانة، والاستغناء عن البيوت الطينية، في سبعينيات القرن الماضي. للخبز في الريف المصري قيمتان لا تنفصل إحداهم عن الأخرى؛ فهو يحتل مكانة مركزية في غذاء الفلاحين (بل في غذاء عموم المصريين، بما جعل منه مرادفًا لمعنى "العيش"). وهو عمد مائدة الفلاح، ويستهلك نسبة 13 في المئة من الإنفاق على الطعام، الذي يقتطع نصف دخول الأسر الريفية في العموم. وهو البديل الغذائي الأنسب في نظر الفلاح ليعوض نقصان البروتين الحيواني الغالي السعر، والذي يستهلك أكثر من نصف الإنفاق على الطعام (لحوم وطيور وأسمك وألبان وبيض ودهون)؛ كذلك فإن للخبز رمزية اجتمعية عالية، إذ إنه "محمل بمضامين ثقافية واجتمعية طبقية"، ووجوده مصنوعًا في المنازل ووفق التقاليد الموروثة من عهود سحيقة "بشكل دائم في المنازل، وإهداء الخبز، وتعدد مرات الخبيز كل شهر، لا تزال تعبر عن مكانة الأسرة الريفية" (ص. 178). وعبر عقود من السياسات النيوليبرالية، عانى الفلاحون الحرمان من زراعة القمح ومدخلات الخبز الأخرى، في وقت باتوا ينظرون إلى الخبز المدعوم الذي توفره مخابز الحكومة على أنه رديء وأدنى اجتمعيًا، وغالبًا ما يجعلونه علفًا لحيواناتهم ودواجنهم. نحن نتحدث عن أصحاب ملكيات صغيرة ومتناهية الصغر، يعدّ استخدام ما يراوح بين السدس والخمس من مساحتها تحدّيًا في حد ذاته. لكن هذه المساحة الصغيرة باتت تشكّل باب الأمان الغذائي لهذه الأسر الفقيرة، ويبدأ أمانها كم أوضحنا من السيطرة على البذور. تخالف هذه الممرسة التعاقدات المفروضة، لكنها تقي الفلاحين من الاعتمد التام على السوق وعلى احتكار الدولة للبذور، بإدارة عملية إنتاج للبذور والتقاوي موازية، وباستبقاء جزء من المحاصيل لتقوم بهذه المهمة، وعدم انتظار ما توفره الآليات الحكومية، وبخاصة أن هذا الذي توفره لا يعكس الأنماط الغذائية والتفضيلات الخاصة بالفلاحين. يُظهر الكتاب كيف ظلت الحكومة تدفع لجهة زيادة الأصناف من الذرة الصفراء وإدخالها في مكونات الخبز، في حين يسعى الفلاحون الأشد فقرًا لزراعة الذرة البيضاء التي تدخل في خبزهم مخلوطة بالقمح. وحتى مع

القبول بهذا الخبز الموصوف بالرداءة، جاءت أزمة أسعار الغذاء التي صاحبت الأزمة المالية العالمية من عام 2008 وحتى 2011 بآثار وخيمة في معيشة الفلاحين. وبلغت الأزمة حدودًا مؤلمة، سقط خلالها مواطنون فيم عُرف حينها ب "شهداء الخبز" بسبب العنف والتدافع في الطوابير أمام المخابز المدعومة، بينم ظلّت الحكومة تنكر أدنى مسؤولية لها عمّ وقع من تأخّر في سلاسل الإمداد بطحين القمح في الريف المصري. في أوضاع الفقر هذه، أي في عالم الأسر المعدمة وتلك التي تقلّ ملكيتها عن الفدّان، وهي الحال الغالبة على من يعيشون في قرى مصر، يبُرز الكتاب دور النساء – وهو الدور الأهم في حقيقة الأمر - في تأمين غذاء صحي يفي بحاجات أسرهن، ويحقق الشكل الاجتمعي المناسب لثقافة الريف وأعرافه. وعلى الرغم من بقاء أشكال الهيمنة الذكورية التقليدية، التي تجعل الذكور يكادون يتفردون بالملكية وبالسيطرة على عوائد الإنتاج، وما يعترض جندرة العمل الزراعي من إشكاليات، في ظل انحياز علاقات الإنتاج إلى الذكور، ظل للمرأة الدور الرئيس في إدارة اقتصاد الأسر الريفية الفقيرة، في الحقل قبل المنزل، وأنيط بها صناعة القرار المتعلق بذلك، وبخاصة في إنتاج الخبز، سواء برعاية إنتاج أصنافٍ من القمح أفضل، وتشكيل خلائط من الطحين تناسب هذا الإنتاج بعيدًا عن سيطرة الجهات الحكومية. في حالات الدراسة، بادرت النساء إلى الاستفادة من مساحات صغيرة من الحقول تخصص لإنتاج احتياجات البيت من أصناف القمح الجيدة التي يفضلونها، بعد إكثار بذورها. وقمن على نحو جمعي، أو ما أسمه البحث "شبكة أهلية تضامنية"، بإنشاء طريقة إنتاج للخبز موازية، حققت المقاومة النسبية لسياسات السوق، وتحدي منظومة الخبز المدعم. أبرزت النساء وعيهن بقيمة التنظيم الاجتمعي، وقدرتهن على تشكيل صور تعاونية تضامنية ومشاعية، بإنشاء أفران للخبيز على حواف الحقول، يستخدمها الجميع، ويتشاركن فيها العمل، تديرها في الأغلب نسوة من أهل القرية تفرّغن للعمل خبّازات، ويرتبّن أدوار استخدام تلك الأفران بين السيدات، ويعاونهنّ في لقاء أجر مقبول. أبرزت مبادرات إنتاج الخبز المنزلي في حالات الدراسة قدرةً على توسيع مفاهيم اقتصادية بديلة، تتخطى الشكل النقدي النفعي الضيق، وتطور حتى مفهوم المنفعة، بعيدًا عن اختزال الإنسان في الشكل الاقتصادي المحض. بالطبع كان لهذه المقاومة حدودها، في مجابهة وحشية النيوليبرالية، لذا انعقدت على منطق اقتصادي هجين، جمع بين منطق السوق ومنطق السيادة الغذائية، وكان أساسيًا فيه كم أوضحنا تعظيم قيمة التضامنية، بنشوء شبكات اجتمعية للإنتاج، تتقدمها النساء. دورهن كان أساسيًا ويناسب طبيعة الفعل الاجتمعي في ظل هذه الظروف.

العمل يف مواجهة السخرة المقنّعة

إلى جانب إيضاح عمليات استنزاف القيمة في الزراعات النقدية، ومثالها محصول البطاطس (ص 113–79)، يقدّم الكتاب مثالً آخر يدل على الطابع الاستغلالي للعديد من السياسات الزراعية التي تطرحها الحكومة، وتزيّنها بشعار الحلول لأزمات قائمة، بينم تكمن غايتها في استنزاف القيمة من الريف، وهو مثال الزراعة التعاقدية وتطبيقاتها في مجال إنتاج محصول البنجر لغرض صناعة السكر (ص 144–115).

12 تتعدد تفاصيل هذه الحالة المأساوية، وتتعدد فصولها، ومنها على سبيل المثال ما يحمله هذا الخبر: "أم سمية أسلمت الروح قبل الرغيف وأخرى ماتت وهي تحتضنه: مشاهد وشهادات من قلب طوابير الخبز"،، 2008/4/10، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3rEdepQ البيان

هذا النمط على ما فيه من بعض الأوجه الإيجابية، وبخاصة ما يتعلق بتنظيم الإنتاج الجمعي لمحاصيل نقدية عالية القيمة في ملكيات متقزمة، ظل يضمر "أشكالً من الهيمنة والإخضاع" (ص. 144) أساسها حرمان الفلاح من نصيبه الأوفى في هذه القيمة، وانشغل بتمريرها إلى جيب الشركات المحتكرة للمحصول، والتي تفرض العقود أن يورد لها الفلاح نتاج أرضه، بسعرٍ وجودة هي من يحددها. الزراعة التعاقدية التي يبسط لنا الكتاب نموذجها في صعيد مصر، هي علاقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحكامة العادلة، يميل ميزانها إلى مصالح الصناعات الزراعية على حساب الفلاحين المنتجين، وتنحاز الحكومة إلى هذه المصالح باسم تعزيز الصادرات الزراعية. الزراعة التعاقدية هي سياسة جرى تقنينها في عام 2015، بعد عقدين من تجريبها حفلت بمقاومة الفلاحين، على الرغم مم يعلن عن إغوائها المتمثل في ضمن دخل محدد من نتاج الأرض. ما يطلب وفق هذه الصيغة التعاقدية من الفلاح، سواء التزامه بتوريد كمية معينة من المحصول لكل فدان، أو الالتزام بمعايير للجودة بعينها، لا يقابله التزام من الشركات المحتكرة بأن تقدم تيسيرات تمويلية للفلاحين أو معاونات فنية أو تخفف عنهم أعباء الإنتاج، من أسمدة وغير ذلك. وتعبر صيغة التعاقد الجمعي مع أصحاب الملكيات المتناهية الصغر دون النصف فدان، وهم نسبة كبيرة من الفلاحين المصريين، ومجمل ما يعرف بسياسات الإدماج الأفقي للفلاحين في منظومات الإنتاج، عن بؤس هذه العلاقات الاحتكارية، وهشاشة وضع الفلاح في مقابل المصانع التي يورّد لها المحصول. أنتجت محاولة الفلاح التكيف مع هذا النظام عدة صور للمزاملة وتأجير قوة العمل وتداول الأيدي العاملة بنظام مبادلة الوقت، لكن هذا لم يسهم كثيرًا في تحسين وضعية الفلاح ضمن العلاقات التعاقدية، ولم يضمن له توازنًا بين التزامات توضع على كاهله وما على الشركات المنتجة للسكر من الالتزامات. ينعكس هذا البخس بحدّة على سعر العمل، الذي ينزل إلى مستويات شديدة التدني، في مقابل ما تحصّله الشركات من عوائد بيع السكر المصنع. تبرز الدراسة، التي تعتمد على مقابلات ميدانية، كيف ظل الإدماج العادل للفلاحين في السوق مطلبًا مرفوعًا، لكن الاحتكارات عملت على عرقلته، في ظل غياب لمستويات الحكامة المستقلة؛ هذه الحكامة من شأنها أن تضبط تسعير المحاصيل، ولا تترك تقييم كفاءة المحصول الزراعي بيد الشركات. أدت هذه الحال إلى بخس نتاج عمل الفلاح وفرض أسعار غير عادلة لتوريد محاصيله. برهنت تحليلات عديدة على الطابع الاستغلالي والاستنزافي لمثل هذه السياسات، التي تورد للبلدان الغنية ولشركاتها في التحليل الأخير المياه والخصوبة والعمل الماهر بأسعار غير مجزية، وأن السياسات الزراعية المنحازة ضد الفلاح هي الأداة في هذا الاستنزاف، الذي يعبر عن طبيعة التقسيم الدولي للعمل في ظل النيوليبرالية.

خاتمة

يعيننا كتاب عيش مرحرحالصادر قبل أن تلقي الحرب في أوكرانيا المزيد من علامات الاستفهام عن الانكشاف أمام هزات السوق العالمية، في كشف بعض أوجه السياسات النيوليبرالية ودورها في الإفقار المنظم للريف. في المقابل يبين مقاومة تحتانية، أساسها مفهوم السيادة الغذائية. وقد بين معالمها بوصفها ممرسة في أرض الواقع الريفي، تشتق من أفعال المزارعين دلائل على حجية هذا المفهوم والنظام الغذائي الذي ينادي به. وبيّنه الكتاب كذلك بوصفه حركة تناهض تلك السياسات الزراعية المطبَّقة منذ سبعينيات القرن الماضي، تحت مسمى الأمن الغذائي، ورهانها على الشركات الاحتكارية لا على التنظيم الاجتمعي للفلاحين.

لقد بيّ الكتاب مثالب هذه السياسة، وبخاصة أنّ قوامها الخصم من قدرات المجتمعات الريفية على الإنتاج، بل إعاقة قدراتها في التنظيم والعمل الذاتي لأجل ترسيخ مفاهيم اقتصادية لا تتخطى مجرد المنفعة المحضة وحساباتها الباردة. هذا الكتاب سردٌ منمّق لمأساة، ملخّصها إنه في ظل النيوليبرالية تستحيل السياسة العامة مجرد انعكاس لإرادة القوة التي لا تحدّها سوى حسابات نفعية باردة، وهيمنة القلة على التنظيم السياسي للدولة، حتى باتت مجرد أداة استغلال مجحفة لحقوق القطاع الأوسع من المجتمع. ويبرز من بين دروسه ما قدّمته حالتا الدراسة من دلائل على دور التوجهات النيوليبرالية في تحويل المجال السياسي إلى لعبة تدور بين جمعات تعبّ عن أشد المصالح ضيقًا، ويهمّش فيها بقوة الفاعلين الاجتمعيين. لقد توسلت عمليات نزع القيمة من الريف نماذج للحكم والإدارة منحازة إلى صالح رأس المال، وتمارس مختلف صور الإجبار السلطوية لإنجاز مهمتها. في قرى الدراسة جرى ابتداع مفاهيم اقتصادية بديلة للتصورات النفعية الضيقة والمسببة لإفقار الفلاحين، وقُدّمت صور حية من واقع الإنتاج الزراعي تظهر انعكاسات التحولات التي عرفها الريف عبر العقود الماضية، وكيف تأثرت المعيشة الاجتمعية بتشوهات علاقات الإنتاج بريف مصر، وبانحياز القوانين والسياسات العامة إلى صالح رأس المال المحلي والأجنبي. هذا الكتاب حافل بدروس عن الفقر والتمييز وتهميش الريف وجندرة الإنتاج الزراعي وبخس العمل والوصول إلى حدود الاستغلال القصوى للفلاحين في ظل السياسات الاحتكارية النيوليبرالية. صحيح لم تشمل الدراسة العديد من المعوقات التي تعترض الاقتصاد الريفي، ولم تخف القدرة المهولة للسياسات النيوليبرالية المعززة بانحياز السلطة وطغيان بيروقراطيتها، لكن القارئ سيلمح أفقًا يضيئه الكتاب يبشّ بإمكان التحول عن النيوليبرالية ونقض أوهام الأمن الغذائي، لصالح سياسات بديلة قوامها السيادة الغذائية، والانحياز إلى الفلاح المنتج. ويدعو لتوسيع هذه الحركة الاجتمعية، التي في مقدورها أن تفجر قدرات الريف، وتضع الفلاح في بؤرة نهضة جديدة، حين تجزيه عن عمله أجرًا وملكًا ومكانة. يبشر الكتاب بتحولات إيجابية في الريف، لم يخفها فقره، أساسها قيم التضامنية والتعاونية، والرغبة في تعزيز التوجهات المستقلة والتحول صوب أنماط للزراعة مستوعبة لاحتياجات الريف ولا تنفي المفاهيم الاقتصادية النفعية، دون وجهها المنحاز والمفقر. سياسات تسندها منظومة تشريعية، يكون قوامها العدالة الاجتمعية، وهدفها سيادة الفلاحين على مخرجات أرضهم وعملهم. يبرز الكتاب صور المقاومة في مواجهة سياسات خفض حصص المياه، وفرض نوعيات معينة من التقاوي والبذور، وفرض توريد كميات بعينها، لقاء أسعار بخسة، وكل ما يدعوه الباحثان "أشكال من العنصرية البيئية" تستهدف الفلاحين بخصم حقوقهم في الموارد المائية والبيئية، في حين تعطي بسخاء هذه الموارد للشركات وكبار الملاك. وبالتوازي مع النمط المتقشف المفروض على الفلاحين، ترعى الحكومة نمط الزراعة الرأسملية الكثيفة، والصناعات الزراعية المرتبطة بها، وهي زراعات يتأسس نموذجها على معاداة لمعايير الاستدامة البيئية. ظل هذا النمط يقود مجمل الاقتصاد المصري منذ تطبيق سياسات الانفتاح مع سبعينيات القرن الماضي، حتى ليمكن القول إن مصر تمثل حالة مثالية بين بلدان العالم الثالث في فرض السياسات النيوليبرالية.

13 Miguel A. Centeno & Joseph N. Cohen, "The Arc of Neoliberalism," Annual Review of Sociology , vol. 38, no. 1 (2012), pp. 317-340. 14 بدأت سياسة الانفتاح مع الرئيس السادات، وفي التسعينيات برزت سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي، وكان في القلب منها مشروع ضخم لتصفية القطاع العام وخصخصته، وفي العقد الأخير من عهد مبارك تسارعت خطى فرض التوجهات التقشفية، وازدادت حدّتها مع النظام الحالي.

المراجع

عربية

للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

أجنبية

References

بشارة، عزمي. ثورة مصر: الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي

Centeno, Miguel A. & Joseph N. Cohen. "The Arc of Neoliberalism." Annual Review of Sociology. vol. 38, no. 1 (2012). Laswell, Harold D. Politics: Who Gets What, When, How. New York: Whittlesey House, 1936. "Impacts of COVID-19 on Food Security and Nutrition: Developing Effective Policy Responses to Address the Hunger and Malnutrition Pandemic." Committee on World Food Security. September 2020. at: https://www.fao.org/3/cb1000en/cb1000en.pdf