حقوق الجنسية والمواطنة للفلسطينيين في المشرق العربي مع التركيز على لبنان
Palestinian Nationality and Citizenship Rights in the Arab Mashreq with a Focus on Lebanon
الملخّص
ملخص: تهتمّ هذه الدراسة بواقع الجنسية وحقوق المواطنة بالنسبة إلى الفلسطينيين في بلدان المشرق العربي، مع التركيز على الحالة اللبنانية، وفق منهجية دراسة الحالة التي تُستخدم لتوليد فهم متعمق ومتعدد الأوجه لقضية معقدة في سياقها الواقعي. وتستعرض مسألة الجنسية الفلسطينية من منظور تاريخي وما ترتب عليها من تحوّل الفلسطينيين إلى عديمي الجنسية بالمعنى القانوني، وليس بمعنى الهوية الوطنية، مع إلقاء الضوء على نظام الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي، ومكونات النظام الإقليمي العربي لحماية اللاجئين الفلسطينيين، والإشارة إلى الثغرات التي تعتري هذين النظامين وسبل معالجتها. وتتناول الدراسة التفاوت في الأوضاع القانونية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين في دول المشرق العربي (الأردن وسورية والعراق ومصر ولبنان)، وانعكاس ذلك على الحقوق الأساسية للفلسطينيين، بما فيها حق الإقامة، مركزةً على إشكالية الأهلية القانونية للدولة الفلسطينية في منح جنسيتها للاجئين المقيمين على أراضيها ولمن يعيشون في الشتات، في إطار محاولات السلطة الوطنية صياغة قانون للجنسية الفلسطينية.
Abstract
Abstract: This study addresses Palestinian nationality and citizenship rights in the countries of the Arab Mashreq to generate an in-depth, multi-faceted understanding of this complex issue in context. The study begins with a historical review of Palestinian nationality, starting in the Ottoman era, passing through the British Mandate, and continuing on to the 1948 Nakba and the dispossession and displacement of Palestinians that followed. At that time, Palestinians became stateless in the legal sense, but did not lose their national identity. The paper thus distinguishes the concept of citizenship from the concept of nationality and its significance for Palestinians. The study sheds light on international legal protection mechanisms for Palestinian refugees and on the components of the Arab regional system of protection for these same refugees, identifying gaps in these two systems and how they can be addressed. It also presents the disparities in the legal status of Palestinian refugees in the Arab Mashreq countries (Jordan, Syria, Iraq, Egypt and Lebanon) and, with a focus on Lebanon, how this affects Palestinians' basic rights, including the right to residency. Furthermore, the study explores the legal capacity of the Palestinian state to grant nationality to refugees residing within its territories and to those living in the diaspora, within the framework of the National Authority's repeated attempts to formulate a Palestinian nationality law. The study concludes with specific recommendations for treating some of the cases under study.
- اللاجئون الفلسطينيون
- الجنسية الفلسطينية
- المواطنة
- لبنان
- الحماية الدولية والإقليمية للاجئين الفلسطينيين
- الجنسية
- Palestinian Nationality
- Nationality
- Citizenship
- International and Regional Protection for Palestinian Refugees
- Palestinian Refugees
- Lebanon
مقدمة
يرى بعض فقهاء القانون أنّ الفلسطينيين في الشتات يعيشون وضعًا مزدوجًا؛ إذ إنهم لاجئون Refugees وعديمو الجنسية Stateless في آن معًا، ويستندون في ذلك إلى اتفاقية 1954 بشأن وضع الشخص عديم الجنسية، وهو "شخص لا تعتبره أي دولة مواطنًا فيها بمقتضى تشريعها"، وهذا حال فئاتٍ عدة من اللاجئين الفلسطينيين. وتعود الأسباب الجذرية لانعدام الجنسية في الحالة الفلسطينية إلى قيام "دولة إسرائيل" في عام 1948 على أكثر من 78 في المئة من أراضي ما كان يُعرف بفلسطين الانتدابية آنذاك، وطرد الغالبية العظمى من السكان الفلسطينيين من تلك الأراضي وتهجيرهم وتحويلهم إلى لاجئين في الدول العربية المضيفة وداخل وطنهم. وفي الحصيلة، أدى قيام دولة إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة إلى خلق "وطن" لليهود؛ ضحايا الاضطهاد النازي في أوروبا، وتسبّب ذلك في تشتيت الشعب الفلسطيني وتحويله إلى شعب من اللاجئين عديمي الجنسية. وقد مثَّلت خصوصية انعدام الجنسية في الحالة الفلسطينية إشك لً دائمًا في أدبيات القانون الدولي، واعتنت به العديد من مراكز الأبحاث والجامعات المتخصصة في دراسات الجنسية والمواطنة. وتكثر الأدبيات التي تناولت معالجات معمقة للحالة الفلسطينية. وفي هذا الشأن، نشير إلى أبرزها، على سبيل المثال لا الحصر، وهي: تقرير اللقاء الإقليمي لخبراء حقوق الإنسان بخصوص الأشخاص عديمي الجنسية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط (2010)، وتقرير مركز دراسات عديمي الجنسية والاندماج بشأن عديمي الجنسية)2014(، والتقرير الإقليمي بشأن المواطنة والجنسية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط الصادر عن معهد الجامعة الأوروبية (تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، وكتاب جون كويغلي دولة فلسطين: القانون الدولي في الشرق الأوسط)2010(، وكتاب الجنسية وعديمو الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (2016) الذي أعِدّ بالشراكة بين مجموعة "المفكرة القانونيةُ" Legal Agenda وجامعة Tilburg الهولندية ومؤسسات المجتمع المفتوح Open Society Foundations، في إطار "برنامج الجنسية وعديمي الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، وقد ترجمته المفكرة القانونية إلى اللغة العربية. ومن الأدبيات كذلك: أطلس عديمي الجنسية Atlas of the Stateless الصادر عن مؤسسة روزا لكسمبورغ باللغات الثلاث الألمانية والإنكليزية والفرنسية، وهو يقدم رصدًا لحالات انعدام الجنسية عبر العالم، بما فيها الحالة الفلسطينية، وكتاب حررته ليلى فرسخ عنوانه إعادة التفكير في مسألة الدولة في فلسطين (2021)،
ويتضمن هذا الكتاب فصلً للباحثة سوزان أكرم، مديرة وحدة البحث الدولية لحقوق الإنسان في كلية القانون بجامعة بوسطن، بعنوان "الجنسية الفلسطينية والجنسية اليهودية: من مؤتمر لوزان حتى يومنا الحالي". وقد جرى افتتاح منصة انعدام الجنسية وشبكة البحوث والمناصرة بشأن عديمي الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في 7 كانون الأول/ ديسمبر 2021. وأُطلِقَت المنصة من القاهرة في أواخر عام 2018، وهي ثمرة عمل مشترك بين أطراف عدة أبرزها وحدة البحوث الدولية لحقوق الإنسان في جامعة بوسطن، ومعهد عصام فارس في الجامعة الأميركية ببيروت، ومركز الهجرة القسرية واللاجئين في الجامعة الأميركية بالقاهرة، والشبكة الإقليمية حول انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "هويتي". تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة، الذي يُستخدم لتوليد فهم معمق ومتعدد الجوانب لمسألة مركبة في سياقها المعيش، ويهتم بدراسة الجوانب الخاصة بحالة أو ظاهرة ما، ومعرفة خصائصها وتطورها التاريخي، وتحليل التفاعلات التي حكمت تطورها. وتستعرض الدراسة قضية الجنسية الفلسطينية من منظور تاريخي، وتلقي الضوء على واقع الحماية الدولية والإقليمية للاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي، وتبرز الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في دول المشرق العربي من خلال عرض بعض الحالات، مركزةً في ذلك، بخلاف واقع اللجوء داخل فلسطين التاريخية، على الأردن وسورية والعراق ومصر ولبنان. وتقدم الدراسة تحليلً لانعكاس هذه الأوضاع على الحقوق الأساسية للفلسطينيين، بما فيها حق الإقامة، مع التركيز على واقع الفلسطينيين في لبنان، ومعالجة الإشكالية المتعلقة بالأهلية القانونية للدولة الفلسطينية في منح الجنسية للاجئين المقيمين على أراضيها ولمن يعيشون في الشتات، استنادًا إلى أبرز أدبيات القانون الدولي المعنية بواقع الجنسية وحقوق المواطنة، وخاصة تلك المهتمة بالحالة الفلسطينية. وممّ يعزز هذه المعالجة تجربة الباحث المعيشة؛ بصفته باحثًا في هذا الشأن ولاجئًا وناشطًا في مجالَ اللجوء والهجرة القسرية.
أولً: الجنسية الفلسطينية من منظور تاريخي
يرتبط التاريخ القانوني للجنسية الفلسطينية بالحقبة العثمانية (1917-1516)، وصولً إلى حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين (1948-1922). إن اعتبار الفلسطينيين عديمي الجنسية يظل مسألة مثار جدل، فقبل إصدار سلطات الانتداب البريطاني قانون الجنسية الفلسطينية عام 1925، تطبيقًا لمعاهدة لوزان عام 1924، كان للفلسطينيين جنسية معترف بها وفق قانون الجنسية العثماني، لكنهم حُرموا من جنسيتهم الفلسطينية بعد نكبة 1948، وغدوا فعليًّا عديمي الجنسية بالمعنى القانوني، وليس بمعنى الهوية الوطنية. فقد طالبت
المادة (7) من صك الانتداب على فلسطين، الصادر بموافقة عصبة الأمم في عام 1921، بريطانيا بإصدار قانون لتنظيم الجنسية الفلسطينية، وصدر هذا القانون عام 1925. والواقع أن الجنسية الفلسطينية مُنحَت لكل المواطنين الفلسطينيين، بمن فيهم السكان اليهود المقيمون على نحو دائم في فلسطين. يظل التفريق بين مفهومَي "الجنسية" Nationality و"المواطنة" Citizenship موضوع جدل بين الفقهاء القانونيين؛ فقد رأى فرانسيسكا ألبانيز ولكس تاكنبرغ أنّ المصطلحين المذكورين يحملان في السياق القانوني المفهوم عينه، في حين تُفهَم الجنسية في سياقها غير القانوني بوصفها انتماءً إثنيًّا، ويريان أنّ المفهومين يقعان في صلب تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة. ومن جهة أخرى، ترى أكرم، أنه "على الرغم من أن هذين المصطلحين يُستخدمان عادةً على نحو تبادلي، فإنّ لهما معانيَ قانونية متمايزة؛ ف 'الجنسية' لها معنى سوسيولوجي ومعنى قانوني في الوقت عينه؛ المعنى السوسيولوجي مختلف كليًّا عن المعنى القانوني، ولكنه عادة ما يكون أكثر قابلية للفهم. ومن الناحية السوسيولوجية، تشمل الجنسية الهوية الإثنوقومية Ethnonational؛ أي التعريف الذاتي لمجموعة معينة تعتبر ذات أصول عرقية مشتركة (البوسنيون أو الصرب أو الأكراد أو التاميل أو الأرمن)، بغض النظر عن المنطقة التي يقيمون فيها. أما المعنى القانوني فمختلف تمامًا، ويشير إلى العلاقة، كما يحددها القانون بين الفرد والدولة أو إقليم معّي ". وأما مصطلح "مواطن"/ "مواطنة"، فهو ذو أهمية من منظور القوانين الوطنية للدول؛ إذ يمكن أن تحدد الدولة من خلال قوانينها الداخلية مَن يتمتع مِن سكانها بوضع المواطنة مع الامتيازات والمزايا الخاصة التي يوفرها هذا الوضع، فضلً عن المسؤوليات المصاحبة. وترى أكرم أنه على الرغم من أنّ التمييز بين المفهومين المذكورين أصبح أقل أهمية، مع تنامي أهمية قانون حقوق الإنسان، فإن التمييز بين المفهومين في الحالة الفلسطينية، وفي البلدان العربية، أمر حيوي؛ لسبب أساسي مفاده أن معظم الدول العربية لم تصدّق على المعاهدات المتعلقة بتطبيق مبادئ حقوق الإنسان على الجنسية والمواطنة وما يتصل بهما من حالات انعدام الجنسية واللجوء في الحالة الفلسطينية. وتعتقد أن الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم حاليًّا نحو 12 مليون شخص في جميع أنحاء العالم هم مواطنو فلسطين، لكنهم فعليًا عديمو الجنسية Stateless Nationals؛ لأنهم حُرموا ظلمً من جنسيتهم، وفي هذا انتهاك لمبادئ القانون الدولي. حافظ الفلسطينيون على جنسيتهم؛ بمعنى الهوية الوطنية، رغم حرمانهم من ممارستها؛ بمعنى المواطنة القانونية الفاعلة. ويقول أنيس القاسم في هذا السياق: "سكان قطاع غزة هم الوحيدون الذين ورثوا الجنسية الفلسطينية، كما صاغتها سلطة الانتداب البريطاني عام 1925. وظلت غزة هي الوريث القانوني لفلسطين الانتداب، ولكن من دون قيام سلطة وطنية تتمكن من تحقيق متطلبات الجنسية كما هو معترف به
دوليًا". وتجدر الإشارة إلى محاولة تأسيس "حكومة عموم فلسطين" في قطاع غزة برئاسة أحمد حلمي باشا وإصدارها جوازات سفر فلسطينية، بالرغم من أن هذه الحكومة لم تعمّر طويلً. ولاحقًا، وبسبب زوال حكومة عموم فلسطين، زودت السلطات المصرية سكان قطاع غزة، الذي كان يخضع لإدارتها، بوثائق سفر فلسطينية لتسهيل تنقلهم. أما الفلسطينيون في الضفة الغربية، فقد اكتسبوا الجنسية الأردنية، في أواخر عام 1949، قبل سنوات من صدور قانون الجنسية الأردنية عام 1954؛ وذلك حين أصدرت الحكومة الأردنية تعديلً لقانون الجنسية الأردنية عام 1928. وبموجب هذا التعديل، اكتسب الفلسطينيون المقيمون في الضفتيَن الغربية والشرقية الجنسية الأردنية جماعيًّا، وجاء قانون الجنسية الأردني عام 1954 لينظم هذا الوضع. لا يمكن أن تفعّل الدولة الفلسطينية الجنسية الفلسطينية قانونيًّا وأن تحقق متطلباتها بحسب المعايير الدولية من دون إصدار قانون جنسية يعتمد تعريفًا قانونيًّا واضحًا وشاملً لمن هو "فلسطيني"، ويراعي الخصوصية الفلسطينية بالنظر إلى الأوضاع القانونية المتفاوتة للفلسطينيين في فلسطين التاريخية والشتات. وتجدر الإشارة إلى أن ديوان الفتوى والتشريع التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية قد أصدر في أواسط عام 1995 مشروع قانون للجنسية الفلسطينية، بيد أن هذا المشروع قد طُويَ ولم يُطرَح للتقييم والمناقشة. ثم ما لبثت دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية أن كلفت معتز قفيشة من جامعة الخليل بإعداد دراسة عن "الجنسية في دولة فلسطين" (آب/ أغسطس 2011)، وإعداد قانون للجنسية الفلسطينية نشُرت مسوَّدته الأخيرة في أيلول/ سبتمبر 2011. وفي بدايات عام 2012، نوقشت المسوَّدة ضمن دائرة ضيقة شملت مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية وعددًا مختارًا من القانونيين الدوليين وممثلي منظمات المجتمع الأهلي الفلسطيني، ولم يجرِ تبنّيها.
ثانيًا: الحماية الدولية والحماية الإقليمية
تشير الحماية الدولية إلى الحماية الواجب تقديمها للأفراد والجماعات وفق القانون الدولي؛ وذلك في موازاة الحماية الواجبة في القوانين الوطنية، ولها عدة أشكال مثل حماية اللاجئين وعديمي الجنسية، الواجبة على الدول والمنظمات الدولية على حدّ سواء. وقد تطور هذا الشكل من الحماية ليصبح جزءًا من القانون الدولي لحقوق الإنسان. إضافة إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، المتضمّنة حماية الحقوق الأساسية لجميع الناس، تبرز اتفاقيتان خاصتان بحماية الأشخاص عديمي الجنسية، هما:
الاتفاقية الخاصة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية، السابق الإشارة إليها، الصادرة في 1954، والتي وسّعت نظام الحماية المكفول بحسب اتفاقية 1951، لكي يشمل الأشخاص عديمي الجنسية. الاتفاقية الخاصة بالحد من حالة انعدام الجنسية 1961، وغرضها دفع التعاون الدولي إلى الحد من هذه الحالة؛ ما يكمّل الغرض من اتفاقية 1954 التي تهدف إلى معالجة الآثار المترتبة على انعدام الجنسية. يمكن الحديث عن نوعين من الحماية المطلوبة للاجئين الفلسطينيين على المستوييَن الدولي والإقليمي: الأول، يخص الحماية المؤقتة Temporary Protection، وهي الحماية اليومية التي تكفل الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين في البلدان المضيفة، من دون المساس بوضعهم القانوني بصفتهم لاجئين؛ والثاني، يخص الحماية المرتبطة بالحلول الدائمة Durable Solutions التي تعني التوصل إلى حل دائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، في ضوء مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، المتعلق بحق عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم الأصلية التي هُجّروا منها قبل عام 1948 وبعده، وكذلك القرار رقم 3236 لعام 1974، الذي يربط ربطًا وثيقًا بين حق العودة وحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني.
1. الحماية الدولية
بخلاف المهاجرين الأجانب الآخرين، لا يستطيع اللاجئ المحروم من الجنسية، مثل اللاجئين الفلسطينيين، أن يلجأ إلى سلطات بلده طلبًا للحماية، ولذلك فإن الحاجة الملحّة إلى الحماية هي ما يميّز اللاجئين والمحرومين من الجنسية من غيرهم من المهاجرين الأجانب. ويجب أن يوفر المجتمع الدولي الحماية من خلال الدول والمنظمات الدولية؛ فمسؤولية حماية اللاجئين المحرومين من الجنسية هي مسؤولية مشتركة بين الدول المضيفة والمنظمات الدولية المعنية. ينقلنا هذا الأمر إلى ضرورة بيان آليات إنجاز ذلك، عبر استعراض أدوار الهيئات الدولية المسؤولة عن حماية اللاجئين الفلسطينيين؛ إذ توجد ثلاث هيئات دولية بالنسبة إلى هذه المهمة؛ هي: لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين The United Nations Conciliation Commission for Palestine, UNCCP نشئَت بموجب القرار: أُ 194 الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1948، استنادًا إلى تقرير الوسيط الدولي في فلسطين الكونت برنادوت في أيلول/ سبتمبر 1948. وهي آلية فريدة هدفها البحث عن حلول دائمة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين شُِّدوا من وطنهم عام 1948، وتقديم الحماية الواجبة لهم، صيانةً لحقهم في العودة وما يرتبط به من حقوق، وبخاصة حق استعادة الممتلكات Property Restitution، استنادًا إلى القرار 194. ومن الناحية العملية توقفت اللجنة عن عملها في البحث عن حلّ دائم عام 1952، وقد اقتصر عملها منذ ذلك التاريخ على ما يقدّمه مكتبها الفني من حصر لأملاك اللاجئين وتقدير قيمتها.
United Nations High Commissioner for Refugees المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, UNHCR: تعتبر آلية لتطبيق اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وقد أُنشئَت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 284 الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1950. وبالرغم من كونها الهيئة الأساسية المخولة بحماية اللاجئين في جميع أنحاء العالم، فإن اختصاصها لا يشمل اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مناطق عمليات الأونروا الخمس المعروفة. وقد استثنت الفقرة الأولى من المادة (1D) من اتفاقية 1951 الفلسطينيين من مزايا الحماية التي توفرها لباقي اللاجئين في العالم؛ إذ نصّت على ما يلي: "لا تسري هذه الاتفاقية على الأشخاص الذين يتلقون حاليًّا الحماية أو المساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين". وفي ذلك إشارة ضمنية إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون المساعدة من الأونروا، بيد أن تدخّل المفوضية لحماية اللاجئين الفلسطينيين خارج مناطق عمليات الأونروا ظلّ محدودًا، كما هو الشأن في حالة اللاجئين الفلسطينيين الذين طُردوا من الكويت وليبيا أو هُجِّروا من العراق، مثلما هو حاصل حاليًّا في حالة اللاجئين الفلسطينيين المهجرين من سورية. ويعود سبب استثناء اللاجئين الفلسطينيين من التمتع بمزايا الحماية التي تكفلها اتفاقية 1951، الخاصة بوضع اللاجئين، إلى أن الدول العربية المشاركة في الأعمال التمهيدية التي أدت إلى اعتماد الاتفاقية المنشئة للمفوضية في عام 1951 قد أصرت على هذا الاستثناء؛ من أجل الحفاظ على فرادة وضع اللاجئين الفلسطينيين، باعتبار أن الحماية من هذا الباب تُعد مسألة ثانوية مقارنةً بحق العودة الذي تكفله مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة (قرارا الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، ورقم 3236 لعام 1974). ومن ثم، ظلت صلاحيات المفوضية في حماية اللاجئين الفلسطينيين محدودة وفقًا للمادة (7C) من نظامها الأساسي، التي قصرت جهودها على من يعيش من اللاجئين الفلسطينيين خارج مناطق عمليات الأونروا الخمس المعروفة. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" UNRWA نشئَت: أُ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1949، وهدفها تنفيذ برامج الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين بالتعاون مع الحكومات المحلية، وفقًا لتوصيات لجنة المسح الاقتصادي Economic Survey Mission، أو ما سمي "لجنة كلاب"، نسبةً إلى الأميركي غوردون كلاب Gordon Clapp الذي قاد تلك البعثة الأممية. ولم تتضمن صلاحيات الأونروا في أثناء نشأتها تقديم الحماية القانونية للاجئين الفلسطينيين؛ إذ اقتصرت صلاحياتها على تقديم بعض الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية التي اعتبرها بعضهم نوعًا من الحماية الإغاثية Relief Protection. وفي عام 2010، أجرت الأونروا مداولات داخلية مكثفة من أجل تطوير إطار عام لحماية اللاجئين الفلسطينيين، ثمّ تبنّت سياسة حماية، في عام 2012، وقد عرّفتها "بما تفعله الأونروا من أجل حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتعزيزها وفق القانون الدولي". وفي عام 2015، أنشأت الأونروا في جميع
مناطق عملياتها، أول مرة، ما أسمته "وحدات الحماية والحيادية".Protection and Neutrality Units وفي أثناء تجديد ولاية الأونروا في عام 2016، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفق قرارها رقم 71/93 بتاريخ 22 كانون الأول/ ديسمبر 2016، بالحاجة الملحّة إلى حماية اللاجئين الفلسطينيين في المنطقة، وشجعت الأونروا على تطوير إطار الحماية الخاص بها، ويشمل هذا الإطار حماية الطفل. وفي خطتها المتوسطة الأمد (2021-2016)، وسَّعت الأونروا تعريفها السابق للحماية الذي أضحى يعني أن ما تفعله هو "من أجل حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين من خلال تزويدهم المباشر بالخدمات والأنشطة الأخرى. إن حقوق الإنسان والتنمية البشرية يعززان بعضهما. وإن زيادة قدرات الناس وحماية حقوقهم أمران متلازمان". ومع ذلك تفتقر الأونروا إلى صلاحيات حماية واضحة قانونية وسياسية مثل الصلاحيات التي يكفلها نظام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
2. الحماية الإقليمية
فضلً عن بروتوكول الدار البيضاء Casablanca Protocol (1965) الخاص بمعاملة الفلسطينيين في الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية، يوجد – نظريًّا -ان إقليميان يتعاملان مع وضع اللاجئين في العالم صكّ العربي عمومًا، هما: "الإعلان الخاص بحماية اللاجئين والمهجرين داخليًّا في العالم العربي" (1992)، الذي حدد مج لً واسعًا من حقوق الحماية لهؤلاء الأشخاص، و"الاتفاقية العربية لتنظيم أوضاع اللاجئين في الدول العربية")1994(. وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الدول العربية ليست طرفًا في اتفاقية عام 1951 الخاصة باللاجئين. من الناحية النظرية، تكمن أهمية اتفاقية 1994 في أنها تتبنى تعريفًا موسعًا للاجئين، خلافًا لتعريف اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين. ويعكس تعريف اللاجئ في الاتفاقية خصوصية اللجوء الفلسطيني؛ فاللاجئ هو "كل شخص يلتجئ مضطرًا إلى بلد غير بلده الأصلي، أو مقر إقامته الاعتيادية، بسبب العدوان المسلط على ذلك البلد، أو احتلاله، أو السيطرة الأجنبية عليه، أو لوقوع كوارث طبيعية، أو أحداث جسيمة ترتب عليها إخلال كبير بالنظام العام في كل البلاد أو في جزء منها". وتتعهد الدول الأطراف في هذه الاتفاقية، بموجب
المادة السابعة، ب "عدم التمييز بين اللاجئين بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو الوطن الأصلي أو الانتماء السياسي والاجتماعي".
3. مكونات النظام العربي لحماية اللاجئين الفلسطينيين
يتألف هذا النظام من ثلاثة مكونات أساسية مترابطة. فالمكوّن الأول هو الحرمان من الجنسية بوصفه تمييزًا إيجابيًّا يهدف إلى منع إعادة التوطين الدائم في البلدان العربية؛ ومن ثم الحفاظ على حقهم في العودة. والمكوّن الثاني يتعلق بتسييس تفويض الأونروا، بمعنى تذكير المجتمع الدولي بالصلة القائمة بين هذا التفويض وأحكام الفقرة (11) من القرار 194 المتعلق بحق العودة؛ إذ يشير القرار (302) الذي أنشأ الأونروا في ديباجته إلى تلك الأحكام، وينص البند الخامس منه على ضرورة تنفيذ أنشطة الأونروا من دون المساس بأحكام الفقرة (11) من القرار المذكور. أمّا المكوّن الثالث، فهو يتعلق بالتدابير والمعايير التي تبنّتها جامعة الدول العربية لضمان الحماية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين، وأهمها بروتوكول الدار البيضاء، وهو المكون الرئيس في هذا النظام، ويعدّ من المحاولات الإقليمية المبكرة في مجال حماية اللاجئين. ويتناول بروتوكول الدار البيضاء موضوع معاملة اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية، ويطرح مسألة الحماية المؤقتة الواجب تقديمها لهم في تلك البلدان، داعيًا في مواده الخمس إلى ضرورة معاملة اللاجئين الفلسطينيين، مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية، معاملة رعايا الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية فيما يتعلق بحقَّي العمل والتوظيف، وحق مغادرة إقليم الدولة التي يقيمون فيها والعودة إلى هذا الإقليم، وحق الحصول على وثائق السفر وتجديدها، وحرية الإقامة والحركة بين الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية. وعلى الصعيد النظري، منحت معايير هذا البروتوكول اللاجئين الفلسطينيين نوعًا من الحماية المؤقتة في الدول العربية إلى حين عودتهم إلى وطنهم. ولعلّ الحقوق الممنوحة للاجئين الفلسطينيين بموجب هذا البروتوكول، في حال التزام الدول العربية بتطبيقها، هي أوسع نطاقًا من الحقوق التي تكفلها اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين عمومًا. غير أنّ مواقف الدول العربية اختلفت بخصوص تطبيق هذا البروتوكول، ولاحقًا تنصّلت الدول العربية، بمن فيها تلك الموقّعة على البروتوكول نفسه، من مسؤوليتها الجماعية في حماية اللاجئين الفلسطينيين فقد صدر قرار مجلس وزراء جامعة الدول العربية رقم 5093 في 12 أيلول/ سبتمبر 1991، وهو قرار جعل من وضع اللاجئين مسؤولية وطنية تتحملها كل دولة عربية على حدة، وفقًا لقوانينها الوطنية.
ثالثًا: الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين يف دول المشرق العربي
تتفاوت الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في دول المشرق العربي، وما يترتب عليها من حقوق أساسية، ولكن الثابت هو تداخل العوامل السياسية مع الأوضاع القانونية والحقوقية، على نحو يؤثر - إلى حدٍّ بعيد - في مكانة اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات المضيفة ورفاههم الاجتماعي. ففي حين منحتهم الأردن حقوق المواطنة كاملة مع بعض السياسات التمييزية، تمتعوا في سورية بمجال واسعٍ من الحقوق، ولكنّ ذلك كان دون سقف حقوق المواطنة الكاملة، وكذلك في العراق تقريبًا حتى تاريخ الغزو الأميركي عام 2003. أمّا في لبنان، فقد حُرموا من معظم حقوق الإنسان الأساسية، أو خضع ما تمتعوا به من حقوق، في حدّه الأدنى، لتقلبات السياسة وأمزجة الحكومات المتعاقبة. وفي هذا السياق، نعالج بإيجاز الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في الأردن وفلسطين وسورية والعراق ومصر وانعكاساتها على حقوقهم، مع التركيز على وضع لبنان؛ إذ يعدّ مجتمع اللاجئين الفلسطينيين فيه الأكثر تهميشًا وحرمانًا من الحقوق الأساسية بين مجتمعات اللاجئين في دول المشرق العربي.
1. الأردن
من أجل فهم خصوصية الحالة الأردنية، لا بدّ من استعراض سريع لتطورات وضع الفلسطينيين في الأردن منذ بداية النكبة حتى الوقت الحاضر. فبعد عام واحد من النكبة، فرضت الحكومة الأردنية الجنسية على الفلسطينيين المقيمين في الضفتيَن الشرقية والغربية على حدّ سواء؛ إذ أصدرت، في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1949، تعديلً لقانون الجنسية الأردني لعام 1928 نصّت مادته الثانية على ما يلي: "إن جميع المقيمين عند نفاذ هذا القانون في شرق الأردن أو في الضفة الغربية التي تُدار من قبل المملكة الأردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون أنهم حازوا الجنسية الأردنية ويتمتعون بجميع ما للأردنيين من حقوق، ويتحملون ما عليهم من واجبات". وفي عام 1950 صدر قرار وحدة الضفتيَن الشرقية والغربية، وتلاه صدور الدستور الأردني الذي اشترط تنظيم الجنسية الأردنية بقانون، في عام 1952، وبناءً عليه صدر قانون الجنسية الأردني في عام 1954. وفي أعقاب اندلاع الانتفاضة الأولى 1987، وضمن أجوائها، تغيّ الوضع السابق حين ألقى الملك حسين خطاب فك الارتباطَين الإداري والقانوني بين الضفتين الغربية والشرقية، في 31 تموز/ يوليو 1988. وفي 20 آب/ أغسطس، أصدر مجلس الوزراء الأردني تعليمات متعلقة بتصنيفِ المواطنين الأردنيين إلى حملة البطاقات الخضراء والصفراء والزرقاء، وعَدِّ المواطنين المقيمين في الضفة الغربية، في 31 تموز/ يوليو 1988 "فلسطينيي الجنسية" وليسوا أردنيين. وهذه التعليمات لم تُنشر حتى الآن في الجريدة الرسمية، ولا في أي جريدة أخرى، ولذلك فهي ما زالت من الناحية الرسمية غير مُعلنة، وإن لم تكن سرية. وبموجب هذه التعليمات نفسها، جرى تجريد نحو مليون ونصف المليون فلسطيني، ممن كانوا يقيمون في الضفة الغربية في ذلك الوقت، من جنسيتهم الأردنية التي حصلوا عليها في عام 1949، وجرى تحويلهم إلى مواطنين عديمي الجنسية، ويُعرف
هؤلاء حاليًّا بحملة البطاقات الخضراء. بيد أن هذه التعليمات تُعدّ مخالفة للدستور الأردني، كما أنها مخالفة لقانون الجنسية الأردنية 1954 الذي وضع شروطًا مشددة على سحب الجنسية. ومن المفترض أن تخضع قرارات مجلس الوزراء، بوصفها قرارات إدارية، لمراجعة القضاء، إلا أن القضاء نفسه، بما في ذلك محكمة العدل العليا، يمتنع عن النظر في الشكاوى والطعون المتعلقة بسحب الجنسية؛ لأن قرار فك الارتباط يُعدّ عملً من أعمال السيادة، ويخرج عن اختصاص هذه المحكمة. ومن جهة أخرى، يعيش أبناء الضفة الغربية المقيمون في الأردن، الذين يحملون البطاقات الصفراء، ويتمتعون بالجنسية الأردنية، هاجس سحب الرقم الوطني وجوازات السفر الأردنية منهم، لا سيما أن تيار الحركة الوطنية الأردنية يطالبُ بأن يشملهم قرار فك الارتباط المذكور. أما أبناء قطاع غزة "حملة البطاقات الزرقاء" الذين لجؤوا إلى الأردن إثر احتلال قطاع غزة في حرب عام 1967، فهم الأكثر حرمانًا وتهميشًا ومعاناة، وتتصدر سلّم أولوياتهم قضايا الحصول على فرص العمل والتعليم؛ أي مسألة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية.
2. سورية
كان المجتمع الفلسطيني في سورية قبل اندلاع الأزمة عام 2011 من أكثر مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين استقرارًا واندماجًا في مجتمعهم المضيف، وقد حظي اللاجئون الفلسطينيون في سورية بوضع قانوني مميز منحهم مج لً واسعًا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية تكاد تقترب من حقوق المواطنة الكاملة. وتجاوز هذا الوضع القانوني المميز سقف الحقوق التي منحتها اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين أو ما نصّ عليها بروتوكول الدار البيضاء؛ وبهذا المعنى كانوا "أكثر" من لاجئين و"أقل" من مواطنين. ويعدّ القانون رقم 260، وهو قانون أقرّه البرلمان السوري، وصدر عن رئيس الجمهورية السورية عام 1956، الإطار القانوني العام الذي ينظم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في سورية ويحكمها؛ إذ يمارسون من خلاله حياتهم اليومية على أساس المساواة شبه التامة مع المواطنين السوريين في الحقوق والواجبات، مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية. ولا يتعدى مفهوم "الجنسية الفلسطينية"، كما ورد في المادة الأولى من هذا القانون، مفهوم "الهوية الوطنية" الفلسطينية. ويعتبر هذا القانون التشريع الأبرز من بين كل التشريعات السورية الأخرى ذات الصلة؛ فهو يُرجع إليه لتأويل العديد من التشريعات السورية الأخرى المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين في سورية. لقد حافظت سورية منذ ذلك التاريخ على ذلك الوضع القانوني المميز المذكور، وقد دعا العديد من القانونيين ورجال السياسة إلى اعتماد النموذج السوري في التعامل مع الفلسطينيين في دول عربية أخرى، وخاصة
في لبنان؛ إذ يرتبط منح حقوق الإنسان الأساسية للاجئين الفلسطينيين فيه بالخوف من التوطين والإخلال بالتوازن الديموغرافي الدقيق، حتى لا يؤدي منح الفلسطينيين تلك الحقوق إلى توطين فعلي لهم في لبنان. ولكن بعد اندلاع الأزمة في سورية، تعرض الفلسطينيون – مثل غيرهم من السوريين - لتأثيراتها المدمرة في نسيج مجتمعهم، وخاصة في المخيمات، وفي رفاههم الاجتماعي، ومختلف أوجه حياتهم اليومية؛ ما اضطرهم إلى التهجير داخل سورية بحثًا عن الأمان أو الهجرة خارجها طلبًا للجوء واكتساب جنسيات الدول التي قبلت بلجوئهم.
3. العراق
تمتع اللاجئون الفلسطينيون في العراق بقدر مقبول من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قبل الغزو الأميركي للعراق، فقد وفرت لهم الحكومات العراقية المتعاقبة أماكن السكن وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية، مع فرض بعض القيود على حقهم في التملك العقاري. وفي عام 2001، أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 202 الذي نصّ على مساواة الفلسطينيين المقيمين على الأراضي العراقية بأشقائهم المواطنين العراقيين في كل ما يتمتعون به من حقوق، باستثناء حق اكتساب الجنسية العراقية. وهذا القرار مشابهٌ من حيث المضمون للقانون (260) الصادر عن مجلس الشعب السوري عام 1965، وإن كان لا يرقى إلى مستوى القانون. وفي أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق وإطاحة النظام العراقي السابق، تعرّض الفلسطينيون لحملة منظمة من العنف والاضطهاد والقمع على أيدي ميليشيات وقوات أمن عراقية، فضلً عن قوات الاحتلال الأميركي. وقد دفع هذا الوضع المأساوي آلافًا منهم إلى الفرار من العراق إلى دول أخرى، أو العيش مؤقتًا في مخيمات على الحدود العراقية مع سورية والأردن (مخيمات الهول، والتنف، والوليد، والرويشد)، إلى أن تمكنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من تأمين بلدان لجوء لهم خارج العالم العربي؛ مثل البرازيل، ونيوزيلندا. وبهذا، تبدل وضع اللاجئين الفلسطينيين في العراق منذ عام 2003 تبدلً مأساويًّا، فقد انتقلت المسؤولية عنهم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى وزارة الهجرة والمهجرين؛ ما يعني حرمانهم من حق الإقامة الدائمة، ومعاملتهم بوصفهم أجانب، وفرض شروط وقيود تعسفية على حصولهم على وثائق السفر وبطاقات الهوية. وتشير معظم التقديرات إلى أنه لم يبقَ في العراق حاليًّا سوى بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من نحو 35 ألف لاجئ في عام 2003.
4. مصر
خلال فترة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (1970-1954)، لم تكن التشريعات والأنظمة المصرية تعد الفلسطينيين أجانب، ولم تستخدم كلمة "أجنبي" في القوانين المتعلقة بالفلسطينيين قطُّ، وكانوا يُعاملون على قدم المساواة مع المواطنين المصريين؛ وذلك بموجب القانون الذي أصدره عبد الناصر عام 1962. وقد سمحت
المادة الأولى من هذا القانون للفلسطينيين بالعمل في الوظائف الحكومية ووظائف القطاع العام، بحيث يعاملون معاملة مواطني الجمهورية العربية المتحدة، وكان لهم حق التعليم المدرسي والجامعي مجانًا. بيد أن هذا الوضع تبدّل كليًّا في عهد الرئيس محمد أنور السادات (1981-1970)، ومع توقيع اتفاقات كامب ديفيد، وتوتر العلاقات المصرية مع منظمة التحرير الفلسطينية. ففي عام 1978، أصدر السادات قرارَين إداريَيّن (رقم 784 و 4) متعلقين بإبطال جميع الأنظمة السابقة التي كان الفلسطينيون يعاملون بموجبها معاملة المواطنين المصريين. وعلى الرغم من أن سياسات عبد الناصر ساعدت في إدماج الفلسطينيين في مصر، فإن تجنيس الفلسطينيين لم يكن أحد الخيارات المطروحة في ضوء قرارات جامعة الدول العربية الصادرة في عام 1952 بشأن ضرورة الحفاظ على الهوية الفلسطينية وحق العودة ورفض التوطين، وخاصة القرار رقم 624 الذي جرى تأكيده في قرارات جامعة الدول العربية لعام 1954، وأضحى فيما بعد جزءًا عضويًّا من بروتوكول الدار البيضاء. وبخصوص منح الجنسية لأبناء المصرية المتزوجة من فلسطيني، أجريت مراجعة لقانون الجنسية، في عام 2004، خلال عهد الرئيس محمد حسني مبارك (2011-1981)، وبموجبها أصبحت الجنسية المصرية تُنح تلقائيًّا لمواليد الزيجات المختلطة بعد تاريخ تعديل القانون. ثمّ جرت مراجعة ثانية للقانون عينه في حكومة ما بعد الرئيس مبارك، فأصدر وزير الداخلية المصري آنذاك القرار رقم 1231 في 2 أيار/ مايو 2011 المعدِّل لقانون الجنسية؛ بحيث أصبح القانون نافذًا بالنسبة إلى جميع أبناء الأمهات المصريات المتزوجات من فلسطينيين، بمن فيهم المولودون قبل عام 2004. وبخصوص الإقامة القانونية للفلسطينيين ممن يحملون الوثيقة المصرية، لا تزال توجد قيود تُفرض على سفرهم وعودتهم إلى مصر، بحيث يُطلب إليهم الحصول على تأشيرة دخول مرة ثانية عند العودة. وتعدّ مصر الدولة العربية المضيفة الوحيدة التي تطلب من جميع اللاجئين الفلسطينيين أن يجددوا إقامتهم المؤقتة بصفة منتظمة.
رابعًا: حقوق المواطنة والإقامة والجنسية للاجئين الفلسطينيين يف لبنان
يتعرض الفلسطينيون في لبنان لأنواع عديدة من التهميش، من بينها التهميش الاقتصادي Economic Marginalization الذي يفرض قيودًا صارمة على حق الفلسطينيين في العمل والضمان الاجتماعي، والتهميش المؤسساتي Institutional Marginalization الذي يستبعد الفلسطينيين من مؤسسات الحياة الاجتماعية والثقافية، فضلً عن التهميش المكاني Spatial Marginalization الذي حوّل
المخيمات الفلسطينية إلى جزر شبه معزولة عن محيطها السكاني، وظيفتها احتواء اللاجئين والحدّ من حرية تحركهم، بوصفهم مصدرَ خطر وتهديد محتمليَن للمجتمع المضيف. لا تمنح التشريعات اللبنانية اللاجئين، عامةً، وضعًا قانونيًّا مميزًا ومستقلً عن الأجانب، ولا تبيّ المقصود بكلمة "لاجئ". وعلى الرغم من الإقامة الممتدة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فإن هذه التشريعات تعاملهم بوصفهم أجانب، بل "فئة خاصة" من الأجانب. ومثل هذا الوضع لا يحرم اللاجئ الفلسطيني من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها جميع المواطنين اللبنانيين فحسب، بل يحرمه كذلك من معظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعترف بها للاجئين وفق القانون الدولي، وهو أمرٌ يطرح ضرورة مواءمة التشريعات اللبنانية للمعايير الدولية، وتأسيس وضع قانوني خاص باللاجئين الفلسطينيين في لبنان يميزهم من الأجانب. يصنف القرارُ رقم 319 الصادر، في 2 آب/ أغسطس 1962، عن وزير الداخلية اللبناني، والخاص بتنظيم أوضاع الأجانب في لبنان الأجانبَ إلى فئات خمس. وتصنف المادة الأولى منه اللاجئين الفلسطينيين ضمن الفئة الثالثة التي تتضمن ما يلي: "أجانب لا يحملون وثائق من بلدانهم الأصلية ويقيمون في لبنان بموجب بطاقات إقامة صادرة عن مديرية الأمن العام أو بطاقات هوية صادرة عن المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان". ولا يتمتع الفلسطينيون بغالبية حقوق المواطنة الأساسية في التشريعات اللبنانية؛ فهي تحرمهم من التمتع ببعض الحقوق على نحو كامل، وتفرض شروطًا قاسية ومجحفة بخصوص ممارسة حقوق أخرى، وتتعامل معهم أحيانًا بعشوائية مع تغير الحكومات أو الوزراء المعنيين. ونقدم فيما يلي ملمحًا إجماليًّا لحقوق الفلسطينيين الأساسية في التشريعات اللبنانية.
1. حق العمل
يخضع حق الفلسطينيين في العمل والضمان الاجتماعي للمرسوم رقم 17561 الذي ينظم عمل الأجانب في لبنان. ويفرض هذا المرسوم شروطًا وقيودًا على عمل الفلسطينيين (الأفضلية الوطنية، والحصول على إجازة العمل، والمعاملة بالمثل.)Reciprocity of Rights and Obligations وبموجب المادة (9) من المرسوم يحدد وزير العمل خلال كانون الأول/ ديسمبر من كل عام، بناءً على حاجات سوق العمل، المهن التي ترى الوزارة ضرورة حصرها في اللبنانيين دون غيرهم. ولذلك يختلف عدد المهن بين لائحة وأخرى، وتراوح ما بين 50 و 70 مهنة. ولكن المادة (8) من المرسوم عينه خوّلت وزير العمل، مع مراعاة مبدأ الأفضلية للعامل اللبناني، استثناء بعض الأجانب من تلك المهن المحظورة، إذا كان الأجنبي مقيمً في لبنان منذ الولادة، أو كان من أصل لبناني، أو متزوجًا من لبنانية منذ أكثر من عام. ولكن هذا الاستثناء لا يجري إلّ على المهن اليدوية والمكتبية، ولا يشمل المهن الحرة (الطب والصيدلة والهندسة والمحاماة مثلً)، وهي مهن ليست منظمة بقانون العمل، بل بقوانين النقابات.
ونتيجة لضغوطات من أطراف مختلفة على المُشرِّع اللبناني من أجل تحسين وضع العمالة الفلسطينية في سوق العمل، صدّق البرلمان اللبناني، في جلسته العامة في 17 آب/ أغسطس 2010، على قانون يعدّل المادة (59) من قانون العمل اللبناني، والمادة (9) من قانون الضمان الاجتماعي، وأقرّ القانونيَن ((129128) و) المتعلقيَن بقانونَ العمل والضمان الاجتماعي على التوالي. ألغت التعديلات المتعلقة بقانون العمل شرط المعاملة بالمثل، لكنها أبقت على شرط حصول العامل الفلسطيني على إجازة العمل مع إعفائه من رسوم الإجازة فقط. ومن جهة أخرى، أبقت التعديلات على الحظر المفروض على ممارسة الفلسطينيين المهن الحرة. وفيما يتعلق بالضمان الاجتماعي، سمحت تلك التعديلات للعامل الفلسطيني المنتسب إلى صندوق الضمان بالاستفادة من فرع الصندوق المتعلق بتعويضات نهاية الخدمة، لكنها لم تسمح له بالاستفادة من الفرعين الآخرين المتعلقين بالتعويض العائلي والأمومة والمرض. وبهذا، على العامل الفلسطيني، بالشراكة مع ربّ العمل، دفع ما نسبته 23.5 في المئة من أجره للصناديق الثلاثة، مع أنه لا يستفيد سوى من 8 في المئة التي تغطي صندوق نهاية الخدمة. ومن خلال العودة إلى المرسوم (17561) الذي ينظم عمل الأجانب في لبنان، استخدم أكثر من وزير عمل سابق صلاحياته بموجب المادتين (8 و 9) من المرسوم المذكور، وآخرهم كان وزير العمل الحالي مصطفى بيرم في الحكومة اللبنانية التي تحولت منذ إجراء الانتخابات النيابية، في 15 أيار/ مايو 2022، إلى حكومة تصريف أعمال. واستنادًا إلى تلك الصلاحيات، أصدر الوزير بيرم القرار رقم 1/96 واستثنى، مع تأكيد مبدأ تفضيل العامل اللبناني، فئات من الفلسطينيين من أحكام المادة الأولى من القرار المتعلقة بالمهن المحصور ممارستها في اللبنانيين دون غيرهم. وقد جاء في المادة الثانية من القرار ما يلي: "يُستثنى من أحكام المادة الأولى الفلسطينيون المولودون على الأراضي اللبنانية والمسجلون بشكل رسمي في سجلات وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية، والأجنبي الذي تكون والدته لبنانية أو متزوجًا من لبنانية، والمولودون في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد، مع التقيد بالشروط الخاصة بالمهن المنظمة بقانون". ولا يشكّل قرار وزير العمل الحالي ولا القرارات المماثلة التي أصدرها وزراء عمل سابقون أي تغيير في التشريعات اللبنانية تجاه عمل الفلسطينيين، كما يبدو لأول وهلة؛ إذ إنه قرار وزاري يستطيع أي وزير لاحق إلغاءه، أو قد يتراجع عنه الوزير نفسه. وفي واقع الحال، لم يطرأ أي تغيير على الوضع القانوني للعمالة الفلسطينية منذ صدور القانونين ((128129) و) في عام 2010، علمً أنّ هذين القانونين لم يكتسبا أي قوة قانونية حتى الوقت الراهن؛ لأنهما - وفقًا للقانون اللبناني – في حاجة إلى مراسيم تطبيقية لإنفاذهما، وهذه المراسيم لم تصدر بعد مضيّ نحو 12 عامًا على إقرار القانونين.
2. حق الملكية العقارية
كان الفلسطيني، أسوةً برعايا الدول العربية، يتمتع بحق الملكية العقارية حتى عام 2001 في حدود معينة، عندما تقدمت حكومة الرئيس رفيق الحريري الرابعة (2003-2000) في مجلس النواب بقانون تعديل بعض
مواد القانون المنفذ بالمرسوم رقم 11614 لعام 1969، وإصدار القانون الجديد رقم 296. ووفق هذا التعديل، جرت إضافة فقرة جديدة إلى المادة الأولى منه تنصّ على ما يلي: "لا يجوز منح ترخيص تملّك أيّ حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة مُعترف بها أو لأي شخص إذا كان الترخيص يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين"؛ وذلك في إشارة إلى الفلسطينيين من دون تسميتهم صراحة. وبهذا جرى تمييزهم من الأجانب الآخرين، وطُبِّق القانون عليهم تطبيقًا عشوائيًّا، بوصفهم فئة خاصة من الأجانب؛ ما يعني التمييز بين الأجانب أنفسهم بحسب أصلهم الوطني.
3. حق الصحة والتعليم
يُحرم الفلسطينيون من حق الوصول إلى الخدمات الصحية الحكومية، والاستفادة من التقديمات الاجتماعية لمؤسسات الدولة. وعلى الرغم من عدم وجود تشريع يحول دون التحاقهم بالمدارس الحكومية، فإن التحاقهم بها يخضع للعشوائية والتقدير الشخصي لهذا المسؤول الحكومي أو ذاك، وهم أيضًا يُنعون من الالتحاق ببعض كليات الجامعة اللبنانية الرسمية (الطب، والهندسة، والتربية، وبعض المعاهد الفنية)، في وقت يخضع فيه التحاقهم بكلياتها الأخرى للنسبة المخصصة للأجانب.
4. حق الإقامة وحق اكتساب الجنسية
بصفة الفلسطينيين أجانب، بموجب التشريعات اللبنانية، فإنه يمكنهم أن يكتسبوا – نظريًّا - الجنسية اللبنانية وفق الأصول المراعاة في هذا الخصوص، لكن الاجتهاد اللبناني لا يجيز إعطاء الفلسطيني حق الحصول على الجنسية، تماشيًا مع التزام لبنان بميثاق جامعة الدول العربية وقراراتها الداعية إلى ضرورة احتفاظ الفلسطينيين بجنسيتهم الأصلية، ويكمن السبب الحقيقي لهذا الأمر في الخوف من المساس بالتوازن الطائفي الدقيق في البلد، ولكن هذا لا يمنع منح الفلسطينيين الجنسية، على غرار أي أجنبي آخر، بناءً على مرسوم جمهوري. ليست المسألة، إذًا، قانونية بحتة، بل إنها سياسية في المقام الأول، إذا ما نظرنا إلى الحساسية اللبنانية المفرطة تجاه الوجود الديموغرافي الفلسطيني في لبنان، والخوف الشديد من الإخلال بالتوازنات الطائفية. ولعلّ السبب الجوهري لتعنّت الدولة اللبنانية في منح الفلسطينيين حقوق الإنسان الأساسية المذكورة آنفًا، من دون الجنسية، هو الخوف من أن يؤدي ذلك كله إلى توطينهم وإكسابهم الجنسية اللبنانية على المدى البعيد، وهو ما يُخلّ بتوازن المعادلة الطائفية. وللاستدلال على أولوية الاعتبارات الطائفية والتوازن الطائفي وغلبتهما على الاعتبارات القانونية، نذكر أن عدة آلاف من الفلسطينيين المتحدرين من عائلات مسيحية قد مُنحوا الجنسية اللبنانية في الفترة 1958-1952، إبّان عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون. ولتحقيق التوازن الطائفي، كان من بينهم عدد من الفلسطينيين الذين ينتمون إلى عائلات سُنية، وخاصة من أصحاب رؤوس الأموال الذين أسهموا في إنعاش الاقتصاد اللبناني في خمسينيات القرن العشرين.
إضافة إلى ما سبق، جرى منح الجنسية اللبنانية، وفق مرسوم التجنيس رقم 5247، بتاريخ 2 حزيران/ يونيو 1994، لأبناء القرى الفلسطينية الشيعية السبع (صلحا، وهونين، وطبريخا، والمالكية، وقدس، ويوشع، وآبل القمح ومزارعها) التي أُلحِقَت بفلسطين بموجب اتفاقية "بوليه- نيوكمب" بين بريطانيا وفرنسا في عام.1922 وكان مسوّغ منح الجنسية اللبنانية لأبناء تلك القرى عدّها قرى لبنانية أصلً، اقتُطعت من لبنان، وأنّ من حق أبنائها الذين هُجّروا إلى لبنان بعد النكبة استعادة جنسيتهم الأصلية. وتحت بند "القرى السبع" توسعت قائمة القرى التي شملها التجنيس لتصل إلى نحو 25 قرية من قرى منطقة "إصبع الجليل" شمال لبنان، التي اعتبرت في حكم القرى السبع المذكورة. وبحسب بعض المصادر، بلغ عدد الذين جُنِّسوا من الفلسطينيين من أبناء تلك القرى مجتمعة نحو 30 ألف فلسطيني. أمّا بحسب مصادر أخرى، فإنّ عددهم بلغ نحو 15.6 في المئة من مجموع المجنسين، من دون ذكرٍ لعددهم الإجمالي. وبخصوص حق الإقامة، يوفر لبنان، على غرار الدول العربية المضيفة الأخرى، حق الإقامة الدائمة للاجئين الفلسطينيين في البلد، وتصنفهم وزارة الداخلية اللبنانية إلى فئات ثلاث: فئة المسجلين في قيود المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين وفي سجلات الأونروا: تشك ل هذه الفئة الكتلة الأساسية من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان، ويُطلق عليهم "لاجئو عام 1948"؛ لأنهم لجؤوا إلى لبنان بعد النكبة مباشرة، وشُمِلوا في الإحصاء المشترك الذي أجرته الأونروا والمديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين في عام.1962 فئة المسجلين في قيود المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين فقط، من دون أن يكونوا مسجلين في سجلات الأونروا: بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، لجأ معظم هؤلاء اللاجئين إلى لبنان أو وفدوا إليه مع قوات الثورة الفلسطينية من الضفة الغربية وغزة وبلدان مضيفة أخرى، في أعقاب أحداث أيلول الأسود عام 1970. وقد تمكّن بعضهم من التسجيل في قيود المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين، بفضل نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية القوي في لبنان قبل عام 1982؛ إذ أبدى وزراء الداخلية اللبنانية آنذاك تساهلً في تسجيل اللاجئين الفلسطينيين الوافدين بعد عام 1948. ولكن هؤلاء لم يُسجلوا في سجلات الأونروا؛ لأن غالبيتهم مسجلة أصلً في مناطق عملياتها الأخرى (الضفة الغربية، وغزة، وسورية، والأردن)، ولا يمكن أن تسجلهم الأونروا مرتين. وهذه الفئة هي الفئة الثانية من حيث العدد، ويُطلق على الذين تشملهم هذه الفئة "لاجئو عام 1967"، وترمز إليهم الأونروا بغير المسجلين.Non-registered, NR فئة فاقدي الأوراق الثبوتية: هم غير مسجلين في قيود المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين، وغير مسجلين في سجلات الأونروا. وهذه الفئة هي الفئة الأقل عددًا، والأكثر حرمانًا ومعاناة، ويُطلق على الذين تشملهم هذه الفئة "فاقدو الأوراق الثبوتية" Undocumented Refugees, Non-IDs. ويمكن تعريفهم بأنهم "فئة من الفلسطينيين المقيمين في لبنان بحكم الأمر الواقع، ولا يتمتعون بحق الإقامة الشرعية، ولا باعتراف الدولة اللبنانية بشخصيتهم القانونية؛ أي إنهم لا يملكون بطاقات هوية صادرة عن المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين".
في واقع الحال، قد يكون لدى أصحاب الفئة الثالثة، الأخيرة، أوراق ثبوتية صادرة عن دول مضيفة أخرى، إلا أنها لا تؤهلهم للعودة إلى تلك الدول، ولا تصلح أساسًا لمنحهم إقامة أو أي وضع قانوني في لبنان. ولا يوجد رقم دقيق يدلّ على عددهم. وبحسب مصادر المنظمات الأهلية الفلسطينية، فإنّ عددهم يراوح ما بين 3000 و 5000 شخص. ولا يشكّل فاقدو الأوراق الثبوتية مجموعة متجانسة، بل تتوزع غالبيتهم على فئات فرعية: (أ) فلسطينيون يحملون أوراقًا ثبوتية صادرة عن السلطات الأردنية صالحة أو منتهية الصلاحية، لكنهم لا يستطيعون، لأسباب متباينة، العودة إلى الأردن. (ب) فلسطينيون من قطاع غزة يحملون أوراقًا ثبوتية صادرة عن السلطات المصرية، ولا يُسمح لهم بالإقامة في مصر، ولا يستطيعون في الوقت نفسه العودة إلى قطاع غزة. (ج) فلسطينيون يحملون أوراقًا ثبوتية صادرة عن السلطات العراقية غادروا العراق بسبب العنف والاضطهاد الذي تعرضوا له. (د) فلسطينيون طردتهم إسرائيل من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا تسمح لهم بالعودة إليها. يتضح من التوصيف السابق أن مشكلة الفئة الثالثة تكتسب أبعادًا إقليمية؛ ففضلً عن كون الذين تشملهم هذه الفئة هم من ضحايا الصراع العربي - الإسرائيلي وما أفرزه من حروب ارتبطت بالهجرة والتهجير، فإنهم يشكلون حالة نموذجية لدراسة السياسات الإقليمية المتعلقة بالإقامة والتجنيس في البلدان العربية. وتَعدّ السلطات اللبنانية أفراد الفئتين الأولى والثانية مقيمين بصفة شرعية في لبنان، في حين تَعدّ أفراد الفئة الثالثة مقيمين بصفة غير شرعية. وعلى الرغم من انعدام أي تمايز في أصل الوضع القانوني لأفراد الفئات المذكورة؛ إذ إنهم جميعًا لاجئون، فإنه يوجد تفاوت في بعض الحقوق الممنوحة لكل فئة من الفئات المذكورة فيما يتعلق بحق الإقامة والسفر والحصول على خدمات الأونروا. وتمنح السلطات اللبنانية أفراد الفئتين الأولى والثانية من اللاجئين الفلسطينيين بطاقة هوية/ إقامة زرقاء صادرة عن المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين تُثبت أنهم مقيمون في لبنان بصفة شرعية، ويمنح الأمن العام اللبناني أفراد الفئة الأولى "وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين" (من عام واحد إلى خمسة أعوام) صالحة للعودة إلى لبنان طوال مدة العمل بها. وابتداءً من عام 2016، مُنح أفراد الفئة الثانية وثيقة سفر (من عام واحد إلى ثلاثة أعوام)، بعد أن كانت تُنح مدة عام واحد قابلة للتجديد، ولا تجيز لحاملها العودة إلى لبنان، إلا إذا خُتمت بعبارة "صالح للعودة". أمّا أفراد الفئة الثالثة، فهم لا يُنحون أي نوع من الوثائق أو الأوراق الثبوتية، وأقصى ما يمكنهم الحصول عليه هو إفادة من مديرية الأمن العام تُثبت هويتهم الشخصية وتسهّل بعض معاملاتهم اليومية بوصفهم مقيمين في لبنان بحكم الأمر الواقع، لا بحكم القانون؛ إذ تعتبر إقامتهم في البلد غير شرعية. وبهذا، فهم محرومون كليًّا من السفر خارج لبنان؛ إلّ في حالات استثنائية، وبإذن خاص من مدير الأمن العام اللبناني، وهم يواجهون أيضًا صعوبات كبيرة في إنجاز المعاملات الرسمية (إبرام عقود الزواج، وتسجيل الولادات، واستصدار شهادات الميلاد، وتسجيل معاملات الطلاق، والحصول على "رخصة سواقة"، وإنشاء حساب في البنك)، ويواجهون كذلك صعوبات في تسجيل أبنائهم في المدارس.
غير أن حق اللاجئين الفلسطينيين في الإقامة وحرية التنقل والسفر يبقى عرضة للتطبيق العشوائي، ويظل معرضًا للانتهاك؛ وذلك تبعًا لتبدل الأحوال السياسية الإقليمية أو تغير التوازنات الداخلية اللبنانية. وهذا ما حصل فعليًّا في أعقاب قرار ليبيا ترحيل الفلسطينيين المقيمين فيها، عام 1995، احتجاجًا على اتفاقية أوسلو واتفاقية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية. وحينئذ، أصدر وزير الداخلية في حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري القرار رقم 874 بتاريخ 22 أيلول/ سبتمبر 1995، القاضي بإعادة تنظيم دخول الفلسطينيين إلى لبنان وخروجهم منه. ووفق هذا القرار، فإنّ على الفلسطينيين الذين يرغبون في مغادرة لبنان الحصول على تأشيرة خروج وعودة من الأمن العام اللبناني Re-Entry Visa / Exit. أمّا أولئك الذين كانوا خارج لبنان، في 1 حزيران/ يونيو 1995، فوجب أن يحصلوا، في ذلك الوقت، على تأشيرة دخول إلى لبنان Re-Entry Visa من السفارات والبعثات القنصلية اللبنانية في الخارج. وقد أدى تطبيق ذلك القرار إلى خلق مآسٍ إنسانية حقيقية بالنسبة إلى عدد كبير من الفلسطينيين من الذين علقوا في المطارات الأجنبية، أو احتُجزوا في العراء على حدود البلدان العربية البرية (الحدود المصرية – الليبية على سبيل المثال). ونظرًا إلى ارتباط حرية السفر والتنقل بفرص العمل المتاحة للفلسطينيين خارج لبنان، أدى تطبيق هذا القرار حينئذ إلى تقليص ما تبقّى من فرص عمل بالنسبة إلى الفلسطينيين، وخصوصًا في دول الخليج العربية، تحسبًا لاحتمال مفاده عدم سماح السلطات اللبنانية لهؤلاء بالعودة إلى لبنان في المستقبل. يضاف إلى ذلك ما سبّبه تطبيق هذا القرار من أضرار نفسية بالغة عمّقت لدى الفلسطيني الإحساس بحالة "الحصار"، وانسداد الآفاق أمامه في سعيه نحو حياة إنسانية كريمة. وفي هذا الخصوص، يجادل القانوني وديع سعيد قائلً: "إن إنكار حق الفلسطينيين المقيمين في الخارج من العودة إليه يعرّضهم بحكم الأمر الواقع إلى النفي العشوائي من لبنان. وحيث إن لبنان ليس وطنهم الأم وإنهم يقيمون هناك بصورة شرعية، فإن أي محاولة لحرمانهم من حق الإقامة، خلافًا للقانون، هي بمنزلة 'نفي عشوائي' وفقًا لنصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وعلى وجه التحديد يشكّل القرار 4) 87(انتهاكًا صريحًا للمادة (9) من الإعلان المذكور التي تنصّ على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص للاعتقال أو السجن أو النفي العشوائي". ثم إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، يتضمنان نصوصًا مماثلة في هذا الخصوص. ومن الجدير ذكره أن لبنان صدّق على المواثيق الدولية المذكورة ووقّعها (الإعلان والعهد والاتفاقية). فضلً عن ذلك، لا يتوافق القرار رقم 874 مع التزامات لبنان بوصفه عضوًا في جامعة الدول العربية فيما يختص بالتعهدات والقرارات والبروتوكولات المتعلقة بمعاملة الفلسطينيين، وخاصة بروتوكول الدار البيضاء.
خامسًا: أهلية منح الدولة الفلسطينية الجنسية للاجئين
تطرح مسألة الدولة الفلسطينية تساؤلات أساسية لا تزال موضع جدل من القانونيين الدوليين الذين تابعوا هذه المسألة. وتركز هذا الجدل على أهلية الدولة الفلسطينية بصفتها القانونية الحالية التي اعترفت بها
الأمم المتحدة، أو بصيغتها الأرقى في حال الاعتراف بها "دولة كاملة العضوية"؛ فهل ينبغي لها أن تبسط ولايتها على السكان الفلسطينيين في الشتات (وغالبيتهم من اللاجئين)؟ أم أنّ ولايتها القانونية تبقى محصورة جغرافيًا (الضفة الغربية وقطاع غزة) وديموغرافيًّا (سكان الضفة والقطاع)؟ ثمّ هل يكفي أن يقرر إعلان الاستقلال (الجزائر، 1988) أن "دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا" ليصبح ذلك أمرًا واقعًا، علمً أن الأمم المتحدة قد اعترفت بإعلان الجزائر؟في سياق هذا الجدل، اقترح فاتح عزام أن على الدولة الفلسطينية، بعد الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة، أن تخطو خطوتها الجريئة التالية وتمنح جنسيتها للاجئيها عديمي الجنسية، وتدخل في اتفاقيات ثنائية مع الدول المعنية بشأن وضع المواطنين الفلسطينيين، بغية تحسين أوضاعهم في بلدان إقامتهم الحالية، نظرًا إلى حاجة مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين الملحّة إلى مثل هذه الخطوة، ولا سيما في لبنان وسورية والأردن. إذا كان مَنْح الجنسية عملً من أعمال السيادة بالنسبة إلى الدول، فإن "دولة فلسطين" منقوصة السيادة والواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي غير مؤهلة لمنح الجنسية الفلسطينية للاجئين في الدول المضيفة؛ ولذلك فإنّ الخطوة التي يطالب بها المقترح ستحولهم إلى رعايا أو "مواطنين افتراضيين" لدولة فلسطين في البلدان المضيفة، لا يتمتعون بكل الحقوق المدنية والسياسية التي تمنحها الدولة "دولتهم" للأفراد. وإذا كان اللاجئون الفلسطينيون عديمي الجنسية حقًّا، فما التغييرات التي ستطرأ على وضعهم القانوني عند منحهم الجنسية الفلسطينية؟ وما تأثيرات مثل هذه الخطوة في حقهم في العودة؟ وما المزايا التي سيجنونها من وراء هذه الخطوة نفسها في البلدان العربية المضيفة، وبلدان الشتات الأخرى أيضًا؟ من المخاطر المترتبة على خطوة كهذه أن يفسّها كلٌّ من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي على أساس أن قضية اللاجئين قد حُلَّت من خلال إضفاء صفة المواطنة عليهم، تلك الصفة التي تخولهم العودة إلى الدولة التي يحملون جنسيتها، وليس إلى بيوتهم الأصلية التي طُردوا منها في عام 1948 وفق القرار 194. صحيح أن اكتساب الفلسطيني أي جنسية، سواء كانت فلسطينية، أو غيرها، لا يسقط قانونيًّا حقه في العودة، بوصفه حقًّا فرديًّا غير قابل للتفويض أو الإنابة، ومبنيًّا على مبدأ الخيار الحرّ للاجئ، لكن حسابات القانون تختلف عن حسابات السياسة الواقعية.Realpolitik من المحتمل، أيضًا، أن تتبنى بعض البلدان العربية المضيفة مثل تلك المقاربة وتقدم على خطوات لطرد الفلسطينيين إلى دولتهم الأم، إذا ما تأزمت علاقة هذه الدولة العربية أو تلك بالدولة الفلسطينية (موقف
ليبيا في عهد القذافي لا يزال ماثلً في الأذهان). ومن غير المرجح أن تجد الدول العربية المعنية أنه من مصلحتها توقيع معاهدات ثنائية مع دولة فلسطين تمنح الرعايا الفلسطينيين في تلك الدول مزايا ومعاملة تفضيلية "متبادلة"؛ فما المقابل الذي ستقدمه دولة فلسطين المنقوصة السيادة والتابعة لإسرائيل إلى الرعايا العرب، تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل، خاصة أن بعض الدول العربية التي يرشحها المقترح لعقد مثل هذه الاتفاقيات الثنائية (لبنان وسورية) تعدّ إسرائيل دولة عدوّة، ولا تسمح لمواطنيها بزيارة دولة فلسطين التي تقع تحت الاحتلال، والتي لا تمتلك السيادة على حدودها الافتراضية؟ نعتقد أنه من الأجدى أن تضغط "الدولة الفلسطينية" على الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين من أجل منحهم مج لً أوسع من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بدلً من تحويلهم إلى "مواطنين افتراضيين"، خاصة أن الحقوق والحماية الواجب على الدولة المضيفة تقديمهما للاجئين بموجب القانون الدولي أوسع كثيرًا من المزايا والمعاملة التفضيلية التي ستكفلها الاتفاقات الثنائية في حال تمكّن دولة فلسطين من إبرامها مع الدول المعنية. ومن المرجح أَّلَّ يكون "تسامح" هذه الدول مع المواطنين/ الرعايا الفلسطينيين أكثر من "تسامحها" مع اللاجئين الفلسطينيين؛ إذ إن المشكلة ستبقى في السياسات اللاعقلانية لتلك الدول التي تنتهج التمييز ضد الفلسطينيين سواء كانوا مواطنين أو لاجئين.
خاتمة
حظيت مسألة الجنسية الفلسطينية، بما تنطوي عليه من خصوصية، باهتمام العديد من الفقهاء القانونيين، وارتبطت خصوصيتها بتاريخ فلسطين تحت الحكم العثماني، ثم الانتداب البريطاني، وصولً إلى نكبة 1948 وتداعياتها المتمثلة في تهجير غالبية الشعب الفلسطيني وتحويله إلى لاجئ في فلسطين الانتدابية أو في الدول العربية المجاورة. وظلت هذه المسألة مثار جدل ونقاش في الدراسات المتعلقة بالجنسية والمواطنة، وظلت تطرح، أيضًا، تساؤلات من بينها: هل الجنسية الفلسطينية التي أُنشئت في زمن الانتداب البريطاني لا تزال قائمة بالمعنى القانوني؟ أم هل أُلغيت؟ ثمّ أيُعدُّ الفلسطينيون عديمي الجنسية أم أنهم فئة خاصة من عديمي الجنسية؟ في حين يتفق هؤلاء الفقهاء القانونيون على أن المعنى القانوني لمفهومي الجنسية والمواطنة واحد، وأنه يشير إلى العلاقة بين الفرد والدولة، كما يحددها القانون نفسه، فإن بعضهم يميز بين المفهومين، لجهة أن مصطلح الجنسية، بخلاف مصطلح المواطنة، يشير إلى مفهوم سوسيولوجي مختلف عن المعنى القانوني، ويتصل بالهوية الإثنو-قومية؛ وذلك في وقت يظل فيه مفهوم المواطنة ذا أهمية من منظور القوانين الوطنية للدول من أجل تحديد الذين تعدّهم مواطنيها. ويكتسب هذا التمييز بين المفهومين في الحالة الفلسطينية أهمية خاصة؛ لأنه يساعد في فهم خصوصية وضع الجنسية في الحالة الفلسطينية، المرتبطة بواقع اللجوء والحرمان من الجنسية. ونميل، في هذا السياق، إلى ترجيح رأي سوزان أكرم القائل إنّ الفلسطينيين هم مواطنو فلسطين، لكنهم فعليًّا عديمو الجنسية Stateless Nationals؛ لأنهم حُرموا من جنسيتهم ظلمً، وفي هذا انتهاك لمبادئ القانون الدولي. يفتقد الفلسطينيون المحرومون من الجنسية، وفقًا للمعايير المعمول بها في القانون الدولي، الحماية الإقليمية والدولية. وعلى صعيد الحماية الإقليمية، يمنح بروتوكول الدار البيضاء الفلسطينيين – نظريًّا - مج لً واسعًا من الحقوق الأساسية. أما في الممارسة العملية، فلا يجري الالتزام، دائمًا، بتطبيق أحكام البروتوكول. وغالبًا
ما كان يخضع تطبيق تلك الأحكام للتقلبات والتغيرات السياسية في تلك الدول؛ فمثلً، تنصّل مجلس وزراء جامعة الدول العربية عام 1991، بموجب القرار رقم 5093، من الالتزام الجماعي لدول الجامعة بأحكام البروتوكول الذي جعل من وضع اللاجئين الفلسطينيين مسؤولية وطنية تتحملها كل دولة عربية على حدة، وفقًا لقوانينها الوطنية. تتفاوت أوضاع الفلسطينيين القانونية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلدان المشرق العربي من بلد لآخر، بيد أن أوضاعهم في لبنان هي الأسوأ؛ إذ يعيشون ظروفًا بالغة الصعوبة تتنافى مع أبسط معايير الكرامة الإنسانية. ورغم إقامتهم الممتدة أكثر من سبعة عقود، فإنهم يخضعون لأوضاع قانونية "ملتبسة" تتناقض مع معايير القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية. وفي هذا السياق، نشير إلى أنّ هذه الحقوق في الدول العربية، ومنها لبنان، على عكس الديمقراطيات الغربية التي ترتبط فيها بعض حقوق المواطنة بالإقامة الدائمة أو الممتدة، تُستمد حصرًا من حق التمتع بالجنسية؛ وبالنظر إلى أنّ اللاجئين الفلسطينيين محرومون من الجنسية، فإن هذا الأمر يجرّدهم من غالبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وغالبًا ما جرى تسويغ التمييز المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين وحرمانهم من حقوق الإنسان الأساسية في الدول العربية المضيفة بعَده تمييزًا إيجابيًّا هدفه الإبقاء على قضيتهم وهويتهم، وهذا ما ترتكز عليه فلسفة النظام العربي لحماية اللاجئين الفلسطينيين. ولكن في واقع الحال، تحولت ذريعة المحافظة على هوية اللاجئين إلى أداة قانونية تُستخدَم لاستبعاد مجتمعاتهم في تلك الدول وتهميشها. أمّا على صعيد الحماية الدولية، فإنّ المجتمع الدولي لا يوفر حاليًّا أي هيئة دولية تتمتع بتفويض واضح وصريح يكفل للاجئين الفلسطينيين المحرومين من الجنسية حماية دولية منتظمة وشاملة، في حين أن الحاجة الملحّة إلى تلك الحماية هي التي تميّز اللاجئين، والمحرومين من الجنسية أيضًا، من غيرهم من المهاجرين الأجانب. وقد أدى انهيار عمل لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين، والحماية المحدودة التي تقدمها الأونروا، والتدخل المحدود للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مجال حماية اللاجئين الفلسطينيين، إلى ثغرات حادة في الحماية الإقليمية والدولية للاجئين الفلسطينيين المحرومين من الجنسية؛ وذلك في ظل غياب الدولة الوطنية المؤهلة لسدّ تلك الثغرات، وغياب الحماية المناسبة من معظم سلطات الدول العربية. وبناءً على ما سبق، نوصي بما يلي: سدّ الثغرات في نظام الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين من خلال تعزيز دور الهيئات الدولية الثلاث المعنية بالحماية، وهي: لجنة التوفيق الدولية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والأونروا؛ وذلك من خلال تفعيل دور لجنة التوفيق الدولية، بوصفها آلية لتنفيذ القرار 1948/149 المتعلق بحق العودة، في البحث عن حلول دائمة لمشكلة للاجئين، وهو جوهر المهمة التي أُنشئت من أجلها هذه اللجنة، إضافة إلى التزام المفوضية السامية، بحسب ما ينصّ تفويضها، بتقديم الحماية للاجئين الفلسطينيين الذين يوجدون، لأسباب مختلفة، خارج مناطق عمليات الأونروا، على نحو منتظم وفاعل، مع استمرار الأونروا، أيضًا، في تطوير نظامها في الحماية الخاص باللاجئين الفلسطينيين بطرائق تتعدى مفهوم الحماية الإغاثية، وفقًا لخطتها المتوسطة الأمد (2021-2016) التي تربط ربطًا وثيقًا بين التنمية البشرية وحقوق الإنسان.
مراجعة نظام الحماية العربي للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، من خلال إعادة تفعيل بروتوكول الدار البيضاء، من حيث المضمون والشمول بالنسبة إلى الدول المصدّقة عليه؛ استنادًا إلى المعايير التي تكفلها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، واعتمادًا على معيار الإقامة الممتدة أساسًا لنيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بدلً من معيار الجنسية. وذلك كله في إطار الحفاظ على حق العودة والهوية الوطنية الفلسطينية. إنهاء التمييز تجاه الفلسطينيين في لبنان، بوصفهم أجانب في التشريعات اللبنانية، وضرورة مواءمة التشريعات اللبنانية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقات الدولية التي التزم بها لبنان في مقدمة الدستور اللبناني، والتي تعلو على القوانين الوطنية؛ وذلك من خلال تأسيس وضع قانوني خاص باللاجئين الفلسطينيين يميزهم من الأجانب.
المراجع
Reference
العربية
الأمم المتحدة. الجمعية العامة. "صون السلام والأمن الدوليين: قضية فلسطين". الدورة 63:. في https://bit.ly/3Nil9mi
_______. الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين. 28 تموز/ يوليو 1958:. في https://bit.ly/3WhH0OY
الأمم المتحدة. مفوّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. اتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي https://bit.ly/3yqNwZu: (نيويورك). في الجنسية
بن خضراء، ظافر. سورية واللاجئون الفلسطينيون العرب المقيمون. دمشق: دار كنعان،.1999
جامعة الدول العربية. الاتفاقية العربية لتنظيم أوضاع اللاجئين في الدول العربية (1994). في: https://bit.ly/3wEHp2N جمعية روّاد. لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني ومركز حقوق اللاجئين/ عائدون. الفلسطينيون فاقدو الأوراق الثبوتية: قضية إقليمية مشتركة. تقرير مؤتمر إقليمي. الجامعة اللبنانية الأمريكية. بيروت:
الجنسية وعديمو الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ترجمة عايدة حيدر. لورا فان واس وزهرة برازي (محررتان). بيروت: المفكرة القانونية،.2016
الرمثاوي، عريب. " الفلسطينيون في الأردن وإعادة بناء منظمة التحرير ". ورقة مقدمة في ورشة عمل "إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية". المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية – مسارات. إسطنبول،.2012/12/21-19
سليمان، جابر. "اللاجئون الفلسطينيون في العراق: الحماية المفقودة". المستقبل العربي. العدد). 2007-2006(340
_______. الفلسطينيون فاقدو الأوراق الثبوتية. سلسلة "مصادر حقوق اللاجئين الفلسطينيين.4 بيروت: مركز حقوق اللاجئين/ عائدون،.2014
العابد، عروب. "المجتمع المنسي: الفلسطينيون في مصر". شبكة السياسات الفلسطينية. 2011/7/11. في: https://bit.ly/2NzHk7P
_______. الفلسطينيون في مصر: مقومات العيش واستراتيجيات التأقلم. القاهرة: برنامج دراسات اللاجئين والهجرة القسرية/ الجامعة الأمريكية بالقاهرة،.2003
عزام، فاتح. "مقترح جريء: على فلسطين أن تمنح لاجئيها الجنسية". شبكة السياسات الفلسطينية.. 2015/5/5 ف:ي https://bit.ly/3CW9s1j القاسم، أنيس فوزي. "مشروع قانون الجنسية الفلسطينية وتأثيراته على اللاجئين والشتات الفلسطيني". حقوق الناس. العدد 1 (آذار/ مارس 1997).
_______. "الفلسطيني في التشريعات العربية: النموذج الأردني". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 83 (صيف.)2010
"قانون رقم 2001/296 ". الجريدة الرسمية. لبنان. العدد.2001/4/5.15
"قانون رقم 66 ". الجريدة الرسمية. مصر. العدد.14962/3/10.58
"قرار وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم". الجريدة الرسمية. لبنان. العدد.2021/4/5.23
مبارك، وليد [وآخرون]. بناء المواطنة في لبنان. بيروت: الجامعة اللبنانية الأميركية،.1999
مجلس النواب اللبناني. "الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفلسطينيين في لبنان". ورقة مرجعية. الأعمال التحضيرية لإقرار الخطة الوطنية لحقوق الإنسان. لبنان 2019-2014. من إعداد الباحث،
مجلس عصبة الأمم. صك الانتداب على فلسطين أعلن مشروعه من قبل عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 6 (يوليو/ تموز) 1921 وصودق عليه في 24 يوليو (تموز) سنة 1922 ووضع موضع التنفيذ في 29 سبتمبرر (أيلول) سنة 1923 (نيويورك). في https://bit.ly/3MkFSoZ:
الأجنبية
Al Barazi, Zahra. Regional Report on Citizenship. Italy: European University Institute, Albanese, F. & L. Takkenberg. Palestinian Refugees in International Law. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2020.
Al-Husseini, Jalal et al. "The legal Status of the Palestinian Refugees in the Near East: Formal Aspects and Perceptions." Submitted to an International Workshop Organized by Chr. Michelsen Institute (CMI)/ Norway Entitled: "From Exodus to Exile: Palestinians Lives in the Levant." Bergen, 7-8/9/2007. (Unpublished Paper)
Aruri, Naseer (ed.). Palestinian Refugees: The Right of Return. London: Pluto Press, 2001. Farsakh, Leila (ed.). Rethinking Statehood in Palestine: Self-determination and Decolonization Beyond Partition. California: University of California Press, 2021.
Institute on Statelessness and Inclusion. The World's Stateless. Nijmegen, Netherlands: Wolf Legal Publishers, 2014.
Quigley, John. The Statehood of Palestine: International Law in the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Statelessness Platform and Research and Advocacy Network on Statelessness in the MENA. at: http://hawiati-mena.org
Suleiman, Jaber. "Palestinians: A land without Promise." Atlas of Stateless. Rosa Luxemburg Takkenberg, Lex. The Status of Palestinian Refugees in International Law. Oxford: United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). The 1951 Refugee Convention ______. Convention on the Reduction of Statelessness (New York: 1961). at: ______. "Declaration on the Protection of Refugees and Displaced Persons in the Arab ______. OHCHR Meeting Report. Regional Experts Meeting on Human Rights of Stateless Foundation: 2020. at: https://bit.ly/3EugRWA
Clarendon Press, 1988.
(New York: 1951). at: https://bit.ly/3rMvehi https://bit.ly/3VePQwn
World." 19/11/1992. at: https://bit.ly/3CO0dQk
Persons in the MENA. Amman: 18-19/2/2010.