العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإدارة والدولة في سياق ما بعد فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19): هل هي بداية علاقة جديدة؟

الإدارة والدولة في سياق ما بعد فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19): هل هي بداية علاقة جديدة؟

Administration and State in the post Covid-19 context: Towards a new type of bond?

جوسيب بونت فيدال

الملخّص

ملخص: كان لوباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) آثار عميقة في كل المجتمعات، ووجدت الدولة والإدارةُ أنهم في بيئة تتسم بتغييرات دينامية وغير مألوفة وطارئة. وأصبحت التحولات، التي كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، أكثرَ وضوحًا بشأن تمدد وظائف الدولة. لذلك سيتعين على الإدارات التكيف مع ظروفٍ شديدة التقلب: تغييرات ذات صلة بالاقتصاد، والفاعلون السياسيون، وإعادة صوغ سريع للأساليب، والمطالب المستجدة، وإعادة صوغ للعلاقة مع المجتمع. في ظل هذا السيناريو يبرز سؤالان مركزيان؛ الأول ذو طبيعة وصفية، يتعلق بتحول الدولة والإدارة في بيئة غير آمنة ومعقدة وطارئة، في حين ينصب السؤال الثاني على الطبيعة المنهجية والمفاهيمية، حيث تظهر الحاجة إلى اعتمد وتطبيق مفاهيمَ وقواعدَ منطقية تُتيح القدرة على حوارٍ متعدد التخصصات مع ما يكفي من الملاءمة والتطور من أجل وصف هذا التعقيد.

Abstract

Abstract: The Covid-19 pandemic has had profound impacts on all societies. The State and the Administration have not been left out but are in an environment characterized by dynamic changes and contingent. The changes initiated a few years before on the function and extension of the State have been accentuated, and the administrations will have to adapt to very unstable conditions: changes in the economy and political actors, rapid reformulation of methods, new demands, relationship with the society. Two central questions appear in this scenario. The first one is descriptive in nature, about the transformation of the State and the Public Administration in an insecure, complex, and contingent environment. In the second of a methodological-conceptual nature, there is a need to seek and apply concepts and logics capable of interdisciplinary dialogue and with sufficient suitability and sophistication to describe this complexity.

الكلمات المفتاحية:
  • الإدارة العامة
  • كوفيد-19
  • المخاطر
  • الدولة
Keywords:
  • Public Administration
  • Covid-19
  • Contingency
  • Risk
  • State

ظروفٍ شديدة التقلب: تغييرات ذات صلة بالاقتصاد، والفاعلون السياسيون، وإعادة صوغ سريع للأساليب، والمطالب المستجدة، وإعادة صوغ للعلاقة مع المجتمع. في ظل هذا السيناريو يبرز سؤالان مركزيان؛ الأول ذو طبيعة وصفية، يتعلق بتحول الدولة والإدارة في بيئة غير آمنة ومعقدة وطارئة، في حين ينصب السؤال الثاني على الطبيعة المنهجية والمفاهيمية، حيث تظهر الحاجة إلى اعتمد وتطبيق مفاهيمَ وقواعدَ منطقية تُتيح القدرة على حوارٍ متعدد التخصصات مع ما يكفي من الملاءمة والتطور من أجل وصف هذا التعقيد.

كلمت مفتاحية:  الإدارة العامة، كوفيد 19-، الطوارئ، المخاطر، الدولة.

مقدمة

كان وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) سببًا في اتخاذ عدد من الحكومات والإدارات والمؤسسات

العامة تدابير صارمة من أجل المراقبة والسيطرة والتحكّم وتعزيز نظام العقوبات. وكان لهذه التدابير التي لم تكن شائعة من قبل في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، أثرٌ عميقٌ؛ ليس في الحياة اليومية والعمل وأوقات الفراغ والاقتصاد والرياضة فحسب، بل إنها أفضت أيضًا إلى تسريع المسارات التي بدأت قبل ذلك بأعوام، وتدشين أخرى لإعادة صوغ ديناميات الإدارة المتعلقة بمسؤوليات الدولة ووظائفها ذات الصلة بأنماط الحكم التنظيمي والسياسات العامة التنظيمية وبنيتهم. وإزاء هذه الوضعية الطارئة، ينبغي إضافة التدابير التي اتخذتها الحكومات بشأن القيود على الحريات الدستورية، من قبيل فرض الحجر الصحي، وتقييد حركة التنقل، والمراقبة والسيطرة الواسعة من خلال الإمكانات التي تتيحها البيانات الضخمة Data Big لفرض هذه التدابير. وتتوقع الدراسات الصادرة حديثًا والاكتشافات في علم الفيروسات سيناريو متشائمًا في الأعوام المقبلة؛ إذ سيكون التعايش مع فيروسات جديدة "وضعًا طبيعيًا جديدًا"، في سياق تفَشٍّ جديدٍ محتملٍ؛ ما يُحيل إلى سيناريو محكومٍ بعدم اليقين. في ظل هذا الوضع، تتولّ الإدارة العامة، باعتبارها عنصرًا مركزيًا في الدولة، وظائف السلطة التنفيذية وصلاحياتها على نحو متدرّج. وعلى هذا النحو كانت مسؤولة عن تطبيق القواعد الخاصة، ومنح الخدمات وإدارتها، وأداء المهمت التنظيمية بالتوازي مع التدخل، ومنح الترخيص، وتوسيع البنية التحتية وصيانتها، وذلك ضمن صلاحيات ومسؤوليات أخرى. وقد أفضت حالةُ الطوارئ الاستثنائية التي سببتها الجائحة إلى الإسراع بتغيير القيم المرجعية وصلاحياتِ الدولة والإدارة واختصاصاتهم، ومساءلة الطريقة التي اشتغلتا بها حتى الآن. وكان تحليل هذه الدينامية حاضرًا في ورشاتِ عمل ومؤتمرات دولية (رقمية) أُقيمَت عن بُعد،

طُرِحَت فيها مواضيع جديدة (الهجرة، والسياحة الجمهيرية، والنظم البيئية، والمنهجيات)، ويظهر فيها جليًّا

تعدد التخصصات. وتبرز الحاجةُ إلى تطبيق مفاهيم جديدة في الإدارة من أجل تحليل حالة الطوارئ وما بعد الجائحة، على الرغم من أن رصد هذه التغييرات والتطبيق الفعلي لها لا يزالان متعارضيَن، سواء كان ذلك على مستوى النظرية أو على مستوى التطبيق. يتطلّب طرح علاقة الدولة والإدارة، ضمن هذا السياق الاستثنائي، حزمةَ ملاحظات وفرضيات سابقة ينبغي تسليط الضوء عليها. أولً، من الضروري البدء بحوار بين التخصصات التي تناولت هذه المجالات بانتظام، وهي علوم السياسة والإدارة والاجتمع. ومن الحتمي بدء حوار بين هذه العلوم انطلاقًا من مفهوم تداخل التخصصات. إن إرادة بدء هذا الحوار لا تكفي وحدها، فقد كان من المعتاد أن يقتصر على تشغيلٍ متزامنٍ ومتوازٍ للتخصصات والخطابات؛ ما أفضى إلى بروز ظاهرة اشتراك تخصصيْ أو أكثر في وصف الظواهر الاجتمعية والسياسية والإدارية، من دون تقدُّم مفاهيمي جوهري. ثانيًا، نعتبر أن فكرة الاضطلاع بوصف مسارات صنع القرار، وتحول الدولة والإدارة وصلة ذلك بالمجتمع، إنما هي عملية معقدة بدرجة عالية، نظرًا

إلى السياق الحالي. يتطلّب الأمر تطبيق بعض الفرضيات على الصعيدَين المفاهيمي والمنهجي، مع القدرة على الملاحظة ذات الصلة بتحديد الروابط الناشئة في مجملها ووصفها. ومن ثم، نقترح البدء بالتحليل انطلاقًا

1  Zukunftskongress-digital. Staat und Verwaltng. Die Leitveranstalgung des Public Sectors fur Digitalen Wandel , Además, Berlin el 16 de Junio de 2020, ICPAD (Paris), IASIA (South Africa), ICPAPSP (Londres), ICPPAE (Barcelona, Londres), ICGPARI (Berlín, Roma), Anpad, EnAnpad (Brasil), CLAD (Lisboa), entre otros.

من مفهوم التعقيد. هذا الاستعداد، كم تجلّ في المؤتمرات، تسلل بهدوء إلى مدارك المهنيين والأكاديميين في التخصصات السالفة الذكر، على الرغم من أن الأفكار الكامنة خلف التعقيد ما زالت تفتقد التوحيدَ توخيًّا للملاحظة والتحليل في هذه المجالات. كشف السيناريو الذي أحدثه كوفيد 19-، على غرار ظواهر حديثة أخرى مرتبطة بمخاطر ذات طبيعة وجودية (انهيار السدود، اختبارات البيولوجيا الحيوية، تكنولوجيا النانو... إلخ)، التعقيد المفرط للمجتمعات المعاصرة، الذي ينتج من ترابط مختلف مجالات الحياة؛ ومن ثم ترابط جميع التخصصات المعرفية. من ناحية أخرى، أميط اللثام عن حدود التحليل القائم على منطق الملاحظة، الذي يتّسم به النموذج التفسيري القائم على السبب والنتيجة أو المتغير المستقل والمتغير التابع. ويبرز سؤالان مركزيان يربطان المستويات الوصفية والمنهجية - المفاهيمية والتحليلية؛ إذ يتعلق السؤال الأول بالطابعيَن المنهجي والمفاهيمي. فم المفاهيم والمنهجيات المتوافرة لدينا، التي تتجاوز ما هو سائد من منهجياتٍ في علوم الإدارة والاجتمع والسياسة، من أجل ملاحظة هذا التعقيد الجديد ووصفه؟ أما السؤال الثاني، فهو ذو طابع وصفي: كيف يتبدّى هذا المحيط الجديد المسؤول عن عملية إعادة البناء الجارية بين الدولة والإدارة؟ إن الإجابة مقدمًا عن هذين السؤالين، انطلاقًا من مفاهيم التيارات النظرية التقليدية (الماركسية الجديدة، المؤسسية)، تنطوي على المجازفة بتحليل الظاهرة عبَْ إجابات مكرورة، وغير فعالة. وقد كشفت هذه الإجابات عن حدود تفسير العقلانية الإنسانية التي تفترضها التيارات المؤسسية الجديدة، كم هو الشأن بالنسبة إلى تحليل "القوة" الذي أخفق في تفسير كيفية حدوث الفعل داخل النسق الاجتمعي أو نسق الشخصية. لذا، يبدو من الضروري تقعيد الأدوات المفاهيمية والمنهجية وتعميقها، مع القدرة على وصف المجتمعات بأكبر قدر ممكن من الدقة في الوقت الراهن. إن الفرضية الموضوعية تكمن في أن تفشي الجائحة أحدث تغييرات في العلاقة بين الدولة والإدارة، ولا سيم في صلاحياتهم وطريقتهم في الحكم، وترسيم حدود الإدارة، واستقلاليتها، وتوسّعها، وتوجُّهها. يقسم هذا البحث قسميَن: نتناول، في القسم الأول، المنطق المنهجي الدائري الدينامي، ومفهومَي الطوارئ والمخاطر بوصفهم مفهومين مرتبطين بالطبيعة المعقدة للمجتمعات المعاصرة، لم يحظَ تطبيقهم في الإدارة العامة بما يكفي من التحليل. أما في القسم الثاني، فسنعمل - من خلال إبراز ماهية التعقيد المفرط - على وصف التغييرات والاتجاهات التي تُنتج تأثيراتِها المجتمعية عبْ أشكال الفعل ودور الدولة والإدارة.

أوّلً: نحو منطق منهجي مفاهيمي آخر

حظيت الدولة والإدارة باهتمم دراسات كثيرة انطلاقًا من زوايا نظر علمية مختلفة. وكان مألوفًا وصفُ مجالات حضورهم باعتبارهم مج لً واحدًا، حيث تكون الإحالةُ إلى الدولة إحالةً ضمنيةً إلى الإدارة. وقد وُظِّفَ هذا المنظور في كتابات الماركسية الجديدة، من خلال المجالات الاجتمعية المتميزة، والمؤسسية الجديدة بمختلف تنويعاتها داخل علمَي السياسة والإدارة. وتفترض البنائية الوظيفية الفصل بين الدولة والإدارة باعتبارهم مجالين

2  Bob Jessop, The State: Past, Present, Future (Cambridge/ Malden: Polity Press, 2016). 3  Klaus Lenk, Ulrich Meyerholt & Peter Wengelowski, Wissen managen in Staat und Verwaltung (Deutschland: E-Goverment und die Emeuerung des ӧffentlichen Sektors, 2014).

متميزين، يتسم كلاهم بالاستقلالية والقدرة على الفعل المستقل، على الرغم من صلتهم المباشرة بالمجتمع. وفي ضوء ما سبق، تمثل الدولة والإدارة مجاليَن متميزَين ومستقلَيّن، يتسم كل واحد منهم بدينامية مختلفة، وبالقدرة على خلق بناهم الخاصة، بوساطة تفاعلات داخلية. ونظرًا إلى أن الأمر يتعلق بمجالين متميزين، فمن الممكن تقديم كل واحد منهم وِفق بيئته الخاصة التي يتفاعل معها بالتواصل المستمر. ومن الممكن استقبال ما يفرزه هذا التواصل (بالقبول أو التجاهل والرفض) وإعادته إلى سياقه، عبر تواصل جديد. ويتجلّ هذا المسار بوساطةِ دورةٍ يتدخَّلُ فيها النظامُ وبيئتُه. وقد حظي تحليلُه، معرفيًا وفلسفيًا، باهتمم كتابات مختلفة. وفي أفق تحليل التغييرات المفترضَة والملاحظَة والجارية ضمن علاقة الإدارة والدولة، تستند المقاربة المنهجية التي نقترحها إلى ثلاث فرضيات منهجية مركزية تتيح توصيفًا دقيقًا للديناميات الداخلية والخارجية بين هذين المجاليَن: منطق الملاحظة الدائرية، وإبراز ماهية التعقيد، واقتراح حوار متعدد التخصصات. وسنعمل على كشف العلاقة بين هذه الفرضيات، وما تسمح به من إمكانات منهجية للملاحظة. ويتطلب هذا التحليل شرحًا وتفصيلً على صعيد المفاهيم. فمن الضروري وصف العلاقة بين منطق الملاحظة من أجل الحصول على المعرفة، ودلالات المفاهيم التي سنستثمرها، ونوع الملاحظة المقترحة لهذه الحالة، وتحليل ذلك كلّه، إذ أنه لا يمكن فصل هذه المستويات الثلاثة التي تشكل ملاحظةً قائمة بذاتها، أو اختزالها على نحو تعسفي. يعتمد المنطق المألوف للملاحظة من أجل الحصول على المعرفة على ثنائية السبب والنتيجة. وعلى الرغم من أن هذه الثنائية قد ساهمت في تحصيل المعارف في علمَي الاجتمع والسياسة، فإنها أظهرت حدودها؛ فلكل ظاهرة أسبابٌ ونتائجُ متعددة، وهذه النتائج تُفرز أسبابًا جديدة. وتبدَّى هذا الواقع في تحليل جائحة كورونا ووصفها: هل يعود سبب تفشيها السريع إلى بيع الحيوانات البرية في سوق ووهان في الصين، أم، على العكس من ذلك، إلى أسباب ناتجة من بعض التشريعات المتساهلة التي اعتمدتها الحكومة الصينية في هذا النوع من التجارة؟ هل هو نتيجة لقرارات هرمية وبيروقراطية مسبقة وللتعتيم الإعلامي وانعدام الشفافية لدى الحزب الحاكم؟ باتباع هذا المنطق، يمكن أن نتساءل عن نموذج النمو السريع وتدمير المساحات الطبيعية والحياة البرية في هذا البلد. وفي خضم اتساع رقعة الجائحة في الغرب، تُطرح كذلك أسئلة عن الأسباب الأولية. فم التدابير المُتَّخذة لتحديد طبيعة الجائحة عندما كانت في بدايتها؟ أكان ذلك بسبب البطء في الوقوف على خطورتها واتخاذِ التدابير الضرورية المتعلقة بالعزل والحجر، أم بسبب الاستراتيجيات الخاطئة التي اتخذتها الحكومات الغربية من أجل وقف انتشار الوباء أو مكافحته؟ هل كان الحجر الشامل أكثر نجاعة من وجود نظام صحي يتيح إجراء الاختبارات المسبقة لتفاعل "البوليمراز" المتسلسل PCR على نطاق واسع بين السكان؟ وهل ساعدت النقاشات السياسية الموجّهة في تفشيه وإدارته على نحو سيئ؟ وهكذا تظهر عدة أسباب مع نتائج مختلفة ودراماتيكية. إن تحليل علاقة الدولة بالإدارة لا يمكن أن يُختزل في تحليل نوع التجارة الذي تعرفه سوق معينة، أو قرارٍ قانوني مسبق، أو مسؤولية وحيدة للدولة والحكومة والحكامة التنظيمية؛ لأن ذلك - في نظرنا - لا يحلّ مشكلة التعقيد التي تنتج من هذه الظاهرة، ولا يُحدِّد طبيعتها بوضوحٍ، ولا يصف ولا يحلل المتغيرات

4  Niklas Luhmann, Introdução à Teoria dos Sistemas (Petropolis: Vozes, 2010); Helmut Willke, "Differenzierung und Integration in Luhmanns Theorie sozialer Systeme," in: Hans Haferkamp & Michael Schmid (Hrsg.), Kommunikation und soziale Differenzierung: Beiträge zu Luhmanns Theorie sozialer Systeme (Frankfurt: Suhrkamp, 1987), pp. 247-274; Helmut Willke, Systemtheorie entwickelter Gesellschaften. Dynamik und Riskanz moderner gesellschaftlicher Selbsorganization (Juventa Verl: München,1993); Helmut Willke, Systemtheorie II: Interventionstheorie. Einführung in die Theorie der Intervention in komplexe Sozialsysteme (Stuttgart: UTB, 1999).

المتعددة، وما يرتبط بها من تقاطعات وتفاعلات وتأثيرات متبادلة. وإزاء تعقيد الظاهرة والمتغيرات المتعددة ذات الصلة، نقترح إمكانية توظيف منطق الدينامية الدائرية الذي يمكن توليفه على نحو متسلسل كم يأتي: سبب، نتيجة، سبب. إن التفرقة بين هذه اللحظات أو التفاعلات الثلاثة بين الدولة والإدارة تتطلب اعتبارهم مجاليَن أو نسقيَن مستقًّلًّ بعضهم عن بعض، فضلً عن قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة ذات تأثير متبادل. ومن خلال هذه الظاهرة، تتكشَّفُ علاقةٌ أكثر تعقيدًا، ذات طبيعة دائرية؛ إذ تتدخل الدولةُ والإدارةُ بطريقة دينامية، ثم تتدخل الدولةُ من جديد، أو الإدارة والدولة، ثم الإدارة من جديد، وذلك ضمن منظور إداري تشكّل الممرسة الإدارية والقرار السياسي والتوحيد الجديد للمعايير حلقاتِه المتعاقبةَ. وفي ضوء هذه المقاربة يمكن استخلاص درس معيّ؛ لا يمكن صوغ سبب وحيد ونتيجة وحيدة، لكن يمكن الرجوع إلى أسباب ونتائج متعددة، وهذه النتائج تفرز بدورها أسبابًا أخرى لتفشي الوباء. حظيت فكرة الدائرية "الدوران الدينامي" باهتمم المقاربة البنائية الوظيفية. وفي علم السياسة انحصرت أساسًا في الانتقال من هرمية التميز الثنائي الأبعاد (أعلى - أسفل، سلطة - رعية، حاكم - محكوم)، أو من خط تنازلي إلى خط تصاعدي، إلى دائريةٍ تفقد فيها السلطةُ السياسيةُ طابعها الهرمي المتمثل من أعلى إلى أسفل، في اتجاه منظور آخر يطبعه تمايز ثلاثي الأبعاد (السياسة، والإدارة، والجمهور). وهذه المجالات كلها مستقلة؛ ومن ثم داخلية، إضافة إلى قدرتها على خلق بناها الخاصة (مرجعيات ذاتية) في تفاعلاتها الداخلية. ولا يتعلق الأمر بأنساق ثابتة ومغلقة، بقدر ما يتعلق بمسار مستمر من التحول والتفاعل مع بيئته ومجالات أخرى. ويتوافق هذا النوع من الوصف مع نطاق المجتمع المتعدد المراكز، أو المراكز المتعددة غير الهرمية في ما بينها. ولعل السمة الرئيسة لهذا العرض هي فقدان سلطة النظام السياسي الذي يصبح أكثر نزوعًا نحو البيئات التي تتشكل داخله. غالبًا ما جرى تحليل الظواهر السياسية الحديثة بمنطق السبب والنتيجة (التحول الديمقراطي في إسبانيا، أو انهيار المعسكر الشرقي، أو الربيع العربي، أو صعود الأنظمة الاستبدادية... إلخ). وقليلة هي الكتابات التي انتبهت إلى أن الأمر يتعلق بمسارات معقدة، بعيدة عن كونها خطية ولا محيد عنها. في هذه الحالة، تفرز سلسلة من الأسباب نتائجَ داخل أحد مجالات المجتمع أو أنساقه، حيث يكون ذلك مقدمة لتشكل أسباب جديدة. وأثناء وباء كوفيد 19- سُلّط الضوء على جذوره الحيوانية؛ إذ يُفترض أن يكون ظهوره في "السوق الرطبة" في ووهان، وعلى انتقال الفيروس أيضًا من أحد الحيوانات إلى نظام الدورة الدموية. ويمثل ذلك، بحسب منظمة الصحة العالمية، السبب الرئيس للوباء. على المستوى التقني - المنهجي الصارم، نعتمد على تحليل سياق الفهم التواصلي، حيث يكون التواصل بوساطة الرموز، ويتضمن قواعد وتدابير وتشريعات وأفع لً وبياناتٍ سياسيةً أو مؤسسيةً.

1. المجتمع المعقد

يُعبر التعقيد عن حالة من الاشتراط الذاتي، تتمثّل في وضعية تتشكل عناصرُها كي تلتحم في وحدة أسمى من وظيفة مجال أو نسق معيّ. إن فكرة التعقيد التي نحن بصددها، لا تحيل إلى مجموع المشكلات المعقدة

5  Niklas Luhmann, Teoría política en el estado de Bienestar (Madrid: Alianza Editorial, 1993). 6  يقول لوهمان: "يؤثر الجمهور في السياسة من خلال الانتخابات. وتضع السياسة حدودًا وأولوياتٍ لقرارات الإدارة [...]. ترتبط الإدارة بذاتها وبالجمهور عبر قراراتها. ويتفاعل الجمهور مع هذه القرارات بوساطة الانتخابات وتعبيرات أخرى"، ينظر: 63 pp..64-Ibid.,

التي يتطلب حلها عدة متغيراتٍ، ولا تحيل إلى عناصر مترابطة مختلفة. في الإمكان وصف التعقيد بأنه إفراط في العلاقات، وانفتاح على علاقات ممكنة غير محدودة؛ إذ يتطلب التمييز بينها عملية انتقائية ذات قدرة على الربط من المُلاحِظ. بمعنى آخر؛ تتطلب الظواهرُ والمشكلاتُ والأوضاعُ، التي تبرز باستمرار، إجراءَ انتقاء ذي قدرة على الربط، لتعدد المتغيرات التي تتدخل فيها. إن الركون إلى مفهوم التعقيد، يسمح، من ناحية، بالعمل ضمن مستوى معيّ من التجريد لتحديد ما يمكن فهمه، ويسمح ببناء علاقة بين المجال أو النسق وبيئته باعتبارها تحيل إلى المجتمع بكامله، أو تحيل إلى أنساق جزئية أخرى. ووِفقا لهذه العمليات، ينتقي الملاحظ ويحدد عناصر أو متغيرات، يكون بعضها جزءًا من نسق ما، في حين يجري، بالضرورة، تهميش بعضها الآخر.

2. التعقيد والطوارئ والمخاطر

إن التعقيد في المجتمعات المعاصرة، التي تستند إلى تنظيم سياسي وإداري وقانوني واقتصادي موسع ومُحكم ومتعدد المستويات، يعني معالجتَها ضمن منظور الطوارئ والمخاطر. وتتجه هذه المجتمعات بطريقة متزايدة نحو نوع من الترابطات والتوافقات والوساطات؛ ومن ثم نحو أنساق وتفاعلات شديدة التركيب. إن الترابط بين مختلف مستويات الحكومة والمؤسسات، وتشغيلَ آلية الاكتفاء الذاتي، وتدبيرَ المطالب والنزاعات في المناطق الحضرية، والعلاقاتِ الدولية، ذلك كله ما فتئ ينطبع أكثر، بمسارات طويلة، شديدة التعقيد، ويكون في أحيان كثيرة مع فاعلين تتعارض مصالحهم بشدة، وهو أمرٌ يفسح المجالَ أمام تشكّل الصراع

الاجتمعي الكامن. ويطرح تقديمُ المجتمع، باعتباره مفرطًا في التعقيد، عدة تحدياتٍ؛ ذلك أن التعقيد يتضمن طوارئ ومخاطر حتمية مضاعفة. وهنا نتساءل: هل يحدّ قرار رفع الحجر الصحي من تفشي الوباء على نحو مضمون؟ وهل يمكن أن تكون إجبارية الحجر ناجعة إذا كان العاملون في الصفوف الأمامية مضطرين إلى استعمل وسائل النقل العمومي من أجل الالتحاق بمقارّ عملهم؟ كشف وباء كوفيد 19- التعقيد المفرط الذي تنطوي عليه مختلف أبعاده: تناقضات بين الاقتصاد والصحة والعلم (لماذا تشهد بعض القطاعات شللً تامًّا، في حين تضطر قطاعات أخرى إلى العمل باعتبارها "قطاعات أساسية"؟)، وتناقضات في مختلف مستويات القرار الحكومي (حكم متعدد المستويات في بلدان فدرالية أو لامركزية)، وتباينًا في منطق مكافحة الوباء (اللاعقلانية في السلوك الفردي والجمعي الوقائي، وفي القرارات الحكومية)، وهيكلة متعددة المستويات (بين مستويات الحكومة ومنظمة الصحة العالمية... إلخ). ضمن هذا المنظور، يُستخدم مصطلح "التعقيد"، بصفته مفهومًا متعدد الأبعاد، تبعا لارتباطه بدلالتيَن. فالدلالة الأولى تُحيل إلى التعقيد باعتباره وجهة نظر تُعبّ بقوة عن مشكلات البحث في نظرية النظم الحديثة؛ إذ لا يمكن تحديدها من دون النظم. من هنا، يتخذ مفهوم التعقيد وظيفة تحفيزية. وبهذا المعنى، يتحدد التعقيدُ على أنه معطى ناتج من العمليات الانتقائية لحدود النظام. وينبغي النظر إلى هذه الحدود بوصفها أجهزة خاصة لوظيفة ربط الإجراءات وفصلها في نطاق العمل والمسؤوليات، عن طريق عمليات اختيار محددة. ولا تقتصر انتقائية الحدود وترسيمها على الحد من التعقيد الداخلي للنظام، بقدر ما تعمل أيضًا على الحد من تعقيده الخارجي. ولتجنب عدم تحديد الأنظمة، من الضروري وجود عقلانية انتقائية بينها. وينتج من هذه العملية عدم تحديد الأنظمة الفرعية (الاقتصادية والقانونية والسياسية والإدارية وغيرها) في ما بينها، باعتبارها وسيلة التواصل الضرورية لتنظيمها. أما الدلالة الثانية، فإن التعقيد المنظَّم لا يحدث فيها إلّ في تشكُّل الأنظمة، وفي تواصلها وحزمة رموزها الموظَّفة، كم أنه يشير إلى التعقيد في العلاقات الانتقائية بين الأنظمة. ومن منظور

المرجعية الذاتية، يمكن أن تصل زيادة عدد العناصر داخل نظام ما، أو تحوُّلُنظام إلى جزء من بيئة نظام آخر، إلى أقصى درجات عدم القدرة على ربط جميع العناصر، ويظهر هنا مفهوم التعقيد بوصفه تعقيدًا منظمً؛ ومن ثم فإن التعقيد يشبه أوضاعًا مشروطة ببعضها؛ إذ ينبغي تشكيل عناصرها كي تتقارب كوحدة في مستوى أعلى من تشكُّلها، نظرًا إلى أن قدرتها على الارتباط داخل الأنظمة تبقى محدودة.

3. التعقيد المفرط والإدارة العامة

إن صنع القرار وإدارةَ السياسات العامة والسيروراتِ الإداريةَ والبيروقراطيةَ للإدارة العامة عملياتٌ معقدة، ولا تزال هذه الفكرة حديثة، بحيث يُنظر إليها باعتبارها "حقلً قيدَ التشكُّل  ". وخلافًا للعلوم الاجتمعية الأخرى، على غرار الاقتصاد، لا يزال توظيف أفكار التعقيد في مقاربة أداء الإدارة العامة حديث العهد؛ إذ لم تحظَ المناهج ذات الصلة بالتعقيد، والمناهج التطورية والنظامية في منظور المرجعية الذاتية، باهتمم تحليلي وتجريبي على نحو كافٍ. وهنا نتساءل: كيف يمكن أن تسهم هذه النظرية، أو نقطةُ بداية التعقيد، في حل مشكلات الإدارة؟ تناولت دراسات حديثة تطبيقات التعقيد، مركِّزةً على ممكنات هذه النظرية في نطاق عام وعملياتِ صنع القرار والشبكات الحكومية أو أنظمة الحكامة. وبالنسبة إلى مجالات اقتصادية نوعية (ذات الصلة بالصحة وقطاع الأعمل)، شددت هذه الدراسات على قدرة نظرية التعقيد على التصدي لبناء السياسات. وهناك أعمل أخرى تشكك في دور خبراء السياسة و"خبرتهم" المزعومة، و"سلطةِ" النمذج الاقتصادية التقليدية و"تجربتها"؛ لأن الأمر يتعلق باختزال بسيط ما داموا يتجاهلون التفكير المعقّد ووجودَ منطق غير خطي في التفكير. تُتيح نظرية النظم، ذات المرجعية الذاتية، وصفًا شاملً لهذه الظواهر بغية تسهيل اتخاذ القرار لاحقًا. ومع ذلك، من الضروري التصدي لبعض الفروق الدقيقة، ما دام هناك باحثون مستعدّون لتوظيف هذا المنظور، ولو بمعانٍ مختلفة. وقد أجاب غيرت تيسمن عن هذا السؤال، على أساس افتراض مبادئ الحكم الرشيد، والقدرة على توليد دينامية التنظيم الذاتي، بوصفها ميزة دائمة في تطور العمليات الناشئة. وعلى الرغم من أنه لا يفترض منطق القدرة الوظيفية المستقلة لنظام معيّ، واجتراح بناه الخاصة، فإن هذه العمليات تتشكل من خلال حوادث وظواهر الفعل والتفاعل الجمعييَن، وهو ما يسهم في تشكيل بنية مؤسسية معيّنة. وهكذا، ينبثق التنظيم الذاتي من قدرة الأفراد والمنظمت على الاختيار الحر والمشاركة في النظام السياسي أو

7  نُحيل، في حالة إسبانيا، إلى الإدارة العامة للدولة وإدارات الحكم الذاتي والإدارة المحلية. 8  Elizabeth Anne Eppel & Mary Lee Rhodes, Complexity Theory in Public Administration (London: Routledge Taylor & Francis Group, 2020). 9  Josep Pont Vidal, Sociedades contingentes. Covid-19: un nuevo agente de cambio social (Madrid: Los Libros de la Catatara, 2021); Josep Pont Vidal, Por meio da teoria. Enfoques neosistêmicos e pós-estruturalistas (Umarizal: Paka- Tatu, 2017); Mitleton-Kelly, Alexandros Paraskevas & Christopher Day (eds.), Handbook of Research Methods in Complexity Science: Theory and Applications)UK: Edward Elgar Publishing, 2018); Geert Teisman, Arwin Van Buuren & Lasse Gerrits (eds.), Managing Complex Governance Systems: Dynamics, Self-Organization and Coevolution in Public Investments (London: Routledge, 2009). 10  Andrew Tait & Kurt A. Richardson (eds.), Complexity and Knowledge Management. Understanding the role of knowledge in the Management of the Social Networks (North Carolina: Information Age Publishing, 2009); Göktuğ Morçöl, A complexity theory for public policy (London: Routledge, 2012). 11  Teisman, Van Buuren & Gerrits (eds.).

الاقتصادي. ومع ذلك، يمكن أن يُعرقل التفاعلُ هذه التفاعلات؛ فمن الضروري أن يكون هناك فهم للتنسيق، على اعتبار أن الاندماج يختلف عن الأفكار المتعارف عليها بشأن التكيّف المتبادل. ويفترض التزامن بين المشاركين أو المنظمت أن بنية معيّنة تبقى غير كافية لإنعاش الاندماج، على الرغم من وجود سياق للتنوع

المؤسسي، سياسيًا وقانونيًا، حيث تتغير الحدود باستمرار؛ ما يستدعي تشكُّلَ ترابطات جديدة بينها، كم حدث في مشكلات التدبير بين الحكومة ومناطق الحكم الذاتي. انطلاقًا من أمثلة وحالات عملية، ركزت هذه الأعمل، من ناحية، على المشكلات الناتجة من التدبير في سياق مقتضيات التعقيد، من دون الخوض في التغييرات التي تشهدها الإدارة في علاقتها بالدولة والنظام السياسي. من ناحية أخرى، تَظهرُ مفارقاتٌ مفاهيمية غير محسومة في مرجعياتها النظامية. وتلتقي هذه النظريات في مفهوم التعقيد، لكنّ ذلك يكون بافتراضات مختلفة. وتبدو حالة الطوارئ واضحة في الإدارة، كم برز ذلك أثناء الجائحة؛ لأن عدة تدابير لم تكن ضرورية، على الرغم من أن آثار هذه الجائحة كانت ملموسة. وكان على الإدارة التكيُّف مع هذه البيئة عبر استجابات عرضية أيضًا. فم الحجر الصحي الذي كان أكثر فاعلية في مواجهة الجائحة، الذكي أم الإجباري؟ يحيل هذا الأمر إلى الوصف الثنائي للأنظمة المفتوحة التي تُبنى على منطق المدخلات والمخرجات، حيث يرتبط النظام ببيئته ارتباطًا سلبيًّا وغير مستقل.

4. الطوارئ والمخاطر والملاحظة

على الرغم من تحذير منظمة الصحة العالمية من احتمل ظهور جائحة عالمية ناجمة عن فيروس مجهول، في عام 2019، لم تستعد أي حكومة لهذا الوضع. ومع ظهور كوفيد 19- في ووهان، في كانون الثاني/ يناير 2020، قلّلت المنظمة من هذا الاحتمل، واعترفت، في 27 كانون الثاني/ يناير، بخطأ في الكشف عن المخاطر الكونية لفيروس كورونا المستجد، ووصفت درجة هذه المخاطر بأنها "معتدلة"، قبل أن تعتبرها، لاحقًا، عاليةً. وبعد ذلك، أصبحت درجتها عالية جدًّا في الصين، وعالية فحسب إقليميًا ودوليًا. إن عدم إدراك المخاطر وطبيعتها العابرة للحدود، واستنزاف الموارد البيئية، والانتقال من الوضع الطبيعي إلى وضع عبثي، ذلك كله شخّصه أولريش بيك بشأن كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي (1986). كانت حالة الطوارئ حاضرة في قرارات منظمة الصحة العالمية: لماذا لم يكن من الضروري الإبلاغ عن درجة عالية من المخاطر؟ هل كان وجود مخاطر معتدلة مستحيلً؟ هل يمكنُ أن يكون اتساع رقعة الوباء وارتفاع عدد الإصابات بهذه السرعة؟ لماذا سمح النظام الصيني بالرحلات الجوية الدولية وهو يعرف سرعة انتشار العدوى؟ نظرًا إلى أن الطوارئ والمخاطر والخطر تشكّل كلّها سيرورة دينامية ومستمرة، فقد كان ذلك واضحًا في التدبير

الصحي. وانطلاقًا من منظورنا المعتمد هنا، فإن الطوارئ هي ما لا يعتبر ضروريًا ولا مستحيلً، لكنها يمكن أن تكون موجودة دائمًا؛ إذ إنها تنطوي، بالضرورة، على مخاطرَ، تنطوي بدورها على خطر. بالنسبة إلى نيكلاس

لوهمن Luhmann Niklas، فضلً عن الحجج الوجودية: "أن يكون" و"لا يكون"، ذلك أن حالة الطوارئ تتضمن قيمة ثالثة أيضًا؛ أي "عدم القابلية للتحديد" أو "الالتباس". إن حالة عدم اليقين الراهنة ليست أكثر من نسخة معيّنة من المجتمع المعاصر الذي يُيّزُه منطق الطوارئ؛ فالحاجات والاستحالات لا تقدّم الإطار المنظم للعالم، ولم تعد هناك، من الناحية الاجتمعية، أشكال ضرورية من أجل فرض قيود متبادلة على المكونات

12  Ulrich Beck, La sociedad del riesgo. Hacia una nueva modernidad (Madrid: Paidós Ibérica, 1998).

المختلفة للمجتمع، أو حتى من أجل التمسك المجتمعي. ومن المقبول أن كل ما يجري افتراضه يمكن أن يكون مختلفًا، وأن أي شيء يمكن، على نحو متدرّج، إعادة تعريفه وتغييره من خلال التواصل. يواجه المجتمع المعاصر الطوارئ على نحو لم يحدث من قبل. وعلى الرغم من تقبُّلِ الحاجات والاستحالات لأسباب تتعلق بالزمن، فإن مجتمعًا كهذا يتسم، على وجه الخصوص، بسمت غير مكتملة ومطلوبة بالمعنى الذي يُحيل إلى الخصائص التي تشكّلت في البداية بطريقة غير محددة، وهشّة، وغير محتملة إلى حدّ بعيد. في البداية، نجحت الحركات السياسية الشعبوية الصغيرة في الفوز في انتخابات ديمقراطية والوصول إلى الرئاسة (في أوروبا فحسب؛ فيكتور أوربان في هنغاريا، وفلاديمير بوتين في روسيا)، وإدخال تعديلات على الدساتير الديمقراطية والسلطةِ القضائيةِ (في بولندا). ينبغي أن يكون واضحًا أنه في ظل الشروط الحالية، في العلم كم في السياسة وما بينهم من تجاذب، ما عاد ممكنًا النظر إلى هذه الحركات بمنطق الحاجة، بل من خلال هذه الخصائص غير المحتملة والهشّة بالنسبة إلى المجتمع، التي تصبح ممكنة في أي لحظة. ومع ذلك، يجب أن نتذكر، في الوقت ذاته، أنه أمام هذه الشروط، لا شيء يعتبر مستحيلً (حوادث في المفاعلات النووية أو تشديد التدابير الأمنية). أعطت مختلف تيارات الفلسفة والعلوم الاجتمعية مصطلح "المخاطر" معانيَ مختلفة. فالمدرسة العقلانية اعتبرتها نتيجة قرار كشفت تداعياته اللاحقة (السلبية)، وكان في الوُسع توقعها أو تجنبها. يتعلق الأمر بحسابات الزمن التي ترتبط بأفق مستقبلي غير مؤكد، والتي يمكن تجنّب تداعياتها. يمكن قبول المواقف المحفوفة بالمخاطر وتوقعها، ما دام لإمكانية حدوثها ما يبررها (بناء سدود كبرى، أو شركات مسببة للتلوث، أو تجريب فيروسات جديدة... إلخ). كانت هذه الحجة السائدة. وقد جرى التشكيك في المفهوم التقليدي للطوارئ بسبب محدوديته؛ لأنه لا يصف المخاطر إلّ في ضوء جوانبها الكمية والاحتملية، ويحللها، في الأساس، في النسقيَن الاقتصادي والعلمي. كم تتيح الملاحظة الأولى، المبنية على الرموز الثنائية المصوغة ضمن بيانات إحصائية، تحليلً عميقًا للمنطق الحاكم للعقل الإنساني الذي لا يأخذ في الحسبان ما ينبغي أن يكون عليه الفعل العقلاني المسنود بالمنطق، وذلك بسبب ما يرتكبه من أخطاء باستمرار. إن مقاربة المخاطر وملاحظتها تُدمجان الملاحظتين الأساسية والثانوية على حد سواء. وضمن هذا النوع من الملاحظة، يكون العالم الواقعي والمادي قابلً للقياس؛ ومن ثمّ تقتصر قدرته على تحديد المخاطر المحتملة كميًّا. ومع استخدام المفهوم القائم على ثنائية: مخاطر - أمن، يصبح الأمر ملاحظات فحسب؛ من أجل ضمن

الأمن الذي يستدعي، بالضرورة، أفضل المعلومات وأكثرها وفرةً. لذلك، يُقترح أن تكون النظرية مُوَجهةً إلى الملاحظة الثانوية. إنها ظاهرة "الطوارئ المتعددة" التي تتيح معالجتها من زوايا نظر مختلفة. وتكمن المشكلة هنا في أن خطورة شيء ما، تلك التي يصفها مختلف الملاحظين بكونها متشابهة، تُفضي إلى معلومات متنوعة، يتبادلونها في ما بينهم. وفي هذه المرحلة، يظهر التمييز بين المخاطر والخطر. ففي حين تحيلُ المخاطر إلى الحالة التي يكون فيها التحدي نتيجة قرار سابق، يُحيل الخطر إلى الأضرار المحتملة التي يكون مصدرها خارجيًا؛ أي راجعة إلى بيئة النظام. إن الملاحظة الثانوية تسمح بالتمييز بين الذين يقررون ما هي المخاطر، والذين يتأثرون بها؛ فمَن يحدد نوع الحجر الصحي؟ وأي نوع من السكان مُلزَم به؟ إن الاقتصاد هو المجال الذي عادة ما تؤخذ فيه المخاطر في الحسبان (التخفيف من حدّتها بالتأمين). المخاطر هنا هي التي لها علاقة بالاختلافات الزمنية في استخدام الأموال (ذات الصلة بالاستثمر والائتمن)؛ فأي خطأ في الإنتاج يعتبر خطرًا وليس مخاطرة. وبالنسبة إلى الاقتصاد، تكمن المخاطرة المركزية في عدم إعادة بناء القدرة على الأداء. ويجري توجيه الملاحظة الثانوية نحو مراقبة الحساب في النظام الاقتصادي، وتأكيد أن

المنافسة والرغبة في البقاء في السوق لا يقودان الفاعلين الاقتصاديين إلى مراقبة الاقتصاد، بل مراقبة كيفية تصرفهم بُغية إعادة إنتاج سلوكهم في السوق. إن المخاطر، بمعنى شخصي، نوعٌ من الإكراه الذي يدفع نحو التهور، في حين أنها، بالمعنى الاجتمعي، رفعُ منسوبِ الميل نحو المخاطرة (مُعامل المديونية والمديونية العالمية). باختصار، تُوجَّهُ الأسئلة في الملاحظة الثانوية على هذا النحو: ما الإدارة الموجَّهة نحو المواطن؟ أو كيف ينبغي أن تكون؟ ما منطق اتخاذ القرارات الإدارية؟ أي نوع من الإدارة نريد؟

ثانيًا: الإدارة العامة

تشير تداعيات الجائحة إلى أن فترة "بين عصرين" قد انتهت فجأة، بطريقة لم يكن يتوقعها أحد، مُفسحةً المجال أمام عصر جديد يتّسم بكونه عرضيًا وغير واضح في جوانب كثيرة. إنه عصر لا يحركه موضوع ثوري، بل كائن حي دقيق: كوفيد 19-. وسواء تعلق الأمر بنطاقه وسرعة انتشاره أو آثاره المأساوية في الحياة البشرية، فقد فاجأ البلدان والمجتمعات جمعاء. وأمام هذا الوضع غير المتوقع، تدخلت الحكومات متبنِّيةً تدابيرَ صارمةً راوحت بين الحجر الصحي العام والحجر الجزئي. لن نتوقف هنا لتحليل المشكلات الإدارية الموروثة التي تناولتها عدة دراسات. ففي أثناء الجائحة جرى اختبار آليات وتقنيات المعلومات والاتصالاتTICS وتوفير الخدمات الإدارية التي كان بعضها موجودًا بالفعل وقيد الاستعمل administration.gob.es، وأخرى غير مستغلة على نحو كافٍ (مؤتمرات الفيديو)، وأخرى أكثر جدةً وابتكارًا. فرضت هذه الجائحة ضرورة تبسيط أساليب عمل الإدارات وتكييفها مع الظروف الاستثنائية؛ فقد فرض تنظيمُ عملها توسيعَ نطاق التدابير الأولية السابقة (المرونة، وإعادة تنظيم العمل بالتناوب، والعمل عن بعد، والواجبات المدرسية المنزلية). نظرًا إلى الأزمة الاقتصادية والاجتمعية التي تمر بها البلاد، وفي سياق إعادة صوغ المسؤوليات وتوسيع نطاق تدخل الدولة، تلوح في الأفق تحديات مختلفة بالنسبة إلى الإدارة في المستقبل. وفي الإمكان تحديد نموذَجين رئيسيَن: يندرج النموذج الأول في سياق تحوّل مسؤوليات الدولة، التي بدأت بالفعل قبل أعوام، وعلاقتِها بالمجتمع. ووفقًا لنموذج سلوك الدولة الذي ترسخ أخيرًا، والذي يختلف بحسب صلاحياتها المرتبطة بمسارات إعادة اعتمد المركزية، فإن الإدارة ستتأثر في استقلاليتها وقدرتها ونطاق عملها، زيادةً على أساليبها التقليدية في تخطيط العمل. وقد سبق أن أُدرج سلوكُ الحكومات إبان الجائحة ضمن هذه الاتجاهات، وجرى تشخيص هذا الوضع، من الناحية المفاهيمية، قبل ذلك بعقود، وأعيدَت صياغته في الأعوام الأخيرة.ُ أما النموذج الثاني، فيحيل إلى نموذج الدولة الذي يتسم بوجود احتملات بإدخال تغييرات بنيوية أو تسريعها. وقد بدأ بالفعل تعميم إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات e-government; e-democracy e-administration;، التي يجري، من خلالها، تسليط الضوء على الجوانب الإيجابية. ويمكن أن يُفضي ذلك إلى أشكال جديدة من "الحكامة الجيدة" و"الحكومة الإلكترونية"، لكنه يمكن

13  يحدد خيمينيث أسينسيو المشكلات البنيوية للإدارة في "الرؤية الكوربوراتية للسياسة" و"الإطار المعياري العتيق" و"شيخوخة الكوادر والأطر"... إلخ. يُنظر: رافاييل خيمينيث أسينسيو، "الوظيفة العمومية 2030-2020 (I): تحديات متعددة في ظل سيناريو الأزمة"، نشر في موقع الباحث، 2020/4/16، شوهد في 2020/7/7، في: https://bit.ly/3pQq5UB

أن يمثل، أيضا، أداةً لإمكانات جديدة للرصد والمراقبة. وهناك وفرة في الكتابات ذات الصلة، تتناول إمكانات البيانات الضخمة Data Big وامتدادَ ما يسمى "السياسة التكنولوجية"، على الرغم من الآثار السلبية وغير المحفّزة التي تظهر، أيضًا، أثناء تطبيقِها وبناءِ مجتمع الرقابة.

1. نشأة التحليلات الراهنة

يتوافق كل من هذين النموذجين، المقدَّميَن هنا على شكل بيانات، مع فرضيات مفاهيمية وسياسية، ذاتِ صلة بالحكامة، في كيفية فهم تنظيم المجتمع في شموليته. ويجد كلا النموذجين جذوره في فرضيات ما يُسمّى بحركة التدبير الجديد للشأن العام التي ظهرت في نهاية التسعينيات، والتي كانت مثار نقاش وتحليل مستفيضيَن بين مناصريها ومنتقديها على حد سواء. وقد ساعدت تناقضاتها، ذاتُ الصلة بالحفاظ على البنى التقليدية في اتخاذ القرار، الإداراتِ ورجالَ السياسة، على رفع مستوى الاستفادة منها وتوسيع منطقها الأداتي وتأثيرها. ابتداءً من الثمنينيات، ظهرت دراسات أدمجت التغييرات الحاصلة داخل الإدارة التي ارتبط تحوُّلها بتحديث مظاهرها الداخلية والخارجية وتمدد وظائف الدولة، في ظل حركة المفاهيم السياسية والاقتصادية للإدارة العامة الجديدةNew Public Management والتيارات الجديدة للإدارة العامة. فشهدت هذه الحركة انطلاقتها بالتوازي مع التشخيص الذي امتد إلى أزمة دولة الرفاه، والمبادئ الاقتصادية ل "إجمعِ واشنطن". توافقت مسلّمت الإدارة العامة الجديدة مع رسم حدود العلاقة بين الإدارة والدولة، باعتبار أنها ساعدت في تجديد الإدارات العامة في الربع الأخير من القرن المنصرم. ومع ذلك، لم تكن الآلية الوقائية الوطنية محطَّ إجمع، وقد برز ذلك داخل تيارات الماركسية الجديدة والاتجاه المحافظ في الإدارة. وبرزت، أيضًا، انتقادات بشأن نموذج الدولة وارتباطها الوثيق جدًّا بالاقتصاد، من خلال العمل على تفكيك الدولة وتقليص حضورها، والنظر إليها بعدائية والإجهاز على أسس الديمقراطية التشاركية أو التمثيلية الليبرالية. فبالنسبة إلى المحافظين، فإن تدخل الآلية الوقائية الوطنية في تنظيم الإدارة كان كبيرًا. وفي ظلِّ المشكلة المستعصية التي يطرحها ارتباط الدولة أو الإدارة بالاقتصاد، يبدو التناقض واضحًا؛ فإذا كان على الدولة خدمة المصلحة العامة دائمًا، فإن الاقتصاد يسعى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب. وعلى الرغم من ارتباط الدولة والإدارة من خلال السياسات التنظيمية، فإن تحليل الترابط بينهم بوصفهم مجالين منفصلين، سبق أن جرى تناولُه بناءً على التحول الذي تشهده الإدارة.

14  Amel Attour & Sabine Chaupain-Guillot, "Digital Innovations in Public Administrations: Technological or Policy Innovation Diffusion?" Journal of Innovation Economics & Management , no. 31 (2020), pp. 195-219, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3SrgKj1 15  ضِمن مصطلح "السياسة الإلكترونية" الذي يشمل السياسة الديمقراطية، يمكن التمييز بين تيارَين رئيسيَن: دراسات متعلقة بتجويد

السياسات على الإنترنت، والحكومة الإلكترونية والسياسة من أجل تسهيل الممارسات الحالية (التصويت الإلكتروني، الحملة الإلكترونية، العريضة الإلكترونية). ومن ناحية أخرى، هناك المنظور القائم على الإنترنت الذي يُبنى على فكرة أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضرورية لتنظيم السياسات، مثل مشاركة المواطنين والتداول على السلطة. 16  Andreas  Anter , "Der Staat als Beobachtungsobjekt der Sozialwissenschaften. Das Trugbild vom verschwindenden Staat und die Normativität des Gegenstandes," in: Maurizio Bach (ed.), Der entmachtete Leviathan , Zeitschrift für Politik, Sonderband 5 (Baden-Baden: Nomos, 2012), pp. 15-29, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3oSrb1K 17  Marian Döhler & Kai Wegrich, "Regulierung als Konzept und Instrument moderner Staatstätigkeit," Der moderne Staat , vol. 3, no. 1 (2010), pp. 31-52, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3Qfb7T9; Dennis Hilgers, Reinbert Schauer & Norbert Thom (eds.), Public Management im Paradigmenwechsel: Staat und Verwaltung im Spannungsfeld von New Public Management, Open Government und bürokratischer Restauration (Linz: Trauner Verlag, 2012).

حلّت الحكامة العامة الجديدة تدريجيًّا محلَّ منظمت الخدمات المتفرقة (جمعيات، ومؤسسات، والقطاع الثالث، وتعاونيات الخدمات)، عن طريق شبكاتِ أنظمة تقديم الخدمات العامة التي يعتمد تشغيلها على تفاعل عددٍ من الفاعلين لتحقيق الأهداف الاجتمعية وتقديم الخدمات العامة، مع التركيز على الشراكة والتعاون. يتعلق الأمر بتكييف النموذج المؤسسي التراتبي التقليدي Top-Down مع نموذج يُستوحى بطريقة مركبة، من أجل استدعاء الحاجات الاجتمعية، وكأداة للاندماج الاجتمعي أيضًا. اكتسى الإنتاج المشترك للخدمات بُعدًا جديدًا وأهميةً مركزيةً في ما له صلة بإنتاج الخدمات العامة. ففي غضون أعوام قليلة، شهدت الإدارة تحوّلً كانت له آثاره في مفهومها التقليدي، وذلك بالعبور من مفهوم مستعملي الخدمات في تخطيط الخدمات العامة وتقديمها، إلى مفهوم الزبائن والمستهلكين، الذي لا يسلم من النقد، ثم أخيرًا إلى مفهوم المواطنين والمشتركين في إنتاج الخدمة. إن أسباب هذا التحول مختلفة؛ إذ كان نموذج الدولة ونظامُ الحكامة فيها موضوع تحليلات شاملة انحصرت أساسًا في منظورَين. فمن ناحية، عولجت أزمتها البنيوية من منظور الماركسية الجديدة وتنويعاتها، وفي العلاقة بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي، في حين أن تحليل التنمية ونماذج دولة الرفاه وأزمتها اللاحقة كان محور العديد من الأبحاث والتحليلات في معظم الديمقراطية الأوروبية (يورغن هابرماس، ونيكلاس لوهمن، وإسبينغ أندرسن، وجوزيب بيكو، وغيرهم). وفي منتصف التسعينيات بدأ التحليل بعرض التعقيد وافتراض تقديم المجتمع المتعدد المراكز. وقد أفضى الركود الكبير الذي شهدته البلدان الغربية في عام  2008 إلى توجيه التحليلات والكتابات نحو الجوانب ذات الصلة بالقدرة (أو عدم القدرة) التنظيمية والتوجيهية للدولة، ونحو فشل الحكامة وعلوم المحاسبة في التنبؤ بالأزمة التي كانت تلوح في الأفق في ظل الاقتصاد القائم على عدم التدخل. وأمام خطورة الأزمة وعمقها، جرى التشكيك في القدرة المثالية والتنظيمية للسوق، والحاجةِ إلى تضمين الديمقراطية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في عرض تركيبة المجتمع، وإمكانات التعاون والإنتاج المشترك للخدمات، انطلاقًا من رؤية إدارية جديدة.

2. أين نحن اليوم؟

أثناء العقد الثاني من القرن الحالي، تشكلت قطيعة واضحة مع الفرضيات، فظهر اتجاهان غير متمثلين. فمن جهة، هناك التيارات التي تستمر في تعميق الإنتاج المشترك للخدمات العامة ومشاركتها. ومن جهة

18  C. Offe, "Structural Problems of the Capitalist State. Class Rule and the Political System. On the Selectiveness of Political Institutions," in: K. Von Beyme (ed.), German Political Studies , vol. I (California: SAGE, 1974), pp. 31-57. 19  Luhmann; Uwe Schimank, "'Vater Staat': ein vorhersehbares Comeback. Staatsverständnis und Staatstätigkeit in der Moderne," Der moderne Staat , vol. 2, no. 2 (2009), pp. 249-270, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3OXS12O; Helmut Willke, Dimensionen des Wissensmanagements: zum Zusammenhang von gesellschaftlicher und organisationaler Wissensbasierung (Berlin: De Gruyter, 1996); Willke, Systemtheorie entwickelter Gesellschaften. 20  Sylvia Veit, Christoph Reichard & Göttrik Wewer, Handbuch zur Verwaltungsreform (Wiesbaden: Springer VS, 2019). 21  Josep Pont Vidal, "Teorías neosistémicas y administración pública: posibilidades observacionales y regulativas," Revista del CLAD Reforma y Democracia , no. 75 (2019), pp. 77-110, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3ztq6SS; Josep Pont Vidal, Governança democrática. Para uma nova coordenação da sociedade (Valencia: Tirant, 2019); Josep Pont Vidal (coord.) GIGAPP: Estudios/ Working Papers , número especial, Observando la Gobernanza. Visiones desde la Amazonia, vol. 5, no. 83-90, 2018, pp. 90-241, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3oS6Ppg; Josep Pont Vidal, Da governança hierárquica a interativa. Observações e analyses (Umarizal: Paka-Tatu, 2018); Josep Pont Vidal, Gobernanza. La coordinación entre democracia y jerarquía dinámica (Valencia: Tirant, 2018). 22  Marian Döhler & Kai Wegrich, "Regulierung als Konzept und Instrument moderner Staatstätigkeit," Budrich Journals , vol. 3, no. 1 (2010), pp. 31-52, accessed on 18/8/2022, at: https://bit.ly/3BzZXEr

أخرى، هناك تيارات انطلقت من التساؤل، بعمق، حول القيود المفروضة على دولة الرفاه، وهي القيود التي بدأت قبل ثلاثة عقود؛ ما أفضى إلى ردة فعل من أجل العودة إلى خصخصة القطاع العام، حيث يكون كل مواطن مسؤولً عن وضعه، وعن قدرته على طلب الخدمات الشخصية في الإدارات. ويتخذ هذا التوجه شكله السياسي في عدة بلدان، مع صعود أحزاب يمينية متطرفة أو محافظة إلى السلطة (بريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، والبرازيل، وهنغاريا، وبولندا). في كتابات قليلة، كان الانشغالُ بالصلة بين المجتمع والدولة والتفاعل بينهم من زاوية نظم المرجعية الذاتية وتنويعاتها الوجودية، أو من خلال الصلة بالميزانيات العامة؛ إذ جرى تناولها بصفتها مجالات منفصلة. وفي ضوء منظور نظم المرجعية الذاتية، نصف الإدارة بأنها نسق دينامي ومستقل، مختلف على نحو دينامي عن البيروقراطية؛ نسق يتشكّل من البنى الهرمية غير المتمثلة التي تتجلّ في التسلسل الهرمي وتوظيف السلطة من القوى السياسية. وتتطلب الوظيفة السياسية والاجتمعية للإدارة عقلانية تفترض تمايزًا معينًا ديناميًا؛ أي قدرةً على التحديد الذاتي لأدائها. وباعتبارها نسقًا يتسم بتنظيم وظيفي نوعي، فإن وظيفتها إصدارُ قرارات بشأن المشكلات وفقًا لفرضياتِ تعقيدٍ مختزلٍ من النظام السياسي. وقد تشكلت في هذا النظام مسارات سياسية يجري من خلالها تطوير المعلومة، وتتحول نتائجُها إلى مدخلات بالنسبة إلى الإدارة باعتبارها نظامًا. تُساعد السياسة في صنع القرار، حيث يمكن للنظام تحقيق مستوى عالٍ من التعقيد والقدرة على اتخاذ القرار. ويحدد لوهمن نوعيَن من التعقيد: التعقيد غير المحدد، والتعقيد المحدد. وفي وقتٍ يكون للسياسة، في النوع الأول، دور محدد في توجيه الإدارة وفق الأولويات السياسية، لا يكون ذلك واردًا، في النوع الثاني، في ظل تأكيد استقلالية الإدارة إزاء السياسة، باعتمدها على شبكة علاقات داخل المجتمع. ويمكن لاستقلالية الإدارة أن تتخذ ثلاثة أبعاد متميزة: بعد اجتمعي يُحيل إلى ما يجعل هذه الإدارة راهنًا، وبعد موضوعي يحيل إلى قراراتها، وبعد

زمني يحيل إلى مسارات اتخاذ القرار. إن معظم التنبؤات وعمليات المسح المتعلقة بالإدارة، التي أجريت في الأعوام الأخيرة، بشأن توسيع نطاق مسؤوليات الدولة، أضحت متجاوزةً، في حين يكتسي بعض التنبؤات وعمليات المسح الأخرى أهمية كبيرة بسبب تسارع وتيرة وقائع فيروس كورونا ومخلّفاته، من دون إغفال تنبؤات وعمليات مسح جديدة تشهد، حاليًّا، انتشارًا متناميًا، كم هو الشأن بالنسبة إلى الخطوط العريضة لحكامةٍ ممنهجةٍ، تتفاعل عن طريقها النظم الفرعية (الاقتصاد، والسياسة، والقانون) على نحو أكثر فعالية، مع هيمنةِ نُظم البحث العلمي.

3. سيناريو ما بعد كوفيد 19-: نماذج الحصر الذاتي

من المتفق عليه أن سيناريو ما بعد الفيروس يفتح مج لً أمام الشكوك والظروف الطارئة. فافتراض حدوث أمر طارئ لا يعني التشاؤم أو عدم اليقين المتواصل، لكنه يُنبئ بإمكانات جديدة. ومن الواضح أن الكشف عن

23  Niklas Luhmann, "Opportunismus und Programatik in der Offentlichen Verwaltung," in: Politische Planung: Aufsätze zur Sociologie von Politik und Verwaltung (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1971), pp. 165-180; Niklas Luhmann, Legitimation durch Vefahren (Germany: Suhrkamp Verlag, 1983). 24  Renate Mayntz, Soziale Dynamik und politischen Steuerung: Theoretische und methodologische Ü berlegungen (Frankfurt: Campus Verlag, 1997); Renate Mayntz & Fritz W. Scharpf (eds.), Gesellschaftliche Selbsregelung und politische Steuerung (Frankfurt: Campus Verlag, 1995). 25  Jeffrey L. Pressman & Aaron Wildavsky Pressman, Implementation: How Great Expectations in Washington are Dashed in Oakland; or, Why it's Amazing that Federal Programs Work at All (California: University of California Press, 1973). 26  Lenk, Meyerholt & Wengelowski; Luhmann, Introdução à Teoria dos Sistemas.

التغييرات الممكنة في الدولة والإدارة سيكون ضروريًّا، انطلاقًا من منظور التعقيد العالي الدرجة، أو التعقيد المفرط الذي يُيز المجتمعات المعاصرة. إن التعقيد، بالمعنى النظامي، يعني ما هو طارئ. وما هو طارئ يعني المخاطرَ والخطر. يتضح أن شيئًا ما ليس مستحيلً ولا ضروريًا، لكنه يمكن أن يحدث. ويُفضي هذا النفي المزدوج إلى حالة من الغموض، ومن ثم إلى تفسيرات مختلفة. إن قيمة الفكرة التي نطرحها تكمن في أن أي مقترح للتغيير سيكون ممكنًا، وبناءً على ذلك سيكون فعّ لً. ويبقى السؤال المهم بالنسبة إلينا: في أي اتجاه سيحدث هذا التغيير؟ وهنا يتجلّ التحدي الأكبر بالنسبة إلى الديمقراطيات الليبرالية: الدولة والإدارة. تواتر القول إن نيّة الحكومات بشأن الحجر الصحي (الأفقي، والعمودي، والذي يتوخى مناعة القطيع، والانتقائي أو الذكي) قد خضعت للمنطق الاستثنائي لتجنّب انهيار النظام الصحي في كل بلد. ولتجنب هذا الانهيار أو احتمل عدم القدرة على رعاية جميع الحالات الضرورية في موعدها، ينبغي ألّ يتخطى عدد المصابين، في أي وقت، الحد الأقصى الذي يتيح لهذا النظام إدارته والتكفل به. كان من الضروري أن يبقى منحنى المصابين المحتاجين إلى الرعاية الطبية ثابتًا، على قدر الإمكان، أطول فترة زمنية، بدلً من منحنى يتصاعد بسرعة، في فترة زمنية قصيرة، قبل أن يبلغ ما يسمى "ذروة" الحالات قيد العلاج. من ناحية أخرى، منحت هذه الاستراتيجية المؤسسةَ العلميةَ مزيدًا من الوقت لتطوير علاج أو لقاح ما. ويتوافق الحجر الصحي العمودي مع منطق تجنب الشللية الاقتصادية للبلدان المتضررة على قدر الإمكان، مع القول إنه إذا كانت آثار الوباء ستغدو أسوأ في الاقتصاد، فإن قاعدة الثروة والتوظيف في البلد ستتآكل. كان السكان المستهدفون بالحجر الصحي معرضين للخطر (الذين تزيد أعمرهم على 60 عامًا، أو المصابين بأمراض مزمنة). وقد أوصت بذلك حكوماتُ بريطانيا والولايات المتحدة والبرازيل والسويد إبّان المرحلة الأولى من الوباء، وإن كان ذلك قد انطلق من منظور مختلف. في المقابل، تضمّن الحجرُ الصحي الأفقي امتثالَ معظم السكان لتدابيره. وقد صدرت بشأنه مراسيم في إيطاليا وإسبانيا. وفي ألمانيا كان أكثر فاعلية باعتبارها البلد الأوروبي الذي شهد أقل عدد من الوفيات، على الرغم من أن ذلك كان لأسباب مختلفة. ما المنطق السياسي والإداري الذي يحكم فهمَ الدولة ويتوافق مع كل نموذج؟ أمام هذا الوضع، يبرز نموذجان: دولة الحد الأدنى والاستمرارية الاقتصادية، والدولة التدخلية الموسعة، ذات النمط المركزي. وقد بات ممكنًا التعرف إلى هذين النموذجين في مختلف البلدان؛ إذ سيشهدان انتشارًا في المستقبل. ويكشف منظور التعقيد المفرط عن تناقضات في كليهم، فاستقلالية النظام الإداري في مواجهة السياسة يمكن أن تنطوي على ظاهرتين مختلفتين؛ عدم خضوع هذا النظام لرقابة النظام السياسي، ومن ثم تفضيل وظيفته الأساسية في الإدارة من ناحية، وتمتعه بقدر من الهيمنة إزاء النظام السياسي، حيث يمكن تركه من دون أي نوع من الرقابة السياسية من ناحية أخرى. وضعنا موجز مخططٍ يستجيب لمنطقين: "دولة الحد الأدنى"، و"الدولة الموسعة" (المركزية). وكلا النموذجين لا يخلو من تناقضات.

4. دولة الحد الأدنى الهرمية

إن مقترح تحجيم الدولة وإعادة تحديد وظائفها ليس جديدًا، فقد أصبح يتمظهر مؤخرًا، على الصعيد السياسي، في سياق مطبوعٍ بأزمة الديمقراطية الليبرالية، وبروز أحزاب وحركات شعبوية راديكالية، وصعود أنظمة استبدادية. ويمكن الوقوف بشأن ذلك على شكلين اثنين: تنظيم الدولة تنظيمً مركزيًّا، وتنظيمها من خلال تعدد المراكز. وفي سياق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الكبيرة (2008) كان الهدف تقليص مستويات

صنع القرار عندما يوجد تعدد في مستويات صنعه، وذلك بتفكيك البنى التي يمكن أن تعرقل صنع القرارات السريعة. وقد عرفت الولايات المتحدة ذلك منذ أعوام، بالتوازي مع إعطاء الأولوية للمسؤولية الفردية في جميع المجالات (التربية، والصحة، والعمل، والتقاعد)؛ ما يعني أن الدولة لا تتحمل المسؤولية في وضعيات موسومة بالمخاطر والخطر الاجتمعي. إن النظام الاقتصادي ينبغي أن يتُرك للمبادرة الخاصة مع الحد الأدنى من تدخل الدولة. وقد أظهر تدبير جائحة كورونا احتمليةَ هذا النموذج. كان من الممكن إعلان الحجر الصحي العمودي في حالة وجود نظام صحي قادر على التكفّل بالسكان جميعهم بكفاءة عالية، في ظل وضعية استثنائية بحجم هذه الجائحة. إن اختيار هذا الحجر يعني أنه ينبغي أن يتوافر لبلد ما نظام صحي أكثر شمولية واستيعابًا للسكان (مبدئيًا من دون استثناء حالات الطوارئ على غرار الحال في جائحة كورونا) على الصعيدَين الكمي والكيفي. ونتيجة للوضع الذي أفرزته هذه الجائحة، ظهرت تناقضات في المجال السياسي، من خلال تقارب حركات المواطنين الراديكالية (من بينها اليمين المتطرف) مع خطاب الحريات المدنية، في مواجهة أساليب التحكم والمراقبة والحجر التي فرضتها الحكومات وأقرّتها بموجب القانون.

5. الدولة الموسَّعة/ الدولة المركزية

ساعدت الجائحة في أن يصبح في إمكان دراسات كثيرة التنبؤ بالانهيار السريع للسوق الحرة أو النظام الرأسملي، وقد راوحت هذه الكتابات بين رؤى نهاية العالم (التي لا تخرج عن نطاق الخيال) وتنبؤات واقعية. بالنسبة إلى التيارات اليسارية، كان للحجر الصحي مزية التنبؤ بأن التفاقم المؤقت لأزمة فيروس كورونا سيفضي إلى تغيير كبير في النظام الاقتصادي. إن الأفق المنظور هو أن اقتصاد السوق، كم هو معروف، يُكن أن يُلغى جزئيًا، حيث تصبح الملكية الفردية والمنافسة أقل أهمية، ويزداد تأثير الدولة إلى حدّ بعيد. هكذا تجري العودة إلى نظرية الدولة المركزية، حيث الدولة هي المنتج الرئيس للرعاية الاجتمعية، مع ما يمكن أن يعنيه ذلك، على نحو لا يخلو من مفارقة، من سيطرة بيروقراطية ومركزية إدارية أكبر. وتظهر المفارقة هنا مع طبيعة الدولة المأمولة: دولة بيروقراطية ومفتقدة الشفافية، وذات سيطرة فعّالة في حالات الطوارئ، لكنّ ذلك يكون مع مراقبة المواطنين ووسائل الإعلام. وهكذا تظهر المفارقات في كلا النموذجين؛ لأن دولة الحد الأدنى يمكن أن تفضّل أشكال الحكومات مثل الحكم الذاتي، والتنظيم الذاتي، والضبط الذاتي، والملاءمة بين العولمة والظروف المحلية Glocalización، في حين تميل الدولة الموسَّعة إلى استيعاب مبادرات من هذا النوع لمصلحة تدابير تتخذها على نحو مركزي ومتجانس في سياق اقتصادي مُعولم. وتظهر هذه المعضلة في حالات النظام الدستوري الفدرالي والتنظيم اللامركزي.

استنتاجات وتأملّات

في ضوء الجدل المفاهيمي والمنهجي المعروض في هذه الدراسة، يقدّم المجتمع المعقد، أو المفرط في التعقيد، إمكاناتٍ إرشاديةً وبنيوية كبيرة من أجل تجويد طرائق تحديد الدولة والإدارة وفهمِهم في الظرف الطارئ حاليًّا. ويتطلب تقديم التعقيد الذي تنطوي عليه العلاقات والصلات والقرارات في المجتمعات المعاصرة تبنّيَ

مفاهيم التنظيم الذاتي، وليس خطِّية الظواهر ودورانها، إضافة إلى مفاهيمِ الخطر والتطور المشترك والقدرة على الربط، والطوارئ والبنى الوسيطة. ويُدرج السياق الوصفي ضمن حالات الطوارئ وعدم اليقين، حيث توجد إمكانات لتغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع، على الرغم من أن هذه الإمكانات لن تكون ضرورية ولا

مستحيلة بالنسبة إلى نوع جديد من الحكم، وإنْ كان ذلك دائمًا في ظل الاحتملية وعدم اليقين. لقد أسهمت جائحة كورونا في تسريع وتيرة هذا النوع من التحولّات التي تشهدها الدول والمجتمعات منذ أعوام؛ إذ يمكن

الإحالة إلى مجتمع نوعي جديد قيد التشكّل. يتشكل منظور نظم المرجعية الذاتية باعتباره بنية تواصلية معقدة، تتخطى البرَدايمات الإجرائية التي تركز على الفعل التواصلي للتوصل إلى توافق، مع الأخذ بالبردايمات الأساسية التي عادة ما وُظِّفَت بغية الملاحظة في نظريات الدولة. لم تسمح بردايمات التفاعل الاعتيادية بتحديد تمايز واضح بشأن كيفية تطبيق آليات القرار، وكيفية الفقدان التدريجي للاستقلالية بين الأنظمة الفرعية أو الأنظمة الجزئية للسياسة، والإدارة والمواطنة. برزت اتجاهات مختلفة ضمن نطاق إعادة تنظيم الدولة الموسعة ونموذجها في الحكم؛ اتجاهات راوحت بين دولة الحد الأدنى الهرمية والدولة المركزية. ويتوافق كل اتجاه مع استراتيجيات عدة، لا تخلو من مفارقات، في حين تتطلع استراتيجيات أخرى إلى النهاية المتوقعة للرأسملية على يد التيارات الشعبوية والراديكالية. أليس في وسع دولة موسَّعة أن تكون دولة تحكّمٍ وقدرةٍ على التنفيذ السريع، غير الخاضع للنقد، للبيانات الضخمة؟ على العكس من ذلك: ألا تُتيح دولة الحد الأدنى للأنظمة الوظيفية التي تتكون منها أن تتحول إلى أنْويةٍ مستقلةٍ وأوتوقراطيةٍ للسلطة، يتنافس بعضها مع بعضها الآخر، وتعرقل إدارة شؤون المجتمع؟ ستتأثر الإدارة بوصفها نظامًا مستقلً، بالتغييرات التي تفرزها بيئتها، والتي تحدث بوتيرة متسارعة بسبب الوضع الجديد. ولا تمثّلُ الحلول المقترحة مصدر تهديد بالنسبة إلى الثغرات المهمة في الأمن وعدم كفاية الحمية القانونية للمواطنين حيالَ البيانات الضخمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتخضع الإدارة لحدود السياسة وأولوياتها. ومع ذلك، فإن هذا الخضوع قد يفضي إلى نتائج عكسية، نظرًا إلى التوجهات الشعبوية المتنامية داخل أوساط اليسار واليمين على حد سواء. ومن ثم، ينبغي لهذه الإدارة الحفاظ على استقلاليتها القائمة على معايير فنية في مختلف مستوياتها، ولا سيم العليا منها. وعمليًّا، ستتخلى الإدارة العامة عن هامش الراحة الواضح، قانونيًا واقتصاديًا وسياسيًا، من أجل الدخول في حالة من عدم اليقين. وينطوي ذلك على احتملاتٍ تراوح بين فقدان الاستقلالية وزيادة منسوب البيروقراطية، أو التحول نحو نماذج غير شفافة بما فيه الكفاية، مع القليل من فرص الابتكار لدى المواطن، وتصبح هذه الفرص في حالة توافرها تحت رقابة نظام بيروقراطي صارم جدًّا. وضمن هذا السيناريو، فإن اتساع هامش الحركة أمام البيروقراطية في المجال السياسي سيعني نوعًا من التواصل غير الواضح الذي يتّسم بخصائص سلطوية. سيجري توسيع هذا الهامش، وستصبح البيروقراطية أكثر تحكّمً في حركة المعلومات وأكثر هوسًا ب "الاستقرار الاجتمعي". سيكون الخطر ثابتًا نظرًا إلى هيمنة السياسة التي كثيرًا ما جرى التنبيه إليها، بالتوازي مع توجيهات صادرة عن السياسيين والوزراء في البلدان جميعها، وضعفٍ في التأهيل على المستوييَن؛ الفني والإداري، على الرغم من أن ذلك لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة كثيرة، كم اتضح ذلك خلال الجائحة. ستعتمد علاقة الإدارة والدولة والمجتمع على عوامل، أبرزها: نموذج الحكم، والقوة السياسية للسلطة، ونماذج جلسات الاستمع العامة وممرساتها، وطبيعة التعاون بين القطاعين العام والخاص، وأخيرًا قدرة الإدارة على تحقيق الاستقلالية إزاء هيمنة السياسة من دون معايير فنية. في هذا السياق، لن يتحقق المعنى الذي يحيل إلى الآفاق المثالية التقليدية بوجودِ أشياء وظواهر فحسب، بقدر ما سيتشكل انطلاقًا من التواصل بين النظم. يتعلق الأمر بالأسس العلمية وليس الميتافيزيقية بشأن مفهوم الموضوع كم اعتادت عليه المجتمعات. بيد أن ذلك لن يكون كافيًا مع خطر تحوّله إلى معنى تكنوقراطي. وفي نهاية المطاف، يجب أن ينبثق المعنى أيضًا

من نظم أخرى؛ النظام السياسي الذي سيستمر في توجيه المجتمع، ويتمظهر من خلال الديمقراطية، والنظام النفسي الذي يحيل، في النهاية، إلى أفكار الناس عبر قدرتهم على التفكير وتحقيق الذات، ونظام التفاعل الذي يتفاعلون عن طريقه في ما بينهم بطريقة مباشرة، عن طريق فرق التدخل والعمل الأهلي. هل سيكون هناك دائمًا مركز واحد للسلطة، كم كانت الحال، تقليديًا، في التعامل مع الدولة؟ هل في الإمكان ملاحظة مركز واحد لممرسة السلطة؟ يقودنا مثل هذين السؤالين إلى البحث والاستكشاف، ومن ثم إيجاد إجابات تعسفية تقترن بعدم اليقين، وتتطلب بالضرورة استنتاجات تناظرية وتجريبية. ختامًا، ضمن هذا السياق المطبوع بالجدل، تظلّ ثمّة حاجة إلى الملاحظة وإعادة الصياغة النظرية بشأن ماهية الدولة والإدارة العامة، استنادًا إلى منطق مفاهيمي جديد يرتكز على التواصل (الرمزي)، ويستدعي التحولات المجتمعية.

المراجع

Reference

Anter , Andreas. "Der Staat als Beobachtungsobjekt der Sozialwissenschaften. Das Trugbild vom verschwindenden Staat und die Normativität des Gegenstandes." in: Bach, Maurizio (ed.). Der entmachtete Leviathan. Zeitschrift für Politik. Sonderband 5 (band-band: Nomos, 2012). at: https://bit.ly/3oSrb1K Attour, Amel & Sabine Chaupain-Guillot. "Digital Innovations in Public Administrations: Technological or Policy Innovation Diffusion?" Journal of Innovation Economics & Management. no. 31 (2020). at: https://bit.ly/3SrgKj1 Beck, Ulrich. La sociedad del riesgo. Hacia una nueva modernidad. Madrid: Paidós Ibérica, Döhler, Marian & Kai Wegrich. "Regulierung als Konzept und Instrument moderner Staatstätigkeit." Budrich journals. vol. 3, no. 1. (2010). at: https://bit.ly/3Qfb7T9 Eppel, Elizabeth Anne & Mary Lee Rhodes. Complexity Theory in Public Administration. London: Routledge Taylor & Francis Group, 2020. Hilgers, Dennis. Reinbert Schauer & Norbert Thom (eds.). Public Management im Paradigmenwechsel: Staat und Verwaltung im Spannungsfeld von New Public Management, Open Government und bürokratischer Restauration. Linz: Trauner Verlag, 2012. Jessop, Bob. The State: Past, Present, Future. Cambridge/ Malden: Polity Press, 2016. Kelly, Mitleton et al. (eds.). Handbook of Research Methods in Complexity Science: Theory and Applications. UK: Edward Elgar Publishing, 2018. Lenk, Klaus, Ulrich Meyerholt & Peter Wengelowski. Wissen managen in Staat und Verwaltung. Deutschland: E-Goverment und die Emeuerung des ӧffentlichen Sektors, 2014. Luhmann, Niklas. Legitimation durch Vefahren. Germany: Suhrkamp Verlag, 1983. ______. Teoría política en el estado de Bienestar. Madrid: Alianza Editorial, 1993. ______. Introdução à Teoria dos Sistemas. Petropolis: Vozes, 2010. Mayntz, Renate & Fritz W Scharpf (eds.). Gesellschaftliche Selbsregelung und politische Steuerung. Frankfurt: Campus Verlag, 1995. Mayntz, Renate. Soziale Dynamik und politischen Steuerung: Theoretische und methodologische Überlegungen. Frankfurt: Campus Verlag, 1997. Morçöl, Göktuğ. A complexity theory for public policy. London: Routledge, 2012.

Pressman, Jeffrey L. & Aaron Wildavsky Pressman. Implementation: How Great Expectations in Washington are Dashed in Oakland; or, Why it's Amazing that Federal Programs Work at All. California: University of California Press, 1973. Schimank, Uwe. "'Vater Staa'": ein vorhersehbares Comeback. Staatsverständnis und Staatstätigkeit in der Moderne." Budrich journals. vol. 2, no. 2 (2009). at: https://bit.ly/3OXS12O Tait, Andrew & Kurt A. Richardson (eds.). Complexity and Knowledge Management. Understanding the role of knowledge in the Management of the Social Networks. North Carolina: Information Age Publishing, 2009. Teisman, Geert et al. (eds.). Managing Complex Governance Systems: Dynamics, Self- Organization and Coevolution in Public Investments. London: Routledge, 2009. Veit, Sylvia et al. (eds.). Handbuch zur Verwaltungsreform. Wiesbaden: Springer VS, 2019. Vidal, Josep Pont. Por meio da teoria. Enfoques neosistêmicos e pós-estruturalistas. Umarizal: Paka-Tatu, 2017. ______. Gobernanza. La coordinación entre democracia y jerarquía dinámica , València: Tirant lo Blanch, 2018. ______. Da Governança Hierárquica à Interativa: Observações e análises , Umarizal: Paka- Tatu, 2018. ______. (coord.). GIGAPP Estudios/ Working papers. número especial, Observando la Gobernanza. Visiones desde la Amazonia. no. 83-90 (2018). at: https://bit.ly/3oS6Ppg ______. Governança democrática. Para uma nova coordenação da sociedade. Valencia: Tirant lo Blanch, 2019. ______. "Teorías neosistémicas y administración pública: posibilidades observacionales y regulativas." Revista del CLAD Reforma y Democracia. no. 75 (2019). at: https://bit.ly/3ztq6SS ______. Sociedades contingentes. Covid-19: un nuevo agente de cambio social. Madrid: Los Libros de la Catatara, 2021. Willke, Helmut. Systemtheorie entwickelter Gesellschaften. Dynamik und Riskanz moderner gesellschaftlicher Selbsorganization. München: Juventa Verl,1993. ______. Dimensionen des Wissensmanagements: zum Zusammenhang von gesellschaftlicher und organisationaler Wissensbasierung. Berlin: De Gruyter, 1996. ______. Systemtheorie II: Interventionstheorie. Einführung in die Theorie der Intervention in komplexe Sozialsysteme. Stuttgart: UTB, 1999.