العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بيت الزكاة والصدقات المصري: الدور الاجتماعي للأزهر بين خدمة المجتمع ودعم الدولة

بيت الزكاة والصدقات المصري: الدور الاجتماعي للأزهر بين خدمة المجتمع ودعم الدولة

The Egyptian Zakat and Charity House: The Social Role of Al-Azhar between Community Service & State Support

محمد جمال علي

الملخّص

ملخص: تناقش هذه الدراسة مؤسسة بيت الزكاة والصدقات المصري، باعتباره نموذجًا للحضور الأزهري في المجال العام في مرحلة ما بعد 30 حزيران/ يونيو 2013. وتتساءل عن الأبعاد الاجتمعية والسياسية والاقتصادية لنشاط المؤسسة، وآثار هذه الأنشطة في علاقات الدولة والمجتمع وفي موقع مؤسسة الأزهر من هذه العلاقات. وتعتمد الدراسة في تحليلها على مفهوم "المجال المشترك"، وهو نموذج نظري يفترض أن الوضع المثالي للأزهر وممرساته في المجال العام هو أن يُسهم في تعزيز العلاقات التعاونية بين المجتمع والدولة بما يعكس مصالح الطرفين، لا أن تعكس الهيمنة والسيطرة لأحدهم على الآخر وتدعمها بما يعزز العلاقات الصراعية بين الدولة والمجتمع. وتخلص الدراسة إلى أن سياسات بيت الزكاة تدعم الدولة جزئيًا في تمرير سياساتها الاقتصادية التقشفية وتُعوض قلة الإنفاق العام على القطاعات الخدمية، وذلك باستخدام أموال المتبرعين. يُسهم البيت في تعزيز قوة الأزهر في علاقاته بكل من الدولة والمجتمع. وتستفيد فئات فقيرة من المساعدات والإعانات التي يقدمها البيت. لكن يظل المجتمع أقل الأطراف استفادة من نشاط المؤسسة مقارنة بكل من الدولة والأزهر.

Abstract

Abstract: This study examines the Egyptian House of Zakat and Charities as an example for Al- Azhar's public role after June 30, 2013. It raises questions regarding Al-Azhar's role in state-society relations, as well as the social, political, and economic implications of the institution's work. The study is based on the concept of the "common sphere," a theoretical model that assumes Al- Azhar's ideal position is to contribute to strengthening cooperative relations between society and the state in a way that reflects the interests of both parties and not to reflect the dominance of one over the other and support it in a way that strengthens conflictual relations. The conclusion of the study is that the policies of the Zakat House assist the state in implementing its austerity economic policies and make up for the lack of public expenditure on service sectors by utilizing donor funds. Thus, the Zakat House contributes to enhancing Al-Azhar's standing in its relations with the state and society. It also aids economically impoverished segments of the population. Nevertheless, compared to the state and Al-Azhar, society at large continues to garner less benefit from the Zakat House's activities.

الكلمات المفتاحية:
  • بيت الزكاة والصدقات المصري
  • الأزهر
  • علاقات الدولة والمجتمع
  • المجتمع المدني
  • مصر
Keywords:
  • The Egyptian Zakat and Charity House
  • Al-Azhar
  • State-society relations
  • Civil Society
  • Egypt

مقدمة

لطالما اعتبرت التيارات الدينية الفاعلة في المجتمع المصري العمل الخيري والإغاثي من أهم أدوارها وفعالياتها في المجال العام، ومن أبرز عوامل نفوذها السياسي والاجتمعي. ولم يقتصر الأمر على التيارات الإسلامية؛ بل اهتمت الكنيسة المصرية كذلك اهتممًا بالغًا بتقديم الخدمات الاجتمعية الطبية والتعليمية والغذائية وغيرها، بينم ظل حضور الأزهر محدودًا في هذه المساحة إلى حين الإعلان عن تأسيس بيت الزكاة والصدقات المصري في عام.2014 وفي تقديمه لكتيب صغير الحجم (حوالى 15 صفحة من القطع الصغير)، صادر عن بيت الزكاة والصدقات المصري بعنوان زكاتك.. قواعد الزكاة، يقول شيخ الأزهر أحمد الطيب: هناك قاعدة عريضة من الجمهير تعاني الفقر، وتعاني البؤس والحرمان، وكثيرًا ما كنت أفكر لو أن فرض الزكاة أُدي كم ينبغي وكم يجب وفي إطاره الشرعي، لاستطاع أن يقضي على آلام وأحزان وعذابات هؤلاء الفقراء، ورغم كثرة زكاة المسلمين لا يتم استفادة الفقراء منها، مع أن زكاة المسلمين تكفي لتغيير أحوال ومستوى الفقراء الذين يُنظر إليهم في الإسلام كفئة شريكة في صنع المجتمع، لها الحق تمامًا في الحياة مثل الأغنياء، ومن هنا اهتم الإسلام اهتممًا لم يعرفه التاريخ من قبل بأن جعل للفقراء حقًّا في أموال الأغنياء1. تُحيل هذه التصريحات من شيخ الأزهر إلى التفكير في تأثير اضطلاع الأزهر بدور اجتمعي خدمي - عن طريق بيت الزكاة والصدقات المصري - على حالة خطاب الأزهر الديني واهتمماته؛ فمن الانتقادات المهمة، التي وُجهت إلى خطاب الأزهر التقليدي، ضعف الحضور الاقتصادي في الخطاب الأزهري، سواء الخطاب الشفهي في وسائل الإعلام ودروس المساجد، أو الخطاب الكتابي في مجلات الأزهر ومنافذه الإعلامية المقروءة. وكان وجه النقد بالتحديد يتمثل في عدم ارتباط خطاب الأزهر الديني بمعاناة المواطنين الاقتصادية الحقيقية، وتجاهله هذه المعاناةَ ومطالبَ الإصلاح الاقتصادي المتزايدة في الدول الإسلامية والعربية، ومن بينها مصر؛ وفي أن الخطاب الأزهري يكون، بهذا الشكل، خطابًا مغتربًا عن واقعه، ومؤديًا إلى تزييف وعي المواطنين المتلقين له، وصرفهم عن المطالبة بحقوقهم الاقتصادية، فضلً عن كون الحضور الخافت للجانب الاقتصادي في الخطاب الأزهري - والخطاب الديني بشكل عام - كان دائمًا أكثر اتساقًا مع مصلحة الطبقة الحاكمة، وارتباطاتها الإقليمية والدولية، وبرامجها الاقتصادية التقشفية، التي تُحمل المواطنين مسؤولية المشكلات الاقتصادية، ومسؤولية حلها بأنفسهم عن طريق المشروعات الصغيرة وغيرها، دون توجيه النقد والمطالبة بتقديم الحلول إلى الطبقة الحاكمة2. تسعى هذه الدراسة لتحليل الحضور الاجتمعي للأزهر في السياق السياسي والاجتمعي القائم منذ مرحلة ما بعد الثالث من تموز/ يوليو 2013، بالتركيز على نموذج بيت الزكاة والصدقات المصري بوصفه أحد أهم أدوات

  1. زكاتك.. قواعد الزكاة، تقديم أحمد الطيب (القاهرة: بيت الزكاة والصدقات المصري، 2018)، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3LS8wPU حصل الباحث على نسخة من هذا الكتيب من جناح الأزهر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2018؛ حيث كان يجري توزيعه ترويجًا لنشاط البيت.

الأزهر في تفعيل حضوره الاجتمعي وتشكيل علاقاته بكل من الدولة والمجتمع في مصر. وتسأل الدراسة: إلى أي مدى يمثل نشاط هذه المؤسسة مجرد امتداد للسياسات الاقتصادية التقشفية للحكومة، التي ترغب في تعزيز جهازها الأيديولوجي، وإيجاد منافذ جديدة للعمل الخيري تسهم في تعزيز شعبية النظام الحاكم، بدلً من المنافذ المستقلة أو التابعة للتيارات المعارضة؟ وإلى أي مدى يُسهم هذا النشاط في إعادة تحديد موقع الأزهر على محور علاقات المجتمع والدولة، ويُثل مدخلً لتطوير خطاب الأزهر الديني، ليصبح أكثر ارتباطًا بآلام المواطنين، وأكثر اتساقًا مع مصالحهم؟ تنقسم هذه الدراسة إلى محورين رئيسين، يتناول المحور الأول الإطار النظري للدراسة، والسياق السياسي والاقتصادي الذي أسس فيه بيت الزكاة والصدقات المصري، ودلالات هذا السياق على أهداف أنشطة بيت الزكاة والصدقات ومآلاتها، وينتهي بعرض منهجية الدراسة والأدوات المستخدمة في جمع البيانات. وفي المحور الثاني تحلل الدراسة وضع بيت الزكاة القانوني وطبيعة علاقته بكل من الدولة والأزهر، وتحلل أيضًا بقدر من التفصيل ما أُتيح للباحث من بيانات ومعلومات عن أوجه إنفاق بيتِ الزكاة أموالَ التبرعات لتقديم المساعدات للفقراء وتمويل المشروعات القومية ومبادرات الحمية الاجتمعية التي تقودها الدولة.

أولً: مدخل نظري وسياق تأسييس

1. الإطار النظري للدراسة: موقع الأزهر على محور علاقات المجتمع والدولة

يمثل موضوع العلاقة بين الدولة والمجتمع واحدًا من أهم الاهتممات النظرية في أدبيات السياسة المقارنة، إذ تُثل هذه العلاقة أحد مرتكزات فهم طبيعة النظم السياسية والاجتمعية في البلدان المختلفة وتقويمها، ومدى تقدمها على صعيد الديموقراطية وحقوق الإنسان وعلى أصعدة التنمية المختلفة، السياسية والاقتصادية والبشرية. وتهتم جدلية العلاقة بين الدولة والمجتمع بالتساؤل: أي الطرفين يسيطر على الآخر؟ وأيهم يُشكل الآخر ويصنعه؟ وأيهم أقوى من الآخر؟ ثمّ أتتسم العلاقة بين الطرفين بالتعاون والتكامل أم بالصراع والتصادم؟ وكم هو واضح من هذه التساؤلات فإن إجاباتها تشمل طيفًا واسعًا من التفاعلات السياسية والاجتمعية التي تدخل ضمن نطاق علوم اجتمعية وإنسانية مختلفة. ومن هذه التفاعلات على سبيل المثال قضايا تشكيل الهوية الوطنية للدولة والمجتمع، وقضايا السياسات الثقافية والدينية للدولة، والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والأحزاب والطبقات والفاعلين من غير الدول، وغيرها3. ويُعدّ موضوع هذه الدراسة، التي تركز على بيت الزكاة والصدقات المصري بوصفه نموذجًا لتفاعل مؤسسة الأزهر مع الدولة ومع المجتمع، أحد الموضوعات التي يمكن تحليلها انطلاقًا من منظور العلاقة بين الدولة والمجتمع. وثمة اتجاهات ومقولات نظرية مختلفة بشأن دلالات موقع المؤسسات الدينية وحضورها في المجال العام وآثاره في العلاقة بين الدولة والمجتمع، فهناك اتجاهات تركز على الدولة بصفتها فاعلً رئيسًا مهيمنًا على الدين والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني بصفة عامة، واستخدام هذه

المؤسسات بوصفها أجهزة أيديولوجية لترسيخ هيمنة الدولة على المجتمع4. وثمة اتجاهات أخرى تركز على المجتمع بصورة أكبر، وترى أن الدين والمؤسسات الدينية جزء من المجتمع يؤثر في الدولة كم يتأثر بها. وضمن هذه الاتجاهات، مقولات تعدّ المؤسسات الدينية الإسلامية، خاصة في عصور ما قبل الحداثة، نوعًا من المؤسسات الوسيطة التي تُثل المجتمع أمام الدولة وتدافع عن مصالحه، بل تقود ثوراته في بعض الأحيان5. هذا إلى جانب دراسات أخرى تركز على دور علمء الشريعة في الحياة السياسية وفي نشوء الدول الحديثة في مصر وغيرها من الدول الإسلامية6. وثمة أيضًا اتجاهات نظرية حديثة تؤكد أن الدولة لا تحتكر وحدها عملية الضبط الاجتمعية، وأن للدين ومؤسساته وقيمه دورًا مركزيًا في توجيه سلوك الناس بعيدًا عن سيطرة الدولة7. تتبنى هذه الدراسة مدخلً نظريًا لدراسة موقع المؤسسات الدينية على محور العلاقة بين الدولة والمجتمع، يجمع في تحليله بين تأثر المؤسسة الدينية بكل من الدولة والمجتمع وتأثيرها فيهم معًا. وهو مفهوم "المجال المشترك" الذي طرحه أستاذ العلوم السياسية المصري إبراهيم البيومي غانم8. ويشير هذا المفهوم إلى نموذج نظري مثالي لعلاقات الدولة والمجتمع، يفترض شكلً من العلاقة التعاونية بين الطرفين، عرفه الاجتمع السياسي الإسلامي في بعض مراحله التاريخية، وفي بعض تجلياته المؤسسية، فضلً عن كونه مستنبطًا من الأصول النظرية والفلسفية للاجتمع السياسي الإسلامي. ويُعبر المفهوم عن تكوينات مؤسسية لا تعد حكرًا على أي من المجتمع أو الدولة، أو نقطة قوة لأحدهم – أو لأحد تكويناتهم - في مواجهة المكونات الأخرى، بل هو يعبر عن منطقة مشتركة يسهم الجميع في تكوينها، لتتولى وظائف وأدوارًا تصب في مصلحة جميع هذه الفئات، وبذلك يجري تعزيز العلاقات التعاونية على مستوى المجتمع والدولة.

  1. هاني محمود، المقاومة الحضارية، دراسة في عوامل البعث في قرون الانحدار (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية؛ دار البشير، 2017)، ص 71؛ كارين آرمسترونج: معارك في سبيل الإله: الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، ترجمة فاطمة نصر ومحمد عنان (القاهرة: سطور الجديدة، 2000)، ص.82-81
  2. Marai Boauod, "The Making of Modern Egypt: The Egyptian Ulama as Custodians of Change and Guardians of Muslim Culture," Master of Arts (M.A.) in History, Department of History, Portland State University (2016); Malika Zeghal, "Religion and Politics in Egypt: The Ulema of al-Azhar, Radical Islam, and the State (1952-94)," International Journal of Middle East Studies , vol. 31, no. 3 (August 1999), pp. 371-399; مصطفى عبد الظاهر، "الوسطية كأيديولوجيا، دور الأزهر في نشوء القومية المصرية"، منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة، 2014، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/416hGgJ
  3. جويل ميجدال، الدولة في المجتمع، ترجمة محمد صلاح علي (بيروت: دار عالم الأدب، 2018)، ص.67-23
  4. إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والمجتمع والسياسية في مصر (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2016)، ص.34-31

ويحدد غانم ثلاثة عناصر رئيسة يتكون منها المجال المشترك، أولها "القاعدة النظرية المستقلة في أصل وضعها"، ف "لا هي من وضع سلطة الدولة، ولا هي من وضع سلطة اجتمعية ما، وإنما مصدرها هو أحكام الشريعة الإسلامية"؛ وثاني هذه العناصر هو أن يسهم في تكوين المجال المشترك الحكام والمحكومون على السواء، فلا يقتصر إنشاؤه على العمل الأهلي أو العمل الحكومي، وإنما يكون باب الإسهام فيه مفتوحًا للفئات الاجتمعية والسياسية كافة، ولا يُنع أحد من ذلك؛ وثالث هذه العناصر هو تحقيقه المصالحَ الجمعية التي تعود بالنفع على المجتمع والدولة معًا، من دون أن تُضعف من قوة أحدهم لصالح الآخر، أو تسهم في زيادة قوة طبقة أو تكوينٍ اجتمعي في مواجهة تكوينات اجتمعية أخرى9. وكم يبدو، فإن هذا النموذج النظري يتحيز إلى نمط من العلاقات التعاونية بين الدولة والمجتمع، ويرفض النزعة الصراعية في العلاقة بين الطرفين، ويجادل بأن الأزهر وغيره من المؤسسات والتكوينات التي أنتجتها الحضارة الإسلامية، مثل المدارس العلمية والطرق الصوفية والأوقاف المختلفة، كانت من أشكال المجال المشترك التي يُسهم في تكوينها الحكام والمحكومون على السواء، وتنعكس فيها مصالح الطبقات الاجتمعية والسياسية المختلفة. ويجدر التنبيه إلى أن استخدام الدراسة هذا النموذجَ النظري لا يعني بالضرورة تبنيها تصورًا مثاليًا وغير واقعي عن علاقات الدولة والمجتمع في المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى؛ إذ لا يخفى على قارئ مبتدئ في التاريخ الإسلامي حجم الصراعات التي شهدتها هذه المجتمعات على أسس دينية ومذهبية وسياسية مختلفة. ومع ذلك، ثمة مبررات مهمة للاستعانة بهذا النموذج النظري لفهم دور الأزهر في المجال العام وتحليله، حيث ينشغل كاتب هذه الدراسة بسؤال يتعلق بمستقبل الصراعات السياسية والاجتمعية الحادة في مجتمعاتنا العربية والآمال التي يُكن أن يعلقها المواطنون العرب على المؤسسات الدينية لتهدئة هذه الصراعات وأداء دور إيجابي يسهم في تعزيز العلاقات التعاونية والتكاملية بين الدولة والمجتمع. وبعبارة أخرى، ينشغل الكاتب بسؤال أعم من موضوع هذا البحث، هو: هل يمكن أن يقوم الأزهر بوظيفة ما من أجل تهدئة العلاقات الصراعية بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين أطراف المجتمع المختلفة من جهة أخرى؟ ولذلك، فإن اختيارَنا نموذجَ المجال المشترك في تحليل دور الأزهر وعلاقاته بكل من الدولة والمجتمع، ليس بوصفه تصورًا أيديولوجيًا طوباويًا، بل بوصفه نموذجًا قياسيًا يحلل ممرسات الأزهر وأدواره في المجال العام ويحاكمها في ضوء أطروحة المجال المشترك. وبعبارة أخرى، تتساءل الدراسة في تحليلها ممرسات الأزهر في المجال العام عم إذا كانت هذه الممرسات تحقق الهدف المنشود للأزهر بوصفه مؤسسةَ مجال مشترك بين الدولة والمجتمع قادرةً على امتصاص الصراعات وإدارتها وتهدئتها، أم أنها تؤول إلى عكس ذلك، فتعزز العلاقات الصراعية بين الطرفين عن طريق تأكيد مصالح أطراف بعينها ودعمها على حساب الأطراف الأخرى. أما الدافع الثاني لاستخدام نموذج المجال المشترك، فيتمثل في أنه نموذج منبثق من الخبرة التاريخية للمجتمعات الإسلامية، ومن بعض الأسس النظرية والدينية التي يتبناها الأزهر نفسه، وهذا ما يمنحه قدرة أكبر على مساءلة ممرسات الأزهر وتحليلها في إطار تاريخي أوسع. وسوف يلمس القارئ مدى قدرة نموذج المجال المشترك في التحليل والمحاكمة النهائية لأنشطة بيت الزكاة والصدقات المصري وآثارها في كل من الدولة والمجتمع والأزهر نفسه.

  1. غانم.

2. سياق تأسيس بيت الزكاة والصدقات: تراجع المجتمع المدني وتأميم العمل الخيري

اتبعت السلطات المصرية، خلال مرحلة ما بعد 30 حزيران/ يونيو 2013، سياسات التضييق على منظمت المجتمع المدني والجمعيات الأهلية المستقلة، بهدف تقويض تيارات الإسلام السياسي الفاعلة في هذا المجال، والقضاء على نفوذها الاجتمعي، بينم كانت الدولة المصرية في العهود السابقة تسمح للتيارات الإسلامية ببناء شبكات واسعة من الجمعيات الخيرية، بهدف التخفيف من وطأة الأزمات الاقتصادية الناتجة من السياسات التقشفية التي بدأت الأنظمة المصرية في تبنيها منذ السبعينيات، وتوسعت فيها كثيرًا خلال عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.)2011-1981(ومع مواصلة الحكومة المصرية في مرحلة ما بعد 30 حزيران/ يونيو للسياسات التقشفية ذاتها، ولكن بصورة أكثر حدة وأكثر جذرية، عن طريق اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وما يرتبط به من سياسات رفع الدعم وزيادة الأسعار، وتحرير سعر الصرف، وغيرها من السياسات التي فاقمت من وطأة الأزمة الاقتصادية على المواطنين، لم يكن هناك بد من الاعتمد على العمل الخيري والتبرعات المالية لإعانة الطبقات الفقيرة ومنع وقوع انفجار ثوري جديد. جاء ذلك في ظل ظروف سياسية بالغة الصعوبة، شهدت فيها البلاد صراعًا وجوديًا بين التيار الإسلامي والنظام الحاكم في مصر، كان من تبعاته لجوء الدولة إلى تجميد أموال العديد من الجمعيات التي يسيطر عليها الإسلاميون، والسيطرة على هذه الجمعيات بصفة كلّية؛ فقد صدر حكم من محكمة الأمور المستعجلة بتاريخ 23 أيلول/ سبتمبر 2013 يقضي بحظر أنشطة جمعة الإخوان المسلمين، والتحفظ على جميع ممتلكاتها، ثم تبعه قرار من مجلس الوزراء بتشكيل لجنة لإدارة أموال الجمعيات المحظورة التابعة لجمعة الإخوان، تلك اللجنة التي أعلنت لاحقًا تحفظها على أموال ما يقرب من 1125 جمعية أهلية تابعة للإخوان10. وفي أيار/ مايو 2017، صدر قانون جديد للجمعيات الأهلية يتضمن بنودًا لتغليظ العقوبات على المخالفات الإدارية للموظفين في هذه الجمعيات، وإقرار عقوبات بالسجن، بدلً من الاكتفاء بعقوبة الغرامة؛ وهو ما يجعل العاملين في الجمعيات الأهلية ومنظمت المجتمع المدني تحت تهديد السجن في حالة ارتكاب أي خطأ إداري11. وتضمن القانون كذلك بنودًا لتشديد الرقابة على عمل المنظمت وتمويلها؛ إذ نص على معاقبة مدير المنظمة بالسجن في حالة تغيير مقر المنظمة من دون تصريح حكومي، فضلً عن الغرامات التي تصل إلى نصف مليون جنيه. ونص القانون أيضًا على عدم السمح للجمعيات الأهلية بجمع التبرعات من داخل مصر، إلا بعد الحصول على تصريح قبل ثلاثين يومًا من بدء عملية جمع التبرعات، وهو ما رآه بعض الناس معرقلً لنشاط الجمعيات، خاصة في حالات الكوارث والطوارئ التي تستدعي البدء التعجيل في جمع التبرعات، وليس السعي للحصول على الموافقة الحكومية ثم انتظار شهر كامل من أجل بدء جمع التبرعات. ثم إنه لا يجوز، بمقتضى القانون، قبول تبرعات تزيد قيمتها على عشرة آلاف جنيه مصري إلا بموجب شيك بنكي، وذلك ربما لإحكام الرقابة على موارد هذه الجمعيات12. تراجعت الحكومة لاحقًا وأقرت تعديلات على هذا القانون في عام 2019 تضمنت النص على تشكيل الجمعيات بمجرد الإخطار، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية الخاصة ضد مخالفات الموظفين في مؤسسات

  1. محمد مدحت مندور، "المؤسسات الدينية والسلطوية الجديدة في مصر"، منشورات قانونية، 2017/12/26، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3KVCKkr
  2. ماجد عاطف، "قانون الجمعيات الأهلية في مصر"، منتدى فكرة، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 2017/2/12، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3UzBkPZ
  3. المرجع نفسه.

المجتمع المدني، والاكتفاء بالغرامات المالية بحد أدناه 100 ألف جنيه وأقصاه مليون جنيه، وهي غرامات مالية رآها بعضهم كبيرة أيضًا. لكن القانون الجديد احتفظ ببعض القيود على التصرفات المالية للجمعيات الأهلية، حيث لا تتمكن الجمعيات من التصرف في الأموال الموجودة بحساباتها البنكية قبل تقديم التقارير اللازمة لوزارة التضامن الاجتمعي عن استلام هذه الأموال والأغراض التي تُنفَق فيها. وفيم يتعلق بالمنح الخارجية لهذه المؤسسات، يلزم القانون الجمعيات بإخطار الوزارة بتلقي هذه المنح وأغراض إنفاقها خلال 30 يومًا من تلقيها، وتلتزم الوزارة بالرد بالموافقة أو الرفض خلال ستين يومًا من الإخطار؛ وفي حالة عدم الرد تعتبر الوزارة موافقة، وتتمكن الجمعية من التصرف في أموالها13. هدفت الدولة من سياساتها المتحفظة تجاه العمل الأهلي إلى التضييق على منظمت المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان بالأساس14، فضلً عن تلك الجمعيات الخيرية التابعة لجمعات الإسلام السياسي. وقد توقع بعض المراقبين أن تخلق تلك الإجراءات قلاقل اجتمعية تؤثر في الاستقرار السياسي نظرًا إلى عدم قدرة الحكومة المصرية على تحمل الأعباء التي كانت تقوم بها هذه الجمعيات الخيرية16، خاصة في ظل إقدام الحكومة على اتباع سياسات اقتصادية تقشفية. لقد أقدمت الحكومة، في إطار اتفاق مبرم مع صندوق النقد الدولي، على تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادي يهدف إلى ضبط أوضاع المالية العامة وتقليل عجز الموازنة العامة، وذلك من خلال التخفيضات المتتالية للدعم على منتجات الطاقة، وتخفيض الإنفاق العام على القطاعات الخدمية مثل التعليم والصحة، فضلً عن تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة؛ ما زاد من الأعباء الاقتصادية على الطبقات المتوسطة والفقيرة17. وقد تفاقمت حدة هذه الأعباء بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة الناتجة من أزمة وباء كوفيد 19 ثم الحرب الروسية - الأوكرانية18. وفي مقابل هذه الأوضاع الاقتصادية، وما رافقها من مجال سياسي مغلق وتضييق حكومي كبير على العمل الخيري الأهلي، سعت الحكومة المصرية لبناء شبكات جديدة من العمل الخيري ودعمها، بحيث يكون ولاؤها للدولة مضمونًا، وعدم تأثرها بالتيارات الإسلامية المعارضة. فقامت بإسناد مهمة إدارة بعض المؤسسات الخيرية الكبيرة التي جرت مصادرتها من جمعة الإخوان إلى شخصيات دينية مقربة من الدولة، مثل الشيخ علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلمء، الذي تولى إدارة الجمعية الطبية الإسلامية، ثم تولى كذلك إدارة مؤسسات خيرية أخرى، مثل بنك الطعام وجمعية مصر الخير19. ثم جرى الإعلان عن إنشاء صندوق "تحيا مصر"، الذي يشرف عليه رئيس الجمهورية بنفسه، ويهدف إلى توفير الدعم للطبقات الفقيرة.

  1. جمهورية مصر العربية، "قانون رقم 149 لسنة 2019 بإصدار قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي"، الجريدة الرسمية، العدد 33 مكرر (ب)، 2019/8/19؛ وينظر أيضًا للمقارنة بين قانوني 2017 و 2019: مروة أحمد نظير، "القانون الجديد لتنظيم ممارسة العمل الأهلي في مصر: قراءة في ضوء بعض قوانين الدول الأخرى"، دراسات في حقوق الإنسان، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/40VXEFH
  2. مصر: قانون الجمعيات الأهلية يهدد بالقضاء على منظمات حقوق الإنسان"، منظمة العفو الدولية، 2017/5/30، شوهد في 2023/4/13، ف:ي https://bit.ly/406yXVV 15 عاطف.
  3. وائل جمال، "آلام متعاظمة"، مركز كالكوم كير، كارنيغي، 2018/10/4، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3MEaqUU
  4. للمزيد بشأن أثر الحرب الروسية الأوكرانية في الاقتصاد المصري، ينظر: مصطفى عبد السلام، "أزمات مصر الاقتصادية وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023/3/19، شوهد في 2023/4/23، في: https://bit.ly/3zVmE3T
  5. Belal Abdallah, "Al-Azhar and Sisi's Regime: Structural Roots of Disagreement," Atlantic Council , 7/4/2017, accessed on 13/2/2023, at: https://bit.ly/454ZHtn

وفي آذار/ مارس 2022 طلق ما يسمى "التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي"، الذي يضم طيفًا واسعًا، أ من منظمت المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، بهدف التنسيق بينها وتحقيق كفاءة توزيع الخدمات على المستحقين تحت إشراف الدولة المصرية22. ويُعد بيت الزكاة والصدقات من أهم المؤسسات المنضوية تحت لواء هذا التحالف. كان بيت الزكاة والصدقات قد أسس رسميًّا بقرار من رئيس الجمهورية بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2014، بموجب القانون رقم 123 لسنة 2014، بشأن بيت الزكاة والصدقات المصري، الذي ينص على أن "ينشأ صندوق يسمى 'بيت الزكاة والصدقات'، تكون له الشخصية الاعتبارية، ويشار إليه في هذا القانون بكلمة 'البيت'، ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويخضع لإشراف الإمام الأكبر شيخ الأزهر، ويكون مقره مدينة القاهرة، ويجوز له إنشاء فروع أو مكاتب بعواصم المحافظات"23. وينص القانون على أن من أهداف البيت صرف أموال الزكاة في الوجوه المقررة شرعًا، وتنمية وصرف أموال الصدقات والهبات والإعانات والتبرعات والوصايا في أعمل البر، والتوعية بفريضة الزكاة ودورها في تنمية المجتمع، وبث روح التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع. ويشير بعضهم إلى ارتباط برامج الحكومة الاقتصادية التقشفية في عصر مبارك - وما صحبها من تقليل الإنفاق على برامج الصحة والتعليم وغيرها - بزيادة نصيب المؤسسات الدينية الرسمية من الموازنة العامة؛ ويرجع ذلك التناقض إلى رغبة الدولة في تعزيز جهازها الأيديولوجي ودعمه، بما يضمن لها خطابًا دينيًّا متسقًا مع توجهاتها الاقتصادية، وليس خطابًا دينيًّا تثويريًّا، أو ملتحمً بالمعاناة الاقتصادية للمواطنين؛ وانطلاقًا من التحليل ذاته، يرى بعضهم أن الحكومة، مع تبنيها مجددًا منذ عام 2014 سياساتٍ اقتصاديةً تقشفية، قد عمدت إلى زيادة نصيب الأزهر من الموازنة العامة، ودعم مشروعاته ونشاطاته الدعوية والاجتمعية، اتباعًا لسياسات نظام مبارك السالفة نفسها24.

3. منهجية الدراسة

في الجزء التالي تسعى الدراسة للوصول إلى فهم معمق لطبيعة الدور الذي يقوم به بيت الزكاة والصدقات المصري، والأهمية التي يحظى بها هذا الدور بالنسبة إلى كل من الدولة والمجتمع والأزهر نفسه. ويقوم منهج الدراسة على تحليل سياسات بيت الزكاة ممثلة في أوجه إنفاقه أموالَ التبرعات في ظل السياق السياسي والاقتصادي القائم، وكذلك على تحليل الوضع القانوني لمؤسسة بيت الزكاة، وذلك بهدف الوصول إلى فهم أكثر عمقًا بشأن طبيعة علاقتها بكل من الدولة والأزهر والمجتمع.

  1. سلمى عبد المنعم، "التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي وتعزيز حقوق المواطن المصري"، المرصد المصري، 2023/2/13، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3MHcrjq

وفيم يتصل بطرائق جمع المعلومات، تعتمد الدراسة بصفة أساسية على المصادر الأولية المتمثلة في النصوص القانونية المنشورة في الجريدة الرسمية بشأن تنظيم بيت الزكاة والصدقات المصري، وعلى وثائق داخلية غير منشورة حصل عليها الباحث من المسؤولين فيه، إضافة إلى إصدارات منشورة لبيت الزكاة والصدقات نفسه. هذا فضلً عن إجراء مقابلات معمقة مع عدد من المسؤولين في هذه المؤسسة والخبراء، ومع ندرة الكتابات السابقة عنها، تعتمد الدراسة على بعض المعلومات والبيانات التي تُنشر في الصحافة المصرية بشأن هذا البيت، والتصريحات الإعلامية واللقاءات المتلفزة للمسؤولين فيه، فضلً عن القليل المتوافر من مقالات أو أدبيات تعرضت لهذه المؤسسة بالدراسة والتحليل.

ثانيًا: بيت الزكاة والصدقات الم رصي: الدور الاجتمعي وحدود التأثير

وفقًا لأطروحة المجال المشترك يُفترض أن يكون الدور الاجتمعي للأزهر، بصورته المثالية، خادمًا للمجتمع وللدولة على السواء، لا أن يكون معززًا لمصالح طبقات اجتمعية بعينها على حساب طبقات أخرى، ولا أن يكون معززًا لسلطوية الدولة على حساب المجتمع. وفي هذا الجزء تُحلل الدراسة أداء بيت الزكاة والصدقات المصري، وتسعى للكشف عن إسهاماته في خدمة كل من المجتمع والدولة، ودوره في صياغة العلاقات بينهم.

1. الوضع القانوني لبيت الزكاة بين الأزهر والدولة والمجتمع

نشأ بيت الزكاة بمبادرة أزهرية خالصة، حيث قام شيخ الأزهر، بالتعاون مع مستشاريه، بإعداد مسودة مشروع قانون إنشاء بيت الزكاة والصدقات المصري، وجرى عرضه على رئيس الجمهورية، الذي قبله وقام بالتصديق عليه، ثم أقره البرلمان بعد انعقاده32. وينص القانون على أن يكون شيخ الأزهر هو المشرف على أعمل البيت ورئيس مجلس أمنائه، وهو الذي يُخوَّل اختيارَ مجلس الأمناء33. ويضم مجلس الأمناء أيضًا لجنة شرعية من كبار علمء الأزهر للإشراف على أعمل البيت، وتحديد مصارفه الشرعية، ثم تتولى مؤسسة الأزهر القيام على أغلب شؤون البيت؛ حيث إن المقر الرئيس لبيت الزكاة والصدقات موجود في مشيخة الأزهر، وكل الخدمات اللوجستية الخاصة بمقر البيت ممنوحة له من

  1. تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منصبه رسميًّا في عام 2014، ولم ينعقد البرلمان الجديد إلا في عام 2015، وكانت السلطة التشريعية قبل ذلك في يد رئيس الجمهورية في ظل غياب البرلمان منذ صدور حكم قضائي بحله في عام.2012
  2. يتشكل مجلس أمناء بيت الزكاة وفق التشكيل الصادر في آذار/ مارس 2019 من كل من: المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء الأسبق، وفاروق العقدة محافظ البنك المركزي الأسبق، والسفيرة فايزة أبو النجا مستشار رئيس الجمهورية للأمن القومي، وممتاز السعيد وزير المالية الأسبق، والدكتورة شيرين الشواربي أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمستشار عبد الوهاب عبد الرازق حسن رئيس المحكمة الدستورية الأسبق، والدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، والدكتور نصر فريد واصل مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، والدكتور محمد مصطفى عمران رئيس هيئة الرقابة المالية، والدكتور محمد أحمد علي سلطان محافظ الإسكندرية السابق، والدكتور مصطفى السيد الأمين العام للمؤسسة الخيرية الملكية في البحرين، والأستاذ محمد حاجي الخوري المدير العام لمؤسسة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، والأستاذ محمد ناصر الجبري رئيس مجلس إدارة بيت الزكاة الكويتي، والدكتور عبد الله بن عبد العزيز الربيعة المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والمهندس عاطف أحمد حلمي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق، والأستاذ هشام عكاشة رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي. ينظر: "شيخ الأزهر يصدر قرارًا بإعادة تشكيل مجلس أمناء بيت الزكاة والصدقات المصري"، الهيئة العامة للاستعلامات، 2019/3/2، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/3zVDTSU

الأزهر34. ثم إن فروع بيت الزكاة في المحافظات والمناطق المختلفة موجودة في المناطق والإدارات الأزهرية المنتشرة في ربوع الجمهورية، ويستعين البيت باختصاصيين اجتمعيين من العاملين في الأزهر للقيام بأعمل البيت من دون أي ارتباط رسمي بين هؤلاء الموظفين وبيت الزكاة42. ومع ذلك، فإن البيت ليس هيئة تابعة لمؤسسة الأزهر، بل يقوم على أعمل البيت جهاز إداري مستقل عن الأزهر وعن الحكومة أيضًا، حيث لا يخضع البيت لرقابة أي من مؤسسات الدولة كالجهاز المركزي للمحاسبات؛ وذلك بحكم المادة الرابعة من القانون التي تنص على أن "أموال البيت أموال خاصة، ويكون للبيت موازنة خاصة، [يجري] إعدادها طبقًا للقواعد التي تُحددها لوائحه"43، وفي الوقت ذاته لا تخضع أموال البيت لرقابة وزارة التضامن الاجتمعي مثل سائر الجمعيات الأهلية44؛ وذلك لتمتعها بمزايا المال العام؛ حيث تنص المادة 16 من القانون على أن "تعتبر أموال البيت في حكم الأموال العامة في تطبيق أحكام البابين الثالث والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، كم يعد القائمون على إدارته والعاملون فيه في حكم الموظفين العموميين في تطبيق أحكام هذين البابين"، حيث يمنح هذا النص أموال البيت قوة قانونية كبيرة باعتبارها أمولً عامة يواجه المعتدي عليها عقوبات مُغلظة. وموظفو البيت لا يتبعون جهاز التنظيم والإدارة50، ولا يتلقون رواتبهم من الحكومة ولا من مؤسسة الأزهر، بل من عوائد وديعة تبرع بها أحد رجال الأعمل عند إنشاء البيت51، ثم إنهم لا يخضعون لقانون الخدمة المدنية، ولذا فهم لا يخضعون للحد الأقصى للأجور، ويجري تعيينهم بإرادة مجلس الأمناء، الذي يجري تعيينه بقرار من شيخ الأزهر52. وتمنح المادة 17 من القانون للبيت مزايا أخرى كثيرة، حيث يعفي القانون البيت من رسوم التسجيل والقيد التي يقع عبء أدائها على البيت في جميع أنواع العقود التي يكون البيت طرفًا فيها، كعقود الملكية أو الرهن أو الحقوق العينية الأخرى، وكذلك يعفيه من رسوم التصديق على التوقيعات، ورسوم الدمغة، ويعفيه من الضرائب بما فيها الضرائب العقارية، ثم يعفيه من الرسوم الجمركية الأخرى المفروضة على ما يتلقاه من هدايا وهبات ومعونات من الخارج، وذلك بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناء على اقتراح مجلس أمناء البيت وعرض وزير المالية53. واعتبرت المادة نفسها التبرعات التي تقدم للبيت تكليفًا على دخل المتبرع بما لا يزيد على 10 في المئة؛ أي خصم التبرع من الوعاء الضريبي للمتبرع بما لا يزيد على 10 في المئة من هذا الوعاء؛ الأمر الذي اعتبره بعضهم

  1. 5 2  مروة فخري، مدير المكتب الفني لبيت الزكاة والصدقات المصري، مقابلة شخصية، مقر بيت الزكاة والصدقات بمشيخة الأزهر، 6 2  جمهورية مصر العربية، "قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 123 لسنة."2014
  2. إبراهيم عبد العليم، سكرتير الأمين العام لبيت الزكاة والصدقات المصري، مقابلة شخصية، مقر بيت الزكاة والصدقات بمشيخة الأزهر،
  3. مندور. 8 2  عبد العليم. 9 2  فخري.

من قبيل حرمان الموازنة العامة من ضرائب المتبرعين54؛ إلا أن هذا الأمر قد يعتبر من قبيل تشجيع التجار ورجال الأعمل على التبرع وإخراج زكاة أموالهم. وقد تكون له أيضًا دلالة أخرى تتعلق بتصور واضع القانون لفريضة الزكاة وجمعها باعتبارها وظيفة سياسية منوطة بالحاكم الشرعي، الذي يقوم بجمع الزكاة، كم يقوم بجمع الضرائب الأخرى55. وفي عام 2020 قرت تعديلات جديدة على قانون بيت الزكاة والصدقات تهدف إلى تقديم المزيد من، أُ التسهيلات المالية لأموال المؤسسة. ومن أهم هذه التعديلات إضافة بند جديد إلى المادة 17 ينص على "الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة التي يتحمل عبئها البيت مباشرة في سبيل تحقيق أهدافه والغرض من إنشائه"56. وبما أن بيت الزكاة لا يخضع لأي رقابة خارجية، فإن مجلس أمنائه - تحت إشراف رئيسه شيخ الأزهر - هو المنوط به الرقابة على أعمل البيت، عن طريق اختيار أحد المكاتب المقيدة في جدول المحاسبين والمراجعين للقيام بأعمل الرقابة والمراجعة، ثم يقوم بعرض تقريره على مجلس أمناء البيت وعلى شيخ الأزهر، الأمر الذي يرى فيه بعض الناس أمرًا مثيرًا للانتباه حول السلامة المالية والشفافية؛ حيث إن المراقَب هو من يختار المراقِب، ويدفع له المقابل المالي لعمله57، بينم يرى مسؤولون تنفيذيون في بيت الزكاة أن مكتب المحاسبة منوط به مراقبة أعمل الموظفين التنفيذيين والإداريين في البيت، وتقديم تقاريره لمجلس الأمناء الذي يرأس هؤلاء التنفيذيين؛ ولذا فلا توجد في نظرهم شبهة تناقض في أعمل الرقابة بهذا الشكل، ثم إن شيخ الأزهر بنفسه يشرف إشرافًا دقيقًا على كل نفقات البيت، ويوقع بنفسه "على كل قرش" يجري إنفاقه58.

2. نفقات البيت: خدمة للمواطن أم توفير لمصلحة الدولة؟

تجدر الإشارة بداية إلى أن انخراط الأزهر في العمل الخيري عن طريق بيت الزكاة والصدقات ليس الأول من نوعه في مؤسسة الأزهر، حيث يقوم منذ زمن طويل ببعض الأعمل الخيرية، عن طريق "لجنة الحسابات الخاصة" التي تقبل التبرعات والصدقات، وتُنظم بعض القوافل الخيرية، خاصة للمناطق الحدودية والقرى النائية الأكثر احتياجًا59. وبعد إنشاء بيت الزكاة والصدقات، دُعِم البيت بالخبرات التي راكمتها هذه اللجنة الأزهرية على مستوى المتبرعين وقاعدة بيانات المستحقين؛ حيث يجري تحويل كل من يتوجه إلى مشيخة الأزهر من أجل التبرع للجنة الحسابات الخاصة إلى بيت الزكاة والصدقات، الذي يتسلم تبرعه بدلً من اللجنة، التي باتت تكتفي بالأموال التي يجري تحويلها

  1. مندور.
  2. إبراهيم البيومي غانم، أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، مقابلة شخصية، منزله في المعادي بالقاهرة، في.2019/4/7
  3. جمهورية مصر العربية، "قانون رقم 183 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 123 لسنة 2014 بشأن بيت الزكاة والصدقات المصري"، الجريدة الرسمية، العدد 36 مكرر،.2020/9/5
  4. للمزيد عن أخبار هذه اللجنة ونشاطاتها، ينظر: لجنة الزكاة بالأزهر الشريف، بوابة الأزهر الإلكترونية، في https://www.azhar.eg/: أ- القطاعات الخدمية بين الإنفاق الحكومي و"التنمية بالتبرعات"

على حساباتها البنكية، ولا تُنفقها إلّ في القوافل الخارجية ودعم طلاب العلم في الأزهر، ويستخدم البيت أيضًا قاعدة بيانات المستحقين التي أنشأتها لجنة الحسابات الخاصة؛ إذ طورها البيت كثيرًا، وأضاف إليها الكثير من المستحقين61.

ثمة تعاون ملحوظ بين مؤسسات الدولة وبيت الزكاة والصدقات في تقديم الخدمات العامة للمواطنين، وهو التعاون الذي يتجلى فيم هو معلن من اتفاقيات وبروتوكولات تعاون بين بيت الزكاة وبعض الوزارات، مثل الصحة، والإسكان، والتنمية المحلية، وجهاز الخدمة الوطنية، وصندوق تحيا مصر62. وثمة من يصف هذا التعاون بين بيت الزكاة والجهات الحكومية بكونه نمطًا من "التنمية بالتبرعات"؛ حيث يقوم بيت الزكاة بتعويض خفض النفقات الحكومية على مجالات الصحة والإسكان وغيرها - في إطار السياسات الاقتصادية التقشفية التي تتبعها الحكومة - بنفقات بديلة يجري تحصيلها من تبرعات المواطنين، وبذلك يتحمل المواطنون بتبرعاتهم ما يجب على ميزانية الدولة أن تتحمله63. ومع ذلك يؤكد مسؤولون في البيت أن بيت الزكاة لا يتحمل شيئًا عن الدولة وميزانيتها، وأن إسهامات البيت لا تُثل بديلً من واجبات الدولة وميزانيتها العامة، حيث يقوم البيت فقط بتغطية الأعباء التي يتحملها المواطن في الأصل ولا تتحملها الدولة؛ فمثلً في مشروعات توصيل الصرف الصحي التي أسهم فيها بيت الزكاة والصدقات، لم يتحمل البيت نفقات الشبكات العامة التي هي مسؤولية الدولة، ولها نصيب من الموازنة العامة. لكن تحمل البيت فقط نفقات ربط منازل غير القادرين بهذه الشبكات بعد إجراء البحث الاجتمعي اللازم للتأكد من حالتهم، وكذلك الحال بالنسبة إلى نشاط البيت في المستشفيات، حيث قام البيت بإنشاء منافذ خاصة به في الكثير من المستشفيات ليتلقى طلبات المواطنين المحتاجين إلى العلاج، والذين لا يغطيهم التأمين الصحي، أو يغطي جزءًا فقط من علاجهم، فيتحمل البيت الجزء الباقي بعد إجراء البحث الاجتمعي اللازم64. ومع ذلك يرد في العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة بين عامي 2014 و 2018، الذي أعده مسؤولو البيت، ذكر لبعض الأعمل التي هي من صميم أعمل الدولة وموازنتها العامة، مثل توفير الدعم المطلوب لوحدة أمراض الدم الوراثية في مستشفى عين شمس لتشغيل مصنع المخبوزات الخاص بمرضى سوء التمثيل الغذائي، وذلك حتى تتمكن من توفير المادة الخام اللازمة لتصنيع المخبوزات الخاصة بهؤلاء الأطفال، وكذلك تطوير الرعاية المركزة في مستشفى الحسين الجامعي بإجملي 50 مليون جنيه بالتعاون مع جهاز الخدمة الوطنية،

  1. 8 3  فخري. 9 3  "وزير التنمية المحلية في لقائه الإمام الأكبر: تعاون بين الوزارة وبيت الزكاة المصري لدعم مشروعات العدالة الاجتماعية"، المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، القاهرة، 2017/6/19، شوهد في 2023/5/16، في: https://bit.ly/3BuS5CV "'س - ج'.. 'الشروق'تجيب [عن] أبرز التساؤلات بشأن بيت الزكاة والصدقات"، الشروق، 2019/3/2، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/2GWEKt8؛ "وزيرة الصحة تبحث مع شيخ الأزهر استمرار دعم بيت الزكاة لمبادرة قوائم الانتظار"، صدى البلد، 2019/4/21، شوهد في 2023/4/13، فيhttps://bit.ly/3KVWrIP:

وكذلك بناء وحدة صحية، والعمل على تجهيزها تجهيزًا كاملً في قرية بلقطر في محافظة البحيرة بتكلفة 6 ملايين جنيه72. وتدخل هذه الأعمل ضمن الأعباء التي من المفترض أن تتحملها الموازنة العامة للدولة، خاصة أن الوحدة الصحية التي تحمل بيت الزكاة تكاليف بنائها - على سبيل المثال - ستؤول إدارتها كليًّا إلى وزارة الصحة وجهازها الحكومي، من دون اشتراك المجتمع المدني أو بيت الزكاة في الإشراف على أعملها وإدارتها كم هو حال المراكز الصحية التي تُنشئها منظمت المجتمع المدني الأخرى كالجمعية الشرعية أو جميعة مرسال على سبيل المثال. وبذلك فإن البيت على هذا النحو يقوم ببعض الوظائف التي تنسحب منها الدولة بتقليل الإنفاق على القطاعات الخدمية في الموازنة العامة73. ومن أهم مظاهر الشراكة بين الدولة وبيت الزكاة، في تقديم الخدمات العامة للمواطنين، مشاركة البيت في مشروعات رعاية القرى الأشد فقرًا، حيث يلتزم البيت باتباع مخططات وزارة التخطيط فيم يتعلق بتحديد القرى الأشد فقرًا في كل المحافظات، ويتمثل دوره في "استكمل مطالب القرية التي لم [يجر] إدراجها في مخططات الدولة"، ثم يتعاون مع الوحدات المحلية في خدمات مثل ترميم المدارس، وذلك كم صرح صفوت النحاس، الأمين العام السابق لبيت الزكاة والصدقات، بأن ثمة طرحًا جديدًا في مجلس الأمناء، بتحمل تكاليف رصف الشوارع، وتركيب أعمدة الإنارة، إلا أن موارد البيت لا تزال غير كافية لتحمل كل هذه التكاليف74. وضمن مبادرة "حياة كريمة"، التي أطلقها رئيس الجمهورية في كانون الثاني/ يناير 2019 لتطوير القرى المصرية الأكثر فقرًا، تحمّل البيت نفقات تأثيث 966 وحدة سكنية وتجهيزها في مشروع إسكان اجتمعي متكامل في مشروع روضة السيدة، ومشروع لنقل سكان المناطق العشوائية غير الآمنة بتكلفة 40 مليون جنيه؛ وكذلك الحال بالنسبة إلى مشروعات نقل سكان العشوائيات إلى أحياء سكنية جديدة، مثل حي الأسمرات ومنطقة أهالينا، إذ قام البيت - بالتعاون مع جهاز الخدمات والمنطقة العسكرية المركزية في القوات المسلحة - بتأثيث 1096 وحدة سكنية وتجهيزها في مشروع (منطقة أهالينا) بحي السلام أول، وذلك بتكلفة 30 مليون جنيه، وفي حي الأسمرات بالمقطم قام البيت، إبان عام 2019، بالتعاون مع صندوق تحيا مصر، بتجهيز 4500 شقة سكنية وتأثيثها، فضلً عن المشاركة مع وزارة الإسكان في بناء 25 وحدة سكنية لأهالي قرية الروضة في سيناء، بدعم في حدود مليوني جنيه؛ والكثير من هذه الأعمل يؤكد اعتمد الدولة على موارد بيت الزكاة في مشروعاتها التنموية.

  1. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري"، وثيقة داخلية غير منشورة. حصل الباحث على هذا العرض بصفته البحثية من أ. مروة فخري، مدير المكتب الفني لبيت الزكاة والصدقات، وهو من المراجع الأولية للدراسة، ويُعد هذا المرجع إلى جانب الأخبار الصحافية عن أنشطة البيت والمقابلات التلفزيونية لقيادات البيت هي المصادر الرئيسة لهذه الدراسة، حيث لم يتمكن الباحث من الحصول على موازنة البيت أو حسابه الختامي أو تقارير مكتب المحاسبة نتيجة تحفظ إدارة بيت الزكاة على طلب الباحث الاطلاع عليها.
  2. للمزيد حول تخفيض الإنفاق على قطاع الصحة في الموازنة العامة، ينظر: سلمى حسين، مشروع الموازنة مخالف للدستور. الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة وكيفية زيادته (القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية،.)2016
  3. دكتور صفوت النحاس أمين بيت الزكاة والصدقات المصري يتحدث عن مبادرة حياة كريمة"، "برنامج 90 دقيقة"، قناة المحور، يوتيوب، 2019/8/7، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/41tkch3

ثم إن بعض أنشطة البيت يكون لاحقًا لقرارات اقتصادية حكومية يتضرر منها بعض المواطنين، فتستهدف هذه الأنشطة التخفيف من وطأة هذه القرارات على الوضع الاقتصادي للمواطنين؛ ومثال على ذلك دعم بيت الزكاة لصيادي محافظة البحر الأحمر المتضررين من قرار وقف الصيد، وعددهم 2302 صياد بإجملي 6906000 جنيه، بواقع 3 آلاف جنيه للأسرة. وثمة خدمات أخرى يقدمها البيت تكون مكملة للسياسات الحمئية التي تتخذها الدولة لدعم الطبقات الأكثر فقرًا، والأكثر تضررًا من جراء السياسات الاقتصادية التقشفية، ومن ذلك مشروع "تكافل وكرامة" الذي يدعم غير القادرين بإعانات شهرية محدودة، إذ يشارك بيت الزكاة في مضاعفة المبالغ التي يقدمها مشروع "تكافل وكرامة" للمواطنين. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، وقع بيت الزكاة والصدقات المصري بروتوكولً تعاونيًّا مع صندوق تحيا مصر، يشارك بموجبه بيت الزكاة في المشروعات والحملات الخيرية والتنموية التي يخطط لها الصندوق وينفذها. ومن هذه المشروعات توفير الدعم الغذائي للمستحقين، وتجهيز الفتيات المقبلات على الزواج، وتوفير الملابس لطلاب المدارس والجامعات المستحقين، إضافة إلى مشروعات تطوير القرى الأكثر احتياجًا. ووقعت على هذا البروتوكول سحر نصر وزيرة الاستثمر السابقة، بصفتها المدير التنفيذي لبيت الزكاة والصدقات. وكان شيخ الأزهر قد قرر ضمّها إلى مجلس أمناء بيت الزكاة في آب/ أغسطس 2021، قبل أن يُقرر تعيينها مستشارًا لشيخ الأزهر للتطوير المؤسسي لبيت الزكاة والصدقات المصري ومديرًا تنفيذيًّا للمؤسسة في أيار/ مايو 2022. يُذكر أن شيخ الأزهر عضو في مجلس أمناء صندوق تحيا مصر بموجب قرار تأسيس الصندوق الصادر عام 2015. وثمة تصريح ذو دلالة مهمة في هذا السياق صدر عن صفوت النحاس الأمين العام السابق لبيت الزكاة والصدقات المصري على هذه الخدمات التي يُقدمها البيت للمواطنين في إطار السياسات الاقتصادية العامة للدولة بقوله: "إحنا (نحن) بننفذ (ننفذ) سياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن الدولة في ظهر كل مواطن"، وهو تصريح يحمل دلالات عميقة بشأن نظرة قيادات البيت لمؤسستهم بوصفها جزءًا من الدولة ومُمثلً لسياساتها، ويؤكد أيضًا اعتمد الدولة نمط "التنمية للتبرعات"، فبينم تنسحب الدولة فعليًا من كثير من وظائفها الاجتمعية، وترفع الدعم عن المواد الأساسية، وتُقلل الإنفاق على القطاعات الخدمية بصورة كبيرة، فإنها تعمل على جمع أموال الزكاة والصدقات من الأفراد - اعتمدًا على الفروض الدينية - وتقوم بإعادة توزيعها، بما يقلل من التكلفة السياسية لسياساتها الاقتصادية التقشفية.

  1. 8 4  "دكتور صفوت النحاس". 9 4  "صندوق تحيا مصر يوقع برتوكول تعاون مع بيت الزكاة والصدقات المصري،" اليوم السابع، 2022/11/22، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/415CPYy
  2. شيخ الأزهر يقرر تعيين سحر نصر في مجلس أمناء بيت الزكاة والصدقات المصري"، المصري اليوم، 2021/8/03، في: https://bit.ly/3UzeW9g
  3. لقب 'أول مستشارة' لشيخ الأزهر محل 'تباين'.. ظهور قرار قديم بتعيين سحر نصر قبل نهلة الصعيدي"، الشرق الأوسط، 2022/09/27، شوهد في 2023/4/13، في: https://bit.ly/43xVIVM
  4. جمهورية مصر العربية، "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 84 لسنة 2015 بإنشاء صندوق تحيا مصر"، الجريدةالرسمية، العدد 27 مكرر (د)،.2015/7/8
  5. دكتور صفوت النحاس"؛ للمزيد بشأن دور المؤسسات الدينية في دعم السياسات الاقتصادية للدولة بالفتاوى وجمع التبرعات، ينظر: هاني خميس عبده، المؤسسات الدينية والحياة الاقتصادية في المجتمع المصري، دراسة سوسيولوجية، سلسلة مراصد 43 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية،.)2018 ب- نفقات بيت الزكاة المصري بين مصارف الزكاة ومصارف الصدقات
  6. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري."

وفق مدير المكتب الفني لبيت الزكاة تنقسم مصارف البيت إلى قسمين، هم أموال الزكاة، وأموال الصدقات. ذلك أن فقه الزكاة بطبيعته موجه إلى الأشخاص وليس إلى المؤسسات، لذلك فإن البيت من خلال مصارف الزكاة يدعم الأشخاص مستحقي الزكاة بصفة مباشرة، ويستهدف خاصة تنمية مستوى معيشتهم، ولا يجري توجيه أموال الزكاة إلى دعم مؤسسات بعينها والتبرع لها لأن ذلك خارج عن مصارف الزكاة الشرعية؛ ولكن مصارف الصدقات التي هي أشمل وأعم من مصارف الزكاة يمكن توجيهها إلى مصارف الزكاة نفسها ولأغراض خيرية أخرى، ويُفهم من ذلك توجيه البيت قطاعًا من أموال الصدقات لتعويض النقص في الإنفاق العام على القطاعات الخدمية من جراء السياسات الاقتصادية الحكومية، بينم تُحجب أموال الزكاة عن مثل هذه النفقات، وتوجه إلى دعم أشخاص بصفة مباشرة اتباعًا لفقه الزكاة ذاته. ويُقدم كتاب زكاتكالصادر عن بيت الزكاة توضيحًا للحالات الفردية المستحقة للصرف من أموال الزكاة والصدقات في البيت وهي (اليتيم؛ الأرملة؛ المطلقة؛ المسن الذي تجاوز عمره 60 عامًا وليس له دخل أو عائل؛ العاجز؛ المريض؛ ذوو الدخول الضعيفة)، وهي - كم يتضح - كلها حالات فردية متعلقة بوصول الأموال إلى الأفراد المحتاجين مباشرة. إذًا ليست كل الأعمل الخيرية التي يقوم بها بيت الزكاة يمكن تصنيفها على أنها مجرد مساعدة للدولة في التخلي عن التزاماتها الاجتمعية؛ وإنما يُقدم البيت – من خلال أموال الزكاة خاصة - خدمات فعلية وحقيقية للمواطنين، من دون أن تكون هذه الخدمات بالضرورة ضمن التزامات الدولة وميزانياتها العامة. ويرد في العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة استعراض تفصيلي لحجم النفقات على الأفراد المحتاجين بين عامي 2014 و 2018؛ ومثال ذلك تقديم البيت إعانات مالية فردية بقيمة تتجاوز 560 مليون جنيه، وتقديمه مصروفات العلاج والعمليات الجراحية لغير المشمولين بالتأمين الصحي بقيمة تفوق 58 مليون جنيه، ودفعه ديون الغارمين في السجون بقيمة تفوق 200 مليون جنيه، ودفعه متأخرات المرافق والإيجارات بقيمة تفوق 200 مليون جنيه أيضًا، وتحمّل البيت تكاليف إيصال المياه والصرف الصحي إلى منازل غير القادرين بما يزيد على 10 ملايين جنيه، وترميم منازل الفقراء بما يفوق المئة مليون جنيه أيضًا، والمساهمة في تطوير العشوائيات بما يبلغ الثلاثين مليونًا، وتقديم مساعدات عينية للأيتام بما يقرب من 18 مليون جنيه، وتوزيع البطاطين بما يزيد على 180 مليون جنيه، وتوزيع الطرود الغذائية بما يزيد على 118 مليون جنيه، وتيسير الزواج لغير القادرين بما يزيد على 700 مليون جنيه، والإغاثات العاجلة للمنكوبين بما يزيد على 300 مليون جنيه، وتقديم دعم نقدي لطلاب العلم أيضًا بما يزيد على 566 مليون جنيه.

  1. فخري.
  2. زكاتك.. قواعد الزكاة، ص.26-25
  3. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري." ويركز البيت على دعم طلاب الجامعة اليابانية ومدينة زويل التعليمية؛ وذلك لارتقاء مستوى التعليم فيها إلى مستوى التعليم في الجامعات الأوروبية والأميركية - وفق تصريح الأمين العام لبيت الزكاة - ووجود طلاب من المستحقين للزكاة في هاتين الجامعتين، إذ يهدف البيت إلى تولي نفقات 20 طالبًا كل عام، بحيث يكون البيت راعيًا لمئة طالب في غضون خمسة أعوام. ينظر: "دكتور صفوت النحاس".
إجملي بند
المصروفات
املسنة الرابعةالسنة الثالثةالسنة الثانيةالسنة الأولىأوجه الصرف
560380059321185040205580851733936916274800إعانات مالية
580404192833474216216813114008592088005مصروفات علاج
وعمليات جراحية
26172411398642272409582450362740غارمون
27433871795414947973000000متأخرات مرافق
وإيجارات
1028828100039368026351479000مياه وصرف صحي
17439091403909340000000000ترميم منازل
3000000030000000000000000تطوير عشوائيات
18834017744010900000000مساعدات عينية (أيتام)
566530566530000000000مساعدات عينية
(طالب علم)
18815001342500539000000000توزيع بطاطين
1186720006667000052002000000000توزيع طرود غذائية
12186025150494643636561000000مشروعات تحت الإنشاء
340859010314590000000000مساعدات إغاثة عاجلة
703564046494502386190000000تيسير الزواج
4694817212858694983567415718726545إجملي الصرف

الانتظار في هذه القوائم.

الجدول (1) مقارنات معدلات الصرف في مصارف الزكاة المختلفة

ويدخل ضمن هذه النفقات أيضًا تحمل البيت تكلفة قوائم الانتظار لعمليات جراحة الأطفال في مستشفى (أبو الريش)، ودعم معهد القلب بتحمل تكاليف عمليات القلب للأطفال على قوائم الانتظار بقيمة 10 ملايين جنيه، وذلك عن طريق دعم استمرار العمل في هذه المستشفيات في أيام الإجازات والعطل الأسبوعية، عن طريق دفع رواتب الأطباء، وتوفير المستلزمات الطبية اللازمة للعمل في هذه الأيام؛ من أجل تقليل مدة

  1. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري"؛ "دكتور صفوت النحاس." المصدر: "العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري"، وثيقة داخلية غير منشورة. ج- بين بيت الزكاة والمنظمت الخيرية الأهلية: تنافس أم صراع؟

ويتزايد إجملي إنفاق البيت سنويًّا على هذه المشروعات باطراد، ففي السنة الأولى أنفق البيت 18726545 جنيهًا، وفي السنة الثانية 35674157 جنيهًا، وفي السنة الثالثة 285869498 جنيهًا، وفي السنة الرابعة بلغت النفقات 469481721 جنيهًا؛ ما يؤكد تزايد نفقات البيت، ثم تزايد موارده وإقبال المتبرعين عليه. ومن هذه الأرقام يمكن الاستدلال على أولويات نفقات البيت في مصارف الزكاة المختلفة؛ حيث تحتل نفقات تيسير الزواج المرتبة الأولى، تليها الإعانات المالية للفقراء، بينم تأتي الإغاثات العاجلة للمنكوبين في المرتبة الثالثة، وتأتي إعانات متأخرات الإيجارات والمرافق في المرتبة الرابعة، وديون الغارمين في المرتبة الخامسة، وتوزيع البطاطين في المرتبة السادسة، وتوزيع الطرود الغذائية في المرتبة السابعة، ومصروفات العلاج والعمليات الجراحية في المرتبة الثامنة، ودعم طلاب العلم في المرتبة التاسعة، وتطوير العشوائيات في المرتبة العاشرة، والمساعدات العينية للأيتام في المرتبة الحادية عشرة، وترميم المنازل في المرتبة الثانية عشرة، وتكاليف توصيل المياه والصرف الصحي إلى منازل غير القادرين في المرتبة الثالثة عشرة (الأخيرة). يبدو بعض هذه الخدمات موجهًا لتعويض نقص الإنفاق الحكومي على القطاعات الخدمية، مثل مشروعات تطوير العشوائيات والقرى الأكثر فقرًا، وما يرتبط بها من شبكات الصرف الصحي، وبعض نفقات العلاج والعمليات الجراحية التي يُعدّ تخفيض الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة من أهم أسبابها. وفي الوهلة الأولى يلُاحظ من هذا الترتيب أن هذه النفقات المرتبطة بتوجهات السياسة العامة للدولة تحتل المراتب الأدنى من حيث حجم الإنفاق على الحالات الفردية المستحقة للزكاة؛ بينم تحتل المساعدات الخاصة للأفراد – ما بين إعانات مالية وتيسير للزواج وإغاثات عاجلة للمنكوبين وغيرها - المراتب الأولى، الأمر الذي يعكس قدرًا من استقلال أموال الزكاة في البيت عن مبادرات الحكومة وسياساتها العامة، مقارنة بأموال الصدقات التي يكون البيت أكثر قدرة على توجيهها إلى دعم المشروعات الحكومية من دون التزام بمصارف بعينها؛ وربما يرجع ذلك إلى فقه الزكاة ذاته، الذي يؤكد ارتباط أموال الزكاة بمنتفعين مباشرين، وليس مجرد توجيهها إلى دعم مؤسسات خدمية عامة. ومع ذلك، ليست مصارف أموال الزكاة - حتى تلك الموجهة إلى الأفراد بصفة مباشرة - منبتة الصلة تمامًا عن سياسات الدولة وتوجهاتها، فالإعانات المالية مثلً يدخل في نطاقها مضاعفة المرتبات المصروفة للمشمولين ببرنامج "تكافل وكرامة" في إطار السياسات الحمئية للطبقات الأكثر تضررًا من السياسات التقشفية التي تتبعها الدولة، ثم إن الإنفاق لدفع ديون الغارمين – مع كونه من أهم مصارف الزكاة المنصوص عليها شرعًا - يأتي أيضًا في سياق مبادرة رئيس الجمهورية "سجون بلا غارمين".

تُرجع مديرة المكتب الفني لبيت الزكاة تزايد موارد البيت على نحوٍ مطرد سنويًّا إلى ارتباط البيت بالأزهر وشيخه، وثقة الناس بالأزهر، مقابل فقدان الثقة بالمنظمت الأخرى، وذلك إما نتيجة التوجهات السياسية أو شبهات الفساد، ثم تؤكد أن بيت الزكاة والصدقات لم يكن لينال هذه الثقة التي نالها من جراء إشراف شيخ الأزهر عليه لو كان تابعًا للحكومة مباشرة.

  1. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري."
  2. زكاتك.. قواعد الزكاة، ص 27؛ "'سجون بلا غارمين'.. مبادرة إنسانية تفتح الباب لاستبدال عقوبة الحبس بالتشغيل في أعمال للمنفعة العامة"، بوابة الأهرام، 2018/8/23، شوهد في 2023/4/13، في https://bit.ly/417ViUg: 60 فخري.

يُحيل ذلك إلى التفكير بشأن تأثير هذا النشاط الخيري، الذي له ارتباط كبير بالحكومة ومشروعاتها الاقتصادية، في طبيعة العمل الخيري المجتمعي المستقل، وفي منظمت المجتمع المدني الأخرى؛ فقد أكد مسؤولون في البيت عدم تعاونهم مع الجمعيات الأهلية الصغيرة الموجودة في المناطق المحلية المختلفة في أنشطة الدعم والمساعدة للفقراء والمحتاجين، وذلك بحجة عدم ضمن توجهات هذه الجمعيات وأغراضها الحقيقية، وصعوبة المراقبة على أعمل هذه الجمعيات، خاصة فيم يتعلق ب "المن والأذى" الذي يشدد شيخ الأزهر على تجنبه في التعامل مع الفقراء والمحتاجين؛ حيث يعتمد معظم الجمعيات الأهلية أساليب مهينة وفاضحة في توزيع المساعدات، بينم يعتمد البيت نظام إرسال المعاشات إلى المحتاجين على البريد بصورة عادية جدًا، كأنه موظف بالمعاش، ونظام التحويل إلى المستشفيات بورق رسمي، كأن متلقي المساعدة موظف في شركة ويتلقى حقه في التأمين الصحي. ويُفهم من ذلك أن البيت يسعى لأن يكون بديلً من الجمعيات الأهلية ومنظمت المجتمع المدني الأخرى، وهو الذي يتلقى تسهيلات حكومية كبيرة، ويتمتع بمزايا لوجستية غير متوافرة لغيره من الجمعيات الأهلية في المناطق المحلية؛ ما يمكنه من تقديم خدمات أفضل للمواطنين تغنيهم عن اللجوء إلى الجمعيات الأهلية المستقلة أو التابعة لقوى سياسية أخرى، التي يجري بالفعل التضييق عليها حكوميًّا، ويُعدّ ذلك من قبيل إضعاف الفعاليات الأهلية المستقلة، وتأميم أو "بقرطة" العمل الخيري، وإلحاقه بمؤسسات أقرب إلى المجال الحكومي منه إلى المجال المجتمعي المستقل. ومع هذا، فليست العلاقة بين بيت الزكاة ومنظمت العمل الخيري الأهلية صراعية تمامًا؛ فقد صرح الأمين العام لبيت الزكاة أن البيت يُقدم مساعدات لمراكز الغسيل الكلوي التابعة للجمعيات الأهلية والمعتمدة من وزارة الصحة، والتي يصدر لبعض المواطنين قرارات علاج على نفقة الدولة فيها، فيعتبر البيت هذا الاعتمد علامة للجودة، ويتحمل نفقات علاج المرضى الآخرين غير المشمولين بقرارات العلاج على نفقة الدولة من مستحقي الزكاة، ويتحمل أيضًا تكاليف انتقال المرضى من منازلهم إلى هذه المراكز؛ وبذلك يتعاون البيت مع المنظمت الأهلية، ولكن ليس بصفته منظمة مجتمعية مستقلة، بل بصفته منظمةً أقرب إلى المؤسسة الحكومية، ومكملة لوظائف الحكومة في تحمل نفقات علاج الحالات غير المشمولة بالتأمين الصحي. ويورد العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة بيانًا لاستفتاء نظمه موقع النبأ الإخباري حول الجهات التي يثق الجمهور بالتبرع لها، ووفقًا للبيان يأتي بيت الزكاة والصدقات في مقدمة هذه الجهات بنسبة 22 في المئة، إلى جانب مستشفى 57357، الذي حصل أيضًا على 22 في المئة من أصوات الجمهور، بينم جاء مستشفى مجدي يعقوب للقلب في المركز الثالث بنسبة 17 في المئة من الأصوات، ومستشفى (أبو الريش) للأطفال ب 10 في المئة، ثم مستشفى 500500 بنسبة 6 في المئة، ثم كل من جمعية رسالة، ومستشفى بهية، ومعهد القلب القومي بنسبة 4 في المئة من الأصوات لكليهم، وأخيرًا كل من جمعية الأورمان وجمعية مصر الخير بنسبة 1 في المئة. وبالتأكيد فإن نتيجة هذا الاستفتاء لا تبلغ درجة كبيرة من الدقة لكي تؤخذ مسلّمة معبرة عن الواقع الفعلي؛ وذلك لكونها مجرد نتيجة استفتاء إلكتروني أجراه موقع صحافي. إنها نتيجة لا تتمتع بالمعايير العلمية الكافية،

  1. المرجع نفسه.
  2. دكتور صفوت النحاس."
  3. العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري."

ولكن يمكن الاستئناس بها في الكشف عن بعض جوانب الواقع. وفضلً عن ذلك تعكس استعانة العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة بهذا البيان على سبيل الفخر وإثبات النجاح بعض الدلالات بشأن مدى اهتمم القائمين على البيت بثقة المواطنين بمؤسستهم، واستشعارهم الحالةَ التنافسيةَ مع المنظمت الخيرية الأخرى.

خاتمة

في ختام هذه الدراسة يجدر بنا استعراض مدى النفع العائد على كل من الدولة والأزهر والمجتمع من جراء نشاط بيت الزكاة والصدقات المصري، بهدف استيضاح تأثير هذا المشروع في طبيعة علاقات المجتمع والدولة في مصر، وموقع الأزهر منها في ضوء أطروحة المجال المشترك. أما الدولة فتضمن منفذًا آمنًا وشبه حكومي للعمل الخيري، بعيدًا عن استقطاب جمعات الإسلام السياسي التي كانت تستخدم العمل الخيري منفذًا لنشر فكرها وكسب تعاطف الجمهير معها، وأداةً لبسط نفوذها الاجتمعي. وتضمن الدولة التخفيف من وطأة السياسات الاقتصادية التقشفية التي تتبعها، من خلال المساعدات التي يُقدمها بيت الزكاة للمواطنين المحتاجين، ومن خلال الدعم المباشر الذي يقدمه البيت للمشروعات القومية التي تقوم بها الدولة، فضلً عن تعويض البيت عن خفض الإنفاق الحكومي على القطاعات الخدمية في الموازنة العامة، وذلك بإسهامه المباشر في تحمل هذه النفقات بإيرادات التبرعات التي يحصل عليها، وذلك من دون تحمل الدولة أعباءَ إشراك المجتمع المدني في العمليات الرقابية والإدارية على القطاعات الخدمية، مقابل إسهاماته المادية في تأسيسها ودعمها. ثم تؤكد الدولة شرعيتها الدينية برعايتها مؤسسةً رسمية تقوم على جمع الزكاة وتوزيعها وفقًا لمصارفها الشرعية، بإشراف رأس المؤسسة الدينية الأولى في البلاد؛ ولعل هذا ما يُفسر الامتيازات المالية والإدارية الكثيرة التي منحها القرار الجمهوري بإنشاء بيت الزكاة والصدقات، ويُفسر أيضًا وجود رؤساء الهيئات الرسمية المشرفة على جمع الزكاة في دول الخليج العربي، كالكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ضمن أعضاء مجلس أمناء بيت الزكاة والصدقات المصري؛ بما يدل على استلهام هذه التجربة المصرية التجاربَ الخليجية في جمع الزكاة، المستندة إلى الشرعية الدينية، وتصورها عن جمع الزكاة بوصفها وظيفة سياسية منوطًا بالحكومة الشرعية القيامُ بها. وأما بيت الزكاة والصدقات، فعلى الرغم من كونه مؤسسة مستقلة عن الأزهر وغير تابعة له رسميًّا، فإن السلطات التي منحها القانون – الذي أعده شيخ الأزهر بنفسه بالتعاون مع مستشاريه - لشيخ الأزهر بوصفه رئيسًا لمجلس أمناء البيت ومشرفًا على شؤونه كافة، تمنح الشيخ ومؤسسته نفوذًا كبيرًا على نشاط البيت، يفوق نفوذ السلطات السياسية والجهات الرقابية التابعة للحكومة؛ فشيخ الأزهر هو الذي يُعين مجلس الأمناء، الذي يقوم بتعيين الجهاز الإداري للبيت، ثم يقوم الشيخ باختيار مكتب المحاسبة والمراجعة المنوط به مراقبة النشاط المالي للبيت، والكشف عن أوجه الفساد فيه، وتقديم تقريره لمجلس الأمناء فقط، وليس لأي جهة خارجية أخرى، ويقوم شيخ الأزهر أيضًا بالإشراف الكامل على كل نفقات البيت، والتوقيع عليها بنفسه. وتبعًا لكل هذه السلطات التي يتمتع بها شيخ الأزهر داخل بيت الزكاة والصدقات، فإن مؤسسة الأزهر كلها تؤدي دورًا كبيرًا في نشاط البيت، ويكفي أن مقر البيت الرئيس موجود داخل مشيخة الأزهر، وأن مقار بيت الزكاة في المحافظات كافة موجودة في المناطق الأزهرية، وأن الذين يقومون على نشاط بيت الزكاة في المناطق المختلفة هم موظفون تابعون للأزهر وليسوا تابعين لبيت الزكاة.

ثم إن استقلال بيت الزكاة إداريًّا عن الحكومة، وعدم تبعية موظفيه لجهاز التنظيم والإدارة، فضلً عن استقلالهم المالي عن مؤسسات الدولة، واعتمد رواتبهم على وديعة بنكية، تبرع بها أحد رجال الأعمل دعمً لنشاط البيت؛ كل ذلك يُعزز استقلال بيت الزكاة عن مؤسسات الدولة؛ وبذلك يُعزز تبعية البيت لمؤسسة الأزهر في ضوء المميزات الممنوحة لشيخ الأزهر، والنفوذ الأزهري الكبير داخل البيت المشار إليه آنفًا. ومن أجل ذلك، فإن البيت بالفعل يُعد أحد انعكاسات النشاط الأزهري المتزايد في المجال العام، ويمنح هذا النشاطُ الأزهرَ قوة كبيرة في علاقته بالدولة؛ فقد بات الأزهر راعيًا لنشاط اجتمعي مفيد جدًّا بالنسبة إلى الدولة والسلطات السياسية، إذ بات قادرًا على توفير الدعم للمشروعات القومية، وتعويض خفض النفقات الحكومية على القطاعات الخدمية، والتخفيف من وطأة السياسات الاقتصادية التقشفية على الظروف المعيشية للمواطنين، من خلال المساعدات والأعمل الخيرية، دونما لجوء إلى فتح باب العمل الأهلي أمام التيارات السياسية التي تسبب إزعاجًا للسلطات. وإذا أضفنا إلى ذلك اعتمد هذا النشاط على كاريزما شيخ الأزهر، وثقة الجمهير به شخصيًا، ما يدفعهم إلى الثقة ببيت الزكاة والصدقات الذي يشرف عليه، والإقبال على التبرع له، فإن ذلك مم يدعم موقف شيخ الأزهر في علاقته بالسلطة السياسية، ويُكسبه المزيد من القوة والاستقلال. ثم إن وُعاظ الأزهر يستفيدون كثيرًا من نشاط بيت الزكاة والصدقات في مهمتهم الدعوية واتصالهم بالجمهير، فوفقًا لمدير المكتب الفني لبيت الزكاة: "يوجد تناغم كبير بين وعاظ الأزهر والموظفين في بيت الزكاة"؛ حيث يشارك الوعاظ في بعض القوافل الإغاثية التي ينظمها بيت الزكاة، كم جرى في حالة أحداث سيول رأس غارب؛ فبحسب رواية مديرة المكتب الفني لبيت الزكاة، شهدت المنطقة احتقانًا وغضبًا كبيرًا من الأهالي على منظمت المجتمع المدني التي جاءت ساعات قليلة في الليل لالتقاط بعض الصور، من دون تقديم مساعدات تُذكر للأهالي، ثم انصرفت كلّها ولم تعد مجددًا، وحينم أرسل الأزهر قافلته المكونة من وعاظ الأزهر وممثلي بيت الزكاة والصدقات ولجنة الحسابات الخاصة، بدأ وعاظ الأزهر أولً بتهدئة الاحتقان، والتمهيد لدخول ممثلي بيت الزكاة، الذين وزعوا على الأهالي المساعدات المالية الفورية لتدبير أمورهم. يصب ذلك في اتجاه تعزيز نشر المنهج الأزهري، ونمط التدين المرتبط به، وتعزيز المرجعية الدينية للأزهر، على حساب الجمعات الإسلامية الأخرى، التي كانت تستثمر الأعمل الخيرية للغرض ذاته، المتمثل في نشر دعوتها وأفكارها وأنماط تدينها. أما عن المجتمع، فهو بلا شك يستفيد من الخدمات والمساعدات التي يُقدمها بيت الزكاة والصدقات، كم أن تعويض بيت الزكاة لخفض النفقات على القطاعات الخدمية في الموازنة العامة يصب في مصلحة الفئات الفقيرة، ولكن من المؤكد أن المجتمع هو الأقل استفادة من هذا النشاط، مقارنة بكل من الدولة ومؤسسة الأزهر، حيث تُسهم الخدمات التي يُقدمها البيت في تمرير سياسات اقتصادية بالغة الضرر بالأوضاع الاقتصادية والاجتمعية للطبقات الوسطى والطبقات الفقيرة في المجتمع. ثم إن صعود نشاط بيت الزكاة يرتبط بتوجيه ضربات قاسية إلى الفاعلية المجتمعية المستقلة عن الدولة، والتضييق على العمل الأهلي ومنظمت المجتمع المدني؛ ما يسبب إضعاف قدرة المجتمع على المشاركة في تدبير الشأن العام، وعلى إنتاج

  1. فخري؛ ولم يتسن للباحث التأكد من صحة هذه الرواية من مصادر أخرى، غير أن المؤكد والمنطقي أن يستفيد وعاظ الأزهر عمومًا من العمل الخيري المرتبط باسم الأزهر في حال أنهم شاركوا مع موظفي البيت في إيصال الخدمات إلى المواطنين.

حلوله الذاتية للمشكلات الاجتمعية والاقتصادية، ويُعزز من هيمنة الجهات الحكومية وشبه الحكومية على الفاعلية الذاتية للمجتمع، خاصة أن بيت الزكاة لا يعتمد في نشاطه على التعاون مع الجمعيات الأهلية المستقلة، ويعتبرها منافسة له. بعبارة أخرى، فإن مؤسسات الدولة إذا كانت مضطرة إلى الاستعانة بأموال المتبرعين لاستكمل وظائفها التنموية والخدمية، فإنه ينبغي توسيع مشاركة المتبرعين، أو ممثليهم ووكلائهم من الجمعيات ومنظمت المجتمع المدني، في إدارة المشروعات التنموية والخدمية التي تقدمها المؤسسات الحكومية اعتمدًا على أموال المتبرعين وفي مراقبتها وتقويمها. وفي هذه الحالة، تتحول المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني إلى "مؤسسات مجال مشترك" يشارك في إدارتها ودعمها أطراف من المجتمع والدولة على السواء، وتُعبر سياساتها عن مصالح الطرفين. أما رغبة الدولة في الانسحاب من وظائفها الاجتمعية بتقليل الإنفاق العام مع الانفراد بإدارة القطاعات الخدمية في الصحة والتعليم وغيرها من دون مشاركة المجتمع، ولجوؤها إلى تعويض ضعف الإنفاق باستخدام أموال المتبرعين، فهو مم يُكرس العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والمجتمع لصالح هيمنة الدولة وضعف المشاركة المجتمعية.

المراجع

العربية

ومحمد عناني. القاهرة: سطور الجديدة،.2000

العدد 24 (آب/ أغسطس.)1986

داخلية غير منشورة.

والصدقات". الجريدة الرسمية. العدد 36 مكرر (ب.).2014/9/9

الجريدة الرسمية. العدد 7 مكرر (د.).2015/7/8

العدد 33 مكرر (ب.).2019/8/19

والصدقات المصري". الجريدة الرسمية. العدد 36 مكرر..2020/9/5

بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988

الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2013

مراصد 43. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية،.2018

ميجدال، جويل. الدولة في المجتمع، ترجمة محمد صلاح علي. بيروت: دار عالم الأدب،.2018

آرمسترونج، كارين. معارك في سبيل الإله: الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام. ترجمة فاطمة نصر ألتوسير، لويس. "الأيديولوجية والأجهزة الأيديولوجية للدولة". ترجمة عايدة لطفي. أدب ونقد. مج 3، بيت الزكاة والصدقات المصري. "العرض التقديمي لإنجازات بيت الزكاة والصدقات المصري". وثيقة جمل، وائل. "آلام متعاظمة". مركز كالكوم كير، كارنيغي. 2018/10/4:. في https://bit.ly/3MEaqUU

جمهورية مصر العربية. "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 123 لسنة 2014 بشأن بيت الزكاة _______. "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 84 لسنة 2015 بإنشاء صندوق تحيا مصر". _______. 149 لسنة 2019 "قانون رقم بإصدار قانون تنظيم ممرسة العمل الأهلي". الجريدة الرسمية. _______. "قانون رقم 183 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 123 لسنة 2014 بشأن بيت الزكاة سلامة، غسان [وآخرون]. مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي. تحرير وتنسيق سعد الدين إبراهيم. سليمن، سامر. النظام القوي والدولة الضعيفة. إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك. القاهرة: عبد السلام، مصطفى. "أزمات مصر الاقتصادية وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2023/3/19:. في https://bit.ly/3zVmE3T

عبده، هاني خميس. المؤسسات الدينية والحياة الاقتصادية في المجتمع المصري دراسة سوسيولوجية. سلسلة غانم، إبراهيم البيومي. الأوقاف والمجتمع والسياسية في مصر. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2016 "مبادرة 'حياة كريمة'". الهيئة العامة للاستعلامات. القاهرة. 2023/3/25:. في https://bit.ly/42C6LfJ

محمود، هاني. المقاومة الحضارية. دراسة في عوامل البعث في قرون الانحدار. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية؛ دار البشير،.2017

المصيلحي، نجلاء محمود. الخطاب الإسلامي والتنمية في المجتمع المصري. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية؛ مؤسسة الأهرام،.2009

الأجنبية

Abdallah, Belal. "Al-Azhar and Sisi's Regime: Structural Roots of Disagreement." Atlantic Council. 7/4/2017. at: https://bit.ly/454ZHtn

Boauod, Marai. "The Making of Modern Egypt: the Egyptian Ulama as Custodians of Change and Guardians of Muslim Culture." Master of Arts (M. A.) in History. Department of History. Portland State University. USA. 2016

Kuru, Ahmet T. Islam, Authoritarianism and Underdevelopment: A Global and Historical Comparison. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Morsy, Ahmed & Nathan J. Brown. "Egypt's al-Azhar Steps Forward." Carnegie Endowment for International Peace (7/11/2013).

Mostafa, Tamer. "Conflict and Cooperation between the State and the Religious Institutions in Contemporary Egypt." International Journal Middle East Studies. vol. 32, no. 1 (Februay 2000).

Pagoulatos, George & Panayiota Kastritis. "Theorizing and Assessing Civil Society: A Review of Approache." Life Long Learning. The Jean Monnet Papers on Political Economy. The University of Peloponnese (March 2013).

Zeghal, Malika. "Religion and Politics in Egypt: The Ulema of Al-Azhar, Radical Islam, and the State (1952-94)." International Journal Middle East Studies. vol. 31, no. 3 (August 1999).