العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القضاة والتحول الديمقراطي: استقلال القضاء في الديمقراطيات الحديثة

القضاة والتحول الديمقراطي: استقلال القضاء في الديمقراطيات الحديثة

Judges and Democratization: Judicial Independence in New Democracies.

هالة عبد الجواد

الملخّص

مدرس مساعد، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

Abstract

Assistant-Lecturer at the Faculty of Economics and Political Science, Cairo University. Email: Ha348@sussex.ac.uk

الكلمات المفتاحية:
  • استقلال القضاء
  • سيادة القانون
  • الديمقراطيات الحديثة
Keywords:
  • Judical Independence
  • Rule of Law
  • Democratic Transition
  • New Democracies

مقدمة

تُعدّ قضية الديمقراطية وما يتعلّق بها من قيم ومفاهيم، وما يترتب عليها من ممرسات ومؤسسات، من القضايا الجوهرية التي عُنيت بها العلوم السياسية والقانونية. وفي أدبيات العلوم السياسية، هناك العديد من الموجات الكبرى للديمقراطية في التاريخ المعاصر. ويتمثل الهدف الأساسي في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية في إزالة انتهاكات سيادة القانون من الدساتير والتشريعات، وكذلك وضع حد لممرسات السلطة التنفيذية التي تتعدى على السلطات الأخرى، بما في ذلك الانتقاص من استقلال القضاء. إلّ أن حمية استقلال القضاء لا تزال واحدة من أكبر التحديات المستعصية في مسار التحول الديمقراطي، وبخاصة في العشرين عامًا الأخيرة التي شهدت انتكاسات متفاوتة في كثير من بلدان الموجة الثالثة/ الرابعة من الديمقراطية نتيجة تراجع مؤشرات سيادة القانون والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان. من هنا، تأتي أهمية هذا الكتاب لعالم السياسة البريطاني براين سميث الذي يناقش موضوع استقلال القضاء في إطار التحوّل نحو الديمقراطية. ويرتكز الكتاب على حجة رئيسة مفادها حتمية تحقق مبدأ استقلال القضاء حتى تتحقق سيادة القانون، الذي من دونه لا يمكن حدوث تحوّل ديمقراطي حقيقي. يقوم الكتاب بتشبيك هذه المفاهيم الثلاثة، فيجعل من مبدأ استقلال القضاء جزءًا لا يتجزأ من مبدأ سيادة القانون من ناحية، ومن سيادة القانون مؤشرًا جوهريًا للحكم على مدى نجاح عملية تحوّل الأنظمة السياسية نحو الديمقراطية من ناحية أخرى. ومن هنا يعمد الكتاب إلى إيجاد علاقة مباشرة بين مبدأ استقلال القضاء والديمقراطية، حيث يجعل الأول أحد المكوّنات الأساسية الدالّة على التحوّل الديمقراطي. وعلى الجانب الآخر، تظهر إشكالية الكتاب في الكيفية الفعلية التي يتحقق بها مبدأ استقلال القضاء في الأنظمة البينية التي لم تزل في طور التحوّل الديمقراطي من السلطوية، لكن لم تستقر فيها الديمقراطية بعد. ومن ثمّ، فهذه الأنظمة، وإن كانت تحمل ملامح من الديمقراطية (حتى لو كانت مجرد إجرائية، كالانتخابات الدورية على سبيل المثال)، فإنها لا تزال لم تتخلّص كلّيةً من الطابع السلطوي أو حتى الاستبدادي الذي كانت عليه.

المنهج والبنية والتساؤلات الرئيسة

يُدرج الكتاب تحت مظلة الدراسات السياسية المقارنة في الأساس، وهو واحد من كتب عدة، في سلسلة "التحول الديمقراطي والسلطوية" المعنية بالإسهام المعرفي في مجال القيم الديمقراطية والليبرالية التي تواجه الدول حديثة العهد بالديمقراطية، وكذلك المؤسسات التي من شأنها إرساء هذه القيم وترسيخها في الديمقراطيات الناشئة. ويتّبع الكتاب منهجًا بينيًا، فمن جانب يدمج بين البحث السياسي والبحث القانوني للوقوف على نظرة شاملة للعلاقة بين استقلال القضاء وسيادة القانون والتحوّل الديمقراطي. وعلى الجانب الآخر، يقوم بالتأطير النظري والمفاهيمي لموضوع البحث، معزّزًا ذلك بمجموعة واسعة من الوقائع والأمثلة التي حدثت في الدول التي خضعت أو لا تزال تخضع لعملية التحوّل الديمقراطي، والمعروفة بدول الموجة الثالثة/ الرابعة من الديمقراطية في شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. يُقسم الكتاب إلى تسعة فصول، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. في الفصل الأول، يقدم الكاتب إطارًا مفاهيميًا لمصطلح سيادة القانون وعلاقته الوثيقة بالديمقراطية والتحوّل الديمقراطي، حيث يحاول تفكيك هذه العلاقة من خلال النظر إلى الدساتير واتجاه السياسات العامة في هذه الديمقراطيات الناشئة من خلال مدى تأكيد سيادة القانون بوصفه مبدأ دستوريًا (نظريًا)، إضافة إلى مدى انعكاس سيادة القانون في السياسات

العامة التي تتبنّاها حكومات تلك الأنظمة (عمليًا). وفي هذا السياق، يرى الكاتب أنه كلم كانت السياسات العامة تعمل على مكافحة الفقر وعدم المساواة، أدى ذلك إلى تعزيز مبدأ سيادة القانون، ومن ثمّ تعزيز جودة الانتقال الديمقراطي. وفي الفصل الثاني، يشرح الكاتب لماذا يُعدّ استقلال القضاء مكوّنًا رئيسًا لتوطيد الديمقراطية، وكذلك لماذا لا يمكن تحقق سيادة القانون فعليًا من دون قضاء مستقل. ومن ثم يستفيض الكاتب في شرح ماهية استقلال القضاء، معرّجًا على مفاهيم وموضوعات وثيقة الصلة، كالحصانة القضائية والإجراءات المُتّبعة لحمية القضاة من الفصل والعزل التعسفيين، وكذلك تنظيم الأنشطة السياسية للقضاة. ويتعرّض هذا الفصل لموضوع شديد الأهمية متعلق بالفصل بين السلطات وضرورة احتكار الوظيفة القضائية على السلطة القضائية دون سواها. في الفصلين الثالث والرابع، يضع الكاتب يده على الفجوة بين النصوص الدستورية المتكفلة باستقلال القضاء والتطبيق العملي لهذا المبدأ في الكثير من البلدان التي تخضع لعملية الانتقال الديمقراطي. فيستفيض الفصل الثالثفي شرح محاولات السلطة التنفيذية التغوّل على السلطة القضائية والتضييق على القضاة والتلاعب بمبدأ استقلال القضاء، بينم يُعنى الفصل الرابعبالقيود الداخلية التي قد تقوّض استقلال القضاء من خلال فساد المنظومة القضائية ذاتها، وأثر ذلك في حيدة القضاة ونزاهتهم. ويأتي الفصلان الخامس والسادس لبيان الضمنات والإصلاحات التي من شأنها الحيلولة دون تقويض استقلال القضاء. فيناقش الفصل الخامسالآليات التي يمكن من خلالها تقييد السلطة التنفيذية ومنع تغوّلها على العملية القضائية. ويتناول الفصل السادسالإصلاحات التي تعمل على محاربة الفساد والتحيّز داخل القضاء ذاته، وكذلك الدور المنوط بالمجتمع المدني وجمعات الضغط والإعلام في إرساء مبدأ استقلال القضاء والدفاع عنه ضد تدخلّات السلطة التنفيذية، أو تحيّز القضاة أنفسهم على حد سواء. كم يسلّط الفصل الضوء على أهمية بناء قدرات القضاة من خلال التقييم والتدريب المستمر، بناءً على معايير واضحة وشفافة. يفحص الفصل السابعدور المؤسسات المختلفة في الإدارة القضائية، ويُقيّم مدى توافقها مع استقلال القضاء. وتنبع أهمية هذا الفصل من تحليل مشاركة السلطة التنفيذية في هذا الصدد. وبناء عليه، يشير الكاتب إلى نموذجين لإدارة شؤون القضاء: أولًالإدارة الذاتية، أي إدارة القضاء لشؤونه الداخلية بشكل مستقل تمامًا عن السلطتين الأخريين؛ وثانيًا الإدارة التنفيذية التي من خلالها يكون هناك دور للسلطة التنفيذية في إدارة شؤون القضاء. ويناقش الفصل نفسه أيضًا المخاطر المصاحبة لتفويض الصلاحيات الإدارية إلى القضاء نفسه من خلال المجالس القضائية. وكذلك يستفيض في شرح النموذج التنفيذي حين تُخوّل إلى السلطة التنفيذية إدارة شؤون القضاء بشكل رئيس، مع وجود مستويات متفاوتة من المشاركة من المؤسسات الأخرى، بما في ذلك أعضاء السلطة القضائية نفسها. ويؤكد الكاتب أن هذا النموذج لا يؤدي بالضرورة إلى الانتقاص من استقلال القضاء، حيث إن هناك قدرًا كبيرًا من اقتسام المسؤولية في إدارة القضاء. يناقش الفصل الثامنمسألة "النشاط القضائي " Activism Judicial على نحو معمّق، وما قد تثيره من توترات بين السلطتين القضائية والتشريعية في النظم التي لم تستقر فيها بعد الديمقراطية. فيشمل النشاط القضائي تعريف القوانين وتفسيرها وتطبيق السوابق، والطعن في شرعية القرارات السياسية، والفصل في دستورية العملية السياسية، والمراجعة القضائية للإجراءات الإدارية. مثل هذا النشاط قد يجر القضاة إلى صراعات سياسية، خاصة مع شرائح المجتمع التي قد تتأثر مصالحها سلبيًا بالتفسيرات القضائية للإجراءات التشريعية والإدارية. وهنا تُثار إشكالية متعلّقة بالتوازن بين السلطتين القضائية والتشريعية. فبينم تمنح

دساتير النظم ما بعد السلطوية صلاحيات تُكّن القضاة من ممرسة النشاط القضائي، فإنه في الوقت ذاته قد يمثل ذلك تحديًا للمجالس النيابية المنتخبة والتشريعات التي أقرّتها سلفًا، حيث يبدو أن القضاة غير المنتخبين هم من يضعون القانون، بدلً من مجرد تطبيقه. ومن هنا تأتي أهمية الرقابة على السلطة القضائية accountability التي يناقشها الفصل التاسعبشكل خاص. ويوضح الكاتب أن مسألة الرقابة على القضاء هي في ذاتها عملية تتسم بالصرامة والمهنية، حيث تخضع لإجراءات ومعايير وقواعد قانونية شديدة الشفافية وشديدة الوضوح بشأن ما يجب أن تكون عليه المنظومة القضائية، ما يحدّ من سوء استخدام السلطات المنوطة بالقضاء، أو يمس بمبدأ استقلاله. بعد هذا العرض المختصر لفصول الكتاب، نقدم في ما يلي عرضًا لأهم الأفكار التي يطرحها المؤلف.

التهديدات الخارجية لاستقلال القضاء

على الرغم من أن دساتير الدول المتحوّلة إلى الديمقراطية قد نصّت على مبدأ استقلال القضاء، فإن الكاتب قد أشار إلى أن الدراسات القضائية المقارنة أولت اهتممًا متزايدًا للضغوط التي تمارسها السلطة التنفيذية على القضاء في أرض الواقع. فعادةً، يتأثر حياد القضاء بشكل كبير بجنوح الساسة إلى التدخل في صنع القرار القضائي، من خلال عملية التعيين أو السيطرة المهنية، أو حتى الضغط على القضاة الأفراد في حالات محددة. وتُقسم الدوافع وراء التدخل السياسي في العملية القضائية إلى خمسة: أولً، محاولة خلق قضاء يعمل لمصلحة الحكومة عندما تكون طرفًا في عملية التقاضي، أو لها مصلحة سياسية في نتيجة القضية. ثانيًا، الحدّ من فاعلية المعارضة السياسية بأشكالها كلها، سواء الرسمية (نواب المعارضة والنواب والمحافظون ورؤساء البلديات على المستويات دون الوطنية، وما إلى ذلك) أم غير الرسمية، مثل المجتمع المدني (المنظمت غير الحكومية وناشطو حقوق الإنسان والصحافيون الاستقصائيون). ثالثًا، معاقبة أفراد محددين كشفوا عن انتهاكات السلطة التنفيذية وفسادها. رابعًا، إزالة العقبات أمام تشريعات الحكومة وقراراتها. خامسًا، إطالة فترة الولاية للمتعاونين من القضاة. وقد تتعدد وتتداخل دوافع نظام سياسي معين للسيطرة على القضاء. يؤكد الكاتب أن الطريقة الأكثر شيوعًا التي يمكن من خلالها المساومة على استقلال القضاء، عادة ما تكون من خلال التدخل السياسي في تعيين القضاة ومدة عملهم؛ ما يجعلهم عرضة للضغوط السياسية. وعادة ما يكون هذا نتيجة الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية، خاصة رؤساء الجمهوريات، للتعيين في السلطة القضائية وتوزيع القضاة داخلها. وعلى الرغم من الخطاب الديمقراطي الذي عُرضت به دساتير الدول التي تشهد تحولً نحو الديمقراطية على العالم، فإن محتواها لم يوفر دائمًا الحمية الكافية ضد تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية. ويشير الكاتب إلى أن التعيينات في المحاكم الدستورية عُرضة بشكل خاص لدوافع سياسية، تعكس في الكثير من الأحيان الخيارات الحزبية والأيديولوجية للسلطة التنفيذية. ولا يقتصر الأمر على التعيينات فحسب، بل يتعدّاه إلى الصلاحيات الخاصة بالترقيات وإعادة توزيع القضاة، وكذلك التحكم في تدرّجهم الوظيفي، إضافة إلى تحديد الفوائد والامتيازات المادية للقضاة من ناحية، أو اتّباع سياسة ترهيبية من ناحية أخرى، حيث يجري توجيه قضاة في دوائر معيّنة قبل النطق بالحكم وإقصاء القضاة غير المتعاونين من خلال النقل وإعادة توزيعهم على دوائر قضائية أخرى، وقد يصل الأمر إلى شن حملات تشويه على بعض القضاة في بعض الأحيان. يتطرّق الكاتب أيضًا إلى مسألة المحاكم الخاصة أو الاستثنائية وعلاقتها بسيطرة السلطة التنفيذية على العملية القضائية. ويرى أن مثل هذه المحاكم لا تعني بالضرورة الخروج على مبدأ استقلال القضاء أو سيادة

القانون، فقد تكون فعالة وناجزة في بعض الأحيان إذا اتّسمت بالحيادية والنزاهة. إلّ أن الواقع العملي يشير إلى أن إنشاء محاكم استثنائية، عادة ما يكون وسيلة يتّبعها النظام السياسي للتلاعب بالعملية القضائية. فعادة ما يكون الهدف من إنشاء المحاكم الاستثنائية في المراحل الانتقالية التالية للاستبداد هو تأمين نتائج مواتية لأجهزة الدولة. كم يمكن أن يؤدي استخدام المحاكم الاستثنائية كذلك إلى تقويض مبادئ العدالة الطبيعية، خاصة عندما يُسمح للمحاكم العسكرية بمحاكمة المدنيين. وقد يأخذ تغوّل السلطة التنفيذية على سير العملية القضائية كذلك شكل التباطؤ في إنفاذ الأحكام الصادرة عن القضاء أو حتى رفض تطبيقها Non-enforcement. إذا كان الضغط المباشر غير كافٍ لتأمين نتائج قضائية مواتية، فقد تعمد السلطة التنفيذية إلى إبطال قرارات المحكمة بعدم تنفيذ الأحكام. من المتفق عليه بشكل عام أن عدم تنفيذ قرارات المحاكم يقوّض استقلال القضاء، كم يعمل على تقويض ثقة الجمهور في حياد القرارات القضائية والسلطة القضائية ومؤسسات الدولة نفسها، وهذه واحدة من أكثر المشكلات شيوعًا التي حددتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في التأثير في استقلال القضاء. فعندما يرتكن السياسيون إلى ذرائع لتجاهل القرارات القضائية، يُعدّ ذلك انتهاكًا صارخًا لسيادة القانون وانتهاكًا للحق في محاكمة عادلة، وتقويضًا أيضًا للفصل والتوازن بين السلطات، ومن ثمّ يصبح الحديث عن الانتقال الديمقراطي محض عبث.

التهديدات الداخلية لاستقلال القضاء

أوضح الكاتب أن تدخل السلطة التنفيذية في صنع القرار القضائي قد لا يكون السبب الأوحد لفقدان استقلال القضاء؛ فقد يتعرّض استقلال القضاء للخطر بشكل أكبر من الداخل. كأن تكون إجراءات المحكمة متحيزة تحيّزًا هيكليًا، ومن ثمّ يجري انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون والحق في محاكمة عادلة. ويزداد الأمر سوءًا عندما تكون المحاكم خاضعة للسلطة التنفيذية لأي سبب كان. وتثير مسألة فساد المنظومة القضائية معضلة بالغة الأهمية والتعقيد. فمن ناحية، يشير فساد القضاة إلى التناقض والإخلال الصارخ بماهية الوظيفة القضائية والغاية منها، فبدهيًا يُفترض أن يكون القضاء بما يتّصف به من حيدة ونزاهة الوسيلة التي من خلالها يجري إرساء قيمة العدالة ومحاربة الفساد. كم أن فساد القضاة قد يكون مدعاة لتدخّل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء بحجة محاربة الفساد، ما يجعل الحديث عن سيادة القانون واستقلال القضاء والانتقال الديمقراطي مجرد مصطلحات جوفاء لا تمت للواقع بصلة. ويحدث الفساد في منظومة القضاء عندما يحدث خلل جسيم في مبدأ "الحياد". فعادة ما يتطلّب من القضاة التخلّ عن التزاماتهم تجاه الحزب السياسي أو العرق أو الطبقة الاجتمعية والقبيلة والدين عند ممرسة السلطات القضائية، بمعنى أن تكون قرارات القضاء نابعة فقط من مرجعية قانونية خالصة. يرى الكاتب أنه ليس من الواضح دائمًا ما إذا كان التحيّز القضائي ينشأ من التحيّز الشخصي للقضاة أو الضغط السياسي الذي تمارسه الحكومة على القضاة، أو أنه مزيج من الجانبين. فقد يأتي التحيّز من التفضيلات الشخصية للقضاة وتوجّهاتهم السياسية وخبراتهم الحياتية. فعلى الرغم من صعوبة إرساء تشريعات تُحتّم على القضاة عدم تبني أيديولوجية معيّنة، أو عدم التأثر بمحيطهم الاجتمعي، فإن الثقافة المؤسسية يجب أن تعمل على تكريس هذا الفصل بين التحيّزات الاجتمعية وماهية الوظيفة القضائية. وقد يكون الإرث المؤسسي في سنوات الاستبداد عاملً مهمً في مدى حيدة القضاء عن مسار التحوّل الديمقراطي. فعادة ما يصعب تخلّ القضاة عن قناعاتهم وتوجّهاتهم حتى إن تغيّت الظروف السياسية. ففي دول أوروبا الشرقية

والوسطى خلال سيطرة الاتحاد السوفياتي على سبيل المثال، كان انضمم القضاة إلى عضوية الحزب الشيوعي، أمرًا لا بد منه للحصول على وظيفة قضائية ابتداءً، وضمن الترقّي في السلّم الوظيفي القضائي. وبناء عليه، كان جميع قضاة المحاكم العليا أعضاء بارزين في الحزب الشيوعي. وقد ثبت من التجربة العملية في هذه الدول أن الأمر قد يستغرق وقتًا طويلً حتى يجري إحلال النخبة القضائية وثيقة الصلة بالنظام القديم بأخرى جديدة ذات قناعات مؤيدة لاستقلال القضاء وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، إلّ أنه في بعض الحالات قد تكون هيمنة هؤلاء القضاة من ذوي الأيديولوجيات غير الديمقراطية في حد ذاته عائقًا في سبيل الانتقال الديمقراطي. من ناحية أخرى، يشير الكاتب إلى أن فساد المنظومة القضائية أحد أهم العوامل في تقويض استقلال القضاء. وهنا يُعرّف الفساد بأنه انحراف القضاة عن واجباتهم العامة الرسمية من أجل التكسّب المالي، بخاصة من خلال الرشوة. ويشير إلى أن فساد القضاة ظاهرة عالمية، وليست حكرًا على دول أو منطقة جغرافية معيّنة، إلّ أن الوضع يزداد سوءًا في الدول التي لم تستقر فيها الديمقراطية بعد. وقد تتعدد أشكال الفساد القضائي لتشمل اتخاذ قرارات وأحكام لا تتناسب مع القرائن والأدلّة، والتلاعب بالأدلّة واستبعاد أخرى، والإفراج المشروط عن سجناء قضوا جزءًا بسيطًا من العقوبة، وما إلى ذلك من الانحرافات. ويرجع الكاتب الأسباب الرئيسة لفساد القضاة إلى ضعف آليات الرقابة والمحاسبة على السلطة القضائية. فغياب الشفافية وسوء استخدام السلطة التقديرية الممنوحة للقضاة، قد يؤديان إلى خلق بيئة خصبة للممرسات الفاسدة، خاصة عندما يوجد تناقض وثغرات في القوانين التي تُكّن القاضي الفاسد من الحكم وفقًا لسلطته التقديرية غير المنضبطة ابتداءً.

الإصلاحات اللازمة لضمن استقلال القضاء

يؤكد الكاتب مركزية الإصلاحات القانونية والجهود الدولية المبذولة في هذا الصدد بوصفها سمة رئيسة لعملية التحوّل الديمقراطي في مجتمعات ما بعد الاستبداد في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، إلّ أنه في الأساس يركز على جملة من الإصلاحات الداخلية التي من شأنها العمل على تعزيز استقلال القضاء، وهي: المنافسة السياسية الحرة والتدقيق والرقابة التشريعية ودور المجتمع المدني، إلى جانب بناء قدرات القضاة. أولً، يوفر الإصلاح السياسي أساسًا قويًا لاستقلال القضاء، فأفضل ضمنة لعدم التدخّل السياسي في شؤون القضاء هي وجود منافسة سياسية قوية وحرة. فالسياسيون لديهم الحافز لدعم استقلال القضاء عندما يكون تداول السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومنتظمة هو النمط الغالب على النظام السياسي في بلد ما. لكن إذا كان حزب أوحد يتوقع البقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى، حتى مع وجود انتخابات شكلية، فسيكون القضاء أكثر عرضة للتدخلات السياسية. كم تدعم المنافسة السياسية القوية والممتدة أيضًا استقلال القضاء، فلدى الحزب السياسي الحاكم، على سبيل المثال، دوافع لاحترام استقلال القضاء حتى لا يكون ذلك ذريعة لاتهامات من المعارضة من ناحية، أو التأثير في شعبيته في الانتخابات المقبلة من ناحية أخرى. ويؤكد الكاتب في هذا الصدد وجود علاقة ارتباطية بين الانتخابات الدورية الحرة واستقلال القضاء، فكلم زادت الأولى، زادت الثانية تباعًا. فالانتخابات الحرة النزيهة تضع عراقيل أمام السلطة التنفيذية في سعيها للتلاعب بالقضاء وتسييسه، وذلك خشية العواقب الانتخابية. ففي هذه الحالة، يكون النظام السياسي مسؤولً أمام الناخبين عن تكلفة التدخل السياسي في شؤون القضاء.

ثانيًا، قد تدعم السلطة التشريعية استقلال القضاء، وذلك عندما تكون المجالس النيابية قادرة على إجبار أعضاء السلطة التنفيذية على شرح استخدام الصلاحيات والسلطات الموكلة إليهم وفقًا للدساتير والقوانين. وهنا تأتي أهمية الضبط والتوازن بين السلطات، فكلم زادت قدرة السلطة التشريعية على ممرسة الرقابة الفعالة والمساءلة، تضاءلت قدرة النظام السياسي على التلاعب بالقضاء، وكذلك قلّت فرص الفساد من القضاة أنفسهم. لكن على الجانب الآخر، يُقرّ الكاتب بصعوبة تحقيق هذه الرقابة التشريعية على أرض الواقع في الدول التي لم تتحوّل كلّيةً إلى الديمقراطية. ففي مثل تلك الحالات، عادة ما تكون العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية غير متوازنة، حيث تعمد الأولى إلى تقييد الهيئات التشريعية، ما يعني بالضرورة صعوبة توفير هذه الشروط المسبقة لاستقلال القضاء. ثالثًا، قد يعمل المجتمع المدني الوطني كرادع للتدخّل السياسي في القضاء. ويتطلّب ذلك الأمر بناء وتطوير المجتمع المدني والمنظمت المكوّنة له، ولا سيم تلك التي تدافع عن الحقوق وجمعات الضغط في مجال القانون والنظام العام. تعمل مثل هذه المنظمت على تمكين أولئك الذين تتضرر مصالحهم من التدخل السياسي في القضاء، وتزيد من التكاليف الانتخابية لمن ينتهكون سيادة القانون. وفي بعض البلدان، من الممكن أن يصبح المجتمع المدني مشاركًا بشكل مباشر ورئيس في عملية التقاضي، وذلك من خلال تطبيق إجراء "صديق المحكمة" Curiae Amicus، وهو الإجراء الذي يُكن طرفًا ثالثًا (ليس طرفًا أصيلً في الدعوى، لكنه عادة ما يكون خبيرًا قانونيًا أو ضليعًا بموضوع الدعوى، سواء أكان فردًا أم منظمة) من تقديم التمس إلى المحكمة من أجل الإذن بعرض تقرير يلفت المنصة إلى جانب من جوانب القضية التي قد يغفلها القضاة من دون تعمد. ومع ذلك، يوضح الكاتب أن الموجات غير الديمقراطية التي اجتاحت العديد من الدول حديثة الانتقال إلى الديمقراطية في الأعوام الأخيرة هدّدت استقلال المجتمع المدني، وعملت على إضعافه واعتباره مصدرًا لتهديد النظام السياسي، وشمل ذلك الأحزاب السياسية المعارضة، والنقابات المهنية والعملية، والمنظمت الحقوقية، وغيرها. ويرى الكاتب أن قمع المجتمع المدني علامة دالّة على انتهاك حقوق الإنسان وسيادة القانون، وكذلك استقلال القضاء. رابعًا، يؤكد الكاتب أن بناء القدرات واحدة من أكثر الاستراتيجيات فاعلية لضمن استمرارية استقلال القضاء. وهنا يشير إلى جانبين: بناء قدرات القضاة، وبناء القدرات المؤسسية للسلطة القضائية. ففي ما يتعلّق ببناء قدرات القضاة، يُشدّد على ضرورة التدريب المستمر للقضاة، وكذلك العاملين في منظومة العدالة بشكل عام. ويجب أن تتنوّع هذه الدورات لتشمل برامج تدريبية عن بناء القدرات الإدارية والطرائق الفعالة للمداولة وإدارة المحاكمت، كم يجب أن تشتمل على برامج أخرى تستهدف زيادة الوعي بالقانون الإنساني الدولي وقوانين حقوق الإنسان وعدم التمييز ضد المرأة والأقليات. ويُشدّد الكاتب على ضرورة استقلال المعاهد والمراكز الوطنية التي تقدم الدورات التدريبية للقضاة، وألّ تكون مسيّسة أو خاضعة للسلطة التنفيذية. كم يؤكد أهمية وجود معايير أداء واضحة يجري من خلالها تقييم أداء القضاة، ما يُسهّل الرقابة والمسألة. وتشمل هذه المعايير مدة إجراءات المحاكمت، وعدد القضايا المغلقة والمعلقة، والتراكمت، وما إلى ذلك، إضافة إلى استطلاعات الرأي حول ثقة الجمهور في القضاء. ومن ناحية أخرى، قد تكون الإصلاحات المؤسسية علامة دالّة على قدرة القضاء على بناء قدراته وتعزيز استقلاله. ويأتي على رأس هذه الإصلاحات وجود استقلالية مالية للسلطة القضائية، أو وجود ميزانية مستقلة لهم في الموازنة العامة ودرجاته. وتشتمل هذه الإصلاحات أيضًا على التحديث الرقمي ووضوح طرائق التقاضي للعامة، وكذلك إتاحة البيانات.

خاتمة

يطرح الكتاب موضوعًا بالغ الأهمية والتعقيد عن وضع القضاء ومدى استقلاله في ظل الأنظمة السياسية التي غادرت الاستبداد والسلطوية، إلّ أن الديمقراطية لم ترسخ بها بعد، وذلك في بلدان الموجة الثالثة/ الرابعة من التحوّل الديمقراطي في أوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. وقد تناول الكتاب عددًا من القضايا المحورية في هذا الصدد، مدعّمة بأمثلة واقعية ومقارنات تفصيلية. وقد أولى اهتممًا بالتأطير النظري للعلاقة بين الديمقراطية وسيادة القانون واستقلال القضاء؛ إذ جعل استقلال القضاء وسيادة القانون شرطًا للديمقراطية، كم أوضح الكتاب أن المناخ الديمقراطي ذاته يعمل على دعم سيادة القانون واستقلال القضاء واستمراريتهم. وتناول التهديدات التي من شأنها تقويض استقلال القضاء؛ فمن الشائع في الأدبيات الخاصة بدراسته أن يجري التركيز على تسييس القضاء ومحاولة السلطة التنفيذية التغوّل على السلطة القضائية. وعلى الرغم من أن الكتاب قد تناول ذلك الجانب بالبحث والتحليل المستفيض، فإن إسهامه كان في تحليل التهديدات الداخلية لاستقلال القضاء النابعة من التحيزات الهيكلية أو التحيزات الشخصية للقضاة، وكذلك فساد المنظومة القضائية. وقد سرد جملة من الإصلاحات التي من شأنها دعم استقلال القضاء والحفاظ عليه، التي تنبع في الأساس من ازدهار القيم والممرسات الديمقراطية في مجتمع ما، ووجود توازن بين سلطات الدولة ورقابة ومساءلة حقيقية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على حد سواء. من ناحية أخرى، غفل الكتاب عن جانب مهم من جوانب استقلال القضاء ألا وهو حراك القضاة أنفسهم لضمن استقلالهم. فعلى الرغم من أنه ثمّن جهود المجتمع المدني ودوره في العمل على ضمن استقلال القضاء ودعمه، فإنه حصر المجتمع المدني في المنظمت الحقوقية أو النقابات المهنية أو الأحزاب، ولم يتعد ذلك ليشمل نوادي القضاة أو الحركات المشكلة داخل القضاء لدعم استقلاله، أو حتى المواقف الفردية أو الجمعية التي اتّخذها القضاة ضد التوغلات المتكررة من السلطة التنفيذية في الكثير من الدول المتحوّلة إلى الديمقراطية. ومن ثمّ، افتقر الكتاب إلى تقديم رؤية شاملة عن مفهوم الوكالة agency التي تتمتع بها السلطة القضائية لضمن استقلالها. ولهذا يبدو أن الكتاب قد أعطى صورة انهزامية عن السلطة القضائية أمام السلطة التنفيذية، فكثيرًا ما أكد الكاتب محاولات السلطة التنفيذية للتلاعب بالعملية القضائية وتسييسها وأسهب في عرض الأمثلة الخاصة بهذا الشأن، إلّ أنه لم يعط أي إشارة أو أمثلة عن مقاومة القضاة ورفضهم مثل هذه المحاولات في الدول حديثة العهد بالديمقراطية. وركّز الكاتب بشكل رئيس على التجارب السلبية بشأن العلاقة بين الساسة والقضاة في الدول التي تعثّت في التحول الديمقراطي، أو تلك الأكثر ميلً إلى السياسات والممرسات السلطوية منها إلى الديمقراطية، لكنه في الوقت ذاته لم يول مثل هذا الاهتمم بالأمثلة الإيجابية التي نجحت في إيجاد توازن ما بين السلطتين التنفيذية والقضائية، استنادًا إلى إعمل الدستور والقانون وتفعيل مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات. على الرغم من أهمية الأمثلة التي أفردها الكتاب وتنوّعها والتوسّع بها، والتي تعدّ واحدة من نقاط القوة، فإن بعض الأمثلة افتقر إلى السياق العام الذي يتيح معرفة المغزى من المثال ومدى تطابقه مع الفكرة النظرية المذكورة. ففي بعض الأحيان، اكتفى الكاتب بذكر اسم الدولة لتأكيد فكرة معيّنة، من دون التعمّق في سرد تفاصيل الواقعة التي استرشد بها. كم عمد إلى تبسيط الأفكار حتى تصل إلى أكبر قدر من الجمهور القارئ، فقد كان الهدف الأساسي الذي أورده هو إتاحة الكتاب لشريحة عريضة من القرّاء، بمن فيهم القضاة والمتخصصون في الشؤون القانونية والقضائية، وكذلك دارسو العلوم السياسية والنظم المقارنة. إلّ أن المؤلف،

على الرغم من ذلك، وقع في فخ الإطناب وتكرار الأفكار نفسها. كم جاءت خاتمة الكتاب لتأكيد ما اشتملت عليه المقدمة من تأكيد العلاقة بين الديمقراطية وسيادة القانون واستقلال القضاء، وسرد أهم الأفكار التي طرحها الكاتب. لكنها لم تقدم تأطيرًا نظريًا من شأنه الربط بين هذه الأفكار شديدة الأهمية أو تقديم تأكيدات نظرية على العلاقات الارتباطية المهمة التي استخلصها الكتاب، خاصة في ما يتعلق بأثر جودة مؤشّات الديمقراطية، كالانتخابات الحرة وقوة المجتمع المدني ودور السلطة التشريعية في استقلال القضاء. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يُعدّ الكتاب مرجعًا مهمً ومحاولةً جادّة لفهم طبيعة استقلال القضاء في مرحلة حرجة وشديدة الخصوصية في تاريخ الكثير من الدول التي لا تزال في طور التحوّل إلى الديمقراطية.