العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقديم

تقديم

Introduction

أحمد الماوري

الملخّص

سعت الدول العربية إلى تبني اللامركزية متأثرةً بالتوجه العالمي في هذا السياق، وقد تباينت التجارب العربية بحسب ظروف كل بلد. ولتسليط الضوء على تجارب هذه الدول في مجال اللامركزية، جرى إعداد ملف خاص حول "الإدارة المحلية واللامركزية في الدول العربية" يتضمن العديد من التجارب العربية. ويشتمل العدد الحالي على ثلاث دراسات منها، تسلط الضوء على تجارب الدول الآتية: مصر، واليمن، والمملكة العربية السعودية، على أن تُنشر بقية الدراسات في أعداد قادمة بعد استكمال عملية التحكيم. والدعوة مفتوحة لكل من يرغب في المساهمة في الكتابة في موضوع الإدارة المحلية واللامركزية والمسائل البحثية ذات الصلة المتعلقة بالدول العربية.

Abstract

أستاذ مشارك في برنامج الإدارة العامة، معهد الدوحة للدراسات العليا. Associate Professor of Public Administration, Doha Institute for Graduate Studies. Email: ahmed.amaweri@dohainstitute.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • الإدارة المحلية
  • اللامركزية
  • الدول العربية
  • العربية السعودية
Keywords:
  • Local Administration
  • Decentralization
  • Arab states
  • Egypt
  • Yemen
  • Saudi Arabia

كلمت مفتاحية:  الإدارة المحلية، اللامركزية، الدول العربية، مصر، اليمن، المملكة العربية السعودية.

مثّل التوجه نحو اللامركزية خلال العقود الأخيرة خيارًا ملحًّا لمختلف الدول؛ ففي حين كان هذا التوجه منتشرًا في الدول الديمقراطية منذ عقود طويلة باعتباره وسيلةً لتوسيع مشاركة المواطنين، اتجهت كثير من الدول النامية والدول التي دخلت في مراحل التحول الديمقراطي خلال ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته إلى الأخذ به بوصفه وسيلةً لتعزيز التحول الديمقراطي والحد من صلاحيات السلطة المركزية في العاصمة وإشراك المواطنين في عملية الحكم، وذلك من خلال توزيع الصلاحيات بين الأجهزة المركزية والمحلية. وقد أسهم ظهور مفهوم الحوكمة في تعزيز هذا التوجه، على اعتبار أن الحوكمة الرشيدة تتطلب مشاركةً أوسع لمختلف الأطراف ذات العلاقة في إدارة الشأن العام. للامركزية أشكالٌ متعددة، فهناك مثلًاللامركزية الإدارية والمالية التي تأخذ شكلين؛ يتمثل الشكل الأول في اللامركزية الإقليمية التي تتضمن نقل صلاحيات إدارية ومالية من الأجهزة المركزية في العاصمة إلى الأجهزة المحلية في المحافظات والأقاليم، بحيث تصبح هذه الأجهزة المحلية معنية بتقديم الخدمات المحلية وتحقيق التنمية المحلية، على نحو يتوافق مع احتياجات المجتمع المحلي، بينم تتفرغ الأجهزة المركزية في العاصمة لرسم السياسات العامة ومعالجة القضايا الوطنية الاستراتيجية. أمّا الشكل الثاني، فهو يتمثل في اللامركزية المرفقية التي تتضمن نقل صلاحيات من الأجهزة المركزية في العاصمة (الوزارات مثلً) إلى هيئات أو مؤسسات عامة داخل العاصمة أو خارجها، من أجل توزيع الصلاحيات وتخفيف العبء عن الأجهزة المركزية في تقديم الخدمات. وقد تأخذ اللامركزية شكلً أكثر تقدمًا من خلال تبني اللامركزية السياسية التي قد تأتي في شكل تبني الحكم الذاتي لأقاليم معينة من أقاليم الدولة، بحيث يكون لهذه الأقاليم حرية أكبر في إدارة الشأن المحلي مقارنةً بسائر أقاليم الدولة، ويجري ذلك عادةً لمعالجة قضايا من قبيل الصراع المتعلق بالتنوع العرقي أو الديني. وهناك أيضًا نظام الفدرالية الذي بموجبه تتوزع وظائف الدولة (السياسية والتنفيذية والقضائية) بين حكومة اتحادية في العاصمة والحكومات في الولايات/ الأقاليم داخل الدولة، وهو النظام المتبع في ما يزيد على 27 دولة في العالم حاليًّا. تختلف الدوافع وراء تبني كل نمط من أنماط اللامركزية بحسب وضع كل دولة وظروفها السياسية والاقتصادية والاجتمعية والثقافية. وعمومًا، يُعوَّل على تبني اللامركزية من ناحية إسهامها في تخفيف العبء عن الحكومة المركزية في تقديم الخدمات وتبسيط إجراءات حصول المواطنين عليها، وتوسيع فرص مشاركتهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بتحقيق التنمية المحلية؛ ما يؤدّي إلى تحقيق مزيد من العدالة والتنمية المتوازنة وتعزيز الاستقرار الداخلي للدول والحد من الصراعات. وعلى الرغم من ذلك، أسهمت بعض تجارب اللامركزية في بعض الدول في تكريس الانقسام والصراع الداخلي وتهديد الوحدة الوطنية في حالات تتسم بعدم توافر الظروف الملائمة لتبني هذا النظام، وخاصة ما يتعلق بذلك من ضعفٍ في الأجهزة المركزية للدولة وعدم قدرتها على مد نفوذها على كامل تراب الوطن. على الصعيد العربي، سعت الدول العربية إلى تبني اللامركزية متأثرةً بالتوجه العالمي في هذا السياق، وقد تباينت التجارب العربية بحسب ظروف كل بلد. ولتسليط الضوء على تجارب هذه الدول في مجال اللامركزية، جرى إعداد ملف خاص حول " الإدارة المحلية واللامركزية في الدول العربية" يتضمن العديد من التجارب العربية. وسيشتمل العدد الحالي على ثلاث دراسات منها، تسلط الضوء على تجارب الدول الآتية: مصر، واليمن، والمملكة العربية السعودية، إضافةً إلى ترجمة لدراسة علمية منشورة في دورية أجنبية، على أن تُنشر سائر الدراسات خلال الأعداد القادمة بعد استكمل عملية التحكيم. والدعوة مفتوحة لكل

من يرغب في المساهمة في الكتابة في موضوع الإدارة المحلية واللامركزية والمسائل البحثية ذات الصلة المتعلقة بالدول العربية. تناول سمير عبد الوهاب، في دراسته "الإدارة المحلية في مصر: الواقع والرؤية المستقبلية"، واقعَ الإدارة المحلية في مصر ومدى اقترابه من التوجه العالمي نحو اللامركزية، وما تضمنه دستورَا 2012 و 2014 من مزايا عديدة لم تكن موجودة في الدساتير المصرية السابقة. وقد أكد في دراسته أن تطوير الإدارة المحلية في مصر واجه تحديات عديدة خلال العقود الماضية أثّرت سلبيًّا في أدائها. وقدّم الباحث عدة مقترحات تهدف إلى الارتقاء بمستوى أداء الإدارة المحلية، منها: أهمية إيجاد توافق وطني حول تطوير الإدارة المحلية، والتحديد الواضح والدقيق للاختصاصات المحلية، وتمكين المجالس المحلية والمواطنين من صنع السياسات المحلية ومساءلة القيادات التنفيذية، وإعادة النظر في تعدد المستويات المحلية، وتكوين اتحادات محلية، ووضع آليات لتقييم أداء القيادات والوحدات المحلية، والتمكين المالي للوحدات المحلية، ومراعاة التفاوت بين الوحدات المحلية. من ناحية أخرى، سلط كاتب هذا التقديم، في دراسته "الإدارة المحلية في ظل النزاعات: الحالة اليمنية"، الضوءَ على واقع الإدارة المحلية في الجمهورية اليمنية، وأبرز التحديات والمعوقات التي واجهت عملها خلال الفترة 2011 - 2022، وهي الفترة التي مر خلالها اليمن بتحولات غير مسبوقة؛ بدءًا من الانتفاض ضد النظام القائم آنذاك وتغييره، والدخول في مرحلة الحوار الوطني وما رافقه من صراعات، ثم حالة الحرب التي لم تزل دائرة حتى الوقت الراهن. وأظهرت الدراسة أن تلك الأحداث قد أسفرت عن العديد من الآثار على صعيد الإدارة المحلية، وأن طبيعة تلك الآثار قد اختلفت من محافظة إلى أخرى، وأدت إلى تعزيز سلطة بعض المحافظات وتنامي دورها في تقديم الخدمات، في حين عانت محافظات أخرى تراجعًا في أدوارها وضعفًا في صلاحياتها نتيجةً لتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية وشُح الموارد؛ ما أثّر سلبيًّا في تقديم الخدمات العامة على المستوى المحلي. وأوصى الباحث في دراسته بضرورة مراجعة منظومة الإدارة المحلية في المرحلة المقبلة وإصلاحها، بوصف ذلك خطوةً أساسية لإعادة البناء في مرحلة ما بعد الحرب. أمّا عدنان بن عبد الله سليمن الشيحة، فقد استهدف، في دراسته "الإدارة المحلية السعودية: الوضع الراهن، وتصور مستقبلي لمدى تطبيق نهج اللامركزية"، وضعَ تصوُّرٍ مستقبلي لتطبيق نهج اللامركزية في المملكة، وذلك من خلال تحديد العوامل الدافعة من جهة، والعوامل المثبطة من جهة أخرى، استنادًا إلى قراءة تحليلية للتطور التاريخي والوضع الراهن للإدارة المحلية السعودية. وأوضح الباحث أن التجربة السعودية راوحت بين اللامركزية والمركزية وفقًا لمستوى القدرة الاقتصادية للسلطة المركزية، إضافةً إلى عوامل أخرى ثابتة ومتغيرة، وخلص في دراسته إلى أن التوجه المستقبلي للإدارة العامة في السعودية يميل إلى تطبيق نهج اللامركزية، وهو ما يتطلب إصدار نظام موحد للإدارة المحلية بديلً من التنظيمت المتعددة، من شأنه أن يوحّد المرجعية التنظيمية للمستويات الإدارية (المناطق والمحافظات والبلديات)، ويحدد أدوارها، ومسؤولياتها، وصلاحياتها، ويمنحها الاستقلال الإداري والمالي والشخصية الاعتبارية من خلال مجالس محلية مسؤولة عن إدارتها، فضلً عن تقليل الاعتمد على فروع البيروقراطيات المركزية في صناعة القرار المحلي.