العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الشراكات بين القطاعين العام والخاص في السودان: الفرص والتحديات

الشراكات بين القطاعين العام والخاص في السودان: الفرص والتحديات

Public-Private Partnerships in Sudan: Challenges and Opportunities

منجد عبد الله

تامر قرموط

الملخّص

ملخص:   تستهدف هذه الدراسة تقيّصي واقع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في السودان، وترصد التحديات والعقبات الماثلة أمام تنمية الإمكانات والفرص المتاحة لهذه المشاريع واستغلالها. وتسعى لسبر الأدبيات التي تناولت الموضوع، وتستعرض أنواع العقود والأسباب والمخاطر التي تعوق تنفيذها على النحو الواجب. وتعتمد المنهج النوعي، وتستند إلى مقابلات مع الخبراء وذوي الاختصاص والممرسين المنخرطين في مشاريع الشراكة في السودان. وقد خلصت النتائج إلى أنّ السودان له فرصٌ واعدة لإقامة مشاريع الشراكة، وبخاصة في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، إضافةً إلى قطاعات التعدين والسياحة والطاقة المتجددة. وبيّنت الدراسة، أيضًا، وجود تحديات تعترض هذه المشاريع، أبرزها عدم استقرار الأوضاع السياسية، وتردّي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع مؤشرات الفساد، فضلًا عن تعقّد البيئة التشريعية والإدارية. ومن أجل التغلب على هذه العراقيل، توصي الدراسة بضرورة تبنّي سياسات وإجراءات حكومية واضحة وذات فاعلية لتعزيز الثقة بين القطاعين ومكافحة الفساد، وتحسين البنية التحتية، وتوفير التشريعات اللازمة، وتعزيز الوعي بفوائد الشراكات وفوائدها المحتملة.

Abstract

Abstract:  This study examines the current state of Public-Private Partnerships (PPPs) in Sudan, focusing on the challenges and obstacles that hinder their development and effective implementation. The study begins by reviewing relevant literature on PPPs, providing an overview of different contract types, and highlighting the associated implementation challenges. Employing a qualitative approach, the study conducts interviews with government experts and practitioners involved in PPP projects, while also analyzing existing literature on PPPs in Sudan. The findings indicate that Sudan holds promising opportunities for PPPs in sectors such as health, education, infrastructure, mining, tourism and renewable energy. However, the study identifies several obstacles, including political instability, economic downturn, corruption, and complex legislative and administrative conditions. To address these challenges, the study recommends the adoption of clear and effective government policies and legislation. These measures involve building trust between the public and private sectors, combating corruption, and implementing necessary policies to create a favorable environment for PPPs.

الكلمات المفتاحية:
  • الشراكات بين القطاعين العام والخاص
  • السودان
  • تطوير البنية التحتية
  • الفساد
Keywords:
  • Public-Private Partnerships
  • Sudan
  • Infrastructure
  • Corruption

كلمت مفتاحية:  الشراكات بين القطاعين العام والخاص، السودان، التحديات، تطوير البنية التحتية، مكافحة الفساد.

مقدمة

يبرز موضوع الشراكة بين القطاعين العام والقطاع الخاص من بين غايات الاتجاه الجديد الذي بات يُعرف بإصلاح الإدارة العامة NPMR Reform, Management Public New؛ إذ يجري الحد من الاعتمد على المنظمت العامة والمؤسسات الحكومية عبر تحفيز القطاع الخاص على نحو واسع في مجال تقديم الخدمات العامة. والشراكة في هذا الإطار بمنزلة آلية تسمح بتحقيق الاستفادة القصوى من موارد القطاعين العام والخاص وخبرات كل منهم في تقديم الخدمات العامة1. وقد تراكمت خلال العقود المُنصرمة نماذج وممرسات الشراكة على نطاق واسع في العديد من البلدان. وتعددت دوافع هذا النهج وأسبابه، لكن يبرز منها الدوافع المالية والدوافع التقنية. وتسمح الشراكة للحكومات بإنجاز المشاريع المتكلفة التي يخشىى من أن ترهق خزينة وموارد الدولة؛ وقد أظهرت بلدان عدة، تعاني مشكلات متعلقة بعجز الموازنة وتراكم الديون، ميلًا إلى هذا النموذج، وتبنّت الشراكات بوتيرة أعلى مقارنةً بالدول الأخرى التي لا تعاني مثل هذه الظروف2. ويساعد هذا النموذج في الحد من أعباء المؤسسات الحكومية، وهي تتعلق بالوفاء بالتزاماتها الدولية والمحلية؛ مثل تقليل حدة الفقر، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقد دفعت مميزات هذا النموذج كثيرًا من الدول إلى زيادة اعتمدها على الشراكات، مستهدفةً إيجاد حلول فعّالة لمشكلاتها الاقتصادية والاجتمعية، فضلًا عن تحسين جودة الخدمات العامة3. تبرز حالة السودان بوصفها حالة دراسة لحوافز وممكنات هذا التوجه؛ فالسودان يعاني مشكلات وأزمات حادة على صعيد الاقتصاد ومالية الدولة. وتنبع جُل هذه الأزمات من مسببات تتصل بتضاؤل إنتاجية القطاعات الاقتصادية، وضعف فاعلية السياسات المالية، وارتفاع حجم الإنفاق العام4. وفي هذه الظروف والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، تفتح الشراكة بين القطاعين العام والخاص آفاقًا واسعة لإنجاز مشاريع عالية التكلفة، على نحو يسهم في تيسير حلول واقعية لعديد الأزمات الاجتمعية والسياسية. وعلى ا لرغم من الفوائد التي تجنيها مشاريع الشراكة، فإنّ نجاحها يتوقف على اجتياز التحديات، خاصة أن هذه التحديات وماهيتها في تغير دائم. وفي ضوء ما يعترض السياقين السياسي والاقتصادي، فإن دراسة الحالة السودانية وتسليط الضوء على العقبات يكتسيان أهمية بالغة، وخاصة مع ندرة البحوث العلمية التي تناولت الموضوع بسبب حداثة قانون الشراكة والأُطر التنظيمية في السودان، وهي أُطر محل إشكال في حدّ ذاتها، على نحو يفرض الاهتمم بأوجه القصور والإشكاليات الموجودة فيها. وفي ضوء ما سبق، تحاول الدراسة بيان أوجه المصاعب والقصور، وتسعى لتقديم توصيات تساعد في تحسين مخرجات نهج الشراكة في السودان وتهيئة المجال له؛ لتعزيز الأداء الاقتصادي، وتذليل التحديات الماثلة التي تواجه جذب الاستثمرات المحلية والأجنبية.

  1. Jean Shaoul, Anne Stafford & Pamela Stapleton, "Accountability and Corporate Governance of Public Private Partnerships," Critical Perspectives on Accounting , vol. 23, no. 3 (2012), pp. 213-229.
  2. M. C. Fombad, "Enhancing Accountability in Public–Private Partnerships in South Africa," Southern African Business Review , vol. 18, no. 3 (2014), pp. 66-92.
  3. كمال عبد الرحمن، "السودان.. أزمة الاقتصاد تتفاقم وخبراء يحددون 5 علل و 7 حلول"، سكاي نيوز عربية، 2020/10/11، شوهد في 2023/5/5، في: https://tinyurl.com/bdd72xdb

وفي سعيها هذا، تحاول الدراسة الإجابة عن سؤالين بحثيين محددين، هم: ما الفرص والإمكانات التي يتمتع بها السودان في مجالات الشراكات؟ وما أهم العوائق والتحديات التي تعوق الاستفادة من الشراكات في هذا البلد؟5 وللإجابة عن هذين السؤالين، تتبنى الدراسة المنهج النوعي، وقد جرى اعتمد مصدرين أساسيين لجمع بيانات الدراسة، أولهم استخلاص البيانات من الدراسات السابقة والمقالات العلمية والمواقع الرسمية للمؤسسات الحكومية والمنظمت الدولية، وثانيهم تشغيل أدوات ميدانية للحصول على بيانات أولية تتمثل في المقابلات المقننة. وقد استُعملت الأسئلة المفتوحة لإعطاء المستجيبين حرية كاملة في رسم ما يعتبرونه الصورة الواقعية للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومن أجل تعمقهم في إيضاح حدود التحديات والفرص، وجرى اعتمد أسلوب التحليل الموضوعي للمساعدة في تبويب استجابات العيّنة، وحتى تندرج في الإجابة عن السؤاَليَن البحثَّييَن الرئيَسيَن. واستهدفت الدراسة عقد 12 مقابلة. وبالنظر إلى ظروف الحرب والأوضاع الأمنية وصعوبة الاتصال، تراجع هذا العدد إلى 6 أشخاص وقد جرى الحصول على الموافقة من قبل أفراد العيّنة على المشاركة. أجريت المقابلات وجاهةً مع أفراد عيّنة الدراسة الذين جرى اختيارهم وفق تمثيلهم لأبرز الفاعلين المعنيين بهذه الشراكة، وهم من وحدة الشراكة بوزارة المالية السودانية، واتحاد عام أصحاب العمل السوداني، ودائرة الأبحاث الاقتصادية والاجتمعية التابعة لوزارة التعليم العالي، وهيئة جامعة الخرطوم الاستشارية، ومعهد الدراسات والبحوث الإنمائية بجامعة الخرطوم. وقد عُنيت المقابلات بالإجابة عن الأسئلة التالية: ما الفرص المتاحة لمشاريع الشراكة في السودان؟ وما الفوائد التي يمكن تحصيلها من مشاريع الشراكة في هذا البلد؟ وما القطاعات الواعدة لمشاريع الشراكة فيه؟ ثم ما أبرز التحديات التي تعوق مشاريع الشراكة فيه؟ وأخيرًا، ما عقود الشراكة الملائمة للحالة السودانية؟ قُسّمت الدراسة إلى ثلاثة محاور؛ استعرض أولها الإطار المفاهيمي الخاص بالشراكات والأسباب والدوافع لتبنيها، إضافةً إلى تحديد أهم التحديات والمعوقات، أما المحور الثاني فقد اهتم بتسليط الضوء على واقع مشاريع الشراكة في السودان من خلال سرد لمحة تاريخية لمشاريع الشراكة في السودان وإبراز الفرص والتحديات المعوقة، في حين ناقش المحور الثالث الجوانب التحليلية للدراسة فيم يتعلق بتحليل الإجابات المتحصل عليها من عيّنة الدراسة بشأن فرص مشاريع الشراكة في السودان وتحدياتها. واختتم الباحثان الدراسة بسرد النتائج واقتراح توصيات لتحسين ممرسات الشراكة.

أولًا: الشراكة بين القطاعين العام والخاص: مدخل منهاجي

من الناحية التاريخية، ارتبط مفهوم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بدرجة كبيرة، بإنشاء مشاريع البنى التحتية وتقديم الخدمات المصاحبة لها6. وتبعًا لهذه الأولوية التي تركز على مشاريع البنى التحتية يعرّف جوب كوبينجان الشراكات بين القطاعين العام والخاص بأنها صيغة من أشكال التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجالات التخطيط والبناء واستغلال مرافق البنى التحتية التي يجري فيها تحديد التكاليف والفوائد، وتخصيص المخاطر وتقسيمها بين الأطراف المتعاقدة، فضلًا عن تحديد الموارد والأدوار

  1. تجدر الإشارة إلى أن الدراسة قد تمّت قبل نشوب الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في 15 نيسان/ أبريل 2023، وقد تسبّبت هذه الحرب في تعطيل جهاز الدولة.
  2. Graeme A. Hodge, Carsten Greve & Anthony E. Boardman, International Handbook on Public-Private Partnership (Massachusetts: Edward Elgar Publishing, 2010), p. 4.

والمسؤوليات7. وبعيدًا عن حصر دور الشراكات في مشاريع البنى التحتية، تُعرّف الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنها نوع من الاتفاقيات الطويلة الأمد التي تنشأ بين كيان عام ومنظمة خاصة، يقدّم القطاع الخاص بموجبها خدمة عامة في قطاع من القطاعات الحكومية مع الالتزام بالقيام بجميع المهمت والمسؤوليات الحكومية مقابل مشاركة نسبة مقدرة من المخاطر والتحديات التي تعترض سير هذه المشاريع الخدمية8. ويمكن تمييز الشراكة من آليات التعاون الأخرى وطرائقها بين القطاعين العام والخاص من خلال أربع سمت أساسية تتمثل في دور القطاع الخاص في آليات التمويل، وطول أمد العقود، ودرجة مشاركة القطاع الخاص في مختلف مراحل المشروع، إضافةً إلى تحقق مبدأ المشاركة في تقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص9. تتعدد المجالات التي تُستخدم فيها الشراكات، ويكثر توظيفها في مجالات البنى التحتية والقطاعات الخدمية التي تشمل مجالات الطاقة ووسائل النقل والمياه والصرف الصحي والصحة العامة وحمية البيئة10. والغاية منها هي تحقيق التوازن بين المخاطر والمكافآت والحوافز التي تجنيها مؤسسات القطاع الخاص11. ويُعتمد طوال فترة العقد في مشاريع الشراكة على نحو أساسي على الاعتبارات والتشريعات السياسية السائدة في الدولة ونوع المشاريع التي تشملها عقود الشراكات وقد تمتد عقود الشراكة لتصل إلى فترات طويلة تراوح بين 20 و 30 عامًا، وفي بعض الأحيان تتجاوز هذه المدة الزمنية12. وتختلف عقود الشراكات، ويمكن إجملها في خمسة أنواع13: عقود الإدارةContracts Management: تشرع الجهة الحكومية في التعاقد مع إحدى المنظمت الخاصة للقيام بالعمليات الإدارية لكل الأنشطة في قطاع حكومي معيّ. وفي مقابل ذلك، توفّر الجهة الحكومية التمويل ورسم السياسات المتعلقة باسترداد التكاليف، وعادةً ما تستغرق عقود الإدارة فترة زمنية تراوح بين 3 و 5 أعوام. عقود الإيجارContracts Leasing: تؤجّر من خلالها المؤسسة الخاصة أحد المرفقات الحكومية مع تحمل كل المسؤوليات المتعلقة بالإدارة والتشغيل وتحصيل الرسوم والإيرادات في فترة زمنية تمتد من 5 إلى 15 عامًا، مع إمكانية التمديد. عقود الخدماتContracts Service: تتعاقد من خلالها المؤسسة العامة مع منظمة من القطاع الخاص للقيام بالمسؤوليات المتعلقة بتقديم الخدمات، مع احتفاظها بجميع المهمت المتعلقة بالإدارة

  1. Joop Koppenjan, "The Formation of Public‐Private Partnerships: Lessons from Nine Transport Infrastructure Projects in the Netherlands," Public Administration , vol. 83, no. 1 (2005), p. 137.
  2. Jens K Roehrich, Michael A. Lewis & Gerard George, "Are Public–Private Partnerships a Healthy Option? a Systematic Literature Review," Social Science & Medicine , vol. 113 (2014), p. 112.
  3. Jorge Fleta-Asín, Fernando Muñoz & Jorge Rosell-Martínez, "Public-Private Partnerships: Determinants of the Type of Governance Structure," Public Management Review , vol. 22, no. 10 (2020), pp. 1489-1514.
  4. Huanming Wang et al., "Public–Private Partnership in Public Administration Discipline: A Literature Review," Public Management Review , vol. 20, no. 2 (2018), p. 293.
  5. Vickram Cuttaree & Cledan Mandri-Perrott. "Benefits and Risks of PPP," in: Vickram Cuttaree & Cledan Mandri- Perrott (eds.), Public-Private Partnerships in Europe and Central Asia (Washington, D.C: The World Bank, 2011).
  6. The World Bank, "PPP Contract Types and Terminology," 23/6/2022, accessed on 5/5/2023, at: https://cutt.ly/5w7Vj7zN
  7. عبد الوهاب عبد الله المعمري، "الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القانون اليمني ودورها في تجاوز التحديات المعاصرة"، مجلة الدراسات الاجتماعية، مج 25، العدد 1 (2019)، ص.62

والتشغيل. وتشمل نوعية الخدمات التي قد تتضمنها عقود الخدمة إجراء عمليات الصيانة وتحصيل الفواتير، وتراوح المدة الزمنية لهذه العقود بين عام وثلاثة أعوام. عقود الانتفاع الطويل - البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT: تُستخدم عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية في مشاريع البنى التحتية. ووفقًا لمقتضيات هذه العقود تقوم الجهة الخاصة بتمويل كل العمليات المتعلقة ببناء وتشغيل أحد المرافق أو الخدمات الحكومية خلال فترة زمنية تراوح بين 20 و 30 عامًا، وبانتهاء هذه الفترة الزمنية، تؤول ملكية المرافق إلى الجهات الحكومية14. زعقود الامتياContracts Concession: تمنح المؤسسة العامة حق الامتياز لمؤسسة خاصة، وقد يكون نطاق العقد عموميًّا على نحو يغطي عموم الدولة أو يشمل منطقة بعينها. وتبعًا لهذه العقود، تضطلع المؤسسة الخاصة بالمسؤوليات المتعلقة بتشغيل وإدارة الاستثمرات، في حين تظل ملكية المرافق تابعة للدولة. تراوح مدة هذه العقود، عادةً، بين 25 و 30 عامًا15. وتبعًا لاختلاف طبيعة عقود الانتفاع الطويل ونشاطاتها تتنوع نوعية العقود التي تندرج تحت هذا المسمى، والتي تأتي في أشكال وصيغ متعددة. وتشمل هذه الصيغ عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT Build-Operate-Transfer,، وعقود البناء والتملك والتشغيل وتحويل الملكية BOOT Build-Own-Operate-Transfer,، وعقود التصميم والبناء والتمويل والتشغيل والصيانة DBFOM Design-Build-Finance-Operate-Maintain,،.16وعقود التمويل الخاصة Private Finance Initiatives, PFI وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الجوهرية بين هذه الصيغ، فإنها تشترك كلّها في صفات وخصائص معيّنة. ويمكن حصر الاختلافات في أربعة أنواع: تتسم العقود الموقعة بالقوة والمتانة وطوال أمد الفترة الزمنية؛ وتتضَّ مّن العقود بنودًا توضح بدقة حجم المسؤوليات ومسؤولية إدارة المخاطر بين الطرفين، وتتميز مراحل تنفيذ المشاريع في هذا النوع من عقود الشراكات بدرجات عالية من التعقيد؛ وأخيرًا، يمتلك كلا الطرفين أهدافًا ومصالح مشتركة17. وعلى نحو عامّ، تُصنّف عقود الشراكة بناءً على نوعية القطاع المستهدف، وحجم النشاطات المصاحبة وخصائصها، إضافةً إلى حجم المسؤوليات ودرجة المشاركة والمخاطر المحيطة18. وفي هذا الإطار، يُعد تحديد وتوزيع المخاطر قبل الشروع في عقود الشراكات أمرًا بالغ الأهمية في كيفية إدارة المخاطر؛ إذ إنه يساعد على توزيع المسؤوليات وكيفية مجابهتها، والآليات المتبعة لتقليل تأثيراتها. وتشمل المخاطر التعاقدية نطاقًا كبيرًا من المخاطر التي تتضمّن المخاطر السياسية، ومخاطر البناء، والمخاطر القانونية أو التشريعية، والمخاطر الاقتصادية، إضافةً إلى المخاطر التشغيلية ومخاطر إدارة العلاقات، فضلًا عن المخاطر التمويلية والمخاطر الطبيعية. وتنشأ المخاطر السياسية نتيجةً للتغيرات القانونية والسياسات الحكومية غير الداعمة؛ مثل تغيير

  1. بن موفق زروق وقادري محمد الطاهر، "تفعيل إستراتيجية الشراكة بين القطاع العام والخاص كخيار لتحفيز التنويع الاقتصادي على ضوء بعض التجارب الدولية"، مجلة البديل الاقتصاديمج 5، العدد 1 (2019)، ص.121
  2. عبد القادر ورسمة غالب، "عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص "، قوانين السودان، 2018/11/2، شوهد في 2023/5/5، في: https://tinyurl.com/5n9awtmh
  3. Henry J. Liu et al., "From Design to Operations: A Process Management Life-Cycle Performance Measurement System for Public-Private Partnerships," Production Planning & Control , vol. 29, no. 1 (2018), p. 69.
  4. Wang et al., p. 301.
  5. المعمري، ص.62

اللوائح والقوانين، وعدم الحصول على تصاريح المشاريع، في حين تتعلق مخاطر البناء بأخطاء التشييد، وارتفاع تكلفة البناء. وتتمثل المخاطر القانونية في تغيير التشريعات والضرائب وملكية الأراضي. أمّا المخاطر الاقتصادية، فهي تتمحور حول تغييرات حجم العرض والطلب ومعدلات التضخم. وفيم يخص المخاطر التشغيلية، تبرز المشكلات المتعلقة بتأخر الجداول الزمنية وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، في حين تنشأ أخطار إدارة العلاقات من ضعف جوانب التنظيم والتنسيق وتوزيع المسؤوليات بين الأطراف المتعاقدة. ويؤدي التنبؤ غير السويّ بحجم تدفقات الإيرادات المستقبلية للمشروع وتغطيتها لتكاليف التمويل والأرباح إلى نشوء مخاطر تمويلية. وتضم المخاطر الطبيعية الظروف القاهرة والخارجة عن سيطرة الطرفين؛ مثل الفيضانات والحرائق، والحروب، والأمراض الوبائية، وفرض الحصار19. على نحو عامّ، يختلف توزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص بحسب نوع المشروع ونوعية التحديات في السياق الجغرافي وقدرة الأطراف على إدارة هذه المخاطر، ولكنْ تقع إدارة معظم المخاطر السياسية والقانونية والتشريعية ضمن مسؤوليات القطاع العام، في حين تتركز مسؤوليات القطاع الخاص في إدارة قطاع كبير من المخاطر الاقتصادية والتشغيلية ومخاطر التشييد، ولكن يُحبذ أنْ يدير الطرفان المخاطر المتعلقة بالكوارث الطبيعية ومخاطر إدارة العلاقات20. تتعدد الأسباب والدوافع التي تحفز الحكومات إلى تبني نهج بناء الشراكات. وهي تتنوع باختلاف السياقات الزمانية والمكانية ووفقًا لنوع القطاع الذي تعمل فيه، وكذلك وفقًا لطبيعة المنظمت المنخرطة في الشراكة. لكنْ، مقارنةً بطرق التمويل التقليدية، نجدها تساعد، إجمل، ا على تحسين فعالية المشاريع وتوزيع المخاطر بطريقة عادلة، على نحو يُسهم في تقليل حجم الميزانيات، وتقليل دواعي الاقتراض أيضًا21. وتعاني الاستثمرات الحكومية مشكلات عديدة يمكن تلافيها من خلال الدمج بين المميزات التفضيلية للاستثمرات الخاصة وإمكانات المؤسسات العامة ومقدراتها، خاصةً فيم يتعلق بمدى القدرة على تحقيق مستويات عالية من الكفاءة، وحُسن استخدام الموارد المصاحب للاستثمرات العامة22. ومن وجهة نظر اقتصادية بحتة، تعتبر إسهامات القطاع الخاص من الركائز الأساسية في التنمية الاقتصادية. وفي العقدين الماضيين، مثّلت استثمرات القطاع الخاص، المحلية والأجنبية، أحد المسببات والمحركات للنمو الاقتصادي؛ إذ نجحت دول عديدة توسعت في الاستثمرات الخاصة في تحقيق معدلات نموّ مرتفعة مقارنةً بدول أخرى لم تنهج هذا النهج25.

  1. Nur Alkaf Abd Karim, "Risk Allocation in Public Private Partnership (PPP) Project: A Review on Risk Factors," International Journal of Sustainable Construction Engineering and Technology , vol. 2, no. 2 (2011), p. 14.
  2. Bon-Gang Hwang, Xianbo Zhao & Mindy Jiang Shu Gay, "Public Private Partnership Projects in Singapore: Factors, Critical Risks and Preferred Risk Allocation from the Perspective of Contractors," International Journal of Project Management , vol. 31, no. 3 (2013), pp. 424-433; Gholamreza Heravi & Zeinab Hajihosseini, "Risk Allocation in Public–Private Partnership Infrastructure Projects in Developing Countries: Case Study of the Tehran–Chalus Toll Road," Journal of Infrastructure Systems , vol. 18, no. 3 (2012), pp. 210-217.
  3. Ronald W. McQuaid & Walter Scherrer, "Changing Reasons for Public–Private Partnerships (PPPs)," Public Money & Management , vol. 30, no. 1 (2010), pp. 27-34.
  4. توات عثمان وبلال مسرحد، "الشراكة بين القطاعين العام والخاص من أجل تطوير البنية التحتية للنقل"، مجلة أبحاث اقتصادية وإدارية، مج 15، العدد 2 (2021)، ص.3

وتعمل الشراكات على تزويد القطاع العام بالخبرة والمهارات التي تتمتع بها مؤسسات القطاع الخاص. فممرسات القطاع الخاص وأساليب الإدارة الفعّالة في تقديم الخدمات العامة والمصحوبة بتحليل جميع الاحتملات والفروض لنوعية المخاطر المحتملة تعمل كلها على زيادة الفاعلية في استخدام الموارد26. وأدى التوسع المتزايد الذي شهدته الشراكات في الآونة الأخيرة إلى زيادة الموارد المتاحة وتحسين الاستدامة في المجالات الخدمية العامة، وخصوصًا فيم يتعلق بقطاعات الصحة والمياه والطاقة والنقل والاتصالات والسكك الحديدية27. ونظرًا إلى اهتمم مؤسسات القطاع الخاص بنجاح المشاريع وإجراءات التخطيط الأمثل، تُحقق الشراكات جملة من المكاسب في كيفية إدارة وتوزيع المخاطر وتحليل عوامل النجاح على نحو مفصل ودقة عالية. أضف إلى ذلك أنها تساعد الجهات الحكومية على القيام بالتحاليل المالية والاقتصادية لكل نشاطات الشراكة وبرامجها وتحفّز الحكومات على وضع سياسات حكومية تتسم بالشفافية والوضوح28. وبخصوص التحديات المعِّوِقة لنهج الشراكات، فإنه يمكن تصنيف هذه التحديات التي تعترض مشاريع الشراكة إلى وجود جملة من الأسباب التي تتنوع بين العوامل الاقتصادية والعوامل القانونية والتشريعية، فضلًا عن العوامل الثقافية والتنظيمية29. وفي جانب التحديات التنظيمية تبرز كيفية إدارة العلاقات والتقاطعات بين أصحاب المصلحة المختلفين بوصفها من بين أهم العوامل التي يجب مراعاتها في أثناء الشروع في عقد الشراكات30. وإضافةً إلى ذلك، تتجلى المشكلات المتعلقة بدقة المعلومات، وتعقيد عمليات الاتصال بين الأطراف المتعاقدة، والبطء في إجراءات المفاوضات، وعدم الكفاءة في إدارة المشاريع، بوصفها من ضمن أبرز التحديات التنظيمية والإجرائية31. وفي السياق ذاته، تبرز المشكلات المتعلقة بطول أمد إجراءات وعمليات الشراء وارتفاع تكاليف المعاملات32. أما فيم يخص التحديات الاقتصادية، فإن سوء الأحوال الاقتصادية السائدة في الدولة يتسبب في التأثير في قرارات المستثمرين سلبًّيًا، وفي منع دخولهم في الاستثمرات جدًّيًا مع القطاع العام. وتتمثل هذه الأحوال في ارتفاع مستويات التضخم، وضعف إيرادات العوائد المالية للمشروع، وتجاوز التكاليف الفعلية للتصورات والخطط الموضوعة33.

  1. 4  2  المرجع نفسه.
  2. Solomon Olusola Babatunde et al., "Barriers to Public Private Partnership Projects in Developing Countries: A Case of Nigeria," Engineering, Construction and Architectural Management , vol. 22, no. 6 (2015), p. 669.
  3. LiYaning Tang, Qiping Shen & Eddie W. L. Cheng, "A Review of Studies on Public–Private Partnership Projects in the Construction Industry," International Journal of Project Management , vol. 28, no. 7 (2010), pp. 683-694.
  4. Babatunde et al., p. 4.
  5. Steven De Schepper, Michaël Dooms & Elvira Haezendonck, "Stakeholder Dynamics and Responsibilities in Public–Private Partnerships: A Mixed Experience," International Journal of Project Management (2014), pp. 1210-1222.
  6. Ibid.
  7. Robert Osei-Kyei & Albert PC Chan, "Review of Studies on the Critical Success Factors for Public–Private Partnership (PPP) Projects from 1990 to 2013," International Journal of Project Management , vol. 33, no. 6 (2015), pp.
  8. Lucas Magalhães et al. "Project Management in Public-Private Partnerships: A Conceptual Framework Based on a Systematic Literature Review," Gestão & Produção , vol. 27, no. 1 (2020), p. 4.

من ناحية أخرى، يعود ضعف قدرة الدول على جذب مشاريع الشراكة وتوسيع الاستثمرات إلى العوامل الإجرائية، وعوامل البيئة التشريعية المتمثلة في معايير المنافسة غير العادلة وعدم مراعاة العدالة وضعف ملائمة تخصيص الامتيازات وتقسيمها بطريقة غير سويّة34. وتشتمل مشاريع الشراكة على درجة عالية من المخاطر المالية والاقتصادية والسياسية35. ويعوقها أيضًا الافتقار إلى الكوادر البشرية المؤهلة، وعدم جاذبية الأسواق المحلية للاستثمرات، وارتفاع التكلفة النهائية بالنسبة إلى المستهلكين؛ ما يتسبب في تقييد فرص نجاح مشاريع الشراكة36.

ثانيًا: لمحة تاريخية عن الشراكات يف السودان

تعود أول مبادرة رسمية لإقرار مشاريع الشراكة في السودان إلى عام 2017؛ حينم أطلقت الحكومة السودانية بالتعاون مع البنك الدولي أول مبادرة للشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهدفت هذه المبادرة إلى دعم السياسات وتحسين البيئة التنظيمية الضرورية لتشجيع مشاريع الشراكة. وقد تولى البنك الدولي تقديم الدعم الفني للحكومة السودانية عامًا كاملًا بمساعدة من مؤسسة كاستيلا أدفايزر للاستشارات الدولية Castalia Advisors37. وعقب رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2020، شرعت الحكومة السودانية في إجراء إصلاحات عدة، هدفت من ورائها إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الغربية باستعادة حجم التبادل التجاري والاستثمرات بشأن مستوياته ما قبل العقوبات، والمشاركة في المشاريع التنموية، فضلًا عن الإسهام في إنعاش الأوضاع الاقتصادية38. ولتحقيق هذه الإصلاحات، أقرّت الحكومة جملةً من التشريعات الجديدة؛ حيث صدر قانون جديد للاستثمر في عام 2021 ليحل محل قانون الاستثمر الصادر في عام 2013، كم أصدرت قانوَنيَن للبنوك في العام نفسه. إضافةً إلى ذلك، جرى استحداث قانون خاص بالشراكات بين القطاع العام والقطاع الخاص في نيسان/ أبريل.2021 وقد هدف هذا القانون إلى ضمن عدالة الإجراءات وتطبيق مبادئ الشفافية والعدالة في تقديم عطاءات المشاريع. وتزامنت هذه الإصلاحات مع اتخاذ الحكومة العديد من القرارات الاقتصادية؛ مثل توحيد سعر الصرف، ورفع الدعم عن الوقود39. وتعتبر مجموعة شبكة الهواتف المحمولة MTN Group, Network Telephone Mobile للاتصالات، وميناء جوبا، ومحطة معالجة مياه أم درمان، من أهم المشاريع التي أنجزت من خلال مشاريع الشراكة. فقد صُمِمَ مشروع محطة المياه عن طريق عقود البناء والتملك والتشغيل وتحويل الملكيةBOOT بين شركة المنارة للمياه وهيئة مياه ولاية الخرطوم. وتضمنت بنود هذا العقد القيام بالعمليات المتعلقة ببناء وحدات

  1. Babatunde et al.
  2. Esther Cheung & Albert P. C. Chan, "Risk Factors of Public-Private Partnership Projects in China: Comparison between the Water, Power, and Transportation Sectors," Journal of Urban Planning and Development , vol. 137, no. 4 (2011), pp. 409-415.
  3. Magalhães et al.
  4. البنك الدولي، "مجموعة البنك الدولي والحكومة السودانية يطلقان برنامجًا لمساندة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالسودان "، 2017/2/2، شوهد في 2023/5/5، في: https://tinyurl.com/mv5sy4x2
  5. K. BäLz & M. Fouillen, "Sudan's New Investment Environment in Sudan: Towards Reintegration into the International Economy," Lexology , 31/5/2021, accessed on 11/5/2023, at: https://cutt.ly/Bw7V273G
  6. Ibid.

المعالجة وتشغيلها، وشراء مضخات المياه ووحدات التخزين في المناطق الواقعة بمدينة أم درمان وصيانتها40. ويوضح الجدول (1) المشاريع التي تم إنشاؤها اعتمدًا على عقود الشراكة في السودان:

الجدول (1) مشاريع الشراكات في السودان والقطاعات الفرعية الناشطة فيها

اسم المشروعنوع العقدقطاع التنفيذسنة التأسيسحجم الاستثمر
الكلي
(مليون دولار)
محطة حاويات
الميناء الجنوبي بميناء
بورتسودان
عقد إدارةميناء - بنى تحتية2019604
ميناء جوبابناء وتأهيل وتشغيل
ونقل
ميناء - بنى تحتية200630
محطة معالجة مياه أم
درمان
بناء وتشغيل وتحويلخدمات المياه والصرف
الصحي
2007120.7
شركة كنار للاتصالاتبناء وامتلاك وتشغيلالاتصالات وتكنولوجيا
المعلومات
2004159
شركة إم تي إنبناء وامتلاك وتشغيلالاتصالات وتكنولوجيا
المعلومات
-177

المعلومات

1. الفرص المتاحة

تدفع احتياجات السودان المتزايدة إلى ضرورة تعزيز القدرات الإدارية للسودان، وزيادة الفرص الاستثمرية، إضافةً إلى التغلب على القصور في الجوانب التمويلية والمالية. وهو حال يحتاج، أيضًا، إلى مزيد من التعاون بين القطاعين العام والخاص في مختلف المجالات والنطاقات41. وبحسب تصريحات وزير الزراعة في الحكومة السودانية، يؤدي سوء الاستغلال المصاحب لإنتاج بعض الموارد الطبيعية، كالذهب والمحاصيل الزراعية والنقص في الجوانب التمويلية والتكنولوجية وضعف الجوانب التسويقية، إلى إهدار مبالغ مالية طائلة42. ومن ناحية أخرى، تدفع ضروراتُ تحسينِ البنى التحتية الملحّةُ الدولةَ إلى تعزيز فرص الشراكات

  1. Amir Ullah, "Public Private Partnerships as Catalyst for Infrastructure Development in North Africa (eds)" in: Mohammad Suhail & Atik Ur Rahman, West Asia and North Africa: Changing Paradigms (New Delhi: Rawat Prakashan, 2019), p. 13.
  2. Radio Save & Lily Ryan-Collins, "Meeting Water Demand in Growing Cities: A PPP Project in Sudan," Thomas Telford Ltd , vol. 167, no. 3 (2014), pp. 146-153.
  3. عدنان الغربي، "وزير الزراعة: المعضلة في طرق الإنتاج التقليدية 251: مليار دولار ثروة مهدرة سنويًا في السودان"، البيان، 2023/3/21، شوهد في 2023/5/5، في: https://cutt.ly/Bw7V6zJm

في المشاريع المرتبطة بإنشاء المطارات والموانئ والسكك الحديدية43. وفي هذا الصدد، ستساعد الجوانب التمويلية والتسويقية والتكنولوجية التي يتمتع بها القطاع الخاص، من خلال مشاريع الشراكة، في الحد من تبعات هذه المشكلات وتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتمعية. ولا غروَ إن قلنا إنّ لدى السودان فرصًا كبيرة استثمرية واعدة لجذب الشراكات، وهي فُرص - إذا ما جرى استغلالها على أفضل وجه من الوجوه - ستمكنه من تبُّوُء مصاف الدول الاستثمرية. فالعديد من العوامل (الموقع الجغرافي المميز والتنوع المناخي الكبير المُصاحب لكبر المساحة الجغرافية على سبيل المثال) تفتح آفاقًا لمجالات استثمرية كثيرة. والمجال مفتوح، أيضًا، لمشاريع الشراكة في الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والنفط والطاقات المتجددة44. ويساعد تمركز السودان في وسط العالم العربي، وامتلاكه منفذًا بحرًّيًا يطل على البحر الأحمر، في فتح آفاق واسعة للتوسع في الاستثمرات اللوجستية المرتبطة بالاستثمرات الزراعية والأمن الغذائي45. ولا ننسى أن هذه الميزة الاستثمرية قد تجلّت في أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية؛ إذ اتجهت العديد من الدول الخليجية والعربية إلى سد حاجتها من الحبوب والمواد الغذائية من خلال الاستثمر في المشاريع الزراعية بالسودان46. وتتوافر في مجال الطاقة العديد من الفرص الاستثمرية؛ فنسبة 47 في المئة من سكان السودان يعانون نقصًا في إمدادات الكهرباء، ثم إن حجم الطلب على الكهرباء يتزايد بمقدار 11 في المئة سنوًّيًا. ويُعزى هذا النقص أساسًا إلى شحّ موارد التمويل الحكومي؛ ومن ثم، تتجلى الفائدة التي يمكن أن تحدثها مشاريع الشراكة في تأمين الإمدادات الكهربائية47. وفي إطار آخر، تتوافر لدى السودان إمكانات كبيرة جًّدًا من الموارد المعدنية غير المستغلة48. وفي المجالات الاقتصادية التي يمكنها توليد العملة الصعبة وخلق فرص العمل، وأهمها السياحة، نجد أن السودان قد امتاز بتعدد المقومات السياحية التي تضم المناظر الطبيعية الخلابة والمواقع التاريخية الأثرية وتنوع التراث الثقافي والحياة البرية. وقد جعل هذا التنوع الكبير منظمةَ السياحة العالمية تصنّف السودان بوصفه من السبع دول الأولى عالمًّيًا من حيث الإمكانات والمقومات السياحية49. وحتى الآن، تعاني المواقع السياحية في السودان ضعفًا في التسويق وتدنيًا في مستويات البنى التحتية (الفنادق والقرى السياحية...

  1. عابدة المهدي تدعو للاستفادة من الفرص المتاحة في السودان"، وكالة السودان للأنباء، 2021/5/17، شوهد في 2023/5/12، ف:ي https://tinyurl.com/2bje47d4
  2. واثق عباس عبد الرحمن، "معوقات الاستثمار في السودان والحلول المقترحة"، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 6 (2018)، ص 241-226
  3. الاستثمار في السودان بشكل عام مع التركيز على الاستثمار في الأمن الغذائي"، اتحاد الغرف العربية، 2021، شوهد في 2023/3/12، ف:ي https://cutt.ly/jw7Btrpm
  4. ثروات السودان ساحة تنافس جديدة بين تركيا ودول عربية"، العرب، 2023/1/23، شوهد في 2023/5/5، في: https://tinyurl.com/4uts883c
  5. Monged Abdalla & Tamer Qarmout, "An Analysis of Sudan's Energy Sector and its Renewable Energy Potential in A Comparative African Perspective," International Journal of Environmental Studies , vol. 80, no. 4 (2023), pp. 1-19.
  6. يسهم التعدين بنحو 4 في المئة من الناتج الإجمالي للدولة، ويشكّل الذهب المكون الرئيس للموارد المعدنية بإنتاج سنوي يبلغ 93 طنًا يجعل السودان يتبوأ المرتبة الثالثة على مستوى القارة الأفريقية بعد جنوب أفريقيا وغانا. ينظر: Gaboury, Damien et al., "Structural Setting and Fluid Composition of Gold Mineralization Along the Central Segment of the Keraf Suture, Neoproterozoic Nubian Shield, Sudan: Implications for the Source of Gold," International Geology Review , vol. 46, no. 1 (2022), pp. 45-71.
  7. Ayat Mohamed, Aynur Gülenç Birsen & Yasin Bilim, "Tourism Development Potentials and Challenges in Sudan," Journal of Economic Cooperation & Development , vol. 43, no. 4 (2022), pp. 23-44.

إلخ). وهي ستعمل، في حال التركيز عليها، على إحداث نقلة نوعية كبيرة للقطاع السياحي، وستجعل السودان من بين المقاصد السياحة العالمية المميزة50.

2. قيود جذب الشراكات ومحدداتها

ثمة عوامل تحدّ من الفرص الاستثمرية وتعوق القدرة على جذب مشاريع الشراكة؛ أبرزها غياب السياسات المنظمة، وطبيعة البيئة الاستثمرية، والثقافة الاجتمعية السائدة، إضافةً إلى التشريعات المطبقة. وتكثر هذه العوامل في حالة السودان، وقد تفاقمت بسبب ما راكمته الحروب والنزاعات العديدة من آثار في الاقتصاد وتضعضع في البنى التحتية، إضافةً إلى صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وانعدام فرص التمويل الخارجي، على نحو لا يزال يُثقل كاهل الحكومة، ويعوق محاولتها تحسين الأوضاع الاقتصادية والارتقاء بمستويات المواطنين المعيشية51. وعلى الرغم من توافر كثير من الفرص والموارد الطبيعية في هذا البلد، وتوافر إمكانات جذب المشاريع الاستثمرية المتنوعة، فإنّ تراكم التحديات خلال الحقب الزمنية الماضية قد أدى إلى زعزعة ثقة المستثمرين، وقلة الإقبال على المشاريع الاقتصادية المرتكزة على عقود الشراكة52. ويُعتبر عدم توافر الأمن والاستقرار السياسي من أهم الأسباب والدواعي التي تدفع المستثمرين إلى الإعراض عن الدخول في الاستثمرات الضخمة53. فمنذ استقلال السودان في عام 1956، لم يحظَ البلد إّلا بأحد عشر عامًا من الاستقرار الأمني وانعدام الحروب، في حين كان لاستمرار الصراعات الداخلية أثره السلبي الواضح في التنمية ومستويات البنى التحتية54. وعلى الرغم من أن اتفاق السلام الشامل الموقّع في عام 2005 قد أتاح المضي في بعض الإصلاحات السياسية، وأظهر مدى استعداد الدولة للتعاون مع المجتمع الدولي، فإنّ الانفلات الأمني في منطقة دارفور واضطراب الأوضاع في شرق السودان ظَّلا يلقيان بظلالهم على المناخ والبيئة الاستثمرية، وتسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية في إثارة مخاوف المستثمرين من الشروع في شراكات الاستثمر55. وتتضاعف هذه التحديات بسبب هشاشة المؤسسات الحكومية، وضعف البيروقراطية، وغياب المزايا والحوافز المقدمة للمستثمرين. ولا ننسى أن العقوبات الدولية التي فُرضت على السودان، والتي امتدت أكثر من عقدين من الزمن، كان لها أثرها البالغ، وأنها عامل ضغطٍ مُعِوِّق لجذب الاستثمرات الخارجية56. ومن ناحية أخرى، يعتبر ضعف الإنتاجية، وعدم إقرار الإصلاحات في السياسات الزراعية، من العوامل المسببة لتدّني الإيرادات وضعف إيرادات القطاع الزراعي. فعلى الرغم من أن اقتصاد السودان يعتمد أساسًا على المنتجات الزراعية بنسب تصل إلى أكثر من 80 في المئة من جملة الصادرات و 70 في المئة من نسبة العملة،

  1. Ibid.
  2. The World Bank, "World Bank Group and Government of Sudan Launch Public-Private Partnership Support Program for Sudan," 2/2/2017, accessed on 5/5/2023, at: https://cutt.ly/8w7BgUag
  3. عبد الرحمن.
  4. El-Fatih Ali Siddig & Fareed Hassan, The Sudan Interim Poverty Reduction Strategy Paper Status Report: A Joint World Bank Group and Sudan's Ministry of Finance and Economic Planning Assessment , no. 110503 (Washington: The World Bank, 2016).
  5. The World Bank, "World Bank Group and Government of Sudan."
  6. Alamedin Bannaga & Yagoub Ali Gangi "The Welfare Cost of Darfur Conflict in the Sudan," in: Allam Ahmed, Business Excellence and Competitiveness in MENA (Geneva: Inderscience Enterprises Limited, 2008), pp. 69-79.
  7. عبد الرحمن.

فإنّ الإيرادات المتحَّصَل عليها من المنتجات الزراعية لا تزال ضئيلة جًّدًا، ثم إنها لا تفي باحتياجات الدولة التنموية مقارنةً بإمكانات هذا القطاع57. أضف إلى ذلك قلة الحوافز المقدمة للقطاع الخاص من أجل الانضمم إلى شراكات مثمرة في منطقة تعاني صِغَر الأسواق. وتزيد هذه الحالة من المخاطر المالية، ومن عدم القدرة على تحقيق العوائد الاقتصادية المرجوة58، كم أن ضعف مستويات البنى التحتية الأساسية مسؤول عن تعكير المناخ الاستثمري؛ ففي بلد مترامي الأطراف، على غرار السودان، يؤدي انعدام توافر شبكة فعّالة من الجسور والطرق والمطارات الحديثة إلى عرقلة وصول المنتجات والانتقال السلس للسلع والخدمات59. وبعيدًا عن العوامل المتعلقة باستقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والحوافز الاستثمرية، تبرز الجوانب المتعلقة بالتشريعات والأطر التنظيمية ضمن دائرة التحديات المعوقة؛ إذ تعمل العوامل المتعلقة بكثرة إجراء التعديلات على القوانين واللوائح، وعدم ثبات السياسات الاقتصادية في السودان واستقرارها، على عرقلة الاستفادة القصوى من الفرص والإمكانات في المجالات المختلفة. وفضلًا عن ذلك، يتسبب ضعف التنسيق بين المركز والولايات، وكثرة التقاطعات في اللوائح والقوانين بين مستويات الحكم المختلفة، في الحد من تدفق الاستثمرات60. إضافةً إلى التحديات السابقة، تؤثر العديد من مواطن الضعف التنظيمية والمؤسسية في إنفاذ التشريعات الخاصة بالاستثمر وتطبيقها؛ فالإطار التنظيمي يتصف بكثير من الضبابية، وعدم الوضوح، والافتقار إلى التشريعات الثانوية التي تعمل على ضمن عدالة المنافسة. ومن الناحية المؤسسية، تتجلى ضرورة تأسيس بعض الهيئات المسؤولة عن الإشراف والرقابة والعناية بالمشاريع الاستثمرية مع القطاع الخاص في السودان. وقد أُقرّت نصوص وتشريعات بعض هذه المؤسسات، ومع ذلك فهي تعمل على نحو جزئي، وتفتقر إلى الفاعلية في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، خاصة في الجوانب المتعلقة بالمنافسة العادلة والعملة ومكافحة الفساد. ويُعدّ عدم توافر الموارد، أو نقصانها، من الأسباب الرئيسة التي تمنع الحكومة السودانية من تأسيس هذه المؤسسات. وفي حال إنشائها، غالبًا ما يعمل ضعف التنسيق بين المؤسسات الاتحادية والولائية على إبطال فعاليتها ومردودها الإيجابي في تشجيع المشاريع الاستثمرية التي تم التصديق على إنفاذها. وفي سياق متصل بالأطر التشريعية، تمثّل ملكية الأراضي في السودان، خاصة في المناطق الريفية، تحديًا إضافيًا يعمل على زيادة الإشكالات التي تحد من تنامي الفرص الاستثمرية؛ ففي هذه المناطق، تؤدي مزاعم الأفراد والقبائل المتعلقة بملكية بعض الأراضي إلى عدم تمكّن المستثمرين من الانتفاع بالأراضي وتنمية مشاريع القطاع الخاص61. في الجوانب المتعلقة بالعملة، يعاني سوق العمل السوداني ندرةً في المهارات والقدرات الوظيفية؛ فمعظم العملة الناشطة في المشاريع والصناعات الصغيرة والمتوسطة تعاني الأمية وعدم تطابق المهارات الحرفية

  1. Gassoum Khairi Bilal Khairi, "Social Justice in Sudan Under a Situation of Resource Mismanagement," Social Justice , vol. 9, no. 18 (2018), pp. 14-35.
  2. Ademola A. Adenle, Karin Wedig & Hossein Azadi, "Sustainable Agriculture and Food Security in Africa: The Role of Innovative Technologies and International Organizations," Technology in Society , vol. 58 (2019), pp. 101-143.
  3. Issam A. W. Mohamed, "Effects of Investment on Macroeconomic Variables in the Sudanese Economy," MPRA Paper , no. 32293, Department of Economics, Al Neelain University, Khartoum, Sudan, 2010, p. 5.
  4. عاصم إسماعيل، "الاستثمار في السودان.. معيقات 'مزمنة' تهدر مؤهلات هائلة"، العربي الجديد، 2022/9/6، شوهد في 2023/4/22، في: https://tinyurl.com/29tek7jd
  5. الأمم المتحدة، استعراض سياسة الاستثمار: السودان"، ورقة مقدمة في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، 2015، ص.18-6 المصدر: The World Bank, "DataBank: Worldwide Governance Indicators," 2023, accessed on 5/5/2023, at: https://tinyurl.com/3hxtwetm

والمهنية مع المهمت العملية. وتدفع هذا الحال شركات كثيرة إلى استجلاب العملة الأجنبية، ويؤثر ذلك سلبًّيًا في الكوادر الفنية الوطنية، ويسهم في زيادة التكاليف المتعلقة بالشراكات والاستثمرات الخاصة الأخرى62. أما بخصوص النواحي الإدارية، فيعاني السودان مستويات كبيرة من الفساد الإداري الذي يؤدي إلى زيادة التكاليف والمصاريف التشغيلية والتأثير سلبًّيًا في الأرباح الاستثمرية63. وفي هذا الصدد، يؤثر الفساد في مشاريع الشراكات من نواحٍ مختلفة. فهو يتسبب في تدّني جودة المنتجات وانخفاض إنتاجية المشاريع الاستثمرية؛ ما يؤثر في جودة الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية. وتمتد آثار ذلك حتى إلى الحد من قدرة الدول على جذب الاستثمرات الأجنبية المباشرة وتوسيع مشاريع القطاع الخاص المحلية64. وأخيرًا، تشير مؤشرات الحوكمة في السودان إلى مسار في تدٍّنٍ مستمر؛ فالمؤشرات المتعلقة بالاستقرار السياسي والفساد وجودة اللوائح والبيئة التنظيمية والشفافية تشتمل على "درجات سالبة" خلال العقدين الماضيين (الشكل 1). ويؤثر تدني هذه المؤشرات في استقطاب الاستثمرات الأجنبية المباشرة، ويحدّ من قدرة القطاع الخاص المحلي على التوسع في مشاريع الشراكة.

الشكل (1) مؤشرات الحوكمة في السودان

  1. المرجع نفسه، ص.25
  2. Heba E. Helmy, "The Impact of Corruption on FDI: Is MENA an Exception?" International Review of Applied Economics , vol. 27, no. 4 (2013), pp. 491-514.
  3. Krisztina Pusok, "Public-Private Partnerships and Corruption in the Water and Sanitation Sectors in Developing Countries," Political Research Quarterly , vol. 69, no. 4 (2016), pp. 678-691.

ومن أجل تأكيد هذا التأثير المتزايد لمؤشرات الحوكمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بولوج القطاع الخاص في الاستثمرات مع الجهات الحكومية في الدول النامية، تفحّص وانغ مين Wang وآخرون 4500 مشروع من مشاريع الشراكة في 138 دولة نامية. وتمخضت النتائج المتحصّل عليها من الدراسة عن مسألة مفادها أن الدول النامية تفشل في جذب الاستثمرات المتعلقة بالشراكة، بسبب مشكلاتها الكبيرة، المتأصلة في الجوانب المتعلقة بمؤشرات الحوكمة65.

ثالثًا: فرص مشاريع الشراكة يف السودان وتحدياتها: تحليل عيّنة الدراسة

1. الفرص والفوائد

وفقًا للقانون الصادر بشأن الشراكة، تتمحور أهداف مشاريع الشراكة التي تسعى الحكومة السودانية إلى تشجيعها حول إنشاء مرافق البنى التحتية وتقديم الخدمات العامة، إضافةً إلى تطوير التكاليف التشغيلية لهذه المرافق والخدمات وتخفيضها66. ووفقًا لإحصائيات وزارة الاستثمر السودانية، تهدف هذه الشراكات إلى زيادة نسبة إسهام القطاع الخاص في تحقيق التنمية في البلد بنسبة 84 في المئة67. عند النظر إلى البيئة والمكانة الاستثمرية التي يتمتع بها السودان فيم يخص مقومات الجذب الاستثمرية، نجد أن سوقه تمثّل بيئة خصبة لجذب المشاريع الاستثمرية؛ إذ تمتاز السوق المحلية بأنها ضخمة، مع تعداد سكاني يناهز 43 مليون نسمة. وتتجلى مقومات الجذب الاستثمرية للبلد عند النظر في ارتفاع عدد السكاني لدول الجوار الذي يبلغ 250 مليون نسمة، والتموضع الجغرافي المميز الذي يربط منطقة الخليج بشرق أفريقيا وشملها والاتحاد الأوربي. وفي الصدد ذاته، تمتاز قوى العمل السودانية بالقوة والشباب؛ إذ تبلغ نسبة السكان الذين تقل أعمرهم عن 35 عامًا 65 في المئة من التعداد السكاني68. بالنسبة إلى القطاعات والمجالات التي يمكن أن تشملها مشاريع الشراكات، يمتلك السودان فرصًا واعدة لجذب الشراكات في مجالات الطاقة والاتصالات ومشاريع البنى التحتية والمرافق العامة للدولة، خاصةً مشاريع الطرق والجسور وقطاعات النقل، والصحة، والكهرباء، والتعليم، ولا سيم في مجلات الطاقة؛ إذ يعاني البلد مشكلات فيم يخص استقرار الإمدادات الكهربائية69. وفي هذا الصدد، يشير مدير تطوير الأعمل بهيئة جامعة الخرطوم الاستشارية إلى الدور الكبير لمشاريع الشراكة في تذليل هذه العقبات الاستثمرية؛ إذ يقول: "من خلال مشاريع الشراكة، يمكن أن يساعد القطاع الخاص في حل المشاكل المتعلقة بسد الفجوات الموجودة في حجم العرض والطلب في قطاعات الكهرباء والطاقة؛ حيث يعاني السودان فجوة كبيرة في جوانب

  1. Huanming Wang et al., "The Moderating Role of Governance Environment on the Relationship between Risk Allocation and Private Investment in PPP Markets: Evidence from Developing Countries," International Journal of Project Management , vol. 37, no. 1 (2019), p. 117.
  2. جمهورية السودان، وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص لسنة 2021.)2021(
  3. نعمات محمد التجاني، "المنافسة كوسيلة لتنمية القطاع الخاص"، جمهورية السودان، وزارة الاستثمار، 2021، شوهد في 203/5/5، ف:ي https://tinyurl.com/5funmb2x
  4. جوفاس أساري [وآخرون]، "السودان والاقتصاد العالمي: فرص نحو التكامل والنمو الشامل"، المركز الدولي للنمو،.2020
  5. إسماعيل.

العرض"70. إن وجود هذه المقومات الاستثمرية والمصاحبة لحجم القصور الكبير بين جوانب العرض والطلب بالنسبة إلى بعض الخدمات الأساسية يضمن الطلب المستمر للمشاريع الخدمية التي تستهدفها مشاريع الشراكة. وسيساهم توجيه مشاريع الشراكة في ترشيد الإنفاق الحكومي وتقليل حجم الميزانيات وزيادة النمو الاقتصادي. وعند أخذ مشكلات توفير إمدادات الطاقة الكهربائية والضعف المستشري في البنى التحتية في الحسبان، من الممكن أن تساهم مشاريع الشراكة في حل مشكلات الطاقة وتحسين طرق المواصلات؛ على نحو يسهم في تحسين فعالية الخدمات العامة واستدامتها، وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية بطريقة مستدامة. إن هذه الإمكانات والفرص تتوافق مع ما جرى التوصل إليه من نتائج تحليل العيّنة البحثية؛ إذ أشارت إلى أن مشاريع الشراكة يمكن أن تسهم في سد جوانب العجز وشحّ إمكانات القطاع العام، من خلال التمويل والخبرة والمعرفة العميقة التي تحظى بها المؤسسات الخاصة في إدارة المشاريع، وسد جوانب النقص الموجودة في تقديم الخدمات العامة كالصحة والتعليم والبنى التحتية. وفي هذا الإطار، يشير أحد المستجيبين في وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بوزارة المالية السودانية إلى أهمية عقود الشراكة في تأهيل الكوادر الحكومية بقوله: "تعمل الشراكة على ضمن توفير فرص التدريب للموظفين العمومين وتأهيلهم لإدارة مشاريع الشراكة، وعند أيلولة ملكية المشروع للدولة بنهاية العقد تمكن الشراكة من الحصول على موظفين مؤهلين؛ وهذا يُسهم في ترقية أداء المؤسسات العامة"71. ولا تقتصر فوائد الشراكات المرجو تحقيقها في السودان على حل مشكلات العجز في الجوانب التمويلية؛ إذ تمتد ممرستها إلى جوانب أخرى متنوعة تشمل تأصيل ممرسات المنافسة العادلة، وتقاسم الأدوار بين القطاعين، وتقليل تأثير المخاطر الناجمة عن المشاريع بتوزيعها بين أكثر من طرف. ومن ناحية أخرى، تضمن مشاريع الشراكة تحقيق الاستفادة من قدرات القطاع الخاص الابتكارية والإبداعية في تصميم المشاريع؛ فقد أشارت أدبيات عديدة إلى هذه الميزة التفضيلية لممرسات القطاع الخاص التي تفتقر إليها المؤسسات العامة. أضف إلى ذلك أن مشاريع الشراكة تساعد على ترقية أداء الموظفين من خلال نَقْل خبرة القطاع الخاص وترقية الأساليب الإدارية في المؤسسات الحكومية؛ إذ تشترط بعض عقود الشراكة ضرورة توظيف نسبٍ معيّنة من الموظفين العمومين لنقل الخبرات في حالة أيلولة المشروع إلى القطاع الحكومي مع انتهاء العقد. وفي عصر التحول الرقمي وكثرة اعتمد الحكومات على التكنولوجيا في تأدية كثير من الأعمل، يعتبر تدريب الموظفين العمومين على هذه التقنيات أمرًا بالغ الأهمية72؛ ولذلك، فإن صقل مهارات الموظفين العموميين في س وق عمل تعاني ندرةً في المهارات والقدرات الوظيفية سيسهم في ترقية المهارات التقنية التي تتطلبها ضرورات التحول الرقمي في الفترة المقبلة، وسيسهم بالقدر ذاته في تحسين جودة الخدمات المقدمة وتطويرها. وعند تفحص الأدبيات العلمية، نجد أن الإجابات المتحصل عليها من العيّنة قد انسجمت مع المعلومات الموجودة في المصادر العلمية حول فوائد الشراكات، خاصة في سياقات الدول النامية؛ إذ أشارت العديد من الدراسات السابقة إلى أن مشاريع الشراكة تمثل أحد الحلول الناجعة في حل مشكلات الدول النامية التي تعاني كثرةَ الديون الخارجية، وضعفَ مستويات البنى التحتية، وأعباءً ملقاة على الميزانية.

  1. مدير تطوير الأعمال بهيئة جامعة الخرطوم الاستشارية، مقابلة شخصية، الخرطوم،.2023/2/2
  2. مفتش مالي بالوحدة المركزية للشراكة بين القطاعين العام والخاص، مقابلة شخصية، الخرطوم،.2023/3/15
  3. محمد عبد الرازق حسين ومنجد عبد الله، "نحو استشراف مستقبل التعليم والتدريب: المهني والتقني في البلدان العربية"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 7 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.112

2 ي. التحديات التي تواجه مشاريع الشراكة ف السودان

تظهر الإفادات المتحَّصَل عليها من عيّنة الدراسة التحديات الرئيسة التي تعوق جذب الاستثمرات إلى مشاريع الشراكة في السودان، وأبرزها عدم استقرار الأوضاع السياسية وتردّي الأحوال الاقتصادية، إضافةً إلى التعقيدات التشريعية والإدارية. وتفرض الأوضاع السياسية، المحفوفة بعدم الاستقرار ونشوب الحروب والنزاعات المسلحة، تحديات كبرى. فهذه الحال ترفع المخاطر الأمنية، وتعزز شعور المستثمرين بعدم اليقين بشأن قدرتهم على استرجاع الأموال المستثمرة. لقد أدت التقلبات السياسية وحالة عدم الاستقرار السياسي التي صاحبت الحرب في جنوب السودان، في ثمانينيات القرن العشرين، وخلال أزمة دارفور في مطلع الألفية، وما يعترض الفترة الانتقالية الحالية من صدامات، إلى الحد من تدفقات الاستثمرات الأجنبية المباشرة وتقليل فرص الاستثمر في المشاريع الاستثمرية السودانية. يعاني السودان، منذ عام 2018، اختلالات اقتصادية كبيرة عملت على خلق بيئة غير جاذبة للاستثمرات المحلية والأجنبية؛ أبرزها تفاقم العجز المالي المتمثل في تجاوز أوجه الإنفاق الحكومي للإيرادات، ونقصان احتياطات النقد الأجنبي، وتراجع الناتج الإجملي المحلي على نحو كبير، وارتفاع مستويات التضخم وتأثيرها في تقليل القوة الشرائية والحد من قدرة المواطنين على شراء الحاجات الأساسية73. وما من جدال في أن استقرار أداء الاقتصاد الكّلي يُعد عاملًا ضرورًّيًا لإقناع المستثمرين المحليين والأجانب بالدخول في المشاريع الاستثمرية وتقليل المخاطر المصاحبة للاستثمر. إن تقلبات العوامل الاقتصادية المتعلقة بعدم ثبات سعر الصرف ومستويات التضخم العالية في البلد لا تزال تدفع كثيرًا من المستثمرين إلى الإعراض عن الاستثمر والدخول في مشاريع الشراكة. ويُعزى هذا الإعراض إلى ارتفاع المخاطر الاقتصادية المترتبة على عدم القدرة على استرجاع رأس المال، أو تحقيق الأرباح المتوقعة، في أثناء عدم استقرار العوامل الاقتصادية. أضف إلى هذا أن تحقيق الأرباح في مشاريع الشراكة قد يمتد إلى 30 عامًا مثل؛ ا ما يزيد من حالات حدة درجة المخاطر الاقتصادية عند استمرار تعقد الظروف الاقتصادية. وحينم يُؤخذ ما أشارت إليه الأدبيات من حيث رجوع مسؤولية إدارة المخاطر الاقتصادية إلى طائلة القطاع الخاص في الحسبان، وحينم يُجرى الربط بينه وبين كثرة المشكلات والتحديات الاقتصادية الكلية في السوق السودانية أيضًا، فإننا نجد أن حافزيه القطاع الخاص للدخول في الشراكات تتأثر سلبًّيًا؛ بسبب وجود هذه التحديات. تُظهر نتائج تحليل المقابلات أن القطاع الخاص السوداني لا يزال يركز كثيرًا على الاستثمر في القطاع الخدمي والتجارة، ولا يزال بعيدًا عن تصنيع السلع الإنتاجية. يلخص هذا الأمر مدير دائرة للأبحاث الاقتصادية والاجتمعية بقوله: "لا يوجد رجال أعمل بالمعنى الحقيقي، فالقطاع الخاص يعاني مشاكل كبيرة؛ فهو يعتمد على الأعمل العائليةFamily Business بصورة كبيرة بحيث يوجد من خمس إلى ست عائلات كبيرة تحتكر القطاع الخاص منذ عام 1956. وبحسب التعريفات الموجودة في الأدبيات العلمية عن القطاع الخاص، يقع

  1. أساري [وآخرون.]

القطاع الخاص السوداني خارج إطار هذه التعريفات"74. يظل وجود هذه التحديات المتعلقة بكفاءة القطاع الخاص السوداني عاملًا يفاقم العقبات المحيطة بمشاريع الشراكة؛ فقد أشارت العديد من الأدبيات إلى أن وجود قطاع خاص يتسم بالقوة يعتبر من أهم مقومات الشراكات وعوامل نجاحها. وفيم يخص المشكلات ذات الصلة بالجوانب التشريعية، يرى بعض أفراد العيّنة الدراسية أن القضايا المتعلقة بالأراضي والنزاعات حول ملكيتها تمثّل تهديدًا إضافيًا يعمل على عرقلة تحقيق الاستفادة وتعظيم المنافع المرجوة من الشراكات. وفي السياق ذاته، تؤدي كثرة الوحدات الاستثمرية وتداخلها، والجهات المسؤولة عن الاستثمر، وتعارض القوانين الصادرة من هذه الجهات مع بعضها، إلى زيادة درجة التعقيد المحيطة بمشاريع الشراكة. أضف إلى ذلك، تعارض السياسات بين الولايات والمركز وعدم المواءمة بين الفدرالية المالية والولائية. وفي هذا الصدد، يشير أحد المستجيبين إلى أن "الوضع التشريعي في ظل الفدرالية الموجودة الآن أدى إلى تقاطعات كبيرة في التشريعات ما بين مستويات الحكم التنفيذية المختلفة (بين المركز والولايات والمحليات والوحدات الإدارية)، فبعض المشاريع القومية قد تتعارض مع التشريعات الموجودة في الولايات والمحليات"75. وتؤدي هذه التحديات التشريعية إلى خلق نوع من عدم التنسيق والتعارض والمنافسة بين الجهات الاستثمرية المختلفة وحدوث تضارب في أمر التعاقدات، إضافةً إلى تضخيم الرسوم الخدمية، وازدواجية المعايير المفروضة على المستثمرين، وتطويل أمد الإجراءات التعاقدية؛ ما يفضي إلى خلق بيئة غير جاذبة للاستثمر وتوقف الاستثمرات الأجنبية المباشرة. وفيم يتصل بالتحديات الإجرائية والإدارية، يمكن القول إن تكاليف ممرسة الأعمل التجارية تتميز بارتفاع نسبي م قارنةً بالسياقات العالمية، والبطء والتعقيد في الإجراءات وعدم اتسامها بالشفافية والبساطة، فضلًا عن البعد عن استخدام الوسائط التقنية والمواقع الإلكترونية في عرض المشاريع، والفرص الاستثمرية لمشاريع الشراكة76. وفي هذا الصدد، أشارت آراء المستجيبين إلى وجود مشكلات عديدة في المؤسسات الحكومية تعمل على إبطاء مفعول الشراكات في إحداث النتائج المطلوبة. وتتمثل هذه التحديات في البيروقراطية المرتفعة النسبة، والترهل الإداري، وعدم توافق الهياكل الإدارية الحكومية وانسجامها مع الأهداف الموضوعة للقطاع، إضافةً إلى ارتفاع مؤشرات الفساد وتفشي المحسوبية. وفي جانب آخر ذي صلة وثيقة ببطء الإجراءات الإدارية، تتميز الإجراءات المتبعة في الاستيراد والتصدير بالبطء وطول الفترة الزمنية التي قد تمتد إلى عدة شهور77. وفي الشكل (2) توضيحٌ للفارق الكبير في الوقت المستغرق في تمضية إجراءات الاستيراد والتصدير في السودان مقارنةً بدول جنوب الصحراء الكبرى؛ إذ يلاحظ اتصاف السودان بطول أمد الفترات الزمنية المستغرقة في تمضية إجراءات الاستيراد والتصدير مقارنةً بهذه الدول.

  1. مدير دائرة الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، مقابلة شخصية، الخرطوم،.2023/2/2
  2. المرجع نفسه.
  3. أساري [وآخرون.]
  4. إسماعيل. المصدر: جوفاس أساري وآخرون.

الشكل (2) الوقت المستغرق في تمضية إجراءات الاستيراد والتصدير (بالساعات)

تتفق إفادات المستجيبين مع ما تشير إليه أدبيات عديدة من ناحية أن طول أمد الإجراءات البيروقراطية من أبرز التحديات المُعِوِّقة لمشاريع الشراكة؛ إذ يثني المستثمرين المحليين والأجانب عن المشاركة فيها، وهو ما يؤدّي إلى انخفاض فُرص الاستثمر وتحويل الموارد المالية للمستثمرين نحو مشاريع أخرى أقل تعقيدًا.

3. عقود الشراكات الملائمة للحالة السودانية

أظهرت نتائج الدراسة تفاوتًا وتباينًا كبيرين فيم يخص نوعية عقود الشراكات المناسبة للحالة السودانية؛ إذ يرى بعضهم أنه نظرًا إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية وضعف مستويات الثقة بين الحكومة والمستثمرين، فإن عقود الإيجار والخدمات تعتبر من أفضل أنواع العقود في المرحلة الآنيّة. وفي هذا الصدد، يجادل فينكاتا سانتوش كومار دلهي وآخرون بأن عقود الإدارة تساعد على تعزيز بيئة الأعمل الاستثمرية وتنمية مشاريع الشراكة، ويُزعَم في مقابل ذلك أن عقود الانتفاع الطويل تصلح في دولة تتمتع بمستويات عالية من الاستقرار في الأوضاع الاقتصادية والتشريعية والسياسية78. ولا شكّ في أنّ الاضطرابات السياسية والأمنية والحرب الدائرة التي يشهدها السودان تعمل على زيادة حدة المخاطر وعدم اليقين المحيطة باستقطاب مشاريع الشراكة واستكملها، وأنها تؤدي إلى تأخير المشاريع أو توقفها، فضلًا عن تسببها في زيادة التكاليف التشغيلية. إن وجود هذه التحديات السياسة والأمنية تعمل على إذكاء حدة المخاطر السياسية والقانونية التي تقع إدارتها ضمن مسؤوليات القطاع العام بحسب ما أشارت إليه الأدبيات العملية. ثمّ إن طول فترات عدم الاستقرار، وحالة الضبابية التي تكتنف الأوضاع في السودان، لا يؤثر كلاهم في عقود ومشاريع الشراكة

  1. Venkata Santosh Kumar Delhi, Ashwin Mahalingam & Seshanka Palukuri, "Governance issues in BOT Based PPP Infrastructure Projects in India," Built Environment Project and Asset Management , vol. 2, no. 2 (2012), p. 246.

القائمة فحسب، بل تمتد آثارهم إلى قرارات الاستثمر المستقبلية أيضًا. ويمكن أن تؤدي التطورات اللاحقة، التي قد تحدث في فترة ما بعد الحرب، إلى تغيير السياسات والإجراءات والقوانين المتعلقة بالاستثمرات؛ ما قد يؤثر في مشاريع الشراكة. من ناحية أخرى، يرى آخرون أن عقود نظام الانتفاع الطويل تعتبر الخيار الأفضل والحل المناسب للمشكلات الاقتصادية الحالية التي يعانيها السودان، ولا سيم ما يتعلق منها بالعجز في الموازنة، فضلًا عن مشكلات البنى التحتية. ويرى هؤلاء أن هذه العقود تساعد على تحقيق التنمية على المدى الطويل من خلال تمكين الحكومة من تملّك المشاريع مع نهاية فترة العقود. وفي هذا الإطار، يشير المدير السابق لمعهد الدراسات والبحوث الإنمائية إلى ضرورة الاعتمد على مشاريع أنظمة عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية، كم يتضح ذلك في قوله إنّ عقود هذه المشاريع تعتبر هي المشاريع الأنسب للحالة السودانية، لأن البلد في حاجة ملحّة إلى إنشاء مشاريع البنى التحتية وتطويرها. وبانتهاء المدة الزمنية للعقود، سوف تؤول مليكة هذه المشاريع إلى الحكومة السودانية؛ ما يسهم في تقليل تكاليف الخدمات الأساسية، وفي تنميتها وتطويرها79.

خاتمة وتوصيات

استعرضت الدراسة فرصًا وتحديات للشراكات بين القطاعين العام والخاص في السودان، وبيّنت الإجابات المستخلصة من العيّنة البحثية انسجامًا واتفاقًا كبيرين مع التحديات التي بينتها الأدبيات المتعلقة بالسياق السوداني. وثمة اتفاق على أنّ للسودان إمكانات وفرصًا كثيرة ومتنوعة لتشجيع مشاريع الشراكة في مختلف القطاعات، وتشمل هذه المجالات أساسًا قطاعات الخدمات العامة؛ مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية، إضافةً إلى الطاقات المتجددة والموارد المعدنية والسياحة. وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة المولدة من مشاريع الشراكة، فإنّ نجاحها في السودان على النحو المطلوب لا يزال يواجه عراقيل عديدة، وفي مقدمتها عدم استقرار الأوضاع الأمنية والسياسة، والتعقيدات التشريعية والإدارية، وتسُّيُد مناخ عدم الثقة العلاقةَ ما بين القطاعين العام والخاص، وهي أمور تَحُدُّ من تدفقات الاستثمرات الأجنبية المباشرة، ومن فرص نجاح مشاريع الشراكة. وتوافق نوعية التحديات في السودان ما تبرزه تجارب العديد من الدول النامية التي تشترك معه في ظروف ضعف الاستقرار السياسي، وعدم توافر البيئة التنظيمية والقانونية المشجعة لمشاريع الشراكة، إضافةً إلى ضعف مستويات الثقة بين القطاعين العام والخاص، وغياب الانفتاح والشفافية في طرح المعلومات الاستثمرية، وهو حال يختلف عم تعكسه خبرات البلدان المتقدمة؛ ففي الولايات المتحدة وأستراليا وهونغ كونغ، نجح نهج الشراكة على نحو فاعل بسبب توافر عناصر الشفافية في صنع السياسات، ووضع اللوائح والأنظمة التنظيمية المتكاملة، فضلًا عن الاستقرار الاقتصادي وتدني مؤشرات الفساد واتزان الأوضاع الأمنية والقدرات الكبيرة جًّدًا التي تمتلكها هذه الدول على استقطاب التمويلات80. ويمكن اشتقاق التوصيات التالية من نتائج هذه الدراسة:

  1. المدير السابق لمعهد الدراسات والبحوث الإنمائية، مقابلة شخصية، الخرطوم،.2023/2/5
  2. Yongheng Yang, Yilin Hou & Youqiang Wang, "On the Development of Public–Private Partnerships in Transitional Economies: An Explanatory Framework," Public Administration Review , vol. 73, no. 2 (2013), p. 301.

تحسين البيئة السياسية: ضرورة العمل على استعادة الاستقرار واستتباب الأوضاع السياسية والأمنية، وهو حال يمكن خلاله بناء الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص مجددًا. الإصلاح التشريعي: ينبغي العمل على التركيز على الإصلاحات التشريعية التي تشجع على التعاون بين القطاعين ودعم الابتكار وريادة الأعمل. ويشمل ذلك العمل على تبسيط الإجراءات التشريعية وتحسين ضمنات الشفافية. وتشمل الإصلاحات التشريعية ضرورة العمل على توحيد جميع اللوائح الاتحادية والولائية لتجنب التداخلات وتحقيق تناغم بين المستويات الفدرالية والولائية. ويعمل إقرار هذه الإصلاحات التشريعية على تحسين البيئة الاستثمرية، ويقلل من حجم التعقيدات والبيروقراطية الحكومية بالقدر بذاته الذي يعمل فيه على تعزيز فرص نجاح الشراكات وجذب المزيد من الاستثمرات. الإصلاح الإداري والتنظيمي: يجب الارتقاء ببيئة الأعمل وتشجيع الاستثمرات الخاصة من خلال إجراء إصلاحات هيكلية وتنظيمية عامة في المؤسسات المعنية بالشراكة. وينبغي تطوير الهياكل الإدارية للمشاريع المنخرطة في الشراكة، خصوصًا، وجعلها أكثر مرونة وفعالية، وذلك عن طريق إعادة صياغتها بما يتوافق مع الأهداف الموضوعة للشراكة. ويجب أن تكون هذه الهياكل قادرة على التكيف مع تغيرات البيئة التشغيلية والتغيرات التي من الممكن أن تطرأ على المشروع بحسب تغير الظروف والمخاطر المحيطة في البيئة الخارجية. التواصل الفعال: تعزيز سبل التواصل بين الحكومة والقطاع الخاص من أجل زيادة الوعي بمشاريع الشراكة. بعض من هذا الهدف يتوقف على تعزيز الشفافية ووضوح الإجراءات، على نحو يترجم التعديلات المطلوبة في الجوانب التشريعية. ويسهم استخدام التقنيات الحديثة والمواقع الإلكترونية لعرض المشاريع في تحسين الشفافية، على نحو جليّ، فضلً عن عرض أهداف الشراكات والمسؤوليات المرتبطة بها لجميع الشركاء. ومم يسهم في تطوير الشراكات الاهتمم بالجانب الإعلامي؛ إذ ينبغي العمل على تكثيف الحملات الإعلامية ونشر الوعي بفوائد الشراكات، فهذا كلّه ينمّي الوعي بإسهام الشراكة في تأمين الفرص التمويلية وتطوير المشاريع، وله آثار إيجابية في إنجاز التنمية الاقتصادية والاجتمعية. وتتفق التوصية وإفادات المستجيبين التي أشرنا إلى ضرورتها مع ما توصلت إليه دراسة عبد العال من أهمية حملات التثقيف والتوعية بمشاريع الشراكة. مكافحة الفساد: تبني سياسة فعّالة لمكافحة الفساد يعزز المساءلة والرقابة وشفافية الإجراءات الإدارية والمالية. وفي هذا الشأن، يجدر إتاحة المعلومات المتعلقة بالمشاريع المستقبلية المطروحة وآليات اتخاذ القرارات للعامة في الوسائط الإلكترونية والإعلامية. ومن الضروري استحداث آليات للرقابة والمحاسبة على الجهات المنخرطة في مشاريع الشراكة. وقد أشار فوتيس م. بانافيدز وآخرون إلى أن تعزيز إجراءات الرقابة وإتاحة معلومات الشراكة للعامة من بين عوامل تحسين الشفافية في الإجراءات الإدارية والمالية، وتحجيم انتشار الفساد، وتشجيع المستثمرين الجادين في الانخراط في مشاريع الشراكة. بناء القدرات البشرية: رفع قدرات الكوادر البشرية عبر التوعية والتدريب أمرٌ ضروري.

  1. محمد عبد العال عيسى، "الشراكة بين القطاعين العام والخاص: المفهوم والأسباب والدوافع والصور"، المجلة العربية للإدارة، مج 38، العدد 3، (2018)، ص.45
  2. Photis M. Panayides, Francesco Parola & Jasmine Siu Lee Lam, "The Effect of Institutional Factors on Public– Private Partnership Success in Ports," Transportation Research Part A: Policy and Practice , vol. 71 (2015), pp. 110-127.

المراجع

العربية

التجاني، نعمت محمد. "المنافسة كوسيلة لتنمية القطاع الخاص". جمهورية السودان. وزارة الاستثمر. 2021. ف:ي https://tinyurl.com/5funmb2x

زروق، بن موفق وقادري محمد الطاهر. "تفعيل إستراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص كخيار لتحفيز التنويع الاقتصادي على ضوء بعض التجارب الدولية". مجلة البديل الاقتصادي. مج 5، العدد 1.)2019(

استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 7. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022 الغربي، عدنان. "وزير الزراعة: المعضلة في طرق الإنتاج التقليدية: 251 مليار دولار ثروة مهدرة سنويًا في 2023/3/21.فيhttps://cutt.ly/Bw7V6zJm:. البيان السودان".

المعمري، عبد الوهاب عبد الله. "الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القانون اليمني ودورها في تجاوز التحديات المعاصرة". مجلة الدراسات الاجتمعية. مج 25، العدد 1.)2019(

عبد الرحمن، واثق عباس. "معوقات الاستثمر في السودان والحلول المقترحة". مجلة العلوم الاجتمعية. العدد 6.)2018(

عثمن، توات. "الشراكة بين القطاع العام والخاص في قطاع الزراعة على ضوء تجارب وطنية ناجحة". ورقة مقدمة في الملتقى الدولي 2: مال وأعمل. جامعة الوادي. الجزائر. 25-24 كانون الثاني/ يناير.2022

عثمن، توات وبلال مسرحد. "الشراكة بين القطاعين العام والخاص من أجل تطوير البنية التحتية للنقل". مجلة أبحاث اقتصادية وإدارية. مج 15، العدد 2).2021(

عيسى، محمد عبد العال. "الشراكة بين القطاعين العام والخاص: المفهوم والأسباب والدوافع والصور". المجلة العربية للإدارة. مج 38، العدد 3.)2018(

غالب، عبد القادر ورسمة. "عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص ". قوانين السودان. 2018/11/2. ف:ي https://tinyurl.com/5n9awtmh

الأجنبية

Abd Karim, Nur Alkaf. "Risk Allocation in Public Private Partnership (PPP) Project: A Review on Risk Factors." International Journal of Sustainable Construction Engineering and Technology. vol. 2, no. 2 (2011).

Abdalla, Monged & Tamer Qarmout. "An Analysis of Sudan's Energy Sector and its Renewable Energy Potential in a Comparative African Perspective." International Journal of Environmental Studies. vol. 80, no. 4 (2023).

Adenle, Ademola A., Karin Wedig & Hossein Azadi. "Sustainable Agriculture and Food Security in Africa: The Role of Innovative Technologies and International Organizations." Technology in Society. vol. 58 (2019).

Ahmed, Allam. Business Excellence and Competitiveness in MENA. Geneva: Inderscience Enterprises Limited, 2008.

Babatunde, Solomon Olusola et al. "Barriers to Public Private Partnership Projects in Developing Countries: A Case of Nigeria." Engineering, Construction and Architectural Management. vol. 22, no. 6 (2015).

Cheung, Esther & Albert P. C. Chan. "Risk Factors of Public-Private Partnership Projects in China: Comparison between the Water, Power, and Transportation Sectors." Journal of Urban Planning and Development. vol. 137, no. 4 (2011).

Cuttaree, Vickram & Cledan Mandri-Perrott (eds.). Public-Private Partnerships in Europe and Central Asia. Washington, D.C: The World Bank, 2011.

Delhi, Venkata Santosh Kumar, Ashwin Mahalingam & Seshanka Palukuri. "Governance issues in BOT Based PPP Infrastructure Projects in India." Built Environment Project and Asset Management. vol. 2, no. 2 (2012).

Fleta-Asín, Jorge, Fernando Muñoz & Jorge Rosell-Martínez. "Public-Private Partnerships: Determinants of the Type of Governance Structure." Public Management Review. vol. 22, no. 10 (2020).

Fombad, M. C. "Enhancing Accountability in Public–Private Partnerships in South Africa." Southern African Business Review. vol. 18, no. 3 (2014).

Fouillen, K. BäLz & M. "Sudan's New Investment Environment in Sudan: Towards Reintegration into the International Economy." Lexology. 31/5/2021. At: https://cutt.ly/Bw7V273G

Gaboury, Damien et al., "Structural Setting and Fluid Composition of Gold Mineralization Along the Central Segment of the Keraf Suture, Neoproterozoic Nubian Shield, Sudan: Implications for the Source of Gold." International Geology Review. vol. 46, no. 1 (2022).

Helmy, Heba E. "The Impact of Corruption on FDI: is MENA An Exception?" International Review of Applied Economics. vol. 27, no. 4 (2013).

Heravi, Gholamreza & Zeinab Hajihosseini. "Risk Allocation in Public–Private Partnership Infrastructure Projects in Developing Countries: Case Study of the Tehran–Chalus Toll Road." Journal of Infrastructure Systems. vol. 18, no. 3 (2012).

Hodge, Graeme A., Carsten Greve & Anthony E. Boardman. International Handbook on Public-Private Partnership. Massachusetts: Edward Elgar Publishing, 2010.

Hwang, Bon-Gang, Xianbo Zhao & Mindy Jiang Shu Gay. "Public Private Partnership Projects in Singapore: Factors, Critical Risks and Preferred Risk Allocation from the Perspective of Contractors." International Journal of Project Management. vol. 31, no. 3 (2013).

Khairi, Gassoum Khairi Bilal. "Social Justice in Sudan Under a Situation of Resource Mismanagement." Social Justice. vol. 9, no. 18 (2018).

Koppenjan, Joop. "The Formation of Public‐Private Partnerships: Lessons from Nine Transport Infrastructure Projects in the Netherlands." Public Administration. vol. 83, no. 1 (2005).

Liu, Henry J. et al. "From Design to Operations: A Process Management Life-Cycle Performance Measurement System for Public-Private Partnerships." Production Planning & Control. vol. 29, no. 1 (2018).

Magalhães, Lucas et al. "Project Management in Public-Private Partnerships: A Conceptual Framework Based on a Systematic Literature Review." Gestão & Produção. vol. 27, no. 1 (2020).

McQuaid, Ronald W. & Walter Scherrer. "Changing Reasons for Public–Private Partnerships (PPPs)." Public Money & Management. vol. 30, no. 1 (2010).

Mohamed, Ayat, Aynur Gülenç Birsen & Yasin Bilim. "Tourism Development Potentials and Challenges in Sudan." Journal of Economic Cooperation & Development. vol. 43, no. 4 (2022).

Mohamed, Issam A. W. "Effects of Investment on Macroeconomic Variables in the Sudanese Economy." MPRA Paper , no. 32293. Department of Economics. Al Neelain University. Khartoum. Sudan. 2010.

Osei-Kyei, Robert & Albert P. C. Chan. "Review of Studies on the Critical Success Factors for Public–Private Partnership (PPP) Projects from 1990 to 2013." International Journal of Project Management. vol. 33, no. 6 (2015).

Panayides, Photis M., Francesco Parola & Jasmine Siu Lee Lam. "The Effect of Institutional Factors on Public–Private Partnership Success in Ports." Transportation Research Part A: Policy and Practice. vol. 71 (2015).

Pusok, Krisztina. "Public-Private Partnerships and Corruption in the Water and Sanitation Sectors in Developing Countries." Political Research Quarterly. vol. 69, no. 4 (2016).

Roehrich, Jens K., Michael A. Lewis & Gerard George. "Are Public–Private Partnerships a Healthy Option? A Systematic Literature Review." Social Science & Medicine. vol. 113 (2014).

Rosell, Jordi & Angel Saz-Carranza. "Determinants of Public–Private Partnership Policies." Public Management Review. vol. 2, no. 8 (2020).

Save, Radio & Lily Ryan-Collins. "Meeting Water Demand in Growing Cities: A PPP Project in Sudan" Thomas Telford Ltd. vol. 167, no. 3 (2014).

Schepper De, Steven, Michaël Dooms & Elvira Haezendonck. "Stakeholder Dynamics and Responsibilities in Public–Private Partnerships: A Mixed Experience." International Journal of Project Management (2014).

Shaoul, Jean, Anne Stafford & Pamela Stapleton. "Accountability and Corporate Governance of Public Private Partnerships." Critical Perspectives on Accounting. vol. 23, no. 3 (2012).

Siddig, El-Fatih Ali & Fareed Hassan. The Sudan Interim Poverty Reduction Strategy Paper Status Report: A Joint World Bank Group and Sudan's Ministry of Finance and Economic Planning Assessment. No. 110503. Washington: The World Bank, 2016.

Tang, LiYaning, Qiping Shen & Eddie W. L. Cheng. "A Review of Studies on Public– Private Partnership Projects in the Construction Industry." International Journal of Project Management. vol. 28, no. 7 (2010).

The World Bank. "PPP Contract Types and Terminology." 23/6/2022. at: https://cutt.ly/5w7Vj7zN

The World Bank. "World Bank Group and Government of Sudan Launch Public-Private Partnership Support Program for Sudan." 2/2/2017. At: https://cutt.ly/8w7BgUag

Suhail, Mohammad & Atik Ur Rahman. West Asia and North Africa: Changing Paradigms. New Delhi: Rawat Prakashan, 2019.

Wang, Huanming et al. "Public–Private Partnership in Public Administration Discipline: A Literature Review." Public Management Review. vol. 20, no. 2 (2018).

Wang, Huanming et al. "The Moderating Role of Governance Environment on the Relationship between Risk Allocation and Private Investment in PPP Markets: Evidence from Developing Countries." International Journal of Project Management. vol. 37, no. 1 (2019).

Yang, Yongheng, Yilin Hou & Youqiang Wang. "On the Development of Public–Private Partnerships in Transitional Economies: An Explanatory Framework." Public Administration Review. vol. 73, no. 2 (2013).