نقد مؤسسات الإعمار المجتمعي ومنظماته: العواقب غير المرئية للحرب، الأسرة السورية نموذجًا
Critique of Community Reconstruction Institutions and Organizations: The Unseen Consequences of War
الملخّص
ملخص: منذ اندلاع الثورة في سورية في عام 2011، وما تبعها من اضطرابات وحرب داخلية، نشطت المنظمات الدولية والمحلية في الاستجابة لاحتياجات المدنيين، لكنّ أنشطتها تجاهلت في معظمها ما يستوجبه الحفاظ على دينامية منظومة الأسرة السورية. كشفت الدراسة عن تجاهل المنظمات لأثر الحرب وطول سنواتها في الديناميكيات الجديدة المؤثرة في هذه المنظومة، وبخاصة التحول في أدوار الرجال والنساء التقليدية وفي تنشئة الأطفال. وفي هذا الوضع، ومع تصدّر المنظمات الدولية مشهد العمل الإنساني في سورية، وتحركها وفق أجنداتها الخاصة، برز السؤال عن مدى استيعابها للسياقات الأسرية والمجتمعية المتنوعة في سورية، ومدى إدراكها أهمية الاشتغال بدعم منظومة الأسرة السورية انطلاقًا من هذا الفهم. تهدف هذه الدراسة إلى توجيه أنظار صناع القرار في تلك المنظمات، وكذا أصحاب المصلحة على اختلافهم، إلى أهمية التوجه نحو إنتاج معرفة متوازنة وواعية بالسياقات المتنوعة في المنطقة العربية، بما يسهم في رسم سياسات تضطلع بتعافي المنظومات الأسرية في المناطق المتضررة من الحروب والكوارث.
Abstract
Abstract: Since the outbreak of the Syrian conflict in 2011, international, global, and local organizations have mobilized to address civilian needs, with a primary focus on basic humanitarian aid. However, this study highlights the relative neglect of deeper societal impacts—particularly the long-term effects of war on Syrian family dynamics, including shifts in gender roles and the challenges of raising children amid conflict. The dominance of international organizations, often operating with predefined agendas, raises concerns about their understanding of Syria's diverse familial and cultural contexts, as well as their limited emphasis on fostering family resilience. This study urges policymakers and regional stakeholders to prioritize locally grounded knowledge production in order to inform more context-sensitive policies. Drawing on both Western and Arab literature, along with a wide range of qualitative interviews and quantitative surveys, the research seeks to contribute to efforts aimed at rebuilding and strengthening family resilience in war- and disaster-affected environments.
- سورية
- نسوية
- منظومة الأسرة
- مجتمع ما بعد الصراع
- المجتمع المدني
- المنظمات المحلية
- Syria
- Family Structures
- Post-Conflict Society
- Civil Society
- Local Organizations
- Global Organizations
- Feminism
كلمت مفتاحية: سورية، نسوية، منظومة الأسرة، مجتمع ما بعد الصراع، المجتمع المدني، المنظمت المحلية، المنظمت الدولية.
مقدمة
أسفرت الحرب في سورية عن تغييرات جوهرية في بنية الأسرة السورية، فقد تسبّبت في فقدان العائل الرئيس لما يقارب من مئتي ألف أسرة، وتشريد حوالى 6.8 ملايين شخص داخل سورية، إضافة إلى 5.5 ملايين لاجئ في دول الجوار. وأدت هذه التحولات والظروف الاقتصادية القاسية إلى تفكك الروابط الأسرية، وارتفاع نسب الأسر التي تعيلها النساء إلى 22 في المئة، فضلًا عن ارتفاع نسب عملة الأطفال بما جاوز 80 في المئة في بعض المناطق. وبرزت تدخلات واسعة من المنظمت الدولية العاملة في سورية، إلا أن فاعليتها في دعم الأسرة ومدى توافقها مع الخصوصيات الثقافية والاجتمعية السورية بقيا موضع تساؤل كبير، فالعديد منها ظل يركّز على المساعدات الطارئة، من دون الأخذ في الاعتبار احتياجات ترميم البنية الأسرية وتأهيلها لمواجهة التحديات المستمرة. وهو أمر يوجب إعادة صياغة العلاقات والبنى الأسرية بما يحقق الاستفادة من القيم الإيجابية التقليدية، وتحويل تجارب الحرب إلى فرص للتغيير الإيجابي. وهذا يتطلب توجهًا عربيًا جادًا نحو إنتاج معرفي يسهم في رسم سياسات فعالة لمساندة المنظومة الأسرية في المجتمعات المتضررة من الحروب والكوارث. مع بدء اندلاع المظاهرات في سورية في آذار/ مارس 2011، اعتقد السوريون أن التغيير السياسي الإيجابي آتٍ، على نحو يتيح للأجيال القادمة من السوريين العيش في دولة خالية من الفساد، وينعم شعبها بتكافؤ الفرص. إلا أن طول مدة النزاع وتحوّل الأرض السورية إلى حرب بالوكالة وضعَا الأسرة السورية أمام خيارات صعبة وأسئلة كبررى. وبدا جليًا منذ اندلاع المظاهرات ظهور انقسام سياسي في مواقف أفراد الأسرة ذاتها، بين موالٍ للنظام وآخر معارض، ما لبث أن تشابك مع "مطبّ" الحكم الأخلاقي المحيّد للآخر. كم نمت ظواهر سلبية، كأن يستسيغ موالٍ للنظام إبلاغ المخابرات عن معارض من أفراد عائلته مثل، ا أو عن جاره، أو صديقه الذي يخرج في المظاهرات. وقد أدى تصاعد العنف في المناطق التي احتضنت الحراك الثوري إلى موجات نزوح جمعية، حيث اضطر عدد كبير من السكان إلى اللجوء إلى مناطق محايدة لا تتعرض للقصف من النظام السوري، نظرًا إلى عدم تصنيفها مناطق معارضة. وأسهمت هذه الديناميكيات في جعل النزوح عاملًا حاسمًا في تشكيل المشهدَين الاجتمعي والاقتصادي، لا سيم من خلال دوره في نشوء مجموعات الإغاثة وتحوّلها لاحقًا إلى منظمت إنسانية أكثر تنظيمًا. ومع اندلاع المظاهرات في مختلف أنحاء سورية، نشأ شكل جديد من العمل المدني تحت مسمى التنسيقيات، التي أدت دورًا جوهريًا في تنظيم الحراك الشعبي.
1 S. Devadas, I. Elbadawi & N. V. Loayza, "Growth in Syria: Losses from the War and Potential Recovery in the Aftermath," Middle East Development Journal , vol. 13, no. 2 (2021), pp. 215 - 244. 2 P. Acharya & A. Banerjee, "International Organizations in Syria: Combating the Socio-Legal Issues," Supremo Amicus , vol. 24 (2021), p. 1098. 3 Mahdi Karimi & Seyed Masoud Mousavi Shafaee, "Poor Governance and Civil War in Syria," Türkiye Ortado ğ u
Çalı ş maları Dergisi , vol. 5, no. 1 (2018), pp. 49 - 71. 4 شهدت الباحثة كيف أبلغت إحدى المعلمات فرع المخابرات العسكرية عن رؤيتها لمجموعة من طلابها يشاركون في المظاهرات، ما أدى إلى اعتقالهم وموت بعضهم تحت التعذيب، وبعد ثلاثة تنبيهات للمعلمة من المعارضة المسلحة، قام مقربون من الطلاب بالثأر منها. وقد تكرر هذا الشرخ الاجتماعي بأكثر من شكل في مناطق مختلفة في سورية، وبتنا نسمع بتصنيفات من مثل؛ شبيح وموالٍ ومندس ومعارض ولجان شعبية مسلحة وبيئة حاضنة للثورة ومنطقة موالية للنظام. 5 عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014
عملت هذه التنسيقيات على تسهيل تحركات المتظاهرين، مثل تحديد مسارات آمنة للمظاهرات بعيدًا عن نيران القنّاصة، وإرسال التحذيرات حول تحركات الأجهزة الأمنية، فضلًا عن توثيق مناطق القصف وأعداد القتلى والمعتقلين والمفقودين. ومع مرور الوقت، انتقل هذا النشاط الذي بدأ على شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتمعي إلى مستوى أكثر تنظيمًا على الأرض، حيث أصبحت الاستجابة لاحتياجات النازحين أولوية ملحّة، وشمل ذلك إنشاء مراكز إيواء وتوفير الغذاء والأدوية والأغطية والملابس وغيرها من المستلزمات الأساسية. ومع ازدياد تدفّق المساعدات المالية والإغاثية إلى الداخل السوري، برزت الحاجة إلى هيكلة هذه المبادرات وتحويلها إلى منظمت محلية، سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة، بهدف تسهيل استلام الدعم الدولي وإدارته، لا سيم التمويل الأوروبي الذي يتطلب أطرًا مؤسسية واضحة. ومع ذلك، لم يُلغِ دعم مبادرات المنظمت الدولية من أجل إغاثة النازحين والنازحات حقيقة أن النزوح حالة من التشتت الأسري والمجتمعي، "وبسبب أعمل العنف غير المسبوقة، فقدت عائلات كثيرة ربّ الأسرة المعتاد، الذي عادة ما يكون من الذكور"؛ ما أدى أيضًا إلى تركّز النسبة الأكبرر بين النازحين في فئتي النساء والأطفال. وهي حال وضعت الأسر النازحة أمام تحديات اقتصادية غير مألوفة، اضطرت معها النساء إلى السكن والعمل في بيئات غير آمنة، إضافة إلى أنهن صرن عرضة أكثر للتمييز الاجتمعي. ومن هنا، تأتي أهمية الدراسة التي تأمل في الإسهام في إنتاج معرفة عربية تخص سلامة الأسرة العربية وبقاءها، ولا سيم في المناطق التي تعرضت للكوارث والحروب، وما يتصل بذلك من استراتيجيات ومناهج عمل مؤسسية، حيث تعتبرر المجتمعات التي تعاني النزاعات والحروب الأكثر احتياجًا إلى التدخلات المتبصرة، التي تأخذ في الاعتبار معطيات السياَقيَن الثقافي والاجتمعي المحلية. كذلك تبررز أهمية الدراسة من ندرة تناول موضوعها؛ فعلى الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت مختلف جوانب الملف السوري خلال فترة النزاع، فإنها ظلت بمنأى عن التعرض لأوضاع المنظومة الأسرية والمجتمعية السورية المتأثرة بظروف الحرب. وحتى الدراسات النسوية، التي تناولت بالنقد المنظومة القانونية والمجتمعية المميزة ضد المرأة، لم تتطرق إلى دراسة تأثير الظلم الواقع عليها في منظومة الأسرة التي تنتمي إليها. وبعبارة موجزة، ظل جانب الضرر الذي أصاب بنيان الأسرة السورية مهملًا في الدراسات الأكاديمية. من هذا المنطلق، تطرح الدراسة سؤاَليَن رئيَسيَن؛ أولهم السؤال عن حاجة الأسرة السورية، خاصة أفرادها الذين عاشوا الحرب وتجربة النزوح وتبعاتهم، إلى الدعم المعزز للقيم الأسرية البنيوية، التي تعكس تقاليد المجتمع السوري. وينطلق السؤال من أن منظومة القيم تعين المجتمعات على تجاوز الأزمات النفسية والسلوكية الناجمة عن الحرب. أما السؤال الثاني فيتناول مدى تلبية مبادرات المنظمت الدولية الممِّوِلة احتياجات المنظومة الأسرية السورية وملاءمتها لسياقها الثقافي المجتمعي. تنقسم الدراسة إلى أربعة مباحث؛ يوضح المبحث الأول المنهجية وأدوات جمع المعلومات. ويتناول المبحث الثاني الأسرة السورية مستعرضًا جملة من البيانات الكمية والنوعية، مع تركيزه على تأثير الحرب والعنف
6 M. Alkhalil et al., "An Analysis of Humanitarian and Health Aid Harmonisation over a Decade (2011-2019) of the Syrian Conflict," BMJ Journal , vol. 9, no. 10 (2024). 7 "Syrian Women-Headed Households: Hoping to Survive and Move on," UNFPA, ReliefWeb (2013), accessed on 12/11/2023, at: https://bit.ly/42YZlGc 8 N. Gabiam, "When 'Humanitarianism' Becomes 'Development': The Politics of International Aid in Syria's Palestinian Refugee Camps," American Anthropologist , vol. 114, no. 1 (2012), pp. 95 - 107.
في بنيتها ومدى تماسكها، وكذا التحول في الأدوار الأسرية وتغير القيم الاجتمعية. ويعرض المبحث الثالث تقييمًا لفاعلية المنظمت المحلية في دعم الأسرة السورية ومدى قدرتها على تنفيذ برامج ناجزة، ويشمل ذلك نقاشًا للعلاقة بينها وبين المنظمت الدولية الممِّوِلة، ومدى ملاءمة تدّخلّات الأخيرة للسياقات الثقافية والاجتمعية في سورية. وأخيرًا يناقش المبحث الرابع أهمية الإنتاج المعرفي المحلي وضرورة تطوير بنية معرفية محلية تسهم في وضع سياسات ونظريات تدعم الأسرة في فترات الحروب والكوارث وما بعدها في المجتمعات العربية. وتنتهي الدراسة بخاتمة تجمل أبرز نتائجها، وتقترح بعض التوصيات ذات الصلة.
أوالًا: منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة على منهجية استقرائية تستند إلى تحليل الأدبيات العربية والأجنبية المتعلقة بموضوع البحث، إضافة إلى تحليل البيانات الكمية والنوعية المستمدة من عينة واسعة من المجتمع السوري. شكّلت المقابلات فرصة لمناقشة نتائج الاستبيانات وإجراء مقارنة بين ما يراه الناشطون والناشطات وما أظهرته استطلاعات رأي الشارع. ففي الجانب الكمي، وكم هو موضح في الجدول، جُمع 1210 استبيانات تغطي مختلف المناطق السورية من الشمل الشرقي إلى الشمل الغربي والجنوب الواقع تحت سلطات مختلفة قبل سقوط نظام بشار الأسد. وركزت هذه الاستبيانات على شؤون المرأة السورية ومدى تأثرها بالحرب والعنف بوصفها فردًا رئيسًا من أفراد الأسرة المتضررين. وكانت النتائج متنوعة وتعكس الواقع المعقد الذي تعيشه المرأة السورية في مختلف مناطق النزاع، على نحو ما سيجري عرضه لاحقًا.
جدول خصائص العينة الكمية للدراسة
جدول خصائص العينة الكمية للدراسة
| المنطقة بحسب السيطرة* | المحافظات | عدد العينة | احتملية الخطأ |
|---|---|---|---|
| شمل شرق سورية | الحسكة، دير الزور، القامشلي | 404 | )±(% 4.88 |
| شمل غرب سورية | حلب، اللاذقية، إدلب، حمة | 404 | )±(% 4.88 |
| جنوب سورية | دمشق، درعا، السويداء | 404 | )±(% 4.88 |
جنوب سورية
دمشق، درعا، السويداء 404
المصدر: من إعداد الباحثة.
ركز الاستبيان على قضايا المرأة السورية، باعتبارها إحدى الفئات الأكثر تضررًا من النزاع في سورية، واستهدف تحليل أنماط التغير في الأدوار الاجتمعية والاقتصادية للمرأة، إضافة إلى استكشاف مدى تأثير النزوح والعنف المسلح في الاستقرار الأسري. وإلى جانب البيانات الكمية، أجريت 12 مقابلة معمّقة مع شخصيات سورية تعمل في مجالات متعددة، منها المنظمت غير الحكومية، والمجتمع المدني، وحقوق الإنسان، والقطاع الأكاديمي. وهدفت المقابلات إلى استكمل نتائج الاستبيانات، ومقارنة تصورات الناشطين والناشطات بالبيانات الميدانية. وكم هو موضح في ملحق الدراسة، شملت العينة النوعية مشاركين من مختلف المناطق السورية ومن خلفيات مهنية متنوعة؛ ما أتاح رؤية أكثر شمولية للواقع الاجتمعي في ظل النزاع. وتضمّنت
9 Violence Against Women and Girls in Syria (Paris: EuroMed Feminist Initiative-EFI, 2023).
المواضيع التي جرى تناولها في المقابلات تأثير العنف والنزوح في الأسرة، واستجابة المنظمت الدولية والمحلية لهذه التحديات، وإمكانية إعادة بناء البنية الأسرية في مرحلة ما بعد النزاع. ولضمن صدقية النتائج، اعتمدنا منهجية تحليل متكاملة، شملت التحقق من صحة البيانات من خلال المقارنة بين الاستبيانات والمقابلات، واستخدام أساليب إحصائية دقيقة لضبط نسبة الخطأ. كم حرصنا على تحقيق تمثيل جغرافي متوازن، لضمن شمول العينة لمختلف التحديات التي تواجهها الأسر السورية تبعًا لاختلاف مناطق النزاع. وقد حاولت الدراسة أن تقدّم تحليلًا معمقًا لتأثير الحرب في الأسرة السورية من منظور متعدد الأبعاد، يجمع بين البيانات الكمية والمقابلات النوعية. تجدر الإشارة إلى أن الدراسة لاقت عدة صعوبات في أثناء جمع البيانات، من أبرزها تعذّر الوصول إلى بعض المشاركين بسبب الأوضاع الأمنية؛ ما استدعى القيام بورشات عمل متكررة من أجل تنبيه جامعي الاستبيانات للمواثيق البحثية الأخلاقية، والاعتبارات التي توجب حمية المعلومات وأمان المستجيبات للاستبيان، مع تحري الموضوعية في الوقت ذاته. وشمل التدريب استخدام برنامج كوبو في جمع الاستبيانات أو ملء الاستبيانات الورقية، واعتمد معايير دقيقة لاختيار العينة من مناطق خاضعة لسيطرة جهات متباينة. كم تحقق مختصون في صحة المعلومات من البيانات، عبرر مقارنات متعددة المصادر ومن خلال تحليل النتائج ومحاكمتها.
ثانيًا: أزمة الأسرة السورية وتحولاات أدوارها
عانت الأسرة السورية كثيرًا من آثار الحرب، التي لم تقتصر على الخسائر المادية، بل امتدت لتشمل تفكك الروابط الأسرية، وتغيير الأدوار التقليدية التي اعتادتها الأسرة. وفي العادة، تنال الخسارة في الأرواح والإصابات الاهتمم؛ لأنها أمر مفجع، لكنّ الآثار الاجتمعية والعائلية تبقى بعيدة عن المناقشة، على الرغم من تأثيراتها العميقة. وتعكس هذه التغيرات أهمية إعادة بناء الروابط الاجتمعية وإعادة هيكلة الأسرة بما يتمشى مع الواقع الجديد. يجادل هذا المبحث في ما تواجهه الأسرة السورية من تحولات كبيرة في بنيتها المجتمعية من خلال الاستدلال بنتائج المقابلات النوعية والدراسة الكمية المنجزة. وقد أفاد من نتائج العديد من الدراسات الأسرية من ناحية هيكل الأسرة التقليدية ومركزية الإنجاب والعمل المنزلي في حياة المرأة، بما أعان الباحثة على فهم كيفية تأثير التغييرات الحالية بعد الحرب في سورية في بنية الأسرة، وتأرجحها بين المفهوم التقليدي للأدوار الأسرية وما تفرضه الظروف الطارئة في الحرب من أدوار مستحدثة، تتحدى معايير الأسرة التقليدية، ومن ثم تفرز قيمًا وأحكامًا معيارية طارئة، وربما نافرة.
10 Heba Batainah & Michael De Percy, "Women, Peace and Security: What Can Participation mean for Syrian Women? 3/2021," Report , Australian Civil-Military Centre (October 2021). 11 Moosa Elayah & Fatima Al Majdhoub, "Framing Conflict in the Middle East: Yemen and Syria in European Media," in: Europe and the MENA Region: Media Reporting, Humanitarianism, Conflict Resolution, and Peacebuilding (Cham: Springer Nature, 2022), pp. 173 - 199.
تشير التقارير إلى جملة من العوامل التي أدت في مجملها إلى فرض واقع على المرأة يضعها في موقع المسؤولة عن رعاية ما يقدّر بثلث الأسر في سورية. والملاحظ أن ظاهرة انخراط النساء في مهمة كسب لقمة العيش قد تسبّبت فيها عوامل ثلاثة؛ العامل الأول، هجرة الرجال أو التحاقهم بجبهات القتال أو وفاتهم أو اعتقالهم. ثانيًا، النزوح واضطرار المرأة إلى أن تكون المعيل؛ ما جعل عملها أمرًا مفروغًا منه. ثالثًا، الوضع الاقتصادي المتدهور؛ إذ يبّين تقرير للبنك الدولي أن سعر الليرة السورية في أعوام النزاع قد بلغ أدنى مستوياته، وأن سورية باتت من الدول الأكثر فقرًا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وهي الحال التي أفضت إلى ظهور أنماط طارئة من أجل كسب العيش لم يعهدها المجتمع السوري، بما فيها تجارات غير مشروعة، مثل تجارة المخدرات. وقد أثر عامل تناقص عدد الرجال، سواء بسبب وجودهم على جبهات القتال أو الهجرة أو الاعتقال أو الموت، سلبيًا في ديناميكية الأسرة وتوازن بناء المجتمع السوري. ونشرت صحيفة ذي فايننشال تايمز تقريرًا عن تناقص عدد الرجال في سورية بسبب الحرب، أشار إلى تقديرات أصدرتها الأمم المتحدة تفيد أن النساء في سورية أصبحن مصدر الرزق الأساسي للعائلات، على نحو لم يألفه المجتمع السوري التقليدي في تغير الأدوار الجندرية. وتظهر التجربة التاريخية أن بعض الحروب أفضت إلى تحولات نتج منها إيلاء المرأة المزيد من الحقوق والحريات. فتذهب مثلًا الحركات التقدمية والنسوية إلى أن مآلات الحرب العالمية الثانية دفعت إيجابيًا نحو منح النساء في أوروبا فرص العمل خارج المنزل؛ ما عزز تطوير الاقتصاد الأوروبي، وفي غضون سنوات قلائل باتت القوى النسائية المعطلة فاعلة بشدة في الاقتصاد. وفي طيات هذا التحول، اضطرت النساء إلى توّلي أدوار الرعاية خارج المنزل، فقمنَ، مثل، ا باستعارة دور الشرطة من خلال التناوب على حمية الحارات من دخول الغرباء ومن يستهدفون خطف الأطفال أو الاعتداء على النساء. كم استعملن مهاراتهن المنزلية لإنشاء مشروعات المخابز والمطاعم، فبِتنَ مصدرًا لإدرار الدخل لأسرهن، في الوقت الذي يرعينها فيه أيضًا. لكن إلى أي مدى تنطبق تجربة النساء في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية على تجربة المرأة السورية وظروفها؟ وما الذي يعزز الاعتقاد أن نتائج خوض المرأة السورية في سوق العمل السوري سيمنحها المكانة التي وصلت إليها المرأة الألمانية في الحقوق والحريات؟ وهل يمك ننا تجاهل الفجوة التي سيتسبب فيها إقحام المرأة السورية في سوق العمل وتغير دورها الجندري من دون الاشتغال على البناء الفكري للأسرة؟ وهل يمك ننا غضّ النظر عن النتائج المترتبة على توازن الأسرة عندما يُكسر خط التقسيم الجندري التقليدي العميق في بنية المجتمع العربي؟
12 "Syrian Women-Headed Households: Hoping to Survive and Move on." 13 World Bank Groub, "The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria," Report , 10/7/2017, accessed on 10/10/2023, at: https://bit.ly/41mSRzT 14 Chloe Cornish, "Shortage of Men Sees more Syrian Women Enter Workforce in Damascus," The Financial Times , 25/1/2019, accessed on 6/2/2024, at: https://shorturl.at/anDE3 15 Hester Vaizey, "Empowerment or Endurance? War Wives' Experiences of Independence During and after the Second World War in Germany 1939-1948," German History , vol. 29, no. 1 (2011).
تطرّق فوزي الشريف وإلهام العزابي لذلك في مقالتهم "التنشئة الاجتمعية في الأسرة العربية في ظل تضارب أدوار المرأة العاملة". وبحسب المختار الهراس في كتابه حول انخراط المرأة في ص عن القرار من خلال ولوجها في مجالات العمل والإنتاج، فإن مخرجات عمل المرأة لا تشبه مخرجات عمل الرجل الذي يأخذ الدور الطبيعي في المواطنة بناءً على عمله خارج المنزل، وينخرط في عمليات ص عن القرار السياسي، بينم تبقى المرأة في درجة أدنى من ذلك، فعملها ما زال وليد الحاجة، ولم يعكس استجابة لتغّير خلخل المنظومة الاجتمعية الذكورية السائدة، التي تقسم أدوار الرجل والمرأة. كان لعاملي الفقر وغياب الذكور عن الأسرة أثرهم في التحولات التي ألمّت بالأدوار التقليدية التي يضطلع بها أفراد الأسرة السورية، وفي التعجيل بانخراط أكبرر للمرأة في سوق العمل. وفي هذا الشأن، تفيد شهادة إحدى المستجيبات، وهي أستاذة جامعية، أنها قبل الحرب لم تكن لترى فتاة واحدة تعمل نادلة في مطعم أو مقهى في سورية، إلا أن الأمر الآن بات مألوفًا جدًا، بل يمكن رؤية الفتيات والنساء يعملن في محطة محروقات، أو سائقات سيارات نقل؛ أي إن المرأة السورية باتت تعمل في مهن كانت مكرّسة للذكور في مجتمعها. في حين تذهب شهادات الناشطين والناشطات إلى أن اتخاذ النساء خلال النزاع دور المعيلات الأساسيات يواجه منظومة غير مجهّزة لمشاركتهن في حقول العمل كم يجب، من مثل تأمين الخدمات الرئيسة التي يحتجن إليها من أجل البقاء. أما العامل الثاني في تغّير ديناميكيات الأسرة المتمثل في عامل النزوح، فقد هدد صورة المرأة التقليدية ومكانتها (الأم، البنت، الأخت، الزوجة). وبحسب المعتقد الأسري والمجتمعي، كانت المرأة محمية من المحيط المكوّن من الأب والزوج، اللذين ينتهي إليهم زمام الأمور. وقد شجعت ثقافة المجتمع السوري ومضامين قانون الأحوال الشخصية على استمرار هذه التراتبية، على نحو جعل العائلة والعشيرة الحامي الأساسي للمرأة. وردًا على أحد أسئلة الاستبيان حول إذا ما كانت النساء المعنّفات في سورية يطلبن المساعدة عند تعرّضهن للعنف وممّن، أفاد أكثر من نصف العينة الإجملية (56 في المئة) أن النساء اللاتي يتعرضن للعنف لا يطلبن المساعدة، وأن 78 في المئة من هذه النسبة تمثّل النساء ممّن يفضّلن طلب المساعدة من أقاربهن. ويفهم من هذا أن نزوحهن إلى مناطق لا يوجد فيها أقارب لهن يزيد من هشاشة موقفهن، ومن نسبة العنف ضدهن، ولا سيم أن القانون والشرطة ومؤسسات الدولة لم تكن تتدخل من أجل ردع سلوكيات العنف ضد المرأة. والهدف من ذلك كان سياسيًا، مبررره عدم زعزعة رضا البطريركية العميقة في المجتمع السوري عن نظام الأسد واعتبار شؤون المرأة من شؤون المجتمع المحافظ. وضمن هذا السياق القانوني والمجتمعي، تصبح النساء النازحات فريسة للمتحرشين وللاستغلال الجنسي مقابل تأمين حاجاتهن الأساسية. وقد يكون المتحرش جزءًا من منظومة توزيع الإغاثة التابع للإشراف الحكومي. وفي هذا الصدد، يقول أحد الناشطين من محافظة السويداء عن تحرّش موظفي الإغاثة ببعض النساء النازحات
61 فوزي صالح الشريف وإلهام عمران العزابي، "التنشئة الاجتماعية في الأسرة العربية في ظل تضارب أدوار المرأة العاملة"، مجلة القرطاس للعلوم الإنسانية والتطبيقية، مج 9، العدد 9.)2020(71 المختار الهراس، المرأة وصنع القرار في المغرب (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع "مجد "،.)2008 81 Ashley Bandura & Mercedes Blackwood, "Women's Role in Achieving Sustainable Peace in Syria, A Policy Brief in the U.S. Civil Society Working Group on Women," U.S. CSWG, Policy Brief , 22/5/2018, accessed on 12/11/2023, at: https://bit.ly/4k5dqrJ
وابتزازهن: "غالبًا ما ينظر إلى النساء النازحات على أنهن أضعف، ولا يوجد من سيدافع عنهن، حتى من مزودي الخدمات بمن فيهم رجال الصليب الأحمر. فعندما نتحدث عن مزودي خدمة الغاز، وهم من الفرق الحزبية، وهم من يستغلون حاجة النازحات، فقد وثقنا حالات تحرش من قبلهم بالنازحات. هؤلاء يعلمون أن النساء النازحات ليس لديهن من يحميهن". وكذلك تصف الأمر إحدى الناشطات العاملات في إحدى المنظمت المرخصة في دمشق: "النازحات يتم استغلالهن في بعض المواقع، لأنهن لسن من هذه المنطقة فلا يستطعن التكلم عند تعرضهن للعنف". عمومًا، تتعرض النساء النازحات للتمييز، مثل ذلك الذي يجري أمام صفوف أفران الخبز وتوزيع المعونات، وكذا في أثناء بحثهن عن فرص عمل لإعالة أطفالهن. وهؤلاء النساء اللاتي لم يعمل معظمهن سابقًا، وليس
لديهن خبررة في سوق العمل، أُقحمن فجأة في وسط اجتمعي مغاير، ودينامية اقتصادية تمييزية وغير عادلة. فالقوانين الناظمة لسوق العمل في سورية لم تكن مجهزة لعمل النساء، لا سيم في القطاع الخاص، لذا استُخدمت هذه الفجوة من خلال تشغيل الكثير من النساء النازحات في المعامل أو الأراضي الزراعية بأجور زهيدة ومن دون تعويضات إصابة عمل أو تقاعد؛ ما جعلهن يخضعن لمزاجية صاحب العمل، ليصبح الآمر الناهي في موقعه، وهو من يحدد الأجور وينهي عملهن من دون عواقب. وبعض النساء النازحات يتعرضن للتمييز في سوق العمل والتوظيف جندريًا وعرقيًا وطبقيًا. وفي هذا السياق، تقول إحدى الناشطات عن مشاهدتها للتمييز العرقي الذي يمارس على زميلاتها الكرديات بسبب عرقهن فقط، فيجري استبعادهن من العمل، مثل:ا "إن زميلات لي كرديات يتم رفضهن من بعض جهات العمل فقط لانتمئهن الكردي". ولأن النزوح الطارئ للأسر أدى في كثير من الأحيان إلى عدم حمل النساء النازحات أوراقًا ثبوتية رسمية، فقد واجهن مع أطفالهن مشكلة تسجيلهم في المدارس وتثبيت الولادات الحديثة والوفيات وتوزيع الميراث. أما معاملات الطلاق فتواجه إشكالية التوثيق والمراسلات بين مناطق سورية المتعددة السيطرة؛ فعدم إرسال وثيقة الطلاق المسجلة في منطقة شمل غرب سورية إلى مناطق الحكومة السورية يعني أن المرأة ما زالت متزوجة، وهو ما يعني أنها ستواجه مأزق التوثيق في سجلات الحكومة السورية في حال زواجها الثاني وإنجابها. ويعلق محامٍ يعمل في دمشق عن اضطرار النساء في الحرب إلى الزواج المبكر والتعرض للتعنيف الجنسي أيضًا، بقوله: "النساء المهجرات والنازحات هؤلاء كلهن معرضات للتمييز وللعنف الجنسي، بمعنى التزويج المبكر، وربما تجارة الجنس والإكراه عليها. وهو ما يهدد عامل أمان واستقرار الأسرة التي باتت الإناث لديها عرضة للإباحية أيضًا". إن فقد مرجعية الأسرة والمجتمع عند نزوح المرأة أمر أساسي في خلخلة بنية الأسرة المستقرة، وهو ما يعني أن هناك ضرورة ملحة لأن تأخذ الدولة والقانون والمؤسسات دورها في حمية الأسرة والمرأة، فترك حمية المرأة للمجتمع أمر ثبت فشله عند الحروب وحتى في حالات الاستقرار. وهو ما تؤكده ثرية أقصري في حديثها عن إشكالية خروج المرأة إلى العمل والمجال العام حتى في أوقات السلم، فكيف إن كان الأمر في الحرب والنزوح؟ وتشير بهذا إلى أن أرباب العمل يستغلون ظروف المرأة. وما يزيد تأزيم وضعية المرأة كذلك هو عدم قيام
91 خبير 8، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/16 0 2 خبير 10، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/13 12 خبير 9، مقابلة عن بعد، شمال غرب سورية،.2024/1/7 22 خبير 3، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/19
الدولة بكل ما يلزم لجعل القطاع الخاص يلتزم بالقوانين، خصوصًا في ما يتعلق بالالتزام بالحد الأدنى للأجور والتغطية الصحية وساعات العمل. العامل الثالث هو الفقر وتدهور الاقتصاد؛ وهو عامل خطير، ليس أقل ضررًا من عامل النزوح، فقد تسبب في سلوكيات وطرائق للكسب غير شرعية، لم يعهدها السوريون من قبل، مثل تجارة المخدرات والسلاح. وباتت هناك نسبة من الفتيات والشبان الذين يقومون بأدوار التوزيع والاستهلاك، وكان هذا أحد أسباب انفجار تظاهرات أهالي محافظة السويداء المتكررة منذ 17 آب/ أغسطس 2023. وكان أحد أبرز مطالب المتظاهرين كفّ يد تجار المخدرات عن المحافظة، رافعين لافتات تؤكد أن هذا السلوك يسيء لقيم المحافظة ويهز أهم عقائدها الأخلاقية. ويُدلي أحد الناشطين من محافظة السويداء بشهادته حول ابتزاز الفتيات إلكترونيًا واقتصاديًا ليكنّ موزعات للمخدرات: "ما أريد توضيحه هو أن المجتمع يتعرض لهزة قيمية عنيفة، حيث إن انتشار الفصائل المسلحة أدى إلى استغلال النساء والفتيات، وذلك باتباع سياسة الابتزاز الرقمي عبرر السوشيال ميديا للسيدات، مم يضطر النساء إلى تنفيذ ما يُطلب منهن في شؤون إجرامية كالخطف وفي عمليات توزيع المخدرات. سأذكر مث لًا حصل في مدينة صلخد حيث تم ابتزاز نساء وفتيات للعمل مع عصابة مسلحة، وعندما ألقى الأمن العسكري القبض على بعض أعضاء العصابة، وظهرت صفحة على الفيسبوك نشرت الصور التي وجدت على موبايلات أفراد العصابة لفضح تسجيلات صوتية ومقاطع فيديو غير لائقة للنساء المتعاونات معهم. كانت الصور لفتيات قاصرات ونساء متزوجات، وهو ما أثار حفيظة ذويهن وتسبّب في تعنيفهن وهناك أخبار حول قتل بعضهن. ولأن مجتمع هذه المدينة يعد مجتمعًا مغلقًا، فقد تم التعتيم على الحادثة ومُنِعنا من الإضاءة على الخبرر أو معرفة حيثيات القتل وهوية النساء المقتولات". إن غضب الأهالي في أثناء التظاهرات ضد ظاهرة انتشار المخدرات ومواجهتها هو أمر حاسم يمكن أن يتم البناء عليه في عملية بناء منظومة الأسرة الأخلاقية، وذلك بتعزيز قيم المجتمع الرافضة للسلوكيات المخلّة. وتشير بعض الدراسات إلى أن الانجذاب بين الشبان والشابات إلى أقران منحرفين يميل إلى أن يكون أعلى في المجتمعات ذات الدخل المنخفض. في حين أن وجود عائلات تجيد التربية حتى إن كانت تعاني الفقر يشكّل عامل حمية للفرد من ناحية استناده إلى أساس قيمي متين يوفر له بوصلة حتى في حالات الانجراف بعلاقات مع أقران غير جيدين. وهو ما يجعل من العائلة عاملَ تصٍّدٍ مهمًا لا بد من دعمه من أجل النهوض بالمجتمعات، لا سيم في ظاهرة النزوح التي يعانيها المجتمع السوري حاليًا والتي لا نعلم إلى أيّ وقت ستبقى.
32 ثرية أقصري، إشكالية خروج المرأة من البيت ودخولها العمل والمجال العام (المغرب أنموذجًا) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.116 42 خبير 8، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/6 52 "'بتفويض من أهالي السويداء'.. اعتقال 4 أشخاص ضمن حملة رجال الكرامة ضد المخدرات"، سوريا كليك، 2024/1/26، شوهد في 2024/2/10، في: https://bit.ly/4170NUk 26 Patrick H. Tolan, Nancy G. Guerra & Luisa R. Montaini-Klovdahl, "Staying out of Harm's Way: Coping and the Development of Inner-City Children," in: S. A. Wolchik & I. N. Sandler (eds.), Handbook of Children's Coping: Linking Theory and Intervention (New York: Plenum Press, 1997), pp. 453 - 479. 27 Miguelina Germán, Nancy A. Gonzales & Larry Dumka, "Familism Values as a Protective Factor for Mexican-Origin Adolescents Exposed to Deviant Peers," The Journal of Early Adolescence , vol. 29, no. 1 (2009), pp.16-42.
ثالثًا: فاعلية المنظمت المحلية يف دعم الأسرة السورية
"ما الفائدة من تعريف النساء في منطقتنا بأن ضرب المرأة وإهانتها أمر مرفوض وعليها رفضه، وأن لها حقوقًا متساوية مع الرجل في الوقت الذي إن ذهبت لتشتكي للشرطة اعتداء زوجها عليها سيبدؤون في الضحك أو السخرية من شكواها؟ كل ما نقوم به في تدريباتنا التي تدعمها المنظمت الأوروبية هو تعريف النساء بأنهن متساويات في الحقوق مع أزواجهن وإثارة إشكالات في الأسرة دون دعم قانوني أو حكومي لحقوق النساء ومطالبهن!". تكررت مثل هذه التعليقات من ناشطين وناشطات في العمل المدني في سورية حول نوع المشاريع التي تمولها المنظمت الغربية. لا يمكن إنكار حاجة النساء في مناطق النزاع إلى الدعم الإضافي، ولا سيم أن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا في أحوال الحروب والكوارث. ومن هنا جاء التوجه العالمي الداعم للنساء في مناطق الحروب استجابةً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325، الذي يقضي بتنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن في مناطق النزاع، وتخصيص منح مالية كبيرة تدعم تنفيذها. وبناء عليه، تتجه المنظمت الغربية إلى تصميم مشاريع تتمشى مع سياسة القرار 1325 كي تحصل هي بداية على حصتها من التمويل الرئيس، ومن ثم إيجاد منظمت أو تجمعات وسيطة لها في مناطق النزاع، من أجل تنفيذ مشاريعها في التمكين الاقتصادي والسياسي والحقوقي. وتنطبق هذه الآلية على المنظمت العاملة في سورية. ولا يمكن إغفال الأثر الإيجابي لمثل هذه المشاريع في النساء السوريات، وفي بقية أفراد الأسرة؛ إذ "تعتبرر النساء والفتيات أكثر عرضة للفقر، فهن يشكّلن أكثر من نصف ساكنة القرى، ويبقى نشاطهن مرتبطًا أساسًا بالمهمت المنزلية التي تتسم بالصعوبة، وذلك نظرًا إلى عدم تحقيق الولوج المنصف والمتساوي للبنيات الأساسية". لذا يأتي التمكين للنساء وتحقيق الولوج المنصف لهن في مجال العيش المشترك مع الرجل من صالح الأسرة، وذلك إنْ كان جميع أفراد الأسرة على معرفة وإدراك لمعنى التشاركية وأهمية العدالة بين الرجل والمرأة في الفرص والحقوق والواجبات. وفي هذا الإطار، يأتي دور المجتمع المدني المأمول في التوعية بأهمية تنفيذ قوانين الدولة الناظمة لمسيرة العدالة المجتمعية؛ فالمجتمع المدني يمتلك القدرة على التأثير على نحو مباشر، وذلك من خلال برامج تستهدف تعزيز التمسك الأسري ودعم الأفراد في مواجهة التحديات النفسية والاجتمعية التي فرضتها الحرب. ولكونه جزءًا من النسيج المحلي، يكون أكثر دراية ومرونة في التعامل مع التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة؛ ما يجعله ع نصرًا أساسيًا في عملية بناء السلام والاستقرار المجتمعي. وإلى جانب المجتمع المدني، تضطلع المنظمت المحلية بدور محوري في تلبية احتياجات المجتمعات المتضررة، وهي بحكم قربها من السكان، ومعرفتها العميقة بالسياقات الثقافية والاجتمعية، لديها القدرة على تقديم
82 خبير 3، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/19 92 موسى علاية، "الصراعات العربية: التطورات والأنماط"، في: فهم الصراعات العربية، إبراهيم فريحات (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024 30 United Nation, Security Council, "Resolution 1325 (2000): Adopted by the Security Council at its 4213 th Meeting, on 31 October 2000," 31/10/2000, accessed on 8/2/2024, at: https://bit.ly/4b6XFfV 13 أقصري، ص.125 23 Alice Chancellor, "The Women Want the Fall of the (Gendered) Regime: In What Ways are Syrian Women Challenging State Feminism Through an Online Feminist Counterpublic?" Cornell International Affairs Review , vol. 14, no. 1 (2020), pp. 137 - 183.
دعم فعّال يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للأسر. ويتكامل دورها مع دور المجتمع المدني من خلال تنفيذ برامج تعزز من قدرة الأسر على التكيف مع الواقع الجديد، وتسهم في إعادة بناء الثقة بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأسرة والمجتمع. ولكي تقوم المنظمت المحلية بدورها في مراحل النزاع وما بعده، تستند إلى الدعم المالي واللوجستي والتقني الذي تقدّمه المنظمت العالمية التي يكون دعمها حاسمًا في كثير من الأحيان، لكنه قد يواجه تحديات تتعلق بعدم التكيف الكافي مع السياقات المحلية. والحال أن السياسات والبررامج التي تصممها هذه المنظمت قد تكون غريبة عن البيئة الاجتمعية والثقافية التي تعمل فيها؛ ما يقلل من فاعليتها؛ لذا يصبح تكامل دور المنظمت العالمية مع المنظمت المحلية والمجتمع المدني ضرورة لتحقيق أهداف إعادة الإعمر على نحو فعّال ومستدام. ولأن المنظمت العالمية تستند في أجندتها إلى قرار مجلس الأمن رقم 1325، فإن الجهود النسوية تضيف بُعدًا آخر لهذا البناء النظري من خلال التركيز على تمكين المرأة داخل الأسرة والمجتمع. تسعى النسوية لتعزيز دور المرأة في أوقات الظروف الصعبة، ليس بوصفها متلقية للدعم فحسب، بل بوصفها ع نصرًا فعّ لًا في عملية بناء السلام أيضًا، ولا سيم من خلال تمكينها وتعزيز قدراتها؛ ما يمكّن من خلق ديناميكيات أسرية جديدة تكون أكثر تكيفًا واستجابة للتحديات التي أفرزتها الحرب. وكل عنصر من هذه العناصر (إعادة الإعمر المجتمعي، والمجتمع المدني، والمنظمت المحلية، والمنظمت العالمية، والنسوية)، يشكّل جزءًا من منظومة متكاملة تشارك في تحقيق إعادة الإعمر على نحو شامل. ولا يمكن أن يعمل أيّ عنصر بمعزل عن الآخر؛ فكل واحد يسهم في خلق بيئة تدعم إعادة بناء الأسرة والمجتمع، مع أخذ السياقات الثقافية والاجتمعية الفريدة في الاعتبار. وبهذا الربط المتكامل، يصبح الهدف النهائي تحقيق إعادة إعمر حقيقية ومستدامة، تعيد للإنسان كرامته وللأسرة تماسكها وللمجتمع قدرته على النهوض من جديد. وعلى الرغم من أهمية عمل المنظمت المحلية في سورية عمومًا، فإن أنشطتها ليست مستدامة، لأن وجودها ونموها ونشاطها يعتمدان على عاملين؛ أولهم: ضعف قبضة الأمن أو سلطات الأمر الواقع أو شدتها كم حصل في درعا، بحسب إحصاء منظمة Impact للمنظمت الناشطة في سورية حتى عام 2021، حيث وصل عدد المنظمت في درعا في عام 2015 إلى 50 منظمة، انخفضت إلى 10 منظمت بعد إعادة نظام الأسد سيطرته على المحافظة في عام 2018. وتتشابك مصالح المخابرات مع الحكومة أيضًا، وهو ما يذهب إليه أحد الناشطين في محافظة السويداء فيقول: "إن مؤسسات المجتمع المدني في السويداء ترفض الحكومة ترخيصها، بل يرفضها النظام ويقاطعها ويحاربها. وفي عام 2018 صدر قرار من وزارة الشؤون الاجتمعية والعمل بم عن التعاون مع منظمت المجتمع المدني في السويداء في ما يخص مناهضة العنف ضد النساء، مستثنيًا نشاط الأمانة السورية للتنمية، وهي المرخصة منه. وبناء عليه، فإن أيّ محامٍ أو محامية يثبت عليه/ها التعاون
33 Moosa Elayah & Willemijn Verkoren, "Civil Society During War: The Case of Yemen," Peacebuilding , vol. 8, no. 4 (2020), pp. 476 - 498. 34 Rania Maktabi, "Female Citizenship under Authoritarian Rule in the Middle East: Ba ʿ thist Syria and Beyond," Bustan: The Middle East Book Review , vol. 9, no. 2 (2018), pp. 157 - 175. 35 R. B. Khoury, "Aid, Activism, and the Syrian War," PhD. Dissertation, Northwestern University, Northwestern, 2021. 36 Ay ş egül Gökalp Kutlu, "The Gender of Migration: A Study on the Syrian Migrant Women in Turkey," Kadın/ Woman 2000, Journal for Women's Studies , vol. 21, no. 1 (2020), pp. 21 - 38. 37 "List of Syrian CSOs: 2020 - 2021 Mapping," Impact Research , accessed on 18/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zQEt
مع مؤسسات المجتمع المدني في الدفاع عن النساء بشكل تطوعي يتم محاسبته/ها ومحاكمته/ها مسلكيًا في نقابة المحامين؛ لذا عندما تأتينا حالة من النساء المعنفات ونريد مساعدتها بتعيين محامٍ لها لا نقول للسيدة إن المحامي لن يتلقى أجورًا وإنه متطوع لدينا، جميع المحامين والمحاميات الذين يعملون معنا عليهم تضييق ومطلوبون من الفروع الأمنية وفرع فلسطين". وثانيهم: تحصيل التمويل، فالجهة الممولة تحدد برامج المنظمت ومشاريعها وأنشطتها؛ ما يعني أن الأمر منوط بأجندة الممول وأولوياته، وهذا يؤدي إلى اختزال التركيز على جانب معين من العمل المجتمعي على حساب جوانب أخرى؛ ما يفسر عدم توازن أنشطة المنظمت المحلية، حيث يكون بعض الجوانب أكثر فاعلية وانتشارًا تبعًا لحجم التمويل المتاح، حتى إن كان ذلك على حساب الحاجات الإنسانية الفعلية، وهو ما يذهب إليه الحسين شكراني من أن إهمل الإنسان أو المجتمع ناتج من الليبررالية الجديدة، حيث "الاستمتة في الدفاع عن الرأسمل باعتباره قيمة مطلقة"، وهو ما يذهب إليه أيضًا مراد دياني بقوله: "تكمن الطبيعة العميقة للنموذج الليبررالي الجديد في إيلاء الأسبقية للسوق على الإنسان أو المجتمع أو البيئة، وهو ما يسميه توماس فرانك أيديولوجية 'السوق بحق إلهي'". يبررز إحصاء منظمة Impact أن عدد المنظمت المحلية الناشطة في وصل، في الفترة 2021-2020، إلى 934 منظمة. لكن تلك التي تتخصص من بينها في مجال الطفل بلغ 16 منظمة فقط. وفي المقابل، يرتفع عدد المنظمت الإغاثية والخيرية وكذلك المنظمت المتخصصة بتمكين النساء. ويوضح المستجيبون والمستجيبات في المقابلات أن السبب في كثرة المشاريع التي تُعنى بتمكين النساء هو توافر التمويل، فتتدرج المبادرات المتعلقة بالنساء بين إلحاقهن في سوق العمل من خلال تدريبهن على مهن مختلفة تهدف إلى إكسابهن مصدرَ رزقٍ محتمل، ا وتوعية المرأة في المجال الحقوقي، وتطوير معرفتها بتتبع شؤونها الرسمية من مثل كيفية استخراج الأوراق الرسمية، أو إثبات زواج عرفي، أو تسجيل أطفالها في السجلات المدنية، أو تحصيل إرث لها أو لأولادها في حال فقد الأب، أو في حال تعرّضها للعنف الزوجي أو الأسري. وعلى الرغم من تصريح المستجيبين والمستجيبات بأن المنظمت التي تُعنى بتمكين النساء باتت كثيرة، فإن نتائج الاستبيانات وضّحت أن هناك اختلافًا في الوعي بأنواع العنف بين النساء ذوات التعليم المتدني (27 في المئة) والمتوسط (51 في المئة) والعالي (65 في المئة). وعند سؤال المستجيبات عن مدى تلبية المنظمت الموجودة في سورية لحاجاتهن في الدعم القانوني ونسبة ذلك إلى الدعم النفسي، كان مستوى الاعتراف بفاعلية المنظمت الداعمة للنساء ووجودها قانونيًا أقل، حيث وافقت نسبة 28 في المئة فقط من إجملي العينة على تقديم هذه الخدمات؛ وهذه النسبة تتباين من منطقة إلى أخرى، فشملت المحافظات ذات الإجابات الأكثر تشاؤمًا الحسكة (6 في المئة) والقامشلي (14 في المئة) ودرعا (7 في المئة)، وهو ما يعني أن الحاجة إلى وجود منظمت تُعنى بتمكين المرأة هو أقل كثيرًا من المطلوب.
83 خبير 8، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/16 93 Moosa Elayah, Q. Gaber & M. Fenttiman, "From Food to Cash Assistance: Rethinking Humanitarian Aid in Yemen," Journal of International Humanitarian Action , vol. 7, no. 11 (2022). 0 4 الحسين شكراني، حقوق الأجيال المقبلة: بالإشارة إلى الأوضاع العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.96 14 مراد دياني، حرية – مساواة - اندماج اجتماعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 50 -.54
تسَّببَ انغلاقُ سورية قبل فترة الثورة والحرب على البحث العلمي، وربط إجرائه بمطابقته لنواظم المؤسسات الأمنية والمخابراتية، في تغييب إحصاءات ودراسات تتناول موضوعة العنف ضد النساء في سورية، ومن ثم عدم القدرة على إجراء مقارنة بحثية ترصد وضع النساء قبل الحرب وفي أثنائها. تُظهر إحصاءات تستند إليها الدراسة أن نسبة معايشة المرأة السورية للعنف في كل منطقة تختلف عن الأخرى؛ ففي شمل غرب سورية هي 71 في المئة، وفي شمل شرق سورية 66 في المئة، في حين أن النسبة في جنوب سورية هي 69 في المئة. ولا بد ههنا من دق ناقوس الخطر؛ لأن نصف أفراد الأسر السورية تقريبًا من الإناث، وهن يعانين نوعًا إضافيًا من العنف يضاف إلى الأنواع الأخرى السياسية والاقتصادية التي يعانيها الرجل والمرأة على حد سواء. فثمة شرخ في منظومة الأسرة يدفع إلى التساؤل الآتي: ما مدى اهتمم المنظمت العالمية، والمحلية الممولة منها، بدعم منظومة الأسرة السورية في أثناء الأزمات والحروب؟ وهل تقدّم تلك المنظمت خدمات من أجل لمّشتات الأسر ومساعدتها على المحافظة على القيم الاجتمعية التي تفي بمتطلبات بناء المجتمع ومؤسساته؟ ونعني بالخدمات إطلاق برامج تربوية موجهة إلى جيل النزاع، تتضمن برامج الصحة النفسية وعلاج صدمات الحروب، والمعالجات السلوكية والمعرفية في ما يخص الفجوة بين الأجيال وتزعزع مفهوم الهوية والاندماج بالانتمءات المجتمعية التقليدية ومواءمة الانتمءات الجديدة مع المجتمعات المضيفة، إضافة إلى مشاريع تنموية من أجل تقليص الفجوات الطبقية الناتجة من الحرب وإفرازاتها العنصرية ونتائجها على الأطفال وذويهم، ومشاريع سلوكية نفسية من أجل تعزيز الثقة بالنفس والمرونة لدى أجيال النزاع وتمكين فعل المقاومة النفسية والجسدية. شكّك معظم من جرت مقابلتهم/ هن في مدى قدرة المنظمت العالمية على فهم السياق الثقافي للمجتمع السوري، ومن ثم تغطية متطلبات أفراد المجتمع والأسرة على النحو الملائم للسياق. ويذكر المستجيبون والمستجيبات أنه من غير الممكن العمل على النسوية من باب تمكين النساء من معرفة حقوقهن وترك الرجل الشريك من دون هذه المعرفة. وترى أكاديمية وتربوية في جامعة دمشق أن الأمر يحتاج في بعض الأحيان إلى تحايل على أجندة المنظمة المانحة، فهي تقوم بالتدريب الممول أوروبيًا مع إضافة ما يلائم السياق التقليدي من قبيل لفت نظر النساء إلى ضرورة مراعاة أن للرجل في مجتمعاتنا موقعه التقليدي، وأن التغيير لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، لذا على المرأة أن تعي حقوقها، ولكن أن تكون دبلوماسية. في حين أن ناشطة أخرى شاركتنا تجربتها في مراعاة السياق المجتمعي السوري وأجندة المنظمة الأوروبية المانحة معًا. ورأت أن المشكلة في المشروع بدأت من عنوانه "جسدي ملكي"، بصياغته الأوروبية، واعتقدت أنه سيثير حفيظة السوريين والسوريات؛ لأنه يدعو إلى تشجيع المرأة على المطالبة بأحقيتها في جسدها، ما دفعها إلى تغيير العنوان إلى: "أنا ماني قطعة قمش!"، وجعلت الهدف من المشروع عدم الحكم على المرأة من خلال لباسها، فارتدت الفتيات والنساء في الحملة لباسًا متنوعًا من مثل ارتداء اللباس الريفي لتقول المرأة الريفية: أنا أرتدي لباسًا ريفيًا، ولك نني متعلمة، بينم ارتدت الفتيات الحجاب ليقلن نحن محجبات ولك ننا متابعات للحداثة، تقول الناشطة: "شاركنا الحملة على السوشيال ميديا بأنها حملة 'أنا ماني قطعة قمش' وطلبنا من الناس أن يرسلوا صورهم ليعّبورا عن المفهوم ذاته، فتلقّينا في هذه الحملة صورًا ورسائل من الشبان أيضًا، وقالوا نحن أيضًا يتم التعامل معنا على أساس المظهر، كأن يُحاسب شاب على مظهره لكون شعره طويلًا
24 خبير 10، مقابلة عن بعد، جنوب سورية،.2024/1/13
فيسمى 'طنط' [أي هومو/ مثلي] وآخر أرسل لنا صورته يعمل سائقًا لمركبة نقل ويعمل بالعتالة ولباسه رث ليقول: أنا عتال إلا أن أولادي يدرسون في الجامعة". نجحت الحملة في رأيها؛ لأنها لم تتنازع مع مفهوم المجتمع حول محدودية حرية المرأة في امتلاك جسدها الذي هو قيمة لا يمكن المساس بها ولها امتداد مفاهيمي ديني واجتمعي متجذر. إلا أن المنظمة لم يكن من الممكن أن تحصل على التمويل لولا التحايل على العنوان وجعله متناسبًا مع القيمة المجتمعية. وتبقى مثل هذه المحاولات للعمل على الجانب التنموي في المجتمع قليلة ذات طابع فردي يعتمد على وعي الناشطين، وليس على المؤسسات العالمية المانحة. وإجمل، ا يُعدّ هذا النزاع بين منظمت المجتمع المدني والحكومة من جهة، والاختلاف بين ما ترغب فيه منظمت المجتمع المدني من برامج تنفيذية على الأرض في سورية، وأجندات المنظمت الداعمة الأوروبية من جهة أخرى، من المعوقات التي تكبّل عمل منظمت المجتمع المدني في تنفيذ مشاريع تفي باحتياجات المجتمع السوري عامة، والأسرة خاصة. وهو ما يذهب إليه حسام شحادة في كتابه المجتمع المدني، حيث يرى أن التمويل والدعم اللوجستي من أهم عوامل التنمية في عمل المجتمع المدني من ناحيتَي التأثير وزيادة الاستقطاب المجتمعي، ومع ذلك نجد أن هناك تناسيًا لهذا العامل الذي يمكن أن يشكّل معوقًا من معوقات عمل المنظمت والمجتمع المدني.
رابعًا: الإنتاج المعريف المحلي ومعوقاته
تُعايش الأجيال الجديدة في سورية الثورة الرقمية والثورات الشعبية منذ عام 2011، ولديها مفاهيم مختلفة تخص انتمءها وسلوكها، ومن ذلك أنها تنتمي إلى ما يدعى المجتمع الشبكي الذي تتمثل إحدى خصائصه، بحسب نظرية كاستلز، في كيفية تشكّل المجتمع الشبكي (التوتر بين الهوية البشرية المرتبطة بالمكان، والشبكات التي تتخطى الحواجز المكانية). وهي أجيال يأتي انتمؤها من التقائها بالدفق الشبكاتي (الإلكتروني) مع انتمئها إلى مجتمعاتها الأساسية بما نابها من إرهاصات ما بعد الثورة. وبناء عليه، فإنّ هذه الأجيال مرتبطة ومنفصلة في آن معًا في كلا الانتمءين. ويشكّل هذا الهجين هويات جديدة للجيل، سمها دارن بارني الهويات الشبكية التي يفرز فيها عامَلا الاختلاف والتشابه تنوعًا في السلوك وفي قضية الانتمء إلى الجمعات. وفي ظل هذه الهويات وأوضاع المجتمع، قد يلتبس مفهوم المواطنة لدى جيل الحرب الناشئ، بعدما عايش ظلم المؤسسات الحاكمة وفسادها وفشلها في تحسين الحياة الاقتصادية لشعبها، هذا فضلًا عن حالات التهجير والنزوح وتعرّض أسرهم للتفكك وعدم الاستقرار من حيث تغير الأدوار النمطية لأفراد الأسرة ذاتها، فباتت الأم وربما الأبناء من المسؤولين عن معيشة الأسرة. تظهر الحاجة ملحّة إلى تدعيم تكاتف مجموعة القيم والعادات والسلوكيات المجتمعية لتشكيل ضامن استمرار الأسرة وحيويتها، ومن ثم ضامن أخلاقي وسلوكي للأفراد والمؤسسات الوطنية؛ فلا يمكن أن تنجح
34 خبير 2، مقابلة عن بعد، شمال غرب سورية،.2024/1/9 44 حسام شحادة، المجتمع المدني (دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2015)، ص 37 -.39 54 Manuel Castells, The Power of Identity (Oxford: Blackwell, 1997), pp. 11 - 48. 64 دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي، مراجعة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 179 -.204
إعادة الإعمر وعمليات الإغاثة والتمكين من دون العمل على تعزيز هويات الأجيال الجديدة ودعم توجّه سلوكها وانتمءاتها الجديدة نحو تنمية اجتمعية ووطنية مستدامة. وقد تطرق تقرير برونتلاند حول استدامة التنمية في عام 1987 إلى ضرورة أخذ البعد الاجتمعي في الاعتبار بصفته أحد متطلبات التنمية المستدامة. وهو ما شدّد عليه إبراهيم العيسوي، ذاكرًا أن استدامة التنمية تتصل برأس المال الاجتمعي المتمثل في العلاقات والشبكات التي تنشأ بين الناس، ومدى شيوع الثقة بينهم، وما يتفرع من ذلك من قضايا التمييز والإقصاء والتهميش. وبالنظر إلى تجارب العالم في الحروب والكوارث وإعادة إعمر المجتمع ودعم منظومة الأسرة، نجد أن الأبحاث المحلية لدى الدول ذاتها كانت دليلًا معرفيًا وجّه حكوماتها نحو عمليات التنمية والاستدامة المؤسساتية والبشرية على حد سواء. ذهبت الدراسات إلى أن التغلب على الطارئ السلبي في المجتمع يلزم بضرورة التعاون مع الأسرة ذاتها؛ ففي دراسة أجريت في جامعة أريزونا بعنوان: "القيم العائلية عاملًا وقائيًا للمراهقين من أصل مكسيكي، والمعرضين للارتباط بأقران منحرفين"، توصل الباحثون إلى أهمية تعزيز قيم العائلة المكسيكية من أجل تشذيب سلوك المراهقين وطرائق تعاملهم مع أنظمة المؤسسات وسياساتها، ومن ثم تلبية احتياجات البيئات الخارجية لسلوكيات مناسبة. وانتهت الدراسة إلى ضرورة ابتداع سبل وطرائق وأدوات لدعم القيم العائلية، لأن الأسرة سبيلٌ لعلاج المشكلات المرتبطة بسلوك المراهقين، لا سيم في السياق المدرسي. ودعت إلى إنشاء مؤسسات داعمة للأسر المكسيكية في شؤون التربية، ومن ثم تحفيز السلوك الإيجابي المرتكز على قيم الأسرة. أما على صعيد الحروب والكوارث، فيمكن النظر إلى الدراسات الأوروبية التي عنيت بالبحث في أهمية استقرار الأسرة في ما يدعى بدراسات الأسرة Family والأسروية Familism. ومن بين هذه الدراسات ما تعرّض لآثار الحرب العالمية الثانية في الأجيال التي واكبتها، وفحص أعراض التوتر وأعراض ما بعد الصدمة وخلخلة الشعور بالأمان وما نجم عنها من مشاكل سلوكية ونفسية. وعلاوة على ذلك، نحت دراسات إلى البحث في الأثر فوق الجيني Epigenetic للحروب والكوارث، ومنها دراسة تخص الأثر فوق الجيني للمجاعة الألمانية التي حصلت بين عامي 1916 و 1918 على أطفال وأحفاد من تعرّضوا لها عندما كانوا في ما بين 8 أعوام و 12 عامًا من أعمرهم. ومثل هذه الأبحاث تؤخذ في الاعتبار الآن في أثناء العمل على شؤون
47 Our Common Future: The World Commission on Environment and Development (New York: Oxford University Press, 1987). 84 إبراهيم العيسوي، العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية: مع اهتمام خاص بحالة مصر وثورتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.150 94 Germán, Gonzales & Dumka, pp. 16 - 42. 0 5 ينظر أيضًا: Gail Agronick et al., "New York City Young Adults' Psychological Reactions to 9/11: Findings from the Reach for Health Longitudinal Study," American Journal of Community Psychology , vol. 39. no. 1 - 2 (2007), pp. 79-90; Kimberly A. Ehntholt & William Yule, "Practitioner Review: Assessment and Treatment of Refugee Children and Adolescents Who have Experienced War-Related Trauma," Journal of Child Psychology and Psychiatry , vol. 47, no. 12 (2006), pp. 1197-1210; Fawzyiah Hadi, Maria Magdalena Llabre & Susan Spitzer, "Gulf War-Related Trauma and Psychological Distress of Kuwaiti Children and their Mothers," Journal of Traumatic Stress , vol. 19, no. 5 (2006), pp. 653-662; Roberta J. Apfel & Bennett Simon, Minefields in Their Hearts: The Mental Health of Children in War and Communal Violence (New Haven, CT: Yale University Press, 1996). 51 Gerard J. van den Berg & Pia R. Pinger, "A Validation Study of Transgenerational Effects of Childhood Conditions on the Third Generation Offspring's Economic and Health Outcomes Potentially Driven by Epigenetic Imprinting," Discussion Paper , no. 7999, IZA (February 2014) accessed on 3/10/2023, at: https://bit.ly/3CZpREN
العائلة الألمانية، من خلال إجراء تقييمت متكررة للخدمات التي تنالها الأسرة في مجالات الرعاية الصحية للأطفال ذوي الإعاقة والأطفال الصغار في الروضات ومدى تأثير هذه الخدمات، سلبيًا أو إيجابيًا، في هياكل الأسر في ألمانيا. تعرّضت دراسات أخرى لمسألة الحفاظ على مستوى الأداء السلوكي الإيجابي الذي كان قبل الحرب، ودوره في تجاوز ظروف ما بعد الصدمة. وعُنيت دراسات بمراقبة النمو المرتبط بالإجهاد والتكيف التحويلي ونمو ما بعد الصدمة، من خلال مراقبة قدرة الذين تعرّضوا لصدمات الحروب والكوارث على العثور على قيم يتم التمسك بها في أوقات التوتر الحاد، وذلك من أجل التركيز على نشر الصور الإيجابية المجتمعية التي عايشتها، أو قامت بها جمعات بشرية في أثناء الحرب. ومن هذا مثلًا التكاتف المجتمعي وآليات العمل المدني. وتبيّن أن لنشر مثل هذه القيم دورًا في تعزيز المرونة والمقاومة لدى الشعوب من أجل النجاة وإيجاد منافذ جديدة في الحرب. من جهة أخرى، وفي بحث مقارن بين ثلاث دراسات منشورة تعتمد على مسوحات نمو الأطفال المقطعية المتكررة في لندن وأوسلو وشتوتغارت، وتغطي سنوات الحرب العالمية الثانية، توصل البحث إلى عدة نتائج منها أن جميع الفئات العمرية تتعافى من النمو الضعيف وذلك عندما تتحسن ظروفها من خلال برامج الصحة والرعاية الاجتمعية في فترة ما بعد الحرب. لا تبقى مثل هذه الدراسات حبيسة رفوف المكتبات، بل تُستخدم في رسم سياسات المؤسسات والحكومات الغربية بهدف بناء مجتمعات مستقرة. ومن هذا المنطلق ظهرت في هولندا مؤسسة GGD، وهي اختصار ل Gezondheidsdienst Gemeentelijke؛ أي خدمات الصحة في البلديات. ويوجد فروع لهذه المؤسسة في كل بلدية، للاهتمم بأمور صحة الأطفال النفسية والجسدية والسلوكية؛ فتصبح كل أسرة منذ لحظة ولادة طفلها مرتبطة هي وطفلها بهذه المؤسسة، وتجري متابعة كل لقاحات الطفل ومراحل نموه في المنزل والمدرسة معًا، وتفرز هذه المؤسسة مختصين ومختصات لها في المدارس، وفي حال ملاحظة أيّ سلوك أو نمو غير صحي تتواصل مع الأسرة للتنسيق معًا لصالح الطفل، ففي حالات انفصال الأبوين أو موت أحد أفراد العائلة مثل، ا يتدخل المختص لتجنيب الطفل صدمات نفسية ترتد سلبيًا على سلوكه. ربما يقول بعضهم إن الوقت ما زال مبكرًا على إنجاز أبحاث مشابهة تدرس شؤون الأسرة السورية؛ لأن سورية ما زالت تعيش ظروف الحرب. إلا أن الدراسات المذكورة سابقًا والحاجة الأسرية والمجتمعية في سورية تؤكد أنه لا بد من البدء في وضع رؤية لدراسة شؤون الأسرة، وتأسيس مؤسسات بحثية عربية وتفعيلها لتنتج معرفة تتناسب مع السياق العربي وسياق البلاد في ظروف الحرب بهدف التعافي وضمن إنتاج إنساني
52 Stephen Joseph, P. Alex Linley & George James Harris, "Understanding Positive Change Following Trauma and Adversity: Structural Clarification," Journal of Loss and Trauma , vol. 10, no. 1 (2005), pp. 83 - 96. 53 Carolyn Aldwin, Stress, Coping, and Development: An Integrative Perspective (New York: Guilford Press, 1994). 54 Tolan, Guerra and Montaini-Klovdahl, pp. 453 - 479. 55 Noël Cameron, "Child Growth and Armed Conflict," Annals of Human Biology , vol. 50, no. 1 (2023). 56 "Wat doet een GGD," GGD GHOR Nederland , accessed on 8/2/2024, at: https://bit.ly/3EH7Bkh 75 شذى ظافر الجندي، "بعد 7 سنوات حرب: الأسرة السورية بين التفكك الاجتماعي والنزوح واللجوء"، تجمع سوريات من أجل الديمقراطية، 2017/12/11، شوهد في 2024/1/7، في: https://cutt.ly/FrljgXGS
استراتيجي قادر على المضي قدمًا في بناء مجتمع رافض للطارئ السلبي، ومتجسّد في أشكال مختلفة من مثل تحوّل تجارة المخدرات إلى أمر طبيعي، أو تحوّل العامل الديني الأخلاقي إلى بيئة متطرفة. وعلاوة على ذلك، فإن إعادة إعمر مؤسسات الأسرة والمجتمع من خلال مشاريع ومبادرات فاعلة يجب أن تسبقها أبحاث ودراسات محلية؛ فالبررامج والمشاريع التنموية التي تقودها وتمولها المنظمت العالمية جرى تصميمها بناءً على دراسات تخص مجتمعات غربية أو أفريقية، ومرت سابقًا بتجارب حروب وكوارث. هذا التأطير القادم من خبررات مغايرة يجعل هذه البررامج غريبة، وربما نافرة عن المجتمع العربي عامة، والسوري بخاصة. والحال الذي تبررزه الدراسة أن حاجات المجتمع والأسرة العربية تختلف عن متطلبات المجتمعات الغربية. وهو ما أشار إليه جزئيًا شكراني بشأن ضرورة تفعيل دور مراكز البحوث وضرورة التعاون العربي البحثي في ما يصبّ في حمية مصالح الأجيال المقبلة. ويشير أيضًا إلى أن الطفل في القوانين والتشريعات الدولية كانت له الأولوية في حالات الكوارث، إلا أن الوطن العربي المشتعل بالحروب والنزاعات الداخلية - بمشاركة قوات إقليمية ودولية - لا يولي أيّ أهمية للطفل العربي، بل يزجّ به في المعارك للقتال والاقتتال، وهو ما يتنافى مع القانون الدولي الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان. وتؤكد على الأمر ذاته إحدى المشاركات، وهي كاتبة سياسية ونسوية لديها خبررة كبيرة في العمل المجتمعي؛ فقد شددت على أهمية التأسيس لإنتاج معرفي داخل مؤسسات بحثية عربية ومن خلال خبرراء وباحثين ينتمون إلى السياق العربي ذاته؛ لأننا أكثر دراية بواقعنا وسياقاتنا واحتياجاتنا، وتضيف إلى ذلك معاناة المنظمت المحلية والسورية عامة مع المنظمت العالمية بأنها تصبح أداة تنفيذ بدلًا من كونها مصدرًا معرفيًا فتقول: "حتى عندما نكلّف بأبحاث، يتم تكليفنا بجمع بيانات من داخل سورية حول العنف ضد النساء السوريات مثل، ا أما إنتاج المعرفة البحثية فهو غير متاح لنا، بل منوط بالمنظمت البحثية الأوروبية فقط، وهو أمر مؤلم حقًا، لأنه بناءً عليه يتم بناء تراكمت كثيرة لا تتناسب مع متطلبات مجتمعاتنا".
خاتمة
مع هروب بشار الأسد من سورية في 8 كانون الأول/ ديسمبرر 2024، ثار جدل حول تأسيس مرحلة سياسية واقتصادية جديدة في سورية، تتضمن الإعمر وعمليات بناء السلام والعدالة الانتقالية. ومع هذا، فإن الاهتمم بموضوع تعافي الأسرة السورية ظل محدودًا؛ وهو اهتمم توجبه نتائج هذه الدراسة وما تظهره من أن المجتمع السوري ما زالت تعترضه إشكاليات عديدة على صعيدَي الأسرة والمرأة، ليس أقلها مأزق النزوح الذي تسبب في تشرذم منظومة الأسرة السورية، على نحو يقتضي بذل مساعٍ كبيرة لإحداث التعافي من الصدمات النفسية والهزات السلوكية التي ألمّت بالنساء والأطفال والرجال.
85 شكراني، ص.396 - 380 95 خبيرة 7، مقابلة عن بعد، شمال غرب سورية،.2024/1/18 60 Boshra Al Ibraheem et al., "The Health Effect of the Syrian Conflict on IDPs and Refugees," Peace and Conflict: Journal of Peace Psychology , vol. 23, no. 2 (2017), p. 140; Eran Bendavid et al., "The Effects of Armed Conflict on the Health of Women and Children," The Lancet , vol. 397, no. 10273 (2021), pp. 522-532; Hazem Ghassan Abdo, "Impacts of War in Syria on Vegetation Dynamics and Erosion Risks in Safita Area, Tartous, Syria," Regional Environmental Change , vol. 18, no. 6 (2018), pp. 1707-1719; Aleksandar Kešeljevi ć & Rok Spruk, "Estimating the Effects of Syrian Civil War," Empirical Economics , vol. 66, no. 2 (2024), pp. 671 - 703.
أظهرت الدراسة أن الحرب الطويلة في سورية قد أثّرت على نحو جذري في الهياكل الأسرية والمجتمعية؛ ما أدى إلى تفكيك الروابط الأساسية التي كانت تشكّل أساس التمسك الاجتمعي. كم أبرزت الحاجة الملحة إلى تقديم الدعم النفسي والاجتمعي للأفراد والمجتمعات المتضررة. وفي وقت تسعى فيه المنظمت الدولية جاهدة للتعامل مع التحديات الناشئة عن النزاع، يبقى من الضروري مراعاة السياَقيَن الثقافي والاجتمعي الفريد للمجتمع السوري. فقد أسهم غياب الاعتبار الكافي لهذه العوامل في تقليص فاعلية الجهود المبذولة من هذه المنظمت، على الرغم من حسن نيات تلك الجهود. وفي هذا الإطار، فإن أخذ السياَقيَن الثقافي والاجتمعي في الحسبان يعزز من قدرة المبادرات على التكيف والمرونة، ويجعلها أكثر توافقًا مع احتياجات المجتمع السوري. وهذا النهج لا يسهم في تسريع عملية التعافي بعد الحرب فحسب، بل يعزز أيضًا القيم المجتمعية التي تعود بالنفع على جميع أفراد المجتمع. وبناءً عليه، توصي الدراسة بما يلي: وضع سياسات عامة داعمة للأسرة والمجتمع من أجل تعزيز القيم الإيجابية في الأسرة والمجتمع، وإعادة بناء النسيج الاجتمعي، وترسيخ مفاهيم المواطنة والهوية والانتمء. تمكين منظمت المجتمع المدني، وإتاحة الفرصة لها لتنفيذ مشاريع تتمشى مع السياق المجتمعي الذي تخدمه، مع تحريرها من التضييق السلطوي، ومن التبعية لأجندات المنظمت الغربية الممولة، إذ سيسمح هذا التمكين للمجتمع المدني بالعمل بفاعلية أكبرر وتحقيق تأثير إيجابي حقيقي في المجتمع وتلبية احتياجات السكان بطرائق تناسب بيئتهم الثقافية والاجتمعية. تأسيس منظمت تمويل عربية ذات سياسات وأجندات مدنية تتناسب مع السياقات المجتمعية العربية، وذلك لدعم أنشطة منظمت المجتمع المدني المحلية الموجّهة إلى الأسر والمجتمعات المتضررة في العالم العربي، وهذا أمر من الضروري أن تتضافر فيه جهود مختلف الفاعلين من مفكرين وصناع سياسات وباحثين وناشطين مدنيين. إنشاء مراكز أبحاث متخصصة في دراسة تأثيرات الحروب في الأسرة، بحيث توجه اهتممها البحثي إلى دراسات نوعية وكمية، وصفية وميدانية، للظواهر المستجدة الناتجة من الحروب والكوارث؛ إذ تسهم مثل هذه البحوث في تحسين نوعية السياسات الحكومية وتطوير استراتيجيات دعم تتناسب مع الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، وتتيح فهمً أعمق للاحتياجات المتغيرة للأسر والتحديات التي تواجهها عمليات الإعمر المجتمعي والتنمية الشاملة. وكذلك تعين هذه البحوث في تطوير أنشطة المنظمت الداعمة للمجتمعات المتضررة ومبادراتها. ومن الضروري في هذا الخصوص تعزيز التعاون بين المراكز البحثية والجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية لتبادل المعرفة والخبررات.
ملحق
بيان خصائص العينة النوعية للمقابلات
بيان خصائص العينة النوعية للمقابلات
| اختصاص الخبير/ة | موقع نشاط الخبير/ة | منطقة السيطرة | شِفرة المنظمة | الجنس | تاريخ المقابلة | نوع المقابلة | رقم الخبير/ة |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| مديرة في منظمة تهتم بالنساء والأطفال، تقدّم ورشات عمل قانونية وحملات توعية تعالج العنف القائم على النوع الاجتمعي، وتقدّم الدعم للنساء المتضررات | شمل غرب سورية | سيطرة المعارضة | 1م | أنثى | 2024/1/12 | عن بعد | 1 |
| ناشطة اجتمعية تركز على الدعم الاجتمعي والاقتصادي، والدعوة الثقافية، ومساعدة النساء النازحات | شمل غرب سورية | سيطرة المعارضة | 2م | أنثى | 2024/1/9 | عن بعد | 2 |
| خبير قانوني وأكاديمي في تحديات التمثيل القانوني لقضايا العنف القائم على النوع الاجتمعي، وناشط قانوني يدعو إلى الإصلاحات القانونية | جنوب سورية | سيطرة الحكومة | 3م | ذكر | 2024/1/19 | عن بعد | 3 |
| موظفة إدارية في منظمة تنشط في مناطق قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في الحسكة والقامشلي والرقة، وتنظم مبادرات من أجل بناء السلام، والحوار المجتمعي حول قضايا المرأة | شمل شرق سيورية | سيطرة قسد | 4م | أنثى | 2024/1/22 | عن بعد | 4 |
| ناشط حقوقي ومدير منظمة قانونية يناقش برامج المرونة المجتمعية والدعوة إلى حقوق المرأة | وسط سورية | سيطرة الحكومة | 5م | ذكر | 2024/1/6 | عن بعد | 5 |
| صحافي ومحامٍ يتناول تحديات المناصرة ويقدّم الدعم القانوني لضحايا العنف القائم على النوع الاجتمعي | جنوب سورية | سيطرة الحكومة | 6م | ذكر | 2024/1/8 | عن بعد | 6 |
| اختصاص الخبير/ة | موقع نشاط الخبير/ة | منطقة السيطرة | شِفرة المنظمة | الجنس | تاريخ المقابلة | نوع المقابلة | رقم الخبير/ة |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| مؤسسة برامج التمكين الاقتصادي في مناطق شمل غرب سورية لتدريب النساء النازحات على إدارة شؤونهن في مناطق النزوح | شمل غرب سورية | سيطرة المعارضة | 7م | أنثى | 2024/1/18 | عن بعد | 7 |
| مؤسس ومدير منظمة نشطة في جنوب سورية تعنى بتمكين المرأة من الدور القيادي السياسي والتأسيس لحملات التوعية بحقوق المرأة | جنوب سورية | سيطرة الحكومة | 8م | ذكر | 2024/1/16 | عن بعد | 8 |
| منسقة برامج تركز على تثقيف المجتمع، وتعزيز الثقافة القانونية، ومعالجة العنف القائم على النوع الاجتمعي بين النساء الريفيات | شمل غرب سورية | سيطرة المعارضة | 9م | أنثى | 2024/1/7 | عن بعد | 9 |
| أستاذة جامعية ومدربة في برامج التدريب المهني والمرونة الاقتصادية لدعم الاستقرار المالي للمرأة | جنوب سورية | سيطرة الحكومة | 10م | أنثى | 2024/1/13 | عن بعد | 10 |
| موظفة الخدمات الاجتمعية تقدّم المشورة بشأن الصدمات والدعم النفسي للنساء المتضررات من العنف | شمل شرق سورية | سيطرة قسد | 11م | أنثى | 2024/1/5 | عن بعد | 11 |
| مؤسسة منظمة لرعاية الأرامل والأيتام | الساحل السوري | سيطرة الحكومة | 12م | أنثى | 2024/1/10 | عن بعد | 12 |
المراجع
العربية
أقصري، ثرية. إشكالية خروج المرأة من البيت ودخولها العمل والمجال العام (المغرب أنموذجًا). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور الجمعاوي. مراجعة ثائر ديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 دياني، مراد. حرية - مساواة - اندماج اجتمعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 شحادة، حسام. المجتمع المدني. دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع،.2015 الشريف، فوزي صالح وإلهام عمران العزابي. "التنشئة الاجتمعية في الأسرة العربية في ظل تضارب أدوار المرأة العاملة". مجلة القرطاس للعلوم الإنسانية والتطبيقية. مج 9، العدد 9.)2020(شكراني، الحسين. حقوق الأجيال المقبلة بالإشارة إلى الأوضاع العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 العيسوي، إبراهيم. العدالة الاجتمعية والنمذج التنموية: مع اهتمم خاص بحالة مصر وثورتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 فهم الصراعات العربية. إبراهيم فريحات (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 الهراس، المختار. المرأة وصنع القرار في المغرب. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع "مجد "،.2008
الأجنبية Abdo, Hazem Ghassan. "Impacts of War in Syria on Vegetation Dynamics and Erosion Risks in Safita Area, Tartous, Syria." Regional Environmental Change. vol. 18, no. 6 (2018).
Acharya P. & A. Banerjee. "International Organizations in Syria: Combating the Socio-Legal Issues." Supremo Amicus. vol. 24 (2021). Agronick, Gail et al. "New York City Young Adults' Psychological Reactions to 9/11: Findings from the Reach for Health Longitudinal Study." American Journal of Community Psychology. vol. 39. no. 1 - 2 (2007). Al Ibraheem, Boshra et al. "The Health Effect of the Syrian Conflict on IDPs and Refugees." Peace and Conflict: Journal of Peace Psychology. vol. 23, no. 2 (2017).
Aldwin, Carolyn. Stress, Coping, and Development: An Integrative Perspective. New York: Guilford Press, 1994. Alkhalil, M. et al. "An Analysis of Humanitarian and Health Aid Harmonisation over a Decade (2011-2019) of the Syrian Conflict." BMJ Journal. vol. 9, no. 10 (2024). Apfel, Roberta J. & Bennett Simon. Minefields in Their Hearts: The Mental Health of Children in War and Communal Violence. New Haven, Conn: Yale University Press, 1996. Bandura, Ashley & Mercedes Blackwood. "Women's Role in Achieving Sustainable Peace in Syria, A Policy Brief in the U.S. Civil Society Working Group on Women." U.S. CSWG. Policy Brief. 22/5/2018. at: https://bit.ly/4k5dqrJ Batainah, Heba & Michael De Percy. "Women, Peace and Security: What Can Participation mean for Syrian Women? 3 / 2021." Report. Australian Civil-Military Centre (October 2021). Bendavid, Eran et al. "The Effects of Armed Conflict on the Health of Women and Children." The Lancet. vol. 397, no. 10273 (2021). Berg, Gerard J. van den & Pia R. Pinger. "A Validation Study of Transgenerational Effects of Childhood Conditions on the Third Generation Offspring's Economic and Health Outcomes Potentially Driven by Epigenetic Imprinting." Discussion Paper. no. 7999. IZA. February 2014. accessed on 3/10/2023, at: https://bit.ly/3CZpREN Cameron, Noël. "Child Growth and Armed Conflict." Annals of Human Biology. vol. 50, no. 1 (2023). Castells, Manuel. The Power of Identity. Oxford: Blackwell, 1997. Chancellor, Alice. "The Women Want the Fall of the (Gendered) Regime: In What Ways are Syrian Women Challenging State Feminism Through an Online Feminist Counterpublic?" Cornell International Affairs Review. vol. 14, no. 1 (2020). Devadas, S. I. Elbadawi & N. V. Loayza. "Growth in Syria: Losses from the War and Potential Recovery in the Aftermath." Middle East Development Journal. vol. 13, no. 2 (2021). Ehntholt, Kimberly A. & William Yule. "Practitioner Review: Assessment and Treatment of Refugee Children and Adolescents Who have Experienced War-Related Trauma." Journal of Child Psychology and Psychiatry. vol. 47, no. 12 (2006). Elayah, Moosa & Willemijn Verkoren. "Civil Society During War: The Case of Yemen." Peacebuilding. vol. 8, no. 4 (2020). Elayah, Moosa. Q. Gaber & M. Fenttiman. "From Food to Cash Assistance: Rethinking Humanitarian Aid in Yemen." Journal of International Humanitarian Action. vol. 7, no. 11 (2022).
Europe and the MENA Region: Media Reporting, Humanitarianism, Conflict Resolution, and Peacebuilding. Cham: Springer Nature, 2022. Gabiam, N. "When 'Humanitarianism' Becomes 'Development': The Politics of International Aid in Syria's Palestinian Refugee Camps." American Anthropologist. vol. 114, no. 1 (2012). Germán, Miguelina, Nancy A. Gonzales & Larry Dumka. "Familism Values as a Protective Factor for Mexican-Origin Adolescents Exposed to Deviant Peers." The Journal of Early Adolescence. vol. 29, no. 1 (2009). Hadi, Fawzyiah, Maria Magdalena Llabre & Susan Spitzer. "Gulf War-Related Trauma and Psychological Distress of Kuwaiti Children and their Mothers." Journal of Traumatic Stress. vol. 19, no. 5 (2006). Joseph, Stephen. P. Alex Linley & George James Harris. "Understanding Positive Change Following Trauma and Adversity: Structural Clarification." Journal of Loss and Trauma. vol. 10, no. 1 (2005). Karimi, Mahdi & Seyed Masoud Mousavi Shafaee. "Poor Governance and Civil War in
Syria." Türkiye Ortado ğ u Çalı ş maları Dergisi. vol. 5, no. 1 (2018). Kešeljevi ć , Aleksandar & Rok Spruk. "Estimating the Effects of Syrian Civil War." Empirical Economics. vol. 66, no. 2 (2024). Khoury, R. B. "Aid, Activism, and the Syrian War." PhD. Dissertation. Northwestern University. Northwestern. 2021. Kutlu, Ay ş egül Gökalp. "The Gender of Migration: A Study on the Syrian Migrant Women in Turkey." Kadın/ Woman 2000, Journal for Women's Studies. vol. 21, no. 1 (2020). "List of Syrian CSOs: 2020 - 2021 Mapping," Impact Research. at: https://acr.ps/1L9zQEt Maktabi, Rania. "Female Citizenship under Authoritarian Rule in the Middle East: Ba ʿ thist Syria and Beyond." Bustan: The Middle East Book Review. vol. 9, no. 2 (2018). Our Common Future: The World Commission on Environment and Development. New York: Oxford University Press, 1987. "Syrian Women-Headed Households: Hoping to Survive and Move on." UNFPA. ReliefWeb (2013). at: https://bit.ly/42YZlGc United Nation. Security Council. "Resolution 1325 (2000): Adopted by the Security Council at its 4213 th Meeting, on 31 October 2000." 31/10/2000. at: https://bit.ly/4b6XFfV Vaizey, Hester. "Empowerment or Endurance? War Wives' Experiences of Independence During and after the Second World War in Germany 1939 - 1948." German History. vol. 29, no. 1 (2011). Violence Against Women and Girls in Syria. Paris: EuroMed Feminist Initiative-EFI, 2023.
Wolchik, S. A. & I. N. Sandler (eds.). Handbook of Children's Coping: Linking Theory and World Bank Groub. "The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the
Intervention. New York: Plenum Press, 1997. Conflict in Syria." Report. 10/7/2017. at: https://bit.ly/41mSRzT