الحكومة والثقة السياسية: السعي نحو إدارة عامة إيجابية
Government and Political Trust: The Quest for Positive Public Administration
الملخّص
ينطلق هذا الكتاب من الحكومة بوصفها منظومة من الأفعال الهادفة؛ ومن ثم، يمكن الحكم على جودتها من خلال النتائج التي تحققها، ويطرح السؤال الآتي: ما الأشكال، أو الخصائص، التي ينبغي أن تتوافر في الحكومة كي تعزز فرصنا في العيش بأمان، وتحسين جودة الحياة؟ يطرح الكتاب، في فصولة الثمانية، تساؤلات جوهرية: كيف يمكن تحقيق تغييرات تحظى بدعم الشعوب وتُسهم في استعادة الثقة، بدلًا من تعميق الانقسامات داخل المجتمعات أو فيما بينها؟ وكيف يمكن اختيار أفضل القادة وردع الأسوأ منهم؟ وكيف يمكن أن تتطور منظومة فاسدة ومفتقرة إلى الثقة لتصبح أكثر شفافية وجديرة بالثقة؟
Abstract
This book views government as a system of intentional actions, meaning its quality can be evaluated based on the outcomes it generates. It raises a central question: What characteristics or forms should a government possess to improve our chances of living in safety and enhancing our quality of life? Throughout its eight chapters, the book raises fundamental questions: How can change be achieved in ways that gain public support and help restore trust, rather than deepening divisions within or between societies? How can the best leaders be chosen and the worst deterred? And how can a corrupt, distrustful system evolve to become more transparent and trustworthy?
- الحكومة
- الثقة السياسية
- الثقة العامة بالحكومة
- Government
- Political Trust
- Public Trust in Government
ينطلق هذا الكتاب من الحكومة بوصفها منظومة من الأفعال الهادفة؛ ومن ثم، يمكن الحكم على جودتها من خلال النتائج التي تحققها، ويطرح السؤال الآتي: ما الأشكال، أو الخصائص، التي ينبغي أن تتوافر في الحكومة كي تعزز فرصنا في العيش بأمان، وتحسين جودة الحياة؟ هذا السؤال طرحه أرسطو قبل ثلاثة وعشرين قرنًا، ولا يزال الإنسان يبحث عن إجابات له. ويُعزى ذلك إلى اختلاف الناس في تصورهم لماهية "جودة الحياة"، وإلى أن العديد من مشكلات الحكم لا تزال تتكرر عبرر التاريخ، وإنْ اتخذت مظاهر مختلفة. وفي هذا السياق، يطرح الكتاب، في فصوله الثمنية، تساؤلات جوهرية: كيف يمكن تحقيق تغييرات تحظى بدعم الشعوب وتُسهم في استعادة الثقة، بدلًا من تعميق الانقسامات داخل المجتمعات أو فيم بينها؟ وكيف يمكن اختيار أفضل القادة وردع الأسوأ منهم؟ وكيف يمكن أن تتطور منظومة فاسدة ومفتقرة إلى الثقة لتصبح أكثر شفافية وجديرة بالثقة؟ يبدأ، غرانت دانكن، وهو باحث ومؤلف مقيم في أوكلاند في نيوزيلندا، بوضع الأساس المفاهيمي، فيطرح الأسئلة التالية: ما الحكومة؟ ولماذا نحتاج إليها؟ ولماذا تُعدّ مصدرًا دائمًا للمشكلات؟ وكيف يمك ننا البدء في تحديد طبيعة هذه المشكلة؟ ويتطرق كذلك إلى أسئلة كلاسيكية مرتبطة بحاجة المجتمعات والدول إلى الحكم أصل، ا فكيف نشأت أولى الدول في التاريخ؟ ولماذا نشأت؟ ولماذا كان الحُكم الرشيد، والخضوع له، على الدوام مصدرًا لإشكاليات مستمرة بالنسبة إلى مختلف الحضارات عبرر التاريخ؟
يرى المؤلف أن هذه الإشكاليات ذات طابع إنساني وأخلاقي وسياسي أساسًا؛ فهي ليست مشكلات تقنية أو علمية يمكن حلّها من خلال حلولٍ قاطعة لا جدال فيها، وهي كذلك مشكلات اقتصادية – والاقتصاد بطبيعته مسألة سياسية – ولذلك لا بدّ من النظر في الترابط العميق بين الحُكم والاقتصاد. ويضيف المؤلف أن شؤون الحكم تُعنى بالمستقبل وتحمل طابعًا معيارًّيًا؛ إذ تطرح تساؤلًا جوهريّا هو: ماذا ينبغي أن نفعل، لاحقًا، لضمن استمرار الأداء، ولمواجهة التهديدات في أثناء حالة من عدم اليقين؟ ينصب الاهتمم بعد ذلك على عرض المشكلات والمعضلات المتكررة والمستمرة تاريخًّيًا في مجال الحكم. ومن بين الأسئلة المركزية التي يتناولها: من الذي ينبغي أن يتولى الحكم؟ وما الذي يؤهّل شخصًا ما للحكم؟ ومن هو "الشعب"؟ وما أهداف الحكومة، وما حدود سلطتها؟ وما الموارد التي يمكن أن تعبّئها؟ أينبغي أن نُركّز السلطة في المركز أم من الأفضل تفويضها إلى مستويات أدنى؟ ثمّ أيجب أن يدير من يتولّون الحكم شؤون الثواب والعقاب أم أن عليهم أن يقودوا ب "المثال"؟ وكيف نوازن بين "المصلحة الذاتية" و"الصالح العام"؟ وكيف نؤسّس قاعدة من المعتقدات أو القيم المشتركة داخل المجتمع؟ يرصد الكتاب كذلك بعض التطورات التاريخية الطويلة الأمد في أداء الحكومات؛ إذ يستعرض المؤلف ما يراه جملة من التطورات التي شهدها العالم؛ مثل تجريم الفظائع الجمعية والعبودية في المستوى الدولي، وتقييد الإرادة المطلقة للحكام، وإخضاع واضعي القوانين للقواعد المكتوبة التي يسنّونها، إلى جانب ترسيخ العلمنية والتسامح الديني، والتوسّع التدريجي في إشراك النساء والأقليات العرقية والدينية، فضلًا عن تحسّن الفهم العام لقضايا عدم المساواة الاقتصادية. ويتناول الكتاب بعض التحديات المعاصرة غير المسبوقة في التاريخ البشري، مثل التغير المناخي وتقدّم تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويرى أن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) أظهرت أن التقنيات الحديثة غّيتر من قدرة الحكومات على الفعل، وأنها أثّرت في تصوّرات الناس لَِما ينبغي للحكومات أن تفعله أو تمت عن عن فعله. من أجل فهم الأسباب الكامنة وراء الاختلاف الحاّد - وأحيانًا العنيف - بين الناس، تناول المؤلف الطبيعة النفسية للاعتقاد السياسي (Belief Political)، ودوره في تعزيز التمسك الاجتمعي أو إثارة الانقسام. ويرى أن الرموز والمعتقدات السياسية على الرغم من أنها قد تكون متغّيةر ومحلّ جدلٍ، فإنّ الحكم لا يمكن أن يجري من دونها. ويخلص إلى أن الاختلاف السياسي ينبغي أن يُؤخذ على محمل الجد بوصفه جزءًا لا يتجزأ من عملية تكوين المعتقد السياسي، بدلًا من أن يُنظر إليه على أنه عائق يجب تجاوزه في سبيل تحقيق الوحدة. ويؤكد أن الاختبار الأخلاقي لا يكمن في مدى اتفاقنا، بل في الكيفية التي نُدير بها اختلافاتنا، وأنّ الحكم الرشيد لا يُلغي الخلاف، بل يجري عبرر الخلافات وفي سياقاتها. بخصوص الأنماط أو الأساليب المختلفة للحكم، والحلول المتنوعة لمشكلة الحكم التي توجد في العالم اليوم، يتناول المؤلف النمذج الرئيسة المتنافسة للحكم في العالم المعاصر، مع الإقرار بالقيود التي تفرضها التصنيفات النمطية السائدة. ويشير إلى أنه مع هزيمة الفاشية وزوال الشيوعية السوفياتية، كان يُعتقد في وقت من الأوقات أن الحكومة التمثيلية الأوروبية - الأميركية (التي تتشكل من خلال الانتخابات الحرة التنافسية) ستسود بوصفها نموذجًا عالمًّيًا. لكن هذا النموذج كان عرضةً لتفسيرات متنافسة: النسخة الحدّية/ النيوليبررالية مقابل النسخة التقدمية/ الاشتراكية الديمقراطية، والتكامل العالمي مقابل حمية السيادة الوطنية، فضلًا عن النسخة الاستبدادية غير الليبررالية من الحكومة التمثيلية. من جهة أخرى، ثمّة النموذج الصيني الأبوي الذي
ينبع من خلفية حضارية مختلفة. ويشير المؤلف إلى أنه يتبع نهجًا واقعًّيًا وبراغمتًّيًا ولا يصف نموذجًا واحدًا للحكم بأنه صالح للجميع، بل يعترف بتنوع النمذج؛ ومن ثمّ يرى ضرورةً للتعاون الدولي. ثمّ يطرح المؤلف قضايا رئيسة يحتاج الحكم الناجح إلى فهمها ومعالجتها، وذلك بغضّ النظر عن طبيعة النموذج الحاكم، ويعدّد منها ما يلي: الاستراتيجية، والسلطة، والأهداف ونطاق السياسات العامة، وتغيير المؤسسات والدساتير، وسلوك القادة والتابعين الشخصي، ومشاركة الناس وفهمهم، وحكم المجتمعات المتنوعة. ويرى أن الحكومة الرشيدة في نظره هي التي تعمل باستمرار على تنظيم الظروف التي نعيش فيها وتحسينها. وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومة ذاتها إلى التطوير المستمر من أجل تعزيز الثقة العامة بها. يستعرض المؤلف بعض الجهود الحديثة، التي لم تكن ناجحة على نحو كليّ، من أجل تغيير نُظم الحكم في العديد من الدول؛ من بينها إيران وتشيلي وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وروسيا والصين، ويتساءل: كيف يمكن أن يجري ذلك على نحو أفضل؟ ويخلص إلى تأكيد أن القادة يحتاجون إلى الاهتمم بشؤون الناس محليّا، وأن عليهم أيضًا التفكير والعمل في مستوى عالمي بطريقة متزايدة، وأنه ينبغي لهم احتضان التنوع في مجتمعاتهم الخاصة وكذلك النمذج المتنوعة للحكم بين المجتمعات. ويختتم المؤلف بتوضيح المبادئ الأساسية والأهداف القابلة للتحقيق لتحسين الحكومة والإدارة العامة. ويُقِرّ بأن أفضل أنواع الحكم هي التي تكون قادرة على التعامل مع حالات عدم اليقين والاختلاف، وفي أثناء أوضاع سريعة ودائمة التغير بالصراع وغموض المستقبل أيضًا. ويرى أن الحكم الرشيد يقوم على مبدأين أساسيين: أولهم أنّ الذين يتولّون السلطة تردعهم أعراف مؤسساتهم وقواعدها عن السعي لتحقيق مصالحهم الخاصة، وتحثّهم على العمل من أجل رؤية للصالح العام يمكن الدفاع عنها في وجه الاختلافات. وثانيهم أنّ المواطنين يحظون بدرجة معقولة من الثقة بأنّ النظام يعمل، عمومًا، لمصلحتهم، على الرغم مم قد يواجهونه من إخفاقات أو صعوبات. ويؤكد أنه لا ينبغي أن تكون اليوتوبيا والكمل وحالة الاستقرار الدائم أهدافًا في حد ذاتها، بل لا بدّ من التفكير دائمًا في تغييرات مؤسساتية ودستورية، وفي تحسين أداء الفاعلين داخل النظام نفسه. ويشمل ذلك إحياء مفهوم الخدمة العامة (Service Public) بوصفها دعوة ومسؤولية، سواء كان ذلك في الإدارة الحكومية أو في قيادة المجتمع. يتمثّل التحدي الجوهري الذي يراه المؤلف في السؤال: كيف يمك ننا أن نحكم دولة أو مجتمعًا على نحو أفضل، انطلاقًا من افتراض أنه لا يوجد نموذج واحد مثالي، وأنه لا جدوى من الدخول في صراعات جديدة من أجل فرض نموذج على آخر؟ ويرى المؤلف أن ثنائية "الأنظمة الاستبدادية مقابل الديمقراطيات" لا تُعد إطارًا ملائمًا لفهم الوضع العالمي الراهن، لا سيم أن جميع الأنظمة تعاني مشكلاتها؛ فبعض قادة العالم الغربي يقدّمون أمثلة سيئة، وإنْ لم تكن دائمًا على قدر سوء بعض المستبدين، وكل النظم معطوبة وفي حاجة إلى إصلاح.