العودة إلى تفاصيل المؤلَّف اللامركزية في المغرب: الأعطاب البنيوية وإكراهات التنزيل

اللامركزية في المغرب: الأعطاب البنيوية وإكراهات التنزيل

Decentralization in Morocco: Structural Deficiencies and Implementation Constraints

عمر احرشان

الملخّص

ملخص: تهدف هذه الدراسة، اعتمادًا على منهج دراسة الحالة، إلى تشريح طبيعة اللامركزية المغربية، ورصد حدود التقدم والتباطؤ والتراجع في النظام المؤطّر لها، والوقوف عند أسباب ذلك، ودور الفاعلين، وتأثير السياقات الدولية والإقليمية والوطنية والمحلية. وتُحاول تلمّس الأثر الذي تُحدِثه المؤسسات اللامركزية في مسار التنمية المحلية في المغرب، خاصة في ظل التباين الذي يعرفه المغرب على المستوى الترابي؛ ما جعله يضمّن دستوره هدف "الإنصاف المجالي"، لأن عقودًا من الاستقلال لم تُغيّر المعادلة الاستعمارية التي قسّمت البلاد إلى "مغرب نافع" و"مغرب غير نافع". وترصد الدراسة تأرجح اللامركزية المغربية بين الطابع الإداري والسياسي وعلاقات التأثير والتأثر بالمحيط، وتسلّط الضوء على العوامل الحاسمة في مخرجات اللامركزية، مثل الجذور المخزنية والإرث الاستعماري ومبادرة الحكم الذاتي، وكذا ما أسفرت عنه موجة الربيع العربي التي كان من مخرجاتها نسخة من اللامركزية الإدارية أكثر تطوّرًا من سابقاتها. تبحث الدراسة كذلك الاختلالات التدبيرية والبنيوية التي لا تزال اللامركزية المغربية تتخبّط فيها بعد أكثر من عقدين على إقرارها، وأكثر من عقد على تنزيلها.

Abstract

Abstract: This study explores the complex trajectory of decentralization in Morocco, adopting a case study approach to analyze its institutional development, structural limitations, and the influence of various actors and contexts. While Morocco has constitutionally embraced the principle of "territorial equity" to address deep-rooted regional disparities, the decentralization process has been marked by oscillation between administrative and political models, and by uneven implementation. Despite reforms—particularly after the Arab Spring—that introduced a more advanced version of administrative decentralization, the system continues to face significant challenges related to governance, institutional design, and effectiveness. The research highlights how the enduring legacies of the Makhzen, colonial administrative structures, and the state-led autonomy initiative have shaped decentralization outcomes. It also underscores the limited transformative impact of these reforms on local development, especially in peripheral and historically marginalized regions. More than two decades after the formal adoption of decentralization—and over a decade into its implementation—Morocco's experience remains hindered by structural imbalances and a disconnect between developmental ambitions and political reform.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • اللامركزية
  • الديمقراطية التشاركية
  • الجهوية المتقدمة
Keywords:
  • Morocco
  • Decentralization
  • Advanced Regionalization
  • Participatory Democracy

كلمت مفتاحية: المغرب، اللامركزية، الجهوية المتقدمة، الديمقراطية التشاركية.

مقدمة

المغرب مثال للدولة التي تنص في دستورها على مجموعة من المبادئ "المتقدمة"، وتؤكد الكثير من المكاسب، لكن النصوص اللاحقة "ُتشُرعن" لحالة انحباس في الواقع، أو صعوبات في التنزيل، وهو ما سنُفصّل فيه، سواء على مستوى الاختصاصات، أم المراسيم التطبيقية، أم الإمكانيات المُتاحة للوحدات اللامركزية، أم نظام الوصاية/ الرقابة/ الإشراف الذي بقي حكرًا على وزارة الداخلية، أم النظام الانتخابي المُنظّم للانتخابات البلدية، أم نظام اللاتمركز الإداري. تهدف هذه الدراسة إلى تشريح طبيعة اللامركزية المغربية، ورصد حدود التقدم والتباطؤ والتراجع في النظام المؤطر لها، والوقوف عند أسباب ذلك، ودور الفاعلين في هذا الأمر، وتأثير السياقات الدولية والإقليمية والوطنية والمحلية. تُسائل هذه الدراسة اللامركزيةَ المغربيةَ وحصيلتها، وترصد أعطابَها ومدى استجابتها للمعايير المتعارف عليها للامركزية، وتنطلق فرضيتها من وجود تقدم تشريعي على مستوى المبادئ، لا تعكسه النصوص التنظيمية والإمكانيات المُتاحة والممرسة الفعلية التي تجعل الفاعلين "الترابيين" على المستوى المحلي والجهوي رهائنَ منطق مركزي، لم يتخلّص بعد من منطق التحكّم الذي يتعامل بحذر مع المجال الترابي اللامركزي. يُسَجَّل أن الإطار القانوني المنظم للامركزية في المغرب ارتقى من قانون عادي إلى قانون تنظيميLaw Organic؛ وهو ما يستلزم تحليلًا للاختصاصات والعلاقات والإمكانيات المُتاحة لهذه الجمعات وطرائق تشكّل مجالسها والنظام الانتخابي الذي يؤطّرها، خاصة في ضوء ما أفرزته محطتان انتخابيتان نُظّمتا حتى الآن. سنحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: ما سياق هذه التعديلات؟ وما هدفها؟ وهل واكب إقرارَها تأهيلٌ لهذه الجمعات الترابية؟ وهل مكّنتها السلطة المركزية من وسائل التدبير الحر كلها؟ وما حدود الرقابة/ الوصاية التي تامرَس عليها مركزيًا؟ وما المعايير التي يتم اعتمدها في إقرار التقسيم الترابي؟ أهو المعيار التاريخي، أم المعيار الجغرافي، أم المعيار العرقي، أم المعيار الاقتصادي، أم هو معيار سياسي للتحكم في التراب Territory وساكنته، خاصة في ضوء كثرة الاحتجاجات المحلية، وفي مقدّمها حراك الريف في عام 2016؟ سنقف كذلك عند التقسيم/ التقطيع الترابي الذي تضرّرت منه جهة الريف التاريخية، التي جرى تقسيمها على أكثر من جهة في التقسيم الجهوي الحالي الذي اختزل 16 جهة في.12 فقط وما علاقة الربيع العربي بتبنّي هذا الخيار، خاصة أن خطاب الملك في 9 آذار/ مارس 2011 اتّخذ سببًا له التوصل بخلاصات اللجنة الاستشارية للجهوية والعمل على أجرأتها؟ وهو ما يدفعنا إلى طرح تأثير السياق الإقليمي والدولي كذلك وأثرهم في اللامركزية في المغرب. لا بد من الإشارة إلى أن هناك اختلالات لا تخص المرافق اللامركزية، مثل انتشار الفساد الإداري وضعف الشفافية وتعقّد المساطر والبيروقراطية، لأنها تعمّ مرافق الدولة كلها؛ ولذلك، فهي لم تكن موضوع هذه الدراسة. تُدرج هذه الدراسة، من الناحية المنهجية، في خانة دراسات الحالة، وتُركّز على التجربة الراهنة للمغرب التي تعتبرر متقدمة، مقارنة بدول عربية أخرى، خاصة في نسخة ما بعد الربيع العربي في ضوء المراجعة الدستورية في عام 2011، وما أقرّته من مبادئ متقدمة، تستحضر الحفاظ على "وحدة الدولة". وانطلاقًا من منهج دراسة الحالة، تستخدم الدراسة عددًا من الأدوات التحليلية التي تساعد في الإجابة عن سؤال البحث:

التحليل القانوني للدستور والقوانين المنظمة للامركزية والخطب الملكية والتقارير والوثائق الرسمية بغية فهم منطق توزيع السلطات وتحديد الصلاحيات بين السلطات المركزية والمحلية، وتحليل مدى دقة النصوص وفاعليتها في ضمن تطبيق فعال للامركزية، وتحديد التناقضات أو أوجه القصور التي قد تُعوّق التطبيق، إضافة إلى استقراء واقع الممرسة في الحياة السياسية المغربية، الذي يُعد أمرًا ضروريًّا لفهم حدود تطبيق اللامركزية على أرض الواقع وتشخيص مشكلاتها والتحديات والإكراهات العملية التي تواجهها، ومن ثم تقديم بعض المقترحات القابلة للتنفيذ والقادرة على تعزيز قدرة النظام على تحقيق أهدافه. تستخدم الدراسة أيضًا التحليل التاريخي لفهم الجذور التاريخية لموضوع البحث، وتتتبّع تطوّر فكرة

اللامركزية في المغرب والسياقات السياسية والاجتمعية التي أفرزتها، فضلً عن التحديات التي واجهتها، ومن ثمّ المساعدة في فهم التغيرات السياسية والاجتمعية التي شكّلت الممرسات الإدارية والسياسية في المغرب. تستخدم الدراسة التحليل المقارن متى تطلّب الأمر ذلك؛ وهو ما يوفر فرصة للاستفادة من تجارب دول قد تكون مرّت بتحديات مشابهة، أو نجحت في تطبيق نظام اللامركزية على نحوٍ فعال. تنطلق الدراسة - في مبحثها الأول – من الحديث عن نظام اللامركزية في المغرب وتأرجحه الواضح بين الطابع الإداري والسياسي، وما يرتبط بهذا من سياقات. وينتقل التحليل - في المبحث الثاني - إلى تناول تطبيقات اللامركزية في نسختها المغربية وإيضاح اختلالاتها التدبيرية والبنيوية والأثر الذي تُحدِثه المؤسسات اللامركزية في مسار التنمية المحلية في المغرب، خاصة مع التباين الذي يعرفه المغرب على المستوى الترابي، على الرغم من أن الدستور تضمّن هدف "الإنصاف المجالي"، لكن عقودًا من الاستقلال لم تُغّير المعادلة الاستعمرية التي قسّمت البلاد إلى "مغرب نافع" و"مغرب غير نافع". وتُختتم الدراسة بخاتمة تبُررز أهم نتائجها، وتقترح بعض التوصيات ذات الصلة، ونضع مُلحقًا مُلخّصًا هو عبارة عن تصميم هيكلي للتنظيم الإداري المغربي وطريقة المزاوجة فيه بين الشّقيّن المركزي واللامركزي.

أوالًا: اللامركزية المغربية والتأرجح بين الطابع الإداري والسيايس: علاقة التأثير والتأثر بالمحيط

نصّ دستور عام 2011 في فصله الأول على أن النظام الدستوري للمغرب يقوم على "الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة"، وأن "التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة". وتمّ التشديد على وحدة الدولة في القانون المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية للجمعات الترابية الذي أكد أن الهدف منه هو "وضع مبادئ تحديد الدوائر الترابية للجهات والعملات والأقاليم والجمعات، قصد إحداث جمعات ترابية قابلة للدوام والاستمرار، بالنظر إلى مؤّهلّاتها ومكوّناتها الترابية، بُغية إقامة تنظيم ترابي لامركزي قائم على جهوية متقدمة في إطار الدولة الموحدة".

1  المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.11.91، صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011)، بتنفيذ نص الدستور"، الجريدة الرسمية، السنة 100، العدد 5964 مكرر، 2011/7/30، ص.3600 2 المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.13.74، صادر في 18 من رمضان 1434 (27 يوليو 2013) بتنفيذ القانون رقم 131.12 المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية للجماعات الترابية"، الجريدة الرسمية، السنة 102، العدد 6177، 2013/8/12، ص 5737؛ وينظر بشأن التنظيم الهيكلي الإداري في المغرب الشكل الوارد في ملحق الدراسة.

استقر في المتن الدستوري اعتمد عبارة "الجهوية المتقدمة" بصفتها أحد أشكال اللامركزية، لتمييزها من التجارب السابقة من الجهوية التي اعتمدها المغرب قبل الربيع العربي، وفي مقدّمها تقسيم البلاد إلى سبع مناطق وفق معيار اقتصادي، والتقسيم الجهوي الذي تمّ اعتمده بعد إقرار دستور عام 1996، وتمّ

التنصيص فيه على اعتبار الجهات جمعات محلية (الفصل 100 تبع ذلك بإصدار قانون)، وأُ 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات، حيث جرى تقسيم المغرب هذه المرة إلى 16 جهة. واعتبرر هذا القانون أن "إحداث الجهة سيعمل على دعم اللامركزية، ليس فقط بخلق جمعة محلية جديدة ذات صلاحيات كاملة، بل كذلك بوضع جميع الطاقات، التي يختزنها عدم التمركز الإداري، في خدمة الجهوية". ولذلك اعُتبُررت "إطارًا ملائمًا وحلقة رئيسية قادرة على إتمام واستكمل الصرح المؤسساتي للمملكة، باعتبار أن الجهة ستُبدع هيئة جديدة، ستُمكّن ممثلي السكان من التداول في إطارها، بكيفية ديمقراطية، من خلال منتخبيهم في الجمعات المحلية والهيئات الاجتمعية المهنية، في شأن مطامح ومشاريع جهاتهم، وبالتالي إعطاء الانطلاقة لديناميكية متميّزة للمنافسة والتنمية الجهوية المندمجة". والأهم هو تمييزها من مصطلح الجهوية الموسعة التي دخلت التداول العمومي المغربي، بالتزامن مع تقديم المغرب مبادرة بشأن التفاوض لتخويل الصحراء حكمًا ذاتیًا

في نيسان/ أبريل 2007، وهي المبادرة التي شكّلت نقطة تحوّل في مسار التفكير في اللامركزية في المغرب؛ لأن إعملها كان سينقل اللامركزية من طابعها الإداري إلى طابع سياسي، وسيُحوّل الدولة المغربية من دولة

بسيطة إلى دولة مركّبة. يتّضح أن للأمر علاقةً بالجذور المخزنية والإرث الاستعمري ومبادرة الحكم الذاتي، وكذا ما أسفرت عنه موجة الربيع العربي التي كان من مخرجاتها نسخة من اللامركزية الإدارية أكثر تطورًا من سابقاتها.

1 ي. عوائق إقرار لاامركزية حقيقية ف المغرب: الجذور المخزنية والإرث لااستعمري

تتعدّد معايير تحديد أشكال الدول وتصنيفها بحسب كل حقل معرفي. ويمكن، بحسب التصنيفات المعتمدة في القانون الدستوري، أن تتّخذ شكلين: دولة موحّدة/ بسيطة State Unitary، وهي الصنف الذي تكون فيه السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، موحّدة، وتخضع فيه الدولة لدستور واحد؛ أو تكون دولة مركّبة، وهي التي تتّخذ أشك لًا متعددة، بدءًا من "الاتحاد الشخصي"، ومرورًا ب "الاتحاد الفعلي" و"الاتحاد التعاهدي/ الكونفدرالي"، وانتهاء ب "الاتحاد الفدرالي".

3 المملكة المغربية، "ظهير 1.71.77، الصادر بتاريخ 22 ربيع الثاني 1391 (16 يونيه 1971)، المتعلق بإحداث المناطق"، الجريدة الرسمية، السنة 60، العدد 3060، 1971/6/23، ص.1352 4 المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.97.84، صادر بتاريخ 23 من ذي القعدة 1417 (2 أبريل 1997)، بتنفيذ القانون 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات"، الجريدة الرسمية، السنة 86، العدد 4470، 1997/4/3، ص.556 5 ينظر: ديباجة القانون 47.96 بشأن بيان أسباب اعتماد الجهوية، المرجع نفسه. 6 المرجع نفسه. 7 للاطلاع على نص المبادرة، ينظر: "نص المبادرة المغربية بشأن التفاوض لتخویل الصحراء حكمًا ذاتیًا"، المجلس الملكي الاستشاري للشؤون

الصحراوية، 2007/4/13، شوهد في 2024/12/21 في: https://shorturl.at/GYv0N 8 Michel Miaille, L'État du droit: Introduction à une critique du droit constitutionnel (Fontaine: Les Presses universitaires de Grenoble, 1978), p. 28.

للفدرالية، كم تُفهم اليوم، "علاقة بدور الحكومات المحلية، كصنّاع قرار مستقلين، وأيضًا كمنفّذين للتشريعات الفيدرالية. وعادة ما يُشير استخدام مصطلح الفيدرالية إلى مسألة استقلالية الحكومات المحلية وتمتّعها بحكم ذاتي في رسم السياسات، أو إلى العلاقات المعقدة القائمة على مستويات الحكومات". ويمك ننا اعتبار الأنظمة الفدرالية تجارب تاريخية في الاشتراك في تحمّل مسؤولية السياسات، كم يمكن النظر إليها بوصفها نماذج عاملة في نظام عالمي جديد. والفدرالية سمة مميزة لعدة أنظمة حكومية وطنية، وهي آخذة في الانتقال إلى أنظمة. وأثبتت الفدرالية خلال نصف القرن الأخير مرونتها وقوّتها. يتّضح إذًا أن اللامركزية السياسية أسلوب في الحكم، يتّصل بوحدة الدولة السياسية، ويتضمن سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء. وهذا النوع من النظم لا وجود له إّلا في الدول المركّبة، وبمقتضاه يكون لكل ولاية من الولايات المكوّنة لدولة الاتحاد جميع سلطات الدولة من تشريع وتنفيذ وقضاء. يمكن الدولة الموَّحَدة كذلك أن تعتمد تنظيمًا لامركزًّيًا، لكنه يكون في نطاق الوظائف الإدارية فحسب، وليس السياسية؛ لأن اللامركزية الإدارية تقتصر على "توزيع الوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية في العاصمة، وبين هيئات الجمعات المحلية أو المصلحية، وتخضع هذه الهيئات المحلية في ممرسة وظيفتها لإشراف ورقابة الحكومة المركزية". وقد استُخدم هذا الأسلوب لتحقيق مزيد من الديمقراطية والسرعة والفاعلية في تدبير الشؤون الإدارية، وهو أسلوب يتّسم كذلك بتعدّد الأشخاص المعنوية العامة في الدولة، بما يعني ذلك تمتّعها بالاستقلال الإداري والمالي، في خضوع لوصاية الدولة وإشرافها تختلف، اتساعًا وضيقًا، من هيئة إلى أخرى. وتتحقق اللامركزية بمعناها الكامل، حينم يكون تشكيل مجالس الهيئات المحلية من أعضاء يُختارون جميعهم بالانتخاب؛ ما يستبعد أي مشاركة للسلطة المركزية في تشكيل مجالس الوحدات المحلية. وتكون اللامركزية ناقصة، إذا كان تشكيل هذه المجالس المحلية مختلطًا؛ أي مكوّنًا من أعضاء منتخبين وأعضاء مُعيّنين من الإدارة المركزية. وتبدو اللامركزية من هذا المنظور بمنزلة تعميق للديمقراطية، يتيح للأفراد الفرصة للاستئناس بتدبير الشؤون العامة، واعتياد التفكير في إطار المصلحة العامة، وتنمية الحس المدني والنُضج السياسي. انطلاقًا من كل ما سبق، يمكن التمييز بين اللامركزية السياسية والإدارية من خلال المعايير التالية (الجدول:)1 تقتصر اللامركزية الإدارية على الوظائف الإدارية، بينم تنصرف اللامركزية السياسية إلى السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. تُطبّق اللامركزية السياسية في الدول المركبة فحسب، بينم يمكن أن تُطبّق اللامركزية الإدارية في دولة

بسيطة، أو في دولة مركّبة. اختصاص الولايات في اللامركزية السياسية خارج سلطة البررلمان الاتحادي، ويلزم لإعادة النظر فيها مراجعة للدستور الاتحادي، بينم يتمّ تحديد اختصاصات هيئات اللامركزية الإدارية من المُشرّع العادي.

9 دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية، تحرير ر. أ. و. رودس، وسارة أ. بايندر، وبيرت أ. روكمان، ترجمة على برازي وابتسام خضرا (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.411 10 المرجع نفسه، ص.445 11  سليمان الطماوي، الوجيز في القانون الإداري: دراسة مقارنة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1989)، ص.86 12  مليكة الصروخ، القانون الإداري: دراسة مقارنة (الرباط: دار الأمان، 2001)، ص.96 13  عمر احرشان، الأساس في دراسة المصطلح القانوني (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2020)، ص.163 14 Michel Rousset & Jean Garagnon, Droit administratif marocain , Michel Rousset & Mohammed Amine Benabdallah (revs.), Collection: Thèmes actuel, no. 99 (Rabat: Publications de la Remald, 2017), p. 45.

الجدول (

الجدول (1) الفروق بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية

الفروق بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية

الفرق من حيثاللامركزية الإداريةاللامركزية السياسية
نطاق التطبيقالوظائف الإداريةالسلط الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية
النظام القانونيالقانون الإداريالقانون الدستوري
النظام القضائيالقضاء الإداريالقضاء الدستوري
طبيعة الدولةدولة بسيطة أو مرّك ّ بةدولة مرّك ّ بة وجوبًا

دولة بسيطة أو مركّبة

دولة مركّبة وجوبًا

طبيعة الدولة

المصدر: من إعداد الباحث.

اختار المغرب خيار الدولة الموحّدة/ البسيطة، وعّبر عن ذلك في النص الدستوري، من خلال "المملكة المغربية [...] متشبّثة بوحدتها الوطنية والترابية"، وأن "التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة". لماذا اقتصر المغرب على هذا النموذج في اللامركزية الإدارية؟ برصد تاريخي لكيفية نشأة الإدارة المغربية، نستنتج أنها ذات جذور مخزنية، حيث كانت وظيفة المخزن تتلخّص، في الأساس، في جباية الضرائب وضبط المجال/ التراب؛ إذ بقي النظام الإداري المخزني، فترة طويلة، نظامًا إكراهيًا، تمثّل دوره الأساسي في جمع الضرائب، باستعمل القوة والقهر من دون الاكتراث بحقوق الملزم بهذه الضريبة، ولذلك كانت الكلمة تعني في عهد أمراء بني الأغلب المكان الذي تُجمع فيه الضرائب الشرعية والموجّهة إلى بيت مال المسلمين. ومع الزمن، اتّسع معناه ليشمل جميع دواليب الحكومة المغربية وبناها. ومن هنا، نشأت الطبيعة التسلّطية للإدارة المغربية، فالمخزن ليس إّلا الإدارة بالمفهوم التقليدي، فمن خلال المقاربة الإبستيمولوجية والسوسيولوجية والقانونية، يتّضح أن المخزن بنية كلاسيكية، بُدّلت بالإدارة، بصفتها مفهومًا حديثًا، ذلك أنه مع الدستورانية أصبح يُحتفظ بطابع رمزي في حلّة جديدة، هي الإدارة. ويمكن القول كذلك إن مجموع الأفعال المخزنية ليست إّلا امتدادًا للفعل السياسي للسلطة الإدارية بصفة عامة. ولا شك في أن طابع المركزية المفرط في مغرب ما قبل الحمية، المتمثل في السلطان والوزراء، كانت تقابله "لامركزية" واقعية عُرفية على مستوى القبائل.

15 لمعرفة أكثر بالمخزن، ينظر: Cherifi Rachida, Le Makhzen politique au Maroc hier et aujourd'hui (Casablanca: Afrique-Orient, 1988), p. 17; إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ (الدار البيضاء: دار السلمي، 1965)، ج 1، ص 321؛ Driss Ben Ali,  "Etat et reproduction sociale au Maroc, le cas du secteur public," in: Jean-Claude Santucci & Habib El Malki (dir.), Etat et développement dans le monde arabe: Crise et mutations au Maghreb (Paris: CNRS, 1990), p. 120; Claisse Alain, "Le Makhzen aujourd'hui," in: Jean-Claude Santucci (ed.), Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition? (Paris: CNRS, 1992), pp. 283-307. 16 Akla Abdelhak, "L'administration marocaine d'accueil du public," in: Mu ḥ ammad Jal ā l Sa ʻ ī d, Abdallah Saaf & Tahar El Mesmoudi (dir.), Contribution à l'étude des politiques au Maroc (Rabat: Fsjes Mohammed V, 1991), p. 40. 17  ضريف محمد، النسق السياسي المغربي المعاصر: مقاربة سوسيوسياسية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)1991 18 صالح المسعف، "التطور الإداري في أفق الجهوية بالمغرب من المركزية إلى اللامركزية"، دبلوم الدراسات العليا، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، 1989، ص.9

يتّضح مم سبق سبب جنوح الدولة المغربية نحو المركزية، وتردّدها في اعتمد لامركزية كاملة؛ لأن جذورها المخزنية تجعلها دائمة التوجّس من التخّلي عن مركزيتها وتفويض صلاحياتها لكيانات محلية مُنتخبة وذات صبغة تمثيلية للساكنة، يمكن أن تنازعها الشرعية والمشروعية Legality and Legitimacy. ولذلك، فأقصى ما يمكن أن تمنحه للهيئات المحلية هو وظائف إدارية، وليست سلطات ذات طبيعة سياسية. يتعقّد الوضع أكثر، حين نضيف إلى هذا الجذر المخزني عاملًا آخر، هو طبيعة الاستعمر الذي خضع له المغرب، أي الاستعمر الفرنسي، والأثر الذي تركه في خصوص نموذج الدولة المعتمد. لقد ورث المغرب عن فرنسا نموذج الدولة الموَّحَدة المركزية اليعقوبية التي تقتصر على اللامركزية الإدارية، ولا تتعدّاها إلى لامركزية سياسية، وتؤكد الطابع الموحّد وغير القابل للتجزيء للدولة. ولذلك، بقيت فلسفة التنظيم الإداري المغربي محكومة دائمًا بهذين الأساسين منذ الاستقلال، ومقتصرة على الوظائف الإدارية. ولم تتخلّص من هذا الإرث إّلا في مبادرة الحكم الذاتي في عام 2007، وباقتصارها على منطقة الصحراء المتنازع عليها، لكنها لا تزال حتى الآن حبرًا على ورق، ولم يتم تفعيلها. لقد نصّت هذه المبادرة على أن المملكة المغربية تكفل "لكافة الصحراویین، سواء الموجودین في الداخل أو في الخارج، مكانتھم اللائقة ودورھم الكامل في مختلف ھیئات الجھة ومؤسساتھا، بعیدًا عن أي تم ییز أو إقصاء. ومن ھذا المنطلق، سیتوّلى سكان الصحراء، وبشكل دیمقراطي، تدبیر شؤونھم بأنفسھم من خلال ھیئات تشریعیة وتنفیذیة وقضائیة، تتمتّع باختصاصات حصریة. كم ستوفّر لھم الموارد المالیة الضروریة لتنمیة الجھة في كافة المجالات، والإسھام الفعّال في الحیاة الاقتصادية والاجتمعية والثقافية للمملكة. تحتفظ الدولة باختصاصاتھا في میادین السیادة، لا سیّم الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدینیة لجلالة الملك، أمیر المؤمنين". يمكن أن تتجسّد هذه العلاقة في احتفاظ الدولة "باختصاصات حصریة، خاصة منھا ما یلي: مقوّمات السیادة، لا سیّم العلم والنشید الوطني والعملة؛ المقوّمات المرتبطة بالاختصاصات الدستوریة والدینیة للملك، بصفته أمیر المؤمنین والضامن لحریة ممرسة الشعائر الدینیة وللحریات الفردیة والجمعیة؛ الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابیة؛ العلاقات الخارجیة؛ النظام القضائي للمملكة. تباشر الدولة مسؤولیتھا في مجال العلاقات الخارجیة، بتشاور مع جھة الحكم الذاتي للصحراء، وذلك بالنسبة لكل القضایا ذات الصلة المباشرة باختصاصات ھذه الجھة. ویجوز لجھة الحكم الذاتي للصحراء، بتشاور مع الحكومة، إقامة علاقات تعاون مع جھات أجنبیة بھدف تطویر الحوار والتعاون بین الجھات". بينم حُدّدت اختصاصات جهة الصحراء في هذا الحكم الذاتي، في "الإدارة المحلّیة والشرطة المحلّیة ومحاكم الجھة؛ على المستوى الاقتصادي: التنمیة الاقتصادیة والتخطيط الجھوي وتشجیع الاستثمرات والتجارة والصناعة والسیاحة والفلاحة؛ میزانیة الجھة ونظامھا الجبائي؛ البنى التحتیة: الماء والمنشآت المائیة والكھرباء والأشغال العمومیة والنقل؛ على المستوى

19 ينصّ دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا على الطابع الموحّد للدولة غير القابل للتجزيء في الفصل الأول: "الجمهورية الفرنسية جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واجتماعية. تكفل المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز في الأصل أو العرق أو الدين. وتحترم جميع المعتقدات. تنظم الجمهورية على أساس لامركزي": "Texte intégral de la Constitution du 4 octobre 1958 en vigueur," Conseil constitutionnel, accessed on 22/12/2024, at: https://shorturl.at/04onV 20 للاطلاع أكثر على هذا المصطلح ودلالاته، ينظر: "Toupictionnaire," Le dictionnaire de politique , accessed on 22/12/2024, at: https://shorturl.at/zCGbf 21 ينظر: "نص المبادرة المغربية بشأن التفاوض لتخویل الصحراء حكمًا ذاتیًا"، المواد.)6-4(22 المرجع نفسه، المادتان (14.)(15) و

الاجتمعي: السكن والتربیة والصحة والتشغیل والریاضة والضمن الاجتمعي والرعایة الاجتمعیة؛ التنمیة الثقافیة: بما في ذلك النھوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني؛ البیئة". ما السبب في إقرار كل هذه الصلاحيات للمنطقة الصحراوية؟ ولماذا لم يُطِبِّق المغرب هذا المشروع بإرادة منفردة، بغض النظر عن قبول الطرف الآخر بهذا المقترح ومسار المفاوضات؟ ولماذا لم تنَل مناطق أخرى مثل هذه الاختصاصات؟ قد تتعدّد الأسباب بشأن هذا الاختيار، لكن المؤكد هو أن الإقدام على هذه الخطوة لم مُتلِه حاجة داخلية واقتناع بضرورة منح مناطق حكمًا ذاتيّا، بقدر ما كان تأقلمًا مع إكراهات دولية أملَتها عوامل خارجية وضغوط على المغرب ورغبة في تقديم اقتراح يمكن أن يُدرج، وفق ميثاق الأمم المتحدة، في خانة تقرير المصير، من دون أن يصل إلى حدّ تطبيق حلّ الاستفتاء الذي يفتح احتملًا للوصول إلى دولة منفصلة كاملة السيادة. والمغرب، حين أقدم على هذه الخطوة، كان يريد تقديم هذا المقترح بصفته لا واقعيّا وتوافقًّيًا بعد تعّثر كل الحلول الأخرى مثل الاستفتاء أو التقسيم، ولتخفيف التكلفة التي يتحمّلها من جرّاء استمرار هذا النزاع من دون حلّ، ما دام يُدرج ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة؛ أي حلّ

المنازعات لًا سلميّا.

2. الربيع العربي والنسخة المُنقّحة للامركزية المغربية

يمكن القول إن تطوّر اللامركزية المغربية كان تطورًا متدرّجًا، حكمته سياقات سياسية استثنائية، سواء بُعَيد الاستقلال، أم في السبعينيات بعد الخروج من حالة الاستثناء وفشل الانقلاَبيَن العسكرَييَن في عامَي 1971 و 1972 والمسيرة الخضراء، أو بعد كل محطة انتخابية. لم يُخفِ الملك محمد السادس رغبته في تغيير اللامركزية وتوسيعها منذ خطاباته الأولى، حيث كان الكثير من خُطبه يتوجّه نحو قضايا الجهوية واللامركزية واللاتمركز. وشكّل خطاب 3 كانون الثاني/ يناير 2010 بداية التنزيل

23 المرجع نفسه، المادة.)12(24 عَرف المغرب أول تنظيم لامركزي مباشرة بعد الاستقلال من خلال أول تقسيم إداري بناء على ظهير 1.59.351 (1959/12/2) الذي ترتب عليه إحداث 108 جماعات حضرية وقروية. ثم صدر: المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.59.315 الصادر في 28 ذي الحجة 1379 (23 يونيو 1960)، بشأن نظام الجماعات الصادر في 1960/6/3 "، الجريدة الرسمية، السنة 49، العدد 2487، 1960/6/24، ص 1970؛ ثم صدر: المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.63.273 الصادر في 22 ربيع الآخر 1383 (12 سبتمبرر 1963) بشأن تنظيم العمالات والأقاليم ومجالسها"، الجريدة الرسمية، السنة 52، العدد 2655، 1963/9/13، ص.2151 25 صدر في هذه الظرفية ميثاق جماعي جديد أكثر تطوّرًا بحكم الحاجة إلى توافق سياسي ورغبة في إدماج المعارضة في العملية الانتخابية، وتم تنظيم انتخابات بلدية في 12 تشرين الثاني/ نوفمبرر 1976، بناء على هذا النص الجديد، أي: المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.76.583 الصادر في 5 شوال 1396 (30 سبتمبرر 1976) بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم الجماعي"، الجريدة الرسمية، السنة 65، العدد 3335، 1976/10/1، ص.3025 26  مثل، ا قُبيل الانتخابات المحلية التي أُجريت في 12 أيلول/ سبتمبرر 2003، تمّ تعديل القانون المنظم بمقتضى: المملكة المغربية، "ظهير رقم

1.02.297 الصادر في 2002/10/3 بتنفيذ القانون رقم 78.00، المتعلق بالميثاق الجماعي، وكذا "القانون الُم نظّم للعمالات والأقاليم بمقتضى ظهير رقم 1.02.269 بتنفيذ القانون رقم 79.00، المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم"، الجريدة الرسمية، السنة 91، العدد 5058، 2002/11/21، ص 3468 وما بعدها؛ والأمر نفسه مع انتخابات 12 حزيران/ يونيو 2009، حيث تمّ تعديل هذين القانونين مرة أخرى بموجب: المملكة المغربية، "ظهير 1.08.153 بتنفيذ القانون 17.08 المغير والمتمم بموجبه القانون رقم 78.00، المتعلق بالميثاق الجماعي"، الجريدة الرسمية، السنة 98، العدد 5711، 2009/2/23، ص.536 27  نشير هنا إلى أنه في عهد الملك محمد السادس، أُجريت أول انتخابات جماعية في 12 أيلول/ سبتمبرر 2003، وشهدت نسبة مشاركة بلغت 54.16 في المئة، وهي أضعف نسبة مشاركة في الانتخابات الجماعية التي عرفها المغرب؛ إذ بلغت 66.3 في المئة في الانتخابات الجماعية لسنة 1976؛ و 74.75 في المئة في انتخابات عام 1992؛ و 75.13 في المئة في انتخابات عام 1997. وهو الأمر الذي تكرس بعد انتخابات 12 حزيران/ يونيو 2009 التي بلغت فيها نسبة المشاركة 52.4 في المئة.

الفعلي لهذه الرغبة، من خلال تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية التي وصفها الخطاب الملكي بأنها "لحظة قوية، نعتبررها انطلاقة لورش هيكلي كبير، نريده تحوّلًا نوعيًا في أنماط الحكامة الترابية. كم نتوخّى أن يكون انبثاقًا لدينامية جديدة، للإصلاح المؤسسي العميق. ومن هذا المنظور، فإن الجهوية الموسعة المنشودة، ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجّه حاسم لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة". لم تقدم اللجنة الاستشارية تقرير عملها في الأجل المحدد، وتم تناسي الموضوع حتى بروز حركة 20" فبرراير" وانطلاق موجة الربيع العربي، وتحديدًا في 9 آذار/ مارس 2011، حيث تمّت العودة إلى الموضوع من خلال خطاب ملكي خارج الأجندة المعتادة للخطب الملكية، وكان موضوعه المباشر هو توصيات هذه اللجنة والشروع في تنزيلها. كان لافتًا أن توصيات اللجنة استبعدت مراجعة الدستور، على الرغم من وجوب ذلك، ونصّت على أنه "وبالرغم من كون بعض مقترحات المشروع تستدعي مراجعة الدستور، فإن الجهوية المتقدمة يمكن الشروع في تفعيلها بمجرد إعادة النظر في اللازم من المقتضيات التشريعية والتنظيمية المعمول بها". ومع ذلك، أعلن الملك "لقد اقترحت اللجنة، في نطاق التدرّج، إمكانية إقامة الجهوية المتقدمة بقانون، في الإطار المؤسسي الحالي، وذلك في أفق إنضاج ظروف دسترتها. بيد أننا نعتبرر أن المغرب، بما حقّقه من تطوّر ديمقراطي، مؤهّل للشروع في تكريسها دستوريًا"، مؤكدًا "حرصًا منّا على إعطاء الجهوية كل مقوّمات النجاعة؛ فقد ارتأينا إدراجها في إطار إصلاح دستوري شامل، يهدف إلى تحديث وتأهيل هياكل الدولة". أفرد الدستور الجديد بابًا كاملًا للجمعات الترابية (الباب التاسع الذي تضمّن الفصول من 135 إلى 146)، وأوضح أنها تتمثل في "الجهات والعملات والأقاليم والجمعات"، وأنها "أشخاص اعتبارية، خاضعة للقانون العام، تسّير شؤونها بكيفية ديمقراطية"، وحدّد أن التنظيم الجهوي يرتكز "على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة". يلُاحظ على مستوى الشكل، وخلافًا للفصل 146 من الدستور، وكذا المخطط التشريعي اللذين نصّا على تنظيم الجمعات الترابية في نص واحد، صدورُ الإطار القانوني للجمعات الترابية في ثلاثة قوانين تنظيمية، هي القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعملات والأقاليم، والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجمعات. ويلاحظ، أول مرة كذلك، تقنين عمل الجمعات الترابية بمقتضى قوانين تنظيمية، وهو ما يُعتَبر تقدّمًا نوعيّا يُنزلها مكانة

28 "نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة إلى الأمة بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية"، مراكش، 2010/1/3، البوابة الوطنية للجماعات الترابية، خطب ورسائل ملكية، شوهد في 2024/12/25 في: https://acr.ps/1L9zQm0 29 المملكة المغربية، اللجنة الاستشارية للجهوية، تقرير حول الجهوية المتقدمة: مرفوع إلى العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الكتاب الأول، التصور العام، ص 15، شوهد في 2024/12/25، في: https://shorturl.at/26ICw 30 يقصد به المخطط التشريعي للحكومة الذي صدّق عليه مجلس الحكومة بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبرر 2012، ويضم المرحلة بين عامَي 2012 و.2016 31 تتكوّن الجماعات الترابية في المغرب من 12 جهة، و 75 عمالة وإقليم، ا منها 13 عمالة و 62 إقليم، ا و 1503 جماعات. 32 المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.15.85 صادر في 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات"، الجريدة الرسمية، السنة 104، العدد 6380، 2015/7/23، ص 6585؛ المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.15.84 صادر في 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم"، الجريدة الرسمية، السنة 104، العدد 6380، 2015/7/23، ص 6625؛ المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.15.84 صادر 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015)، بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات"، الجريدة الرسمية، السنة 104، العدد 6380، 2015/7/23، ص.6660

أعلى مم كانت عليه في السابق، ويُحصّنها أكثر، لأن مشاريعها تتدارس وجوبًا في المجلس الوزاري قبل عرضها على البررلمان (الفصل 49)، وتُعرض نصوصها بعد "المصادقة" البررلمانية وجوبًا على المحكمة الدستورية لمراقبة مدى دستوريتها (الفصل 132)، كم يلاحظ تأخر صدورها إلى ما قبل أقل من شهرين على انتخابات الجمعات الترابية، وقد كان المنتظر هو صدورها في عام 2012 لاستكمل بناء المنظومة المؤسساتية، خاصة مجلس المستشارين، بناء على مقتضيات الدستور الجديد. وتسبب هذا التأخر في إطالة المرحلة الانتقالية مدة ثلاث سنوات، اشتغل فيها مجلس النواب بتركيبة متوافقة مع دستور عام 2011، عكس مجلس المستشارين الذي بقيت تركيبته وفق دستور عام 1996. ويلاحظ كذلك التباطؤ في تنزيل النصوص التنظيمية المرتبطة بتفعيل مقتضيات هذه القوانين وكثرة عددها، حيث بلغ عدد المراسيم المتعلقة بالجمعات 24 مرسومًا، وعدد المراسيم المتعلقة بالجهات 24‎، وعدد المراسيم المتعلقة بالعملات والأقاليم‎.22

ثانيًا: اللامركزية المغربية بين لااختلالاات التدبيرية والبنيوية

مرّ على تطبيق النسخة الجديدة للامركزية المغربية ما يُقارب عقدًا من الزمن، شهد فيها المغرب استحقاَقيَن انتخابَييَن؛ وهي مدة كافية لإجراء تقييم أولي يمكن الاستناد فيه أساسًا إلى تقييمت رسمية مركزية وغير مركزية، جسّدتها محطات مفصلية. يمكن استخلاص مجموعة اختلالات مرتبطة بمدى تمثّل فلسفة اللامركزية في بعدها التدبيري، مثل ما يتعلّق بطبيعة الاختصاصات الموكولة إلى هذه الوحدات الترابية التي تم تمتيعها بالاستقلال الإداري والمالي، وكذا منظومة تمويل الجمعات الترابية وقدرتها على تأكيد هذه الاستقلالية أو الحدّ منها، ومدى تمثّل مخرجاتها للعدالة المجالية والإنصاف الترابي، أو تكريسها الفوارق التي تؤكد السياسة الاستعمرية التي كانت تقسم المغرب إلى "نافع" و"غير نافع"؛ واختلالات بنيوية تتعلق بحدود الامتثال للطابع الديمقراطي للامركزية الذي يعتبرر أساس تبنّي هذا الخيار، كم عرّفناه سابقًا. ويمكن هنا أن نركّز على طبيعة العلاقة بين المركز وهذه

الجمعات، أو بين المُنتخَب والمُعّين، أو ما يُسمى نظام الوصاية/ الرقابة/ الإشراف، وحدود مشاركتها في ص عن السياسات العمومية، أو تلك الاختلالات المرتبطة بالتقطيع الترابي والمعايير التي تحكمه، والجهة ذات الاختصاص في إقراره، أو نزاهة الانتخابات وحدود تمثيلية الهيئات التي تفرزها للمواطنين، ومدى جاذبية الآليات التشاركية للمواطنين للتفاعل مع هذا الأسلوب اللامركزي.

33 صدرت القوانين في 2015/7/23 جريت الانتخابات في، وأُ 2015/9/4. والغريب أن مشاريع هذه القوانين صدّق عليها في المجلس الوزاري، في 29 كانون الثاني/ يناير 2015، أي قبل ستة شهور من صدورها. 34  المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات الترابية، المراسيم التطبيقية للقانون التنظيمي 13.141 المتعلق بالجماعات (الرباط: مطبعة وزارة الداخلية، [د. ت.])، شوهد في 2024/12/25، في: https://shorturl.at/nwvo2 35  المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات الترابية، المراسيم التطبيقية للقانون التنظيمي 11.141 المتعلق بالجهات (الرباط: مطبعة وزارة الداخلية، [د. ت.])، شوهد في 2024/12/25، في: https://shorturl.at/8cSI0 36  المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات الترابية، المراسيم التطبيقية للقانون التنظيمي 12.141 المتعلق بالعمالات والأقاليم (الرباط: مطبعة وزارة الداخلية، [د. ت.])، شوهد في 2025/4/13، في: https://shorturl.at/iMvDC 37 نقصد هنا انتخابات 4 أيلول/ سبتمبرر 2015، وانتخابات 8 أيلول/ سبتمبرر.2021 38 يمكن هنا التركيز على توصيات المناظرة الوطنية الأولى للجهوية المتقدمة التي نظمتها وزارة الداخلية بالشراكة مع "جمعية جهات المغرب" في مدينة أكادير، في 21-20 كانون الأول/ ديسمبرر 2019؛ وكذا المناظرة الثانية التي احتضنتها مدينة طنجة، في 21-20 كانون الأول/ ديسمبرر.2024

1. مدى تلاؤم اللامركزية المغربية مع فلسفة التدبير المتعارف عليها

قسّمت القوانين التنظيمية للجمعات الترابية اختصاصات هذه الوحدات، استنادًا إلى مبدأ التفريع (الفصل 140) ومبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن (الفصل 136)، إلى اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة. يمكن القول، في العموم، إن الاختصاصات الحالية لهذه الجمعات واسعة للقيام بالتنمية المحلية، مع إحلال الجهة دائمًا مكان الصدارة في عمليات إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية، وتتبعها لإعداد التراب في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجمعات (الفصل 143). ولتحقيق التميز بين هذه الوحدات، فقد أسندت إلى الجهات مهمت النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة، وذلك من خلال تنظيمها وتنسيقها وتتبعها، وأنيطت بالعملات والأقاليم مهمت النهوض بالتنمية الاجتمعية، خاصة في المجال القروي، وكذا في المجالات الحضرية، مع تعزيز النجاعة والتعاضد والتعاون بين الجمعات الموجودة في ترابها، بينم أُنيطت بالجمعات مهمت تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين، والعمل على تنظيمها وتنسيقها وتتبّعها. وإضافة إلى الجهات والعملات والأقاليم والجمعات، هناك وحدات ترابية أخرى، يقتصر وجودها على بعض المدن فحسب، هي الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس وسلا، وتُسمى "المقاطعات"، وهي مجرّدة من الشخصية الاعتبارية، لكنها تتمتع باستقلال إداري ومالي، وتتوافر فيها مجالس منتخبة وذات ارتباط بالجمعات. يتّضح إذًا أن هناك تمايزًا بين هذه الجمعات الترابية. وبنوع من الاستقراء لأدائها خلال هذين العقدين، يلُاحظ أن سياق التقييم يغلب عليه الطابع السلبي من خلال الخطاب الرسمي أو الحزبي أو الأكاديمي أو الفاعلين في المجتمع المدني. مُيثّل نقل الاختصاصات أو منحها للجمعات الترابية خطوةً مهمة، لكنها غير كافية، ما لم ترتبط بتمكين هذه الوحدات من آليات التمويل الذاتي التي تعضد استقلاليتها عن المركز، وكذا توفير بيئة ديمقراطية سليمة لممرسة هذه الاختصاصات. ولذلك يطرح التدبير المالي للجمعات الترابية تحدّي ضمن استقلالية قرارها المالي، وكذا تقوية قدراتها على التمويل؛ وهم عنصران حاسمن في مسار التنمية المحلية والوطنية معًا. وتعكس ميزانية هذه الجمعات، عادة، هذا التوجّه من منطلق مكانتها بصفتها أداة أساسية لمواجهة إكراهات التنمية السوسيو-اقتصادية، في إطار نسق عمودي للسياسات العمومية الترابية التنموية. بّين الدستور أنه يتوفر للجهات وغيرها من الجمعات الترابية الأخرى موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة من الدولة، وأكد أن أي اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجمعات الترابية الأخرى يكون مقترنًا بتحويل الموارد المطابقة له (الفصل 141). وتُبّين الإحصاءات المتواترة أن حجم التمويلات المركزية لهذه الجمعات

39 تمّ تأكيد هذه المبادئ الأربعة في القوانين التنظيمية: المادة (4) من القانون التنظيمي للجهات؛ والمادة (3) من القانون التنظيمي للجماعات؛ والمادة (3) من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم. 40 لاع على هذه الاختصاصات بالتفصيل، يمكن الرجوع إلى القسم الثاني ابتداء من المادة  للاطّ (80) وما بعدها من القانون التنظيمي للجهات، وابتداء من المادة (77) من القانون التنظيمي للجماعات، وابتداء من المادة (78) من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم. 41 يُقصد بخدمات القرب Services Proximité تلك الخدمات الإدارية اليومية. 42 Abdelali Jnah, Réflexions sur la modernisation de la fiscalité locale au Maroc (Rabat: Publications Remald, 2015), p. 214.

مُيثّل الحصة الكبررى، وأن التفاوت بين هذه الجمعات هو السمة الغالبة على مواردها، وأن أكبرر مورد لها هو المداخيل الضريبية، خاصة حصّتها من الضريبة على القيمة المضافة. ولذلك يبقى ضعف الموارد الذاتية أهم عائق أمام قيام هذه الجمعات بمهمتها التنموية، بسبب عدم التناسب بين اتّساع مهمتها وقدرتها على التمويل الذاتي لمتطلّباتها. وهو ما يؤثر سلبيّا في تمتّعها باستقلالها المالي عن المركز؛ لأنها تبقى أسيرةً لنظام الإعانات الذي يربط مصيرها بالمركز. ويُضاف إلى ذلك عدم عقلنة مواردها الجبائية التي تُثقل كاهل الساكنة، وعدم ترشيد الإنفاق العمومي؛ بسبب تضخّم ميزانية التسيير على حساب التجهيز، وعدم تحديث آليات تدبير الميزانية، وصعوبات مساطر التمويل الخارجي في ما يخص القروض والشراكات التي تبقى تحت رحمة المركز، وعدم الاجتهاد أكثر في تنمية الموارد غير الجبائية. مُتثّل الرقابة المركزية على مالية الجمعات الترابية اختبارًا حقيقيًا لمدى ثقة المركز بهذه الوحدات. ومن خلال

النصوص المنظّمة لهذه الرقابة، يتّضح أنها رقابة مشدّدة، تتوّلها وزارتا الداخلية والمالية، وتشمل كل مراحل العملية التدبيرية، أي الرقابة القبلية والمواكِبة والبعدية، مع العلم أن منطق الاستقلالية لا يتطلّب هذا التشدد كله، ويمكن أن يقبل بنوع من الرقابة البعدية المخففة فحسب، والأفضل دائمًا أن يكون القضاء هو الفيصل، أي تُصبح الرقابة قضائية عوضًا عن الرقابة الإدارية. لم يفد تغيير مصطلح "المصادقة" على الميزانية من طرف سلطة الوصاية، أي وزارة الداخلية، بمصطلح التأشير للانتقال من وضع إلى آخر؛ لأن المطلوب هو إعمل الاستقلالية بما تحمله من مضامين ومؤشرات، بغض النظر عن المصطلح الحامل مضمونه. لقد أثّر العاملان السابقان كثيرًا في مردودية هذه الجمعات، وفي نجاحها في القيام بمهمتها التنموية، وهو ما وضعنا أمام تفاوت مهول بين مناطق المغرب، حيث تتركّز الموارد في جهات أقل، بينم تغرق أكثر الجهات في بحر الحاجة إلى ما تفك به عجزها المالي عن تغطية متطلّبات تسييرها. وقد بيّنت معطيات إحصائية رسمية أن الثروة الوطنية تتركز في ثلاث جهات من مجموع الجهات الاثنتي عشرة. وبّين الإحصاء العام

43 بلغت، على سبيل المثال، مداخيل الجماعات الترابية 35.6 مليار درهم خلال عام 2015، في مقابل 31.9 مليار درهم في عام 2014، أي بارتفاع قدره 11.6 في المئة. وتتوزّع مداخيل عام 2015 كالتالي: موارد محولة بمبلغ 22.6 مليار درهم، منها 19.3 مليار درهم من عائدات الضريبة على القيمة المضافة، أي بنسبة 85 في المئة؛ موارد ذاتية مسّيةر من الجماعات الترابية بمبلغ 7.6 مليارات درهم؛ موارد جبائية مسّيةر من الدولة لحساب الجماعات الترابية بمبلغ 5.4 مليارات درهم. ينظر: المجلس الأعلى للحسابات، التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 015 2 (الرباط: 2015)، ص 38 وما بعدها، شوهد في 2024/12/25، في: https://shorturl.at/xkoRK 44  عبد اللطيف بروحو، مالية الجماعات المحلية بين واقع الرقابة ومتطلّبات التنمية، سلسلة مواضيع الساعة، مج 70 (الرباط: المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،.)2011 45 تنص المادة (202) من القانون التنظيمي للجهات على ما يلي: "تعرض الميزانية على تأشيرة السلطة الحكومية المكلّفة بالداخلية في تاريخ أقصاه 20 نونبرر [تشرين الثاني/ نوفمبرر]، وتصبح الميزانية قابلة للتنفيذ بعد التأشير عليها." 46 صرّح رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني أمام مجلس النواب: "إن هناك انطباعًا في بعض الأحيان بأن بعض الجهات يتكرّس

تخلّفها عن الركب التنموي، في الوقت الذي تتسارع وتيرة تنمية جهات أخرى بشكل ملموس". ينظر جواب السيد سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، في: المملكة المغربية، رئيس الحكومة، "الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة حول العدالة المجالية والتنمية"، شوهد في 2024/12/25، في: https://shorturl.at/7rzXa 47 المقصود هنا جهة الدار البيضاء – سطات، وجهة الرباط – سلا – القنيطرة، وجهة طنجة – تطوان - الحسيمة التي تحقق أزيد من نصف الثروة الوطنية 57.9 في المئة، بنسب بلغت 31.4 في المئة، و 16.1 في المئة، و 10.4 في المئة على التوالي، في حين أنتجت خمس جهات ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي 33.5 في المئة، ويتعلّق الأمر بجهة مراكش - آسفي 8.3 في المئة، وجهة فاس - مكناس 7.9 في المئة، وجهة سوس - ماسة 6.6 في المئة، وجهة بني مّللا - خنيفرة 6.1 في المئة، وجهة الجهة الشرقية 5.1 في المئة. ينظر: بدر الدين عتيقي، "مندوبية التخطيط: ثلاث جهات مغربية تحقق أزيد من نصف الثروة الوطنية"، هسبريس، 2024/9/3، شوهد في 2024/12/25، في: https://acr.ps/1L9zR9m

للسكان والسكنى، في عام 2024، أن التفاوت يشمل كذلك انتشار السكان في الجهات، حيث يتركز 71.2 في المئة من السكان في خمس جهات. وهذا يطرح سؤال الجاذبية الترابية؛ إذ يُفضّل المواطن، عادة، الاستقرار في المنطقة التي توجد فيها المرافق الضرورية وفرص العمل، وهي حتى اليوم منحصرة في الشريط المحيط بالعاصمة. ويترتب على هذا الوضع تحديات كثيرة مرتبطة بحكامة المدن؛ لأن عملية تعميرها غير متحكّم فيها، وتزداد التحديات حين يرافقها قدرة محدودة على الإدماج الاجتمعي والاقتصادي والثقافي لجميع ساكنة الحواضر، ونقص في الذكاء الترابي، وصعوبة في توفير شروط تنمية مستدامة للمجالات الحضرية. تطرح هذه المفارقة سؤال المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص بينهم، ويلقي هذا الموضوع بظلاله على معضلة التنمية غير المتوازنة والتفاوتات المجالية وعدم الإنصاف الترابي وغياب العدالة؛ وهذا يناقض ما نصّ عليه الدستور في باب الحكامة الجيدة (الفصل 134)، والقوانين التنظيمية في قسم قواعد الحكامة (المادة (243) من القانون التنظيمي للجهات)، وميثاق المرافق العمومية. لم يفد في تفادي هذه التفاوتات ما نصّ عليه الدستور بإحداث صندوق التضامن (الفصل 142)؛ وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول فاعلية التقسيم الجهوي الذي يعتمده المغرب، ومدى تلاؤمه مع الاحتياجات التنموية.

2. مدى تلاؤم اللامركزية المغربية مع مقتضيات الديمقراطية المحلّية

يثير موضوع التفاوتات المجالية سؤلًا عن التقطيع الترابي ومعاييره ومن يتوّلها. وأول ما يلفت الانتباه هو انفراد السلطة الحكومية بهذا التقسيم، وليس البررلمان. لقد دأب المشرّع الدستوري على إدراج التقطيع الترابي ضمن خانة السلطة التنظيمية التي تتوّلها الحكومة بنصوص تنظيمية، ولم يعتبرر قط تلك مهمة المُشرّع، وإن كان قد أطّرها في دستور عام 2011 ببعض القيود التي تُدرج ضمن صلاحيات المُشرّع، مثل "نظام الجمعات الترابية، ومبادئ تحديد دوائرها الترابية" و"النظام الانتخابي للجمعات الترابية، ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية" (الفصل 71). وفعلًا صدر القانون في عام 2013، لكن مواده لم تتعدّ السبع، وبقيت أسيرة عموميات حول المبادئ، وأحالت اختصاص تحديد عدد الجهات وتسمياتها ومراكزها والعملات والأقاليم المكوّنة لنفوذها الترابي (المادة 3)، وعدد العملات والأقاليم وتسمياتها ومراكزها والجمعات المكوّنة لنفوذها الترابي (المادة 5) إلى السلطة التنظيمية، بمرسوم يُتّخذ باقتراح من وزير الداخلية، كم نصّت المادة السابعة من القانون على أنه "تحدث الجمعات وتُحدّد تسمياتها بمرسوم يُتّخذ باقتراح من وزير الداخلية. تُعّين بقرار من وزير الداخلية، الحدود الترابية للجمعات، وعند الاقتضاء، مراكزها. يُحدّد داخل كل جمعة معنية، بقرار وزير الداخلية، مدار حضري يشمل كلّيًا أو جزئيًا النفوذ الترابي للجمعة، ويُعتبرر الجزء الباقي من تراب الجمعة قرويًا".

48 لاع على تفاصيل الإحصاء، ينظر  للاطّ: "Résultats recensement général 2024," Haut-Commissariat au Plan, accessed on 25/12/2024, at: https://shorturl.at/QdL1n 49   إدريس الكراوي، التنمية: نهاية نموذج؟ (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2018)، ص.107 50 تنصّ المادة (5) على: "تخضع المرافق العمومية للمبادئ التالية:"[...] الإنصاف في تغطية التراب الوطني، من خلال العمل على تغطية عادلة لتقريب الخدمات من المرتفقين [...]". ينظر: المملكة المغربية، "ظهير رقم 1.21.58 بتنفيذ القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومي"، الجريدة الرسمية، السنة 110، العدد 7006، 2021/7/22، ص.5661

ظل التقطيع الترابي محكومًا بهواجس سياسية وأمنية أكثر من الرهان التنموي، بسبب الحرص على ضبط المجال؛ ولذلك لم يستقر هذا التقطيع مدة طويلة حتى تُؤتى ثماره. ويمكن في هذا الصدد إعطاء بعض الأمثلة على ذلك، في مقدّمها تقسيم منطقة الصحراء ثلاث جهات، على الرغم من أنه يمكن جمعها في جهة واحدة بحسب المبادئ التي تضمّنها القانون 131.12، خاصة المادة (2) التي نصّت على ما يلي: "تُحدّد الدوائر الترابية للجهات وفقًا للمبادئ التالية: مراعاة معايير الفعالية والنجاعة والتراكم والتجانس والوظيفية والقرب والتناسب والتوازن بوصفها أساسيات جوهرية في عملية التحديد بغية تكوين مجموعات مجالية متكاملة تتوفر على حد أدنى ملموس فيم يخص كتلتها البشرية والاقتصادية؛ مراعاة حد أدنى ملموس من شبكة الروابط ذات المضمون الاجتمعي والتواصلي؛ تكوين الجهة انطلاقًا من مجموعة من العناصر المجالية المندمجة على أساس مشترك لخصائص ظروفها الطبيعية والاقتصادية والبشرية، تستجيب بفعل ذلك لمبدأ الانسجام الجغرافي؛ تشكيل مجموعات ترابية عملية انطلاقًا من قطب أو قطبين حضريين يمتد إشعاعهم ليشمل فضاءات للنمو الاقتصادي، ويعكس تنظيم الأنشطة الاقتصادية والبشرية والتدفقات المرتبطة بها؛ الاستناد إلى الشبكة الإدارية للعملات والأقاليم قصد إرساء قواعد قائمة على التراكم المتوفر والاستفادة من تقاليد اللامركزية الإدارية للمملكة، وذلك مع التقيد بالمستلزمات الثلاث المتمثلة في الاستمرارية والتجاور والحفاظ على وحدة الكيانات الإدارية؛ تكوين مجموعات منسجمة تجمع بين الامتداد الجغرافي للأجزاء المكوّنة لها واتصال هذه الأجزاء عبرر شبكة كثيفة من المسالك تسهل الوصول إلى مركز الجهة"، وكذا التغيير الذي عرفته منطقة الريف التي تم تقسيمها إلى أكثر من جهة، على الرغم من خصوصياتها التاريخية والجغرافية واللغوية التي تجعلها منطقة متجانسة. لقد تمّ تفعيل التقسيم الجهوي الحالي للمغرب من خلال المرسوم رقم 2.15.40، الصادر في 20 شباط/ فبرراير 2015، الذي يُحدّد عدد الجهات وتسمياتها ومراكزها والعملات والأقاليم المكوّنة. وهو مرسوم غابت عنه تلك المبادئ بوضوح، ومنها تغييب دور ممثلي الشعب عن هذه المهمة الشديدة الأهمية التي يمكن أن تُساهم في تحقيق توازن ترابي بين جهات المغرب. أمّا الشق الثاني الذي لا يقلّ أهمية عن سابقه، فهو الذي يتعلّق بالوصاية المفروضة من المركز على هذه الوحدات الترابية والتي تتوّلها وزارة الداخلية. وقد عّبتر مذكرات عدّة أحزاب عن مطالب بشأن مراجعة نظام الوصاية والجهة التي تتوّلها في أكثر من مناسبة، ونورد هنا على سبيل المثال، فقط، مذكّرة أحزاب الكتلة الديمقراطية لعام 1996، حول الإصلاحات الدستورية، التي عّبتر فيها عن أن تعزيز اللامركزية يقتضي تمكين هيئات المجالس المحلية المنتخبة من تنفيذ مقرراتها وإعادة النظر في دور العامل ليصبح مرتبطًا بالوزير الأول، ولم يتحقق هذا المطلب في المراجعة الدستورية لعام 1996؛ ما جعل حزب الاتحاد الاشتراكي يُعيد إدراجه ضمن مذكرته لعام 2011 بصيغة تجعل الولاة والعمل يقعون تحت المسؤولية المباشرة لرئيس الحكومة.

51  لذلك يلاحظ الدور المحوري لوزارة الداخلية في هذا المجال، فهي المكلفة بوضع مشروع المرسوم. 52 منطقة الحسيمة تمّ إلحاقها بجهة طنجة تطوان الحسيمة، بينما تمّ إلحاق منطقة الناظور بجهة الشرق. ينظر التقسيم الجهوي الجديد للمغرب في: المملكة المغربية، "مرسوم رقم 2.15.40 صادر في فاتح جمادى الأولى 1436 (20 فبرراير 2015) بتحديد عدد الجهات وتسمياتها ومراكزها والعمالات والأقاليم المكونة لها"، الجريدة الرسمية، السنة 104، العدد 6340، 2015/3/5، ص.1481 53  ينظر نص المذكرة في: أحمد بوز، الدستور المغربي: سياق النشأة ومسار التطور، ج 2 (الرباط: شمس برينت، 2019)، ص.138 54 المرجع نفسه، ص.248

لقد تمّ تغيير المصطلح من الوصاية إلى الرقابة تلطيفًا لثقله على المتلقّي، وعلى هيئات منتخبة؛ وهو ما

يُذكّرنا بما سبق أن تحدّثنا عنه من تبديل لمصطلح "المصادقة" على الميزانية بالتأشير. كان الدافع أساسًا إلى تغيير هذا المصطلح هو طابعه القدحي، لأن الوصاية في العادة تُفرض على عديم الأهلية أو ناقصها. والمثير أكثر هو أن تبقى هذه الرقابة حصرية لوزارة الداخلية دون سواها، مع أن المنطق يتطلّب أن تُسند إلى رئاسة الحكومة؛ نظرًا إلى الاختصاصات الواسعة لهذه الجمعات الترابية التي تتجاوز اختصاص وزارة الداخلية. وهناك من اقترح إنشاء وزارة خاصة بالتنمية المحلية، على أن يبقى اختصاص وزارة الداخلية منحصرًا في المجال الأمني. ويتزايد الاستغراب، حينم يسند إلى العمل والولاة (المحافظون) وظيفة هذه الرقابة بالتفويض، وكذا التنسيق بين المصالح الخارجية لكل الوزارات خارج المركز (الفصل 145 من الدستور)، مع أن المنطق يتطلّب أن يسند ذلك، على الأقل على مستوى الجهات، إلى مندوب عن رئاسة الحكومة. ويثير هذا إشكالية أكبرر، هي علاقة المنتخب بالمُعّين، حيث يصبح بهذا المنطق للرقابة والوصاية السمُّوُ للمُعّين على المنتخب، على الرغم من أن هذا الأخير هو الذي يحوز صفة التمثيلية للشعب. من النقائص البنيوية، التي لا تُخطئها العين الفاحصة للامركزية المغربية، عدم تناغمها مع اللاتمركز الإداري Déconcentration. فالمعروف في اللامركزية الإدارية أنها مثل العملة ذات الوجهين، مُتثّل اللامركزية وجهها الأول؛ بينم يمثل اللاتمركز وجهها الآخر، وتعتبرر اللامركزية معوّقة إن لم يتلاءم معها لاتمركز يساير تطوّرها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المطالب المرتبطة بتطوير اللاتمركز قديمة، وقد نصّت على ذلك المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري حين تحدثت عن ضرورة إعادة هيكلة الإدارة، في ضوء الدور الجديد للدولة ودعم سياسة اللاتركيز الإداري، بهدف خلق شراكة حقيقية بين أجهزة الدولة على الصعيد المحلي، والجمعات المحلية والفرقاء الاقتصاديين والاجتمعيين لجعل اللاتركيز في خدمة اللامركزية. مُيثّل اللاتمركز الإداري الصورة المتطوّرة والمخففة للمركزية الإدارية، وبمقتضاه يُخوّل موظفو الوزارة في العاصمة أو في الأقاليم، سواء بمفردهم أم في شكل لجان، ولاية البت في بعض الأمور، من دون حاجة إلى الرجوع إلى الوزير، ولا سيم في المسائل التي لا تحتاج إلى مجهود خاص في إنجازها، بهدف تخفيف العبء عن الوزير وتحقيق السرعة والتفرغ للأهم وللأمور ذات الأولوية. ولا تعني سلطة البت استقلال الموظفين، لكنهم دومًا سيكونون خاضعين لإشرافه، ولإشراف رؤسائهم الإداريين في نطاق السلطة الرئاسية، ويمارسون مهمتهم بالتفويض فحسب، ولا تعتبرر اختصاصاتهم أصلية بناء على نص قانوني. ويوضح الجدول) 2(الفارق بين اللامركزية واللاتمركز.

55 الملاحظ في دستور عام 2011 أنه اعتمد مصطلح الرقابة عوضًا عن الوصاية على الجماعات الترابية، وهو ما أكدته القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، لكنه أبقى على مصطلح الوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية، كما نص عليها الفصل 89 من الدستور. 56 يمكن الإشارة هنا إلى أن المصطلح يمكن أن يكون له أكثر من مفهوم بحسب الحقل العلمي الذي يستعمل فيه. يشير مثلًا مصطلح "الوصاية" في القانون المدني إلى ذلك المفهوم القدحي، لكنه في القانون الإداري، لا يعني أي دلالة تنقيصية للجماعات الترابية، بدليل أن فرنسا لا تزال تستعمل مصطلح "سلطة الوصاية" tutelle de.Autorité 57 هذا ما نصّت عليه المادة (16) من مبادرة الحكم الذاتي التي صاغها المغرب، ووضح أنها تُدرج في إطار بناء مجتمع دیمقراطي حداثي، یرتكز على مقومات دولة القانون والحریات الفردیة والجماعیة والتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة. "یزاول مندوب للحكومة اختصاصات الدولة في جهة الحكم الذاتي للصحراء، المنصوص عليها في الفقرة 14 أعلاه". ينظر: "نص المبادرة المغربیة بشأن التفاوض لتخویل الصحراء حكمًا ذاتيًا". 58   "الإصلاح الإداري بالمغرب: أعمال المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة نصوص ووثائق، العدد 68 (2002)، ص.73 59 احرشان، ص.159

الجدول (

الجدول (2) الفروق بين اللامركزية الإدارية واللاتمركز الإداري

الفروق بين اللامركزية الإدارية واللاتمركز الإداري

من حيثاللاتمركز الإدارياللامركزية الإدارية
النظام الإداريوحدة السلطة الإدارية (صورة
للمركزية الإدارية)
تعدّد السلطة الإدارية
اكتساب الشخصية المعنويةهناك شخص معنوي عام واحدتعدّد الأشخاص المعنوية العامة
نظام العلاقاتالسلطة الرئاسيةالوصاية/ الرقابة/ الإشراف
أساس ممرسة الاختصاصاتالتفويض الإدارينص تشريعي من السلطة التشريعية
الإنشاء والإلغاءبقرار إداريبنص تشريعي من السلطة التشريعية

الإنشاء والإلغاء

بقرار إداري

بنص تشريعي من السلطة التشريعية

المصدر: المرجع نفسه.

يلُاحظ في التجربة المغربية أن التطور في إقرار اللامركزية لم يواكبه تطوّر في اللاتمركز؛ ولذلك دق التقرير النهائي للجنة الاستشارية للجهوية ناقوس الخطر، حين نصّ على أن مسار اللاتمركز الإداري ما زال "يعاني إلى اليوم من مثبطات ومن عراقيل، بالرغم مم حصل من تقدّم لا يُنكر، وبالرغم من وجود نصوص تنظيمية والتزامات رسمية للمسؤولين في مختلف المستويات تكرّس اختيارات وتدابير جوهرية في هذا المضمر".

وقد أكد الملك في أكثر من خطاب أهمية اللاتمركز، قائل:ا "كم نهيب بالحكومة، إلى إعداد ميثاق وطني لعدم التمركز، يتوخّى إقامة نظام فعّال لإدارة لاممركزة، يشكل قطيعة حقيقية مع المركزية المتحجّرة، نظام يعتمد مقاربة ترابية، ويقوم على نقل صلاحيات مركزية للمصالح الخارجية وانتظامها في أقطاب تقنية جهوية. كم يتعّين تضمين هذا الميثاق الآليات القانونية الملائمة لحكامة ترابية تخوّل للولاة والعمل الصلاحيات اللازمة للنهوض بمهامهم، ولا سيم ما يتعلّق منها بالإشراف على نجاعة ممرسة اختصاصات أجهزة الدولة وتناسق عمل كافة المتدخّلين على المستوى الترابي الإقليمي والجهوي". الملاحظ أن هذا الميثاق لم يرَ النور حتى عام 2018، ولا يزال تنزيل مقتضياته يعرف عثرات وصعوبات كثيرة، ما يُعوّق تطبيقًا أمثل للامركزية. لن تكتمل هذه المزاوجة بين المركزية واللامركزية، إّلا بالاعتراف للوحدات اللامركزية بدور في رسم السياسات العمومية للدولة. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الدستور مكّن الجمعات الترابية من هامش معتبرر بشأن هذا الاختصاص، حين حدّد لها نسبة معتبررة للتمثيل البررلماني من خلال الغرفة الثانية؛ أي مجلس المستشارين، من خلال تمكين ممثليها من ثلاثة أخمس المقاعد (الفصل 63)، ومنحها اختصاص تحديد السياسات الترابية وتفعيل السياسة العامة للدولة من خلال هؤلاء الممثلين (الفصل 137)، وأعطاهم صلاحية مراقبة الحكومة

60  المملكة المغربية، اللجنة الاستشارية للجهوية، تقرير حول الجهوية المتقدمة، الكتاب الأول، التصور العام، ص.15 61 "نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء"، مراكش 2008/11/6، خطب ورسائل ملكية، البوابة الوطنية للجماعات الترابية، شوهد في 2025/4/10، في: https://acr.ps/1L9zR12 62 المملكة المغربية، "مرسوم رقم 2.17.618، صادر في 18 ربيع الآخر 1440 (26 ديسمبرر 2018) بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري"، الجريدة الرسمية، السنة 107، العدد 6738، 2018/12/27، ص.9787

وتقييم السياسات العمومية (الفصل 70). لكنه لم مُيّك ن هذا المجلس من تقديم ملتمس الرقابة لسحب الثقة من الحكومة وإقالتها، كم منحه للغرفة الأولى من البررلمان، بل أعطاه الحق فقط في تقديم ملتمس مساءلة إلى رئيس الحكومة الذي له أجل ستة أيام ليعرض أمام هذا المجلس جواب الحكومة، يتلوه نقاش لا يعقبه تصويت (الفصل 106)، ومنحهم حق الأسبقية على الغرفة الأولى، أي مجلس النواب، في تدارس مشاريع القوانين التي تهم الجمعات الترابية والتنمية الجهوية والقضايا الاجتمعية (الفصل 78). لكن الملاحظ أن توازن السلطات بين المركز والجمعات الترابية لا يزال بعيد المنال. ولأن الطابع الديمقراطي للامركزية لا يكتمل إّلا ببعدها التمثيلي المحّلي للساكنة، إضافة إلى الصلاحيات، فإن نزاهة الانتخابات مُتثّل مؤشرًا مهمًا للقياس. وعلى هذا المستوى، يمكن تسجيل الملاحظة البنيوية المرتبطة بنمط الاقتراع الذي لا يساعد في فرز مجالس منتخبة منسجمة وقوية، وحالة التشكيك الدائمة في نزاهة الانتخابات، وتدني مستوى التأطير السياسي للعديد من المنتخبين، خاصة بعد حذف اشتراط المستوى التعليمي على من يترشّح للرئاسة، على الرغم من أن القانون السابق كان يشترط الشهادة الابتدائية، وقد كان منطق البحث عن التجويد يستدعي الرفع من هذا الشرط، خاصة في الجهات، وكذا اعتمد الاقتراع العلني قاعدة لانتخاب رئيس المجلس ونوّابه وأجهزة المجلس، على الرغم من أنه يتعارض مع مبدأ ديمقراطي هو "سرية التصويت"، بمبررر تخليق الانتخابات والحدّ من ظاهرة شراء الأصوات، لكن الملاحظ أن منطق تشكيل الأغلبيات نفسه بقي متحكّمًا ولم يتغير بهذا التعديل. لقد كان من إيجابيات دستور عام 2011 إقراره، أول مرة، إعمل آليات الديمقراطية التشاركية، وإن كان السياق المغربي لم يجعل منها بديلًا من ديمقراطية تمثيلية غير مكتملة، تجرّ وراءها تاريخًا من الأعطاب، بقدر ما جعل

من شكلَي الديمقراطية مجتمَعيَن بديلًا مفترضًا من واقع عنيد، واقع عدم المشاركة والعزوف وعدم التسييس. تمّ التنصيص على الحق في المبادرة التشريعية بواسطة ملتمسات التشريع، وكذا الحق في المراقبة من خلال نظام العرائض. والأهم هو إقراراه هذه الآلية حتى على المستوى اللامركزي من خلال التنصيص دستوريًا على هذا الحق (الفصل 139)، وكذا التفصيل في شروطه في كل مستويات الجمعات الترابية، كم هو منصوص عليه في الباب الخامس من القانون التنظيمي للجهات الذي خصص لشروط تقديم العرائض من المواطنات والمواطنين والجمعيات (المواد 122-118)، والباب الخامس من القانون التنظيمي للعملات والأقاليم (المواد 116-112)، والباب السادس من القانون التنظيمي للجمعات (المواد.)125-121

63 كانت المادة (28) من الميثاق الجماعي لسنة 2009 تنص على شرط الشهادة: "لا يجوز لأعضاء المجالس الجماعية الذين لا يثبتون توفرهم على مستوى تعليمي يعادل على الأقل مستوى نهاية الدروس الابتدائية أن ينتخبوا رؤساء، ولا أن يزاولوا هذه المهام بصفة مؤقتة." 64 المادة (8) من القانون التنظيمي للجهات، والمادة (6) من القانون التنظيمي للجماعات، والمادة (7) من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم. 65  حسن طارق، دستورانية ما بعد انفجارات 011:2 قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.44-43 66 الفصل 14 من الدستور؛ المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.16.108 صادر في 23 من شوال 1437 (28 يوليو 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 64.14 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع"، الجريدة الرسمية، السنة 105، العدد 6092، 2016/8/18، ص.6077 67 الفصل 15 من الدستور؛ المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.16.107 صادر في 23 من شوال 1437 (28 يوليو 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 44.14 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية"، الجريدة الرسمية، السنة 105، العدد 6492، 2016/8/18، ص.6074

من خلال جرد لحصيلة هذه الآلية التشاركية التي تعكس منسوب تجاوب المواطنين، يلُاحظ أنها لا تزال ضعيفة؛ إذ لم تتجاوز 212 عريضة حتى آخر رصد رسمي قامت به المديرية العامة للجمعات الترابية، يتضمن إحصاءً شاملًا لجميع العرائض المقدمة للمجالس المنتخبة، حتى 30 أيلول/ سبتمبرر 2019، مقسّمة على 46

عريضة قدّمها المواطنات والمواطنون، قُبِل منها 22 فقط، و 166 عريضة قدّمتها جمعيات المجتمع المدني، 140 جمعية فقط، قُبِل منها 81 عريضة فقط، وتمّ تقديم هذه العرائض إلى 97 جمعة ترابية فقط، من بين 1590 جمعة ترابية موجودة على الصعيد الوطني، أي بنسبة 6 في المئة، موزّعة بحسب أصنافها كالتالي: 80 جمعة من 1503، و 9 عملات أو أقاليم من 75، و 8 جهات من 12.‎ تطرح هذه الحصيلة أكثر من سؤال عن أسباب عدم تفاعل المواطنين والمجتمع المدني مع هذه الآلية، على الرغم من أهميتها والمجهود الذي بذلته السلطات لتوضيح التفاعل معها من خلال دلائل تبسيط مساطرها. ويفتح هذا الضعف الباب للتساؤل عن الشروط التي تُعتبرر أحيانًا تعجيزية.

خاتمة

مضى ما يزيد على عقد من الزمان على التنزيل الفعلي للنسخة الجديدة للامركزية المغربية، متمثلة في "الجهوية المتقدمة" كم تمّت "دسترتها" في عام 2011. وهي مدة كافية لتقييم حصيلتها مؤقتًا لاستدراك ما يشوبها من نقائص وما يعترضها من إكراهات، والاستفادة أكثر مم تُتيحه من فرص. وهذه كانت توصية اللجنة الاستشارية للجهوية، حين نصّت على أن "طبيعة المشروع تقتضي تفعيله تدريجيًا على مراحل، وفق خارطة طريق

مضبوطة ترسم له [...] ويرافق التفعيل تقييم مستمر كفيل بأن يمنحه الوتيرة المُثلى، مع إجراء ما يلزم من التصويب على المشروع، كلم اقتضى الأمر ذلك في ضوء الممرسة العملية"، واقترحت أن يوضع ضمن تدابير المواكبة "آلية للتتبع والتقييم الدوري لمسار اللاتمركز في علاقته بمساري اللامركزية القطاعية والجهوية المتقدمة". لن نقول جديدًا، ولن نكون قاسين في الحكم على التجربة، إن نحن قلنا إنه لم يُحالفها النجاح حتى الآن في تحقيق الأهداف المُبتغاة منها؛ لأن هذا الحكم عليه شبه إجمع في المغرب، بما في ذلك أعلى سلطة في البلاد، أي الملك الذي وضّح في أكثر من مناسبة عدم رضاه عن الحصيلة، وتحدّث عن التحديات التي لا تزال تعترض تنزيل الجهوية المتقدمة، والتي اختزلتها الرسالة الملكية الموجّهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة في ما يلي: "يقتضي البعد الاستراتيجي لمسار الجهوية المتقدمة المزيد من انخراط كافة الفاعلين في مسلسل للتشاور والحوار البناء، بما ينسجم مع منطق التدرج والتطور في التنزيل الكامل لهذا الورش، وخاصة فيم يتعلق بتدقيق وتحديد وتملك الاختصاصات وممرستها بشكل فعال، من أجل رفع التحديات التي أفرزتها الممرسة العملية". وحصرت هذه الرسالة التحديات في سبعة هي: تحدي الأجرأة الفعلية للميثاق الوطني للاتمركز الإداري، وتحدي تدقيق وتفعيل اختصاصات الجمعات الترابية، ولا سيم منها المجالس الجهوية، الذي يُعدّ من الشروط الأساسية للتفعيل الحقيقي لورش الجهوية المتقدمة والنهوض بالتنمية الاقتصادية

68 المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات الترابية، "الديمقراطية التشاركية المحلية: تقديم العرائض للجماعات الترابية نموذجًا"، 2019، شوهد في 2024/12/28، في: https://acr.ps/1L9zRxc 69 الحصيلة كلها حول هذه الآليات التشاركية تقدم أرقامًا مُقلقة، بما فيها الآليات الوطنية. ينظر: "الحصيلة في الموقع المخصص لذلك في البوابة الوطنية للمشاركة الوطنية"، شوهد في 2025/1/10، في: https://www.eparticipation.ma 70  المملكة المغربية، اللجنة الاستشارية للجهوية، تقرير حول الجهوية المتقدمة، ص.16-14

والاجتمعية للبلاد، إّلا أن هذا الأمر أيضًا، وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في هذا المجال، فإنه لم يتحقق بعد على الوجه المطلوب، وتحدي تعزيز الديمقراطية التشاركية على المستوى الجهوي والمحلي، وتحدي ربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال تدبير الشأن الترابي، وتحدي الارتقاء بجاذبية المجالات الترابية لجذب الاستثمر المنتج، كرافعة أساسية لتقوية التنمية المستدامة، وتحدّي قدرة الجهات على ابتكار آليات تمويلية جديدة، وتحدّي التصدّي لبعض الأزمات والتكيّف مع التحّولّات التي يفرضها واقع اليوم وتأثيرات الغد. لا يمكن إنكار التطوّر الذي عرفته اللامركزية في المغرب، لكن ذلك لم يواكبه تطوّر موازٍ وبالوتيرة نفسها على مستوى اللاتمركز الذي من شأنه التخفيف من وطأة الطابع المركزي للدولة الموروث عن جذورها المخزنية، وعن الاستنساخ غير المعقلن للنموذج الفرنسي في التدبير الإداري. لم تشمل المراجعة الجذرية حتى الآن إعادة النظر في تعدد هذه الوحدات اللامركزية، الجهات والعملات والأقاليم والجمعات، التي تبُررز التجربة تداخلًا في مهمتها، وتكرارًا لعملها، وتجاوزًا لمبرررات وجودها كلها في بداية الاستقلال. وقد ضمّنت اللجنة الاستشارية للجهوية تقريرها النهائي ضرورة مراجعة التداخل والتنازع في الاختصاصات، حيث نصّت على أنه "ومع الاحتفاظ في الظروف الراهنة بمجالس العملات والأقاليم، يقترح في المستقبل إجراء تقييم شمولي لمنظومة الجمعات الترابية لتجنّب الازدواجية العضوية للمجالس المنتخبة ولتطوير التجمع البيني للجمعات Intercommunalité، وذلك استجابة إلى ضرورة إلغاء أسباب التداخل والتنازع في الاختصاصات بين المجالس المنتخبة المتراكبة في مجال ترابي واحد، وإلى الحاجة إلى تعضيد المشاريع والوسائل لدى الجمعات في إطار تنظيمها البيني الديناميكي". هل ما زالت الحاجة إلى العملات والأقاليم في ظل الجهوية المتقدّمة؟ طبعًا، يفتح هذا التساؤل الباب على حالة التضخّم المؤسساتي التي يعيشها المغرب؛ ما يتطلّب مراجعة لعدد المؤسسات والمقاولات العمومية والوحدات الترابية، وكذا حالة التداخل الواقع بين الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع التي تمّ التنصيص عليها في الباب الثاني من القانون التنظيمي للجهات (المواد 144-128)، وبعض الهيئات

التي أُنشئت من قَبل لتنمية بعض المناطق الحدودية، مثل وكالة تنمية الأقاليم الشرقية، ووكالة تنمية أقاليم الشمل. نخلص من هذه الدراسة إلى مجموعة من التوصيات يمكن اختصارها في: وجوب مراجعة تعدد النصوص القانونية المنظمة للامركزية؛ فقد كان كافيًا الاقتصار على نص واحد يجمع كل الجمعات الترابية في مدوّنة واحدة، من دون تكرار المقتضيات المشتركة، وتخصيص قسم لكل

71 "نص الرسالة السامية لصاحب الجلالة الملك الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، طنجة، "2024/12/20، البوابة الوطنية للجماعات الترابية، 2024/12/20، شوهد في 2024/12/31، في: https://shorturl.at/9IxR2 72  المملكة المغربية، اللجنة الاستشارية للجهوية، تقرير حول الجهوية المتقدمة، ص.11 73 تعاني المحفظة العمومية هذا التضخم الذي بلغ إلى متم أيلول/ سبتمبرر 2024 ما مجموعه 271 مؤسسة ومقاولة عمومية؛ منها 228 مؤسسة عمومية، و 43 مقاولة ذات مساهمة مباشرة للخزينة، إضافة إلى 525 هيئة يمتلكها بعض المؤسسات والمقاولات العمومية بشكل جزئي أو كلي، منها 53 في المئة مملوكة بالغالبية، كما تضم هذه المحفظة 73 شركة ذات مساهمة مباشرة للجماعات الترابية، منها 21 شركة تخضع للمراقبة المالية، ويتم تتبعها على مستوى المحفظة العمومية، و 53 هيئة عمومية أخرى، منها 30 هيئة تخضع للمراقبة المالية، ويتم تتبّعها

على مستوى المحفظة العمومية. ينظر: وزارة الاقتصاد والمالية، تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية: مشروع قانون المالية لسنة 025 2 (الرباط: 2025)، ص 13، شوهد في 2025/2/5، في: https://acr.ps/1L9zQtB. وهو ما تطلب إصدار قانون إطار رقم 50.21 يتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وكذا القانون رقم 82.20 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة ومواكبة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية.

صنف من الجمعات الترابية، إن تمّ الإبقاء عليها كلها، مع الحرص أيضًا على تضمين المشروع جميع الأحكام المتعلقة بالنظام الانتخابي والمالي والجبائي، تأسّيًا بالمشرع الفرنسي الذي جمع المقتضيات التي تهم الجمعات الترابية، وهي كذلك ثلاثة، في مدوّنة واحدة عوضًا عن هذا التضخم والتكرار الذي أدّى إلى مضاعفة عدد المواد، مقارنة بالقانون السابق، حيث تضمّن قانون الجهات 256 مادة، وقانون العملات والأقاليم (228)، وقانون الجمعات.)283(وجوب إعادة النظر في حدود المراقبة/ الوصاية والسلطة التي تتولّها وطبيعة علاقاتها مع الجمعات الترابية، لأن إسنادها إلى وزارة الداخلية يُغلّب عليها الطابع الأمني والاحترازي الذي صار متجاوزًا. لذلك يلزم التفكير بجدية في منح هذه الصلاحية لرئاسة الحكومة أو إحداث وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة، مهمتها التنمية المحلية، خاصة بعد الارتقاء بمنصب رئيس الحكومة من وزير أول كان يقتصر دوره على تنسيق النشاطات الوزارية (الفصل 65 من دستور عام 1996) إلى رئيس حكومة يمثل سلطة رئاسية لجميع الوزراء (الفصل 89)، وله وحده ممرسة السلطة التنظيمية التي يمكنه تفويض بعضها لوزراء حكومته (الفصل.)90 لتحقيق استقلالية أكبرر للجمعات الترابية، يلزم تمتيعها بموارد ذاتية مالية أكبرر، وبحرّية أوسع لتدبير ميزانياتها. ويلزم كذلك تغليب المقاربة التنموية على الأمنية، وكذا الاحتياجات الوطنية على الامتثال لتوصيات المنظمت الدولية. وجوب إعادة النظر في معايير التقسيم الترابي والجهة التي تتولّ هذا الاختصاص، لأن كل الصيغ السابقة لم تفرز لنا إلّ تفاوتًا مجاليًّا وتركيزًا للثروة والساكنة في جهات قليلة. وهو ما يفقد أكثر الجهات جاذبيتها الترابية، ويجعلها متضرّرة من افتقادها الشروط اللازمة لتحقيق إقلاع تنموي. ولعل هذا من أسباب تركز الاحتجاجات أكثر في هذه الجهات البعيدة من المركز، ومن أمثلة ذلك حراك الريف في شمل المغرب، وحراك سيدي إيفني في جنوب المغرب، وحراك جرادة في شرق المغرب. وجوب معالجة الضعف الكبير في تفاعل المواطنين، وأكبرر تجلّياته هو العزوف الملحوظ عن المشاركة في الانتخابات المحلية وضعف الإقبال على الآليات التشاركية التي تمّ إقرارها في آخر نسخة قبيل انتخابات عام 2015. وهذا يتطلّب فتح نقاش عمومي حول أسباب هذا العزوف وسُبل التغلّب عليه. يلزم تطوير الحكامة الترابية بإدخال تعديل على القوانين المنظمة لهذه الوحدات، لإلزامها بتقديم تقارير سنوية عن نجاعة أدائها، عوضًا عن الاقتصار في هذا الالتزام على الميزانية فحسب.

74 يشير محمد طوزي، شغل منصب العضوية في اللجنة الاستشارية لمراجعة دستور عام 2011، تحت عنوان "اللامركزية المستحيلة"، في مؤلف مشترك مع بياتريس هيبو: "وتمشّيًا مع توصيات الشركاء الدوليين، ولا سيما البنك الدولي، لكن أيضًا في إطار العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية،

وجدت مسألة اللامركزية نفسها في قلب الانشغالات 'الأيديولوجية' للفاعلين السياسيين الرئيسين. وقد كشف الحديث عن فوائدها أول، ا ثم تنزيلها، عن أهداف متناقضة. إن الحاجة إلى التحكّم السلطوي في المجال الترابي، من خلال شبكة محكمة، يجب أن يسمح للجماعات المحلية بالحصول على صلاحيات وموارد كافية لإنتاج زبائن، من دون أن يكونوا قادرين على توليد قوى محلية حقيقية من المحتمل أن تُقوّض قيادة الإدارة المركزية". ينظر: Béatrice Hibou & Mohamed Tozy, Tisser le temps politique au Maroc: Imaginaire de l'Etat à l'âge néolibéral (Paris: Karthala, 2020), pp. 334-335.

ملحق

اصالح الخارجية للوزارات اديريات، ا™قسام، اصالح (، اصالح اركزية)الكتابة العامة

اصالح الخارجية لوزارة الداخلية: رجال السلطة

القائد والباشا: ع° صعيد كل ملحقة إدارية (75) الع­ل: ع° صعيد كل ع­ لة وإقليم (12) الوšة: ع° صعيد كل جهة

.املصدر: من إعداد الباحث

سلطة اراقبة

نصف مليون نسمة (اقاطعات)Š الج­ عات التي تتجاوز

(1503) الج­ عات (12) الجهات

الج­عات الابية

(75) مجالس الع­šت وا™ قاليم

(الشق اركزي)ال ركز

الوزارات رئيس الحكومة

الك

وزارة الداخلية

التنظيم ا داري للمغرب تصميم هيكيل للتنظيم اإلداري املغريب تصميم هيكيل للتنظيم اإلداري املغريب

)الغرفة الثانية لل¡ان (مجلس استشارين من اجلس (5 /3)¸ ثلون مندوبو الج­عات الابية الشق المركزي

المراجع

العربية

احرشان، عمر. الأساس في دراسة المصطلح القانوني. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2020 "الإصلاح الإداري بالمغرب: أعمل المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري". المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. سلسلة نصوص ووثائق. العدد).2002(68 بروحو، عبد اللطيف. مالية الجمعات المحلية بين واقع الرقابة ومتطلّبات التنمية. مج 70. سلسلة مواضيع الساعة. الرباط: المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،.2011 بوز، أحمد. الدستور المغربي: سياق النشأة ومسار التطور. الرباط: شمس برينت،.2019 دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية. تحرير ر. أ. و. رودس وسارة أ. بايندر وبيرت أ. روكمن. ترجمة على برازي وابتسام خضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 حركات، إبراهيم. المغرب عبر التاريخ. الدار البيضاء: دار السلمي،.1965 الصروخ، مليكة. القانون الإداري: دراسة مقارنة. الرباط: دار الأمان،.2001 طارق، حسن. دستورانية ما بعد انفجارات 011:2 قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الطموي، سليمن. الوجيز في القانون الإداري: دراسة مقارنة. القاهرة: دار الفكر العربي،.1989 الكراوي، إدريس. التنمية: نهاية نموذج؟ الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2018 محمد، ضريف. النسق السياسي المغربي المعاصر: مقاربة سوسيوسياسية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1991 المسعف، صالح. "التطور الإداري في أفق الجهوية بالمغرب من المركزية إلى اللامركزية". دبلوم الدراسات العليا. كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني،.1989 المملكة المغربية، اللجنة الاستشارية للجهوية. تقرير حول الجهوية المتقدمة: مرفوع إلى العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. الكتاب الأول، التصور العام. في https://acr.ps/1L9zQTd: المملكة المغربية، المجلس الأعلى للحسابات. التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 015 2. الرباط: 2015:. في https://shorturl.at/xkoRK المملكة المغربية، وزارة الاقتصاد والمالية. تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية: مشروع قانون المالية لسنة 025 2. الرباط: 2025:. في https://acr.ps/1L9zQtB المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجمعات الترابية. "الديمقراطية التشاركية المحلية: تقديم العرائض للجمعات الترابية نموذجًا." 2019:. في https://acr.ps/1L9zRxc

الأجنبية

Jal ā l, Mu ḥ ammad Sa ʻī d, Abdallah Saaf & Tahar El Mesmoudi (dir.). Contribution à l'étude des politiques au Maroc. Rabat: Fsjes Mohammed V, 1991. Santucci, Jean-Claude (ed.). Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition? Paris: CNRS, 1992. Santucci, Jean-Claude & Habib El Malki (dir.). Etat et développement dans le monde arabe: Crise et mutations au Maghreb. Paris: CNRS, 1990. Hibou, Béatrice & Mohamed Tozy. Tisser le temps politique au Maroc: Imaginaire de l'Etat à l'âge néolibéral. Paris: Karthala, 2020. Jnah, Abdelali. Réflexions sur la Modernisation de la Fiscalité Locale Au Maroc. Rabat: Publications Remald, 2015. Miaille, Michel. L'État du droit: Introduction à une critique du droit constitutionnel. Fontaine: Les Presses universitaires de Grenoble, 1978. Rachida, Cherifi. Le Makhzen politique au Maroc hier et aujourd'hui. Casablanca: Afrique- Orient, 1988. Rousset, Michel & Jean Garagnon. Droit administratif marocain. Revu et mis à jour par Michel Rousset & Mohammed Amine Benabdallah (revs.). Collection: Thèmes actuel, no. 99. Rabat: Publications de la Remald, 2017.