المخاطر الحقيقية للذكاء الاصطناعي التوليدي
The Real Dangers of Generative AI
الملخّص
ملخص: باعتبارها من أكثر التقنيات تأثيرًا في عصرنا الراهن، تُمثّل النماذج التوليدية الأساسية)GFMs(تحديات غير مسبوقة للمؤسسات الديمقراطية. إذ تُتيح هذه النماذج إمكانيات هائلة للخداع وتداول المعلومات خارج سياقاتها، وذلك على نطاق وسرعة غير مسبوقين، مما قد يُقِوِّض الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية. وفي الوقت ذاته، فإن حجم الاستثمارات الهائل المطلوب لتطوير هذه النماذج، إلى جانب الطابع التنافسي المحموم الذي يميّز هذا المجال، يُنذر بتكريس أشكال من السلطة المركزة وغير الخاضعة للمساءلة الديمقراطية، سواء على المستوى العام أم الخاص. تستعرض هذه الدراسة التهديدين المترابطين اللذين يطرحهما تصاعد دور هذه النماذج: خطر الانهيار، وإمكانات التفرّد التكنولوجي. كلمت مفتاحية: نماذج الأساس التوليدية، المؤسسات الديمقراطية، تركيز السلطة، الحق في الخصوصية. Abstract: As perhaps the most consequential technology of our time, Generative Foundation Models (GFMs) present unprecedented challenges for democratic institutions. By allowing deception and de-contextualized information sharing at a previously unimaginable scale and pace, GFMs could undermine the foundations of democracy. At the same time, the investment scale required to develop the models and the race dynamics around that development threaten to enable concentrations of democratically unaccountable power (both public and private). This essay examines the twin threats of collapse and singularity occasioned by the rise of GFMs.
Abstract
As perhaps the most consequential technology of our time, Generative Foundation Models (GFMs) present unprecedented challenges for democratic institutions. By allowing deception and decontextualized information sharing at a previously unimaginable scale and pace, GFMs could undermine the foundations of democracy. At the same time, the investment scale required to develop the models and the race dynamics around that development threaten to enable concentrations of democratically unaccountable power (both public and private). This essay examines the twin threats of collapse and singularity occasioned by the rise of GFMs.
- الذكاء الاصطناعي
- الديمقراطية
- نماذج الأساس التوليدية
- المؤسسات الديمقراطية
- تركيز السلطة
- الحق في الخصوصية
- Generative Foundation Models (GFMS)
- Democratic Institutions
- Concentration of Power
- Right to Privacy
أستاذة بجامعة جيمس براينت كونانت في جامعة هارفارد ومديرة مختبر ألين لتجديد الديمقراطية في مركز آش للحكم الديمقراطي والابتكار التابع لكلية كينيدي في جامعة هارفارد. ورئيس معهد التعددية.Microsoft Research Special Projects وPlural Technology Collaboratory ** رئيس مجموعة بحث في
(January 2024), pp. 147-162. https://acr.ps/1L9zRYB
أصدرت شركة "أوبن إيه آي" OpenAI، في آذار/ مارس 2023، برنامج "شات جي بي تي"4- 4 GPT، أحد أكثر برامج الكمبيوتر تطورًا، وهو يتميز بقدرته على إنتاج نسخ مطابقة للتعبير البشري الطبيعي (بما في ذلك اللغة والصور وحتى الفيديو). وتُعرف هذه البررامج ب "نماذج الأساس التوليدية" GFMs Models, Foundation Generative. وعلى الرغم من أن شات جي بي تي 4- قد يُحدّث طفرة في مسار إنجاز "الذكاء الاصطناعي العام"، فإنه قد لا يتمكن من ذلك أيضًا. ومع ذلك، ثمة أمران باتا جلَّييَن: أولهم ازدياد قدرة نماذج الأساس التوليدية على الخداع والمراقبة على نطاق واسع، وثانيهم قدرتها على توفير صور جديدة من التفاعل والإبداع المشترك، سواء كان ذلك على صعيد البشر وتفاعلهم مع بعضهم البعض، أو على صعيد تفاعلهم مع المنظمت والدول، فضلًا عن أساليب جديدة للتنسيق والتخطيط واتخاذ القرار للمجموعات والجمعيات والشركات والحكومات، وأشكال جديدة للمعرفة والتواصل وبناء المحتوى الثقافي. وستكتسي هذه الأشكال الجديدة أهمية متزايدة بالنسبة إلى العديد من الوظائف الاجتمعية والتواصلية والسياسية، وستتطور إلى بنية تحتية اجتمعية أساسية. وكم أشار العديد من قادة التقنية وص عن السياسات، فإن التطبيقات السلبية المحتملة قد تولّد تهديدًا مزدوجًا ل "المجتمعات التعددية"؛ وهي المجتمعات الحرة الديمقراطية القائمة على التنوع الاجتمعي. وتستند النظم الديمقراطية إلى جملة من الافتراضات الأساسية، منها قدرة الدولة على التمييز بين المواطنين وغير المواطنين، وإمكانية المواطنين أنفسهم وجهات نظر متجانسة اعتمدًا على المطروح في "سوق الأفكار" Ideas of Marketplace. يكمن التهديد الأول في أن الخداع الموجّه عبرر نماذج الأساس التوليدية قد يتسبب في انهيار Collapse هذه الافتراضات والمؤسسات المبنية عليها. فالديمقراطيات تتطلب أن تبقى السلطة والمساءلة النهائية عن البنية التحتية الأساسية ل "الدولة" في يد الشعب، بما في ذلك أنظمة تحديد الهوية والتحقق والدفاع والبنية التحتية الأساسية. وعند انهيار اللبنات الأساسية لتلك السيطرة تحل الفوضى. أما التهديد الثاني فيتمثل في احتمل أن يفضي تطوير نماذج الأساس التوليدية إلى تركّز السلطة في أيدي جهات غير مرغوب فيها؛ مثل أصحاب المصالح المالية الفردية، والخبرراء التقنيين، وحتى الأنظمة الاستبدادية. بل ربما تتركز السلطة في يد الآلة ذاتها التي يحكمها منطق التكاثر الذاتي المنفصل عن أيّ رقابة بشرية. وكم جادلنا في موضع آخر، فإن نموذج تطوير التكنولوجيا المبني على مفهوم "الانفراد" Singularity؛ أي مفهوم الذكاء البشري الفردي الذي يمكن أن يضاهيه الذكاء الاصطناعي أو حتى يتفوق عليه، سيؤدي حتمًا إلى "انفراد" بمعنى ثانٍ؛ هو القوة الاقتصادية والسياسية المُركّزة. يؤدي التهديدان المتمثلان في "الانهيار" و"الانفراد" إلى أمرين هم "الفوضى" و"تركيز السلطة". وهم تهديدان يعدّان رديفين معاصرين للتحديات القديمة التي نجمت عن التغيير التكنولوجي السريع، في أوقات ظهرت فيها الحاجة الملحّة إلى التمييز الحصيف بين الفوضى والاستبداد، وتأمين الظروف التي يمكن أن تزدهر في ظلها المجتمعات الحرة والتعددية. وقد يبدو، أول وهلة، أن أبسط الطرق لتجنب الانهيار (بوصفه مشكلة تتصل بالعملية) واتقاء الفوضى (باعتبارها مشكلة تخصّ علاقة الدولة والمجتمع) والفوضوية (وهي مشكلة
1 Divya Siddarth et al., "How AI Fails Us," Justice, Health, and Democracy Impact Initiative and Carr Center for Human Rights Policy, Technology and Democracy Discussion Paper, December 2021. 2 Daron Acemoglu & James A. Robinson, The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty (New York: Penguin, 2019).
تتصل بالهيكل السياسي) هو أن تعمد السلطة إلى التركيز على التقنيات الجديدة، أو الإبطاء في عملية تطوير هذه التقنيات. وستتسبب مثل هذه الطريقة في تركيز السلطة أيضًا، وإن من خلال التنازل عن الميزة التقنية التي تحوزها الأنظمة الاستبدادية. وفي المقابل، تشمل أبسط استراتيجيات معالجة مشكلات الانفراد وتركيز السلطة السمح بالنشر المجاني والعاجل لنمذج مفتوحة المصدر (وهي نماذج يجري تدريبها جزئيًا من خلال الولوج إلى النمذج الأكثر تطورًا وكثافة في استخدام الموارد). لكن يظل لهذه الاستراتيجيات جانب سلبي يتمثل في التعجيل بأسباب الانهيار والفوضى. وهنا تحديدًا تبدو المجتمعات التعددية عرضة للخطر، لكونها في حاجة إلى تجنّب مخاطر الانهيار والانفراد والفوضى وتركيز السلطة والفوضوية والاستبداد في آنٍ معًا. أما المجتمعات الاستبدادية، فتحتاج إلى تجنب الفوضى فحسب؛ إذ إنها لا تخشى سوى خلخلة أنظمة المراقبة وتحديد الهوية. وأما إذا تركزت السلطة، فلن يؤثّر ذلك في طابعها الأصلي. ولمعالجة مخاطر الانهيار والانفراد والفوضى والاستبداد، نحتاج إلى نموذج مختلف لتطوير التكنولوجيا يُسمى "التعددية".Plurality يتأسس نموذج التعددية على فرضيات ثلاث، تخص عوامل الإدراك والمجتمع والتكنولوجيا. أولاها أن الإدراك، سواء أكان بشريًا أم آليًا، يتسم بالتعددية؛ إذ يتجلى في أشكال متباينة لا يمكن اختزالها في الانفراد، ولعل أفضل تفعيل للذكاء يكمن في الإفادة الكاملة من تنوع أشكاله. أما ثانيتها فهي أن المجتمعات تزدهر عندما تتمكن من استثمر فوائد التعددية، لتعزز قواها المعرفية والثقافية والاقتصادية. وتؤدي هذه الفرضية إلى الفرضية الثالثة، حيث إن "التقنيات التعددية" Technologies Plural، التي يجري تطويرها بناءً على الوعي بتعددية الذكاء، من أجل بلوغ الاستفادة القصوى من التنوع البشري، ستوفر أفضل الفرص لازدهار البشر. وقبل أن نشرع في شرح الكيفية التي يسهم بها نموذج تعددي لتطوير التكنولوجيا في توجيه مسار العمل من أجل اجتياز خطرَي الفوضى والانفراد، ينبغي لنا أولًا تحديد ماهية تلك المخاطر.
خطر الفوىض الناجم عن لاانهيار
لكي يكون التصويت حرّا ونزيهًا، يجب أن يُجرى تعداد دقيق للسكان، يُحصي وحسب عدد المواطنين المؤهلين للتصويت وأن يضمن نظام التسجيل احتساب الأصوات المؤهلة دون غيرها. وينبغي للمواطنين أن تكون لديهم قدرةٌ على استيعاب الخيارات السياسية، وبناء آراء واقعية مستنيرة، والتعبير عن أنفسهم وفقًا لذلك. ويتطلب العمل الجمعي أيضًا إمكانية تبادل الأفكار مع من يشاطرونهم الرؤى نفسها، مع أدنى حد من المراقبة الخارجية؛ ذلك أن حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والحق في التصويت سمت مميزة للديمقراطية.
3 Danielle Allen, Henry Farrell & Cosma Rohilla Shalizi, "Evolutionary Theory and Endogenous Institutional Change," 2019, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRTm; Danielle Allen, Justice by Means of Democracy (Chicago: University of Chicago Press, 2023), chap. 4. 4 بخصوص الذكاء، ينظر: Howard Gardner, Multiple Intelligences: New Horizons in Theory and Practice (New York: Basic, 2006); Hugo Mercier & Dan Sperber, The Enigma of Reason (Cambridge: Harvard University Press, 2017); وبخصوص التعددية المعرفية، ينظر: Henry Farrell & Cosma Rohilla Shalizi, "Pursuing Cognitive Democracy," in: Danielle Allen & Jennifer S. Light (eds.), From Voice to Influence: Understanding Citizenship in a Digital Age (Chicago: University of Chicago Press, 2015), pp. 209-331.
والحال أن هذه الحقوق لا تكفي وحدها لتحقيق تلك الأهداف؛ وبافتراض أن ضجيجًا صاخبًا يصمّ الآذان قد
طغى على كل صوت، فم من مقدارٍ من حرية التعبير - مهم عَُظ -ُم يمكن أن يكفي لخلق "سوق للأفكار". وبالمثل، وفي حال فرض وجود وسيلة سرّية ومدفوعة التكلفة تتيح إنتاج نسخ لا تنتهي للبشر وسجلاتهم، فهل يمك ننا حينئذ أن نضمن صحة الانتخابات؟ لا تقوم الديمقراطية على المعلومات والتواصل والحقوق التي تحمي استخدامها فحسب، بل تعتمد أيضًا على التقنيات التي تضمن الوصول إلى هذه الحقوق. وتشكّل هذه التقنيات عناصر أساسية في البنية التحتية للديمقراطية، وإذا ما تآكلت أو دُمرت فستنهار الديمقراطية، وستؤول الأمور إلى الفوضى. لذلك، فإن الابتكار التكنولوجي يحمل في طياته احتمل زعزعة الوظائف الأساسية للديمقراطية. ولعل أفضل مدخل لفهم الأشكال الأكثر خطورة من بين التهديدات المتعددة التي تواجه الديمقراطية هو ما اقترحه الباحثون شري جين وزوي هيتزيغ وباميلا ميشكين تحت مسمى "الثقة السياقية" Confidence Contextual. ويرى ثلاثتهم في مشكلات التحقق Authentication، والمعلومات المضللة، والخصوصية، انتهاكًا لما وصفته هيلين نيسنباوم ب "النزاهة السياقية " Integrity Contextual؛ أي تبادل المعلومات على نحو مناسب ضمن سياقها التفسيري المقصود. ومُتكّن النمذج التوليدية من جمع المعلومات وعرضها على نحو أسرع وأكثر إقناعًا، وبما يسمح بتبادلها على نطاق واسع خارج سياقها الأصلي؛ وهو أمر ينطوي على تداعيات كبيرة وممتدة. أول، ا دعنا ننظر في مشكلة التحقق، ولنرَ كيف أن الديمقراطية – بوصفها نظامًا يضمن حقوقًا متساوية لجميع المواطنين – تعتمد على التحقق من صحة المواطنة. والحال في سياقاتنا الحديثة أن الديمقراطية قد لا تدوم إذا انهارت أنظمة التحقق من هوية المواطنين. وهو تحقق يقوم في العادة على مزيج من عوامل ثلاثة: ما أنت عليه (كم تفيد بذلك القياسات الحيوية)، وما تعرفه (أي الأسرار)، وما تمتلكه (ويشمل المحتويات والمفاتيح). ومن غير المرجح أن يؤثّر تطور النمذج التوليدية في القياسات الحيوية، التي تؤخذ فرديًا، أو في المفاتيح المادية غير القابلة للنسخ. لكنّ أشكال التحقق المعتمدة على المحتوى التكراري تظل عرضة لتدهور فادح ما دام هذا المحتوى قابلًا للتكرار والنسخ الإلكتروني (مثل رخص القيادة والعملات وجوازات السفر... إلخ). لقد أصبحت تقنيات تقليد الصورة والصوت أكثر إقناعًا وأقل كلفةً، وبما قد يسهل مع مرور الزمن عمليات الاحتيال. ولتفادي التهديد الذي يستهدف إجراءات التحقق، قد تلجأ السلطات إلى الاعتمد المتزايد على الأسرار لإثبات الهوية، وهو ما يستدعي تعزيز حميتها إلى حد يفوق ما هو عليه الحال اليوم. وتزداد قدرة
5 غالبًا ما تختار الأنظمة الاستبدادية إغراق نظم المعلومات عمدًا بدلًا من الاكتفاء بفرض الرقابة عليها. ينظر: Gary King, Jennifer Pan & Margaret E. Roberts, "How the Chinese Government Fabricates Social Media Posts for Strategic Distraction, Not Engaged Argument," American Political Science Review , vol. 111 (August 2017), pp. 484-501; Justin Pottle, "'The Greatest Flood of Mass Suggestion': John Dewey, Propaganda, and Epistemic Costs of Social Organization," Journal of Politics , vol. 84 (July 2022), pp. 1515-1527. 6 Shrey Jain, Zoë Hitzig & Pamela Mishkin, "Contextual Confidence and Generative AI," arXiv (preprint), 2/11/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRLx 7 تقابل كلمة "التحقق" على الصعيد القانوني والإجرائي، كلمة "التصديق" التي تعني اعتراف السلطة بالوثائق والشهادات بعد مراجعتها والاستيثاق من صحتها. لكن فضّلنا استعمال التحقق لارتباط معناها المباشر بمقصد الباحَثيَن الذي يهدف إلى إثبات أصالة هوية الأشخاص ومواطنيتهم. (المترجم) 8 Helen Nissenbaum, "Privacy as Contextual Integrity," Washington Law Review , vol. 79 (March 2004), p. 119. 9 Divya Siddarth et al., "Who Watches the Watchmen? A Review of Subjective Approaches for Sybil Resistance in Proof of Personhood Protocols," arXiv , 13/10/2020, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSjH
النمذج التوليدية على استنتاج الأسرار من المعلومات العامة يومًا بعد يوم. ولتوضيح ذلك، يتوقع معظمنا، مثل، ا أن ينجح شيرلوك هولمز بسهولة في تخمين اسم مدرستنا الابتدائية، لكن ماذا لو أتيحت للمحققين الافتراضيين المغرضين قدرات ممثلة لبرراعة هولمز، وبتكلفة ميسورة؟ قد يضطرنا هذا الأمر إلى إعادة تعريف مفهومنا لما نعتبرره سّرًا. ثانيًا، على صعيد مسألة الخصوصية، جعلت النمذج التوليدية الحفاظ على الحقائق أمرًا صعبًا، فباتت تمثل تهديدًا مباشرًا للخصوصية. وفي وقتنا الراهن، تظل المحدودية التي تقيّد إدراك من يسعون لانتهاك الخصوصية العامل الرئيس الذي يحميها. فمثل، ا قد يتمتع محلل ماهر للغة الجسد أو خبير في الاستخبارات بالقدرة على كشف معظم الأمور التي نعتبررها خاصة، لكن تظل هذه المهارات مهارات نادرة، وتكلفة طلبها عالية وغير ميسورة للغالبية. والحال أن النمذج التوليدية قد سهلت عمليات كشف الأسرار وخفضت تكلفتها؛ مثلم يّسر ت السيارات السفر مسافات طويلة. تظل التهديدات التي تواجه التحقق والخصوصية من أبرز الموضوعات المثيرة للجدل عند مناقشة الصعوبات التي تضعها النمذج التوليدية على تقييمنا لما هو أصيل وصحيح. ومع ذلك، قد يكون انهيار السياقات أشد خطرًا من الوجهة الاجتمعية. ولطالما استند الحكم الديمقراطي إلى نسيج متين يتضامن فيه الأفراد ومنظمت المجتمع المدني. ويتطلب تمكين هذه المجموعات من التنسيق بفاعلية ومطالبتها بالإنصاف من الظلم الواقع عليها، أن تحمل رؤى وأهدافًا وخططًا مشتركة، وأن تقي نفسها من المراقبة الخارجية أيضًا. لقد دفعت الحاجة إلى حمية خصوصية الجمعات المعارضة وأعضائها إدارةَ بايدن إلى إعطاء الأولوية لموضوع "التقنيات المعززة للخصوصية"، وذلك ضمن استراتيجيتها المعنونة ب "تكنولوجيا من أجل الديمقراطية" Privacy-enhancing Technologies. ومع ذلك، تظل النمذج التوليدية قادرة على تقويض الحمية، بسبب قدرتها على اجتناب التشويش والحواجز المانعة لاختراق الاتصالات، وكذا تيسيرها سبل انتهاك الخصوصية من خلال تعزيز ممرسات المراقبة التي تستهدف بها الحكومات معارضيها وخصومها السياسيين. وأخيرًا، على المستويين الشخصي والاجتمعي، يتجاوز التهديد الذي تشكّله النمذج التوليدية مسألتَي التحقق والخصوصية، وذلك بسبب ما تنطوي عليه من مخاطر أشد ضررًا؛ إذ تعتمد الديمقراطيات على العمل الجمعي الفعّال القائم على فهم مشترك بين المواطنين للحقائق والقيم والأطر التحليلية. ومع ذلك، يمكن أن تقوض النمذج التوليدية هذا المشترك. وقد عّبر نيال ستيفنسون في روايته الصادرة، في عام 1995، بعنوان عهد الماس، عن مشاهد متعلقة بحصول الطبقات الدنيا على محتوى رقمي مسٍّلّ، لكنه يجعل عملهم الجمعي مستحيل، ا في حين تتلقى النخبة الحاكمة صحفًا متطابقة مطبوعة، تعزز قدرتهم على تنسيق مسعاهم من أجل السيطرة الاجتمعية. وسيؤدّي التخصيص المتزايد للمحتوى الذي تتيحه النمذج التوليدية إلى تفتيت المشهد المعلوماتي، أيضًا، على نحو ينغمس خلاله الأفراد في عوالمهم المعلوماتية الخاصة، ويعوق التفاهم المشترك اللازم لممرسة ديمقراطية مستقرة. وقد يمثل انتشار المحتوى غير المدقق وغياب الثقة وانهيار الفهم المشترك مخاطر تماثل خطر الرقابة ومنعها لتداول الأفكار الضرورية للديمقراطية.
10 White House Office of Science and Technology Policy, "US and UK to Partner on Prize Challenges to Advance Privacy Enhancing Technologies," Press Release , 8/12/2021, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRNU 11 Neal Stephenson, The Diamond Age, Or a Young Lady's Illustrated Primer (New York: Bantam Books, 1996).
خطر لااستبداد الناجم عن لاانفراد
قبل أكثر من عقدين، تنبأ عالم الحاسوب والمستقبلي راي كورزويل بظاهرة الانفراد التي تمثّل نقطة تتسارع فيها التطورات التكنولوجية تسارعًا هائل، ا إلى درجة مَتّحي فيها الحياة البشرية كم نعرفها، ويصبح من المحال السيطرة عليها. وقد وُظّفت هذه الاستعارة في النقاشات حول الذكاء الاصطناعي الذي يصَّوَر على أنه ذكاء فردي يجري تجميعه على نحوٍ ما، إلى أن يبلغ مستوى يتجاوز فيه الذكاء البشري. ويجد هذا المصطلح جذوره في مقولة "الزمكان" Space-time التي تنهار عندها قوانين الفيزياء. وكذلك، استخدم كثيرون فكرة الانفراد لتعزيز الادعاء بتركّز السلطة الاجتمعية في أيدي فئة قليلة تحرّكها رؤية موحدة ومطلقة. وما من سبيل لتلمّس فارق بين مستقبل تهيمن عليه نخبة صغيرة متجانسة، ومستقبل تتحكم فيه آلات قادرة على "التكاثر ذاتيًا".Self-propagating وفي واقع الحال، تمثّل النتيجتان وجهين لعملة الانفراد ذاتها: ففيهم تهيمن إرادة صلبة موحدة على الحياة الاجتمعية العالمية وتنظّمها، سواء أكانت إرادة فئة طبقية من التقنيين والمهندسين، أم أوليغاركية شركات، أم دولة استبدادية، أم حتى آلة واعية بذاتها Machine Self-aware. وسيصبح أٌّيٌ من هذه السيناريوهات المستقبلية نقيضًا للتعددية والحكم الذاتي. ولا غرو أن بعضًا من ملامح هذا المستقبل بات فعلًا في طور التشكّل. في وقتنا الراهن، يعتمد تطوير الأنظمة الرائدة، مثل جي بي تي 4-، على التركيز المطلق للسلطة. فالحال أن شركة أوبن إيه آي، المطوّرة لجي بي تي 4-، لا تضمّ سوى بضع مئات من الموظفين؛ والأغلب أن فريقها الأساسي للتطوير يمثّل جزءًا صغيرًا من هذا العدد فحسب. ومع ذلك، تلقّت الشركة تمويلًا بعشرات المليارات من الدولارات، من ميكروسوفت ومستثمرين آخرين، إلى حد أنه يُقال إن تكلفة مرحلة تدريب واحدة لنظام جي بي تي 4- بلغت 100 مليون دولار أميركي على الأقل. ونتذكر في المقابل أن مشروع مانهاتن قد وُضعت له ميزانية مشابهة لتلك التي حازتها شركة أوبن إيه آي (بالدولار القياسي). لكن تجدر الإشارة إلى أن مشروع مانهاتن قد ضم ما يزيد على ألف ضعف من الموظفين مقارنةً بقوة العمل في شركة أوبن إيه آي، وضمّ أيضًا مئة ضعف على الأقل من الكوادر العلمية والهندسية الأساسية، على الرغم من التكتم الشديد حوله واعتباره أحد أسرار الدولة. كانت السلطات والقدرات التي وُضعت في يد مطوّري مشروع مانهاتن محدودة نسبيًا، لكنّ مهمة أوبن إيه آي تبدو أوسع نطاقًا إلى حد بعيد، إذ تشمل: "ضمن أن يستفيد جميع أفراد البشرية من الذكاء الاصطناعي العام، وهو مصطلح يشير إلى الأنظمة شديدة الاستقلالية التي تتفوق على البشر في معظم الأعمل ذات القيمة الاقتصادية". في المقابل، اقتصر الهدف الوحيد والمحدود زمنيًا لمشروع مانهاتن على تطوير الأسلحة النووية، ومن ثم جرى تفكيكه؛ أما شركة أوبن إيه آي فتطوّر تكنولوجيا تسعى لنشرها في معظم القطاعات
12 Ray Kurzweil, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology (New York: Penguin, 2006). 13 "مشروع مانهاتن" هو برنامج سري للبحوث النووية، نفذته الولايات المتحدة بمشاركة من بريطانيا وكندا في أثناء الحرب العالمية الثانية لإنتاج سلاح نووي. بدأ المشروع على نحو متفرق ومحدود عام 1939، بعدما قدم عدد من العلماء، من بينهم ألبررت آينشتاين، نصيحة للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بتبنّي البحوث النووية. لكن جرى تجميع الجهود في مسار واحد لغاية عسكرية بعد هجوم بيرل هاربور في كانون الأول/ ديسمبرر 1941، وجرت الموافقة على إنتاج قنبلة نووية. واستمر المشروع بقيادة روبرت أوبنهايمر رسميًا بين عامَي 1942 و 1945. (المترجم) 14 "OpenAI Charter," OpenAI, accessed on 28/4/2025, at: https://openai.com/charter
الاقتصادية والاجتمعية، من الترفيه إلى الخدمات اللوجستية، وهي تخطط بنشاط لمستقبل مديد، تتجاوز فيه إيرادات هذه التكنولوجيا إيرادات معظم الدول. وإضافةً إلى ذلك، قد تُشكّل قرارات التصميم سلوك النظام؛ فعلى سبيل المثال، تبنّى مطوّرو النمذج اللغوية العملاقة الثلاثة الرائدة، جي بي تي (الذي طورته شركة أوبن إيه آي) و"بلوم" Bloom (الذي طورته شركة "هغينغ فيس" Face Hugging)، و"كلود" Claude (الذي طورته شركة "أنثروبيك" Anthropic) نهجًا جلي الاختلاف، في كيفية مواءمة هذه النمذج مع التشريعات المقترحة مؤخرًا من الاتحاد الأوروبي، يُعرف بمفهوم "المحاذاة" Alignment. لكن في النهاية، تنفرد مجموعة صغيرة ومتجانسة من الفنيين المدربين تدريبًا محدودًا (وهم غالبًا ذكور بيض وعلمنيون من الأميركيين) بتقرير بعض أكثر القرارات تأثيرًا في عالم اليوم. وربما يبدو النطاق الرسمي لسلطتهم محدودًا قياسًا على ما يتمتع به بعض رؤساء الدول، لكنّ سلطتهم هذه تمضي بأقل قدر من الوساطة؛ بينم عتاة السلطويين يلزمهم لتسيير سلطتهم أن يديروا طبقات متعددة من البيروقراطية. لا يقتصر مثل هذا التركيز للسلطة على الدوائر العليا التي توجّه الاقتصاد الناشئ القائم على النمذج التوليدية، بل هو سمة عامة لاقتصادنا المدفوع بالتكنولوجيا. فمنذ ذروة السبعينيات، انخفضت حصة العملة من الدخل القومي في معظم الدول المتقدمة بنحو 10 في المئة. وانتقلت القوة الاقتصادية من أيدي الكثرة من أصحاب الدخل الموزّع على نطاق واسع إلى أيدي قلة يتركّز لديها رأس المال. وتُعزى مثل هذه التغييرات، عادةً، إلى سعة انتشار التقنيات التي تحلّ فيها الآلة محل العمل البشري، بدلًا من أن تجبرر نقصانه، كم تُعزى إلى تصاعد قوى السوق. وتبدو التقنيات التي تهدف إلى "تفوق البشر في معظم الأعمل ذات القيمة الاقتصادية" مصمّمة على نحو يكاد يكون مثاليًا لتركيز السلطة في يد نخبة فنية، ولتقليل حصة
العملة من الدخل القومي. وقد تختلف الآراء حول خطر تركّز السلطة الفنية والاقتصادية، لكن ما ينبغي لمناصري الديمقراطية الخشية منه هو "نقاط الاختناق"، التي يفرضها الشكل الحالي لتطوير الذكاء الاصطناعي الذي يفتح الباب أمام السيطرة السلطوية. ويشكّل التوسع السريع للنمذج اللغوية العملاقة واعتبارنا أنها منتجات استهلاكية فرصةً استثنائية للسيطرة على المعلومات.
تعبئة التكنولوجيا من أجل الديمقراطية
كيف يمك ننا التصدي لتهديدَي الانهيار والفوضى من جهة، والانفراد وتركيز السلطة من جهة أخرى؟ ثمة استراتيجيات قد تستطيع التخفيف من أثر هذه المخاطر، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة عناوين رئيسة: التقهقر والاحتواء والتعبئة.
15 Devin Coldewey, "OpenAI Shifts from Nonprofit to 'Capped Profit' to Attract Capital," TechCrunch , 11/3/2019. 16 Rishi Bommasani et al., "Do Foundation Model Providers Comply with the Draft EU AI Act?" Center for Research on Foundation Models, Stanford University, 2021, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSdu 17 Daron Acemoglu & Simon Johnson, Power and Progress: Our Thousand Year Struggle over Technology and Prosperity (New York: Public Affairs, 2023); Jan DeLoecker, Jan Eeckhout & Gabriel Unger, "The Rise of Market Power and the Macroeconomic Implications," Quarterly Journal of Economics , vol. 135 (May 2020), pp. 544-561. 18 "How Should AI Systems Behave, and Who Should Decide?" OpenAI Blog , 16/2/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRyL
تحاول استراتيجيات التقهقر Retreat م عن الانهيار، عبرر الحد من اعتمدنا على التفاعلات الرقمية للوصول إلى الحقيقة، والاعتمد أكثر، في المقابل، على التفاعلات الشخصية. أما استراتيجيات الاحتواء Containment، فهي تركّز على كشف المحتوى الذي تُنشئه النمذج التوليدية والتنبيه منه والحد من سلبياته. ويتم ذلك في العادة من خلال وضع علامات مائية على المحتوى الموّلد من خلال تلك النمذج. وتتطلب فاعلية هذه الاستراتيجيات في مواجهة الفاعلين المغرضين أكبرر قدر من التضافر من أجل نشرها على نطاق عالمي. أما استراتيجيات التعبئة Mobilization، فغايتها توظيف النمذج التوليدية والتشفير المتطور Cryptography Advanced للبيانات الرقمية، بما يتضمنه من أكواد التشفير وفك الشفرة، لتدعيم المؤسسات الديمقراطية وجعلها أكثر صلابة في مواجهة تلك التقنيات. ومع ذلك، فإن الانسحاب من الحياة الرقمية يترك المجال مفتوحًا أمام الأنظمة الاستبدادية الساعية لتعزيز سيطرتها، في حين أن استراتيجيات الاحتواء، التي تعتمد غالبًا على النهج الدفاعي وفرض القواعد التنظيمية، تفضي غالبًا إلى تركيز التطور التكنولوجي في أيدي قلة محدودة من شركات لا تخضع للمساءلة الديمقراطية. كيف يمك ننا، إذًا، التصدي لمخاطر الانفراد وتركيز السلطة والاستبداد المتصاعد؟ تركّز أبسط استراتيجية لاحتواء مخاطر الانفراد على تعزيز المنافسة، فتضع القواعد التنظيمية والقانونية، وتقدّم الحوافز التي تشجع على تطوير نماذج مفتوحة المصدر. وغايتها من ذلك الحد من تحكم السلطة المركزية. لكن هذه الاستراتيجية لا تترك إّلا مج لًا ضئيلًا لاستعادة التوازن بين المخاطر؛ وهي تختزل الهياكل والقدرات التي يحتاج إليها المطورون في الدول الديمقراطية لمقارعة النمذج التي تُطوّرها الأنظمة الاستبدادية؛ ما قد يؤدي من دون قصد إلى تعزيز تركيز السلطة، أو يتسبب في تعجيل الانهيار، من جراء الإتاحة الواسعة لنمذج غير منظمة. وربما يحدث الأمران معًا. لا تستطيع استراتيجية التراجع ولا استراتيجية الاحتواء وحدهم حمية المجتمعات التعددية. ونرى بدلًا من مشاهدة مجتمعاتنا تنهار تحت وطأة مخاطر الانهيار والانفراد أو تأرجحها بينهم، ضرورة أن نشقّ مسارًا ضيقًا من خلال تعبئة السياسات وتطوير التكنولوجيا لإنجاز غاية التعددية. لطالما ناضلت الأنظمة الديمقراطية لاجتياز ظواهر سريعة الانتشار وواسعة النطاق، تبدأ بالحروب العالمية ولا تنتهي بالأوبئة. ولجأ بعضها في التعامل مع هذه الظواهر إلى تركيز السلطة على نحو مؤقت واستثنائي، في حين اكتنف مسار بعضها الآخر التخبط والارتجال. لكن في حالات محدودة جدًا، حشدت أنظمة ديمقراطية العبقرية الفريدة للذكاء الديمقراطي الجمعي في مواجهة هذه اللحظات الصعبة. أما الحقبة التكنولوجية الحالية، فيسمها التسارع الشديد واتساع نطاق تأثيرها، وعدم اليقين بخصوص المدى الزمني لمخاطرها؛ وهو أمر يجعل اللجوء إلى تدابير استثنائية غير ملائم للمجتمعات الديمقراطية. وفي هذا السياق، يُذكر أن سام ألتمن Altman Sam، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، حاول قبل حصوله على تمويل من مصادر خاصة، كسب الدعم الشعبي لشركته، لكنه فشل في ذلك. واستنادًا إلى خصائص تلك التكنولوجيا وطبيعتها، يمك ننا فهم المصاعب التي يرسمها السياق الديمقراطي أمام اقتناع الحكومة الأميركية بالدخول معه في عمل مثل هذا؛ والبادي أن استراتيجيات التعبئة هي الوحيدة القادرة على توفير القوة والمقدرة اللازمتين لخوض هذا المسار. فهي قادرة على توجيه أدوات إدارة التغيير الحكومية من أجل بناء أشكال جديدة من المشاركة والسيطرة الديمقراطية.
19 Jain, Hitzig & Mishkin.
يذكرنا جون ديوي، في كتابه الجمهور ومشكلاته (1927)، أن التنازلات الجذرية باسم التقدم ليست جديدة، وأنه: في إمكان "الصناعة والاختراعات في التكنولوجيا" أن تُحدث تغييرات قد تتضمن ظهور جمهير جديدة أو تجمعات تعاونية، تتجاوز الأطر السياسية الموروثة التي استمرت بسبب قصورها الذاتي منذ أن تأسست في الماضي. وخلال فترة طويلة، قد يمضي الجمهور الجديد في حالة من التشوش وعدم التنظيم، إذ لا يستطيع الإفادة من المؤسسات السياسية الموروثة. وفي حين يتلاشى الجمهور الذي أنشأ تلك الأطر السياسية، تبقى القوة وشهوة التملك بأيدي المسؤولين والهيئات التي أسّسها هذا الجمهور المحتضر. وفي هذا يكمن السبب في أن طريق الثورة يكون القادر - غالبًا - على تغيير أشكال الدول. وعلى كل حال، تبررز في أوقات التغير التكنولوجي الكبير عوامل الرضا الذاتي واللامبالاة والجمود والسير بتأثير القصور الذاتي بوصفها أخطر التهديدات التي تجابه الديمقراطيات. وإدراكًا منّا لتأثير التقنيات الجديدة، ندعو إلى ضرورة التوجه نحو أشكال مؤسساتية جديدة تستفيد من النمذج التوليدية وغيرها من التقنيات المتقدمة، وذلك من أجل الدفاع عن المجتمعات التعددية. في مقابل كل تهديد، ثمة استراتيجيات تعبئة متميزة؛ فاستراتيجية م عن الانهيار تستخدم النمذج التوليدية والتشفير المتقدم من أجل تعزيز المؤسسات الديمقراطية (وخاصةً في مجالات التحقق والخصوصية والمعرفة المشتركة). أما استراتيجية الحد من الانفراد، فهي تلجأ إلى الأدوات ذاتها، من أجل بناء أشكال جديدة من المشاركة والسيطرة الديمقراطية. ويمكن أن تتسع هذه الأشكال الجديدة وتنمو في تزامن مع النمذج التوليدية، وهو ما يسمح للحكم الديمقراطي بتشكيل هذه التطورات والمساهمة فيها على نحو مباشر. ما الذي يدفعنا إلى الاعتقاد أن النمذج التوليدية قادرة على حشد التعبئة لمواجهة خطرَي الانهيار والانفراد؟ يكمن الجواب في قدرتها على إزالة بعض من أقدم وأشد الحواجز التي تعوق قطاعًا واسعًا من الجمهير المنتشرة على رقعة واسعة من المشاركة الديمقراطية الفعّالة. ومن حيث المبدأ، يمكن أن تُعزز النمذج التوليدية التأسيسية التعدديةَ الديمقراطية بطريقة لم يكن من الممكن تصورها من قبلُ، سواء من حيث العمق النوعي أو الاتساع الجمهيري. منذ ما يقرب من نصف قرن، حذّر جي. ليكلايدر، أحد مؤسسي ما سيعرف لاحقًا بالإنترنت، من أن التصميم والاستثمرات سيحددان إذا ما كانت الثورة الرقمية الأخيرة قد وسّعت مسار التعددية أم ضيّقته. فكيف يمكن أن تحقق استراتيجية التعددية ذلك؟
20 John Dewey, The Public and Its Problems (New York: Henry Holt and Company, 1927), p. 31. 21 تبنّت مثل هذه الاستراتيجيات وزيرة الشؤون الرقمية التايوانية أودري تانغ، ضمن ما سمته استراتيجية "التعددية". ففي لغة الماندرين التايوانية، يحمل المصطلح نفسه معنيين: "الرقمية" و"التعددية". وبهذا، أمكن إعادة تصور الرقمية أساسًا للتعددية، بدلًا من أن تكون أساسًا للتفرد أو الفوضى. فعلت تانغ ذلك، وفي الإمكان السير على نهجها من أجل الدفاع عن المجتمعات التعددية. ينظر: "Audrey Tang on the Technology of Democracy | Conversations with Tyler," Mercatus Center, YouTube, 7/10/2020, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSj7 22 J. C. R. Licklider, "Computers and Government," in: Michael L. Dertouzos & Joel Moses (eds.), The Computer Age: A Twenty-Year View (Cambridge: MIT Press, 1979).
إن لكل أمة رموزها وذكرياتها العزيزة التي تجسّد الشخصية الوطنية المألوفة لها، والتي تحظى باحترام مواطنيها. واستنادًا إلى هذه القناعة، يكثر توظيف كلمة "ديمقراطية" في العديد من البلدان الغربية، لا بوصفها مث لًا يحتذى أو طموحًا يُتطلع إليه، بل باعتبارها غرضًا ثمينًا يجب الدفاع عنه. وقد تعاملت الديمقراطية، في مواجهتها تحديات التكنولوجيا بطريقة تذكّرنا بأن المؤسسات الديمقراطية القائمة في وقتنا الراهن قد جاءت نتاجًا لتنازلات براغمتية صعبة، أبقتها دون التطلعات الديمقراطية. لقد انبثقت ديمقراطيات اليوم من التزامات تشكّلت في القرن الثامن عشر، كانت غايتها تقييد السلطة والتأسيس لشرعية جديدة، تجد أساسها في رضا المحكومين المعلن. وهو أمر تحقّق في البداية عبرر التصويت، الذي تطلّب التنظيم وإجراء المداولات على مستوى المدينة والبلدة والمقاطعة، وتطلّب أيضًا أن ينخرط الأشخاص في دوائرهم القريبة في مناقشة توجهات مجتمعهم، وأن يتوافقوا في الوظائف والأدوار المطلوبة، وأن يوظّفوا علاقاتهم المتينة، وأن يتراضوا فيم بينهم في بناء شبكات تعزز المعرفة المشتركة. وقد تحولت تلك المداولات والاتفاقات الجانبية إلى أصوات انتخابية، دعمت، بكل ما يعّبر عنها من شبكات وعلاقات، خبررة المجتمع في التكاتف تحت شعار "شركاء معًا" together it in all.Being استهدفت تطلعات القرن الثامن عشر تأسيس هيكل اجتمعي مستقر، عبرر توظيف مزيج يضمّ علاقات التواصل الوسيطة والشبكات التي يؤسسها أفرادٌ تجمعهم مصالح مشتركة. وقد عُرفت هذه الرؤية المنظّمة للاستقرار في أثينا القديمة، حيث دأب نحو ستة آلاف شخص على الاجتمع معًا لمداولة الشأن العام. ولكن لم يتوافر في المجلس العام الرسمي، في ذلك الوقت، سوى مجال محدود للمداولة، إذ كان هذا المجلس مجرد موضع لإلقاء الخطب وإجراء التصويت. أما خارجه، فقد نشأت شبكات قامت على مبدأ التبادليةReciprocity، يّسر ت حرية المداولة والنقاش. ومكّنت المجالات الرسمية وغير الرسمية المواطنين من اكتساب خبررات جيدة في التسيير الجمعي للشأن العامCollective Control والتواصل بين الأفراد Connection Interpersonal. وعلى العكس من ذلك، وعلى الرغم من توسع المجال الديمقراطي في يومنا هذا، فإن هذا النوع من التجارب التداولية الحقيقية لم يعد متاحًا إلا لقلة من الناس. صار من المحال في دولٍ تعجّ بملايين البشر الموزعين عبرر مئات أو آلاف الأميال أن يتحقق التعبير المباشر عن الذات في الهيكل المؤسسي للديمقراطيات الدستورية الحديثة، ويصعب أيضًا تشكّل الفهم المشترك للأمور، أو التراضي المتبادل بين الناس. صحيح أن عصر التصنيع شهد ثورة في النقل والإنتاج، لكن هذا التقدم على الصعيد التكنولوجي لم يواكبه تقدّم ممثل على صعيد المعلومات والاتصالات، ومضى الأمر بطيئًا في ظل أنظمة تقتصد في المعلومات والاتصالات، على الرغم من سعيها الحثيث لإنجاز تفاعلات اقتصادية واسعة. وأدى هذا الحال إلى تعقّد اجتمعي هائل وقدرة محدودة على الضبط الجمهيري والتواصل. وما دامت النمذج التوليدية تستطيع، من حيث المبدأ، توسيع نطاق التداول حول الشأن السياسي، وخلق المعاني المشتركة، وكذا عقد مبادلات التراضيFavor Trading، فإن في إمكانها أن توَّظَف في تعزيز الشرعية في المجتمع التعددي، يمكنها كذلك أن تسهم في تجديد الوظيفة التمثيلية، عبرر تضمين العناصر التداولية وعناصر الديمقراطية المباشرة التي
23 يقصد المؤلف مجلس الإكيلازيا أو الإكلسا (ἐκκλησία) في أثينا القديمة، وقد كان متاحًا فيه التداول والتصويت لجميع المواطنين الذكور ما إن يحصلوا على المواطنة الأثينية. (المترجم)
ترسخ أشك لًا من التمثيل النيابي أكثر ديناميكية وتكيّفًا قياسًا بما هو متاح حاليًا. ويتطلب تجديد الوظيفة التمثيلية التركيز على ثلاثة أمور، هي: الهوية والإعلام والصوت.
الهوية والمؤهلات
ربما تكون وثائق الهويةIdentity والمؤهلاتCredentials أكثر المكونات المعلوماتية الأساسية للمجتمع الديمقراطي كم أشرنا إلى ذلك؛ إذ لا يمكن من دونهم ضمن الحمية المتساوية للمواطنين. ومن بين الوظائف المركزية التي تضطلع بها غالبية الدول تبررز وظيفة منح مستندات الهوية والمؤهلات للمواطنين. وتشمل هذه المهمة نطاقًا واسعًا من الوثائق، من شهادات الميلاد إلى سجلات التحصيل الدراسي. غير أن هذه الوظيفة تطرح معضلة أمام الديمقراطيات التي تعد مواطنيها بالاستقلال الذاتي عن مراقبة الدولة؛ وهو توتر حرّكته خطايا السجلات الوطنية خلال القرن العشرين. ومن ثم، نجد أن العديد من الكيانات الديمقراطية Polities قد ناهضت إنشاء أنظمة وطنية لتحديد الهوية، وطرحت بديلًا منها أنظمة للهوية تحدّ من الاحتفاظ بالمعلومات في القطاعات الخدمية. لقد جاءت العواقب مناقضة تمامًا لحسن النيات الذي دفع بهذا النهج؛ وربما يمثّل رقم الضمن الاجتمعي
الأميركي Number Security Social U.S. The المثال الأكثر درامية على هذا الأمر. فهذا النظام أُنشئ ليكون لًا وسطًا، وليستوعب وجهة نظر الحزب الجمهوري التي كانت تعارض من حيث المبدأ إنشاء رقم للهوية الوطنية. وكان من المأمول، نظريًا، أن يظل استخدام هذا النظام محصورًا في إدارة الضمن الاجتمعي، لكن جرى عبرر السنين التوسع في استخدامه بوصفه الوسيلة الموثوقة لتحديد هوية الشخص في الحياة الأميركية، على الرغم من المثالب التي تكتنف ذلك. ولعل منها أن رقم الضمن الاجتمعي يصدر بأقل قدر من التثبت، فهو لا يتطلب سوى إجراءات تزيد قليلًا على الإجراءات المتبعة أثناء استخراج شهادة ميلاد! وعمليًا، بات من المستحيل احتفاظ الأفراد بسرّية هذا الرقم بعدما اعتادوا الإدلاء به روتينيًا. والحال أن نظام رقم الضمن الاجتمعي لم يتضمّن في تصميمه دفاعات لصدّ تلك الهجمت التي تستهدف سرّيته، ولذلك ليس بمستغرب أن يصبح عرضةً لتهديدات النمذج التوليدية؛ فالسهولة التي تجمع بها هذه النمذج فتات المعلومات من المصادر المختلفة تعني احتمل أن تتيح في القريب رقم الضمن الاجتمعي الخاص بالمواطنين جميعًا، بتكلفة منخفضة جدًا. وتواجه العديد من حكومات البلدان الديمقراطية تحديات خطِرة من جرّاء اعتمدها على أنظمة الهوية والتصنيف المبسطة والمتقادمة. فعلى سبيل المثال، تتآكل شرعية إدارة الانتخابات، ومن ثم الانتخابات ذاتها، كلم اشتدت التحديات التي تجابه عملية التحقق من بيانات الناخبين. فكيف يمكن أن تحسّن النمذج التوليدية وغيرها من التقنيات المتقدمة أنظمةً كهذه وتعزز أمانها؟ لا يحتاج الأمر إّلا إلى إلقاء نظرة على شركات التكنولوجيا ووكالات الأمن الحكومية لتبّين مسارات الإجابات المحتملة. ففي أغلب الأحيان، لا تعتمد منصات هذه الكيانات والخدمات التي تتيحها لدى التحقق من هوية المستخدم القائم بالولوج إليها على وثائق الهوية "القانونية" التقليدية، بل تلجأ بدلًا من ذلك إلى مجموعة متنوعة من
24 Arthur M. Schlesinger, The Coming of the New Deal: The Age of Roosevelt (Boston: Houghton Mifflin, 1958), p. 311.
الترميزات؛ منها ما يخص العلاقات الاجتمعية والمعاملات الاقتصادية وبيانات الموقع الجغرافي. وقد ينجز ذلك التحقق باستخدام تكنولوجيا متطورة أو بتكلفة تحليلية كبيرة، والأهم أن النمذج التوليدية لا تولي اعتبارات الخصوصية الاهتمم الواجب، وهذا تناقض صارخ مع ما يُفترض أن تلتزم به الدول الديمقراطية تجاه مواطنيها. تلك، تحديدًا، أنماط التحديات التي يمكن أن تساهم النمذج التوليدية وأساليب التشفير الحديثة في المساعدة في التغلب عليها. وقد يتطلب الأمر اليوم محللًا استخباريًا عبقريًا ليلتقط إشارة واضحة عن هوية الشخص من بين جملة واسعة من البيانات الاجتمعية والمالية. ومع مرور الوقت، ستوفر التكنولوجيا مثل هذه العبقرية لكل موظف في بيروقراطية الحكومة. وما يبدو في وقتنا الراهن انتهاكًا غير مقبول لخصوصية المواطن، مثل تحليل البيانات الشخصية لتحديد هوية شخص ما أو لتقييم مؤهلاته المهنية، قد يُنظر إليه قريبًا على أنه لا
يشكّل خرقًا أو انتهاكًا. إن تقنيات التشفير الحديثة (التي تتضمن على سبيل المثال دلائل لا تقتضي أيّ معرفة مسبقة Proofs Zero-Knowledge، وتسمح بالتحقق من معلومات بعينها من دون الكشف عن أيّ بيانات استند إليها هذا التحقق) وتقنيات الحوسبة الآمنة المتعددة الأطراف Computation Multiparty Secure (التي تسمح بإنشاء بيانات ذكاء مشتركة من دون مشاركة البيانات الأساسية) قادرة كلها على تجميع معلومات غنية ومحددة بدقة مع الحفاظ على خصوصية جميع البيانات الأخرى. ويمكن استخدام هذه التقنيات، على سبيل المثال، للتحقق من عمر شخصٍ ما من دون الكشف عن معلومات شخصية أخرى تخصه. لذا، يمكن توظيفها في تحسين أنظمة تحديد هوية الناخبين والخدمات الاجتمعية، وهي أنظمة تعاني الضغوط بسبب عدم تواؤم التقنيات القديمة مع معطيات الراهن التي شكّلتها التكنولوجيا. لا يقتصر مجال التحسين على العمل النيابي وإجراء التصويت، بل يمتد ليشمل أنظمة توفير الخدمات الحكومية. ويُعد مثال إستونيا بارزًا في هذا السياق، إذ وفرت البنية التحتية الرقمية لإستونيا e-Estonia الخدمات العامة كلها على نحو آمن عبرر الإنترنت، مع ضمن قابلية التشغيل البيني Interoperable الشامل، إلى جانب الخدمات التي يقدّمها القطاع الخاص. ويمكن الولوج إليها بالطريقة نفسها التي يلج بها المستخدم إلى منصات غوغل Google with in Sign. وبات في إمكان مقدّمي الخدمات في إستونيا، وهم يسعون لتحسين الخدمات المقدّمة للمواطنين، أن يوظفوا البيانات الحكومية، لكن يبقى هذا الأمر مشروطًا بحصولهم على التصريحات الضرورية. ولتفعيل ذلك - ولحمية الخصوصية - وضعت إستونيا إطارًا للعقوبات القانونية يطبّق حالما يُساء استخدام المعلومات خارج قواعد التشفير والحمية. وقد مكّنها هذا التحديث من تحقيق حصانة رقمية ملموسة حمتها من تهديدات الخصوم الأساسيين (مثل روسيا)، من دون أن تتنازل عن التوفير الفعال لخدماتها المقدمة للمواطنين. ووفق نهج ممثل ونظام يوائم على نحو أفضل الظروف التكنولوجية للبلدان النامية، يواصل النظام الهندي للبنية التحتية الرقمية العامة، المعروف ب Stack India، تطوّره المتسارع. وقد اتسع نطاق تدويله تحت مسمى بروتوكول الهوية المعياري المفتوح المصدر MOSIP Protocol, Identity Source Open Modular. ومن هنا، وفي ظل الرغبة في الحفاظ على الخصوصية وتعزيز الأداء الديمقراطي في عصر النمذج التوليدية، تبررز الحاجة إلى إجراء التجارب على أنظمة ذات مستوى جيد، واستخدام التشفير لضمن المزيد من الحمية المطلقة للخصوصية.
25 العبارة جدالية، وتتجاهل حقيقة تضخّم النقاش الراهن حول الخصوصية وكيفية م عن أنظمة الذكاء الاصطناعي من انتهاكها وتغيير القناعات بخصوص حدودها. (المترجم)
إنشاء وسائط تعددية
ينسب إلى الجهود المتبصرة، التي بُذلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من أجل إسباغ المُثل الديمقراطية على تقنيات الاتصال، الفضل في نشأة وتوسع صيغ عديدة من "الوسائط المتعددة" Multimedia و"التفاعلية" Interactive للثقافة المعاصرة، بدءًا من الفن العام التفاعلي وصولًا إلى وسائل التواصل الاجتمعي. لكن من المستغرب أن تضلّ تطلعات كهذه طريقها بسهولة؛ فقد كشف العقد الماضي كيف دفعت الرغبة في تعظيم أرباح الإعلانات على منصات التواصل الاجتمعي إلى إثارة الاستقطاب الذي هيمن على ثقافة الإنترنت، في ظل تراجع الديمقراطية لصالح المراقبة الاستبدادية. ويبدو أن النمذج التوليدية قادرة على تسريع هذه الاتجاهات السلبية على نحو غير مسبوق. ومع ذلك، ثمة ما يجب استدعاؤه من بين تلك التطلعات التي عرفها منتصف القرن الماضي، وهو - وفق تعبير ليكلايدر نفسه - اتخاذ "قرارات تخص تطوير تكنولوجيا الكمبيوتر واستغلالها [...] ليس ل 'المصلحة العامة' فحسب، بل كذلك لتمكين الجمهور نفسه من وسائل تيّسر له الانخراط في عمليات ص عن القرار التي
ستشكّل مستقبله". وهنا يبررز السؤال: كيف يمكن استخدام النمذج التوليدية لخلق بيئة وسائط تعددية؟ يكمن أحد العناصر الحاسمة في وسائل الإعلام الديمقراطية في إبراز تنوع وجهات النظر وتعزيزها. وهو هدف يجب أن يقترن بتعزيز ما يوصف بمسميات مختلفة مثل "مجتمع متصل" Society Connected، أو "تعاون عابر للاختلافات" Difference Across Cooperation. وحتى يدوم تنوعنا ويزدهر، علينا أن نبني له جسورًا تقيه الانزلاق إلى الصراعات، وأن نضمن له مرونة تسمح بتشكّل مجموعات اجتمعية جديدة. وللأدوات الحاسوبية، في هذا السياق، قدرات صلبة قد تساعد في هذا الأمر. فعلى مدى العقد الماضي، استخدمت الحكومة في تايوان ومنظمت المجتمع المدني منصة تسمّى "تايوان الافتراضية" vTaiwan، وهي
منصة أُنشئت من أجل تقريب وجهات النظر بين المواطنين والمشرّعين والشركات والمجتمع المدني عند خلافهم حول قضايا السياسة العامة. وتعمل المنصة على تعيين مساحات التوافق التي يمكن الاشتغال الاجتمعي عليها، إذ تتيح للمستخدمين تقديم عبارات موجزة تُلخّص وجهات نظرهم حول المشكلة المطروحة، ثم يُتاح لآخرين تقييم هذه العبارات. وبناءً على هذه التقييمت، ترتب خوارزميات المنصة تلك البيانات في حزم، وتحدد مجموعات الرأي المختلفة المناسبة لها، وتعّين المواضع التي قد تجد فيها المجموعات المتباينة توافقًا مفاجئًا. وتستخدم في وقتنا الراهن العشرات من الكيانات المحلية الغربية نظام pol.is، وهو نظام مشابه لمنصة تايوان الافتراضية. وتوازيًا مع هذا، تجمع خاصية Notes Community في منصة التواصل الاجتمعي إكس X (تويتر سابقًا) تحليلات إحصائية قابلة للمقارنة، على نحو يسلّط الضوء على تعليقات المساهمين على المنشورات التي تقرر مجموعة متنوعة من المستخدمين، وكذا الخبرراء من أصحاب وجهات النظر المتباينة،
26 Fred Turner, The Democratic Surround: Multimedia and American Liberalism from World War II to the Psychedelic Sixties (Chicago: The University of Chicago Press, 2013). 27 Licklider. 28 Danielle Allen, "Toward a Connected Society," in: Earl Lewis & Nancy Cantor (eds.), Our Compelling Interests (Princeton: Princeton University Press, 2016), pp. 71-105; Audrey Tang & E. Glen Weyl, Plurality: The Future of Collaborative Technology and Democracy (Cambridge, MA: MIT Press, 2024).
أنها ذات فائدة. ولا تستوثق هذه العملية من الحقائق فحسب، بل تسهم أيضًا في بيان التفاهمت المشتركة التي يمكنها أن تؤسس للتفاهم الديمقراطي المشترك. في الإمكان قول إن هذه الأنظمة لا تزال في مهدها على صعيد التطور التقني والاجتمعي؛ إذ تستخدم أكثر أشكال التعلم الآلي بساطة، مثل جمع تعليقات الأشخاص ممن تتمثل أنماط تصويتهم مع أصحاب التعليقات الآخرين. لكن البحوث التي تجري في وقتنا الراهن تحاول استخدام النمذج التوليدية لفهم محتوى التعليقات وإنتاج توليفات تفاعليةInteractive Syntheses لحزم الآراء المتقاربة. وتفترض الأنظمة الشائعة في وقتنا الراهن أن جميع المستخدمين يتصرفون بحسن نية، وهو أمر لا يرجّح استمراره مع توسع انتشار مثل هذه النمذج. وسيكون تحسين الأمان والحوافز عاملًا مهًّما جدًا في توسيع رقعة استخدام النمذج التوليدية. وبوجه عام، لم تنضج هذه الأنظمة بعد، وإنما شعبيتها مدينة لمنصة إكس وسعيها للتخفيف من حدة الغضب العام، أو للحكومة التايوانية ولشعبية أودري تانغ، وزيرة الشؤون الرقمية في البلاد. لكن ما إن تتاح للعموم مثل هذه المساحات الرقمية المدعومة، على نحو ما أتيحت لهم الحدائق والمكتبات، فإنه يكون من المحتمل أن يواجهنا تحدي الاستقطاب، وما ينجم عنه من مخاطر المحتوى الزائف الذي تنشئه النمذج التوليدية.
صوت الشعب
يمثل التحقق والمعلومات حجر الأساس في بناء الديمقراطية، في حين تحدد جوهرها سيطرة الشعب على وظائف الدولة Public Control of State Functions. وسيتطلب تطوير الأنظمة الديمقراطية باستخدام التكنولوجيا المتقدمة التحول عن الطريقة التي يتشكل من خلالها حاليًا التمثيل النيابي للمواطنين والإنصات إلى أصواتهم. وسيسعى أصحاب السلطة الذين يرأسون المؤسسات القائمة للإبقاء على الوضع الراهن، وعلى الأرجح سيصبح مجال التقنيات الجديدة موضع التأثير الأكثر تحديًا وإثارة للتنازع. ثمة ما يثير شكوكنا في مسارات هذا التطور مفاده أن إقصاء مسائل التعبئة وكذلك المسائل التي ترتبط بالتحولات القائمة خارج الآليات الرسمية للحوكمة، أو التي تبدأ عند هوامشها، ربما يكون في البلديات أول، ا وقد يمتد لاحقًا إلى المستوى الوطني. وتنبهنا نحة أرندت، في كتابها عن الثورة إلى أن الاختلاف الرئيس بين الثورتين الأميركية والفرنسية يكمن في أن الأولى قد عرفت نمو الديمقراطية المحلية بوصفها ممرسة شرعية ومقبولة بشدة، بعيدًا عن أي سيطرة للبرريطانيين، وذلك حتى من قبل أن تُجرب على نطاق أوسع؛ وفي هذه الحالة، سبقت الشرعيةُ السلطة. ومن ثم، نزعم أن التطور العضوي خارج المؤسسات السياسية الرسمية سيساعد "الجمهور الجديد" على أن يرث السلطة الرسمية ما إن ينخر التآكل الهياكل المهيمنة.
29 Christopher T. Small et al., "Opportunities and Risks of LLMs for Scalable Deliberation with Polis," arXiv , 20/6/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zScq; Alejandro Cuevas Villalba et al., "Automated Interviewer or Augmented Survey? Collecting Social Data with Large Language Models," Deepai.org , 18/9/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSn7 30 لكي لا يلتبس المعنى، ربما يقصد الباحث بهذه العبارة أن تهيمن الإرادة الشعبية على أعمال الحكومة، وهو أمرٌ من صميم الديمقراطية
بطبيعة الحال. (المترجم) 31 Hannah Arendt, On Revolution (New York: Viking Press, 1963).
أحد المواضع الطبيعية لبرروز هذه الممرسات الجديدة، بحسب ما يقترح ديوي، هو الموضع الذي يحتمل فيه على وجه التحديد أن تصير المؤسسات الديمقراطية أكثر عرضة للتهديدات؛ أي تلك اللحظة التي ستتمكن فيها النمذج التوليدية من تطوير نفسها بنفسها ووضع ذلك موضع التطبيق. وتعني سرعة تطوير هذه النمذج وتضخم حجمها أن الهدف المبتغى من تصميمها، الخاص بتعزيز المشاركة الديمقراطية، سيتطلب نموًا أكبرر في قدرات الأنظمة الديمقراطية. ومن حسن الحظ، على الرغم من اختزالية الصورة الإعلامية للأمر، فإن العديد من المؤسسات التي تطور النمذج التوليدية الرائدة لا تتحرك ببساطة بدافع من الربح (نعني شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك). ولا تزال شركات عديدة من بين الشركات التي تقوم على تطوير نماذج مفتوحة المصدر كيانات هجينة أكثر تعقيدًا، ولديها اهتمم كبير بالشرعية، وبالمشاركة العامة أيضًا. من هنا، تدعم هذه الكيانات تجارب تخص أشك لًا جديدة من الديمقراطية خارج المؤسسات السياسية الرسمية، وتُجرى هذه التجارب بدعم النمذج التوليدية وتكنولوجيا التشفير المتقدمة. وغالبًا ما تبدأ هذه التجارب بأدوات مثل Pol.is باعتبارها وسيلة لتشجيع المداولات بين المشاركين، لكنها تحول اهتممها مباشرة بعد ذلك إلى تشكيل الخيارات ومدخلات العمل. وقد جربت أنثروبيك توظيف Pol.is لإعادة تشكيل النظام الأساسي Constitution الذي يرسم أبعاد نظام كلود الرائد، وهو أمرٌ حدّ كثيرًا من تحيزٍ أظهره ضد الأشخاص ذوي الإعاقة. وتتضمن التجارب الأخرى التي تجريها أوبن إيه آي من خلال برنامج "المدخلات الديمقراطية" Inputs Democratic تقنيات تصويت متقدمة لا تسمح للمشاركين بالتعبير عن تفضيلاتهم فحسب، بل ما يقدّرون أنه من الأولويات (من ذلك ما يعرف بالتصويت التربيعي Voting Quadratic) أيضًا، أو توظيف النمذج التوليدية في المساعدة في جمع ما يعّبر عن القيم على نحو حزم. ولا تزال النمذج المفتوحة المصدر تواجه تحديات شبيهة، وإن نشأت من زاوية مختلفة. فبدلًا من السمح بإدراج مدخلات عامة في العمليات التي ظلت محاطة فيم مضى بالسرية، تسعى هذه النمذج لحيازة شرعية عامة متجاهلة تهديدها بالحظر بسبب عدم حصولها على الترخيص. وفي هذا السياق، سارعت النمذج المفتوحة المصدر، مثل هغينغ فيس، إلى تطوير إصدارات مرخصة تستند إلى قواعد صارمة، مع الحفاظ على طابعها التشاركي والديمقراطي، مبتغيةً من ذلك تجاوز العقبات التنظيمية. وبالمثل، تعمل هذه النمذج على تسخير بروتوكولات التصويت الرسمية وعمليات التصميم التشاركية. ستوسع هذه الأساليب آفاق الحوكمة الديمقراطية الرقمية المواكبة للتغير التكنولوجي. وستتزايد الدلائل على قدرة هذه النمذج على إجراء محادثات مع أعداد كبيرة من المشاركين تتسم بأنها مفصلة ومرنة وتفاعلية، وعلى عرض الحالة الراهنة للاهتممات الجمعية، من خلال أشكال سهلة الفهم. وتتعلم النمذج من
32 "Our structure," OpenAI, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRsz; "1Billion Gamble to Ensure AI Doesn't Destroy Humanity," Vox , 17/7/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRUF 33 "Collective Constitutional AI: Aligning a Language Model with Public Input," Anthropic , 17/10/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRxg 34 Wojciech Zaremba et al., "Democratic Inputs to AI," Open AI Blog , 25/5/2023, accessed on 25/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSmQ 35 ينظر على سبيل المثال المواقع: Git 4 Gov وBloom و.Together.ai 36 Villalba et al.; Nils Gilman & Ben Cerveny, "Tomorrow's Democracy Is Open Source," Noema , 12/9/2023, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSgB
المعلومات التي تم جمعها من تلك المحادثات على نحو يسمح لها بتزويد صانعي القرار برؤى نوعية وكمية. وقد جرى توضيح ذلك في مشروع حديث هو "أبحاث ميكروسوفت" الذي ركّز على بيان تنوعات الرأي بخصوص قواعد استخدامات للأراضي نشب بشأنها الخلاف داخل المجتمع. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تكون هذه النمذج قادرة على العمل على نحو كامل بوصفها بمنزلة "مستشارين تفاعليين" في القضايا التي تكون محل الاهتمم العام. يبدأ هذا الاحتمل بتحدي فهمنا لمفهوم "التمثيل"، وبسؤال عن حدود الثقة التي يتعين وضعها في مثل هؤلاء المستشارين، وإن كان يجب أن يوصوا بالإجراءات على نحو مباشر، وإذا ما تمكنت هذه النمذج من تحديد مجموعات من المواطنين المتمثلين في التفكير، تختلف عن التجمعات التي تحددها المناطق الجغرافية التقليدية. فكيف يمكن التوفيق بين هيكَلي التمثيل المحتمَليَن في هذه الحالة؟ وإلى أيّ حدّ يجب تحديد اللوائح المنظمة من خلال العمليات الحكومية التقليدية في مقابل العمليات الديمقراطية الجديدة ذات الطابع التشاركي الاجتمعي؟ وإذا كان في إمكان التفاعل مع هذه النمذج والتغذية الراجعة منها أن يحافظا على ديمومته على نطاق أوسع مم نتوقعه من الانتخابات غير الدورية، فهل ينبغي لنا استخدام هذه النمذج لإعادة تشكيل السياسات والخطط باستمرار؟ وإذا كان الأمر كذلك، فم عتبات المشاركة والتحقق التي ينبغي أن تُطلب؟ هل من غير المنطقي، كم اقترح الفيلسوف برونو لاتور، تقديم تمثيل رسمي للظواهر الطبيعية مثل النظم البيئية عبرر النمذج التوليدية في "برلمان الأشياء" Things of Parliament؟ على الرغم من أن فكرة تمثيل "الأشياء" تبدو غريبة عم نعرفه من الممرسة البررلمانية الحالية، فإنّ لها وجودًا بالفعل، كأن نجري مثلًا دراسات الأثر البيئي قبل السمح بمشاريع البنية التحتية المختلفة. في جميع الاحتملات، يمكن أن تحسّن النمذج التوليدية مثل هذه الجهود، إلى حد بعيد، في ظل اتساع مفهوم "صوت جميع المتأثرين" ودمجه في عمليات ص عن القرار. ولعل التجارب التي أجرتها مختبررات المادة المظلمة Dark Matter توضح ذلك، وخاصة أنها انتقلت بالفعل إلى المؤسسات السياسية. وتستفيد منظمت المجتمع المدني، مثل "شركاء في الديمقراطية" Democracy in Partners ومنظمة New_Puplic، من هذه التجارب وتحدد نقاط التطبيق داخل النظم السياسية القائمة، حيث يمكن استخدام التكنولوجيا الجديدة لتطوير عمليات التمثيل.
من كل النواحي
لا تزال تجربة العالم الحديثة في الديمقراطية تجربة غضّة، لا يتجاوز عمرها 250 عامًا. وتحدث التقلبات السياسية أو الاجتمعية دوريًا، ويبدو أن بعضها يهدد ديمومة الديمقراطية. وقد عانت كل ديمقراطية في العالم مخاطر وجودية، تلتها دومًا تحولات كبررى. ففي الولايات المتحدة الأميركية، كانت الحرب الأهلية والحرب
37 باحثون في معهد برغرن Institute Berggruen في لوس أنجلوس الذي يركز على قضايا تتضمن الديمقراطية والحوكمة. وهم يرّك زون على هذا الموضوع في الوقت الراهن. 38 Bruno Latour, We Have Never Been Modern, Catherine Porter (trans.) (Cambridge: Harvard University Press, 1993), p. 165. 39 Yu Tang Hsiao et al., "VTaiwan: An Empirical Study of Open Consultation Process in Taiwan," SocArXiv , 4/7/2018. 40 "Digital Spaces Directory," New_Public , accessed on 28/4/2025, at: https://newpublic.org/directory
العالمية الثانية من بين تلك التهديدات. وبعد الحرب الأهلية، أسست الولايات المتحدة – خلال فترة وجيزة – ديمقراطية من أوليات الديمقراطيات المتعددة الأعراق في العالم، وأدت الحرب العالمية الثانية إلى أكبرر موجة من التحول الديمقراطي وإنهاء الاستعمر في التاريخ، إضافة إلى تأسيس الأمم المتحدة. وحينم أبحر عوليس (أوديسيوس) عبرر المضيق بين سيلا Scylla وكريبديس Charybdis، وقد سدّ أذنيه بالشمع حتى لا يسمع تحذيرات ذلك الموت الكامن له، كان هو وطاقمه يعون بوضوح أَّيَ الأوطان يغامرون من أجل بلوغه: إيثاكا. ومثلم فعل عوليس، صار واجبًا علينا، في عالم بات أشد تعقيدًا، أن نمضي في مسار دقيق بين وحشي الانفراد والفوضى، على الرغم من أن القليل منّا فحسب في إمكانهم تحديد مفهوم "الوطن"، بدقة. واقترا نحا هو أن نتطلع إلى تسخير الأدوات الرقمية في إدارة تعقيدات عالمنا بطريقة تعزز وجود أوطان تعددية، نجد فيها ازدهارنا جميعًا. أو كم قال رالف إليسون: "سبيلنا إلى الوطن الذي نسعى له كامن في الحالة التي يشعر فيها الإنسان بأنه في بيته في العالم؛ تلك الحالة التي نسميها الحب، ونطلق عليها مصطلح الديمقراطية".
41 سيلا وكريبديس كائنان بحريان أسطوريان مشهوران في الميثولوجيا اليونانية، وقد حكى عنهما الشاعر هوميروس Homer، وانتقل توظيفهما من الأساطير إلى الثقافة الشعبية الأوروبية في صورة حكمة تبتغي تنبيه الإنسان لضرورة اختيار الأهون إذا ما اضطرته الظروف إلى مجابهة خيارين ضارين. سيلا، مكان ضحل في مضيق مسينا Messina، تضرب صخوره الحادة قيعان السفن العابرة فتُغرقها، فرمزوا إليه بوحش قالوا إنه كان في الأصل حورية من حوريات البحر (نصف امرأة ونصف سمكة)، لكن نبتت له بعد سخطه بيد الساحرة سيرسي Cersi ستة من رؤوس الكلاب، مفزعة النباح ضخمة النيوب. أما كريبديس، فهي صخرة أصغر تقع على الجهة الأخرى من المضيق، ويرمز إليها بوحش، أيضًا، ذي رؤوس عدة تبررز من أذرع ضخمة تجعله أشبه بالأخطبوط، وهي أم سيلا. في حكاية هوميروس حين حاول عوليس عبور مضيق مسينا انقضّت عليه سيلا والتهمت ستة من رجاله، فكان عليه الإبحار بحذر بين الصخرتين، مبتعدًا قدر الإمكان عن سيلا حتى لو اضطره الحال إلى مجابهة كريبديس. (المترجم) 42 Ralph Ellison, "Brave Words for a Startling Occasion," Wichita State University Libraries, Special Collections and University Archives, 1953, accessed on 28/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zSbS
المراجع
Acemoglu, Daron & James A. Robinson. The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty. New York: Penguin, 2019. Acemoglu, Daron & Simon Johnson. Power and Progress: Our Thousand Year Struggle over Technology and Prosperity. New York: Public Affairs, 2023. Allen, Danielle & Jennifer S. Light (eds.). From Voice to Influence: Understanding Citizenship in a Digital Age. Chicago: University of Chicago Press, 2015. Allen, Danielle. Justice by Means of Democracy. Chicago: University of Chicago Press, 2023. Allen, Danielle, Henry Farrell & Cosma Rohilla Shalizi. "Evolutionary Theory and Endogenous Institutional Change." 2019. at: https://acr.ps/1L9zRTm Arendt, Hannah. On Revolution. New York: Viking Press, 1963. Bommasani, Rishi et al. "Do Foundation Model Providers Comply with the Draft EU AI Act?" Center for Research on Foundation Models. Stanford University (2021). at: https://acr.ps/1L9zSdu De Loecker, Jan, Jan Eeckhout & Gabriel Unger. "The Rise of Market Power and the Macroeconomic Implications." Quarterly Journal of Economics. vol. 135 (May 2020). Dertouzos, Michael L., & Joel Moses (eds.). The Computer Age: A Twenty-Year View. Cambridge: MIT Press, 1979. Dewey, John. The Public and its Problems. New York: Henry Holt and Company, 1927. Ellison, Ralph. "Brave Words for a Startling Occasion." Wichita State University Libraries. Special Collections and University Archives. 1953. at: https://acr.ps/1L9zSbS Gardner, Howard. Multiple Intelligences: New Horizons in Theory and Practice. New York: Basic, 2006. King, Gary, Jennifer Pan & Margaret E. Roberts. "How the Chinese Government Fabricates Social Media Posts for Strategic Distraction, Not Engaged Argument." American Political Science Review. vol. 111 (August 2017). Kurzweil, Ray. The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology. New York: Penguin, 2006. Latour, Bruno. We Have Never Been Modern. Catherine Porter (trans.). Cambridge: Harvard University Press, 1993. Lewis, Earl & Nancy Cantor (eds.). Our Compelling Interests. Princeton: Princeton University Press, 2016.
Mercier, Hugo & Dan Sperber. The Enigma of Reason. Cambridge: Harvard University Press, 2017. Nissenbaum, Helen. "Privacy as Contextual Integrity." Washington Law Review. vol. 79 (March 2004). Pottle, Justin. "'The Greatest Flood of Mass Suggestion': John Dewey, Propaganda, and Epistemic Costs of Social Organization." Journal of Politics. vol. 84 (July 2022). Schlesinger, Arthur M. The Coming of the New Deal: The Age of Roosevelt. Boston: Houghton Mifflin, 1958. Siddarth, Divya et al. "How AI Fails Us." Justice, Health, and Democracy Impact Initiative and Carr Center for Human Rights Policy. Technology and Democracy Discussion Paper. December 2021. Stephenson, Neal. The Diamond Age: Or a Young Lady's Illustrated Primer. New York: Bantam Books, 1996. Tang, Audrey & E. Glen Weyl. Plurality: The Future of Collaborative Technology and Democracy. Cambridge, MA: MIT Press, 2024. Turner, Fred. The Democratic Surround: Multimedia and American Liberalism from World War II to the Psychedelic Sixties. Chicago: University of Chicago Press, 2013.