العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تمويل العمل المناخي ومرونة المجتمعات المحلية في البلدان العربية

تمويل العمل المناخي ومرونة المجتمعات المحلية في البلدان العربية

Climate Finance and Community Resilience in the Arab Countries

محمد صدوقي

الملخّص

ملخص:  تركّز هذه الدراسة على التفاعل بين استراتيجيات التمويل، والحَوكمة المناخية المحلية، وقدرة المجتمعات العربية على التكيّف مع التغيّر المناخي. وتنطلق من مفارقة أنّ هذه المجتمعات من بين المجتمعات الأكثر تأثرًا بالمناخ، لكنها تظل الأقل إسهامًا في مواجهته. وتُطرح إشكالية البحث حول فاعلية التمويل المناخي والسياسات المعتمدة، ودور الحوكمة المحلية في تعزيز المرونة، في سياق تحديات تتعلق بالشفافية، والتنسيق، ومحدودية الموارد. وتنتهي الدراسة إلى أنّ تمويل العمل المناخي في البلدان العربية ما يزال محدودًا بالنظر إلى حجم التحديات، وأنّ غياب آليات تنسيق فعّالة يقلّل من أثر التمويل المتاح. وأظهرت النتائج أنّ تعزيز مرونة المجتمعات المحلية يتطلب اعتماد سياسات عمومية تراعي متطلبات التكيّف مع التغيّرات المناخية. وتوصي الدراسة بزيادة الاستثمارات المناخية المستدامة، واستيعاب الحلول المبتكرة، وترسيخ الحوكمة المحلية لضمان إدارة التمويل المناخي بكفاءة وعدالة.

Abstract

Abstract:   This study investigates the intersection of financing strategies, local climate governance, and the adaptive capacity of Arab communities to climate change. It addresses the paradox that, although these communities are among the most climate-vulnerable globally, they remain minimally engaged in mitigation and adaptation efforts. The research problem centers on the effectiveness of climate finance and policy instruments, alongside the role of local governance in enhancing resilience under conditions of limited transparency, weak coordination, and resource scarcity. Findings reveal that climate finance in Arab countries remains insufficient relative to the scale of challenges, and that weak coordination mechanisms further diminish the impact of available funds. The study argues that strengthening resilience requires policy approaches explicitly integrating adaptation priorities. It recommends scaling up sustainable climate investments, adopting innovative solutions, and institutionalizing local governance to ensure efficient and equitable management of climate finance.

الكلمات المفتاحية:
  • التمويل المناخي
  • المرونة المناخية
  • المجتمع المحلي
  • الدول العربية
  • الحوكمة البيئية
Keywords:
  • Climate Finance
  • Climate Resilience
  • Local Communities
  • Arab Countries
  • Environmental Governance

مقدمة

أرست اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ1، منذ صدورها في سنة 1992، مبدأ تاريخيًا صيغ تحت شعار "مسؤوليات مشتركة، لكنها متباينة"، يقضي بتقاسم الدول المسؤولية عن مجابهة التغّير المناخي. وقد مهّد هذا المبدأ للجهود الدولية الهادفة إلى تحقيق العدالة المناخية؛ وهي المسؤوليات التي بيّنها بدقة اتفاق باريس2 (2015)، الذي حدّد التزامات الدول ومقادير الإسهامات الوطنية المطلوب الوفاء بها لتحقيق هذه الغاية. كذلك جرى التوافق على الإجراءات التي تضطلع بها الدول، والتي تكفل بناء المرونة للتكيّف مع تأثيرات التغّير المناخي3، ولا سيّم فيم يتعلّق بتمويل العمل المناخي ومرونة المجتمعات المحلية. يرتبط موضوع التمويل المناخي ارتباطًا وثيقًا بقضية حوكمة المناخ بمختلف مستوياتها؛ إذ تبررز ضرورة مشاركة مختلف الجهات الفاعلة على جميع الصُعد المحلية والوطنية والدولية، بحيث تكون المسؤولية مشتركة فيم يخص الحد من انبعاثات غازات الدفيئة4 ومواجهة ظاهرة الاحترار العالمي. وفي هذا السياق، حدّدت المادة التاسعة من اتفاق باريس الجهات الملتزمة بتقديم الموارد المالية لدعم البلدان النامية في جهود ارلتخفيف من آثار التغّير المناخي والتكيّف مع هذا التغّي5. وحثّت الأمم المتحدة في هذا الصدد على ضرورة تدفّق الاستثمرات الصديقة للبيئة لخفض انبعاثات الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري، ووضع استراتيجيات تمويل فعّالة تدعم مرونة المجتمعات المحلية6. فلهذه المجتمعات قدرة على التكيّف وبناء المرونة في مواجهة تحديّات التغّير المناخي، فهي بمنزلة الخطوط الأمامية لهذه المواجهة، وهي التي تتعامل مع عواقب التغّير المناخي، وخصوصًا الكوارث الطبيعية، ونقص المياه، والهجرة القسرية، والخسائر الاقتصادية. ويبقى التحدي الذي يواجه هذه المجتمعات المحلية هو استدامة سُبل عيشها وضمن حقّ الأجيال المقبلة في تنمية مستدامة. ومن هنا، صدرت الدعوة إلى إيلاء دعم تلك المجتمعات أولوية في الجهود المبذولة عالمًّيًا في

  1. تعدّ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ United Nations Framework Convention on Climate Change، التي أ برمت سنة 1992، بمنزلة المرجعية القانونية العامة التي وضعت الأساس للتعاون الدولي لمكافحة التغّير المناخي، لكنها غير ملزمة قانونيًا. وقد وقّعت عليها جميع الدول وجرى تبنيها في قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبررازيل.
  2. يُعَدّ اتفاق باريس، الذي جرى اعتماده في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرينCOP21 المنعقد في العاصمة الفرنسية باريس سنة 2015، اتفاقًا شاملًا وملزِمًا للدول الأطراف، وقد وُضع لتعزيز العمل المناخي العالمي. ويتضمن أدوات تنفيذية تهدف إلى تسريع وتيرة العمل المناخي، وتعيين التزامات أكثر تحديدًا وقابلية للقياس، ويهدف إلى الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي الحثيث لخفضها إلى 1.5 درجة مئوية.
  3. المادة الرابعة من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ لسنة، في:1992 United Nations, United Nations Framework Convention on Climate Change (1992), accessed on 22/9/2025, at: https://tinyurl.com/5338kzpy
  4. في تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة سنة 2023، جرى تأكيد أنّ "الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة وتركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سجّلت مستويات قياسية جديدة في سنة 2022، إذ إنّ الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة ازدادت بنسبة 1.2 في المئة في الفترة 2022-2021، لتسجّل مستوى قياسيًا جديدًا بلغ 57.4 غيغا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون". لمزيد من التفاصيل، يُنظر تقرير فجوة الانبعاثات في: United Nations Environment Programme, Emissions Gap Report 2023: Broken Record – Temperatures Hit New Highs, Yet World Fails to Cut Emissions (Again) (Nairobi: November 2023), p. xvii, accessed on 24/9/2025, at: https://bit.ly/3yS3n68
  5. للاطلاع على نص الاتفاق، يُنظر: United Nations, Paris Agreement (2015), accessed on 5/8/2024, at: https://tinyurl.com/wum4mprz
  6. United Nations, Climate Changes, "Introduction to Climate Finance," accessed on 6/2/2024, at: https://bit.ly/4gRX6cO

مجال تغّير المناخ، وتخصيص الدعم المالي للأنشطة التي تنجزها في هذا المجال. ويبررز من ذلك أهمية دراسة استراتيجيات التمويل المناخي والسياسات العربية المتّبعة في هذا الشأن، إضافة إلى هياكل الحوكمة المحلية التي تسهم في تكريس المرونة المناخية. وتزداد أهمية هذه الدراسة في ضوء ما عرفته البيئة العربية من آثار وخيمة للتغّير المناخي، وخصوصًا الجفاف واشتداد ندرة المياه، وارتفاع متوسط درجات الحرارة السنوية بوتيرة تقارب ضعف المعدل العالمي، وهي ظاهرة باتت آثارها تتضح بخصوص المنظومات الحيويّة في العديد من بقاع العالم العربي7. وتربط الدراسة هذه الوضعية بضعف السياسات العمومية ذات الصلة بالتغّير المناخي والحوكمة نتيجة تشرذم المبادرات البيئية وعدم فاعليتها؛ الأمر الذي يجعل تأثير دول المنطقة العربية ومنظمتها غير الحكومية في المفاوضات الدولية بشأن مكافحة التغّير المناخي ضعيفًا8. ويظل تحقيق الأهداف الواردة في اتفاق باريس والهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة9 مرهونًا بإرساء أسس الحوكمة وترسيخها، باعتبارها شرطًا ضروريًا لحشد التمويل لبررامج مواجهة التغّير المناخي. تُظهر الدراسات السابقة الصلة بين قضية تمويل العمل المناخي وقضية المرونة، وتقدّم فهمًا للتحديات التمويلية التي تواجهها البلدان، وما يترتّب عليها من عراقيل تحدّ من استجابتها في مواجهة التغّير المناخي الراهن، وتُضعف قدرتها على التكيّف مع تحديات المستقبل. وتركّز هذه الدراسات على البيئة المالية التي تتحرّك من خلالها جهود الحكومات، ومصادر التمويل المتاحة، بما في ذلك الأموال العمومية، والتمويلات الخاصة، والمنح والقروض التي تقدمها المؤسسات الدولية، إضافة إلى آليات التمويل المبتكرة. وتُحيل إلى النظر في السياسات والأنظمة التي تؤثّر في تخصيص تلك الموارد. وبيّنت بعض الدراسات التي تناولت قضية تمويل العمل المناخي ضخامة احتياجات بلدان المنطقة العربية، التي ما تزال متأخرة في هذا المجال، في حين تبقى قدرتها على جذب التمويل الدولي محدودة جًّدًا؛ وذلك بحسب بيانات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا "الإسكوا"10. ويأتي ذلك على الرغم من تنامي الوعي في المنطقة بفوائد الاقتصاد الأخضر وانعكاساته على بناء مرونة المجتمعات المحلية وتعزيزها. وقد بدأت العديد من البلدان العربية تدرك أهمية تبني استراتيجيات مستدامة وتدابير تنظيمية وحوافز لجذب الاستثمرات في مجالات الاقتصاد الأخضر11.

  1. تقرير لمنظمة السلام الأخضر "غرينبيس " Greenpeace أدرج "المغرب والجزائر ومصر ولبنان وتونس والإمارات العربيّة المتحدة، ضمن الدول المهددة ب "التأثير المدمر للتغّير المناخي". للاطلاع على التقرير: كاثرين أ. ميلر [وآخرون]، "على شفير الهاوية: تداعيات تغّير المناخ على ستة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، التقرير التقني الصادر عن مختبرات منظمة غرينبيس للبحوث (نسخة منقّحة) (تشرين الثاني/ نوفمبرر 2022)، ص 18، شوهد في 2025/8/25، في: https://igit.me/XhmxD
  2. Arab Forum for Environment and Development, 2017 Report of the Arab Forum for Environment and Development , Arab Environment in 10 Years , Najib Saab (ed.) (Beirut: Technical Publications, 2017), p. 2A, accessed on 24/9/2025, at: https://tinyurl.com/2a9tajkf
  3. تبنّت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أجندة 2030 للتنمية المستدامة في أيلول/ سبتمبرر 2015، وقد تضمنت 17 هدفًا و 169 غاية تتعلق بالقضاء على الفقر، وحماية الكوكب، وضمان السلام والازدهار للجميع. يُنظر: "أهداف التنمية المستدامة"، الأمم المتحدة، شوهد في 2024/9/9، ف:ي https://tinyurl.com/58ey9hra
  4. عائشة السريحي وماري لومي، "حوكمة تغير المناخ والتعاون حوله في المنطقة العربية"، نظرة تحليلية، أكاديمية الإمارات الدبلوماسية (تموز/ يوليو 2019)، ص 9، شوهد في 2025/9/24، في: https://tinyurl.com/44u9t399
  5. نجيب صعب، "الاقتصاد الأخضر والتمويل"، إيكومينا، 2022/10/10، شوهد في 2025/9/9، في: https://acr.ps/1L9BPsY

ويُسهم إيجاد بنى حضرية مرنة وخالية من الكربون في تحقيق أهداف التخفيف والتكيّف12، ويعزز نمو المجالات الحضرية المستدامة والمرنة13. وتشير تقارير الإسكوا بخصوص تمويل المناخ في المنطقة العربية إلى إمكانية الوصول إلى مصادر التمويل المتاحة14، مستنِدة في ذلك إلى تحليل فجوات تمويل المناخ، ومقِّدِمة تقديرًا للاحتياجات التمويلية التي تعين في إنجاز الإسهامات المحددة وطنيًا NDCs Contributions, Determined Nationally للدول العربية15. ومن المبادرات اللافتة للانتباه في هذا الصدد المبادرة العربية لحشد التمويل المناخي من أجل المياه، التي أطلقتها الإسكوا؛ إذ انعقد منتدى لدعم أهدافها وتفعيل آلياتها16. نَّوَهت تقارير عدة للبنك الدولي بجوانب قضية تمويل المناخ والتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا17، في حين خصّص صندوق النقد الدولي تقريرًا للموضوع في سنة  202318. وأصدر معهد الموارد العالمية سنة 2021 دراسة عن تمويل المناخ في شمل أفريقيا19. وعلى الرغم من تنوّع هذه الدراسات وتكاملها، فإنّها تناولت قضايا التمويل المناخي والحوكمة المناخية المحلية على نحو منفصل نسبيًا؛ فهي لم تبحث واقع التفاعل بينهم في السياق العربي، ولم تدرس مسائل مهمة من قبيل تأثير التمويل في بناء مرونة المجتمعات المحلية. لذلك، تركّز هذه الدراسة على التفاعلات القائمة بين ثلاثة عناصر أساسية، هي: استراتيجيات التمويل، وديناميات الحوكمة المناخية المحلية، وقدرة المجتمعات العربية على التكيّف مع التغّير المناخي. وتنبثق من ذلك الإشكالية الرئيسة المتمثّلة في أنّ البلدان والمجتمعات المحلية العربية تُعدّ من بين الدول الأكثر تعرضًا لمخاطر التغّير المناخي، في حين ظلّ إسهامها في مجابهة هذه الأزمة محدودًا، وهو ما يثير التساؤلات التالية: إلى أيّ حدّ يمكّن التمويل المناخي، بمختلف مصادره، من مواجهة التحديات المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في السياق العربي؟ وكيف يُسهم غياب الشفافية والتنسيق بين الفاعلين في إضعاف فاعلية التمويل المناخي؟ وما مدى إسهام الحوكمة المحليّة في تعزيز المرونة المناخية على مستوى المجتمعات المحلية، خصوصًا في أثناء التحديات البيئية والتمويلية القائمة؟

  1. The World Bank Group, "Middle East & North Africa Climate Roadmap (2021-2025): Driving Transformational Climate Action and Green Recovery in MENA," 25/1/2022, accessed on 6/2/2024, at: https://ln.run/qg2yg
  2. Programme des Nations Unies pour les établissements humains (ONU-Habitat), Les villes et le changement climatique: Orientations générales, Rapport mondial 2011 sur les établissements humains (édition abrégée) (London/ Washington: Earthscan/ ONU-Habitat, 2011), accessed on 7/2/2024, at: https://bit.ly/3NWDvuQ
  3. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، "التمويل المناخي للمياه في المنطقة العربية"، موجز السياسات (2023)، شوهد في 2024/3/17، في: http://bit.ly/4gsb5WC
  4. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، "تمويل العمل المناخي: الاحتياجات والتدفقات في المنطقة العربية"، موجز السياسات (2022)، شوهد في 2024/3/17، في: https://bit.ly/46knQ0u
  5. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، "المبادرة العربية لحشد التمويل المناخي من أجل المياه: تيسير توفير التمويل في قطاع المياه" (2023)، شوهد في 2025/9/9، في: https://bit.ly/3Il5Tab
  6. The World Bank Group, Country Climate and Development Reports (CCDRs), accessed on 7/6/2024, at: https://tinyurl.com/muam2y2n
  7. صندوق النقد الدولي، "المناخ في مفترق الطرق: سياسات المالية العامة في عالم يزداد احترارًا"، تقرير الراصد الماليي (2023)، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9BPHj
  8. United Nations Office for Disaster Risk Reduction, "Standard Chartered Bank, KPMG International: Guide for Adaptation and Resilience Finance," 2024, accessed on 19/3/2024, at: https://www.undrr.org/quick/84482

ولتحليل عناصر الموضوع، تقدم الدراسة قراءة نظرية ومفاهيمية متعلقة بالتمويل المناخي، من خلال عرض المفاهيم والمقاربات المختلفة، وإبراز مدى أهميته في تعزيز مرونة المجتمعات المحلية في المنطقة العربية. وفي هذا السياق، تستند الدراسة إلى تحليل الأدبيات العلمية والتقارير الدولية والإقليمية ذات الصلة. وتوظّف المنهج المقارن لتقييم تجارب الدول العربية في تمويل العمل المناخي وتعزيز مرونة المجتمعات المحليّة، عبرر تسليط الضوء على بعض النمذج العربية البارزة على نحو يتيح مقارنة السياسات واستراتيجيات تمويل العمل المناخي وإبراز أوجه التشابه والاختلاف من حيث المصادر والفاعلية. وسيجري تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور: يتناول أوّلها مداخل التمويل المناخي في سياق المجتمعات المحلية العربية، ويركز ثانيها على دور التمويل الأخضر في تعزيز مرونة المجتمعات المحلية العربية، بينم يعرض ثالثها استراتيجيات البلدان العربية في تمويل مرونة المجتمعات المحلية.

أولًا: مداخل التمويل المناخي يف سياق المجتمعات المحلية العربية

تبررز أهمية تمويل العمل المناخي بوصفه أداةً استراتيجيةً لمجابهة التغّير المناخي، غير أنّه يفتقر إلى تعريف شامل وموحّد، ويُعزى ذلك إلى تعدّد المقاربات والتصنيفات والمؤشرات المعتمدة بوصفها أدوات لرصد تمويل التنمية.

1. تمويل العمل المناخي: مفهومه ومصادره

تربَّين من خلال مخرجات مؤتمر الأطراف الخامس عشر في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّي المناخ (COP15) Conference Change Climate Nations United، الذي عُقد في كوبنهاغن في كانون الأول/ ديسمبرر 2009، أنّ بلوغ درجتين مئويتين كحٍّدٍ أقصى لارتفاع درجات الحرارة مع نهاية القرن الحادي والعشرين يُعدّ من أولوياتها، وأنّ ذلك لن يتَأَّتى إلا من خلال ضبط الأنشطة البشرية ذات التأثير الخطير في المناخ. وقد جرى تأكيد الالتزام بحشد التمويلات المناخية الموجّهة على وجه الخصوص إلى البلدان النامية خلال الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، مع التنصيص على "السعي إلى تحقيق التوازن بين تمويل التخفيف من حدّة تغّير المناخ وتمويل التكيّف معه"20. وفي هذا السياق، شدّدت الاتفاقيات الدولية الرئيسة المعنيّة بمكافحة تغّير المناخ، وهي متمثّلة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، وبروتوكول كيوتو21، واتفاق باريس، على توجيه الدعم المالي من الأطراف التي تمتلك موارد مالية وافرة إلى الأطراف التي تعاني ندرةً وهشاشةً؛ تعزيزًا للعدالة المناخية ودعمًا لجهود التكيّف والتخفيف من آثار التغّير المناخي في البلدان النامية. فالحاجة إلى تمويل المناخ أمرٌ ضروري للتخفيف من آثار

  1. وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، الدبلوماسية الفرنسية، "الحصول على التمويل رهانٌ أساسي من رهانات مكافحة تغّير المناخ " (تشرين الثاني/ نوفمبرر 2023)، شوهد في 2024/2/7، فيhttps://bit.ly/3x0xIyS:
  2. يُعَدّ بروتوكول كيوتو، الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ، الذي جرى اعتماده في مدينة كيوتو - اليابان في 11 كانون الأول/ ديسمبرر 1997، ودخل حيّز التنفيذ في 16 شباط/ فبرراير 2005، أول إلزام قانوني للدول المتقدمة بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، على عكس اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية.

هذا التغير؛ إذ إنّ تكثيف الاستثمرات على نطاق واسع يُعدّ شرط ا أساسًا لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى حدّ بعيد. ثم إنّ تمويل العمل المناخي لا يختلف كثيرًا في درجة أهميته بالنسبة إلى التكيّف، بحيث تبررز الحاجة إلى موارد مالية كبيرة للتكيّف مع الآثار الضارة الناجمة عن تغّير المناخ22.

أ. ماهية تمويل العمل المناخي

لا يتوافر تعريف موحّد لمفهوم تمويل تغّير المناخ على الصعيد العالمي. فسكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ ترى أنّ كَّلَ تمويل يُخصّص للتخفيف من آثار تغّير المناخ والتكيّف معه، سواء أكان هذا التمويل من مصدر محلي أو وطني أو دولي، أم قائمًا على المشاركة بين القطاَعيَن العام والخاص أو جاء من مصادر بديلة أخرى، تمويلٌ مناخي23. أما في معهد الموارد العالمية، فقد خَلص الباحثان شالي فينوغوبال وشيلبا باتيل إلى أنّ مفهوم تمويل العمل المناخي ما يزال يواجه إشكالية غياب تعريف موَّحَد ومتفق عليه، إضافة إلى صعوبة التمييز بين التمويل العمومي والتمويل الخاص. غير أنّهم اعتمدا في تعريفه ثلاث مقاربات: الأولى هي المعنى الواسع لتمويل العمل المناخي، ويقصد به أيّ إنفاق للأموال في الأنشطة التي تحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة المسبّبة للاحتباس الحراري، أو التي تساعد المجتمع على التكيّف مع تغّير المناخ. والثانية هي المعنى الضيّق الذي يقصر النظر على التمويل الدولي الإضافي للمناخ. وبين هذَين المعنَييَن برز تعريف وسطٌّيٌ يحدّد التمويل المناخي بالتدفقات المالية من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية من أجل الاستجابة لتغّير المناخ24. من جانبه، عرّف النادي الدولي لتمويل التنمية التمويلَ المناخي بأنّه الجزء من المالية الخضراء المخصّص لغايات التخفيف والتكيّف، بما يحدّ من مخاطر التغّير المناخي25. ويمكن لتصنيفات التمويل المستدام وتعريفاته أن تغطي أهدافًا بيئية متعددة، تبدأ بالتخفيف من تغّير المناخ وتمتد لتشمل أهدافًا أوسع مثل التكيّف معه، وحمية الموارد المائية، والاقتصاد الدائري، ومعالجة النفايات، والحفاظ على التنوّع البيولوجي، وغير ذلك. ويمكن أن تشمل أيضًا الأهداف الاجتمعية وأهداف الحوكمة، وقد لا تشملها بالضرورة26. فعلى سبيل المثال، تُعِرِّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية Organisation for Economic Co-operation and Development, OECDالتمويلَ المناخي استنادًا إلى أشكال التمويل المستدام المعتمَدة حاليًا في العديد من الدول.

  1. United Nations, Climate Changes.
  2. الأمم المتحدة، العمل المناخي، "لماذا يتم تمويل الجهود المبذولة في العمل المناخي؟ "، 2021/9/29، شوهد في 2024/2/7، ف:ي https://bit.ly/3KrFTHC
  3. Shally Venugopal & Shilpa Patel, "Why Is Climate Finance So Hard to Define?" World Resources Institute, April 2013, accessed on 8/2/2024, at: https://bit.ly/3RcJnBD
  4. International Development Finance Club, "Common Principles for Climate Change Adaptation Finance Tracking," 30/11/2023, pp. 5-7 , a ccessed on 8/2/2024, at: https://bit.ly/4c702yJ
  5. Organisation for Economic Co-operation and Development, Developing Sustainable Finance Definitions and Taxonomies , Green Finance and Investment (Paris: OECD Publishing, 2020), accessed on 9/2/2024, at: https://acr.ps/1L9BPSc المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: B ergensia, The World's Sustainable Gazette, "The EU Taxonomy for Sustainable Activities," 19/1/2022, accessed on 7/8/2025, at: https://shorturl.at/Lz9o0

أما الاتحاد الأوروبي فيتبنّى تعريفًا للتمويل المستدام يجمع بين الاعتبارات الاجتمعية والأهداف البيئية27. ويُعَّد تصنيفه مميّزًا من حيث مستوى التفصيل في متطلبات الامتثال التي يفرضها، وهو الإطار الوحيد الذي يربط في تصنيفه بين ستة أهداف بيئية عبرر مبدأ "تجنّب الأضرار الجسيمة المتعدّدة الأبعاد". ويعرض الشكل (1) قائمة الأهداف الممكنة لتصنيفات التمويل المستدام وفقًا للتصنيف الأوروبي للأنشطة المستدامة Taxonomy EU، وهي تتضمن، إضافة إلى الأهداف البيئية الرئيسة الستة، الأبعاد الاجتمعية والحوكمة، ضمن إطار شامل للاستدامة.

الشكل (الشكل (1) الأهداف التي يصنّف بموجبها التمويل المستدام الأهداف التي يصنّف بموجبها التمويل المستدام

في سياق المقارنة بين التصنيفات المعتمدة في مختلف التشريعات، واستنادًا إلى المبادئ التوجيهية للشركات المتعددة الجنسيات، الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يُعَدّ أيّ نشاط اقتصادي مستدامًا ما لم يكن مندمجًا في نظام اقتصادي شامل، على نحو يتضمن مسارات وآليات متعددة تؤدي إلى تحقيق أهداف بيئية محددة28.

وُيكمن تصنيف التمويل المناخي استنادًا إلى مؤشرات ريوRio Markers؛ إذ أُدرِج المؤشر الأول المتعلق بالبيئة في سنة 1992، تلاه مؤشر التنوّع البيولوجي والتصحّر في سنة 1998، ثم مؤشر التكيّف مع تغّير المناخ في سنة 2010، وأخيرًا مؤشر التخفيف من آثار تغّير المناخ الذي أُدرِج كذلك سنة 1998. وتُعتمد هذه

  1. Ibid. يقارن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين تعريفات وتصنيفات التمويل المستدام الموجودة حاليًا في خمس مناطق هي: الاتحاد الأوروبي، والصين، واليابان، وفرنسا، وهولندا.
  2. Organisation de coopération et de développement économiques, Principes directeurs de l'OCDE à l'intention des entreprises multinationales sur la conduite responsable des entreprises (Paris: Éditions OCDE, 2023), accessed on 12/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BP6C

المؤشرات أداةً لرصد تمويل التنمية؛ فهي تهدف إلى تحقيق أهداف مؤتمر ريو، حيث يُطلب من المانحين، عند تقديم أيّ مشروع تمويل تنموي، الإفصاح عّما إذا كان المشروع يتضمن أهدافًا بيئية29، وذلك من خلال الإشارة إلى دراسة الأثر البيئي وتحليل جدوى المشاريع الاقتصادية. وبحسب مؤشرات ريو، يَز بين نوعين من التمويل المناخي: التمويل الذي يسعى لتحقيق الأهداف المناخية "المهمة"، والتمويل الذي يهدف إلى تحقيق الأهداف المناخية "الرئيسة". فالمشاريع ذات الأهداف "المهمة" هي التي تكون تُبنى أساسًا على أهداف رئيسة غير مناخية، لكنها صيغت أو عُِّدِلت لتُسهم في تحقيق أهداف مناخية؛ أي إنّه كان من الممكن تمويلها حتى في غياب العنصر المناخي. أما التمويل الذي يسعى لتحقيق الأهداف المناخية "الرئيسة"، فهو التمويل الذي تكون فيه الاعتبارات المناخية أو البيئية دافعًا وحافزًا رئيسًا، ولا يمكن تنفيذ المشاريع ذات الصلة لولا الهدف المناخي30. وستعتمد هذه الدراسة التعريف الذي قدّمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUnited Nations Development UNDP Programme,، الذي يشير إلى أنّ التمويل المناخي هو "مجموع الموارد والأدوات المالية المستخدمة لدعم العمل المناخي"، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في مكافحة تغّير المناخ، بالنظر إلى حجم الاستثمرات اللازمة للانتقال إلى اقتصاد عالمي منخفض الكربون، ومساعدة المجتمعات على بناء المرونة والتكيّف مع آثار تغّير المناخ31.

ب. أهمية التمويل المناخي عربًّيًا

يؤدي تغّير المناخ إلى تداعيات عديدة، مباشرة وغير مباشرة، على استقرار المجتمعات العربية. فقد نجم عن دورات الجفاف الممتدة وانكمش الموارد المائية انعكاسات واضحة على الواقع السياسي. ويرى بعض خبرراء البيئة أنّ هذه التداعيات المناخية كانت من بين أسباب اندلاع انتفاضات الربيع العربي32. وقد أشار تقرير صادر عن مركز التقدّم الأميركي33 بعنوان "الربيع العربي وتغّير المناخ" إلى توافر أدلّة على أنّ آثار تغّير المناخ شكّلت عوامل مضاعفة دافِعة إلى الاضطرابات الاجتمعية والسياسية34. وتحذّر العديد من الدراسات من أنّ أي تقاعس عن العمل المناخي سيكلّف البشرية ثمنًا باهظًا35، وأنّه يتطلب رص د مخصصات كبيرة لهذا الغرض. غير أنّ حال كثير من البلدان العربية غير مُواتٍ لهذا الأمر؛ إذ لا تتيح الموارد

  1. Organisation de coopération et de développement économiques, "Financement du développement lié au climat," accessed on 10/2/2024, at: https://bit.ly/3IRw0pe
  2. الإسكوا، "التمويل المناخي للمياه في المنطقة العربية."
  3. Programme des Nations Unies pour le développement, "Qu'est-ce que le financement climatique et pourquoi faut-il l'augmenter?" 20/10/2023, accessed on 8/2/2024, at: https://bit.ly/4bExfBy
  4. Colin P. Kelley et al., "Climate Change in the Fertile Crescent and Implications of the Recent Syrian Drought," Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) , vol. 112, no. 11 (March 2015), pp. 3241–3246, accessed on 5/8/2025, at: https://shorturl.at/EZjCm
  5. Caitlin E. Werrell & Francesco Femia (eds.), The Arab Spring and Climate Change: A Climate and Security Correlations Series (Washington, DC: Center for American Progress; Stimson Center; The Center for Climate and Security, 2013), accessed on 24/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BP3u
  6. Ibid.
  7. Kishan Khoday, "Comment la région des États arabes intensifie-t-elle son action climatique?" Programme des Nations Unies pour le développement, Climate Promise, 30/3/2022, accessed on 11/2/2024, at: https://acr.ps/1L9BOZc

المالية الوفاء بالتزاماتها، فضلًا عن تخصيص أموال إضافية للعمل المناخي، إضافة إلى ثِقَل الديون العامة في أغلب البلدان العربية. ومن هنا، تبررز أهمية التمويل الدولي لدعم العمل المناخي في المنطقة العربية. تتعدّد الأمثلة التي تبّين الأثر المباشر لضمن التمويل في الحد من آثار تغّير المناخ. فعلى الصعيد العربي، تُعَدّ قضية شُحّ الأمطار وندرة المياه تهديدًا بيئًّيًا مقلقًا للمجتمعات، ولم تفلح جهود معظم الدول العربية في التخفيف من حدّته. ويُعزى تفاقم أزمة المياه إلى أسباب متعدّدة، من أبرزها العجز عن توفير التمويل والاستثمر اللازم للحفاظ على مواردها المائية، علاوة على التأثيرات الناجمة عن تغّير المناخ36. ومع ذلك، نجحت بعض البلدان ذات الدخل المرتفع في تحقيق نتائج ملموسة عندما خصّصت استثمرات مهمة لتعزيز البحث العلمي والابتكار التكنولوجي في مجال معالجة ندرة المياه37. ففي المملكة العربية السعودية، التي تتصدّر دول العالم في إنتاج المياه المحّلة من البحر، أسهم الاستثمر في تقنيات التحلية في تحقيق وفورات مالية كبيرة، إضافة إلى خفض الانبعاثات الكربونية إلى حدّ بعيد. ومن الأمثلة الناجحة الأخرى: مصر التي استفادت من التمويل الدولي في حمية دلتا نهر النيل، والصومال التي ساعدها بناء السدود ونقاط المياه على تحسين الأمن الغذائي، وتعزيز النظافة، وضمن استدامة سُبل العيش39. وعلى الصعيد العالمي، مكّن التمويل الدولي ني بال، وهي من البلدان الأقل نمًّوًا، من تعزيز قدرتها على التأهّب للكوارث، وتوسيع نطاق الزراعة الذكية مناخيّا، واعتمد حلول مبتكرة قائمة على النظم الإيكولوجية. أما تشيلي، فقد تبنّت مبادرة رائدة عالميًا من خلال تخصيص قيمة نقدية لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي جرى تجنّبها عبرر عمليات إزالة الكربون، مثل التخلي عن استخدام الفحم.

2 ي. تمويل العمل المناخي ف المنطقة العربية بين تعدّد المصادر ومحدودية الفاعلية

تتعدّد مصادر تمويل العمل المناخي، وهي تشمل التمويل العام أو الخاص، والمصادر الوطنية أو الدولية، والثنائية أو المتعددة الأطراف. وتُستخدم لهذا الغرض أدوات متنوعة مثل الدعم، والمنح، والسندات الخضراء، والإسهام في رأس المال، وتبادل الديون، والضمنات، وغيرها40. وعلى الرغم من تعدّد هذه المصادر وتعاظم الجهود التي تب ذلها الدول العربية لتعزيز التمويل المسؤول والمستدام، ودعم الحوار حول تغّير المناخ والتمويل الأخضر41، فإنّ عدم الوفاء بالوعود التي قطعتها الدول المانحة على نفسها بشأن التمويل الدولي للمناخ يُعدّ هاجسًا أساسيًا؛ إذ لم تلتزم الدول الغنية بالوعد السنوي الذي انبثق من المحادثات العالمية منذ سنة 2009 بتقديم 100 مليار

  1. علي إسماعيل عبد الصمد وعادل محمد خليفة غانم، "تحديات الأمن المائي في المنطقة العربية الواقع وسياسات المستقبل"، أوراق السياسات الأمنية، السنة 4، العدد 1 (2023)، ص 8-1، شوهد في 2024/2/12، في: https://ln.run/WLsFR
  2. تتصدر المملكة العربية السعودية العالم في تحلية المياه، حيث بلغ إنتاجها من المياه المحلاة أكثر من 9 ملايين متر مكعب يوميّا. وهي تعتمد على التحلية بوصفها لا بديلًا لمعالجة شحّ المياه الذي تفرضه طبيعتها الصحراوية. يُنظر: منال الماضي وكارلوس كوسين، 9" ملايين متر مكعب...إجمالي إنتاج السعودية من المياه"، سي إن بي سي بالعربية، 2022/6/5، شوهد في 2024/2/11، في: https://ln.run/0cOil 38 الأمم المتحدة، العمل المناخي، "لماذا يتم تمويل الجهود المبذولة في العمل المناخي؟".
  3. المرجع نفسه.
  4. كلمة المدير العام لصندوق النقد العربي عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي. يُنظر: "الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية"، صندوق النقد العربي، 2023/4/30، شوهد في 2024/2/12، في: https://ln.run/-e2P ﻛوﺑﻧﮭﺎﻏن ﺻﻧدوق اﻟﺗﻛﯾّف United Nations, Sustainable Development Goals, "Climate Negotiations Timeline," accessed on 25/8/2025, at: https://shorturl.at/qsvfe

دولار أميركي للدول النامية عبرر القنوات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف وغيرها من أجل العمل المناخي. وحتى سنة 2023، لم يتحقق هدف جمع 100 ا مليار دولار أميركي، إضافة إلى أنّ توزيع الأموال لم يكن عادل42. ولتيسير توفير التمويل المتعلّق بالمناخ، أنشأت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية آلية لتوفير الموارد المالية للبلدان النامية وتحقيق أهداف بروتوكول كيوتو الملحق بها واتفاق باريس للمناخ. وتنصّ الاتفاقية على أنّ توظيف الآلية المالية يمكن أن يُعهد به إلى جهة أو أكثر على المستوى الدولي. وقد عمل صندوق البيئة العالمي GEF Fund, Facility Environment Global على التطبيق العملي لآلية التمويل منذ دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ في سنة 1994. وفي مؤتمر الأطراف السادس عشر COP16، الذي انعقد سنة 2010 في كانكون بالمكسيك، أُنشئ الصندوق الأخضر للمناخ، الذي بدأ عمله سنة 2011، تطبيقًا عملًّيًا لآلية التمويل. وإلى جانب هاتين المؤسستين، أُنشئ الصندوق الخاص بالبلدان الأقل نموًا LDCF Fund, Countries Developed Least، والصندوق الخاص بتغّير المناخ SCCF Fund, Change Climate Special، وكلاهم يُديره صندوق البيئة العالمي. وأُنشئ أيضًا صندوق التكيّف AF Fund, Adaptation بموجب بروتوكول كيوتو في سنة 200143. وقد تطوّرت المناقشات حول تمويل التخفيف من آثار تغّير المناخ والتكيّف معه منذ التوقيع على بروتوكول كيوتو في سنة 1997. وركّزت المفاوضات على توزيع الجهود المبذولة على الصعيد العالمي، وتطوّرت منذ انعقاد مؤتمر الأطراف في باريس سنة 2015 نحو التوصّل إلى توافق في الآراء بشأن الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل44.

الشكل (الشكل (2) المسار التفاوضي لتمويل المناخ في ضوء مؤتمرات الأطرافالمسار التفاوضي لتمويل المناخ في ضوء مؤتمرات الأطراف

  1. الأمم المتحدة، العمل المناخي، "التمويل والعدالة"، شوهد في 2024/2/12، في: https://ln.run/VgQxk
  2. United Nations, Climate Changes.
  3. La vie publique (La rédaction), "Le financement de la lutte contre le changement climatique," Vie Publique , 6/9/2021, accessed on 13/2/2024, at: https://ln.run/y3rcr

إنّ مواجهة تحدّي تغّير المناخ من خلال تعبئة الأموال اللازمة لا تقتصر على الجهات الفاعلة الحكومية، بل إنّ شبكات من المنظمت غير الحكومية صارت تشارك بفاعلية في التصدي لهذا التحدي، إلى جانب كيانات أخرى، عبرر إقامة شراكات مع السلطات المحلية من أجل دعم التخطيط للمناخ والطاقة في سياق التنمية المستدامة، وتعبئة التمويل اللازم لتنفيذ خطط المناخ المحلية45. وقد تجسّد هذا التوجّه بوضوح بعد انعقاد مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين، الذي وَّفَر إطارًا لتعبئة المجتمع الدولي وجميع الجهات الفاعلة القادرة على الإسهام في هذا الشأن، من أجل الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين46. وعلى الرغم من أهمية التمويل المناخي وتنويع مصادره، فإنّ أثره يظل محدودًا ما دامت موارد التمويل الذاتية للدول غائبة؛ إذ إنّ الاقتصار على مصادر التمويل الخارجي يرهن سياسات مجابهة تغّير المناخ بعامل خارجي، ويقلّص من هامش الحرية في اتخاذ القرارات. ومن بين مصادر التمويل الذاتي، تبررز الضرائب البيئية آليةً فعّالةً لدفع سياسات الحدّ من تغّير المناخ ومواجهة آثاره. وفي هذا الإطار، برزت تجارب لافتة للانتباه في تطبيق مبدأ "الملِّوِث يدفع ثمن ما لوّث" للحد من الآثار البيئية السلبية. وتعود الجذور الأولى للضريبة البيئية إلى أعمل آرثر سيسيل بيغو (1959-1877)، الذي اهتم باقتصاديات الرفاه، وكان أوّل من قدّم مفهوم العوامل الخارجية Externalities. وقد طرح الأساس النظري للضرائب البيئيّة الفعّالة، من خلال استيعاب التكاليف الخارجية47. وأصبحت الضرائب البيئية مقوّمًا أساسًّيًا من مقوّمات الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة. غير أنّ تطبيقها يحتاج إلى تحديث النظم الضريبية، على نحو يوفّر نظامًا ضريبًّيًا بيئًّيًا فعّ لًا يستوعب مضامين الانتقال الأخضر، ويمدّ هذه الجهود بموارد ذاتية تُعين في مواجهة تغّير المناخ. وتُظهر التجربة الدولية دلائل واضحة على إمكانية تطبيق تدابير ضريبية، سواء كانت عامة أو قطاعية، في مختلف مجالات حمية البيئة والحفاظ عليها48. وإلى جانب هذه الآليات التمويلية، برزت أهمية المؤسسات المالية الإنمائية الوطنية بوصفها أداةً محوريةً في تعزيز أهداف التنمية المستدامة العالمية، لا سيّم ما يتعلق منها بالعمل المناخي والبيئة. وقد أصدرت هذه المؤسسات إعلانًا مشترك 2020ًا سنة خلال قمة التمويل المشترك، أكّدت فيه التزامها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس49. ويسهم تخضير المؤسسات المالية الإنمائية الوطنية في تعزيز فاعلية التمويل الأخضر المرتبط بالمناخ، ورفع نجاعته على المستوى القُطري.

  1. Institut de la francophonie pour le développement durable, "Planification du développement local et accord de Paris, comment la rendre cohérente avec ses objectifs?" Réseau, Climat & Développement (2018), accessed on 13/2/2024, a t: https://tinyurl.com/3dfpcrwm
  2. Note de présentation de l'association climate chance," Climate Chance , accessed on 14/2/2024, at: h ttps://ln.run/L5LqD
  3. Arthur Cecil Pigou, The Economics of Welfare (London: Macmilan & Co, 1920). للتوسّع في هذا الموضوع، يُنظر: محمد صدوقي، "الضرائب الخضراء في العالم العربي بالإشارة إلى حالات المغرب والأردن وتونس"، استشراف للدراسات المستقبلية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.236-206
  4. Service de recherche du parlement européen, "Comprendre la fiscalité environnementale," Janvier 2020, accessed on 14/2/2024, at: https://ln.run/PS0kC
  5. جان بيمسي، "المؤسسات المالية الإنمائية الوطنية وكيف يمكنها التوسع في التمويل الأخضر"، مدونات البنك الدوليي، 2024/4/16، شوهد في 2024/2/15، في: https://ln.run/7AC1c

على الصعيد العربي، تُطِوِّر بعض البلدان العربية آليات تمويل مبتكرة؛ من بينها الطرح الأّولّي للسندات الخضراء الذي أطلقته مصر، والتسهيلات الخاصة بتمويل المناخ التي اقترحها لبنان ومنظمت إقليمية أخرى. ويمكن لهذه المبادرات أن تساعد في إثبات جدوى السندات الخضراء للشركات التي يُحتمل أن تُقدِم على إصدارها. وتكتسب آلية مقايضة الديون مقابل العمل المناخي زخمًا متزايدًا، نظرًا إلى كونها فرصة ثمينة لإعادة توجيه التزامات الديون نحو الوفاء بالالتزامات المناخية50. وتقضي هذه الآلية بتحويل مدفوعات الديون الخارجية التي تخدم الديون الوطنية إلى استثمرات محلية لتنفيذ مشاريع قادرة على التكُّيُف مع تغُّير المناخ، وذلك عبرر ترتيبات تعاونية بين الأطراف المدينة والدائنة والجهات المانحة. ويستفيد الطرف المدين من هذه الصيغة التمويلية امتيازات كثيرة، أبرزها: الإعفاء من دفع فوائد الديون الخارجية، وزيادة حجم الاستثمرات في مشاريع التكُّيُف مع تغُّير المناخ، وتسريع وتيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إضافة إلى دعم تنفيذ اتفاق باريس وتعزيز الالتزامات الوطنية المتعلقة بالتكُّيُف والتخفيف51.

3 ي. آليات تمويل العمل المناخي ف التجارب العربية

أشار تقرير "سدّ الفجوة: تحدّي التمويل المناخي في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا" إلى أنّ التمويل الموافق عليه والمخصّص لدعم ملف المناخ في الدول العربية المعنية، بما في ذلك التمويل المشترك، بلغ 24.4 مليار دولار أميركي. ويُعَدّ هذا المبلغ جزءًا من الالتزامات الواقعة ضمن خطة الإسهامات المحددة وطنيًا التابعة للأمم المتحدة52. وفي هذا السياق، طوّرت البلدان العربية استراتيجيات للحصول على التمويل المناخي، في إطار مشروع تمويل العمل المناخي القائم على تحديد الاحتياجات. وقد وُِّزِعت الأنشطة والمشاريع المرتبطة بغايات التكيّف أو التخفيف، ومُوّلت وفقًا لأولويات واحتياجات حقيقية تحدّدها الدراسات أو التقييمت الميدانية، وليس بناءً على معايير عامة أو فرص التمويل المتاحة فحسب. وقد أبرزت الاستراتيجية العربية في هذا الاتجاه الاحتياجات التمويلية الضرورية، من خلال حشد الموارد من الصناديق العالمية، وخصوصًا تمويل التكيّف الذي جعلته أولويتها الإقليمية53.

تُظهر آليات التمويل الدولية أنّ بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا مؤهّلة للحصول على التمويل من 24 صندوقًا دوليًا معنيًا بالمناخ والبيئة54، تتقدّمها صناديق الاستثمرات المناخية، ومر فق البيئة العالمية، والصندوق الأخضر للمناخ55. وتؤدي هذه الصناديق، إلى جانب صندوق التكنولوجيا النظيفة، دورًا حاسمًا في تمويل العمل المناخي56.

  1. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) [وآخرون]، "مشروع تمويل العمل المناخي على أساس الاحتياجات: استراتيجية الدول العربية للحصول على تمويل العمل المناخي وتعبئته 2030–2022"، تموز/ يوليو 2022، ص 7، شوهد في 2024/2/16، ف:ي https://ln.run/HIk4E
  2. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، "آلية مقايضة الديون مقابل العمل المناخي/ أهداف التنمية المستدامة" (كانون الأول/ ديسمبرر 2020)، شوهد في 2024/2/16، فيhttps://ln.run/AtEpJ:
  3. Jessica Obeid & Alice Gower, "Mind the Gap: Highlighting MENA's Climate Finance Challenge," SRMG Think's Research & Advisory (December 2023), p. 5, accessed on 17/3/2024, at: https://ln.run/L1ohQ
  4. الإسكوا [وآخرون.]
  5. Climate Funds Explorer," NDC Partnership , accessed on 6/7/2025, at: https://shorturl.at/WTeUB
  6. يشكل كلّ من صندوق مرفق البيئة العالمية والصندوق الأخضر للمناخ جزءًا من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ.
  7. Obeid & Gower.

تشرين الثاني/ نوفمبرر 202357.

المستفيدة منها حتى سنة 2023 (مليون دولار أميركي.)

توزيع المخصصات المرصودة لبعض الدول العربية حتى عامتوزيع المخصصات المرصودة لبعض الدول العربية حتى عام 2023

ﺳورﯾﺔ

ومع ذلك، فإنّ حصة منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا من التمويل المناخي عبرر الصناديق العالمية الثلاثة الكبررى وصناديقها الفرعية لا تتجاوز 6.6 في المئة من إجملي التمويل المناخي العالمي، بدايةً من

ومن أبرز الصناديق العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا Africa, North and East Middle MENA صندوق التكنولوجيا النظيفة CTF Fund, Technology Clean، الذي يُعَدّ الموزّع الرئيس لتمويل مرفق البيئة العالمية في المنطقة، بميزانية تبلغ 824.2 مليون دولار أميركي. وتُعدّ آلية الصندوق الأخضر للمناخ المستقلة للطعون من الصناديق البارزة؛ إذ رُصد لها مبلغ 320.6 مليون دولار أميركي لتنفيذ مهمتها في المنطقة، وهي تتركّز في معالجة الدعاوى المقدّمة من الأشخاص المتضررين، وتوفير سُبل إنصافهم، إضافة إلى تحسين أداء تمويل الصندوق في مجال المناخ، وإعادة النظر في الطلبات المقدّمة من البلدان النامية بشأن مقترحات التمويل التي رفضها مجلس الصندوق. وإلى جانب هذين الصندوقين، يوجد صندوق التكيّف الذي رُصِد له مبلغ 101.2 مليون دولار أميركي، إضافةً إلى صناديق أخرى تهتم بمواضيع مختلفة، مثل مرفق البيئة العالمي (2.5 مليون دولار أميركي)، والمشروع الرائد للمرونة المناخية Resilience, Climate for Program Pilot PPCR (1.3 مليون دولار أميركي)، وغيرها58. وُيبُررز الشكل (3) مبالغ التمويل المعتمدة والدول العربية

الشكل (الشكل (3) 2023 (بالمليون دولار أميركي) (بالمليون دولار أميركي)

  1. Ibid. Climate Funds Update, "Recipient Countries in the Middle East and North Africa," Heinrich Böll Stiftung, 2024, accessed on 17/3/2024, at: https://ln.run/fKkuZ
  2. استنادًا إلى المعطيات والبيانات التي يُحِدِّثها ويقدّمها الصندوق الأخضر للمناخ. ينظر: المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: Climate Funds Update, "Recipient Countries in the Middle East and North Africa," Heinrich Böll Stiftung, 2024, accessed on 17/3/2024, at: https://ln.run/fKkuZ

إنّ البلدان العربية التي ت تلقى أعلى مستويات التمويل هي التي سعت لتنويع مصادرها التمويلية باللجوء إلى عدة صناديق. فقد حظي المغرب بنصيب أكبرر من التمويل الذي أتاحته الصناديق الثلاثة الرئيسة للمناخ على المستوى الدولي؛ إذ بلغ مجموع تمويلاته نحو 774.8 مليون دولار أميركي، تليه مصر بمبلغ 448.5 مليون دولار أميركي، ثم الأردن ب 57.5 مليون دولار أميركي، فتونس بنحو 49 مليون دولار أميركي. وتُشكّل هذه الدول الأربع مجتمعةً نحو 86 في المئة من إجملي التمويل المناخي المعتمد لخمس عشرة دولة عربية. و نوّه بأنّ المغرب وتونس ومصر في إمكانها، بالنظر إلى الموقع الجغرافي بكل منها، الحصول على التمويلات المناخية المخصّصة للقارة الأفريقية، إضافة إلى الأموال ذات الاختصاصات الجغرافية الأوسع. في مقابل ذلك، لم تتمكّن دول في أمسّ الحاجة إلى التمويل، مثل اليمن والعراق وسورية وليبيا، إلا من الحصول على دعم محدود عبرر مرفق البيئة العالمية، إلى جانب أربع من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي يُحتمل أنّ وضعها المالي القوي جعلها أقل استفادة من التمويل الدولي. وتبقى مخصصات هذا التمويل أقل كثيرًا من الموارد المتاحة لدى الصناديق الرئيسة الأخرى59. ويُتبّين من مراجعة عمليات الإنفاق، أنّ الدول التي حصلت على أعلى مستويات التمويل كانت هي الأقدر على تنفيذ المشاريع المقترحة، وجذب التمويل المشترك، ووضع خطط استثمرية، وصياغة مقترحات التمويل60. وعلى الرغم من أهمية النظام المالي الدولي ودوره الحاسم في دعم الاستثمر في العمل المناخي وبناء المرونة المناخية على المستوَييَن المحلي والوطني، فإنّه - بحسب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش - يظلّ "محدود الأفق وعرضة للأزمات"، لا سيّم أنّ إنشاءه سبق الاهتمم بقضية تغّير المناخ61. فالنظام القائم على آليات السوق وإقراض الدول من أجل المناخ والتنمية المستدامة، لا يُعدّ مناسبًا لأن المزيد من البلدان غير قادرة على تحمّل أعباء الديون62. وقد أسهم تأويل البنك الدولي لمفهوم الحوكمة في إخضاع السياسات البيئية لآليات السوق، مع تحوّل مفهوم الحوكمة إلى أكثر من أيديولوجيا، على الرغم من صعوبة إخضاع سياسة التسويق البيئي Environmental Marketing Policyوقواعد التسويق البيئيEnvironmental Marketing Rule لآليات السوق63. ومع ذلك، تمكّنت بعض المنظمت غير الحكومية، من خلال مشاركتها في صياغة قرارات تمويل عدد من مشاريع البنك الدولي في مختلف أنحاء العالم، من دفعه إلى اعتمد تقييمت الأثر البيئي في العديد من تلك المشاريع64. وعلى الرغم من هذه الجهود، فإنّ سياسات البنك التمويلية ظلّت تركّز على المشاريع الضخمة، من دون أن تولي اهتممًا كافيًا للمشاريع الصغيرة التي توظّف اليد العاملة المحلية.

  1. Obeid & Gower.
  2. Ibid. ومن المشاريع التِي عزّزتْ استفادَة كلّ من المغرب ومصر من التمويل الدولي في مجال المناخ، مشروع الطاقَة الشمسَّيَة نور 1 ونور 2 في المغرب، والاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون في مصر.
  3. التمويل والعدالة"، الأمم المتحدة، شوهد في 2024/03/17 في: https://bit.ly/3ISKx4j
  4. المرجع نفسه.
  5. الحسين شكراني، "نحو حوكمة بيئية عالمية"، رؤى استراتيجية، مج 2، العدد 8 (تشرين الأول/ أكتوبر 2014)، ص.40
  6. Paul J. Nelson, "Deliberation, Leverage or Coercion? The World Bank, NGOs, and Global Environmental Politics," Journal of Peace Research , vol. 34, no. 4 (November 1997), p. 467.

إنّ اعتمد التمويل الأخضر والشامل يُعَدّ مقاربة للتمويل المستدام، تؤّك د الصّلة الواضحة بين آثار تغّير المناخ والشمول المالي65، وذلك في إطار حوكمة السياسات البيئية، وإرساء أسس ماليّة خضراء موَّجَهة إلى تحقيق التنمية المستدامة. ويشمل ذلك تقييم أثر السياسات المالية والموازنة في البيئة، في ارتباطها بتنفيذ الالتزامات على الصعيدين المحلي والعالمي. ثمّ إنّ إدماج الأبعاد البيئية ضمن أطر الموازنة العامة يساعد على ربط المسؤولية بالمحاسبة في السياسات الحكومية، بحيث تصبح أكثر خضوعًا للمساءلة عن التزاماتها البيئية66.

ثانيًا: دور التمويل الأخضر يف تعزيز مرونة المجتمعات المحلية العربية

إنّ تعزيز مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة التغّيارت المناخية يتطلب إبراز الآثار المتوقّعة من هذه الظاهرة في العالم العربي، وتسليط الضوء على عدد من المجالات الحيوية التي تتأثر بها، وهو أمر يتوقّف على العديد من العوامل، في مقدّمتها توافر التمويل المستدام. وهذا ما نعرضه لاحقًا.

1. المرونة المناخية بوصفها ركيزة للتنمية المحلية المستدامة

غالبًا ما تُؤدّي التداعيات الناجمة عن تغّير المناخ، بما لها من وقع فجائي، إلى آثار سلبية عديدة بالنسبة إلى المجتمعات المحلية الهشّة، وهذا الأمر يهدّد استقرارها الاقتصادي والاجتمعي. ويقتضي ذلك أن تغّير هذه المجتمعات أساليب تعاملها مع الأزمات المناخية، على نحو يمكّنها من استيعاب ما ينتج منها من ظروف قاسية67، ويتيح لها مرونة كافية لمواجهة التغّيارت المناخية. و"المرونة" مفهوم تتعدّد معانيه وتختلف وفقًا للمجال العلمي الذي يوظّفها، والسياق الذي ترد فيه، والغاية التي تستهدفها68. ويُقصد بمرونة المجتمعات المحلية قدرتها على التكيّف مع المخاطر الطارئة التي تهدّد استقرارها، والحفاظ على مستوى معّين من الأداء بفضل قدرات النظام التي تتيح له الاستمرارية. وقد تشير المرونة إلى خاصية جوهرية في نظام ما يُعرف ب "حالة المرونة"، أو عملية لاحقة تُسمّى "زمن المرونة"، حيث يستعيد النظام نشاطه بعد حالة انقطاع. ويرتبط هذا المفهوم اليوم ارتباطًا وثيقًا بمفهومَي التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر.

  1. Natalia Realpe Carrillo & Alexander Reviakin, "La finance durable dans la région MENA: État de développement, défis et opportunités," Rapport de la Facilité d'Assistance Technique du Fonds SANAD pour les MPME (2022), p. 10.
  2. Organisation for Economic Co-operation and Development, Aligning Regional and Local Budgets with Green Objectives: Subnational Green Budgeting Practices and Guidelines , OECD Multi-level Governance Studies (Paris: June 2022), accessed on 19/3/2024, at: https://tinyurl.com/4tj9vw66
  3. Debra D. Joseph & Roshnie A. Doon (eds.), The Impact of Climate Change on Vulnerable Populations: Social Responses to a Changing Environment (Switzerland: MDPI, 2023), p. 1.
  4. تعتمد الدراسة كلمة "مرونة" ترجمةً عامة للمصطلح الإنكليزي Resilience، وهي تعني قدرة المجتمع على التكيّف والتغّير وتعديل سلوكياته لمواجهة تحديات المناخ، وتتضمّن هذه الكلمة معنى الصمود والقدرة على التكيّف. أما كلمة "صمود" فتُستخدم في النص عندما يتعلق الأمر بمعنى الثبات والاستمرار في التحمّل، وهو معنى مستمد من المادة الرابعة من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ لسنة 1992.

وعلى الصعيد المحلي، تتجلى المرونة في قدرة المجتمعات على الصمود فييي مواجهة المخاطر من خلال حركتها التي تمكّنها من التوقّع والرصد والتكيّف والتجدّد، بحيث ترتقي إلى حالة جديدة من التوازن من دون فقدان وظائفها الأساسية69. ويبررز هذا الترابط في الدور المتنامي للجهات الفاعلة غير الحكومية والمجتمعات المحلية والمدن، إلى جانب المبادرات العابرة للحدود والكيانات العامة والخاصة، في التصدي لتغّير المناخ70. أشرنا، من قبل، إلى أنّ تعزيز مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة التغّيارت المناخية يتطلّب إبراز الآثار المتوقّعة من هذه الظاهرة في العالم العربي، فضلًا عن تسليط الضوء على عدد من المجالات الحيوية التي تتأثر بها. وعلى صعيد أزمة المياه، يُتوقع أن تتفاقم معاناة الأردن نتيجة انخفاض كميات المياه الضرورية للزراعة والمدن والشركات والأنظمة الاجتمعية؛ إذ تشير التقديرات إلى أنّ نصيب الفرد من المياه سينخفض بنسبة %30  بحلول سنة 2040، بل إنّ الأمر سيزداد تفاقمًا في ظل أوضاع النمو الديموغرافي والاقتصادي. أما في مصر، فسيؤدّي ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات التبخّر، وندرة الأمطار في حوض النيل، إلى تراجع حادّ في الموارد المائية. وتشير تقديرات الم جلس الأطلسي إلى أن البلاد ستشهد بحلول سنة 2050 انخفاضًا في إنتاج الغذاء بنسبة 5.7 %، في حين سيتجاوز نمو السكان نمو المحاصيل الزراعية بنحو 37 %71. ويُحذّر البنك الدولي من أنّ تراجع هطول الأمطار بنسبة 10 % في قطاع غزة بفلسطين يهدّد بانخفاض المياه الجوفية بنسبة تراوح بين 14 و 24 %72. وفي المغرب، يُتوقّع أن تتراجع صادرات الصناعات الغذائية والزراعية بما قيمته 891 مليون دولار أميركي سنويًا، نتيجة انخفاض المخزون المائي بنسبة 25 %، لا سيّم حين تتزامن هذه الظاهرة مع آثار أخرى لتغّير المناخ73. وقد خَلص تقرير أصدره المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية متعلق بمستقبل الفلاحة في المغرب، في سياق ندرة المياه البنيوية، إلى أنّ الأزمة لا ترتبط بالتغّيارت المناخية فحسب، بل إنها تفاقمت بالنظر إلى السياسات العمومية غير المواتية المَّتبَعة في هذا المجال أيضًا. فقد أسهمت الاختيارات السياسية في استنزاف المياه الجوفية من خلال تدابير تفتقر إلى الحوكمة والرقابة، إضافة إلى توجيه الإنتاج الزراعي العالي المردودية نحو التصدير، في حين ركّزت السياسة الزراعية أكثر فأكثر على هذا الصنف من الزراعة على حساب تلبية المتطلبات المحلية المرتبطة بتحقيق الأمن الغذائي وتوفير الأطعمة الأساسية، وهو ما يتعارض مع مبدأ السيادة الغذائية الذي يكفل حقّ الشعوب في وضع السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بضمن أمنها الغذائي والحصول على الغذاء الصحي والمستدام74.

  1. Clara Villar & Michel David, "La résilience, un outil au service des territoires," in: International Seminar Towards Sustainable Territorial Intelligence: the Scales of the Resilience, 2 nd Great-West Meeting of Territorial Intelligence: Les échelles de la résilience (Roscoff, France: 22-23/5/2014), halshs-01052904.
  2. Intergovernmental Panel on Climate Change, "Climate Change 2022: Mitigation of Climate Change," Working Group III contribution to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (2022), p. 2.
  3. Climate profile: Egypt," Atlantic Council, accessed on 21/3/2024, at: https://bit.ly/4mpb1bG
  4. The World Bank Group, "Climate Change Action in the Middle East and North Africa – Key Insight From Country Climate and Development Reports," Country Climate and Development Report (2023), p. 3, accessed on 21/3/2024, at: https://tinyurl.com/4azbyz73
  5. The World Bank Group, "Morocco - Country Climate and Development Report (CCDR)," Background Paper - Water Scarcity and Droughts (English) (2023), p. 20, accessed on 1/7/2024, at: https://tinyurl.com/mprnewef
  6. Institut Royal des Études Stratégiques, "L'avenir de l'agriculture au Maroc dans un contexte de la rareté structurelle de l'eau: Rapport de synthèse des travaux de la journée de réflexion prospective," 28/2/2024, accessed on 28/3/2024, at: http://bit.ly/47EYKvO

وعلى صعيد التنمية الحضرية والنقل، تُصَّنَف مصر في المرتبة الخامسة عالميًا من حيث التأثيرات الاقتصادية المحتملة لارتفاع مستوى سطح البحر في المناطق الحضرية؛ إذ تشير التقديرات إلى أنّ هذا الارتفاع سيكلّفها نسبة 1 % من الناتج المحلي الإجملي سنويًا بحلول سنة 2030، وفق سيناريو لارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل متوسط75. أما في قطاع السياحة، فمن المتوقع أن تتجاوز الخسائر في عائدات السياحة بمصر في مناطق سهل حشيش وخليج مكادي على البحر الأحمر وحدها ما يناهز 127 مليون دولار أميركي سنويًا بحلول سنة 205076. وفيم يتعلّق بالتنمية البشرية، فإنّ تراجع الإنتاج الزراعي في المناطق المعتمدة حصريًا على الأمطار سيؤدي إلى تزايد الهجرة نحو المناطق الحضرية، ليصل عدد المهاجرين إلى نحو 1.9 مليون نسمة بحلول سنة 205077. وعلى غرار بلدان شمل أفريقيا، تواجه تونس تحديات في التنمية والتغّيارت المناخية متمثّلة في ندرة المياه وتآكل السواحل. وتُقَدَّر الخسائر الاقتصادية المتوقّعة من جرّاء ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 1.6 مليار دولار أميركي، مع توقّع تضرّر ما يقارب 24 % من السكان المقيمين في المناطق الساحلية بحلول سنة 2050. وقد تبنّت البلاد استراتيجية للتحوّل البيئي تهدف إلى ترسيخ حوكمة مؤَّسَسية نظامية ومشتركة بين القطاعات وعلى المستوى الإقليمي، وتوفير آليات تمويل مكيّفة وميَّسر ة، وتعزيز قدرات التكيّف والمرونة بالنسبة إلى القطاعات والبيئات والسكان، إضافة إلى تقليل كثافة الكربون تدريجًّيًا من أجل تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 205078.

2. ا لعمل المناخي المحلي وبناء مرونة المجتمعات المحلية

زاد اهتمم المجتمعات المحلية في البلدان العربية بمسألة تغّير المناخ، وذلك من خلال تبنّي مقاربات تمّك نها من بناء مرونتها في مواجهة التغّيارت المناخية. ويتجّلى ذلك بوضوح في عدد من التجارب الناجحة في مجال العمل المناخي.

أ. أهمية المقاربات المحلية يف التكيّف مع التغّير المناخي

إذا كانت المدن والتجمعات البشرية تُسهم بنحو 80 % من الناتج المحلي الإجملي العالمي، فإنّها في المقابل تُسهم بالقسط الأكبرر في التغّيارت المناخية؛ إذ تستهلك نحو 78 % من الطاقة العالمية، وتنتج أكثر من  %60 من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري79. وفي ظلّ تنامي المخاطر المحدقة بالبيئة والإنسان، عملت الأمم المتحدة، عبرر مكتبها المعني بالحد من مخاطر الكوارث، على وضع خطط تهدف إلى رفع مستوى الوعي بهذه القضية، والحصول على دعم صانعي القرار لتطوير فهم أعمق للمخاطر80، وترسيخ قناعة بأنّ إنجاز خطة التنمية المستدامة لسنة 2030 لن يكون ممكنًا "دون العمل على تعزيز المرونة على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية81.

  1. The World Bank Group, "Climate Change Action in the Middle East and North Africa – Key Insight From Country Climate and Development Reports," p. 3.
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. The World Bank Group, Tunisia Country Climate and Development Report (Washington, DC: 2023), accessed on 25/8/2025, at: https://ln.run/zZbZv
  5. الأمم المتحدة، العمل المناخي، "المدن والتلوث "، 2020/10/31، شوهد في 2024/3/29، في: https://acr.ps/1L9BPj4
  6. مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، شوهد في 2024/4/13، في: https://acr.ps/1L9BPB4
  7. المرجع نفسه.

وقد بادرت بعض المدن العربية إلى اعتمد توجّهات مبتكرة في تخطيط المدن وبنائها، على نحو ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ويعزز الصمود في مواجهة التغّيارت المناخية. ومن أبرز هذه التوجّهات إدماج برنامج "مدن مرنة 2030" ضمن خططها الاستراتيجية لبناء مدن مرنة وتحقيق تنمية مستدامة82. للحدّ من مخاطر الكوارث، اتّجه مكتب الأمم المتحدة إلى دعم الأنشطة التي تعزّز المرونة والتنمية الحضرية المستدامة، وذلك من خلال إطلاق حملة مُتكّن المدن من بناء مرونتها، واعتمد مقاربة متعددة الأبعاد تجعل القدرة على التكيّف جزءًا من مخططاتها التنموية، إضافة إلى العمل على توفير الموارد المالية الضرورية لذلك، ووضع خطط مالية تستند إلى فهم الآثار الاقتصادية للكوارث وتقييمها83. وفي السياق نفسه، دعا مؤتمر الأطراف السادس والعشرون COP26، الذي أقرّ "ميثاق غلاسكو للمناخ"، إلى مضاعفة التمويل لدعم الدول النامية في التكيّف مع آثار تغّير المناخ وبناء المرونة84. ووضع صندوق الأمم المتحدة للمشاريع الإنتاجية آليةً معترفًا بها دوليًا لتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على بناء المرونة، وهي آلية تتيح توجيه أموال العمل المناخي إلى السلطات المحلية في البلدان النامية، على نحو يساعدها على تحقيق أهداف اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة، لا سيّم الهدف الحادي عشر الذي ينصّ على جعل المدن والتجمعات البشرية آمنة وقادرة على الصمود85. وفضلًا عن ذلك، زادت المساعي العربية الرامية لتعزيز مرونة المدن، وحشد التمويل اللازم للحد من مخاطر الكوارث واندلاع النزاعات، وذلك انسجامًا مع إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث Framework Sendai86، ومع الاستراتيجية العربية للحد من مخاطر الكوارث 203087.

ب. تجارب عربية

شَهِد العالم العربي عددًا من التجارب الناجحة فييي مجال العمل المناخي، أفضت إلى نتائج ملموسة على المستوَييَن الجغرافي والقطاعي، وقد استندت إلى التشخيص المسبق لأنواع المخاطر المناخية. تبررز في هذا السياق تجربة مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، بوصفها مدينة رائدة عالميًا في تحلية المياه ومواجهة التحديات الناجمة عن تغّير المناخ، وخصوصًا الفيضانات. فقد اتّخذت المدينة تدابير متعدّدة

  1. سليم روحانا، "تغيير النظرة والأدوات للتعامل مع المدن والتغّير المناخي"، مدونة المعهد العربي لإنماء المدن، العدد 2 (كانون الثاني/ يناير 2024)، ص.13
  2. المرجع نفسه، ص.122
  3. الأمم المتحدة، العمل المناخي، "التكيّف مع تغّير المناخ"، شوهد في 2024/4/14، في: https://acr.ps/1L9BPrE
  4. Nations Unies sur les changements climatiques (UNCC), "Négociations internationales sur le changement climatique: Mettre l'expérience du LoCAL à profit dans les négociations sur le changement climatique," accessed on 15/4/2024, at: https://ln.run/i7EYE
  5. اعتُمد إطار سنداي للحدّ من مخاطر الكوارث للفترة 2030-2015، خلال مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الثالث الذي انعقد بسنداي باليابان في 18 آذار/ مارس.2015
  6. يُنظر: جامعة الدول العربية، الإستراتيجية العربية للحد من مخاطر الكوارث 2030، شوهد في 2025/10/2، في: https://acr.ps/1L9BPtt

لمعالجة إدارة المياه وإعادة استخدامها، مم مثّل نموذجًا في إدارة استدامة المياه يعكس الشراكة بين القطاَعيَن العام والخاص88. أما دولة قطر، فقدّمت تجربة بارزة من خلال توجيه استراتيجياتها الوطنية، المتمثّلة في "رؤية قطر الوطنية 2030"، واستراتيجيّتَي التنمية الوطنية الأولى والثانية، نحو العناية بقضية تغّير المناخ، من خلال الاعتمد على تعزيز الجاهزية والمرونة. وفي هذا الإطار، أُطلِقت الخطة الوطنية للتغّير المناخي NCCAP – Plan Action Change Climate National سنة 2021، وعملت الدولة على تحقيق هدف الحياد الكربوني خلال استضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم في سنة 2022. وسعت، أيضًا، لتطوير مفاهيم المدن المستدامة عبرر تجارب مشهودة في مدن جديدة، أبرزها مدينة لوسيل، وأحياء مطوّرة، مثل حي مشيرب، إضافةً إلى إنشاء أحد أكبرر الموانئ الخضراء في العالم، هو ميناء حمد، وقد وفّرت أيضًا أنظمةَ نقلٍ صديقة للبيئة89. أما في غزة بفلسطين، فقد جرى التركيز على قطاع التعليم والتربية من خلال إعادة بناء المؤسسات التعليمية مع دمج "البنى الأساسية الإيكولوجية المستدامة والطاقة المتجددة فيها"، فضلًا عن تنظيم حملات لزراعة الأشجار وإعادة استخدام النفايات، وذلك في إطار مبادرة "نحو مدارس مستدامة في غزة"90. وفي مدينة القاهرة، التي تُعدّ مسؤولة عن نحو 40 % من إجملي الغازات الملِّوِثة الناتجة من قطاع النقل في مصر، جرى تنفيذ برنامج "تخريد" المركبات، حيث أُطلق برنامج لاستبدال سيارات الأجرة وإعادة تدويرها على أساس طوعي91. أما في الإمارات العربية المتحدة، فتُعَدّ مدينة "مصدر" بأبوظبي نموذجًا رائدًا للمدن الخالية من الكربون والنفايات والمركبات. فهي تستند في تنميتها إلى الاستدامة في أبعادها الاقتصادية والاجتمعية والبيئية. وفي لبنان، تتأثّر البلديات والمدن بتغّير المناخ على نحو متفاوت، نتيجة ضعف الخبررة التقنية والموارد المالية والبشرية، إضافة إلى التشريعات غير المرنة وآليات الرصد غير الفعّالة، وهو ما يعوق التكيّف الأمثل مع التغّير

  1. إليانا أرنودوفا [وآخرون]، "دراسات حالات عن العمل المناخي على الصعيد المحلي"، في: العمل المناخي المحلي في المنطقة العربية: الدروس المستفادة والآفاق المستقبلية، ميار ثابت (محرر) (الجيزة: البنك الإسلامي للتنمية؛ برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية المكتب الإقليمي للدول العربية، مركز بحوث الإسكان والبناء، 2019)، ص 51، شوهد في 2024/4/16، في: https://tinyurl.com/s7hvc5wy
  2. على طريق الاستثمار في الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في دولة قطر"، استثمر قطر، 2022/5/23 شوهد في، 2024/6/10، ف:ي https://tinyurl.com/h7c7vadd
  3. أرنودوفا [وآخرون]، ص 53. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأنظمة البيئية في فلسطين، ولا سّيمّا في قطاع غزة، قد تعرّضت لإبادة ممنهجة بسبب استخدام الاحتلال الإسرائيلي أسلحةً ممنوع استعمالها دوليًا، مثل الفسفور الأبيض الحارق، ما أدّى إلى تدمير الأشجار، واندلاع حرائق أتت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ولوّثت التربة والمياه والهواء. وقد حذّر تشارلز بيرش، الذي يعمل في دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام Service Action Mine Nations United من أنّ القصف على غزة قد يؤدّي إلى "تلوث يصل إلى درجة لا تُصَدَّق، مماثلة لما شهدناه خلال الحرب العالمية الثانية". ينظر: Alerte Pollution, "Gaza, terre écocidée," Le club de Mediapart , 10/12/2023, accessed on 11/6/2024, at: https://bit.ly/4mnbHOP وتجدر الإشارة إلى أنّ "الإبادة البيئية" Ecocide، هي "مصطلح قانوني يشير إلى أفعال متعمّدة غير قانونية تهدف لتدمير النظام البيئي على نحو يعطّل وظائفه الطبيعية بصورة كارثية، وهو ما يؤثر كثيرًا في كلّ أشكال الحياة ومن ضمنها البشر". ينظر: Nadia Belaïdi & Raphaël Porteilla, "Écocide - Un outil juridique de transition?" Vocabulaire critique & spéculatif des transitions, p. 1, accessed on 23/8/2025, at: https://shorturl.at/LHCfk
  4. أرنودوفا [وآخرون]، ص.55

المناخي. ولا شكّ في أنّ تعزيز الحوكمة المحلية وبناء المرونة يشّك لان ع نصرَين متلازَميَن وضرورَّييَن لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. غير أنّ إطلاق المبادرات المناخية يظل محدودًا، على الرغم من وجود آلية للتنسيق بين المستوَييَن الوطني والمحلي. علاوة على ذلك، لا يمتلك صانع القرار المحلي آليات قانونية تمكّنه من إعداد استراتيجيات وخطط لإزالة الكربون والتكيّف، وإن كانت بعض الجمعات المحلية قد وضعت خطط عمل للطاقة المستدامة، كم هو الحال في لبنان، وخصوصًا في قرية منجز - قضاء عكار، في محافظة الشمل، وجديدة الواقعة بقضاء الشوف في محافظة جبل لبنان92. تعترض هذه المشاريع الطموحة معوّقات كثيرة في ظلّ أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة، وضعف في القدرات المؤسسية، إضافة إلى العديد من التحديات التنموية، وهو ما يجعل بعضها لا يتجاوز حدود الخطاب الدعائي، بل إنه يكون مجحفًا بالتوازن البيئي، كم هو الحال في منطقة البوشرية - قضاء المتن، في محافظة جبل لبنان، التي تحمّلت عبء النفايات93 بذريعة أنّ المشروع سيحوّلها إلى طاقة نظيفة، في غياب تفاصيل تنفيذه وتمويله. أما مدينة الموقر في الأردن، فقد التزمت، بموجب الإسهام المحدّد وطنيًا، بخفض انبعاثاتها بنسبة 16 % بحلول سنة 2030، متجاوزةً بذلك الالتزام غير المشروط لإسهام الأردن وهو محَّدَد ب 5 %94. وفي المغرب، التزمت مدينة وجدة بخفض انبعاثاتها بحلول سنة 2030 على نحو يلائم الهدف غير المشروط للمغرب، وفقًا للإسهام المحدّد وطنيًا، مقارنةً بالانبعاثات المرجعية لسنة 201395. وتُظهر دراسة صادرة عن قمة الحكومات العالمية متعلقة بتقييم المرونة الحضرية ومدى تقدّمها في عدد من المدن العربية، نتائج إيجابية؛ إذ سجّلت جميع المدن المشمولة بالدراسة ارتفاعًا في مؤشر المرونة الإجملي96. فعلى سبيل المثال، فُِّسر ارتفاع المرونة في دبي، وفقًا للتقرير، بتنفيذ استراتيجية واسعة النطاق، شملت عددًا من الإجراءات من بينها تحسين المناطق الحضرية، وزيادة المساحات الخضراء، والاستثمر في الابتكار والتقنيات والوظائف المتقدّمة. وقد ركّزت مدينة الدوحة، أيضًا، على التخطيط الحضري المستدام الذي جرى تنفيذه قبيل استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022. أما مدينتا الرياض وجدة بالمملكة العربية السعودية، فقد تصدّرتا التصنيف بتحقيقهم أعلى درجات المرونة الحضرية، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة من بينها التركيز على مشاريع البنية التحتية الضخمة وإدارة المخاطر المناخية97.

  1. The World Bank Group, Tunisia Country Climate and Development Report (Washington, DC: 2023), accessed on 29/3/2024, at: https://ln.run/zZbZv.
  2. مجلس الوزراء أقر خطة مرحلية لأزمة النفايات"، آخر الأخبار لبنان، 2016/3/12، شوهد في 2025/9/25، في: https://acr.ps/1L9BP16
  3. Clima-Med, Jordan: Municipality of Al Muwaqar, Sustainable Energy Access & Climate Action Plan (SEACAP) (2022), accessed on 19/4/2024, at: https://ln.run/_X9GW
  4. Clima-Med, Maroc: Commune d'Oujda, Plan d'action pour l'accès à l'énergie durable et le climat (PAAEDC) (2022), accessed on 25/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPQe
  5. Raed Kombargi et al., Time to Thrive. Urban Resilience Shifts from Trend to Necessity , World Government Summit (2024), p. 29. accessed on 30/9/2025, at: https://tinyurl.com/5n9b36cc
  6. Ibid., p. 13.

ث الثًا: استراتيجيات البلدان العربية ي ف تمويل مرونة المجتمعات المحلية

يتطلّب تعزيز القدرة المالية للمدن والمجتمعات المحلية في العالم العربي اعتمد استراتيجيات كفيلة بتقوية قدرتها على الصمود، وتمكينها من التكيّف مع تغّيارت المناخ على المدى الطويل. ويبررز من بين هذه الاستراتيجيات التعاون الدولي والابتكارات المالية الخضراء؛ غير أنّ فاعليتها تبقى محدودة في غياب المشاركة الفعلية للمجتمعات المحلية.

1. د ور التعاون الدولي والمؤسسات التمويلية

تتطلّب مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة التغّيارت المناخية تضافر الجهود التمويلية على المستويات المحلية والإقليمية، إضافةً إلى التعاون مع المؤسسات التمويلية الدولية. وفي هذا السياق، عملت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصندوق الأخضر للمناخ، منذ سنة 2016، في إطار الشراكة التي تجمعهم على تكثيف الاستثمرات في المشاريع التي تؤثر كثيرًا في قطاعات الفلاحة والغابات والصيد البحري، على نحو يجعلها أكثر نجاعة واستدامة في مواجهة آثار تغّير المناخ98. وتدعم مجموعة البنك الدولي جهود البلدان في التصدّي للتغّيارت المناخية من خلال خطة عمل بشأن تغّير المناخ في الفترة 2025-2021، وهي تلتزم بدعم جهود التخفيف من انبعاثات الغازات الدفيئة وتعزيز المرونة99. وقد سجّلت سنة 2022 مستوى قياسيًا من التمويل بلغ 31.7 مليار، خُصّص لمساعدة الدول على تحديد المشروعات ذات الأولوية المناخية وتمكينها في إطار خططها الإنمائية100. وفي السياق نفسه، يستفيد المغرب من تمويل مخصّص من صندوق النقد الدولي ضمن برنامج "تسهيل الصلابة والاستدامة" RSF Facility, Sustainability and Resilience، وذلك في إطار مخصصات ائتمنية تبلغ 5 مليارات دولار أميركي موجّهة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. ويهدف البررنامج أساسًا إلى دعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة بيئًّيًا، وتعزيز جاهزية البلدان وقدرتها على الصمود في مواجهة الكوارث الطبيعية، بما في ذلك ما ينجم منها عن تغّير المناخ. ووفق معطيات صندوق النقد الدولي، فإنّ هذا التمويل طويل الأمد، وبتكلفة معقولة، وهو يهدف إلى مساعدة البلدان التي تنفّذ إصلاحات تحدّ من المخاطر المحيطة باستقرار موازين مدفوعاتها، بما فيها المخاطر المرتبطة بتغّير المناخ، إضافةً إلى التأهب للجوائح101. أما في مصر، فقد أسهم التعاون في مجاَلي التكيّف والتخفيف في إطلاق مشروع تطوير المجمّعات الصناعية الصديقة للبيئة لتحسين الأداء الاقتصادي والبيئي للصناعات. ويعدّ هذا المشروع، الذي تموّله

  1. FAO and the Green Climate Fund (GCF), Partnering for Climate Action," Food and Agriculture Organization of the United Nations, accessed on 20/4/2024, at: https://www.fao.org/gcf/en
  2. من الكوارث إلى الفرص: بناء مستقبل قادر على الصمود في المغرب"، مجموعة البنك الدوليي، 2024/4/18 شوهد في 2024/4/20، ف:ي https://acr.ps/1L9BP5n
  3. مجموعة البنك الدولي تُقِّدّم مستوى قياسيًا من التمويل المناخي بلغ 31.7 مليار دولار في السنة المالية 2022"، مجموعة البنك الدولي، 2022/7/9، شوهد في 2024/5/12، في: https://ln.run/-3mb7
  4. يوسف يعكوبي، "الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد تتيح للمغرب مرونة أكبرر ضدّ تغير المناخ"، هسبريس، 2024/5/7، شوهد في 2024/5/10، في: https://ln.run/MfzZZ

حكومة سويسرا، جزءًا من مكوّن المناطق الصناعية في برنامج الشراكة مع مصر، وهو يندرج في إطار البررنامج العالمي للمجمّعات الصناعية البيئية، الذي تنفّذه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO Organization, Development Industrial Nations United في العديد من البلدان، ومنها كولومبيا، وبيرو، وأوكرانيا، وفيتنام102. ويشير هذا التوجّه إلى أنّ تعزيز القدرة على الصمود في وجه التغّيارت المناخية يستلزم تحفيز الاستثمرات الخضراء وتوسيع دور القطاع الخاص في إطار شراكة استراتيجية مع القطاع العام103.

2. الابتكار المالي الأخضر

يتطلّب تعزيز القدرة المالية للمدن والمجتمعات المحليّة اعتمد خطط مالية وإجراءات ملائمة تمكّنها من الصمود في مواجهة التغّيارت المناخية. وتبررز الحاجة إلى توفير الموارد الضرورية، بما في ذلك الاستثمرات الاستراتيجية الطويلة الأمد، لتنفيذ تدابير تعزيز القدرة على الصمود المحدّدة في خطط العمل. غير أنّ العديد من الحكومات المحليّة تواجه صعوبات تحول دون إسهامها بفاعلية في مبادرات الحد من المخاطر، نتيجة قيود التمويل المتأصّلة؛ إذ تُضطر المدن، في كثير من الحالات، إلى تخصيص مواردها المحدودة لأولويات أخرى من دون اتخاذ تدابير الحد من مخاطر الكوارث. ومن ثمّ، تبررز أهمية تحديد استراتيجيات لتمويل إدارة المخاطر، بما في ذلك دراسة خيارات التمويل المبتكرة. وتُعَدّ الاستراتيجيات والآليات المالية المتنوّعة، بين القطاَعيَن العام والخاص، والسندات الخضراء، والإصلاحات الضريبية، والمساعدات الدولية، أدوات أساسية لتمويل مشاريع البنية الأساسية ومساعدة المدن على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومُيثّل التمويل الإسلامي أحد الخيارات الممكنة لدعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ولا سيّم الهدف الحادي عشر المتعلق بجعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع، وآمنة، وقادرة على الصمود، ومستدامة. وإلى جانب ذلك، يمكن استخدام الصكوك الخضراء، التي تراعي الاعتبارات البيئية، لتمويل مشاريع التنمية الحضرية104.

3 ي. قصور الاستراتيجيات العربية ف تمويل المجتمعات المحلية لمواجهة تغير المناخ

تعاني الاستراتيجيات العربية نقائص عديدة. فعلى صعيد المشاركة المجتمعية، يلا ظح غياب المجتمعات المحلية عن المشاركة، حيث يظلّ العمل مركّزًا على المستوى الوطني دون أن يمتد فعليًا إلى المستوى المحلي، حيث الجغرافيا الأكثر عرضة للمخاطر المناخية. وتشدّد توصيات الأمم المتحدة والدراسات المتخصصة في تداعيات تغّير المناخ على أهمية إشراك المجتمعات المحلية وإسهامها في جهود التكيّف وتعزيز قدرتها على الصمود.

  1. Bassel Al Khatib & Muge Dolun Ulvinur, "UNIDO and Switzerland to Support Egypt with the Development of eco-industrial Parks," 17/1/2022, accessed on 13/9/2025, at: https://bit.ly/3Vg0Evp
  2. مجموعة البنك الدولي، مصر: تقرير المناخ والتنمية (واشنطن: تشرين الثاني/ نوفمبرر 2022)، شوهد في 2024/5/11، في: https://bit.ly/45Zg39A
  3. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، التقرير العربي، التقرير العربي للتنمية المستدامة 2024   (بيروت: 2024)، شوهد في 2025/8/1، في: https://bit.ly/4osh3Ky

ويؤدي غياب مشاركة المجتمع المحلي إلى انكمش آليات التمويل المحلية، وتراجع المبادرات المناخية ذات البُعد المحلي؛ ما يحدّ من إمكانية التطبيق الفاعل لهذه الاستراتيجيات. وحتى في الحالات التي اعتمدت بعض المقاربات التشاركية، يلُا ظح ضعف التنسيق بين الفاعلين، والاعتمد المفرط على التمويل الخارجي. وينعكس ضيق الحيّز المالي سلبيًا على القدرات المحلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ ففي معظم البلدان العربية، تعتمد ميزانيات الحكومات والسلطات المحلية على التحويلات القادمة من الحكومات؛ بينم يبقى تحصيل الإيرادات من جانب الجمعات المحلية محدودًا في أغلب الأحيان، وذلك نتيجة لغياب الشفافية والحوكمة وضعف الكفاءة. وفي هذا السياق، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية لسنة 2020 إلى أنّ قدرة الحكومات المحلية على الإدارة المالية تُعدّ ضعيفة عمومًا105. وينعكس هذا الوضع مباشرة على قدرة المجتمعات المحلية على إعداد مخططات تراعي البُعد البيئي؛ إذ تُدرج القضايا البيئية ضمن برامج قطاعية منفصلة، وليس في إطار سياسات حضرية متكاملة، وهو ما يجعل حجم الاستثمرات في هذا المجال محدودًا. وحتى في الحالات التي يُخَصَّص فيها تمويل للمستويات المحلية، فإن توظيفه غالبًا ما يتركّز في المدن الكبررى، خصوصًا العواصم، مع تهميش واضح للمدن الصغيرة. إن غياب مشاركة المجتمعات المحلية أو محدوديتها في ص عن القرار المحلي يُضعف، بوجه عام، قدرتها على الابتكار، ويَحُول دون إسهامها في إحداث التغيير.

خ اتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أنّ تمويل العمل المناخي وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية العربية على الصمود يمّثلّان ركيزتين متلازمتين في مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والاجتمعية المتفاقمة. وعلى الرغم مم اتّخذته البلدان العربية من خطوات إيجابية في هذا المجال، فإنها ما تزال تجد صعوبة في الوفاء بالالتزامات المناخية الدولية، نتيجة محدودية الموارد المخصّصة، وهذا الأمر ناجم عن ضيق الهوامش المالية المتاحة لمؤسسات العمل البيئي، إضافة إلى تنافر الأولويات التنموية، وهو ما حال دون إدراج قضايا المناخ في أولويات السياسات العامة. ولا تكمن الإشكالية في محدودية الموارد فحسب، بل في كيفية تعبئتها وتوجيهها نحو أولويات التنمية المستدامة أيضًا. فقد أظهر النقاش الذي عالجته هذه الدراسة أنّ نجاعة التمويل ترتبط بقدرة الدول على تنويع مصادره، وإرساء آليات مبتكرة تجمع بين التمويل العام والخاص والتمويل الأخضر، مع ضرورة ضمن عدالة التوزيع وكفالة وصول التمويل إلى المستويات المحلية. إنّ تفتت الجهود المقيّدة ضمن قطاعات محددة، وعدم تضافرها وتكاملها، يقوّضان قدرة الحكومات على بلورة سياسات عامة تهتدي بفكر مناخي واضح، وتنتبه إلى ضرورة إيلاء أهمية كبيرة لقضايا التغّير المناخي ووضعها في صدارة أولويات صانع القرار. وقد أظهرت التجارب العربية أنّ تمويل العمل المناخي غالبًا ما يتراجع بحسب الأولويات التنموية لمصلحة قضايا أخرى تُصَوَّر على أنّها أكثر إلحاحًا. فإذا كانت الاستثمرات الخضراء تُسَوَّق بوصفها استجابة بيئية للتغّيارت المناخية، فإن هذا التوجه تحكمه أساسًا اعتبارات اقتصادية وفرص ربحية أكثر من كونه التزامًا فعلًّيًا

  1. المرجع نفسه، ص.258
  2. المرجع نفسه، ص.258-251

بمواجهة التغّيارت المناخية. وإلى جانب ذلك، فإنّ تدفقات التمويل العام المتاحة لا تراعي بالضرورة السياقات المحلية بسبب هيمنة المستويات المركزية للسلطة، وهو ما يُضعف القدرة على تقدير تكلفة الاحتياجات وتعبئة التمويل اللازم لتنفيذ مشاريع التكيّف والتخفيف، وتنزيل خطط المناخ المحلية. وقد بيّنت الدراسة، من خلال استعراض عدد من التجارب المحلية الناجحة في المنطقة العربية، مدى الترابط الوثيق بين تدفّقات التمويل المناخي وقدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة التغّيارت المناخية. غير أنّه يجدر التنويه بوجود عوامل سلبية مؤثّرة، من أبرزها تأثّر العديد من البقاع العربية بالنزاعات، وهو أمرٌ يقلّل من مردود العمل المناخي، ويُفاقم مخاطر التغّيارت المناخية. ثم إنّ لغياب اللامركزية في التخطيط المناخي تأثيرًا سلبًّيًا أيضًا. ونستنتج، مّما سبق، ضرورة تعزيز الشراكة بين المدن والمجتمعات المحلية، واستلهام التجارب الناجحة التي قدّمتها المجتمعات الأكثر صمودًا، إضافة إلى أهمية وضع استراتيجيات دقيقة ومشاريع كبررى تُدار وفق مبادئ الشفافية والفاعلية والنجاعة والحوكمة البيئية. ولن يتحقق ذلك من دون إرساء أسس حوكمة تشاركية متعدّدة المستويات ترسّخ دور المجتمعات المحلية، وتُضفي الطابع المحلي على أهداف التنمية المستدامة. وتخلص الدراسة إلى توصيات عملية من شأنها تعزيز العمل المناخي ودعم مرونة المجتمعات المحلية: اعتمد اللامركزية البيئية في تخطيط سياسات التنمية وتنفيذها؛ وذلك بدمج العمل المناخي في السياسات والخطط المحلية، مع مراعاة التكيّف مع التغيّات المناخية والتخفيف من الانبعاثات. ويستدعي هذا الأمر نقل جزء من صلاحيات الدولة ومواردها البيئية إلى السلطات المحلية، مع إشراك الفاعلين غير الحكوميين، بما في ذلك المجتمع المدني والجمعيات والقطاع الخاص. إرساء حوكمة بيئيّة محلية فعّالة من خلال تطوير واعتمد آليات تسمح للسلطات المحلية باتخاذ القرارات وتنفيذها بطريقة تشاركية، تربط بين المسؤولية والمحاسبة، على نحو يضمن شفافية التدخلات البيئية وفاعليتها. تطوير خطط الاستثمر المناخي المستدام ودعم مبادراته من خلال استيعاب الحلول المبتكرة التي توفّرها الخبررات الدولية. فالاستثمرات المستدامة تضمن توفير الموارد المالية الضرورية لمشاريع التكيّف والتخفيف، بينم تتيح الحلول المبتكرة تطوير تقنيات وأساليب فعّالة لمعالجة التحديات المناخية. التركيز على الأولويات المناخية الملحّة؛ إذ تبررز في هذا الخصوص قضية الإجهاد المائي، بوصفها أحد أعقد التحديات المناخية وأكثرها تفاقمً على الصعيد العربي، وهي تتطلب تدخلات عاجلة ومدروسة لضمن استدامة الموارد المائية. الاستقلالية والاستدامة المحلية؛ وذلك من خلال تطوير الموارد الذاتية وتحقيق الاستقلالية المالية، مع تأهيل صانعي القرار المحليين لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتمعية من دون الاعتمد كليًّا على مصادر التمويل التقليدية. تعزيز الابتكار المالي والاستفادة من التجارب الرائدة؛ وذلك بإنشاء صناديق تمويل خضراء محلية، وتطوير بنى تحتية ذكية ومستدامة، إلى جانب تشجيع البحث العلمي لتوفير البيانات اللازمة وتطوير تقنيات التكيّف والتخفيف المتعلقة بتغيّ المناخ.

المراجع

العربية

جامعة الدول العربية. الإستراتيجية العربية للحد من مخاطر الكوارث 2030:. في https://acr.ps/1L9BPtt السريحي، عائشة وماري لومي. "حوكمة تغير المناخ والتعاون حوله في المنطقة العربية". نظرة تحليلية. أكاديمية الإمارات الدبلوماسية (تموز/ يوليو 2019:). في https://tinyurl.com/44u9t399

روحانا، سليم. "تغيير النظرة والأدوات للتعامل مع المدن والتغّير المناخي". مدونة المعهد العربي لإنماء المدن. العدد 2 (كانون الثاني/ يناير.)2024

شكراني، الحسين. "نحو حوكمة بيئية عالمية". رؤى استراتيجية. مج 2، العدد 8 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2014 صدوقي، محمد. "الضرائب الخضراء في العالم العربي بالإشارة إلى حالات المغرب والأردن وتونس". استشراف للدراسات المستقبلية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

صندوق النقد الدولي. "المناخ في مفترق الطرق: سياسات المالية العامة في عالم يزداد احترارًا". تقرير الراصد الماليي (2023:). في https://acr.ps/1L9BPHj عبد الصمد، علي إسمعيل وعادل محمد خليفة غانم. "تحديات الأمن المائي في المنطقة العربية: الواقع وسياسات المستقبل". أوراق السياسات الأمنية. السنة 4، العدد 1 (2023:). في https://ln.run/WLsFR

العمل المناخي المحلي في المنطقة العربية: الدروس المستفادة والآفاق المستقبلية. ميار ثابت (محرر). الجيزة: البنك الإسلامي للتنمية؛ برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية المكتب الإقليمي للدول العربية، مركز بحوث الإسكان والبناء، 2019.

لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا. "تمويل العمل المناخي: الاحتياجات والتدفقات في المنطقة العربية". موجز السياسات (2022:). في https://bit.ly/46knQ0u

________. "التمويل المناخي للمياه في المنطقة العربية". موجز السياسات (2023:). في http://bit.ly/4gsb5WC

________. التقرير العربي، التقرير العربي للتنمية المستدامة 2024 (بيروت: 2024:). في https://bit.ly/4osh3Ky

مجموعة البنك الدولي. مصر: تقرير المناخ والتنمية (واشنطن: تشرين الثاني/ نوفمبرر).2022 ف:ي https://bit.ly/45Zg39A ميلر، كاثرين أ. [وآخرون]. "على شفير الهاوية: تداعيات تغّير المناخ على ستة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا". التقرير التقني الصادر عن مختبرات منظمة غرينبيس للبحوث (نسخة منقّحة) (تشرين الثاني/ نوفمبرر 2022:). في https://igit.me/XhmxD

الأجنبية

Al Khatib, Bassel & Muge Dolun Ulvinur. "UNIDO and Switzerland to Support Egypt with the Development of Eco-Industrial Parks." 17/1/2022. at: https://bit.ly/3Vg0Evp

Arab Forum for Environment and Development. 2017 Report of the Arab Forum for Environment and Development: Arab Environment in 10 Years. Najib Saab (ed.). Beirut: Technical Publications, 2017. at: https://tinyurl.com/2a9tajkf

Belaïdi, Nadia & Raphaël Porteilla. "Écocide – Un outil juridique de transition?" Vocabulaire critique & spéculatif des transitions. at: https://shorturl.at/LHCfk

Climate Funds Update. "Recipient Countries in the Middle East and North Africa." Heinrich Böll Stiftung. 2024. at: https://ln.run/fKkuZ

Clima-Med. Jordan: Municipality of Al Muwaqar, Sustainable Energy Access & Climate Action Plan (SEACAP). 2022. at: https://ln.run/_X9GW

________. Maroc: Commune d'Oujda, Plan d'action pour l'accès à l'énergie durable et le climat (PAAEDC). 2022. at: https://acr.ps/1L9BPQe

Institut de la francophonie pour le développement durable. "Planification du développement local et accord de Paris: Comment la rendre cohérente avec ses objectifs?" Réseau, Climat & Développement, 2018. at: https://tinyurl.com/3dfpcrwm

Institut Royal des Études Stratégiques. "L'avenir de l'agriculture au Maroc dans un contexte de la rareté structurelle de l'eau: Rapport de synthèse des travaux de la journée de réflexion prospective." 28/2/2024. at: http://bit.ly/47EYKvO

Intergovernmental Panel on Climate Change. Climate Change 2022: Mitigation of Climate Change. Working Group III contribution to the Sixth Assessment Report. 2022.

International Development Finance Club. "Common Principles for Climate Change Adaptation Finance Tracking." 30/11/2023. at: https://bit.ly/4c702yJ

Joseph, Debra D. & Roshnie A. Doon (eds.). The Impact of Climate Change on Vulnerable Populations: Social Responses to a Changing Environment. Switzerland: MDPI, 2023.

Kelley, Colin P. et al. "Climate Change in the Fertile Crescent and Implications of the Recent Syrian Drought." Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS). vol. 112, no. 11 (March 2015). at: https://shorturl.at/EZjCm

Khoday, Kishan. "Comment la région des États arabes intensifie-t-elle son action climatique?" Programme des Nations Unies pour le développement (PNUD) , Climate Promise. 30/3/2022. at: https://acr.ps/1L9BOZc

Kombargi, Raed et al. Time to Thrive. Urban Resilience Shifts from Trend to Necessity. World Government Summit (2024). at: https://bit.ly/3KOglYy

Nations Unies sur les changements climatiques. "Négociations internationales sur le changement climatique: Mettre l'expérience du LoCAL à profit dans les négociations." at: https://ln.run/i7EYE

Nelson, Paul J. "Deliberation, Leverage or Coercion? The World Bank, NGOs, and Global Environmental Politics." Journal of Peace Research. vol. 34, no. 4 (November 1997).

Obeid, Jessica & Alice Gower. "Mind the Gap: Highlighting MENA's Climate Finance Challenge." SRMG Think's Research & Advisory (December 2023). at: https://ln.run/L1ohQ

Organisation de coopération et de développement économiques. Principes directeurs de l'OCDE à l'intention des entreprises multinationales sur la conduite responsable des entreprises. Paris: Éditions OCDE, 2023. at: https://acr.ps/1L9BP6C

________. "Financement du développement lié au climat." at: https://bit.ly/3IRw0pe

________. Aligning Regional and Local Budgets with Green Objectives: Subnational Green Budgeting Practices and Guidelines. OECD Multi-level Governance Studies. Paris: June 2022. at: https://tinyurl.com/4tj9vw66

________. Developing Sustainable Finance Definitions and Taxonomies. Green Finance and Investment. Paris: OECD Publishing, 2020. at: https://acr.ps/1L9BPSc

Pigou, Arthur Cecil. The Economics of Welfare. London: Macmillan & Co., 1920.

Programme des Nations Unies pour le développement. "Qu'est-ce que le financement climatique et pourquoi faut-il l'augmenter?" 20/10/2023. at: https://bit.ly/4bExfBy

Programme des Nations Unies pour les établissements humains (ONU-Habitat). Les villes et le changement climatique: Orientations générales, Rapport mondial 2011 sur les établissements humains (édition abrégée). London/ Washington: Earthscan/ ONU-Habitat, 2011. at: https://bit.ly/3NWDvuQ

Realpe Carrillo, Natalia & Alexander Reviakin. "La finance durable dans la région MENA: État de développement, défis et opportunités." Rapport de la Facilité d'Assistance Technique du Fonds SANAD pour les MPME, 2022.

Service de recherche du Parlement européen. "Comprendre la fiscalité environnementale." January 2020. at: https://ln.run/PS0kC

The World Bank Group. "Climate Change Action in the Middle East and North Africa – Key Insights From Country Climate and Development Reports." Country Climate and Development Report. 2023. at: https://tinyurl.com/4azbyz73

________. "Middle East & North Africa Climate Roadmap (2021–2025): Driving Transformational Climate Action and Green Recovery in MENA." 25/1/2022. at: https://ln.run/qg2yg

________. "Morocco – Country Climate and Development Report (CCDR), Background Paper – Water Scarcity and Droughts." 2023. at: https://tinyurl.com/mprnewef

________. Country Climate and Development Reports (CCDRs). at: https://tinyurl.com/muam2y2n

________. Tunisia Country Climate and Development Report. Washington, DC: 2023. at: https://ln.run/zZbZv

United Nations Environment Programme. Emissions Gap Report 2023: Broken Record – Temperatures Hit New Highs, Yet World Fails to Cut Emissions (Again). Nairobi: November 2023. at: https://bit.ly/3yS3n68

United Nations. Climate Changes. "Introduction to Climate Finance." at: https://bit.ly/4gRX6cO

United Nations. Paris Agreement. 2015. at: https://tinyurl.com/wum4mprz

________. United Nations Framework Convention on Climate Change. 1992. at: https://tinyurl.com/5338kzpy

Venugopal, Shally & Shilpa Patel. "Why Is Climate Finance So Hard to Define?" World Resources Institute. April 2013. at: https://bit.ly/3RcJnBD.

Villar, Clara & Michel David. "La résilience, un outil au service des territoires." in: International Seminar Towards Sustainable Territorial Intelligence: The Scales of the Resilience, 2 nd Great-West Meeting of Territorial Intelligence. Roscoff, France:

Werrell Caitlin E. & Francesco Femia (eds.). The Arab Spring and Climate Change: A Climate and Security Correlations Series. Washington, DC: Center for American Progress; Stimson Center; The Center for Climate and Security, 2013. at: https://acr.ps/1L9BP3u