الأمن الغذائي في الدول العربية: تأثير سياسات المؤسسات المالية الدولية وتداعيات التغيرات المناخية
Food Security in the Arab States: The Impact of International Financial Institutions' Policies and the Implications
الملخّص
ملخص: تستعرض الدراسة الأسباب الكامنة وراء ضعف الأمن الغذائي في المنطقة العربية، مع التركيز على العلااقة بين مستويات الإنتاج الزراعي والنمو الديموغرافي. وتحلل أثر السياسات الاقتصادية والسياسية العربية، لا سيما تبنّي التوجهات النيوليبرالية، في قطاع الزراعة، حيث أدى التحول من الزراعة المعيشية الموجّهة إلى الاستهلااك المحلي إلى الزراعة التسويقية الموجّهة إلى التصدير إلى زيادة حساسية القطاع تجاه التغيرات المناخية. وتشير النتائج إلى أن هذه السياسات صعّدت من تأثيرات التغير المناخي في الموارد المائية والأراضي الزراعية، مضيفة ضغطًا إضافيًا إلى النمو الديموغرافي. وأدى الاعتماد المتزايد على الواردات لتلبية الاحتياجات الغذائية إلى مزيد من الهشاشة الاقتصادية أمام التحولات الجيوستراتيجية العالمية. وتوصي الدراسة بتبنّي نهج متكامل للأمن الغذائي، وتعزيز الممارسات الزراعية المستدامة بما يضمن استمرارية الموارد الطبيعية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وضمان حصول جميع الطبقات على الغذاء على المدى الطويل.
Abstract
Abstract: This study explores the root causes of food insecurity in the Arab countries, highlighting the links between agricultural production and population growth. It examines how political and economic policies, particularly neoliberal policies, have reshaped agriculture—from subsistence farming for local consumption to export-oriented commercial farming—making the sector more vulnerable to climate change. The findings show that these policies have intensified climate-related pressures on water and land resources, compounding the challenges posed by demographic growth. Increasing dependence on food imports further heightens economic vulnerability amid global geopolitical shifts. The study recommends adopting an integrated approach to food security, emphasizing sustainable agricultural practices to ensure the long- term preservation of natural resources, reduce social inequalities, and secure reliable access to food for all social strata.
- التغير المناخي
- النيوليبرالية
- الأمن الغذائي
- السيادة الغذائية
- التحولات الجيوستراتيجية
- الاقتصاد الزراعي
- هيمنة الشركات الكبرى
- Climate Change
- Neoliberalism
- Food Security
- Food Sovereignty
- Geostrategic Transformations
- Agricultural Economics
- Corporate Dominance
الأمن الغذائي يف الدول العربية: تأثير سياسات المؤسسات المالية الدولية وتداعيات التغيرات المناخية Food Security in the Arab States: The Impact of International Financial Institutions' Policies and the Implications of Climate Change
كلمت مفتاحية: التغير المناخي، النيوليبرالية، الأمن الغذائي، السيادة الغذائية، التحولات الجيوستراتيجية، الاقتصاد الزراعي، هيمنة الشركات الكبرى.
مقدمة
مع توالي العديد من أزمات الغذاء على الصعيد العالمي خلال العقدين الأخيرين، وما صاحبها من اشتداد التداعيات الناجمة عن التغير المناخي التي فاقمت هذا الوضع، وخصوصًا في البلدان النامية، بما فيها البلدان العربية، تصاعد الاهتمم البحثي بمسألة الغذاء. وبلغ ذروته خلال جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، نظرًا إلى القلق العالمي الناجم عن تعطّل سلاسل التوريد. وأثير في هذا الإطار السؤال عن الأسباب الكامنة وراء الأزمات السياسية والاستراتيجية، وبخاصة الصراعات العسكرية، التي تعرقل قدرة الدول المصدّرة للمنتجات الزراعية على القيام بدورها، كم هي الحال في الحرب الراهنة بين روسيا وأوكرانيا، التي دفعت أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة إلى مستويات قياسية. وفي هذا السياق المعقد والمتشابك المخاطر، تصاعدت المصاعب أمام النظام الغذائي العالمي؛ إذ ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات غير مسبوقة. ولم تكن المنطقة العربية بمنأى عن ذلك، فقد واصل معدل انعدام الأمن الغذائي ارتفاعه منذ عام 2014، ليؤثر سلبيًا، في عام 2021، في نحو 34.7 في المئة من إجملي سكان المنطقة. وبرزت بذلك التساؤلات حول مسؤولية الخيارات السياسية والتنموية التي اعتمدتها الدول العربية خلال العقود الأخيرة من أجل تحقيق أمنها الغذائي. فالحكومات العربية، على الرغم من تركيزها منذ سبعينيات القرن العشرين على قضية السيادة الغذائية، وسعيها لزيادة الإنتاج المحلي لتجنّب استخدام الواردات سلاحًا سياسيًا ضدها، لم تستمر في تعزيز هذا التوجه، بل
انحرفت عنه مع تبنّي نماذج تنموية تفتقر إلى مشاركة سياسية عميقة، في حين وظّف بعضها الدعم الزراعي لكسب الولاءات السياسية. وقد انحازت السياسات الغذائية إلى جانب السوق بمقاييسه الأربعة: الوفرة، والوصول، والاستخدام، والاستقرار، في حين جرى تجاهل جانب الإنتاج وما يتصل به من مسارات اجتمعية وسياسية واقتصادية وبيئية، وهي المسارات التي يجري من خلالها توفير الغذاء. وكان لتراجع الموارد المخصصة للخدمات الاجتمعية، لا سيم التعليم والرعاية الصحية والحمية الاجتمعية، أثرٌ مباشر في تفاقم الأزمة؛ إذ يلحظ المراقب كيف دفعت الأزمات الاجتمعية خلال الثمنينيات، وبخاصة في الدول المغاربية، إلى المزيد من تراجع السياسات الاجتمعية، حين اضطرت إلى اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية للحصول على القروض والمساعدات ضمن برامج التكيف الهيكلي Programs Adjustment Structural. وكانت هذه الخطوات تعني الانصياع لتوجيهات نيوليبررالية حملت مسمى الإصلاحات، وكان تأثيرها السلبي ملموسًا في السياسات الزراعية. توجهت الدول العربية، في منتصف الثمنينيات، نحو تحرير القطاع الزراعي، وعمدت إلى إدخال تعديلات على التشريعات الخاصة بحيازة الأراضي الفلاحية واستخدامها. وقد فرضت التوجهات الجديدة الابتعاد عن الزراعة المعيشية الموجّهة إلى الاستهلاك المحلي لصالح الزراعة الموجّهة إلى التصدير، مع تصاعد تشجيع الحكومات للقطاع الخاص، ومنحه دعمًا للاستثمر في الزراعة التصديرية. وأنتجت هذه السياسات أثرها الحاد في الموارد المائية، وسرّعت تدهور الظروف المعيشية لصغار الفلاحين، مع تعميق تهميشهم. وأدى ازدياد حدة التفاوت الاجتمعي إلى زيادة أعداد الفقراء في المنطقة العربية. وفي النهاية، تسبّب ارتفاع أسعار
منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية [وآخرون]، الشرق الأدنى وشمال أفريقيا: نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية، التجارة كعامل تمكين للأمن الغذائي والتغذية (القاهرة: 2023)، ص.44
المواد الغذائية واتساع الفجوة الغذائية في معظم دول المنطقة في تحويلها إلى مستورد صافٍ للمواد الغذائية الأساسية، وخاصة الحبوب. وهو ما ينذر بتداعيات مستقبلية صعبة على استقرارها السياسي والأمني. لم تقتصر المخاطر التي تواجه البلدان العربية وتهدد أمنها الغذائي على تداعيات التغيرات المناخية والعوامل الجيوسياسية والمتغيرات الدولية والإقليمية، وما تسبّبه من اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، بل أسهمت أيضًا في تفاقم الأوضاع جملةٌ أخرى من التداعيات الاقتصادية والمناخية في البلدان المصدّرة، وما صاحب ذلك في بعض الأحيان من ميل نحو فرض قيود على صادراتها الغذائية. ومثال ذلك ما جرى خلال الفترة 2011-2007، حينم لجأت الدول المصدّرة الرئيسة للمواد الزراعية، مثل روسيا والهند وأوكرانيا، إلى حظر صادراتها، وهو ما تكرر بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022. وفي ضوء هذه الأزمة وتداعياتها المتعددة، تحاول هذه الدراسة إعادة التفكير في سياسات مجابهة أزمة الغذاء على الصعيد العربي، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتمعية، منطلقة من إشكالية مفادها أن أزمة الغذاء في المنطقة العربية تنبع من خيارات السياسة وتوجهات الاقتصاد. ولتوضيح الإشكالية، تطرح سؤلًا رئيسًا يخص أسباب تفاقم مشكلة الأمن الغذائي في العالم، ومدى تأثيرها في الوضع الغذائي العربي، وهل أسهم فيها توجه الحكومات نحو سياسات نيوليبررالية، وتبنّيها رؤى مؤسسات التمويل الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، وبخاصة نهجها الذي يُعوّل على دور التجارة الحرة، في تحقيق الأمن الغذائي؟ وبسؤال أكثر تفصيلًا: أتُعدّ أزمة الأمن الغذائي في المنطقة العربية ناتجة من تراجع الإنتاج الزراعي، كم تروج بعض الخطابات الحكومية بحجة عدم مواكبته النمو الديموغرافي، أم أنها نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واجتمعية محددة، عمّقت من أوضاع التبعية للخارج، وأدت إلى مزيد من الهشاشة البيئية، وتآكل السيادة الغذائية؟ لمعالجة هذه الإشكالية والإجابة عن تساؤلاتها، تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، إلى جانب التحليل التاريخي لتتبّع مسار استراتيجيات الأمن الغذائي في المنطقة العربية وتطورها، وكشف العوامل السببية والتأثيرات المتبادلة بينها وبين السياسات الاقتصادية والاجتمعية والسياسية عمومًا. وتهدف من هذا المنهج إلى الوقوف على طبيعة سياسات الغذاء العربية، وفهم الكيفية التي أدت إلى تحوّل السياسات الزراعية تحت تأثير النمذج التنموية الجديدة والضغوط الدولية، وكشف الصلة بين الفشل الراهن في تحقيق السيادة الغذائية وتداعياته المستقبلية على صعيد السياسة والاقتصاد والمجتمع. وإضافة إلى ذلك، تستدعي الدراسة المدخل المقارن من خلال النظر في تجارب عربية، مثل المغرب والأردن وتونس، لمعرفة كيفية مقاربتها قضية الغذاء. وتقدّم تحليلًا للسياسات العامة من منظور اجتمعي لتفسير أسباب ظواهر تتصل بالمشاركة السياسية، واستخدام الدعم الزراعي أداةً لضمن الولاءات السياسية، ما يُوجد خللًا توزيعيًا يتعارض مع مبادئ التنمية المستدامة والعادلة. وتستند الدراسة في ذلك إلى بيانات ومعلومات مختارة، مستقاة من الوثائق والبيانات الرسمية، وتقارير المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية، إضافة إلى الدراسات السابقة التي تناولت النمذج التنموية العربية.
جين هاريغان، الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية، ترجمة أشرف سليمان، سلسلة عالم المعرفة 465 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2018)، ص.109-108 سالي محمد فريد، "مأزق شرق أوسطي: هل يتفاقم الجوع العالمي بعد حظر صادرات الغذاء لبعض الدول؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (2022)، شوهد في 2025/9/3، في: https://2u.pw/95D298
تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث، يتناول الأول الإطار النظري لقضية الغذاء على المستوى الدولي، من خلال المقارنة بين أطروحتي "الأمن الغذائي" و"السيادة الغذائية" وتحليل دلالاتهم في سياق العولمة. أما الثاني، فيبحث في مسار التحول في السياسات الغذائية في الدول العربية من الاكتفاء الذاتي إلى تسليع الغذاء، مع إبراز تأثير توجّهات المؤسسات المالية الدولية في هذا التحول. في حين يركز الثالث على التحديات البنيوية التي تواجه السياسات الزراعية في المنطقة العربية في ظل تفاقم التغيرات المناخية، وما تتركه من تداعيات على منظومة الأمن الغذائي وهشاشتها.
أولًا: جدل الأمن الغذايئ والسيادة الغذائية: نقاش نظري
يطرح بيير روزانفالون، في كتابيه أزمة دولة الرفاه (1981) والمسألة الاجتمعية الجديدة: إعادة التفكير في دولة الرفاه (1995)، مأزق النموذج التقليدي "التأميني" assurantiel لدولة الرفاه، ويدعو من خلاله إلى التحول نحو نمط جديد نعته ب "دولة الرفاه النشطة" actif social L'État، وهو نمط يعزز الإدماج الاجتمعي والاقتصادي في مواجهة التغيرات العالمية. ويعكس مأزق النموذج التقليدي التأميني جانبًا مهمًا من أسباب اضطراب مسار الإنتاج الفلاحي والزراعي على المستوى العالمي في ظل هيمنة العولمة الاقتصادية. بينت التداعيات الدولية في مجال الغذاء أن اختزال المسألة الزراعية في وظائفها الاقتصادية والاجتمعية التقليدية لم يعد كافيًا، بل أصبح من الضروري التعامل معها من خلال وظيفتها السياسية أيضًا؛ إذ تؤكد قراءة متغيرات
النظام الغذائي العالمي منذ منتصف القرن العشرين حتى الآن أن الوظيفة الفلاحية لم تعد مقتصرةً على الإنتاج لتلبية الاحتياجات الغذائية للشعوب، بل تجاوزتها لتصبح آلية مركزية لتقويض سيادة الدول وفرض الهيمنة عليها؛ ما يحوّل المسألة الزراعية إلى رهانات سياسية وخيارات استراتيجية تتجه نحو الغلبة والهيمنة. في هذا الإطار، ولفهم ميكانيزمات تعامل المنظومة الرأسملية العالمية – بما في ذلك المؤسسات المالية الدولية ووكالات التنمية التي تدور في فلكها - مع الفلاحة والزراعة، وتفكيك طرائق توظيفها واحتكارها للأخيرة، وتوجيه المنظومة الغذائية العالمية لخدمة مصالح القوى المهيمنة حاليًا التي تمتلك السلطة والنفوذ في هذه المؤسسات، تميز الأدبيات بين مفهومين متقابلين، على درجة عالية من التناقض والاختلاف، هم: الأمن الغذائي، والسيادة الغذائية. 1. الأمن الغذائي في إطار التنصيص على الحق في الغذاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتمعية والثقافية (1966)، مرّ تعريف مفهوم الأمن الغذائي بتطورات متعددة
النموذج التأميني التقليدي لدولة الرفاه عند روزانفالون يقوم على مفهوم للحماية الاجتماعية يرتبط أساسًا بالعمل وبالاشتراكات التي يقدّمها الأفراد. وتتولى إدارته صناديق مهنية تسعى للحفاظ على مستوى عيش العمال. ولا يستهدف هذا النموذج القضاء على الفقر أو تحقيق إعادة توزيع واسعة للموارد، بقدر ما يركّز على صون المكتسبات المعيشية المرتبطة بالعمل. ينظر: Pierre Rosanvallon, La Nouvelle question sociale: Repenser l'Etat-providence (Paris: Seuil, 1995). تقوم دولة الرفاه النشطة على تحويل الحماية الاجتماعية من تعويض سلبي إلى استثمار في قدرات الأفراد وإدماجهم في المجتمع. وسيم العبيدي وليلى الرياحي، غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا: تحليل للسياسات الفلاحية التونسية على ضوء مفهوم السيادة الغذائية، ترجمة فريد الرحالي (تونس: مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية، 2019)، ص.14
فرضتها المتغيرات الدولية والبيئية، فضلًا عن التطورات التكنولوجية العديدة. لكنّ التطور الأبرز الذي أثّر فيه كان مرتبطًا بالجدل الكبير حول النيوليبررالية وتوجّه الحكومات الواسع إلى تبنّي أفكارها. وفي هذا السياق، يبررز التعريف الذي اعتمده مؤتمر القمة العالمي للأغذية بروما في عام 1996، وهو تعريف حظي بقبول واسع من المنظمت الدولية؛ إذ أكد أن: "الأمن الغذائي يتحقق عندما يمتلك جميع الناس، في كل الأوقات، إمكانية الوصول المادي والاجتمعي والاقتصادي إلى الغذاء الكافي والآمن والصحي، الذي يلبّي احتياجاتهم الغذائية، وتفضيلاتهم الغذائية لحياة نشطة وصحية". ويعزز التعريف الإجرائي الذي طرحته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" FAOمفهومًا متعدد الأبعاد للأمن الغذائي، يرتكز على أربع ركائز رئيسة هي: 1. التوافر؛ أي أن يكون الغذاء متاحًا لجميع الناس، سواء من خلال الإنتاج المحلي أو عبرر الواردات، 2. القبول؛ أي أن يحظى الغذاء المتاح بالقبول من الناحية الثقافية والاجتمعية، 3. الملاءمة؛ أي أن يكون الغذاء صحيًا ومأمونًا، مع وجود ترتيبات لضمن إنتاجه بطريقة مستدامة تحافظ على حق الأجيال المقبلة في إنتاجه، 4. الوصول؛ أي قدرة الأفراد على الحصول فعليًا على الغذاء، ماديًا واقتصاديًا واجتمعيًا، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي الشامل. أصبح تعريف الأمم المتحدة، الذي يتأسس على هذه المقاربة الجديدة، الأساس الأيديولوجي الذي تروّج له المؤسسات المالية الدولية والمنظمت ووكالات التنمية المرتبطة بها لتحقيق الأمن الغذائي. لكن أظهرت الممرسة العملية اجتزاءً لهذا المفهوم وقطعه عن مبادئه التي أبرزها إعلان روما. ويتضح ذلك من خلال الخطاب السائد لهذه المؤسسات، أو في ممرسات الشركات الكبررى، والعلاقات التجارية الدولية، والسياسات الاقتصادية والزراعية الوطنية التي تسير وفقًا لمذهب النيوليبررالية. فقد بات "الأمن الغذائي" يُعرّف بملامح تقنية بحتة، تتلخص في التوافر والقبول والملاءمة والوصول، في حين جرى تجاهل العناصر الأخرى الأكثر ارتباطًا بالسياسات الاجتمعية، ومنها مكافحة الفقر واللامساواة، وتنمية الريف، وتعزيز وضع المنتجين الصغار، والممرسات الزراعية المستدامة، وهي شروط ضرورية لتحقيق الأمن الغذائي الشامل. ووفقًا لهذه المقاربة، يتحقق الأمن الغذائي من خلال ضمن توافر المواد الغذائية للدول والأشخاص، بغضّ النظر عن مصدرها أو الوسائل المستخدمة في إنتاجها، مع التركيز على الكفاءة الاقتصادية التي تستند إلى نظرية الميزة النسبية لدافيد ريكاردو، التي تؤكد أن الدول يمكنها تحقيق أقصى استفادة اقتصادية من خلال التخصص في إنتاج السلع التي تتمتع فيها بكفاءة نسبية؛ ما يعزز التجارة الحرة أداةً رئيسة للأمن الغذائي. وبناء عليه، تتمثل الأدوات الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي في ما يلي: تعزيز التجارة الحرة بناء على مبدأ الميزة النسبية، وتطوير القطاع الزراعي من خلال التحديث الزراعي باستخدام أحدث التقنيات، ونمو الناتج المحلي الإجملي، وتشجيع استثمرات القطاع الخاص في القطاع الزراعي.
توجد تعريفات متعددة له يحصيها بعضهم بنحو 30 تعريفًا. ينظر: عزام محجوب ومحمد المنذر بلغيث، "الحق في الغذاء والسيادة الغذائية"، في: شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، راصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية: الحق في الغذاء 2019:(بيروت 2019)، ص.50 8 هاريغان، ص.22 بول روبنسون، قاموس الأمن الدولي، دراسات مترجمة 38 (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2009)، ص.119 10 أديب نعمة، "الحق في الغذاء: إطار مفهوماتي ومقترحات عملية للمجتمع المدني"، في: شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، ص.22 11 المرجع نفسه.
جاء الترويج لفكرة الميزة النسبية في إنتاج الأغذية ضمن التوجهات النيوليبررالية، وهي فكرة متأصلة في النموذج الاقتصادي الليبررالي، وتوسعت بدفع الدول إلى الانخراط في اتفاقيات التجارة الحرة، خصوصًا بعد التحول الذي عرفه النظام التجاري العالمي مع إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995. ويجادل بعض الباحثين بأن تبنّي هذه الفكرة كأنها بديهية كان من نتيجته وقوع معظم دول الجنوب العالمي في وضع الهشاشة الغذائية. وتبدو فكرة الاعتمد على استيراد الاحتياجات الغذائية، احلًا لمشكلة الأمن الغذائي في العالم من خلال تكريس مبدأ التضامن بين الشعوب، فكرة مضللة؛ لأنها تتجاهل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتمعية التي تتداخل في هذه القضية. ويرى أمارتيا صن Sen Amartya أن انعدام الأمن الغذائي لم ينجم عن نقص الغذاء فحسب، بل عن فشل أنظمة الحقوق التي حرمت الأفراد والمجتمعات من الوصول إلى الموارد الأساسية، وهو فشل أسفر عن تفاقم الفقر وانعدام المساواة وغياب العدالة الاجتمعية. وُيبُررز هذا الموقف أهمية السياسات العامة في تعزيز الأمن الغذائي، ويشدد على دور العملية الديمقراطية؛ إذ تسهم المشاركة السياسية والصحافة الحرة في الكشف المبكر عن الأزمات. ويشدد صن على أن المشاركة الواعية تجعل الأمن الغذائي جزءًا أساسيًا من التنمية بوصفها حرية، ويرتبط ذلك بتكامل الأسواق مع المؤسسات الاجتمعية في السعي الجمعي للحد من الفقر والحرمان. أدت السياسات التي تبنّتها الدول الفقيرة، بما فيها الدول العربية، إلى الانحياز إلى متطلبات النظام الغذائي العالمي الذي تهيمن عليه الشركات الكبررى؛ ما أدى إلى تغيير طبيعة المنظومات الغذائية المحلية ونزعها من سياقها التقليدي، ومن ثم تهميش السكان الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم. ولم تنجح برامج التكيف الهيكلي، التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على هذه الدول خلال الثمنينيات، في تحقيق التنمية الاقتصادية الموعودة فحسب، بل أدت أيضًا إلى تصاعد موجات النزوح الجمعي للمزارعين الصغار من الأرياف إلى المدن، كم كانت الحال في دول شمل أفريقيا (المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر). وجعلت تلك البررامج، التي جمعت بين خفض الدعم الزراعي وتحرير التجارة، من الصعب على المزارعين الصغار في المناطق الفقيرة منافسة الشركات الزراعية المتعددة الجنسيات، التي لا تزال تحصل على مزيد من التسهيلات من حكومات دول العالم المتنافسة على جلب الاستثمرات الخارجية. وأدت هجرة المزارعين من الأرياف والقرى إلى تشكيل أحزمة الفقر، التي تمثّلها أحياء سكنية عشوائية ومنعدمة الخدمات تقريبًا، أحاطت بالمدن الكبررى في غالب الدول التي طبّقت سياسات برامج التكيف الهيكلي. وتحوّل هؤلاء المزارعون إلى عمل مأجورين ومستهلكين للمواد الغذائية المستوردة الرخيصة.
12 محمد رمضان وصقر نور، عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر (الجيزة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2021)، ص.32 13 أمارتيا صن، التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة 305 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2004)، ص.228-195 14 ديفد ريف، عار الجوع: الغذاء، والعدالة، والمال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة أحمد عبد الحميد أحمد، سلسلة عالم المعرفة 500 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2022)، ص.170-169 15 علي أموازي، "أزمة كوفيد 19 وضرورة النضال من أجل السيادة الغذائية بشمال أفريقيا"، شبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية (2021)، ص 10، شوهد في 2025/9/6، في: https://acr.ps/1L9BPji 16 رامي زريق وآن غوف، السيطرة على الغذاء: السيطرة على الشعب، الكفاح من أجل الأمن الغذائي في غزة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014)، ص.23
وكان هذا التدفق المستمر للمهاجرين من الأرياف ضروريًا لإبقاء الأجور الصناعية منخفضة، خدمة لمصالح الشركات الصناعية الكبررى التي حوّلت جزءًا من عملية إنتاجها إلى هذه الدول، استمرارًا لسياسات القوى الاستعمرية التي سبق أن طبّقتها في الفترة الاستعمرية لمصلحة شركاتها. يرى منتقدو هذا التوجه أن التأكيد على إمكانية تلبية احتياجات الفقراء والجياع على نحو كافٍ من دون التشكيك في النموذج السياسي والاقتصادي والاجتمعي الراهن، في ظل اختلال العقد الاجتمعي في كل مكان نتيجة ضغوط العولمة وتراجع الدور التاريخي للدولة القومية، يُعدّ نوعًا من التفكير بالتمنّي في أحسن الأحوال، بل إن هذا الأمر يظل يقَّدَم واجهةً "إنسانيةً" لتمكين الشركات المتعددة الجنسيات من السيطرة الكاملة على النظام الغذائي العالمي.
2. السيادة الغذائية
برز مفهوم "السيادة الغذائية" استجابة مباشرةً لأزمة الدولة الاجتمعية التي تفاقمت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، في ظل التحولات النيوليبررالية التي أعادت تشكيل دور الدولة عالميًا من خلال تبنّي نماذج
حوكمة تركّز على الكفاءة الاقتصادية والتكيف مع متطلبات السوق العالمية. وظهر هذا المفهوم، أول مرة، في عام 1996 خلال قمة الغذاء للفاو في روما، حين قدّمت حركة "الطريق الفلاحي" Campesina Via La، تعريفها للسيادة الغذائية بأنها: "الحق الدولي الذي يسمح للبلدان بوضع سياسات زراعية ملائمة ومناسبة لسكانها، من دون أن يكون لها تأثير سلبي في سكان البلدان الأخرى". وبناء عليه، يحمل هذا المفهوم طبيعة سياسية واضحة، مرتبطة بحق الدول في تحديد سياساتها الزراعية والغذائية بما يتوافق ومصالح شعوبها. وفي سياق الممرسات التي تلت قمة الغذاء هذه، واستمرار الأزمات واعتمد السياسات غير المنسجمة مع متطلبات تحقيق الأمن الغذائي، اجتمعت الحركات الفلاحية والنسائية والبيئية والتنموية المعنية بالموضوع مرةً أخرى في عام 2007، وأطلقت "إعلان نيليني" Nyéléni of Declaration، الذي أسّس مفهوم السيادة الغذائية بصيغته الراهنة، مُعيدًا الاعتبار إلى البعد السياسي والسياساتي في تحقيق الأمن الغذائي. وأصبح هذا المفهوم بديلًا من مفهوم "الأمن الغذائي" التقني الذي تبنّته المنظمت الدولية وقطاعات الأعمل المرتبطة بالنيوليبررالية، وكان ع نصرًا أساسيًا في خطابات العديد من الحكومات وسياساتها. وقد استُخدم مفهوم السيادة الغذائية لكشف الآثار العملية للمقاربة النيوليبررالية التي أسّست لسياسات تسليع الغذاء وتدمير النظم الزراعية المحلية. يشدد مفهوم "السيادة الغذائية" على مجموعة من المبادئ الأساسية، منها: الحق في الاختيار الحر للسياسات الزراعية لكل دولة، وحمية صغار المزارعين من الآثار الضارة للتجارة الدولية، وم عن ممرسات الإغراق،
17 فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز، صناعة الجوع خرافة الندرة، ترجمة أحمد حسان، سلسلة عالم المعرفة 64 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983)، ص.113 18 ريف، ص.118 19 حركة مزارعين عالمية، أسست في عام 1993، معروفة بمناهضتها للعولمة، وتعمل من أجل العدالة الغذائية. ينظر موقعها على شبكة الإنترنت: viacampesina.org 20 Michel Poitevin & Meryem Bezzaz, Autonomie alimentaire: Définitions et concepts (Rapport de projet 2020RP-33, CIRANO, 3 Décembre 2020), accessed on 12/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPHI 21 نعمة، ص.22
ومواجهة التغيرات الهيكلية للأسعار العالمية، والالتزام بمبادئ الزراعة المستدامة، والحق في رفض الممرسات أو التقنيات غير الملائمة والمنتجات المعدّلة وراثيًا. ولا يعني هذا أن هناك تعارضًا جوهريًا بين مفهوم السيادة الغذائية والتجارة الدولية، بقدر ما يُخضع الأولى الأخيرةَ لحق الشعوب في إنتاج زراعي وغذائي محلي، صحي، وبيئي، يجري في إطار ظروف عادلة تحترم حقوق جميع الشركاء في ظروف عمل لائقة ومتكافئة. ويرى مؤيدو مفهوم السيادة الغذائية أن هدف تعزيز الأمن الغذائي العالمي لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الإنتاجية أو حجم الإنتاج في البلدان المصدّرة، بل يجب أن يركّز على تطوير القدرات الزراعية للبلدان الأقل نموًا، والتي يعاني سكانها انعدامَ الأمن الغذائي. ويستند هذا الرأي إلى خبررة تاريخية كولونيالية؛ فقد اعتمدت استراتيجيات القوى الاستعمرية على تثبيت اعتمد مستعمراتها على المواد الغذائية المستورَدة، سواء من خلال فرض إنتاج المحاصيل النقدية في المستعمرات باستخدام القوة المادية أو الاقتصادية، أو عبرر سياسة "إغواء" الفلاحين بعدم إنتاج الغذاء المحلي من خلال إبقاء أسعار المستورَد منخفضة؛ ما أدى إلى تدمير الأسواق المحلية وإفقار المنتجين المحليين. فعلى سبيل المثال، أسفرت السياسات الزراعية الاستعمرية في الدول العربية عن تحويل "القيمة المضافة" للإنتاج الزراعي لخدمة اقتصادات القوى الاستعمرية؛ ما كرّس التبعية الاقتصادية ونتج منه بُنى اقتصادية - اجتمعية عربية مزدوجة، أصبحت تشكّل المرجعية التشريعية لأنماط الملكية والحيازة الزراعية في النصف الثاني من القرن العشرين. يسعى أنصار حركة السيادة الغذائية لإعادة قضية الغذاء إلى صميم النقاش السياسي، الذي نُزع طابعه السياسي إلى حد بعيد نتيجة الدور المهيمن للسوق. ويرون أن توفير الغذاء الكافي لشعوب العالم لا يقتصر على تطوير تقنيات النظام الغذائي وزيادة الإنتاج فحسب، بل يتطلب معالجة المعضلة الأساسية المتمثلة في السؤالين: من يسيطر على الإنتاج؟ ومن يشارك فيه؟ ويستدعي هذا السؤال إعادة النظر في الأسس السياسية والأخلاقية للنظام الغذائي العالمي، مع مراعاة العلاقة بين التنظيم الاقتصادي، والتطور التكنولوجي، والإنصاف، والاستدامة، لبناء نظام غذائي جديد، أكثر عدلًا ويضمن توفير الغذاء للجميع. وتنظر السيادة
22 المرجع نفسه. 23 كيف يمكن مزارعي الدول النامية المنافسة في التجارة الدولية، في حين تحصل البقرة الواحدة على دعم يبلغ 803 دولارات في دول الاتحاد الأوروبي، و 1057 دولارًا في الولايات المتحدة، و 2555 دولارًا في اليابان؟ هذا الدعم يفوق الدخل الفردي السنوي في دول مثل إثيوبيا (120 دولارًا)، وبنغلاديش (360 دولارًا)، وأنغولا (660 دولارًا)، وهندوراس (920 دولارًا). ينظر: روزي بريدوتي، ما بعد الإنسان، ترجمة نحان عبد المحسن مظفر، سلسلة عالم المعرفة 488 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2021)، ص.21 24 Frédéric Paré, "Pour la sécurité alimentaire: Restaurer la responsabilité d'État Les besoins de la société civile la souveraineté alimentaire au service de la sécurité alimentaire," Revue Internationale de Droit Économique , vol. XXVI, no. 4 (2012), pp. 88-89. 25 مور لابيه وكولينز، ص.99-93 26 سالم توفيق النجفي، سياسات الأمن الغذائي العربي: حالة الركود في اقتصاد عالمي متغير (رؤية للمستقبل) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.48 27 Marie Hrabanski, "Souveraineté alimentaire: Mobilisations collectives agricoles et instrumentalisations multiples d'un concept transnational," Revue Tiers Monde , vol. 207, no. 3 (2011), p. 155. 28 مور لابيه وكولينز، ص.131 29 ريف، ص.141
الغذائية إلى الديناميات المرتبطة بالطبقة والسلطة باعتبارها عوامل ضرورية للتغيير الديمقراطي، ووسيلة لتحدّي النظام الغذائي الحالي الذي تهيمن عليه الشركات الكبررى. كشفت أزمات الغذاء العالمية المتتالية خلال العقدين الأخيرين عن حقائق تؤكدها حركة السيادة الغذائية، وهي عدم قدرة النظام الغذائي العالمي على تحقيق متطلبات "الأمن الغذائي"؛ إذ إنه قائم في جوهره على توليد انعدام الأمن الغذائي. فمنظمة التجارة العالمية تؤكد إنهاء سياسات الاعتمد على الذات في مجال الأغذية باسم الأسواق الحرة؛ إذ تنصّ اتفاقية الزراعة "على نموذج للزراعة له بعد واحد فقط في الأساس، هو زيادة الإنتاج الزراعي للصادرات، واستيراد ما لا يمكن إنتاجه من دون حمية جمركية أو إعانات للمنتجين". وقد عّبتر البواعث النقدية لطرح مفهوم السيادة الغذائية عن رفض النظام الغذائي الحالي، وضرورة السعي لتفكيكه والقطع مع سياسات توافق واشنطن ومنطلقاته والأيديولوجيا النيوليبررالية، سواء على مستوى التعامل مع الزراعة في الدول الفقيرة، أو على مستوى التجارة الدولية، التي مكّنت شركات الأغذية الزراعية المتعددة الجنسيات من الهيمنة على قضية الغذاء العالمي، بما يشمل السيطرة على البذور، والأسمدة، والمبيدات الكيميائية. ووجّهت حركة السيادة الغذائية النقد نحو المنطق التجاري الذي يسيطر على النظم الغذائية، ودعت إلى تبنّي رؤية جذرية تعيد صياغة العقد الاجتمعي بما يتوافق مع مقتضيات الأزمة البيئية، وتطرح مبادئ عامة تؤسّس لمشروع فلاحي جديد، يقوم على مركزية المزارع بوصفه فاعلًا رئيسًا في عملية الإنتاج وتوفير الطعام، والحفاظ على ديمومة الموارد الطبيعية شرطًا أساسيًا لتحقيق السيادة الغذائية، مع وضع حقوق استغلال الأراضي والمياه والبذور والماشية والتنوع البيولوجي وإدارتها في أيدي منتجي الغذاء، وليس باعتبارها سلعًا تتاجر بها الشركات الكبررى. لم تعفِ تلك الطروحات رؤية السيادة الغذائية من النقد؛ إذ لم توفّر إطارًا منهجيًا لصياغة السياسات الزراعية التي تدعو إليها، والتي تتكيف مع التحديات العالمية. فعلى الرغم من تركيزها على دعم الزراعة المحلية ومواجهة الهيمنة الرأسملية، فإنها لا تزال تفتقر إلى تحليل دقيق لكيفية تطبيق سياسات زراعية شاملة؛ ما يحدّ من فاعليتها في معالجة قضايا الأمن الغذائي، وتغّير المناخ، والنمو الديموغرافي. ويثير غياب استراتيجيات تكامل مع الأطر التنظيمية الوطنية والدولية تساؤلات حول جدواها بوصفها بديلًا مستدامًا من الأنظمة الزراعية الراهنة. إجملًا، إذا كان مفهوم الأمن الغذائي يتوافق مع نظرية التنمية القائمة على التجارة الدولية والميزة النسبية، وفقًا لمنطلقات ليبررالية تؤكد أهمية الاعتمد المتبادل في تحقيق السلم والأمن الدولَّييَن، فإنّ مفهوم السيادة الغذائية يقدّم منظورًا شاملًا للتنمية، يستند إلى تلبية الاحتياجات الغذائية للشعوب من الإنتاج الزراعي المحلي خيارًا بديلًا من السياسات النيوليبررالية. ولا يقوم هذا المنظور على التعارض الفكري معها فحسب، بل
30 زريق وغوف، ص.31 31 Philip McMichael, "Historicizing Food Sovereignty: A Food Regime Perspective," Conference Paper for Discussion at Food Sovereignty: A Critical Dialogue, International Conference Yale University, 14-15/9/2013, p. 9, accessed on 30/4/2024, at: https://acr.ps/1L9BPpf 32 Hrabanski, p. 61. 33 العبيدي والرياحي، ص.27 34 رمضان ونور، ص.26
يستند أيضًا إلى النتائج الكارثية التي أحدثتها هذه السياسات النيوليبررالية في مجال الغذاء، والتي أسهمت في الأزمات الغذائية التي شهدتها مناطق عديدة من العالم خلال العقود الأخيرة. في ظل هذا الجدل، يبررز التساؤل حول مدى تأثير أفكار هاتين الرؤيتين المتعارضتين في السياسات التي اتبعتها الدول العربية لتأمين احتياجات شعوبها الغذائية.
ثانيًا: من سياسات الاكتفاء الذايت إلى سياسات تسليع الغذاء
اتجهت الدول العربية، في خضمّ الحمس الذي تزامن مع حصولها على الاستقلال عن القوى الاستعمرية، نحو سياسات الاكتفاء الذاتي الغذائي، من خلال تبنّي سياسات زراعية تدخّلية، تعتمد على دور الدولة في تحفيز الإنتاج الزراعي المحلي لتلبية الطلب المتنامي الناجم عن النمو الديموغرافي. وقد تأثر هذا التوجه، الذي يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بعدّة عوامل جيوسياسية وبنيوية شكّلت الإطار الذي يحكم سياسات هذه الدول في القطاع الزراعي. على صعيد العامل الجيوسياسي، كانت ثمة مخاطر كبيرة مرتبطة بالاعتمد على الخارج لتلبية الاحتياجات الغذائية، في ظل الصراعات والتقلبات العالمية. وقد استشعرت الدول العربية هذه المخاطر مباشرة عندما لوّحت الولايات المتحدة الأميركية في بداية سبعينيات القرن الماضي بوقف تزويدها بالمواد الغذائية الأساسية، ردّا على تهديد منظمة الدول المصدّرة للنفطOPEC بالامتناع عن تصدير النفط إلى الغرب في سياق الحرب العربية - الإسرائيلية (تشرين الأول/ أكتوبر 1973)؛ إذ استعملت الولايات المتحدة الغذاء سلاحًا للضغط على البلدان المستوردة للقمح. وبرزت أيضًا بنية الدولة العربية عاملًا مؤثرًا، حيث كانت المنطقة منقسمة اقتصاديًا بين دول ذات توجه اشتراكي، وأخرى ذات توجه ليبررالي، وهو ما انعكس على سياساتها الزراعية. وقد استغلت الأنظمة السياسية سياسات الإصلاح الزراعي لتكريس شرعيتها، من خلال شراء التأييد السياسي عبرر توفير الإيجارات والريوع للمؤيدين، ومنحهم تراخيص الاستيراد والعقود الحكومية والأراضي والتمويل الرخيص. وأدت هذه السياسات إلى تشوّهات في بنية التوزيع الحيازي للأراضي الزراعية، ونجم عنها – نتيجة التساهل في مسألة العدالة في توزيع الأصول الرأسملية الزراعية - ارتفاع مؤشر التباين في امتلاك الأراضي إلى مستويات عالية؛ إذ انقسمت الأراضي بين مزارع كبيرة وأخرى صغيرة. وأغفلت هذه السياسات كذلك العلاقة بين امتلاك الأصول الرأسملية (الأرض الزراعية) من جهة، وتفاقم أوضاع الفقر والجوع من جهة أخرى. ولهذا، لم تنجح هذه السياسات في بناء اقتصادي وطني تنافسي، ففشلت في تطوير قطاع زراعي قادر على تلبية احتياجات الشعوب العربية؛ إذ تجاوزت معدلات نمو الطلب على السلع الزراعية، وبخاصة الأساسية منها، معدلات الإنتاج بنسبة كبيرة. ويوضح الشكل أن الدول العربية، عمومًا، كانت تستورد خلال الثمنينيات
35 محمد سعيد السعدي، "تأثير السياسات الزراعية على الأمن الغذائي في العالم العربي"، في: شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، ص.140 36 المرجع نفسه. 37 هاريغان، ص.66 38 النجفي، ص.50
أكثر من نصف احتياجاتها من الحبوب. وتفاقم هذا مطلع التسعينيات؛ حيث تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب في الدول العربية من 59.35 في المئة في عام 1992 إلى 37.18 في المئة في عام 2022، مع تقلبات واضحة في بعض الدول، مثل المغرب (من 72.17 في المئة في عام 1982 إلى 28 في المئة في عام 2022)، وتونس (من 55.83 في المئة إلى 32.6 في المئة)، والأردن (من 10.14 في المئة إلى 2 في المئة)، خلال الفترة نفسها.
الشكل يوضّح اتجاهات الاكتفاء الذاتي من الحبوب في الدول العربية (2022-1982)
المصدر: جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية العربية، مج 4، 14، 23، 33، 43 (2023-1984)، شوهد في 2025/8/8، في: https://acr.ps/1L9BP0F
أدت السياسات التنموية التي اتبعتها الدول العربية في تلك المرحلة إلى ارتفاع كبير في تكاليف المخططات والسياسات الزراعية؛ ما خلّف آثارًا اجتمعية وبيئية سلبية، تجلت في تقليص الموارد المالية المخصصة للخدمات الاجتمعية الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والحمية الاجتمعية. وأسهم الإفراط في استخدام مياه الري في تدهور الأنظمة البيئية؛ إذ تسبّب في استنزاف طبقات المياه الجوفية؛ ما أدى إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية على المدى الطويل. في هذا السياق، لجأت دول عربية عديدة إلى القروض الخارجية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتمعية التي اجتاحت المنطقة خلال الثمنينيات والتسعينيات. وفي ظل المشروطية التي رافقت هذه القروض، واتجاه الدول العربية إلى تبنّي سياسات المؤسسات المالية الدولية ذات التوجهات "النيوليبررالية"، شرعت تلك الدول في إجراء إصلاحات اقتصادية، كان أبرزها التوجه نحو التصدير والاعتمد على التجارة الدولية استنادًا إلى مبدأ الميزة النسبية الدولية. وشجعت القطاع الخاص على الاستثمر في القطاع الزراعي، مستغلةً قدراته المالية الكبيرة لجلب التقنيات الحديثة في عمليات الإنتاج الزراعي الموجّه إلى التصدير. وسعت لتنويع الإنتاج الزراعي بالابتعاد عن المحاصيل "الأكثر استهلاكًا للمياه"، مثل القمح والشعير، والتوجه نحو زراعة محاصيل وُصفت بأنها "عالية القيمة"، مثل الفواكه والخضروات، مخصصة للتصدير. ويلاحظ أن خطاب المؤسسات
39 هاريغان، ص.68
المالية الدولية المعِّزِز لهذا التحول بَّرَر هذه السياسات، مدّعيًا أنها توفر فرصًا أوسع لأصحاب الأراضي في مجال الأعمل، وتعزّز فرص العمل للنساء والعمل الذين لا يملكون الأراضي، وتسهم في رفع الأجور الزراعية، إضافة إلى إمكانية استخدام عوائد التصدير لتغطية تكاليف استيراد الحبوب وغيرها من المواد الغذائية. مع اتساع نطاق تطبيق السياسات النيوليبررالية في الدول العربية، شهدت الملكية الزراعية تحولات مهمة. فعلى سبيل المثال، اضطلع مسار تعميق الاختيار الليبررالي في تونس خلال الثمنينيات بدور أساسي في إعادة رسم خريطة تملّك الأراضي الصالحة للزراعة؛ إذ أصبحت مجموعة صغيرة جدًا تتحكم في أخصب الأراضي الفلاحية، سواء أكانت أراضي الدولة المعروضة للاستغلال عن طريق الكراء، أم عبرر التخريب الممنهج للوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي قصد التحضير لبيعها للقطاع الخاص (الشركات). ولوحظ ارتفاع عدد الفلاحين التونسيين الذين يملكون أقل من خمسة هكتارات إلى أكثر من الضعف بين عامَي 1961 و 2005؛ إذ ارتفع عددهم من 133 ألف فلاح في عام /1961 1962 إلى 281 ألفًا في عام /2004 2005. ومع ذلك لم تتحسن حصة هذه الفئة من الأراضي الزراعية إلا على نحو محدود جدًا؛ إذ ارتفعت من 318 ألف هكتار إلى 556 ألف هكتار خلال الفترة نفسها. وبالنظر إلى توزيع الملكيات بين الصغيرة والمتوسطة والكبررى، يتبّين أن الفلاحين الذين يملكون أقل من خمسة هكتارات، الذين شكّلوا نحو 54 في المئة من عدد المزارعين والمنتجين التونسيين في عام /2004 2005، لم يمتلكوا سوى 11 في المئة من إجملي الأراضي الزراعية. في المقابل، شكّل أصحاب الأراضي التي تراوح مساحتها بين 20 هكتارًا و 100 هكتار نحو 10 في المئة من الفلاحين، لكنهم امتلكوا 34.6 في المئة من الأراضي. أما أصحاب الأراضي الأكبرر من 100 هكتار، والذين يمثلون نحو 1 في المئة فقط من الفلاحين، فقد استحوذوا على 22 في المئة من المساحة الزراعية الإجملية. أما في المغرب، فقد أدت السياسات الليبررالية المتبنّاة خلال العقود الأربعة الماضية إلى تحرير القطاع الزراعي؛ ما أسفر عن تهميش الاستغلاليات الفلاحية العائلية، وظهور برجوازية جديدة وسّعت إرثها العقاري الفلاحي من خلال تملّك الأراضي المسترجعة عن الاستعمر، وشراء الأراضي التي كانت الدولة قد فوّتتها لصغار الفلاحين، الذين أصبحوا عالقين بين ندرة الموارد المائية وظروف المناخ القاسية. وقد عمّقت هذه السياسات الفجوة
40 البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية (واشنطن: البنك الدولي، 2009)، ص 33-29، شوهد في 2025/9/15، في: https://acr.ps/1L9BOXk 41 العبيدي والرياحي، ص 17. نشأت وحدات التعاضد في تونس ضمن السياسة الاشتراكية الدستورية في الستينيات بقيادة أحمد بن صالح، بهدف إعادة هيكلة المجتمع الريفي ومواجهة تفتت الملكيات الزراعية عبرر الوحدات التعاونية للإنتاج الفلاحي. وبدأت التجربة في عام 1962 بالتركيز على الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي، فقد ارتفع عددها بعد صدور القانون رقم 19 لعام 1963 ليبلغ في آب/ أغسطس 1969 نحو 1762 وحدة تغطي قرابة 4,11 مليون هكتار، مدعومة بدور النقابيين والدولة في الإشراف، لكنها امتدت إلى القطاعات التجارية والصناعية. وقد فشلت التجربة في عام 1969 بسبب النهج السلطوي من أعلى إلى أسفل، والتعميم العشوائي من دون إجراء دراسات ميدانية كافية؛ ما حول الوحدات إلى هياكل خاضعة للسلطة السياسية، وأدى إلى تهميش الفلاحين الصغار. ينظر: Douglas E. Ashford, "Succession and social change in Tunisia," Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, n°13-14 (1973), pp. 49-65; "تجربة التعاضد في الستينات: السياقات والإكراهات"، عدالة اجتماعية بالعربي، 2025/1/12، شوهد في 2026/1/21، في: https://cutt.ly/ftWfoLFZ 42 Habib Ayeb & Ray Bush, Food Insecurity and Revolution in the Middle East and North Africa Agrarian Questions in Egypt and Tunisia (London/ New York: Anthem Press, 2019), p. 96. 43 كما جاء في الحوار الذي أجرته مجلة ميديا 24 الناطقة بالفرنسية مع المندوب السامي للتخطيط بالمغرب: "Comment va le Maroc? Une conversation avec Ahmed Lahlimi," Medias 24 , 26/5/2024, accessed on 20/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPEb
بين المزارع الكبررى ذات الرسملة العالية، والتي تتمتع بالآليات الحديثة والاستثمرات المكثّفة في الريّ وغيرها، والوحدات الصغرى التي يمتلكها صغار الفلاحين، والتي تفتقر إلى الموارد، سواء أكانت أراضيَ أم ثروة حيوانية. ولا تزال هذه الثنائية قائمة حتى اليوم، حيث أدت إلى تفاوت واضح في مستوى الدعم العمومي والاعتراف بدور كل فئة. ووفقًا لتقرير المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي لعام 2024، تشكّل الاستغلاليات التي تقل مساحتها عن 5 هكتارات في المغرب نحو 70 في المئة من إجملي الاستغلاليات الفلاحية، لكنها لا تمثّل سوى 25 في المئة من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. وعلى الرغم من الدور الحيوي الذي تؤديه هذه الاستغلاليات في النظام الغذائي والحفاظ على المناطق القروية، فإن نصيبها من الدعم العمومي والتمويل ظل محدودًا مقارنة بالمزارع الكبررى؛ إذ بقي أكثر من 80 في المئة من الأراضي الفلاحية التي يمتلكها صغار الفلاحين خارج تغطية الاستفادة من المخطط الأخضر (2020-2008) والموارد المالية والتقنية التي وفّرتها الدولة في إطار تنفيذ هذا المخطط. وعلى الرغم من إشادة المقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء هلال إلفرHilal Elver في تقريرها حول، المغرب في عام 2016 ب "اعتمد المغرب مجموعة واسعة من السياسات والبررامج لضمن التمتع الفعلي بالحق في الغذاء"، فإنها أكّدت في المقابل أن هناك تحديات كبيرة لا تزال تواجه المغرب في هذا المجال، "لا سيم ما يتعلق بمعالجة عدم المساواة، والفوارق المتزايدة في الدخل بين المناطق، وكذلك بين المناطق الحضرية والريفية"، وأوضحت أنه "على الرغم من أن اعتمد اقتصاد السوق الحر قد أسهم في النمو الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة، فإنه لم تستفد منه جميعُ الفئات؛ إذ لا يزال الفقر مرتفعًا خاصة في المناطق الريفية (القروية"). وقد وجّهت إلفر، من خلال هذا التقرير، انتقادات إلى المخطط الأخضر الذي اعتمدته الحكومة المغربية منذ عام 2008 في إطار سياساتها الزراعية، داعيةً إياها إلى ضرورة "ضمن استفادة الجميع، من خلال اتخاذ خطوات تكفل تمكين المزارعين الصغار في المناطق الريفية (القروية)، الذين ينتجون منتجات محلية عالية القيمة، من الحصول على قيمة سوقية عادلة، واستشارتهم على نحو فعال في القرارات التي تؤثّر في سبل عيشهم، مع تجنّب استنزاف الموارد الناجم عن الممرسات الزراعية المكثفة". ويكتسب هذا الانتقاد وجاهته إذا علمنا أن هذا المخطط الزراعي الذي استفاد من "مساعدات" كبيرة من البنك الدولي (لغايات الري، وإنشاء الطرقات والقنوات، وإدخال الكهرباء... إلخ) قد أدى إلى استغلال مفرط للفرشة المائية في مناطق تعاني أصلًا نقصًا حادًا في المياه السطحية والجوفية، وذلك نتيجة لجوء الفلاحين الكبار إلى استعمل الغاز المدعوم سعره من الدولة لضخ المياه الجوفية؛ ما أفرز تحديات من نوع آخر، لم يجرِ استشراف حلول
44 المعهد المغربي لتحليل السياسات، السيادة الغذائية في المغرب (2025)، ص 11، شوهد في 2025/9/21، في: https://acr.ps/1L9BPlk 45 المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الفلاحة العائلية الصغيرة والمتوسطة من أجل مقاربة أكثر ملاءمة، مبتكرة ودامجة مستدامة، وذات بعد ترابي (2024)، ص 13، شوهد في 2025/12/4، في: https://acr.ps/1L9BOVN 46 المعهد المغربي لتحليل السياسات، ص.11 47 زكرياء الإبراهيمي، "ما وراء الندرة: ملاحظات حول اللامساواة الاجتماعية في الماء بالمغرب"، سلسلة السياسات البيئية، مبادرة الإصلاح العربي (2025)، ص 6، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BP80 48 Elver Hilal, Report of the Special Rapporteur on the right to food on her mission to Morocco (United Nations, 2016), p. 18, accessed on 22/4/2024, at: https://acr.ps/1L9BPmQ 49 Ibid., p. 19. 50 بيير فيرموران، المغرب في 100 سؤال: مملكة التناقضات، ترجمة أحمد بن الصديق (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2023)، ص.221
مستقبلية لها. وموازاةً مع ذلك، استغل العديد من المستثمرين الكبار وأصحاب رأس المال السياسي والمقاولين من دعم الدولة في إطار هذا المخطط، واستعمل بعضهم نفوذهم السياسي للهيمنة على الأراضي العامة واستغلالها بطرائق غير قانونية، كم وقع في حالة زراعة النخيل التسويقية (من صنف "المجهول") في منطقة تافيلالت. بل إن بعضهم استغل نفوذه من أجل الضغط على صغار الفلاحين في هذه المنطقة، وخاصة المهاجرين، من أجل دفعهم إلى بيع أراضيهم خلال فترات الجفاف بأثمان بخسة، أو مقايضتها بأراضٍ في مناطق أخرى. أدى تحرير القطاع الزراعي في الدول العربية، في إطار الإصلاحات الاقتصادية، التي نُفذت خلال العقود الأربعة الماضية نتيجة تطبيق برامج التكيف الهيكلي، إلى ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية الأساسية؛ الأمر الذي جعل المزارعين الصغار غير قادرين على تحمّل تكاليفها، ودفع العديد منهم إلى التخلي عن النشاط الزراعي. وأسهم ذلك في تصاعد حدة التفاوت الاجتمعي في المنطقة العربية، لا سيم أن نحو ربع سكانها يُعدّون من الفقراء، ويعيش قرابة 76 في المئة منهم في المناطق الريفية، وهو ما يعكس فشل السياسات التنموية، بما فيها الزراعية، التي انتهجتها الدول العربية طوال العقود الأربعة الماضية في إعادة توزيع الثروة. أصبحت المنطقة العربية تسجّل أعلى مستويات عدم المساواة على مستوى الدخل على الصعيد العالمي، مع تباينات ملحوظة من بلد إلى آخر؛ إذ لا يملك أفقر 50 في المئة من سكان المنطقة العربية سوى نحو 9 في المئة من إجملي الدخل، في حين يحتكر أغنى 1 في المئة نحو 23 في المئة من هذا الدخل، ويتمتعون بمتوسط دخل يفوق بنحو 128 مرة متوسط دخل أدنى 50 في المئة على سلّم الدخل. ويتجلى التفاوت الاجتمعي على نحو خاص في المناطق الريفية (القروية) العربية، التي لا تزال تعاني نقصًا حادًا وحرمانًا في البنية التحتية والخدمات العامة، من قبيل التعليم والصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء، إضافةً إلى ارتفاع معدلات البطالة. وأدى ذلك إلى تراجع معدلات الفقر فيها بوتيرة أبطأ مقارنةً بالمناطق الحضرية، حيث يبلغ متوسط الفقر نحو 34 في المئة. ونجم عن هذه الأوضاع تزايد أعداد النازحين الريفيين من أصحاب الحيازات الفلاحية الصغيرة نحو المدن، إلى جانب تراجع نسبة السكان الريفيين في العالم العربي من 68.8 في المئة في عام 1960 إلى 47 في المئة في عام 2000، ثم إلى 40.5 في المئة في عام 2020. وعلاوة على ذلك، كلّف التزام الدول العربية، ومن بينها المغرب وتونس والأردن، ببررامج المؤسسات الاقتصادية الدولية، العمل على إدارة الطلب والاتجاه نحو خفض الإنفاق العام، وإعادة توجيهه نحو تحفيز الصادرات، ولا سيم صادرات الزراعات النقدية. وترتب على ذلك تزايد اعتمدها إلى حد بعيد على استيراد الأغذية
51 لحسن حداد، جدلية السياسي والتنموي في المغرب: نحو عقد اجتماعي جديد (الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق، 2019)، ص.136 52 فوزية برج، "بيئوية الفقراء: دينامية التكيف وممارسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية"، عمران، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.91 53 Ray Bush, "Family Farming in the Near East and North Africa," Working Paper , no. 151, The Food and Agriculture Organization of the United Nations and the United Nations Development Programme (2016), p. 15. 54 البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ص.9 55 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، عدم المساواة في المنطقة العربية: غياب الأمن الغذائي يشغل الفوارق:(بيروت 2023)، ص.14 56 المرجع نفسه، ص.27 57 جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، التقرير العربي للتنمية الريفية المستدامة (الخرطوم: 2023)، ص.52-31
الأساسية، وتضخّم حصتها من الواردات الزراعية والغذائية على الصعيد الدولي. ففي الوقت الذي حققت فيه المنطقة العربية الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفواكه في عام 2020، ظل ميزانها التجاري الغذائي بالحبوب، التي تؤدي دورًا محوريًا في أمنها الغذائي، يسجّل عجزًا متفاقمًا عامًا بعد آخر؛ إذ ارتفع من 32417 ألف طن في عام 1990، إلى 56146 ألف طن في عام 2005، ثم إلى 84469 ألف طن في عام 2022. وبحسب تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية حول أوضاع الأمن الغذائي العربي لعام 2023، تستورد المنطقة العربية حاليًا من خارج الوطن العربي ما بين 40 و 60 في المئة من احتياجاتها من القمح، و 58 في المئة من احتياجاتها من الذرة الشامية، و 90-85 في المئة من احتياجاتها من زيت عباد الشمس، و 70-60 في المئة من احتياجاتها من زيت الذرة، ونحو 80–70 في المئة من احتياجاتها من السكر. ويجعل هذا الاعتمد الكبير على الواردات الدولَ العربية أكثر عُرضةً للتقلبات في الأسعار العالمية، ويزيد من تأثر أمنها الغذائي بالتغيرات التي تشهدها الأسواق الدولية وبالتحولات الجيوسياسية.
ثالثًا: السياسات الزراعية يف المنطقة العربية على محكّ التغيرات المناخية
تفرض التغيرات المناخية، بما تُحدثه من اختلالات بيئية وهيكلية، تحدياتٍ متصاعدةً أمام جهود تحقيق الأمن الغذائي في الدول العربية؛ إذ باتت آثارها المباشرة وغير المباشرة تُلقي بثقلها على إنتاج الغذاء وتوزيعه واستدامته. وفي مواجهة هذه التداعيات، اتجهت دول عديدة في المنطقة إلى طلب التمويل الدولي المخصص للعمل المناخي. غير أن هذه التمويلات غالبًا ما تكون قروضًا مشروطة، تُلزم الدول المعنية باعتمد سياسات
زراعية واقتصادية تُعزّز منطق تسليع الغذاء، بدلًا من دعم مسارات تحقيق السيادة الغذائية.
1 ي. تأثير التغيرات المناخية ف الأمن الغذائي في المنطقة العربية
يعدّ قطاع الزراعة من أكثر القطاعات التي بدأت تتأثر سلبيًا بالتغيرات المناخية في المنطقة العربية، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها الغذائي. ولا يقتصر ذلك على انخفاض التساقطات أو عدم انتظامها وتوالي فترات الجفاف، بل يشمل أيضًا ارتفاع درجات الحرارة وما يترتب عليها من زيادة معدلات التبخر؛ الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الإنتاجية الزراعية وتدهور جودتها. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع مستوى سطح البحر، وما ينجم عنه من تقلّص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وارتفاع نسبة ملوحة المياه الجوفية والتربة
58 Chantal Le Mouël et al., "Can the Middle East‑North Africa Region Mitigate the Rise of its Food Import Dependency under Climate Change?" Regional Environmental Change , vol. 23 (2023), p. 52. 59 هبة عبد المنعم [وآخرون]، "التداعيات الاقتصادية الإقليمية والدولية للتطورات العالمية الراهنة"، موجز سياسات، العدد 28 (2022)، ص.8 60 رقية خلف حمد الجبوري، السياسات الزراعية وأثرها في الأمن الغذائي في بعض البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص.72 61 جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية، مج 43 (2023)، شوهد في 2025/12/12، ف:ي https://acr.ps/1L9BOSf 62 جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، التقرير السنوي لأوضاع الأمن الغذائي العربي، العدد 35 (2023)، ص 30-29، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BPNp 63 المرجع نفسه.
الزراعية، في عموم المنطقة العربية. ويشمل هذا التأثير بعضًا من أجود الأراضي الزراعية وأكثرها إنتاجية، مثل دلتا النيل، وساحل المغرب على المحيط الأطلسي، والسهول الساحلية في عُمن. وعلى الرغم من اتساع الرقعة الجغرافية للمنطقة العربية وترامي أطرافها، فإنّ حصتها من إجملي المياه السطحية الجارية في العالم لا تتجاوز 1 في المئة، إضافة إلى أن مخزونها من المياه الجوفية غير المتجددة شهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة النمو الديموغرافي، وتفاقم حدة التغيرات المناخية، فضلًا عن أنماط استخدام المياه غير المستدامة. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في انخفاض متوسط نصيب الفرد العربي من المياه من نحو 1350 مترًا مكعبًا سنويًا في عام 1990 إلى نحو 650 مترًا مكعبًا سنويًا في عام 2021، علمًا أن خط الفقر المائي العالمي يُقدّر بنحو 1000 متر مكعب للفرد في السنة. ومن المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة سنويًا في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا إلى ما دون حدّ الندرة للمياه، البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًا بحلول عام 2030. وإجملًا، يصنّف حاليًا أكثر من نصف الدول العربية في مجموعة "دول الندرة المطلقة للمياه". ويزداد هذا الأمر تعقيدًا بسبب الخلافات المرتبطة بموارد المياه العابرة للحدود، لا سيم أن نحو ثلثَي الموارد المائية في الدول العربية تعبرر حدود واحدة أو أكثر. ويلاحظ أن القطاع الزراعي في الدول العربية يحقق أدنى عائد اقتصادي لكل متر مكعب من المياه المستخدمة، على الرغم من أنه يستهلك، وفقًا للفاو، نحو 80 في المئة من المياه المستخدمة في المنطقة، وهي نسبة تفوق المعدل العالمي الذي يقدّر بنحو 70 في المئة. وفي ظل هذا الوضع، باتت التأثيرات المستقبلية للتغيرات المناخية في الموارد المائية تشكّل خطرًا داهمًا يثير قلق الدول العربية. ففي المغرب، تتوقع الحكومة انخفاض منسوب عدد من الأحواض المائية بنسب تراوح بين 5 و 35 في المئة بحلول عام 2050، علمًا أن البلاد شهدت خلال العقود السبعة الأخيرة توالي فترات جفاف قاسية. وبحسب المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، فقد أسهمت السياسات والاختيارات الحكومية في تفاقم ندرة المياه في المغرب، بسبب تركيزها على زيادة العرض المائي أكثر من التحكم في الطلب عليه، ولا سيم في القطاع الزراعي. ومع توالي موجات الجفاف منذ أوائل الثمنينيات، استمر الضغط على المياه الجوفية في التزايد؛ وهو اتجاه عززته الإعانات المقدّمة من صندوق التنمية الزراعية الذي أُنشئ عام 1985، ثم تفاقم على نحو حاد مع ظهور خطة "المغرب الأخضر" في عام 2008، الذي دعم بسخاء مشاريع الري بالتنقيط من ميزانية الدولة، وعلى نحو عشوائي في إطار البررنامج الوطني لاقتصاد مياه الري، على الرغم مم
64 لان وشابلاند، ص.66-65 65 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، تقرير التنمية: العربية تغير المناخ والتنمية المستدامة في الدول العربية (الكويت: 2023 ص.54)، 66 المرجع نفسه. 67 دي وال [وآخرون]، اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: حلول مؤسسية، كتيب "النظرة العامة" (واشنطن: البنك الدولي، 2023)، ص.Xi 68 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.54 69 المرجع نفسه، ص.55 70 منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حالة الأغذية والزراعة 2020: التغلب على تحديات المياه في الزراعة (روما: 2020)، ص.112 71 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.60
ينطوي عليه هذا البررنامج من مخاطر كبيرة، لأنه يشتغل خارج رقابة أيّ هيئة ضبطية. وبحسب دراسة تناولت هذا الموضوع في المغرب، يُحتمل فقدان نحو 15 في المئة في إنتاجية القمح البعلي والشعير بحلول عام 2050، وتتوقع خسارة تصل إلى 30 في المئة من إنتاجية الشمندر السكري في المنطقة الملائمة، والشعير في المنطقة الوسيطة بحلول عام 2050. ومن شأن هذه التطورات أن تُخلّف انعكاسات اجتمعية جسيمة في المستقبل، لا سيم أن القطاع الزراعي يُعدّ الموفّر الأول لفرص العمل في المغرب؛ إذ يشتغل فيه نحو 40 في المئة من اليد العاملة. وإلى جانب هذا، بدأت الشكوك تتزايد في شأن قدرة السياسات الزراعية في المغرب، ومن ضمنها برنامج "الجيل الأخضر" (الذي حلّ محل مخطط "المغرب الأخضر")، على ضمن توفير الغذاء للساكنة المحلية، ومساعدة الفلاحين الصغار في مواجهة أسباب الهشاشة الاجتمعية، من فقر وتهميش، في ظل توالي فترات الجفاف خلال السنوات الأخيرة. وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة أصوات مجتمعية تطالب بالحد من تصدير الخضروات والفواكه إلى الخارج، غير أن الحكومة رفضت هذه المطالب، متذرعةً بعدم إمكانية التنصل من الالتزامات التعاقدية الخاصة بالتصدير، لما قد يشكّله ذلك من انتهاك لقواعد منظمة التجارة الدولية التي تقوم على الانفتاح والاعتمد المتبادل. أما في الأردن، فقد أصبح الإنتاج الزراعي يعاني بشدة نتيجة تفاقم الإجهاد المائي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن زيادة الإجهاد قد تؤدي إلى انخفاض القيمة الزراعية المضافة بنسبة تراوح بين 0.8 في المئة و 1.2 في المئة بحلول عام 2030؛ أي بخسارة سنوية تراوح بين 20 و 29 مليون دولار. وبحسب البنك الدولي، فإن تراجع الموارد المائية والتغيرات المرتبطة بكميات المحاصيل الناتجة من تغير المناخ قد يؤديان إلى تقليص الناتج المحلي الإجملي الأردني بنسبة تصل إلى 6.8 في المئة؛ أي ما يعادل 2.6 مليار دولار. وعمومًا، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنه بحلول عام 2050 قد تؤدي ندرة المياه المرتبطة بالتغيرات المناخية إلى خسائر اقتصادية تعادل 14 في المئة من الناتج المحلي الإجملي للمنطقة العربية، علاوة على أن 45 في المئة من إجملي المساحة الزراعية فيها ستكون معرّضة للملوحة واستنزاف مغذيات التربة. ومن المحتمل أن تفقد الدول المغاربية، على نحو خاص، ما يقرب من نصف أراضيها الصالحة للزراعة بحلول عام 2050 نتيجة للتغيرات المناخية، وتصبح معتمدة على الواردات لتلبية نحو 70 في المئة من احتياجاتها الغذائية. وتُظهر نتائج نمذجة المحاصيل أن تغير المناخ سيخلّف آثارًا سلبية كبيرة في الإنتاج الزراعي في
72 Institut Royal des Études Stratégiques (IRES), L'avenir de l'agriculture au Maroc dans un contexte de la rareté structurelle de l'eau: Rapport de synthèse (Rabat: IRES, 2024), pp. 7-8. 73 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.62 74 فيرموران، ص.220 75 الحسين شكراني وباسل أمين رجوب، "جدلية التغيرات المناخية والأمن الغذائي في المغرب ومصر: محاولة في رصد الملامح المستقبلية"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد الثامن: مستقبلات التغير المناخي والاستدامة المجتمعية في العالم العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.24 76 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.60 77 المرجع نفسه. 78 اتحاد المصارف العربية، تحديات الأمن الغذائي العربي في ظل التغيرات المناخية (بيروت: 2024)، ص.4 79 Le Mouël, p. 12.
الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بحلول عام 2050، حيث يُتوقع أن تُسجّل المحاصيل الزراعية انخفاضًا قد يصل إلى نحو 30 في المئة بالنسبة إلى الأرز، و 47 في المئة بالنسبة إلى الذرة، و 20 في المئة بالنسبة إلى القمح. ويمكن التنبؤ بأن وضعًا كهذا سيدفع إلى تراجع حاد في نسبة إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجملي للدول العربية، وهي النسبة التي كانت قد تراجعت من نحو 15 في المئة في عام 1970، إلى 8.74 في المئة في عام 2000، لتبلغ 5.8 في المئة في عام 2020. وقد سجّل السودان وتونس والمغرب أعلى نسب تراجع في مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي في العالم العربي خلال الفترة 2020-1990؛ إذ تراجعت في السودان من 39.02 في المئة إلى 20.32 في المئة، وفي تونس من 15.72 في المئة إلى 10.38 في المئة، وفي المغرب من 15.1 في المئة إلى 10.66 في المئة. ومن المتوقع أن تستمر هذه النسب في الانخفاض مستقبلًا في ضوء التحديات التي تفرضها الكوارث الطبيعية الناتجة من تغيرات المناخ على اقتصادات هذه الدول. فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المغرب يتحمّل خسائر سنوية تتجاوز 575 مليون دولار من جرّاء الكوارث الطبيعية وما تخلّفه من أضرار على المحاصيل والأراضي الزراعية والبنية التحتية للري. وقد جعلت التحديات التي فرضتها التغيرات المناخية على الأمن الغذائي في الدول العربية، وما نجم عنها من تزايد وارداتها السنوية من الحبوب، هذه الدولَ أكثر عرضة لمخاطر اضطراب الإمدادات الغذائية الناتجة من التحولات الجيوستراتيجية، كم حدث خلال جائحة كوفيد 19-، أو نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية، التي أدت إلى فرض الدول الغربية عقوباتٍ اقتصاديةً على روسيا. وموازاةً مع ذلك، أدى تزايد الطلب على الحبوب من مناطق عدة، مثل الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة وأستراليا، إلى انخفاض المعروض مقارنةً بالطلب؛ ما أسفر عن ارتفاع أسعارها على المستوى الدولي. وقد فرض هذا الوضع ضغوطًا متزايدة على موازنات العديد من الدول العربية، نظرًا إلى حاجتها إلى تخصيص موارد إضافية لتمويل نظم دعم الغذاء، التي تُعدّ من الركائز الأساسية لشبكات الحمية الاجتمعية في عدد من هذه الدول.
2 ي. تمويل المناخ ودوره في تكريس تسليع الغذاء ف المنطقة العربية
على الرغم من أن المنطقة العربية ليست مسؤولة عن تغّير المناخ مقارنةً بالدول الصناعية والدول الناشئة مثل الصين والهند، فإنها من أكثر المناطق التي تعاني من تداعياته. ويتطلب هذا التفاوت في التأثير منها
80 أيمن فريد أبو حديد، "أثر تغير المناخ على الأمن الغذائي"، في: عبد الكريم صادق [وآخرون]، البيئة العربية 7: الأمن الغذائي التحديات والتوقعات (بيروت: المنتدى العربي للبيئة والتنمية، 2014)، ص.145 81 المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.102 82 جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، التقرير العربي للتنمية الريفية المستدامة، ص.27 83 المرجع نفسه، ص.28 84 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لأفريقيا، الأمن الغذائي في شمال أفريقيا: التحديات والاستجابات السياساتية (أديس أبابا: 2025)، ص 10، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BP8U 85 Jiayi Zhou et al., "The Geopolitics of Food Security: Barriers to the Sustainable Development Goal of Zero Hunger," SIPRI Insights on Peace and Security , no. 11, Stockholm International Peace Research Institute (2020), p. 4. 86 Anna Kozielec et al., "Challenges to Food Security in the Middle East and North Africa in the Context of the Russia–Ukraine Conflict," Agriculture , vol. 14, no. 1 (2024), pp. 17-18. 87 عبد المنعم [وآخرون]، ص.8
تخصيص أموال ضخمة لمواجهة هذه الأضرار والتكيف مع آثار التغير المناخي. وتقدّر احتياجات إحدى عشرة دولة عربية، هي الأردن وتونس وجزر القمر وجيبوتي والسودان والصومال والعراق وفلسطين ومصر والمغرب وموريتانيا، حتى عام 2030، بمبلغ 570 مليار دولار لمواجهة تغيرات المناخ، في حين تحتاج ثلاث منها فقط، وهي العراق ومصر والمغرب، إلى 425 مليار دولار من هذا المبلغ. وفي الفترة 2020-2010، تلقت الدول العربية 34.5 مليار دولار من التمويل الدولي العام للعمل المناخي، وهو ما يعادل أقل من 6 في المئة من الاحتياجات المالية لهذه الدول في الفترة 2030-2020. وبلغ تمويل مشاريع التخفيف من تداعيات التغيرات المناخية في المنطقة العربية خلال الفترة 2020-2010 مبلغ 24.84 مليار دولار؛ أي ثلاثة أضعاف التمويل المخصص لمشاريع التكيف التي بلغت قيمتها 7.75 مليارات دولار. وعلى الرغم من العبء الثقيل لخدمة الدين الذي تعانيه المنطقة العربية، والتي انتقل دينها العام من 522 مليار دولار في عام 2005 إلى 1.4 تريليون دولار في عام 2020، فإن تمويل العمل المناخي من خلال الديون بات الغالب في معظم دولها، متجاوزًا إلى حد بعيد التمويل المعتمد على المنح. فخلال الفترة 2010-2020، بلغ إجملي قروض تمويل العمل المناخي 30 مليار دولار؛ أي ما يعادل سبعة أضعاف المنح التي تلقتها المنطقة خلال الفترة نفسها. وكان مصدر الجزء الأكبرر من التمويل المناخي في المنطقة العربية من المؤسسات الإنمائية المتعددة الأطراف (الجدول)؛ إذ يوجد 14 صندوقًا مناخيًا نشطًا في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. وجاءت أكبرر مساهمة من "صندوق التكنولوجيا النظيفة" خلال الفترة 2024-2003، حيث وافق على تخصيص 824 مليون دولار لتمويل عشرة مشاريع في المغرب ومصر، إضافة إلى مشروع إقليمي واحد.
الجدول يوضح تمويل العمل المناخي والمعتمد لبلدان الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، بحسب الصندوق)2024-2003(
| الصندوق | القيمة المالية (مليون دولار أميركي) | عدد المشاريع |
|---|---|---|
| صندوق التكنولوجيا النظيفة Clean Technology Fund (CTF) | 825.1 | 10 |
| صندوق المناخ الأخضر Green Climate Fund (GCF-IRM, GCF-1, GCF-2) | 406.3 | 10 |
Green Climate Fund (GCF-IRM, GCF-1, GCF-2)
88 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، "تمويل العمل المناخي: الاحتياجات والتدفقات في المنطقة العربية"، مختصر سياسة (2022)، ص 3، شوهد في 2025/9/13، في: https://acr.ps/1L9BPAK 89 المرجع نفسه، ص.6-3 90 المعهد العربي للتخطيط بالكويت، ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة، ص.37 91 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، تمويل العمل المناخي، ص.6 92 المرجع نفسه، ص.4 93 Charlene Watson, Liane Schalatek & Aurélien Evéquoz, "Climate Finance Regional Briefing: Middle East and North Africa," Climate Finance Fundamentals , vol. 9 (Washington, DC: Heinrich Böll Stiftung & Overseas Development Institute, 2025), accessed on 20/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPec
| عدد المشاريع | القيمة المالية (مليون دولار أميركي) | الصندوق |
|---|---|---|
| 66 | 167.7 | مرفق البيئة العالمية Global Environment Facility (GEF-4, 5, 6, 7, 8) |
| 17 | 101.2 | صندوق التكيف (AF) Fund Adaptation |
| 9 | 44.1 | صندوق أقل البدان نموًا Least Developed Countries Fund (LDCF) |
| 7 | 37.3 | الصندوق الخاص بتغير المناخ Special Climate Change Fund (SCCF) |
| 2 | 29 | برنامج الاستثمر في الغابات Forest Investment Program (FIP) |
| 5 | 21.6 | برنامج مساعدة صغار المزارعين على التكييف مع آثار تغير المناخ Adaptation for Smallholder Agriculture Programme (ASAP) |
| 1 | 16.6 | الصندوق العالمي لكفاءة الطاقة والطاقات المتجددة Global Energy Efficiency and Renewable Energy Fund (GEEREF) |
| 2 | 11.6 | التحالف العالمي لمكافحة تغير المناخ Global Climate Change Alliance (GCCA) |
| 6 | 10.2 | الشراكة من أجل الاستعداد للسوق Partnership for Market Readiness (PMR) |
| 2 | 7.6 | صندوق تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية Millennium Development Goals Achievement Fund2 (MDG-F) |
| 3 | 3.1 | البررنامج التجريبي للمرونة المناخية Pilot Program for Climate Resilience (PPCR) |
| 2 | 0.9 | برنامج توسيع نطاق الطاقة المتجددة في البلدان ذات الدخل المنخفض Scaling up Renewable Energy Program in Low Income Countries (SREP) |
| Program in Low Income SREP) | ||
المصدر: Charlene Watson, Liane Schalatek & Aurélien Evéquoz, "Climate Finance Regional Briefing: Middle East and North Africa," in: Climate Finance Fundamentals , vol. 9 (Washington, DC: Heinrich Böll Stiftung & Overseas Development Institute, 2025), accessed on 20/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPec
يختلف توزيع التمويل المناخي بين البلدان العربية؛ إذ خصصت نسبة 92 في المئة من التدفقات خلال الفترة 2020-2010 لستة بلدان فقط، هي: الأردن وتونس والعراق ولبنان ومصر والمغرب. وحققت مصر والمغرب أفضل أداء في تقدير التكلفة واجتذاب التمويل لتلبية احتياجاتها، وتلقّتا أكثر من 60 في المئة من التمويل المناخي الوارد إلى المنطقة في الفترة نفسها. وعلى الرغم من أهمية قطاعَي المياه والزراعة في تحقيق الأمن الغذائي للدول العربية، وشدة تأثرهم بتبعات تغير المناخ، فإن التمويل المناخي الذي تتلقاه الدول العربية في هذين القطاعين لا يزال ضعيفًا؛ إذ كانت نسبة قطاعَي المياه والزراعة معًا 22 في المئة فقط من إجملي تمويل العمل المناخي الوارد إلى المنطقة العربية خلال الفترة 2020-2015، في حين حصل قطاعا الطاقة والنقل معًا على نسبة 45 في المئة خلال الفترة نفسها. ويتفاوت توزيع التمويل المناخي المتعلق بالمياه بين البلدان العربية، حيث تلقّت تونس ومصر والمغرب والأردن مجتمعة 72 في المئة من إجملي التمويل المخصص لقطاع المياه وموارد المياه في الزراعة خلال الفترة 2020-2010، في حين لم تحصل أقل البلدان العربية نموًا (جزر القمر وجيبوتي والسودان والصومال وموريتانيا واليمن) سوى على 6.5 في المئة من إجملي التمويل المناخي لقطاع المياه الموجّه إلى المنطقة العربية خلال الفترة نفسها. وفي هذا السياق، ونظرًا إلى الترابط الوثيق بين المياه وتغير المناخ والأمن الغذائي، أطلقت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا) بالتعاون مع جامعة الدول العربية "المبادرة العربية لحشد التمويل المناخي من أجل المياه" خلال مؤتمر الأمم المتحدة الذي عُقد في آذار/ مارس 2023، بهدف تطوير القدرات الإقليمية على حشد التمويل المناخي في مجال المياه في ظل الظروف المناخية المتغيرة. عمومًا، يطرح التمويل المناخي في المنطقة العربية إشكالات متعددة، أهمها أنه لا يزال ضعيفًا ولا يقابل احتياجات المنطقة، فضلًا عن أن توصيات المؤسسات المالية الدولية المقرضة لبعض الدول العربية في إطار "دعمها" للتخفيف والتكيف مع التغيرات المناخية وزيادة إنتاجها الزراعي تركز على تعظيم دور السوق في إدارة المدخلات الزراعية (البذور والأسمدة... إلخ) والموارد المائية. فعلى سبيل المثال، تدفع هذه المؤسسات الدول العربية إلى اعتمد المحاصيل الزراعية المعدّلة وراثيًا التي تقاوم الجفاف، وذلك على الرغم من تأكيد العلمء صعوبة تطوير سلالات من البذور تتحمل الضغوط المناخية، وأنه من المستحيل تقريبًا تطوير بذور مقاومة لأحوال مناخية مثل الجفاف، إضافة إلى أن هذه البذور التي تجري هندستها وراثيًا و"تتحمل الضغوط المناخية"، غالبًا ما تُرخص لها شركات تحتكر إنتاجها وتسويقها ببرراءات اختراع، الأمر الذي يحرم صغار المزارعين في الدول العربية من الانتفاع من هذه الأداة التكيفية، في ظل عدم قدرتهم على تحمّل تكلفتها.
94 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، تمويل العمل المناخي، ص.8 95 المرجع نفسه، ص.9 96 المرجع نفسه. 97 المرجع نفسه، ص.14 98 البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ص.31 99 آن صعب، "بذور مهندسة وراثيًا تتحمل الضغوط المناخية: هل تقدم الحل"، في: صادق [وآخرون]، ص.147 100 المرجع نفسه.
وانطلاقًا من أن القرارات المتعلقة بالزراعة تتعلق بالمياه أيضًا، فإنّ المؤسسات المالية الدولية في تعاملها مع ندرة المياه في المنطقة العربية تؤكد دومًا على ضرورة تسليع الموارد المائية وإعطائها قيمة اقتصادية، معلّلة هذا النهج بالحاجة إلى زيادة الجدوى الاقتصادية لخدمات المياه وتحسين جودتها والحفاظ عليها للأجيال المقبلة. فهي عوضًا عن تقديم نصائح إلى دول المنطقة تساعدها على اعتمد الممرسات الزراعية الأمثل كفاءة في استخدام المياه، وتروّج لمجموعة من المفاهيم من قبيل "زيادة الطلب"، و"الشح"، و"نقص المياه"، و"الجفاف"، وتهويل الأرقام لتبررير خصخصة الموارد المائية. وتؤكد المؤسسات المالية الدولية أن ضعف تدفق رأس المال العالمي لتمويل البنية التحتية لتوفير المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا يرجع أساسًا إلى أن هذه البنية التحتية لا تُدار حاليًا بإدارة جيدة تحقق كفاءة التكاليف وإمكانية زيادة الإيرادات،
إضافةً إلى أن الأوضاع السياسية في المنطقة تثير قلق المستثمرين بشأن شرعية السياسات، نظرًا إلى انتشار الفساد والافتقار إلى الشفافية والجدارة الائتمنية. لذلك، أصبحت التمويلات المناخية التي تحصل عليها بعض الدولة العربية من المؤسسات المالية الدولية، التي تكون في الغالب قروضًا، مطيةً تستغلها هذه المؤسسات لتفرض على هذه الدول تغيير سياساتها وقوانينها لتحرير مواردها المائية، ومن ثم تمكين الشركات الكبررى من السيطرة عليها. ففي البلدان التي تعاني شح المياه السطحية أصلًا ولديها المال، مثل دول الخليج العربية، يُرَوَّج لمشاريع تحلية مياه البحر، أما في البلدان التي لها مياه متجددة وتساقطات ومياه سطحية وجوفية، فيجري تخويفها من زيادة الطلب والجفاف لإقناعها بإنشاء السدود السطحية. وعندما تتورط الدول في مشاريع كبررى، كتحلية المياه وإنشاء السدود، يصبح مرًا تسليع المياه وإعادة تسعيرها بحجّة رد التكلفة العالية لهذه الاستثمرات. وهكذا، يجري تبررير نقل المياه بوصفها حقًا من حقوق الإنسان، يفرض على الدول تأمينها بأسعار رمزية، إلى سلعة تجارية استثمرية، يتربح منها من يستثمر فيها. وتظهر عينة عشوائية من مراجعة قروض صندوق النقد الدولي في العقود الأربعة الماضية، التي جرت تحت مسمى تخفيف الفقر ودعم النمو، أن اتفاقيات القروض التي استفادت منها 12 دولة تضمّنت شروطًا تفرض على هذه الدول خصخصة المياه أو تحميل كامل التكلفة على المواطنين.
خاتمة
تخلص الدراسة إلى أن هيمنة التوجهات النيوليبررالية التي تبنّتها المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، كرّست نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الخصخصة، وتحرير الأسواق، وتقليص دور الدول في المجالات الاجتمعية والاقتصادية. وأسفرت هذه التحولات عّما يمكن اعتباره تفكيكًا لدولة الرعاية الاجتمعية، وعن سياسات تُخضع الموارد العامة، بما فيها الزراعة والغذاء، لمنطق السوق. وقد عمّق هذا الوضع من التبعية، وأضعف قدرات الدول النامية على تلبية الاحتياجات الغذائية لشعوبها.
101 حبيب معلوف، "سياسات البنك الدولي الترويجية لمشاريع الاستثمار في المياه وخصخصتها"، في: الاتجار في العطش: مؤسسات التمويل الدولي والحق في المياه بالمنطقةالعربية، عبد المولى إسماعيل (محرر) (الجيزة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2018)، ص.222-117 102 دي وال [وآخرون]، ص.2 103 معلوف، ص.222-117 104 أحمد منصور، "حق الإنسان في المياه في إطار التزامات الدول خارج نطاق ولايتها الإقليمية"، في: الاتجار في العطش، ص.35
أدت الأزمات الغذائية العالمية المتتالية، الناتجة من هشاشة هذا النموذج، إلى إثارة النقاش السياسي حول قضية الغذاء، وظهور أطروحة السيادة الغذائية في منتصف تسعينيات القرن العشرين، بوصفها طرحًا نقديًا لمقاربة الأمن الغذائي التقليدي التي تركّز على الكميات المتاحة من دون النظر إلى العدالة الاجتمعية والسيادة على الموارد، مؤكدةً حق الشعوب في تحديد نظمها الغذائية وفقًا لخصوصياتها الثقافية والبيئية. وخلصت الدراسة إلى أن تفاعل السياسات التي تتبعها الدول العربية في إنتاج الغذاء، والتي تسير وفقًا لتوصيات الفكر النيوليبررالي الساعي لتسليع كل شيء بما فيه الطبيعة، مع تصاعد حدة تداعيات التغيرات المناخية على المياه والأراضي الزراعية، إضافة إلى تزايد استهلاك الغذاء نتيجة النمو الديموغرافي، كلها عوامل من شأنها أن تزيد من اعتمد هذه الدول على الواردات لتلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لشعوبها. ويشكّل ذلك ضغوطًا إضافية على موازناتها العامة، ويجعلها أكثر تأثرًا بالمتغيرات الجيوستراتيجية على المستوى الدولي. وعلى الرغم من محدودية مساهمة المنطقة العربية في التغيرات المناخية، فإنها تُعدّ من أكثر المناطق عرضةً لتداعياتها على مستوى الأمن الغذائي، نتيجة هشاشة البنى الإنتاجية لدولها واعتمدها المفرط على الواردات الغذائية، إضافة إلى تعرضها لظروف مناخية قاسية مثل تزايد موجات الجفاف وندرة الموارد المائية. ومع ذلك، تظل استجابتها لهذه التحديات محدودة؛ إذ تصنّف ضمن أضعف المستفيدين من التمويلات الدولية الموجّهة إلى التكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها. وقد اتخذ الجانب الأكبرر من هذه التمويلات صيغة القروض التي تثقل الدولة بالالتزامات المالية، وترتبط باشتراطات إصلاحات سياسية واقتصادية ذات توجه نيوليبررالي. وقد يؤدي استمرار الأوضاع في المنطقة العربية مستقبلًا على ما هي عليه حاليًا، في حال تعطّل سلاسل توريد الغذاء أو توجّه الدول المصدّرة للمنتجات الزراعية إلى حظر صادراتها، إلى تصاعد عدم الاستقرار السياسي في العديد من دولها. ولا مخرج لها من هذا الوضع إلا عبرر إعادة بناء شبكاتها للأمن والسلم الاجتمعَّييَن، وأخذ احتياجات شعوبها، ولا سيم الفئات الهشة والفقيرة منها، على محمل الجد، ومن خلال منطلقات وأسس مُتكّن من بناء مؤسسات ذات كفاءة وفاعلية تكون قادرة على تلبيتها، بعيدًا عن توجهات المؤسسات المالية الدولية التي ثبت فشلها في أغلب مناطق العالم. واستنادًا إلى كل ما تقدّم، تخلص الدراسة إلى تبنّي نهج متكامل للسيادة الغذائية في البلدان العربية، يربطها على نحو وثيق باستراتيجياتها التنموية الشاملة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتمعية والتنموية والعلمية، وتوصي بما يلي: صياغة استراتيجية متكاملة للأمن الغذائي في المنطقة العربية، لا تقتصر أهدافها على ضمن الوصول إلى الغذاء فحسب، بل تشمل أيضًا إنتاجه وتوفيره محليًا. ومن الضروري أن تركّز السياسات التي تطرحها هذه الاستراتيجية على تعزيز الممرسات الزراعية المستدامة التي تحدّ من تأثير التغيرات المناخية، وتضمن استدامة الموارد الطبيعية في المنطقة على المدى الطويل، وتقلّص الفوارق الاجتمعية المتنامية، ومُتكّن مختلف الطبقات الاجتمعية من الحصول على الغذاء، مع إدماج سياسات لإعادة توجيه الاستهلاك الغذائي وترشيده.
تشجيع سياسة البحث والتطوير الزراعي لبناء قدرات علمية ومؤسسية متكاملة على المستوى العربي، تسهم في إيجاد حلول للتحديات التي تفرضها التغيرات المناخية على الأمن والسيادة الغذائية في المنطقة العربية. ويتطلب ذلك تعزيز الموازنات المخصصة للبحث والتطوير الزراعي، وإنقاذها من حالة الضعف الراهنة؛ إذ لا تتجاوز نسبتها في البلدان العربية 2 في المئة من قيمة الناتج المحلي الزراعي. تشجيع الاستثمر في البنية التحتية والتكنولوجيا، لما لتوسيع البنية التحتية الزراعية والاستثمر في التقنيات الحديثة من دور في رفع كفاءة الإنتاج المحلي، ولا سيم إذا اقترن ذلك بدعم المزارعين الصغار الذين يشكّلون الأغلبية في الدول العربية، حيث يمكن أن يسهم تزويدهم بالتمويل والتكنولوجيا، وتمكينهم من الوصول إلى الأسواق وحميتهم من منافسة الشركات الكبررى، في تحسين الأمن الغذائي في المنطقة العربية. الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ولا سيم المياه والتربة، وسائر العناصر الضرورية لضمن استدامة الإنتاج الزراعي. ويحتاج هذا إلى اعتمد مناهج أكثر عقلانية في إدارة الأحواض المائية السطحية والجوفية المشتركة بين البلدان العربية أو مع جيرانها، وتغليب منطق التعاون على منطق التنافس والصراع. تعزيز التوجهات التكاملية العربية وتشجيع المبادلات التجارية الغذائية البينية في المنطقة العربية، إلى جانب تنويع مصادر استيراد المواد الغذائية على المستوى الدولي، وبخاصة في ضوء التداعيات السلبية للحرب الروسية - الأوكرانية على سوق الغذاء العالمي، التي أبرزت أهمية ذلك. ويتطلب الأمر كذلك تعزيز نظم الرصد والاستجابة الإقليمية للأزمات الغذائية، من أجل بلورة خطط مستقبلية استباقية تنطلق من الداخل، تحدّ من تأثير هذه الأزمات في السكان الأكثر هشاشة في المنطقة العربية. تعزيز حركات الجنوب العالمي الساعية لإقرار الحق في الغذاء، ودعم الخطاب المنادي بهذا الحق على الصعيد الدولي، إلى جانب بناء شبكة من هيئات المجتمع المدني العربي للترافع والدفاع عن المتضررين من السياسات التي تنتقص من هذا الحق. وختامًا، يستوجب كل ذلك إعادة صياغة العقد الاجتمعي في المنطقة العربية، انطلاقًا من إعادة الاعتبار إلى
الدولة والسياسة، ومنح المواطنين الحق الكامل في اختيار من يدير شؤونهم العامة ويدبّرها، بالتوازي مع دعم آليات المحاسبة القضائية والسياسية وترسيخها في التصرف في الموارد العامة للدول العربية، والقطع مع مظاهر الفساد والريع والزبونية التي تنخر هياكل مؤسساتها، وتجعلها رهينة لمشروطيات المؤسسات المالية الدولية، بما يخدم مصالح القوى المهيمنة فيها وشركاتها الكبررى.
105 جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، أوضاع الأمن الغذائي 2020 (2020)، ص 6، شوهد في 2025/12/20، في: https://acr.ps/1L9BOYL
المراجع
العربية
الجيزة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات،.2018 اتحاد المصارف العربية. تحديات الأمن الغذائي العربي في ظل التغيرات المناخية. بيروت.2024:
العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023
أفريقيا للسيادة الغذائية (2021:). في https://acr.ps/1L9BPji
العدد 27 (شتاء.)2019
ف:ي https://acr.ps/1L9BOYL
________. التقرير العربي للتنمية الريفية المستدامة. الخرطوم.2023:
مركز دراسات الوحدة العربية،.2012
ملتقى الطرق،.2019
صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات،.2021
الاستراتيجية،.2009
الإبراهيمي، زكرياء. "ما وراء الندرة: ملاحظات حول اللامساواة الاجتمعية في الماء بالمغرب". سلسلة السياسات البيئية. مبادرة الإصلاح العربي (2025:). في https://acr.ps/1L9BP80 الاتجار في العطش: مؤسسات التمويل الدولي والحق في المياه بالمنطقة العربية. عبد المولى إسمعيل (محرر).
استشراف للدراسات المستقبلية. العدد الثامن: مستقبلات التغير المناخي والاستدامة المجتمعية في العالم
أموازي، علي. "أزمة كوفيد 19 وضرورة النضال من أجل السيادة الغذائية بشمل أفريقيا". شبكة شمل
برج، فوزية. "بيئوية الفقراء: دينامية التكيف وممرسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية". عمران. مج 7،
البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية. واشنطن: البنك الدولي 2009:. في https://acr.ps/1L9BOXk جامعة الدول العربية. المنظمة العربية للتنمية الزراعية. أوضاع الأمن الغذائي 2020).2020(
________. التقرير السنوي لأوضاع الأمن الغذائي العربي. العدد 35 (2023:). في https://acr.ps/1L9BPNp
________. الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية. مج 43 (2023:). في https://acr.ps/1L9BOSf الجبوري، رقية خلف حمد. السياسات الزراعية وأثرها في الأمن الغذائي في بعض البلدان العربية. بيروت:
حداد، لحسن. جدلية السياسي والتنموي في المغرب: نحو عقد اجتمعي جديد. الدار البيضاء: منشورات
رمضان، محمد وصقر نور. عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر. الجيزة: دار
روبنسون، بول. قاموس الأمن الدولي. دراسات مترجمة 38. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث
ريف، ديفد. عار الجوع: الغذاء، والعدالة، والمال في القرن الحادي والعشرين. ترجمة أحمد عبد الحميد أحمد. سلسلة عالم المعرفة 500. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2022 زريق، رامي وآن غوف. السيطرة على الغذاء: السيطرة على الشعب، الكفاح من أجل الأمن الغذائي في غزة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2014 شبكة المنظمت العربية غير الحكومية للتنمية. راصد الحقوق الاقتصادية والاجتمعية في البلدان العربية: الحق في الغذاء 2019. بيروت:.2019 صادق، عبد الكريم [وآخرون]. البيئة العربية 7: الأمن الغذائي، التحديات والتوقعات. بيروت: المنتدى العربي للبيئة والتنمية،.2014 صن، أمارتيا. التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر. ترجمة شوقي جلال. سلسلة عالم المعرفة 305. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2004 عبد المنعم، هبة [وآخرون]. "التداعيات الاقتصادية الإقليمية والدولية للتطورات العالمية الراهنة". موجز سياسات. العدد).2022(28 العبيدي، وسيم وليلى الرياحي. غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا: تحليل للسياسات الفلاحية التونسية على ضوء مفهوم السيادة الغذائية. ترجمة فريد الرحالي. تونس: مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية،.2019 فريد، سالي محمد. "مأزق شرق أوسطي: هل يتفاقم الجوع العالمي بعد حظر صادرات الغذاء لبعض الدول؟". مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (2022:). في https://2u.pw/95D298 فيرموران، بيير. المغرب في 100 سؤال: مملكة التناقضات. ترجمة أحمد بن الصديق. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2023 لابيه، فرانسيس مور وجوزيف كولينز. صناعة الجوع: خرافة الندرة. ترجمة أحمد حسان. سلسلة عالم المعرفة 64. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1983 لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لأفريقيا. الأمن الغذائي في شمل أفريقيا: التحديات والاستجابات السياساتية. أديس أبابا: 2025:. في https://acr.ps/1L9BP8U لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا). "تمويل العمل المناخي: الاحتياجات والتدفقات في المنطقة العربية". مختصر سياسة (2022:). في https://acr.ps/1L9BPAK ________. عدم المساواة في المنطقة العربية: غياب الأمن الغذائي يشغل الفوارق. بيروت.2023: المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. الفلاحة العائلية الصغيرة والمتوسطة من أجل مقاربة أكثر ملاءمة، مبتكرة ودامجة مستدامة، وذات بعد ترابي (2024:). في https://acr.ps/1L9BOVN المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة. تقرير التنمية: العربية تغير المناخ والتنمية المستدامة في الدول العربية. الكويت.2023: المعهد المغربي لتحليل السياسات. السيادة الغذائية في المغرب (2025:). في https://acr.ps/1L9BPlk
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. حالة الأغذية والزراعة 2020: التغلب على تحديات المياه في الزراعة. روما:.2020 منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية [وآخرون]. الشرق الأدنى وشمل أفريقيا: نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية، التجارة كعامل تمكين للأمن الغذائي والتغذية. القاهرة: 2023. النجفي، سالم توفيق. سياسات الأمن الغذائي العربي: حالة الركود في اقتصاد عالمي متغير (رؤية للمستقبل). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 هاريغان، جين. الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية. ترجمة أشرف سليمن. سلسلة عالم المعرفة 465. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2018 وال، دي [وآخرون]. اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا: حلول مؤسسية. كتيب "النظرة العامة". واشنطن: البنك الدولي،.2023
الأجنبية
Ashford, Douglas E. "Succession and social change in Tunisia." Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée. n°13-14 (1973). Ayeb, Habib & Ray Bush. Food Insecurity and Revolution in the Middle East and North Africa: Agrarian Questions in Egypt and Tunisia. London/ New York: Anthem Press, 2019. Bush, Ray. "Family Farming in the Near East and North Africa." Working Paper. no. 151. The Food and Agriculture Organization of the United Nations & United Nations Development Programme (2016). Elver, Hilal. Report of the Special Rapporteur on the Right to Food on Her Mission to Morocco. United Nations, 2016. at: https://acr.ps/1L9BPmQ Hrabanski, Marie. "Souveraineté alimentaire: Mobilisations collectives agricoles et instrumentalisations multiples d'un concept transnational." Revue Tiers Monde. vol. 207, no. 3 (2011). Institut Royal des Études Stratégiques (IRES). L'avenir de l'agriculture au Maroc dans un contexte de la rareté structurelle de l'eau: Rapport de synthèse. Rabat: IRES, 2024. Kozielec, Anna et al. "Challenges to Food Security in the Middle East and North Africa in the Context of the Russia–Ukraine Conflict." Agriculture. vol. 14, no. 1 (2024). Le Mouël, Chantal et al. "Can the Middle East–North Africa Region Mitigate the Rise of Its Food Import Dependency under Climate Change?" Regional Environmental Change. vol. 23 (2023).
McMichael, Philip. "Historicizing Food Sovereignty: A Food Regime Perspective." Conference Paper Presented at Food Sovereignty: A Critical Dialogue, Yale University, 14-15/9/2013. at: https://acr.ps/1L9BPpf Paré, Frédéric. "Pour la sécurité alimentaire: Restaurer la responsabilité d'État. Les besoins de la société civile et la souveraineté alimentaire au service de la sécurité alimentaire." Revue Internationale de Droit Économique. vol. XXVI, no. 4 (2012). Poitevin, Michel & Meryem Bezzaz. Autonomie alimentaire: Définitions et concepts. Rapport de projet 2020RP-33, CIRANO. 3/12/2020. at: https://acr.ps/1L9BPHI Rosanvallon, Pierre. La nouvelle question sociale: Repenser l'État-providence. Paris: Seuil, 1995. Watson, Charlene, Liane Schalatek & Aurélien Evéquoz. Climate Finance Regional Briefing: Middle East and North Africa. Climate Finance Fundamentals 9. Washington, DC: Heinrich Böll Stiftung & Overseas Development Institute, 2025. at: https://acr.ps/1L9BPec Zhou, Jiayi et al. "The Geopolitics of Food Security: Barriers to the Sustainable Development Goal of Zero Hunger." SIPRI Insights on Peace and Security. no. 11. Stockholm International Peace Research Institute (2020).