الفعل العمومي والبيئة
Action publique et environnement
الملخّص
المؤلف: أوريليان إيفرار وبيير لاسكوم. الناشر: باريس: سلسلة ماذا أعرف - المطبعة الجامعية لفرنسا. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 128.
Abstract
The book Action publique et environnement , published in an updated edition in the “What Do I Know?” series, offers an analytical introduction to environmental crises, which have prompted states to rethink the mechanisms of public action. The two authors, Aurélien Évrard, a researcher specializing in energy policies, and Pierre Lascoumes, a researcher in the sociology of public action in France, address a set of central questions that the environment raises for the modern state. These include: How are political decisions made in a context of scarce data and conflicting scientific expertise? And how can multiple actors be integrated into the policymaking process, despite their differing interests and divergent perceptions of environmental risks?
- التغير المناخي
- سياسات البيئة
- Climate Change
- Environmental Policies
في خضمّ تعقّد الأزمات البيئية وتعدّد الفاعلين المعنيين بها، أضحت البيئة مج لًا مركزيًا يُخَتبَرر من خلاله معنى "الفعل العمومي" وآليات تشكّله. فالقضايا البيئية، بما تتضمنه من تحديات تراوح بين حمية الموارد الطبيعية والانتقال إلى أنماط تنموية أكثر استدامة، لم تعد حكرًا على الدولة، بل باتت ثمرة تفاعلات مستمرة بين مستويات متعدّدة من الحكامة، تشمل فاعلين حكوميين وغير حكوميين. وقد غدت السياسات البيئية حقلًا يبررز فيه الطابع المركّب والحيوي للفعل العمومي، سواء من حيث تعريف المشكلات، أو صياغة التدخلات، أو بناء الشرعية. وفي هذا السياق، يأتي كتاب الفعل العمومي والبيئة، الذي صدر في طبعة محدثة عن سلسلة "ماذا أعرف؟"، ليقدّم مدخلًا تحليليًا حول الأزمات البيئية، التي دفعت الدول إلى إعادة التفكير في آليات الفعل العمومي. ويعالج المؤلفان أوريليان إيفرار، الباحث المتخصص في سياسات الطاقة، وبيير لاسكوم، الباحث في سوسيولوجيا الفعل العمومي في فرنسا، مجموعة من الأسئلة المحورية التي تطرحها البيئة على الدولة الحديثة، منها: كيف تَُّتّخذ القرارات السياسية في سياق ندرة المعطيات وتعارض الخبررات العلمية؟ وكيف يمكن دمج فاعلين متعدّدين، اقتصاديين وجمعويين ومواطنين، ضمن مسار ص عن السياسات، على الرغم من اختلاف مصالحهم وتباين تمّثلّاتهم للمخاطر البيئية؟ تسعى الطبعة المحدثة من الكتاب إلى تحيين أدوات القراءة النظرية لقضايا البيئة، وبيان مداخل التدخل في الفعل
العمومي البيئي، مع التأكيد على أن الفجوة ما تزال قائمةً بين تراكم المعرفة وفاعلية القرار. وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلفان بدءًا من الصفحات الأولى أنّ البيئة لم تعد ملًّفًا قطاعيًا، بل أضحت ميدانًا يعيد تشكيل قواعد اللعبة السياسية، خصوصًا فيم يتصل بتوزيع السلطة وتحديد المسؤوليات. وُتبُررز المقدمة أن آلياتِ الدولة التقليدية تواجه مأزقًا حقيقيًا نتيجة التدهور البيئي المتسارع، والظواهر المناخية المتطرفة، وانحسار التنوّع البيولوجي؛ فعلى الرغم من توسّع أدوات السياسات البيئية، تبقى عاجزة عن مجاراة إيقاع الأزمة؛ ما يكشف عن توتر دائم بين الضغوط العلمية والاحتجاجات الاجتمعية والمصالح الاقتصادية. وهو أمر يحوّل الفعل البيئي إلى مسار تفاوضي معقّد، لا يُختزل في إجراءات تقنية فحسب. وفي ختام الكتاب، يبررز المؤلفان مفارقة مركزية تتمثل في نضج الأدوات العلمية والقانونية في مقابل عجز الإرادة السياسية؛ ما يحوّل البيئة إلى مختبرٍ حقيقي لقدرة الدولة على التحوّل. وفي هذا الخصوص، يبررز القضاء بوصفه أحد الفضاءات القليلة القادرة على تحويل الالتزامات البيئية النظرية إلى إلزامٍ فعلي ومساءلة حقيقية.
موقع الكتاب من حقل دراسة السياسات
يتخذ الكتاب موقعًا داخل النقد الموَّجّه إلى السرديات الاختزالية التي تعرض السياسات البيئية بوصفها ملفات تقنية أو خيارات أخلاقية عامة. ويقترح المؤلفان، بدلًا من ذلك، مقاربةً تبُررز الطابع البنائي للسياسات البيئية، من خلال تتبّع كيفية تشكّل القضايا، وتفاعل الفاعلين، وتبلور مسارات القرار. ومن خلال تحليل الخطابات، واستحضار التطورات التاريخية، وفحص ديناميات الاحتجاج ومسارات إنتاج الخبررة، يكشف الكتاب أن البيئة ليست قطاعًا إداريًا منفصلًا، بل مج لًا يُعاد فيه توزيع السلطة بين الدولة والفاعلين الاجتمعيين والاقتصاديين، وأن القرارات البيئية لا تُنتِجها وفرة المعطيات بقدر ما يحدّدها تبايُن التأويلات ومنطق عدم اليقين. يأتي الكتاب في سياق تقليد معرفي فرنسي يمزج بين سوسيولوجيا المخاطر وتحليل السياسات العمومية، معتمدًا على أعملٍ راسخة تُظهر أن التقنية ليست محايدة، وأن العلم لا يكتسب قوة فاعلة إلا عند اندماجه في شبكات سياسية واجتمعية. وتكشف البيبليوغرافيا عن هذا الانتمء بوضوح؛ إذ تجمع بين تاريخ الأفكار البيئية (كريستوف بونووي Bonneuil Christophe، وجان باتيست فريسو Fressoz Jean-Baptiste)، ونقد العقلانية التقنية (جاك إلول Ellul Jacques، وبرونو لاتور Latour Bruno(، وتحليل أدوات الفعل العمومي وعدم اليقين (ميشيل كايون Callon Michel، وبيير لاسكوم Lascoumes Pierre، ويانيك بارت (. Yannick Barthe وبفضل هذا الإسناد النظري، يقدّم الكتاب معالجة مرّك زة ومتوازنة تُظهر أن القضايا البيئية تتولد عند تقاطع المعرفة والاحتجاج والمصالح الاقتصادية، وأن ديناميات السياسة البيئية تتبلور عبرر تشابك المستويات التشريعية والمؤسسية والمحلية. تكمن قيمة التحليل الذي يقدّمه الكتاب في قدرته على إعادة تركيب المعطيات المعقّدة من دون إثقال المنهج؛ فيسلط الضوء على المراحل التي تبلور فيها الاعتراف المؤسسي بالقضايا البيئية، ثم يتتبّع توازنات الفاعلين التي تعيد تعريف حدود الدولة وقدراتها، قبل أن يحلل سيرورة القرار البيئي، ابتداءً من تشخيص المخاطر وصولًا إلى آليات إنفاذ السياسات. وبهذا البناء، نجح الكتاب في طرح رؤية نقدية دقيقة تُظهِر أنّ
السياسات البيئية ليست استجابة تقنية لأزمات متفاقمة فحسب، بل هي عملية سياسية معرفية تتكشّف داخلها علاقات قوة ومساومات حول الزمن الطويل، أي حول توقيت القرار وتكلفة تأجيله، إلى جانب أسئلة مستمرة حول معنى المصلحة العامة في زمن الإيكولوجيا.
بنية الكتاب وأطروحاته ومضامينه
يضم الكتاب ثلاثة فصول تُبرِز التحوّل العميق الذي تُحدِثه السياسات البيئية في طرائق ممرسة الفعل السياسي المعاصر. ويبّين المؤلفان أن البيئة أصبحت مج لًا يعيد صياغة آليات القرار العمومي، ويُدخِل فاعلين جددًا إلى قلب العملية السياسية.
1. البيئة مهمة جديدة للدولة
يتناول الفصل الأول التحوّل التاريخي الذي رسّخ حضور البيئة في سياسات الدولة، متتبّعًا انتقال الطبيعة من كونها مج لًا خارجيًا إلى موضوعٍ للحكم تُطَّبّق عليه آليات الضبط والرقابة. ويُظهر أنّ الكوارث الكبررى، مثل زلزال لشبونة عام 1755 وانفجار "بودري‑غرينيل" عام 1794، مثّلت منعطفات أساسية دفعت الدولة إلى إعادة تعريف السلامة العامة، وعرضها بوصفها جوهرًا يسوّغ شرعية تدخّلها. ومع تراكم الخبررات، خضعت البيئة لمنطق عقلاني قائم على الرصد والتقنين، كم يتضح في نظام "المنشآت المصنّفة" (ص. 20). وفي هذا السياق، انتقل تفسير الخطر من تأويلٍ قدري إلى قراءة تقنية - إدارية، تُحِمِّل الفاعلين مسؤولية الوقاية، فتبلور المجال البيئي داخل أجهزة الدولة، بوصفه أحد مكونات بنيتها الحديثة. غير أنّ هذا البناء التقني، المرتكز على الضبط ودراسات السلامة (من سيفيزو إلى فوكوشيم)، يواجه قصورًا بنيويًا؛ إذ يغفل عن تفكيك معادلة التوزيع ونقد كيفية تحمّل الأقاليم ومختلف الفئات أعباء المخاطر. فبينم يتساءل الفصل عن تحوّل المصارف وشركات التأمين إلى منِّظّمين فعلّييّن للمجال البيئي، مستشهدًا ببلوغ التعويضات 6.5 مليارات يورو عام 2023 في فرنسا (ص. 25)، فإنه يرصد نزعة خطرة لرفع الحمية التأمينية عن المناطق الهشّة؛ ما يُحْدِث فجوات جغرافية تُقصي سؤال العدالة الترابية عن المقاربة الإدارية. ويمضي الفصل ليبّين حدود النموذج التقليدي في مواجهة مخاطر معاصرة تتجاوز الطابع المحلي إلى أبعاد عالمية متشابكة، واضعةً أدوات الدولة الكلاسيكية أمام اختبار صعب. ويتناول نشأة الإيكولوجيا السياسية منذ أواخر الستينيات بوصفها انتق لًا من معالجة البيئة مسألة تقنية إلى قضية تمسّ أسس العقلانية ونموذج النموّ وآليات الشرعية الديمقراطية، مع إبراز نقد الحياد العلمي والوجه المزدوج للتقدم التقني، ونقاشات "حدود النمو" التي راجعت ارتباط الرفاه بالوفرة المادية (ص. 30) ويعرض الفصل بعد ذلك اتّساع الفعل البيئي إلى المستوى الدولي؛ إذ إن غياب سلطة بيئية كونية أفضى إلى منظومات معيارية لا تتحقّق فاعليتُها إلا وطنيًا، مع إبراز دور المجتمع المدني واتفاقية آرهوس في ترسيخ
حق الوصول إلى المعلومة والتقاضي (ص. 38). أمّا على المستوى الأوروبي، فُيبُررز الفصل تطوّر السياسات البيئية من مقاربات تقنية إلى مشروع سياسي شامل يقوم على "الميثاق الأخضر" ومبدأ الحيطة وسوق الكربون، في سياق تحديات اجتمعية متصاعدة. فعلى الرغم من أنّ القانون الأوروبي يهيمن على 80 في المئة من السياسات الوطنية (ص. 11)، فإنّ هذا التوسّع لا يخفي غياب إطار قياس واضح لأثر تلك التشريعات في مختلف المناطق والشرائح الاجتمعية؛ ما يجعل الالتزام ب "أقصى درجات الحمية" وعدًا نظريًا أكثر منه ضمنًا فعليًا. وفي هذا الصدد، يتناول الفصل حدود الدبلوماسية المناخية، مسلّطًا الضوء على تواضع مخرجات اتفاق باريس؛ فبينم يكتفي النص بأهداف تحفيزية مثل "بذل الجهود" لحصر ارتفاع درجة الحرارة العالمية في حدود 1.5 درجة، تُظهر الحقائق العلمية ضرورة خفض الانبعاثات بنسبة تراوح بين 40 و 70 في المئة لتفادي مسار كارثي بين 3 و 5 درجات (ص. 24). غير أنّ التشخيص الرقمي يفتقر هو الآخر إلى أداة تقيس أثر الفجوات في عدم المساواة البيئية؛ ما يحصر القراءة في وصف الفشل التقني ويغفل التفاوت في توزيع الأعباء. وفي الحالة الفرنسية، يتوقّف الفصل عند إدماج "ميثاق البيئة" في الدستور عام 2005، ويعرض هذا الإدماج بوصفه اللحظة التي رسّخت البيئة قيمةً دستورية عليا، غير أنّ الجدل ما زال قائمًا حول الفاعلية الإجرائية لمبدأ الحيطة.
2. الجهات الفاعلة والمؤسسات البيئية
ينتقل الفصل الثاني إلى تحليل منظومة الفاعلين المشاركين في صياغة السياسات البيئية، منتقدًا التصوّر الذي يجعل "الرأي العام" المحرّك الحاسم للتحوّل؛ ويرى المؤلفان أنّه ظلّ متذبذبًا وتتراجع قوّته مع الأزمات الاقتصادية، بينم تكمن القوة الفعلية في الفاعلين الذين رسّخوا هذا المسار تاريخيًا: الجمعيات، ومؤسسات الدولة، والفاعلون الاقتصاديون، وأحزاب الخُْضر، بوصفهم القوة التي حوّلت القضايا البيئية إلى قضايا سياسية ومؤسساتية (ص. 47)
ولم تنشأ السياسات البيئية داخل أجهزة الدولة، بل جاءت من مطالب المجتمع المدني؛ إذ دفعت الحركات والجمعيات المسألة البيئية إلى الواجهة، ونسجت خطابًا جديدًا حول حمية الطبيعة والسلامة العامة. جاء الحراك البيئي عبرر موجتين: الأولى لحمية الموارد في القرن التاسع عشر، والثانية سياسية - نقدية منذ السبعينيات (ص. 48). وقد مثّلت الجمعيات، طوال سنوات، "المصالح الخارجية" لوزارات البيئة القليلة الموارد؛ إذ تتولى التوعية، وإدارة المحميات، وإنتاج البيانات العلمية، وتعويض الدولة في تقديم خدمة عمومية لم تستطع أداءها (ص. 51)
ويعالج الفصل ضعف الجهاز البيئي داخل الدولة، موضحًا أنّ وزارة البيئة نشأت عام 1971 ولم تكن مدعومة بإرادة سياسية حقيقية، وبقيت خاضعة للوزارات الإنتاجية؛ ما جعل توسّعها الشكلي غير قادر على إرساء سلطة قوية في الملفات الاستراتيجية (ص. 58). وقد اضطرت إلى ممرسة "سلطة الموقع الضعيف" مع محدودية الموارد، معتمدةً أساليب مبتكرة لتعويض النقص (ص. 63). لكنّ التركيز على التنافس الإداري الداخلي يضيّق زاوية النظر؛ إذ يحجب الخلفية السياسية - الاقتصادية التي تؤطر قطاعاتٍ كبررى مثل الطاقة والزراعة، وما تُحدثه سياساتها من تفاوتات مناخية واجتمعية. وعندما يُختزل الخلاف في حدود الصلاحيات بين الوزارات، يتراجع سؤال توزيع الأعباء وآثار السياسات في الفئات والأقاليم، ليبقى النقاش محصورًا في منطق الأجهزة بدلًا من مساءلة العدالة المناخية.
وتُظهر هيمنة النموذج الفرنسي أنّ الإشارات إلى التجارب الأوروبية والدولية تظل ثانوية (ص. 54)، ولا يختبرر النص صلاحية خلاصاته في سياقات بلدان الجنوب، حيث تغيب التقاليد الإدارية المستقرة. ويمتد التحليل إلى التحوّل الذي عرفه الفاعل الاقتصادي، بعدما باتت الشركات فاعلًا مؤثّرًا لا هدفًا للتنظيم، واستمرت في إبطاء الفعل العمومي عبرر صناعة الشكّ وتأخير الاعتراف بالمشكلات البيئية، وانتزاع إعفاءات بحجة حمية التنافسية والوظائف. ووصل الأمر إلى التحايل التقني في بعض القطاعات (ص. 65). ومع ذلك، تبنّت سردية "الاقتصاد الأخضر" لتعيد تقديم نفسها بوصفها جزءًا من الحلّ، مستبدِلةً القواعد الملزِمة بمعايير طوعية، مثل تقارير المسؤولية الاجتمعية، التي تراوح بين التجميل الرمزي والابتكار (ص. 68) ويتطرّق الفصل إلى أحزاب الخُْضر التي راكمت حضورًا سياسيًا ملموسًا، منذ السبعينيات، من دون أن تتمكّن من تثبيت وزن مؤسسي مستقر (ص. 74). فعلى الرغم من دخولها البررلمانات الأوروبية ومشاركتها في هيئات محلية ووطنية، يظل تأثيرها مرتبطًا بالأنظمة الانتخابية وأنماط الاقتراع المعمول بها (ص 72). كم تواجه هذه الأحزاب تحديات بنيوية تتمثل في التحالفات الانتخابية، وانقساماتها الداخلية الناجمة عن الخلاف حول الخيارات الاستراتيجية، مثل مسألة الاستقلال عن اليسار أو الاندماج فيه، وقرار المشاركة في الحكم أو الحفاظ على طهرانية المواقف. ويخلص إلى أنّ تأثير أحزاب الخُْضر في مراكز القرار ظل محدودًا؛ إذ ترافقت النجاحات الرمزية مع تراجعات مفروضة بفعل مقاومة البيروقراطيات التقنية وضغوط مجموعات المصالح في القطاعات الاستراتيجية. ويظهر أثر هذه الأحزاب أوضح على المستوى المحلي، حيث تمكّنت بعض المدن من تجربة نموذج "الإيكولوجيا الحضرية"؛ ما أسهم في ترسيخ البعد البيئي ضمن الأجندة السياسية. غير أنّ هذا النجاح الفكري أدّى إلى استقطاب نخب خضراء داخل أحزاب أخرى، وظهور برامج بيئية منافسة داخل اليسار؛ ما قلّل من خصوصية هذه الأحزاب داخل المشهد الحزبي (ص. 77).
3. الفعل العمومي البيئي
يعرض الفصل الثالث السياسات البيئية بوصفها نموذجًا فريدًا للفعل العمومي، مبيّنًا أنّها ليست آليات إدارية فحسب، بل تمثّل ثمرة "تعبئة مزدوجة" تجمع بين ديناميات الاحتجاج الاجتمعي ومعرفة الخبرراء (ص. 78). وتبررز أهمية هذا الطرح في كشفه عن تحدَّييَن جوهريين: أولهم اتخاذ القرار في سياق يتسم بعدم يقينٍ بنيوي والمفاضلة المستمرة بين مصالح اقتصادية واجتمعية متعارضة، وثانيهم معضلة النطاق، التي تتمثّل في صعوبة المواءمة بين الطابع الكوني للمشكلات البيئية ومتطلبات تنفيذ السياسات على المستوى المحلي، حيث تتباين قدرات الأقاليم ومؤسساتها وموازين مصالحها تباينًا كبيرًا. ثم يفكك المؤلفان ما يسمّيانه "البداهة الزائفة"، التي تختزل السياسات البيئية في حجم الأضرار المادية؛ فالبيئة، كم يوضح النص، لا تفرض نفسها قضية سياسية على نحو تلقائي، بل تُبنى اجتمعيًا عبرر عمليات التعريف والصياغة (ص. 79). فالماء والمناخ والتنوع البيولوجي لا يبَررز أٌّيٌ منها قضية عمومية إلا بقدر ما يتمكّن الفاعلون من تحويله إلى مشكلة معرفية وسياسية. ومع أنّ الفصل يقدّم تحليلًا مهًّما لتحوّل المشكلات العمومية تبعًا لعمليات التعبئة والظروف المختلفة، فإنّه يغفل وضع معايير إجرائية تميّز بين السياسات التي تُحدِث أثرًا فعليًا وتلك التي تكتفي بالاستهلاك الخطابي، تاركًا القارئ أمام تساؤل مشروع حول مؤشرات النجاح والفشل بعيدًا عن الوعود الرسمية.
ويواصل التحليل إبراز دور النزاعات البيئية، ليس باعتبارها عائقًا للمسار الإداري، بل بوصفها رافدًا لإنتاج معرفة بديلة. فعندما يتعّثر المسار العلمي الرسمي أو تتباطأ الدولة أمام لغزٍ بيئي، يضطلع السكان بتحقيقات ميدانية تولّد "خةً موازية" تفرض معطيات جديدة على النقاش العمومي. وهكذا يتحوّل الاعتراض الاجتمعي إلى قوة معرفية تدفع العلم إلى مراجعة مسلّمته، والسياسات إلى تصحيح مساراتها، ليصبح الخلاف ذاته جزءًا من عملية بناء الحقيقة وص عن القرار (ص. 89). ومع ذلك، وعلى الرغم من أهمية نقد "حياد العلم"، لا يوضح الفصل كيفية تقييم مآلات هذه النزاعات من حيث أثرها العملي؛ أي كيف يمكن التمييز بين سياسة تُنتج خطابًا بيئيًا متقدّمًا وأخرى تُحدِث تغييرًا فعليًا في الواقع؟ ويتّسع هذا القصور ليشمل دور القضاء أيضًا؛ إذ يورد الفصل الأحكام الصادرة ضد الدولة الفرنسية بسبب "تقاعسها المناخي"، من دون أن يفحص حدود هذا المسار القضائي، أو مدى قدرته على تعويض ضعف الإرادة السياسية في مواجهة اللوبيات الاقتصادية. وُيبُررز كذلك أن القرار البيئي لا يتكوّن وفق منطق فردي أو تقني محض، بل يتشكّل داخل بنية تنافسية تتواجه فيها قوى متفاوتة القدرات. فالفاعلون الاقتصاديون المنظمون يمتلكون وزنًا يفوق كثيرًا فاعلية مطالب الصحة والبيئة المتفرقة؛ لا من خلال وسائل الضغط التقليدية فحسب، بل أيضًا عبرر توظيف العلم نفسه بوصفه أداة سلطة. فهذه اللوبيات لا تهاجم المعرفة العلمية من الخارج، بل تنتج "معرفة مضادّة" تثير الشكوك حولها، بما يؤدي إلى تأجيل التشريعات المقيّدة لمصالح تلك الفواعل الاقتصادية المنظمة، وقد تجّلى ذلك في قضايا مثل التبغ والأسبستوس (الأميانت)، حيث موّلت الشركات خبررات مضِّلِلة لإخفاء المخاطر الصحية وشلّ قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة طوال عقود كاملة (ص. 103) ويُختتم الفصل بتأكيد أنّ السياسة البيئية تُصاغ فعليًا في مرحلة التنفيذ، حيث تتلاقى النصوص مع واقع الأقاليم المعنية، وتتعارض المصالح المحلية، وتتداخل شبكات الصلاحيات. فتطبيق هذه السياسات ليس آليًا أو محايدًا، بل هو مسار تفاوضي تُعاد خلاله صياغة الأهداف، ويتجلى فيه الدور المحوري للفاعلين الترابيين، كم تنكشف حدود القدرات الفعلية للدولة. ومن ثمّ، يغدو الإخفاق أو التعّثر ع نصرًا بنيويًا في السياسات البيئية، لا خللًا عارضًا (ص. 114). غير أنّ هذا التفسير يبقى ناقصًا؛ إذ يصوّر "فشل التنفيذ" كم لو كان نتيجة ظرفية، بينم يعكس في الواقع بنيةً إدارية واقتصادية تُكرّس الضعف بدلًا من معالجته. وهكذا، يكتفي الفصل بوصف صعوبات القرار من دون مساءلة الجدوى الفعلية لسياساتٍ تولَد هشّة منذ نشأتها.
خلاصات نقدية
يكشف الكتاب، عبرر تتبّعه التاريخي لنحو ستة عقود من السياسات البيئية، عن مفارقة بنيوية لافتة؛ فعلى الرغم من بلوغ هذه السياسات ما يشبه "سنّ الرشد"، من حيث تراكم الأدوات التشريعية، وتطوّر وسائل القياس، واتّساع المعرفة العلمية، ظلّت فاعليتها العملية محدودة، ويظلّ انتقالها من مستوى الخطاب إلى مستوى الإلزام هشّا ومضطربًا. فالمعرفة لم تُنتج عقلنةً سياسية، والرصيد العلمي لم يتحوّل إلى قدرة تقريرية؛ إذ بقيت الأولويات البيئية خاضعة لإيقاع اقتصادٍ ذي نظرة "إنتاجوية" ومنطق التفاوض بين مصالح متعارضة. وُيبُررز المؤلفان أيضًا صعود القضاء بوصفه أحد الميادين القليلة التي تشهد تقدّمًا ملموسًا: فقد غدت الدعاوى المناخية، في فرنسا كم في عدد من الدول الأوروبية ودول أميركا الجنوبية، أداة ضغط تُساءَل بها الحكومات
عن تقاعسها. غير أنّ هذا التقدّم على الصعيد القضائي يقابله قصور مزمن في المفاوضات المناخية الدولية، حيث تعوق المصالح الوطنية الضيّقة أيّ تحرّك جمعي فعّال، كم تُظهر حصيلة المؤتمرات الدولية الأخيرة. وعلى مستوى الخطاب، يقدّم الكتاب نقدًا حادّا لمفهوم "الانتقال البيئي" الذي اكتسب جاذبية واسعة على نحو يذكّر بمسار "التنمية المستدامة". فبدلًا من أن يكون أداةً لتغيير النموذج الاقتصادي، تحوّل إلى إطار مُطْمئْن يوحي بأنّ الحل يكمن في تكييفٍ تقنيّ تدريجي، لا في مراجعة جذرية للبنى المنتِجة للأزمة. وأسهم تعدّد الفاعلين الذين يوظّفون هذا المفهوم في تفريغه من طابعه التحويلي، على غرار شعارات أُعيد توظيفها لتبررير استمرارية المسارات القائمة. وأخيرًا، يسلّط الكتاب الضوء على موقع الرأي العام بوصفه أحد أكثر التحدّيات حساسيةً؛ فبالرغم من تزايد الوعي بالمخاطر المناخية، تتراجع قابلية المجتمعات لتقبّل السياسات البيئية تحت وطأة أزمات اجتمعية واقتصادية متلاحقة. وتتجّلى هذه الهوّة في الاحتجاجات ضد الجباية البيئية، وتعطّل البررامج الترابية، وصعود خطاب "الإيكولوجيا العقابية" الذي استثمرته قوى سياسية عدّة خلال الاستحقاقات الأوروبية. وهكذا تتّسع الفجوة بين إجمعٍ خطابي على ضرورة حمية المناخ وتنفيذ سياساتٍ باتت، مع مرور الوقت، أكثر صعوبةً وإثارةً للصراع وعُرضةً للتراجع. على صعيد الصياغة، اتسمت الطبعة الرابعة من "الفعل العمومي والبيئة" بسلاسة تركيبية وكثافة معرفية تليق بسلسلةٍ موجزة؛ إذ يوفّق المؤلفان بين عرضٍ تاريخي متدرّج ومرافعةٍ سوسيولوجية دقيقة حول مركزية التنفيذ وتعدّد الفاعلين ولايقين الخبررة. ويُحسب للكتاب نجاحه، بصفحات قليلة، في تفكيك وهَميَن مسيطرين في النقاش العام: خطيّة القرار وحياد الخبررة. فهو يبّين أنّ التعّثر في السياسات البيئية ليس عارضًا، بل نتاج بنيوي لتشابك المصالح، وتوزّع السلطات بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، وتضارب الخبررات ذاتها. مع ذلك، يترك الاقتصاد الشديد للصفحات فراغًا تحليليًا واضحًا، حين يتعلّق الأمر بالسياق الأوسع الذي تتحرّك فيه هذه السياسات. ويقتضي استكمل الصورة تحليلُ الدور المتنامي لما يُعرَف بالنيوليبررالية البيئية، باعتبارها الإطار الذي أعاد صياغة العلاقة بين الاقتصاد والبيئة خلال العقود الأخيرة. ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه امتدادًا لمنعطف ثقافي واقتصادي نشأ منذ ثمانينيات القرن العشرين، ودفع بالعلاقة بين الرأسملية والبيئة نحو مستويات غير مسبوقة من "التسليع". ويظهر ذلك فيم يُعرف بالتكييف البيئي للرأسملية؛ وهي استراتيجية تمنح الأدوات الاقتصادية دورًا مركزيًا في التعامل مع الأزمات البيئية، بحيث تتحوّل الأخيرة إلى فرص استثمرية تضمن استمرار النظام ونموّه بدلًا من كبحه. وفق هذا المنظور، لم يعد الحفاظ على النظم الإيكولوجية قائمًا على منطق المصلحة المشتركة، بل أضحى مرتبطًا بإدماج الطبيعة في دورة الاستثمر العالمي؛ حيث تُخترَق مشاعات المجتمعات المحلية (الأراضي الجمعية) وتُحَّوَل الأصول الجينية للنباتات والبذور الزراعية والكائنات الحية إلى ملكيات خاصة للشركات الدولية العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يتّضح أثر الخطاب الإيكولوجي المحكوم بمنطق السوق، الذي يقدّم "الحلول الخضراء" بوصفها فرصًا للربح، عبرر آليات مثل "الائتمن الكربوني"، الذي يمنح الشركات حقّ التلويث مقابل شراء شهادات غرس أشجار في أماكن أخرى، أو نظام "الدفع مقابل الخدمات البيئية"، الذي يحوّل حمية الموارد إلى خدمة تجارية مأجورة بدلًا من اعتبارها واجبًا أخلاقيًا أو قانونيًا.
وقد أفضى ذلك إلى مفارقة؛ إذ أصبحت القطاعات الصناعية الأكثر تسببًا في التدهور البيئي قادرة على تقديم نفسها بوصفها جهات فاعلة في حمية البيئة، من خلال عمليات تسويق افتراضية؛ وهي منظومات اقتصادية قائمة على الورق والوعود التسويقية أكثر من استنادها إلى تحسين فعلي في حالة البيئة. وخير مثال على ذلك المشاريع الدولية التي تمنح مكافآت مالية مقابل الحفاظ على الغطاء الغابوي REDD+؛ فقد اصطدمت هذه المبادرات بتعقيدات بيروقراطية وتقنية؛ ما جعل تركيزها ينصبّ على الأبعاد المحاسبية أكثر من فاعليتها الميدانية في حمية التنوّع البيولوجي. تعكس هذه التحولات توجهًا نحو "نزع الطابع السياسي" عن القضايا البيئية، وتحويلها إلى معادلات تقنية تخضع لمنطق السوق. وبذلك، يُدمَج مفهوم "الاستدامة" ضمن آليات مراكمة الربح، لتصبح حمية الموارد قناة لتوليد فائض مالي، يوازي في بنيته الاقتصادية منطق استخراج الثروات. ويطرح هذا المسار تحديات جوهرية حول قدرة الحلول المعتمدة على آليات السوق على معالجة الأزمة البيئية المعاصرة بعيدًا عن المنطق النفعي الصرف. وعلى المستوى الدولي، تبلورت نزعة نحو إعادة تعريف الالتزامات المناخية من منظور السيادة الوطنية والتنافسية الاقتصادية، وهو ما تجّلى في المسار الإجرائي للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب تجاه اتفاق باريس للمناخ؛ حيث اكتمل الأثر القانوني للانسحاب في 27 كانون الثاني/ يناير 2026، بعد سلسلة من الإخطارات الرسمية بدأت منذ عام 2017. ولا يقتصر هذا التوجه على البُعد الإجرائي، بل يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة التعاون الدولي، حيث تُغَلَّب السيادة التنظيمية على الالتزامات التنموية العالمية والمساهمت المالية الموجّهة إلى صناديق البيئة. ويطرح هذا الانكفاء تحديات بنيوية أمام مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة؛ إذ إنه يعيد صياغة دور الاقتصادات الكبررى بمعزلٍ عن ثقل مساهمتها في الانبعاثات العالمية؛ ما يؤدي إلى فجوة في التمويل المناخي الدولي، ويُضعف فاعلية الأطر الجمعية لمواجهة المخاطر البيئية العابرة للحدود. وتكشف خاتمة الكتاب التي يقترحها إيفرار ولاسكوم عن حدودٍ بنيوية تواجه الفعل البيئي اليوم؛ فالعوامل الاقتصادية والسياسية التي تتحكّم في تحديد الأولويات تجعل آليات السياسات البيئية عرضةً للتعطيل كلّم تغّير سياق الأزمات. وفي هذا المشهد المتقلّب، يبررز التقاضي المناخي بوصفه مسارًا يعيد تعريف الالتزام البيئي من زاوية المحاسبة والحق، بينم تبقى شرعية السياسات البيئية ذاتها عرضةً للتآكل تحت ضغط الأعباء الاجتمعية والاقتصادية المتزايدة. وينبّه هذا التشخيص إلى أنّ المعضلة لا تكمن في نقص الأدوات أو المعارف بقدر ما تكمن في الشروط التي تحدّد قدرة الدولة على اتخاذ قرار بيئي فعّال؛ أي تحويل المعرفة المتاحة إلى خيارات ملزمة وقابلة للإنفاذ. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ فهو لا يقترح حلولًا جاهزة، بل يحدّد لحظات التعّثر حيث تبلغ الآليات حدودها. وعند هذه الحدود تحديدًا تتولّد أسئلة محورية: كيف يمكن تعزيز قدرة الدولة على قيادة التحوّل في سياق اقتصاد سياسي يقيّد الفعل بقدر ما يحفّزه؟ أيمثّل المسار القانوني القضائي بديلًا كافيًا أم أنه ينشئ حدودًا جديدة للفاعلية؟ وكيف تُصاغ هندسة مؤسسية تلائم الإيقاع المتسارع للوقائع البيئية؟ وأيّ مفهوم للشرعية يمكن أن يتجاوز التعارض التقليدي بين منطق الحمية ومنطق التكلفة؟ لا تُغلق هذه الأسئلة النقاش بل تعيد فتحه؛ ف "سنّ الرشد" الذي يلمّح إليه المؤلفان هو بداية جديدة لمساءلة شروط الفعل البيئي لا خاتمة لها.