قل لي من يستشهد بك؛ أقل لك من أنت: هل حقًا تَبنِي الاستشهادات مكانتك الأكاديمية؟
Tell Me Who Cites You, and I Shall Tell You Who You Are: Do Citations Truly Reflect Scholarly Reputation?
الملخّص
* باحث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
Abstract
Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies. Email: majd.abuamer@dohainstitute.edu.qa
- سياسات البحث العلمي
- المكانة الأكاديمية
- الاستشهادات الأكاديمية
- Research Policy
- Academic Status
- Scholarly Citations
ينطلقُ الكتاب، كم يوضح عنوانه الذي يُعيد صياغة حكمة شائعة "أفورسيم" Aphorism، من ملاحظة إشكالية مركزية في بيئة البحث العلمي وسياسات النشر الأكاديمي المعاصرة، هي: حتميّةُ تقييم الباحثين والمؤسّسات العلميّة وما يرتبط بها من طلبٍ متزايد على مؤّشر ات تُعَدّ موضوعيّةً، على الرغم من أنّها تختزل القيمة المعرفية في رصيدٍ من الاستشهادات التي يتحوّل بموجبها الباحثُ إلى "رقم"، فحسب، في جداول الببليومتريا Bibliometrics؛ أي قياس الاستشهادات إحصائيّا. فعلى الرغم من أنّ التقييم يُعَدّ حاجةً اجتمعيّةً وتنظيميّةً ملحّة لتدبير التوظيف والترقية وتوزيع الموارد، فإنّه أُوكل على نحو متزايدٍ إلى الببليومتريا بوصفها أداةً رقميّةً مريحة تقدّم أرقامًا سريعة عن الأداء العلمي. غير أنّ المؤلّفين يبيّنون أنّ هذه الأدوات لا تفي فعلًّيًا بالغرض الذي استُدعيت لأجله، لا سيّم في العلوم الاجتمعية والإنسانية، إذ تُختزل القيمة العلميّة في عِدّة كمّية قد تُضِلِّل الأحكام وتدفع إلى سلوكيّات نشرٍ ملتوية. وبناءً على ذلك، يحاول المؤلفون معالجة ثلاثة تساؤلاتٍ جوهريّة: مَن يقِّيِم؟ ووفق أيّ وتيرة زمنيّة؟ وعلى أيّ أسسٍ ومعايير؟ عبرر تفكيك هذه الأسئلة في فصول الكتاب الخمسة، التي تسبقها مقدمة وتليها خاتمة، يسعى المؤلّفون لكشف قصور الببليومتريا السائدة، واقتراح مقارباتٍ أكثر إنصافًا، والتحذير
من هيمنة "ثقافة الرقم" على جوهر الإنتاج العلمي. وُيبُررز الكتاب أنّ المنافسة الدوليّة وتمويل المشاريع دفعَا الباحثين إلى التركيز على الاستشهادات بدلًا من التركيز على أصالة الأفكار؛ ما يهدّد التنوّع النظري واللغويّ في المعرفة. فانتقال إنتاج المعرفة من أفراد متحمّسين وشغوفين إلى نظام مهنيّ متخصّص منذ القرن التاسع عشر خلق فجوةً بين الباحث وموضوعه، وحوّل التقييم إلى ضرورة اجتمعية تنظيميّة لا غنى عنها لتوزيع المناصب والموارد.
فصول الكتاب وأفكاره الرئيسة
يتناول الفصل الأول، "التقييم باعتباره ضرورةً مؤسسية"، جذور آليات تقويم الباحثين وسياسات النشر من خلال ربطها بنشأة مفهوم السلطة الاجتمعية؛ فمنذ شرعت مجتمعات ما قبل العصر الحجري في تنظيم أفرادها عناصر قابلة للاستبدال، أصبح قياس الأداء شرطًا بنيويًا لاستدامة المشروع الجمعي، وهو منطق ارتكزت عليه الجامعة الحديثة لتحديد القيمة العلمية لكل باحث. في هذا الإطار، يوضح المؤلفون أنّ أي مؤسسة لا تستطيع مواجهة تحديات التنافس وحشد المهارات الجديدة من دون توزيعٍ فعّالٍ للمهمت وتقديم الحوافز وترقية الموارد البشرية، وأنّ التقييم هو أداتها التنظيمية لضبط تلك العمليات. ويُظهر الفصل أنّ مثل هذا التقييم اكتسب مشروعيته لأن نجاح الجمعة يرتبط بحصيلة جهود أعضائها، ولأن التحفيز يستدعي التمييز الموضوعي بين مستويات الإسهام. غير أنّ المؤلفين يسجّلون التوتر القائم بين نزعةٍ إدارية تُفضّل مؤشرات رقمية مختزِلة وحٍّسٍ أكاديمي يخشى إفقاد المعرفة تعقيدها بدعوى الموضوعية، وهو ما يثير نقاشًا موضوعه حدود القياس المجرد وأثره في سياسات البحث العلمي. ويخلص الفصل إلى أنّ التقييم ضرورةٌ اجتمعية، لكن أدواته ينبغي أن تُصَمَّم بطريقة تراعي خصوصية الحقول العلمية ودوافع الفاعلين، وتمزجُ بين الدلالات الكمية والكيفيّة بدلًا من فرض قالب موحّد لا يلائم تنوّع الممرسات البحثية. ينتقل الفصل الثاني، "مقدمة في القياس الببليومتري للأثر"، إلى استعراض تاريخ الببليومتريا وأدواتها ومفاهيمها، منذ ميلاد تخصص القياس العلمي Scientometric في أوائل القرن العشرين، المعني بتقييم المؤسسات البحثية والباحثين استنادًا إلى مناهج إحصائية أو رياضية. في هذا الصدد، مُييّز المؤلفون بين الببليومتريا الوصفية (كم في قانون لوتكا بشأن توزيع الإنتاج العلمي للباحثين الذي اقترحه ألفريد لوتكا Lotka Alfred عام 1926، وقانون برادفورد الذي اقترحه صموئيل برادفورد Bradford Samuel عام 1934، وهو متعلق بتموضع الدراسات الأكثر تأثيرًا في عدد محدود من الدوريات)، والببليومتريا التأثيرية التي بدأت مع يوجين غارفيلد Garfield Eugene الذي طرح فكرة مفادها أن "الاعتراف بالقيمة العلمية لمصدر ما يعتمدُ على الاستشهاد به من قبل أقرانه في المنشورات العلمية" (ص. 44)، وهي فكرة تسعى لتقييم الباحثين أو الدوريات من خلال عدد الاستشهادات التي يتلقونها، مثل معامل التأثير Factor Impact أو مؤشر سيمجو SCImago الخاصين بالدوريات، أو مؤشر هيرش H-index ومؤشر جي G-index الخاص بالباحثين. ويُفكك المؤلفون الافتراض الأساسي الذي تستند إليه هذه المؤشرات؛ فالباحث يُستشهد به لأنه منتجٌ لعلم مؤثر. وهو افتراض، كم يبين الفصل، لا يصمد في الفحص التجريبي أو السوسيولوجي، فالاستشهادات قد تكون تقنية، أو مُجاملة، أو حتى موجهة سياساتيًا. ثمّ إن من يُستشهد به ليس دائمًا الأجدر، بل من يكتب بلغة المركز، أو ضمن شبكات تأثير قوية، أو ينشر في دوريات "مرموقة" غالبًا ما تعيد إنتاج ذاتها. ويربط المؤلفون هذا الخلل ببنية التوزيع العالمي للمعرفة التي تتسم بعدم تكافؤ صارخ.
في تحليل موسّع لمعامل التأثير، يبّين الفصل كيف أن هذا المؤشر، على الرغم من وظيفته المبسّطة، يعاني تحيّزًا زمنًّيًا (لأنه يقيس الاستشهادات خلال سنتين غالبًا، وإن كانت مناسبة للتخصصات التي تنطوي على ابتكار سريع مثل الأحياء والتكنولوجيا، فإنها غير مناسبة للتخصصات الأخرى التي تنمو ببطء)، وتحيزًا لغويًا (لأنه يهمّش الدوريات غير الإنكليزية)، وتحيزًا تخصصيًا (لأنه يظلم العلوم الاجتمعية والإنسانية). وُيبُررز الفصل أن دُور النشر تستخدمُ هذا المؤشر للتلاعب بسلوك النشر؛ إذ تُرفض دراسات قد تكون مهمة لأن الدورية لا تتوقع لها عددًا كافيًا من الاستشهادات. وتُظهر هذه الإشكالية مدى التداخل بين اقتصاد المعرفة والسوق الأكاديمية، وهو ما سبق أن ناقشه ماريو بياجيولي فيم وصفه بمنطق نظام المكافآت. يستعرضُ الفصلُ الثالث، "لمحة عامة عن المشهد العلمي الفرنسي"، دراسةً ميدانية استندت إلى استبيان وُِّزِع في السنة الجامعية 2012-2011 على 128 باحثًا وأستاذًا ومهندسًا من تخصّصات علوم الأرض، وعلوم الحياة، والعلوم الاجتمعية والإنسانية، وعلم النفس، وغيرها؛ من أجل رصد ممرسات النشر والتقييم ومدى تغلغل المقاييس الببليومترية في فرنسا. وتكشف النتائجُ انقسامًا حاًّدًا بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتمعية والإنسانية: فالأولى تتسم بوتيرة نشر سريعة لدراسات في دوريات عالية التأثير (بالإنكليزية غالبًا)، في حين تميل الثانية إلى نشر فصولٍ وكتبٍ بالفرنسية في دورياتٍ محلية منخفضة العامل التأثيري. على مستوى المعرفة بالمؤشرات، ذكر أكثر من 71 في المئة من علمء العلوم الطبيعية أنهم على دراية بمعامل التأثير ومؤشر هيرش معًا، في مقابل 3.8 في المئة فقط في العلوم الاجتمعية والإنسانية. أمّا المواقف تجاه القياسات الببليومترية، فتراوح بين رفضٍ صريحٍ لدى الباحثين في العلوم الاجتمعية والإنسانية - بل عدّها 54 في المئة منهم "خطرًا حقيقًّيًا على النشر العلمي" (ص. 93) - وموقفٍ متأرجح في باقي التخصّصات. إجملًا، رأى 39.2 في المئة أنّ القياسات الببليومترية مفيدة رغم عيوبها، بينم أبدى 56 في المئة موقفًا سلبًّيًا إلى حٍّدٍ ما. وعلى الصعيد المؤسسي، تعتمد مختبرراتُ الأرض والحياة المؤشرات الببليومترية التقليدية بنسبةٍ تفوق 93 في المئة، في حين تُهملها أقسامُ العلوم الاجتمعية والأقسامُ الصغيرة الأخرى، بينم تظهرُ ممرسات هجينة في الهندسة وعلم النفس. يُقدّم الفصل الرابع، "وجهات نظر نقدية حول الممرسات التقييمية في البحوث"، مراجعةً تحليلية تُظهر أنّ مؤشرات الببليومتريا السائدة لا تقيس القيمة المعرفيّة بقدر ما تقيس القيمة الاستهلاكية ودرجة الانغمس في شبكاتٍ علمية مهيمنة. ولمعالجة ذلك، يضع المؤلّفون خمسة مبادئ معيارية يُفترض احترامها لصلاحية التقييم الببليومتري: 1. أن لا مُتيِلي مؤّشر ات ومعاملات قياس التأثير على الباحثين اختيارَ موضوعاتهم؛ 2. أن لا تُستخدم ذريعةً لرفض أعملٍ أصيلة بحجة أنها غير رائجة وقد لا تحظى بنسب استشهاد عالية؛ 3. أن تكفل فُرصًا متكافئة لدورياتٍ ذات جودة متمثلة في الولوج إلى قواعد البيانات والفهرسة؛4. أن تمنح الدراسات المتكافئة علميًا حظوظًا متساوية للقراءة بصرف النظر عن هوية الدورية؛ 5. أن لا تعكس إّلا القدرةَ الفعلية على الإسهام العلمي المحتمل، لا الانتمء اللغوي أو الجغرافي. ويبّين الفصل أنّ الممرسة الراهنة تُخلّ بكلّ مبدأ: السعي لتحقيق مستوى مرتفع في معامل هيرش يجعل الباحثين يتجهون إلى موضوعاتٍ موسمية، ويهمّش الدوريات غير الناطقة بالإنكليزية، ويُنتج اقتصادًا رمزيًا يحِّوِل الدراسة إلى سلعة تُستهلك على منوال
السوق؛ إذ أضحت الاستشهادات أقرب إلى قياس الجاذبية التجارية من قياس النفاذ العلمي، في انزياحٍ يُسميه المؤلّفون النموذج الاستهلاكي. إضافةً إلى ذلك، يكشف ما يؤطره المؤلفون ضمن عنوان "الموقف الجيوسياسي" أنّ التقييم الببليومتري يرسّخ مركزية أنكلوسكسونية تجعل النفاذ العالمي مرهونًا باعتراف شبكاتٍ غربيةٍ بعينها؛ ما يحوّل معاملات ومؤشرات التأثير من معيار علمي إلى أداة هيمنة ثقافية تُعيد إنتاج الهرمية بين الشمل والجنوب، يصورها البعض بوصفها "شكلًا جديدًا من أشكال الحملة الصليبية" (ص. 132) يطرح الفصل الخامس، "من أجل تقييم ببليومتري لا يخضع لأحد"، رؤية إصلاحية تسعى لكسر تبعية المؤشرات الأحادية عبرر بناء منظومة هجينة تمزج القياس الكمي بالتحكيم النوعي. ينطلق المؤلفون بتحديد الغايات الجوهرية المرجوة من الدوريات العلمية: التأثير في الأجندة البحثية الدولية من خلال الدراسات التي تنشرها، واحتضان الأفكار غير المألوفة، ودعم الباحثين الناشئين ودمجهم في شبكات التواصل العلمي الدولية، ونقل البحوث الوطنية إلى فضاء دولي أوسع. ثم يناقشون كيفية تطوير قاعدة بيانات ببليومترية دولية تُنصف كلّ الدوريات، مقترحين بنية ثنائية المستويات تدمج الدوريات الأنكلو-أميركية الرائدة مع دوريات إقليمية مختارة يرشحها خبرراء وفق معايير السمعة وحجم الإنتاج، وبما يضمن تمثيلًا جغرافيًا ولغوًّيًا متوازنًا. ويقدّم الفصل ستة معايير لإدراج الدوريات ضمن قاعدة البيانات الببليومترية المأمولة: 1. تحكيم طلب فهرسة أي دورية من جانب لجنة دولية؛ 2. أن يكون للدورية هيئة تحرير محلية تضمن الجودة العلمية للدورية؛ 3. أن يكون للدورية لجنة قراءة دولية تعمل على توفير مُحكّمين أكفاء في مجال اختصاص الدورية؛ 4. أن تكون الدراسات المنشورة في الدورية مصحوبة بملخصات قصيرة باللغة الأم وملخصات أطول بالإنكليزية (2500-1000 كلمة) تزوّد القراء الأجانب بمعلومات كافية عن الدراسة؛ 5. وجود كلمت مفتاحية باللغة الأم واللغة الإنكليزية لتسهيل البحث التوثيقي؛ 6. وجود قائمة مراجع بلا قيود على لغة المراجع المستخدمة. ويقترحُ المؤلفون عدم اتخاذ انتظام الصدور عائقًا أمام إدراج أي دورية في القاعدة. أمّا المؤلفات الجمعية وفصول الكتب، فيقترح المؤلفون أن يكون شرط إدراجها هو اعتراف الجمعات التخصصية بقيمتها، وأن تخضع الفصول للتحكيم المزدوج، وتوفّر ملخصات وكلمت مفتاحية باللغة الأم واللغة الإنكليزية، وتوفّر قائمة المراجع. تُبّين خاتمةُ الكتاب أنّ التقييم ظلّ في صلب سياسات البحث العلمي، لكنّ تحوّله خلال العقدين الأخيرين إلى منظومة ببليومترية، قوامها معامل التأثير ومؤشر هيرش، غّير طرائق الحكم على العلم أكثر مّما غّير هدفه. هذا التحوّل حصر الباحثين بين رفضٍ (محّلي) يقود إلى عزلة معرفية وقبولٍ يُرسّخ هيمنة المراكز الناطقة بالإنكليزية، بينم تُظهر البيانات أنّ الانحياز اللغوي والجهوي في قواعد الاستشهاد يُفرغ مفهوم التأثير من دلالته العلمية ويجعله أداةَ تمييزٍ بنيوٍّيّ ضد الدوريات غير الأنكلوسكسونية. وتَخلص الخاتمة إلى أنّ هذه المؤشرات تقيس درجة اندماج النصوص في شبكاتٍ مهيمنة، لا قيمتها المعرفية الحقيقية؛ ما يستدعي مسارًا بديلًا، هو إنشاء قاعدة بيانات دولية متعدّدة المراكز وتطوير مؤشرات مركّبة تُزاوج بين التحليل الكمي والمراجعة النوعية، فتتحرّر عملية التقييم من الاستتباع الثقافي وتعود لقياس الإسهام العلمي ذاته. ومع الإقرار بأنّ التقييم ضرورة اجتمعية، تؤكد الخاتمة أنّ المُشكلة تكمن في الآليات القائمة لا في فكرة القياس نفسها، وتدعو إلى إصلاح حذرٍ يضمن عدالة المعرفة وتنوّعها.
ملاحظات نقدية
يندرج كتاب قل لي من يستشهد بك؛ أقل لك من أنت: هل حقًا تَبنِي الاستشهادات مكانتك الأكاديمية؟ في تقليد نقدي عابر للتخصصات، تتقاطع فيه سوسيولوجيا الحقل الأكاديمي، ودراسات القياس العلمي، ونقد السياسات الخاصة بالتقييم الجامعي. غير أن ما يميزه من الأدبيات الممثلة، هو ربطه الوثيق بين الأدوات الببليومترية والسيكولوجيا الاجتمعية للسلطة، وإعادة إنتاج الامتياز داخل الأكاديميا؛ إذ يُقدم الكتاب مساهمة نقدية في سياسات النشر الأكاديمي والتقييم البحثي، لا سيم في ظل هيمنة المقاييس الببليومترية على عملية تقييم الباحثين والمؤسسات الأكاديمية عالميًا، ويقترح سلسلة مبادئ ومعايير تشِّكِل إطارًا مرنًا يكمن، نظرًّيًا، تطبيقُه في بيئات لغويّة وثقافيّة متعدّدة. وهذه المزاوجة بين التشخيص النظري والدروس التطبيقية تمنحُ الكتاب قيمةً مضافة، إذ توِّسِع مقولة "التأثير" من عدد الاستشهادات إلى شبكة أوسع تدمج السياسات الوطنية، والتنوّع اللغوي، ودعم الباحثين الناشئين، فيسهم ذلك في إعادة تعريف "الجودة" خارج مبدأ الأرقام المطلقة من جهة، و"التأثير" بوصفه إسهامًا نقديًا طويل المدى لا مجرّد صدى لَحظٍِّيٍ في سوق الاقتباسات، من جهةٍ أخرى. مع ذلك، يظل وعد الكتاب غير ناجز، فالبيانات الميدانية محدودة الحجم وتتركز في فرنسا (بل وضّح الباحثون أنهم لا يدّعون تمثيلها حتى للمشهد الفرنسي)، ما يُضعف القدرة على تعميم النتائج، خاصةً في سياق الجنوب العالمي الذي يُعاني أكثر من غيره معايير التقييم الغربية. والأهم أنّ المقترحات المعيارية، على الرغم من نفَسها التعدّدي، لا تُقدّم بدائل واضحة أو أدوات مقاومة عملية، خصوصًا بالنسبة إلى الباحثين في الجنوب العالمي، ولا تفلتُ المقترحات من منطق التفوّق الغربي كليّا، فهي تفترض استمرار اعتمد قاعدة دولية مركزية تُدرج الدوريات الإقليمية "الجديرة" بالاعتراف، وتُقاس جدارتها بمؤشرات الاقتباس ذاتها بعد تخفيف شروطها لا تفكيكها. ولا يقترح الكتاب نماذج بديلة قابلة للتطبيق الفوري، ولا يتناول بالتفصيل دور الجامعات أو الحكومات في مقاومة هذه النزعات. كذلك لا يقِّدِم الكتاب آليةً واضحة لدمج التحكيم النوعي في نظام يعتمد بنيوًّيًا على الكميّ، ولا يوضّح كيف يمكن تأمين التمويل والموارد التقنية لبناء قاعدة بيانات متعددة المراكز خارج الاقتصادات البحثية الكبررى؛ ما يجعله ينتهي إلى إصلاح تجميلي يخِّفِف حدّة الهيمنة ولا يقتلعها. تتفاقم هذه الإشكاليات في السياق العربي؛ إذ تتقاطع ثلاث عقبات حاسمة تقوّض فرص إدماج دوريات المنطقة في الاقتصاد العالمي للمعرفة. أولًا، عقبة اللغة، فحتى حين تتوافر الدراسات العربية على محرك غوغل "الباحث العلمي" Scholar Google، فإن بياناتها الوصفية تُقرأ من دون احتساب الاستشهادات التي تحظى بها، ما ينعكس في قاعدَتي سكوبس Scopus وشبكة العلوم Science of Web أيضًا، فيبقى عدد الاقتباسات الظاهرة دون العتبة التي تشترطها هذه القواعد لإدراج الدوريات. ثانيًا، غياب بنية قياس إقليمية ناضجة؛ فمشروع "معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي (أرسيف)" أو "معامل التأثير العربي" مثلًا، على أهميتهم بوصفهم قواعد معنية بالدوريات العربية فقط، تتبنّى منطق معامل التأثير ومؤشر هيرش من دون تطوير خوارزميات تستوعب بنية الاستشهاد داخل النصوص العربية أو تصنّف أشكال النشر غير الدورية (الكتب وفصول الكتب وأعمل المؤتمرات)؛ ما جعلها تستنسخ المعايير الغربية أكثر مم تتجاوزها. ثالثًا، والأعمق تأثيرًا، أنّ حقل البحث العلمي العربي ما زال ناشئًا ولا يجتذب رأس مالٍ خاصًا يُضارع ناشرين أكاديميين مثل بريل Brill أو سبررنغر Springer أو مجموعة تايلور وفرانسيس Francis & Taylor، فغياب
شركات نشر تجارية قوية (على الرغم من عيوبها الكثيرة ونزعاتها التجارية المثيرة للجدل غربيًا)، يحّد من إمكانية إنشاء قواعد بيانات مستقلة، ومن تطوير منصّات تحكيم ومقاييس نوعية محلية، ويُبقي الجامعات رهينة التمويل الحكومي المحدود، وهو ما يُفاقم تبعية الباحثين للمنافذ الدولية، ويجعل الوصول إلى الاستشهادات المعيارية مسألةً خارج السيطرة المؤسسية العربية. والنتيجة أن الدوريات العربية تُضطر في أحيانٍ كثيرةٍ إلى ازدواجية لغة مُكلفة ومشوّهة أو تبقى خارج التصنيفات العالمية، بينم يظل المحتوى العربي بعيدًا عن دوائر التأثير؛ الأمر الذي يستدعي استراتيجية إقليمية مُركّبة لاستثمر القطاع الخاص في البنية التحتية للنشر الأكاديمي، وتطوير مؤشرات ومعاملات تأثير تُراعي الخصوصية اللغوية، وتدعم التكامل مع المنصّات الدولية من موقع الندية لا التبعية.
المراجع
العربية
الوحدة العربية،.2015
الاجتمعية". عمران. مج 13، العدد 52 (ربيع.)2025
الأجنبية
الأمين، عدنان. إنتاج الفراغ: التقاليد البحثية العربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2021
نحفي، ساري وريفاس أرفانيتس. البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة. بيروت: مركز دراسات علي، جبرريل. "حال العلوم الاجتمعية والإنسانية في العالم العربي: قراءة في تقارير المرصد العربي للعلوم Biagioli, Mario & Peter Galison (eds.). Scientific Authorship: Credit and Intellectual Property in Science. New York: Routledge, 2003.