حكامة السياسات العامة من منظور الشبكات: مقاربة نظرية
Public Policy Governance from a Network Perspective: A Theoretical Approach
الملخّص
كيف تضمن الجهات الحكومية تحقيق أهداف السياسات العامة، من خلال الإدارة الفاعلة للأطراف المشاركة في عمليات الصنع والتنفيذ؟ تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذا التساؤل، من خلال تقديم نموذج شبكات صنع السياسات Networks Policy، باعتباره أحد المداخل الحديثة التي تبُرز دور الأطراف غير الحكومية، وتقدّم الاستراتيجيات التي تُكّن الجهات الحكومية من إدارة علاقاتها بالأطراف المجتمعية الأخرى بكفاءة. وتنطلق الدراسة من طرح أساسي، مفاده أنه على الرغم من الدور المتنامي للفاعلين غير الحكوميين في منظومة صنع السياسات العامة، فإن هذا لا يعني، بأي حال، تراجع الدور الحكومي. من هنا، تؤكد الدراسة أن ما حدث هو تغيّ في طبيعة الدور الذي تقوم به المؤسسات الحكومية، باعتبارها المصمم والمنفذ الرئيس للسياسات العامة في ظل النموذج التقليدي، لتصبح طرفًا ضمن مجموعة من الأطراف الفاعلة، لكنها الطرف الأكثر تأهيلً لإدارة منظومة التفاعلات داخل شبكات صنع السياسات. كلمت مفتاحية: حِكامة السياسات العامة، اقتراب الشبكات، شبكات صنع السياسات العامة، الفاعلون غير الحكوميين، استراتيجيات إدارة الشبكات. How do government agencies ensure the achievement of public policy goals through the effective management of the non-state actors involved in policymaking and implementation processes? The paper answers this question by presenting the policy networks model as one which highlights the growing role of non-state actors and provides strategies for managing relationships and interactions in public policy networks. The paper argues that, despite the increasing role of non-state actors in policy-making processes, the role of government agencies has not been weakened. In other words, the role played by governmental institutions has changed in nature from being the main/sole public policy designer and implementer under the traditional model to becoming the most qualified party to manage interactions and relationships within policy-making networks.
Abstract
How do government agencies ensure the achievement of public policy goals through the effective management of the non-state actors involved in policymaking and implementation processes? The paper answers this question by presenting the policy networks model as one which highlights the growing role of non-state actors and provides strategies for managing relationships and interactions in public policy networks. The paper argues that, despite the increasing role of non-state actors in policy-making processes, the role of government agencies has not been weakened. In other words, the role played by governmental institutions has changed in nature from being the main/sole public policy designer and implementer under the traditional model to becoming the most qualified party to manage interactions and relationships within policy-making networks.
- حِكامة السياسات العامة
- اقتراب الشبكات
- شبكات صنع السياسات العامة
- الفاعلون غير الحكوميين
- استراتيجيات إدارة الشبكات
- Public Policy Governance
- Policy Networks
- Non-State Actors
- Network Management Strategies
مقاربة نظرية
A Theoretical Approach
كيف تضمن الجهات الحكومية تحقيق أهداف السياسات العامة، من خلال الإدارة الفاعلة للأطراف المشاركة في عمليات الصنع والتنفيذ؟ تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذا التساؤل، من خلال تقديم نموذج شبكات صنع السياسات Networks Policy، باعتباره أحد المداخل الحديثة التي تبُرز دور الأطراف غير الحكومية، وتقدّم الاستراتيجيات التي تُكّن الجهات الحكومية من إدارة علاقاتها بالأطراف المجتمعية الأخرى بكفاءة. وتنطلق الدراسة من طرح أساسي، مفاده أنه على الرغم من الدور المتنامي للفاعلين غير الحكوميين في منظومة صنع السياسات العامة، فإن هذا لا يعني، بأي حال، تراجع الدور الحكومي. من هنا، تؤكد الدراسة أن ما حدث هو تغيّ في طبيعة الدور الذي تقوم به المؤسسات الحكومية، باعتبارها المصمم والمنفذ الرئيس للسياسات العامة في ظل النموذج التقليدي، لتصبح طرفًا ضمن مجموعة من الأطراف الفاعلة، لكنها الطرف الأكثر تأهيلً لإدارة منظومة التفاعلات داخل شبكات صنع السياسات. كلمت مفتاحية: حِكامة السياسات العامة، اقتراب الشبكات، شبكات صنع السياسات العامة، الفاعلون غير الحكوميين، استراتيجيات إدارة الشبكات. How do government agencies ensure the achievement of public policy goals through the effective management of the non-state actors involved in policymaking and implementation processes? The paper answers this question by presenting the policy networks model as one which highlights the growing role of non-state actors and provides strategies for managing relationships and interactions in public policy networks. The paper argues that, despite the increasing role of non-state actors in policy-making processes, the role of government agencies has not been weakened. In other words, the role played by governmental institutions has changed in nature from being the main/sole public policy designer and implementer under the traditional model to becoming the most qualified party to manage interactions and relationships within policy-making networks.
أكاديمي مصري وأستاذ السياسات العامة المشارك في قسم الشؤون الدولية، جامعة قطر.
Egyptian Academic & Associate Professor of Public Policy at the Department of International Affairs, Qatar University.
مقدمة
أوضحت تجربة دولة الرفاه State Welfare، خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، أن قدرة الدولة ومؤسساتها الحكومية على العمل على نحو منفرد، لتحقيق أهداف السياسات العامة في القطاعات المختلفة، باتت غاية في المحدودية؛ نظرًا إلى ما تعرّض له نموذج دولة الرفاه من أزمات مهّدت لظهور نموذج الدولة المنظمة State Regulatory الذي تغيّت في ظله طبيعة صنع السياسات العامة ودينامياتها وتنفيذها تغيًّا كبيرًا. فبعد أن كانت الدولة والمؤسسات التابعة لها تتبع مدخلً فوقيًا Top-down في عملية صنع السياسات العامة وتنفيذها، ويُحفظ فيه دور مهيمن للمؤسسات الحكومية، مقارنةً بباقي الفاعلين، أصبحت عملية صنع السياسات العامة وتنفيذها يعكسان إلى حدٍ بعيد طابعًا تشاركيًا تتعاون فيه المؤسسات الحكومية مع مختلف الفاعلين غير الحكوميين، وصولً إلى صنع سياسات عامة أكثر كفاءة وقدرة على علاج المشكلات المجتمعية. في هذا الصدد، أدّى التحول، على مستوى حِكامة السياسات العامة، لما يُعرف بالنموذج المعقد المتعدد المراكز Policymaking Multi-centric Complex، إلى ضرورة البحث عن أطر تحليلية جديدة، يمكن من خلالها توصيف التفاعلات والعلاقات بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين وتحليلها. وهنا يبرز دور مدخل شبكات صنع السياسات العامة Approach Network Policy، باعتباره أحد المداخل التحليلية الذي يمكّننا من الوصول إلى فهم أعمق ووصف أدق لطبيعة التفاعلات التي تتم من خلالها عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها في القطاعات المختلفة. ومن ثمّ، يصبح التساؤل الرئيس في هذا الصدد: كيف يمكن فهم عمليات صنع القرار في حقل السياسات العامة من منظور الشبكات وتحليلها؟ وما الجديد الذي يقدّمه هذا المنظور، مقارنةً بمداخل التحليل السابقة؟ يختلف مدخل شبكات صنع السياسات العامة عن المداخل التحليلية الأخرى، في تركيزه على دراسة العلاقات والتفاعلات بين مختلف أنواع الفاعلين في إطار تفاعلي يحاول، خلاله، كل طرف مشارك، سواء في عملية الصنع أم التنفيذ، توجيه دفّة التفاعلات في الطريق التي تساعده في تحقيق أهدافه. وتختلف هذه النظرة الدينامية إلى عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها، إضافة إلى دراسة أفعال وردات أفعال الأطراف المشاركة كلها من منظور كلي مترابط، عن النظرة التقليدية في التحليل التي تنظر إلى كل فاعل من الفاعلين بوصفه كيانًا عقلانيًا رشيدًا، يسعى لتحقيق أهدافه بمعزل عن باقي الأطراف المشاركة. من هذا المنطلق، تتبنّى هذه الدراسة طرحًا أساسيًا مفاده أنه كي نصل إلى فهمٍ أعمق لطبيعة عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها، علينا تحليل شبكات صنع السياسات؛ إذ يُصنَع الكثير من السياسات العامة اليوم ويُنفَّذ في إطار هذه الشبكات التي تقوم على الاعتمد المتبادل بين أطراف عدة، كلٌّ بما يحمله من أهداف وما يمتلكه من موارد، يحاول توظيفها استراتيجيًا للوصول إلى غايته وأهدافه. على هذا النحو، تكون قرارات السياسات العامة في القطاعات المختلفة هي المنتج النهائي لسلسلة طويلة من التفاعلات بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين. ولا يمتلك أي من الأطراف المشاركة، خلال العمليات التفاعلية لرسم السياسات العامة
Paul Cairney, Tanya Heikkila & Matthew Wood, Making policy in a Complex World (Cambridge: Cambridge University Press,
2019), pp. 155-168. Kyle Hollins Wray & Shlomo Zilberstein, "Policy Networks: A Framework for Scalable Integration of Multiple Decision-Making
Models," in: AAMAS 19: Proceedings of the 18 th International Conference on Autonomous Agents and Multiagent Systems. Montreal,
QC, Canada, 13–17 May 2019 (Richland SC: International Foundation for Autonomous Agents and Multiagent Systems, 2019),
pp. 2270-2272.
وتنفيذها، القول الفصل بشأن الشكل النهائي للسياسات التي تُصاغ، أو آليات التنفيذ الم زمَع تبنّيها، إنما يحاول كل طرف توظيف ما يمتلكه من موارد بالصورة التي تحقق له أهدافه، سواء على صعيد صياغة السياسات أو تنفيذها. في محاولة لتتبع هذا الطرح، تحتوي الدراسة على أربعة مباحث: يتناول المبحثان الأول والثاني الأسس المفاهيمية والمنطلقات النظرية لمدخل شبكات صنع السياسات العامة، بهدف التأصيل النظري له والبحث في الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها، وللوقوف أيضًا على القدرات التحليلية للمدخل والرد على بعض الانتقادات التي تُوجّه إليه بوصفه أداةً للوصف أكثر من أنه مدخل تحل لي متكامل. وفي المبحثين الثالث والرابع، سيُناقش مفهوم حِكامة شبكات صنع السياسات العامة وآليتها، من خلال تحليل الاستراتيجيات الإدارية التي يمكن من خلالها أن تُوجّه الأطرافُ الحكومية التفاعلاتِ والعلاقاتِ بين الأطراف المشاركة في شبكة السياسات العامة بطريقة تمكّنها من تحقيق أهداف هذه السياسات. وتُختَم الدراسة ببعض الملاحظات النقدية بشأن القدرات التحليلية لمدخل شبكات صنع السياسات العامة.
أولً: الأسس المفاهيمية والمنطلقات النظرية
أصبح مصطلح الشبكات Networks من المصطلحات الذائعة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة في الكثير من التخصصات العلمية، حيث استخدمه الباحثون في علوم شتى، منها هندسة الكومبيوتر والعلوم السياسية والسياسات العامة والاقتصاد وعلم الاجتمع وغيرها، من أجل وصف طبيعة العلاقات بين مجموعة من المكوّنات والعناصر التي يترابط بعضُها ببعض في إطار علاقة من الاعتمد المتبادل لتأدية مهمة أو وظيفة معيّنة. والقاسم المشترك بين هذه المحاولات العلمية هو تركيز الباحثين على دراسة نمط معيّ من التفاعلات والعلاقات التي تتم بين مجموعة من الأطراف في سياق محدد وتحليله. أما في ما يخص حقل السياسات العامة تحديدًا، فبدأ مصطلح الشبكات في الظهور خلال سبعينيات القرن العشرين، في محاولة لإلقاء الضوء على حقيقة أن عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها لا تتم منفردة عن الفاعلين الحكوميين، إنما تضم أيضًا فاعلين مجتمعيين آخرين، مثل القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. استُخدِم المصطلح في أدبيات السياسات العامة للإشارة إلى أشكال تنظيمية جديدة تضم في هياكلها أكثر من منظمة واحدة، حيث تعمل هذه المنظمت بأسلوب تعاوني لتحقيق أهداف محدّدة، أو لعلاج بعض المشكلات التي يقتضي حلّها تضافر جهود أكثر من جهة. في الأحوال كلها، تنشأ الشبكات على هذا النحو حين تبدأ المنظمت المختلفة في التفاعل بشأن القضية محط الاهتمم المشترك، في محاولة لتنسيق الجهود والعمل الجمعي لتحقيق الهدف المنشود. وربما يتم هذا التفاعل بين المنظمت المكوّنة للشبكة، اختياريًا، بين المنظمت المشاركة، أو قد يكون نتيجة قرار أو تفويض يحتّم تكوين الشبكة لتحقيق غايات محدّدة.
Tanja A. Börzel, "Organizing Babylon - on the Different Conceptions of Policy Networks," Public Administration , vol. 76, no. 2
(Summer 1998), pp. 253-273. Michael Howlett, Ishani Mukherjee & Joop Koppenjan, "Policy Learning and Policy Networks in Theory and Practice: The Role
of Policy Brokers in the Indonesian Biodiesel Policy Network," Policy and Society , vol. 36, no. 2 (May 2017), pp. 233-250. Robert Agranoff & Michael McGuire, "Big Questions in Public Network Management Research," Journal of Public Administration
Research and Theory , vol. 11, no. 3 (July 2001), pp. 295-326. Gerald R. Salancik, "Review: Wanted: A Good Network Theory of Organization," Administrative Science Quarterly , vol. 40, no.
2 (January 1995), pp. 345-349.
في محاولة تأصيل الإرهاصات الأولى لظهور مصطلح الشبكات وتأطيرها وربطها بصورة أوضح بعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها، حاولت مجموعة من الباحثين التركيز على الطابع المميّز لشبكات صنع السياسات العامة، من حيث وجود أطراف حكومية تعمل جنبًا إلى جنب مع أطراف مجتمعية أخرى بهدف صياغة السياسات وتنفيذها بصورة تضمن تحقّق الأهداف المنشودة من ورائها. وعُرّفت شبكات صنع السياسات العامة بأنها تعبّ عن "أنماط من العلاقات بين مجموعة من الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، تربطهم علاقة اعتمد متبادل، ويشاركون في عمليات صياغة السياسات العامة وتنفيذها". ولا تعكس هذه العلاقات بالضرورة هرميةً أو تراتبيةً Hierarchy بين الفاعلين المشاركين في شبكة صنع السياسات، بصورة تجعل أحدهم تابعًا للآخرين وينفّذ أوامرهم فحسب؛ فلدى كل طرف من الموارد ما يحتاج إليه الطرف الآخر، لذا تنشأ علاقة الاعتمد المتبادل. ينبغي لهذا التصوّر، عن طبيعة العلاقات والتفاعلات داخل شبكات صنع السياسات العامة، ألّ يؤدي إلى اعتقاد خاطئ أن جميع الفاعلين المشاركين على المستوى نفسه من التأثير في المخرج النهائي للتفاعلات، حيث تتباين علاقات القوة Relation Power بين الفاعلين، بحسب ما يمتلكون من موارد ودرجة أهمية هذه الموارد، وباقي الفاعلين المشاركين في شبكة صنع السياسات العامة. من هنا، يمكن القول إن الأطراف الحكومية تتمتع، بما تمتلكه من الحق في صياغة السياسات العامة ووضعها في صورتها النهائية أو تحديد آليات التنفيذ والأطراف المنفّذة، بوضع مميز داخل شبكات صنع السياسات العامة، مقارنةً بباقي الفاعلين. تجعل هذه النظرة التفاعلية والعلاقاتية إلى عمليات صنع السياسات العامة، وتنفيذها وفق منظور الشبكات، هذه العمليات أشبه بالمباريات Games التي تُقام بين مجموعة من اللاعبين وفق قواعد محدّدة، ووفق التحركات الاستراتيجية التي يتبعها كل طرف لتحقيق أهدافه. ولا يمكن تحديد النتيجة النهائية للمباريات الخاصة بعمليات صنع السياسات وتنفيذها، مسبقًا، إنما هي حصيلة التفاعل بين الأطراف كلها بشأن المسألة المحورية التي تدور حولها العملية/ المباراة. ولعل من المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى أن مباريات صنع السياسات العامة وتنفيذها ليست مباريات صفرية Game Zero-sum؛ بمعنى أن فوز أحد الطرفين أو خسارته يكون على حساب الأطراف الأخرى، وبصفة نهائية، بل للمباريات في مجال صنع السياسات العامة جولات متعددة، حيث يستطيع أحد الفاعلين أن يعوّض خسارته في جولة معيّنة من خلال المشاركة في باقي جولات المباراة. ويختلف هذا الطابع الحركي والتفاعلي لمدخل شبكات صنع السياسات العامة، في نظرته إلى عمليات صنع السياسات، عن المدخل الكلاسيكي في التحليل، الذي يركز في الأساس على مراحل صنع السياسات العامة من خلال ما يُعرف بدورة السياسات. فعلى الرغم من الاعتراف بأهمية الدور الذي يقوم به المدخل الكلاسيكي في تحليل السياسات العامة في توضيح المراحل المختلفة التي تمر بها عمليات صنع السياسات وتنفيذها بداية من تحديد المشكلة وصياغة البدائل والمقارنة في ما بينها، مرورًا باختيار البديل أو البدائل الأفضل من وجهة نظر صانع القرار، ثم تنفيذه وتقويمه، فإنه يتّسم بطابع ستاتيكي
Keith Dowding, "Model or Metaphor? A Critical Review of the Policy Network Approach," Political Studies , vol. 43, no. 1 (March
1995), pp. 136-158. Walter J.M. Kickert, Erik-Hans Klijn & Joop F.M. Koppenjan, Managing Complex Networks: Strategies for the Public Sector
(London: Sage Publications Ltd., 1997), pp. 55-57. 9 Wray & Zilberstein, p. 13. F. Benoit, "Public Policy Models and Their Usefulness in Public Health: The Stages Model," Montréal, Québec: National
Collaborating Centre for Healthy Public Policy (2013), pp. 2-5, accessed on 19/7/2020, at: https://rb.gy/glxdn7
لا يعكس طبيعة التفاعلات التي تتم داخل كل مرحلة من هذه المراحل، والأدوار المنوطة بكل طرف من الأطراف المشاركة، وطريقة تأثير كل من هذه الأطراف في صياغة المخرج النهائي لعمليات السياسات. يستمد مدخلُ الشبكات أصولَه النظرية من مجموعة من العلوم، لعل من أبرزها العلوم السياسية وعلوم السياسات وعلوم التنظيم. في مجال العلوم السياسية، ساعدت التطورات التي لحقت بفكرة التعددية Pluralism في تسليط الضوء على التحليلات والأبحاث الخاصة، بوضع الأجندات الحكومية، وكذلك التركيز على البعد الخاص بدور الكوربراتية الجديدة Neo-corporatism وتركيزها على توصيف المجتمع وتفاعلاته، بوصفه تنافسًا بين الفئات والجمعات المختلفة التي تجمعها روابط ومصالح مشتركة. مهّد هذا التصور عن طبيعة المجتمع وعلاقاته الطريقَ لظهور مصطلح مجتمعات السياساتPolicy Communities الذي يركّز، بدوره، الضوءَ على الدور الذي تقوم به أطراف غير حكومية، مثل المراكز البحثية والجامعات والهيئات الاستشارية؛ وهي الأطراف التي تساهم في عملية بلورة بدائل السياسات العامة من خلال تعاونها مع الأطراف الحكومية. وبالنظر إلى دراسات التنظيم Studies Organizational، يتّضح أن المساهمت النظرية في هذا الحقل، بداية من اقتراب الرشادة التنظيميةRationality Organizational، ومرورًا بالنظرية الظرفية Contingency Theoryومحاولات دراسة العلاقات التنظيمية التي تنشأ بين تجمع من المنظمت على اختلاف أنواعها نتيجةً لعلاقات الاعتمد المتبادل، دعمت فكرة الشبكات وتأثيرها في الطريقة التي تُفهم وتُحلّل من خلالها العلاقات بين فاعلي السياسات العامة. واستفادت علوم السياسات من التطورات في حقلَ العلوم السياسية ونظرية التنظيم، لتضع الأطر التحليلية لفاعلي السياسات، في محاولة منها لتفسير سلوكهم في أثناء عمليات وضع السياسات العامة وتنفيذها. من هذا المنطلق، تطوّرت النظرة إلى الفاعلين في مجال السياسات العامة من فكرة الرشادة المطلقة Rationality Absolut إلى نموذج الرشادة المقيّدة Rationality Bounded، مع التركيز على الطابع التعددي لعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها في إطار أنساق مؤسسية شبكية يتنوع فيها الفاعلون، وتتباين فيها الأهداف والاستراتيجيات. ساعد هذا الثراء، على مستوى الأسس النظرية لمدخل شبكات صنع السياسات العامة، في تنوّع التصنيفات الخاصة بها من باحثي السياسات العامة ومحلّليها؛ إذ يتّضح، من خلال مراجعة الأدبيات الخاصة بمدخل الشبكات، أن هناك أنواعًا متعدّدة من شبكات صنع السياسات العامة. وتختلف هذه الأنواع في ما بينها من حيث قواعد العضوية فيها وطبيعة الموضوعات التي تركز عليها، ومدى استمراريتها أيضًا في الفضاء الخاص بعمليات صنع السياسات الحكومية وتنفيذها. في هذا الصدد، يجري التمييز بين مجتمعات السياسات Communities Policy التي تتّسم بدرجة عالية من الاستقرار في عضويتها وتركز على مجموعة من قضايا السياسات العامة التي تتّسم بالاستمرارية وتنظّمها قواعد صارمة للعضوية، ونوع آخر من الشبكات يُعرَف بشبكات القضايا أو الموضوعات Networks Issue التي، على النقيض من مجتمعات السياسات، تتّسم العضوية فيها بالمرونة العالية، فهي مفتوحة لمن يرغب في المشاركة، وتتّسم القضايا التي تركز عليها تلك الشبكات بالتغير المستمر والسريع في بعض الأحيان.
11 Cairney, Heikkila & Wood, p. 210. Erik-Hans Klijn & Joop F.M. Koppenjan, "Public Management and Policy Networks: Foundations to a Network Approach to
Governance," Public Management , vol. 2, no. 2 (2000), pp. 135-158. Grace Skogstad, "Policy Networks and Policy Communities: Conceptual Evolution and Governing Realities," Prepared for
the Workshop on Canada's Contribution to Comparative Heorizing, Annual Meeting of the Canadian Political Science Association,
University of Western Ontario, London, Ontario, 2/6/2005, pp. 2-6.
لعل الثراء النظري والمعرفي لمدخل شبكات صنع السياسات العامة على النحو السابق تبيانه، والزيادة الملحوظة أيضًا في توظيفه من باحثي السياسات العامة ومحلليها لفهم التفاعلات التي تتم داخل عمليات صنع السياسات الحكومية وتنفيذها، جعلا منه محطّ انتقاد بعض الباحثين الذين حاولوا التقليل من أهميته وتهميش دوره في عملية تحليل السياسات العامة، بإثارة مجموعة من التحفظات تتعلق بقدرات ذلك المدخل التحليلية. وستُناقش هذه التحفظات في المبحث التالي من هذه الدراسة، في محاولة لتقديم رؤية نقدية بشأن مدخل شبكات صنع السياسات العامة.
ثانيًا: النقد الموجّه إلى المدخل
في معرض تقويم مدخل شبكات صنع السياسات العامة، تقدم الأدبيات بشأن حِكامة عمليات صنع السياسات الحكومية وتنفيذها مجموعةً من النقاط التي من شأنها أن تلقي بعض الظلال على هذا الاقتراب التحل لي. ولعل من أبرز هذه النقاط ما يثار بشأن القدرات التحليلية لاقتراب الشبكات، وكذلك قضية استقرار الشبكات باعتبارها وحدةً للتحليل في ظل عالم يتّسم بدرجة عالية من عدم التأكد والدينامية والتعقد؛ ما يجعل من الصعب الوصول إلى تصنيفات محددة لأنواع الشبكات محل الدراسة، ويخضع تركيب تلك الشبكات لعمليات تغير مستمر نتيجةً لتغير الظروف والمعطيات الخاصة بقضايا السياسات. وبالتركيز على الطابع السياسي للتفاعلات التي تتم داخل شبكات صنع السياسات، هناك من يرى أن تلك التفاعلات تفتقر إلى الإطار النظري المتكامل بشأن علاقات القوة Relations Power بين الأطراف المشاركة في الشبكة، الذي يمكن بناءً عليه تفسير تلك التفاعلات. وأخيرًا، هناك من يثير قضيةَ التركيز على الجدل النظري والمفاهيمي بشأن اقتراب الشبكات من صياغة المفاهيم وبلورتها، من دون التطرق إلى القضايا التحليلية والقدرة على تفسير ما يحدث في فضاء صنع السياسات العامة في مختلف المجالات. وعلى الرغم من وجاهة بعض ما أثير بشأن اقتراب شبكات صنع السياسات العامة، فإن من الممكن الردّ عليه على النحو الآتي: في ما يخص القدرات التحليلية، على الرغم من تبلور الملامح الأساسية للاقتراب الخاص بمدخل شبكات صنع السياسات العامة على النحو المبين سابقًا، فإن القدرة التحليلية لهذا المدخل لا تزال موضوعًا للجدال والنقاش بين مجموعة من الباحثين؛ إذ هناك من يعترف لمدخل شبكات صنع السياسات العامة بقدرة كبرى على الوصف الدقيق للتفاعلات والعلاقات التي تتم بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، من دون أن يتعدّى هذا المدخل وصف مرحلة تفسير نتائج السياسات العامة، أو إيجاد علاقات سببية تربط بين خصائص شبكات صنع السياسات العامة ومتغيراتها، وما يتحقق من نتائج على أرض الواقع. من هذا المنطلق، لا يعدو مدخل الشبكات كونه أداة للتشبيه والوصف Metaphor، يمكن من خلالها تقديم وصف لكيفية صنع السياسات والأطراف المشاركة فيها في لحظة تاريخية معيّنة، من دون أن يتعدّى ذلك تقديم نظرية Theory أو نموذج Model يمكن من خلاله تفسير العلاقات. وعلى الرغم من الاحترام الكامل لوجهة النظر هذه، فإن الباحث يرى في مدخل الشبكات أكثر من كونه أداة لوصف طبيعة العلاقات والتفاعلات التي تتم خلال عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها. فمن ناحية، يُجسر تحليل السياسات العامة من
Michael McGuire & Robert Agranoff, "The Limitation of Public Management Networks," Public Administration , vol. 89, no. 2
(June 2011), pp. 265-284. 15 Dowding, p. 145. Keith Dowding, "There Must be an End to Confusion: Policy Networks, Intellectual Fatigue, and the Need for Political Science
Methods Courses in British Universities," Political Studies , vol. 49, no. 1 (March 2001), pp. 89-105.
خلال مدخل الشبكات الفجوة بين مستويات التحليل الكلي للسياسات الحكومية Theories Macro-level ومداخل التحليل التي تركز على وحدات التحليل الجزئية Approaches Micro-level. بمعنى آخر، يساعد استخدام مدخل شبكات صنع السياسات العامة في تجنّب أوجه النقد الموجّه إلى نظريات التحليل الكلّية بوصفها تنزع نحو التجريد والعمومية؛ ما يجعل من الصعب الربط بينها وبين تحليل عمليات صنع السياسات الحكومية في قطاعات بعينها. في الوقت نفسه، يعالج مدخل الشبكات أوجه القصور الموجودة في مداخل التحليل الجزئية، التي تتّجه بدورها إلى التركيز على عمليات صنع السياسات العامة في قطاعات محددة، مع تجاهل دور العوامل والمتغيرات البنيوية في تلك العمليات، وما يجري بها من تفاعلات بين الأطراف المشاركة. وبذلك، يقدم مدخل الشبكات مستوى متوسطًا من التحليل Meso-level، يربط عمليات صنع السياسات العامة وما يجري فيها من تفاعلات بالأطر البنيوية والمؤسسية التي تتم بداخلها تلك العمليات، والتي يكون لها دورٌ كبير في توجيه التفاعلات وتحديد الأدوار داخل شبكات صنع السياسات العامة. كم أن مدخل الشبكات يساعد الباحث على دراسة وتحليل الدور الذي تقوم به طبيعة إدراك كل طرف من الأطراف المشاركة في عمليات صنع السياسات في تحديد تحركاته وتحالفاته وعلاقاته داخل شبكة صنع السياسات. وتوفّر الأدبيات الخاصة بإدارة شبكات صنع السياسات العامة، للباحث، مجموعةً من الاستراتيجيات ووسائل الإدارة التي يمكن من خلالها بدء التفاعل بين الأطراف المعنيّة، وكذلك إدارة هذه التفاعلات وتوجيهها بصورة تمكّن الطرف الذي يدير شبكة صنع السياسات (في الغالب الفاعلون الحكوميون) من تحقيق أهداف السياسات العامة. وأخيرًا، يتجاهل معارضو مدخل الشبكات أن يكون الوصف الدقيق للظاهرة وما تتضمنه من تفاعلات - وهو أمر اعترفوا به لمدخل الشبكات - خطوة أساسية في عمليات التنظير وبناء النظريات والنمذج التفسيرية. من ثمّ، يمكن أن يوجّه مدخل الشبكات الباحث إلى تحليل المتغيرات المختلفة المتولّدة من عمليات الوصف، ومحاولة الربط بينها في نماذج تفسيرية، ومن ثمّ تطوير نظريات بشأن حِكامة السياسات العامة. ثمة نقدان آخران هم غياب الاستقرار في تشكيل الشبكات، وغياب الوضوح في ما يخص طبيعة الأطراف المشاركة في تكوين تلك الشبكات. فشبكات صنع السياسات هي كيانات تنظيمية، تتسم بالدينامية والحركية المستمرة التي تنعكس على طبيعة تركيبها وعلى الأعضاء الذين يكوّنون الشبكة. فعضوية الشبكة تتغير باستمرار؛ لأن أعضاء الشبكة قد يغادرون للانضمم إلى شبكات أخرى، كم أن أعضاء جددًا قد ينضمّون إلى الشبكة، ما يجعل من الصعب الاحتفاظ بتكوين ثابت للشبكة موضع التحليل. الأمر الآخر الذي يشكل صعوبة أمام الباحثين عند استخدام مدخل الشبكات هو وضع الحدود للشبكة محلّ الدراسة. وهنا، على الباحث أن يحدّد من البداية الفاعلين الذين سيشملهم التحليل، ومجموعة العلاقات والتفاعلات التي ستتم دراستها أيضًا. ويصعب هذا الأمر في بعض الأحيان، نظرًا إلى تداخل الحدود بين الشبكات والتغيير المستمر في عضوية الشبكات على النحو السابق تبيانه؛ إذ يفتح تبني منظور
David Marsh, Comparing Policy Networks (Buckingham: Open University Press, 1998), p. 37. Roderick Arthur William Rhodes, Understanding Governance: Policy Networks, Governance, Reflexivity and Accountability
(Buckingham: Open University Press, 1997), p. 5. Mark Evans, "Understanding Dialectics in Policy Network Analysis," Political Studies , vol. 49, no. 3 (August 2001), pp. 542-550. Erik-Hans Klijn, Joop Koppenjan & Johannes Franciscus Maria Koppenjan, Managing Uncertainty in Networks: A Network
Approach to Problem Solving and Decision Making (London/ New York: Routledge, 2004), p. 23. Hyun Hee Park & R. Karl Rethemeyer, "The Politics of Connections: Assessing the Determinants of Social Structure in Policy
Networks," Journal of Public Administration Research and Theory , vol. 24, no. 2 (April 2014), pp. 349-379.
الحكامة في عمليات صنع السياسات العامة الباب أمام مشاركة الكثير من الأطراف، سواء من القطاع الحكومي أم من غير الحكومي، بصورة تجعل من الصعب في بعض الأحيان متابعة هؤلاء الفاعلين ومسار دخولهم إلى الشبكات وخروجهم منها، وكذلك دوافعهم من المشاركة في شبكات محددة وعدم المشاركة في غيرها. ومع أن هذا الأمر حقيقةٌ واقعة يواجهها محلل السياسات الذي يتبنى منظور الشبكات، فإن هذا الطابع الدينامي لتشكل الشبكات وتفككها بشأن قضايا السياسات العامة يرجع في المقام الأول إلى ظروف عدم التأكد المحيطة بالكثير من قضايا السياسات، وإلى مستوى التعقيد أيضًا في ما يُطرح من قضايا. إن الانفراد بصياغة مشكلات السياسات العامة من الأطراف الحكومية، وتحديد طبيعتها وكيفية التعامل معها، ليس هو خيار السياسات الأمثل في واقعنا المعاصر، حيث لا توجد حلول بسيطة لمشكلات السياسات العامة المعقدة، بل لا بد من أن يكون الحل المقدّم على المستوى نفسه من تعقّد مشكلة السياسات، ومن ثمّ، لا يضعف دخول الفاعلين في الشبكات وخروجهم منها، وكذا تغيير تركيب الشبكة على نحو مستمر، مساهمةَ مدخل الشبكات، بل، على العكس، يقوّي دوره في تحليل هذه الكيانات التنظيمية السريعة التغير بصورة لا يمكن أن يقدمها غيره من المداخل الستاتيكية. كم أن مدخل الشبكات هو الأنسب للتعامل مع الطابع الدينامي لعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها، وما تتضمنه من تحرّكات استراتيجية للمشاركين في الشبكات، كمحاولة للتأثير في المخرج النهائي لعمليات التفاعل الذي يتجسّد في صورة قرارات أو إجراءات. ولا يظهر هذا الجانب التفاعلي، على سبيل المثال، بمجرد تحديد المراحل التي تمر من خلالها عمليات صنع السياسات العامة، كم هي الحال في مدخل دورة السياسات Cycle Policy. وتتخطى مساهمة مدخل الشبكات مجرد وصف تلك التفاعلات، كم أشرنا سابقًا، إلى تقديم مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن من خلالها توجيه التفاعلات بين الأطراف المشاركة في الشبكة بما يحقق أهداف السياسات العامة في المجالات المختلفة. وستُناقش هذه الاستراتيجيات في المبحث الثالث. على صعيد التفاعلات التي تتم داخل شبكات صنع السياسات، وغياب نظرية للقوة يمكن من خلالها تفسير سلوك الفاعلين داخل الشبكة، فهذا الانتقاد أيضًا مردود عليه؛ إذ يركز مدخل الشبكات ضمن عوامل أخرى على مواقع الأطراف المختلفة داخل الشبكة التي تتم من المنظور المؤسسي، وفق ما يُعرّف بقواعد الموقع Rules Position، والتي تتحدّد بدورها وفق نوعية الموارد التي يمتلكها الفاعل. ويأتي الفاعلون في شبكات صنع السياسات - كم أشرنا آنفًا - من خلفيات مختلفة، حكومية وغير حكومية، ويحملون في جعبتهم أنواعًا متعدّدة من الموارد التي يحتاج إليها باقي الأطراف المشاركة في الشبكة. إن الشبكات تنظيمت غائية تسعى لتحقيق أهداف محددة، ولا يشارك فيها إلّ من له مصلحة محدّدة. وتوجد هذه الحقيقة حالةً من الاعتمد المتبادل Interdependency بين الأطراف المشاركة في الشبكة، حيث تتحدّد أهمية كل طرف، وما يمتلكه من مقدرات القوة والتأثير في تفاعلات الشبكة، من خلال نوعية الموارد التي يمتلكها ويجلبها للشبكة، ودرجة اعتمد الأطراف الأخرى في الشبكة وحاجتها أيضًا إلى تلك الموارد لتحقيق أهدافها. في هذه الحالة، يصبح الفاعل (س) أقوى من الفاعل (ص)، إذا امتلك (س) موردًا مهمً يؤثر في قدرة (ص) على تحقيق أهدافه. من هنا، وعلى العكس من الانطباع السائد عن شبكات صنع السياسات العامة بوصفها تنظيمت أفقية Horizontal وتفتقر إلى الطابع الهرمي الهيراركي Hierarchical، نجد أن بحث تلك الشبكات، وتحليلها من منظور علاقات القوة وفق مفهوم الموارد وأهميتها، يؤكدان أن الأطراف المشاركة في شبكات صنع السياسات ليست على القدر نفسه من القوة، وأن لدى بعضها القدرة على التأثير بصورة أكبر في مخرجات التفاعل داخل تلك الشبكات ونتائجه، مقارنةً بغيره من الفاعلين. بمعنى آخر، من منظور علاقات القوة، يمكن الحديث عن تراتبية وهرمية داخل شبكات صنع السياسات العامة، على عكس ما يقدّمه الباحثون في فروع معرفية أخرى، مثل علم الاجتمع، من أن الشبكات
تنشأ بين أطرف على القدر نفسه من القوة، مثل شبكات الأصدقاء. ويعطي هذا التصور لطبيعة علاقات القوة داخل الشبكات الأطراف الحكومية فرصةً للتأثير على نحو أشد في الشبكة وما يدور فيها من تفاعلات، بوصفها الطرف الذي يملك سلطة سنّ التشريعات وصياغة السياسات وما يرتبط بها من إجراءات، وهذه موارد غير متاحة لغيرها من الفاعلين غير الحكوميين. بذلك تصبح الأطراف الحكومية هي الأكثر تأهيلً لإدارة شبكات صنع السياسات العامة. أخيرًا، في ما يخص التركيز على الجانب النظري والمفاهيمي في الجدل المثار حول مدخل شبكات صنع السياسات العامة، يرى الباحث أنه أمر طبيعي؛ إذ تُعدّ الشبكات من المداخل الحديثة نسبيًا في مجال تحليل السياسات العامة؛ ما يجعل المهتمين به يركزون في وضع حدود المدخل وتوضيح مكامن الالتقاء بينه وبين المداخل النظرية والتحليلية الأخرى. وهنا تُعدّ مرونة مدخل الشبكات وقدرته على الاستفادة من المداخل التحليلية الأخرى، مثل المدخل المؤسسي على سبيل المثال، من نقاط القوة التي تضيف إلى قدرة هذا المدخل على التفسير. وللوصول إلى هذه المرحلة، لا بد من ترسيم الحدود بين الشبكات، باعتباره آلية من آليات الضبط الاجتمعي وغيرها من الآليات، مثل الأسواق بمفهومها الاقتصادي والتنظيمت الهيراركية أيضًا. ولا بد من توضيح نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف مع المداخل الأخرى، مثل المدخل المؤسسي. هذا الوضوح على المستويين النظري والمفاهيمي أمرٌ ضروري حتى يحدّد مدخل الشبكات موقعه في منظومة مداخل تحليل السياسات العامة. نخلص من هذا النقاش إلى أن كثيرًا من الانتقادات التي وُجّهت إلى مدخل شبكات صنع السياسات، على الرغم من وجاهة بعضها، فإنه يمكن الرد عليها. ومن ثمّ، يمكن القول إن مدخل تحليل الشبكات في مجال صنع السياسات العامة وتنفيذها يتخطّى مرحلة وصف الظواهر إلى مرحلة التحليل وإمكان التفسير. أضف إلى ذلك، أن مدخل شبكات صنع السياسات يتميز من غيره من مداخل التحليل بتركيزه على الجانب العلائقي والتفاعلي لعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها؛ ما يمكّن الباحث والمحلل في هذا المجال من الوصول إلى فهمٍ أعمق ورؤية أشمل وأوسع لطبيعة عمليات السياسات العامة والأطراف المشاركة فيها. فبدلً من التركيز على الصور الكلّية والعموميات، كم تذهب المداخل التي تنحّى للتحليل على المستوى الكلي، أو التركيز على العمليات الجزئية التي تتم داخل منظومة صنع السياسات العامة وتنفيذها، كم تؤكد المداخل الجزئية، يقدّم لنا مدخل شبكات صنع السياسات صورة شبه متكاملة ل "الغابة" وما فيها من "أشجار" من خلال التركيز على تحليل الشبكات ككل، وما يجري بداخلها من تفاعلات وعمليات. ولا تقتصر مساهمة مدخل شبكات صنع السياسات على قدرته التحليلية، بل يقدّم أيضًا مجموعة من الاستراتيجيات الإدارية التي تمكّن من توجيه التفاعلات وإدارة العلاقات بين أعضاء الشبكة على النحو المبيّ في المبحث الآتي.
ثالثًا: حِكامة شبكات صنع السياسات العامة من الهيمنة الحكومية إلى صنع القرار التشاريك
يمكن النظر إلى حِكامة الشبكاتNetwork governance الخاصة بالسياسات العامة، بوصفها مجموعةً من النشاطات التي تحكم عمليات صنع القرار على مختلف المستويات التشغيلية والاستراتيجية بين عدد من الفاعلين
الحكوميين وغير الحكوميين، يعمل بأسلوب تعاوني لتحقيق أهداف السياسات العامة. وتوضح الأدبيات الخاصة بحكامة شبكات صنع السياسات العامة وإدارتها أن هناك عددًا من الاستراتيجيات الإدارية، التي يمكن من خلالها توجيه التفاعلات داخل هذه الكيانات التنظيمية بالصورة التي تمكّن من تحقيق أهداف السياسات على أرض الواقع. وتقوم هذه الدراسات على افتراض رئيس، مفاده أن عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها يتمّن، من خلال التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع الثالث. من ثمّ، تتباين علاقات القوة داخل شبكات صنع السياسات العامة؛ ما يجعل بعض فاعلي السياسات أقدر على التأثير من غيره، وبالنتيجة أكثر تأهّلً لإدارة تلك الشبكات. وتختلف الحال هنا بالطبع عن النظرة العامة إلى الشبكات السائدة في بعض العلوم، مثل علم الاجتمع، الذي ينظر إلى الشبكات باعتبارها كيانات مسط Horizontal، يتساوى فيها جميع المشاركين من حة حيث القوة والقدرة على التأثير. فشبكات صنع السياسات العامة، كم أشير آنفًا، تضم في عضويتها أطرافًا حكومية وغير حكومية، لكن الأطراف الحكومية ليست مثل باقي الأطراف، إنما لها من القوة ما يمكّنها من القيام بدور مدير الشبكة Manager Network. نخلص من ذلك إلى أن شبكات صنع السياسات العامة ليست كيانات تنظيمية أفقية Horizontal، إنما يمكن الحديث عن بنية هرمية Hierarchy داخل تلك الشبكات، حيث يتمتع بعض أطرافها بقوة أكبر، مقارنةً بباقي الفاعلين المشاركين في الشبكة. يختلف أسلوب الإدارة واستراتيجياتها، في ظل الكيانات التنظيمية الشبكية، عن الطريقة التقليدية المعتادة في إدارة الكيانات التنظيمية الهرمية داخل الحكومة؛ فمبدأ السمع والطاعة، الذي يمليه الهيكل الهرمي للتنظيم داخل هذه المؤسسات، لا يتلاءم مع طبيعة عمل شبكات صنع السياسات العامة. بمعنى آخر، إن الأطراف غير الحكومية، المشاركة في عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها داخل الشبكات، ليست وحدات إدارية تنظيمية داخل الهيكل الهرمي للمؤسسات الحكومية، ومن ثمّ فهي لا تدين بالطاعة للمستويات الإدارية الأعلى. وبناء عليه، لا تجدي مع إدارة هؤلاء الفاعلين استراتيجيات التحكم والسيطرةCommand and Control التي تعتمد في جوهرها على الأمر المباشر من المستويات التنظيمية الأعلى للمستويات التنظيمية الأدنى. من هنا بدأ الحديث عن أسلوب جديد في الإدارة، يتلاءم مع واقع الحال في شبكات صنع السياسات العامة. ويعتمد هذا الأسلوب الجديد، في جوهره، على استخدام الأطراف الحكومية المشاركة في تلك الشبكات ما لديها من قوة ونفوذ لتوجيه التفاعلات داخل الشبكة وأطرافها؛ ما يمكّنها من تحقيق أهداف السياسات العامة في القطاعات المختلفة داخل الدولة. إدارة الشبكة من هذا المنظور أشبه، إلى حدّ ما، بفكرة الإرشاد والتوجيه الناعم Soft-Guidance لأعضاء الشبكة والتحكم في تفاعلاتهم من خلال وضع القواعد المنظمة للمشاركة في شبكات صنع السياسات.
Christopher J. Koliba, Russell M. Mills & Asim Zia, "Accountability in Governance Networks: An assessment of Public, Private and Non-profit
Emergency Management Practices Following Hurricane Katrina," Public Administration Review , vol. 71, no. 2 (March/ April 2011), pp. 210-220. Martina Dal Molin & Cristina Masella, "Networks in Policy, Management and Governance: A Comparative Literature Review to
Stimulate Future Research Avenues," Journal of Management and Governance , no. 20 (December 2016), pp. 823-849, at: https://bit.ly/3hoYgxl Gila Menahem & Rona Stein, "High-capacity and Low-Capacity Governance Networks in Welfare Service Delivery: A Typology
and Empirical Examination of the Case of Israeli Municipalities," Public Administration , vol. 91, no. 1 (Special Issue: Symposium, March
2013), pp. 211-231. M.P. Mandell & R. Keast, "Managing Strategically in Collaborative Networks: The Importance of Strategic Leveraging," in: Paul
Joyce, J. Bryson & Marc Holzer (eds.), Developments in Strategic and Public Management: Studies in the US and Europe (Hampshire,
Southern England: Palgrave Millan, 2014), pp. 254-257. 26 Park & Rethemeyer, p. 352.
على الرغم من اتفاق معظم الباحثين في مجال شبكات صنع السياسات العامة على عدم ملاءمة الأسلوب الفوقي Approach Top-Down لإدارة العلاقات والتفاعلات بين أطراف تلك الشبكات، فإنهم يختلفون بشأن الطريقة الأفضل التي يمكن من خلالها إدارة الشبكات. وتميّز الأدبيات الخاصة بإدارة شبكات صنع السياسات العامة في هذا الصدد بين ثلاثة توجهات رئيسة، تختلف في ما بينها بصدد رؤيتها لطبيعة شبكات صنع السياسات العامة وطرائق التدخل لإدارة التفاعلات فيها. المنظور الأول هو المنظور الغائي Perspective Instrumental، الذي يري أنصاره ضرورة التركيز على سُبل تحسين الأوضاع الداخلية في شبكات صنع السياسات العامة، بصورة تمكّن من التوجيه Steering الفاعل للعلاقات في داخلها من خلال استراتيجيات تتّبعها الأطراف الحكومية، وتضمن من خلالها الوصول إلى أهداف السياسات العامة المرجوّة. ويتّضح المنطق الغائي الذي يقف وراء هذا الاتجاه، في الربط الواضح بين الشبكات والقدرة على تحقيق أهداف السياسات العامة، من خلال عمليات التوجيه. فالشبكة من هذا المنطلق ليست سوى وسيلة لبلوغ أهداف السياسات، ومن ثمّ على الأطراف الحكومية إدارتها وتوجيه التفاعلات في داخلها لتحقيق هذا الغرض. الاقتراب الثاني هو الاقتراب التفاعلي Perspective Interactive، الذي يرى أنصاره أن دور الأطراف الحكومية الرئيس في شبكات صنع السياسات العامة هو تسهيل عمليات التفاعل بين الأطراف المختلفة المشاركة في الشبكة، وتشجيع التعاون والتنسيق في ما بينهم من دون التدخّل المباشر لتوجيه تفاعلاتهم، كم كانت الحال عند أنصار المدخل الغائي في إدارة الشبكات. فالحكومة هنا تؤدي دور المسهّل Facilitator الذي يسعى لتنسيق جهود باقي أعضاء الشبكة وتشجيع التعاون في ما بينهم، بالطريقة التي تساعد في تحقيق أهداف السياسات الحكومية. ويأتي أنصار الاتجاه الثالث في إدارة شبكات صنع السياسات العامة، المعروف بالمنظور المؤسسي Perspective Institutional، ليلفت إلى الأطر المؤسسية التي تجري في داخلها تفاعلات أعضاء شبكة السياسات، وما تضعه هذه الأطر من محددات لسلوك الأطراف المشاركة تؤثر بدرجة كبرى في النتائج النهائية للتفاعل. وبمقارنة هذا المنظور الأخير بالمنظورين السابقين، يتضح أن أنصار الاتجاه المؤسسي لا يركزون على بلوغ أهداف السياسات العامة وغاياتها فحسب، كم كان يؤكد أنصار المدخل التفاعلي والغائي في الإدارة، إنما يؤكدون الدور الذي تقوم به القواعد Rules بأشكالها المختلفة، وكذلك الأبنية داخل شبكات صنع السياسات في توجيه التفاعلات والعلاقات بين أعضاء الشبكة.
رابعًا: إدارة شبكات صنع السياسات العامة التوجيه بدلً من التجفيف
تزخر دراسات شبكات السياسات العامة وأدبياتها بالكثير من الاستراتيجيات التي يمكن من خلالها أن تتدخل الأطراف الحكومية، لتوجيه دفّة العلاقات والتفاعلات بين أعضاء الشبكة. ولتنظيم النقاش بشأن هذا الموضوع، سيجري تقسيم هذه الاستراتيجيات إلى مستويين على النحو الموضح في الجدول الآتي.
27 McGuire & Agranoff, p. 281. 28 Howlett, Mukherjee & Koppenjan, p. 248. 29 Cairney et al., p. 210.
جدول يوضح استراتيجيات إدارة شبكات صنع السياسات العامة
| استراتيجيات إدارة الشبكات | |
|---|---|
| الاستراتيجيات على مستوى الشبكة | الاستراتيجيات على مستوى الفاعلين |
| استراتيجيات معرفية | استراتيجيات معرفية |
| ² إعادة التأطير Reframing ² تغيير السياسات الرسمية للشبكة Changing Formal Policies | ² تأكيد التزام الأطراف المشاركة وولائها Covenanting ² التفاوض والمساومة Bargaining التأثير في التصوراتPerceptions Influencing ² ² بناء لغة مشتركة بين الأعضاء Language Common Developing ² منع أو تقديم الأفكارIdeas Introducing /Preventing تعزيز الأفكارReflections Furthering ² |
| استراتيجيات إدارة التفاعلات | استراتيجيات إدارة التفاعلات |
| ² تفعيل أو تعطيل بعض الشبكات Deactivation /Activation Network ² تغيير القواعد المنظمة لتلك التفاعلات Rules Interaction Changing ² تغيير التركيب الخاص بالشبكة ومواقع الفاعلين في داخلها Actors of Positions and Structures Changing | ² تفعيل أو تعطيل بعض المشاركين Deactivation /Activation Selective ² التنظيم Arranging تنظيم النقاش والمواجهاتConfrontations Organising ² تطوير الإجراءاتProcedures Developing ² |
المصدر: Ahmed Badran, The Regulatory Management of Privatized Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the Egyptian Telecommunications Market (Riga: VDM Verlag Dr. Müller, 2011), p. 245.
يتضح من الجدول، أن المستوى الأول يضم الاستراتيجيات على صعيد التفاعلات والعمليات التي تجري داخل شبكات صنع السياسات العامة Strategies Level Game. أما المستوى الثاني فيشمل آليات الإدارة على مستوى الشبكات الخاصة بصنع السياسات Strategies level Network باعتبارها كيانات تنظيمية مؤسسية. وداخل كل مستوى سيجري تقسيم الاستراتيجيات نوعين: النوع الأول الاستراتيجيات المعرفية Strategies Cognitive، والنوع الثاني الاستراتيجيات التفاعلية Strategies Interaction. النوع الأول من الاستراتيجيات (الاستراتيجيات المعرفية) موجّه نحو أعضاء الشبكة، ويحاول التأثير في تصوراتهم وإدراكهم طبيعة قضية السياسات موضوع التفاعل، وسُبل التعامل مع هذه القضية أيضًا. ومن خلال النوع الثاني (الاستراتيجيات التفاعلية)، تسعى الأطراف الحكومية للتأثير في التفاعلات التي تجري داخل شبكة صنع السياسات العامة، ومن ثمّ تؤثر في الطابع البنيوي لتلك الشبكات Structure Network والأدوار التي يؤديها كل طرف من الأطراف المشاركة. وبالطبع فإن تناول كل هذه الاستراتيجيات بالتفصيل يتخطى حدود هذه الدراسة، ومن ثمّ، سيتم التركيز في المبحث التالي على أهم الاستراتيجيات المستخدمة في إدارة شبكات
السياسات العامة، سواء على مستوى إدارة الشبكة ككل أم على مستوى إدارة التفاعلات والعلاقات داخل شبكات صنع السياسات العامة.
1. الاستراتيجيات الإدارية على مستوى الشبكات
على المستوى النظري، يمكن أن توجّه الأطراف الحكومية المشاركة في شبكات صنع السياسات العامة التفاعلات في داخلها، إما من خلال التأثير في تصوّرات أعضاء الشبكة في ما يخص فهمهم طبيعة مشكلة السياسات، وإما في ما يخص تصوّراتهم بشأن الحلول الممكنة لعلاج هذه المشكلة. ويأتي هذا النوع من التدخل تحت اسم الاستراتيجيات المعرفية التي من أشهرها إعادة التأطير Reframing، وتغيير السياسات الرسمية للشبكة Policies Formal Changing. ويمكن فهم إعادة التأطير داخل شبكات صنع السياسات العامة بوصفه العملية التي يمكن من خلالها أن يغيّ مدير الشبكة (أي الطرف الحكومي) تصوّرات الأطراف المشاركة وإدراكهم لطبيعة المشكلة المطروحة، من خلال تقديم صياغات جديدة لتلك المشكلة، أو طرح وجهات نظر مغايره لما يُطرح من الأعضاء في الشبكة. ويُنظر إلى عمليات إعادة التأطير بوصفها محاولات تدخّل واعية من إدارة الشبكة، يحاول من خلالها مدير الشبكة أن يتحدّى التصورات السائدة بين أعضائها بشأن طبيعة المشكلة المطروحة والبدائل الممكنة لحلّها. ويدفع تقديم تلك الرؤى المغايرة أعضاءَ شبكات صنع السياسات إلى إعادة قراءة المشهد، والنظر إلى المشكلة محل الاهتمم من زاوية أو زوايا مختلفة؛ ما قد يساعدهم في إعادة تشكيل فهمهم للمشكلة وطرائق التعامل معها. من ثمّ، تتضمن عمليات إعادة التأطير تغييرات جوهرية في الأطر المرجعية References of Frames الخاصة بالأعضاء، بما ينعكس على إعادة صياغة العلاقات والتفاعلات داخل الشبكة. على صعيد تغيير السياسات الرسمية، يمكن ملاحظة أن لكل شبكة من شبكات السياسات العامة "دستورًا" يحدّد القواعد التي تحكم العلاقات والتفاعلات في داخلها، وكذلك أدوار الأطراف المشاركة وما لها من حقوق، وما عليها من التزامات. وهناك من يعبّ عن هذا الدستور بالسياسات الرسمية للشبكة التي من خلالها تخرج لنا شبكات صنع السياسات بخصائصها البنيوية والتفاعلية. ونظرًا إلى ما تقوم به السياسات الرسمية من دور في هيكلة شبكات صنع السياسات، يمكن أن يعيد مدير الشبكة تصميم تلك الشبكات من خلال تغيير القواعد الحاكمة لتفاعلات الأعضاء أو إسناد أدوار جديدة إلى بعض المشاركين، أو عن طريق تغيير حقوق الأطراف المشاركة وواجباتها. ومن شأن هذه التغيرات أن تنعكس على علاقات القوة بين أعضاء الشبكة، ومن ثمّ على التفاعلات التي تتم في ما بينهم، حيث يعاد صياغة التصور الخاص بهؤلاء الأعضاء في ما يخص فهمهم لأدوارهم وأدوار الفاعلين الآخرين، وإدراكهم
Ahmed Badran, "A Network Approach for Analyzing Regulation Policies and Regulatory Processes: 'Tinkering' with the
Institutional Characteristics of Telecoms Regulatory Networks in Egypt," International Journal of Politics and Good Governance , vol. X,
no. 10. 1 (Quarter I 2019), pp. 23-37, accessed on 22/6/2020, at: https://bit.ly/2CxbRmb Amir Levy & Uri Merry, Organizational Transformation: Approaches, Strategies, and Theories (New York: Praeger, 1986), p. 133. 32 McGuire & Agranoff, p. 298. Erik Hans Klijn & Joop Koppenjan, "Institutional Design in Networks: Elaborating and Analysing Strategies for Institutional
Design," Budapest Management Review , vol. 35, no. 7-8 (2004), pp. 84-98. Hans Th. A. Bressers & Laurence J. O'toole, "The Selection of Policy Instruments: A Network-based Perspective," Journal of Public
Policy , vol. 18, no. 3 (September-December 1998), pp. 213-239. 35 Park & Rethemeyer, p. 361.
أيضًا العناصر الفاعلة والمؤثرة في إطار شبكة صنع السياسات. ومن الجدير ذكره، أن إعادة تصميم الشبكات وهيكلتها يمكن أيضًا أن تتم من خلال التأثير في تفاعلات الأطراف المشاركة وعلاقاتهم، كم سيتّضح في ما بعد، إضافة إلى التأثير في تصوراتهم وإدراكهم، كم اتضح من خلال العرض السابق. إلى جانب قدرة مدير الشبكة على التأثير في تصورات أعضائها من خلال إعادة التأطير، أو تغيير الخصائص البنيوية من خلال تغيير القواعد المؤسسية، يمكن أيضًا أن توجّه التفاعلات بين الأطراف المشاركة من خلال التركيز على العمليات التي تتم بينها، والتي تشبه في طبيعتها المباريات غير الصفرية، وهكذا تتيح لأعضاء الشبكة الفرصة لتعويض بعض الخسائر التي قد يُنَون بها في الجولات المختلفة من تلك المباريات. وهنا يمكن أن يؤثّر مدير الشبكة، تفعيلً أو تعطيلً، في بعض الشبكات Deactivation Activation/ Network. ففي الفضاء الخاص بصنع السياسات العامة وتنفيذها، يتكوّن الكثير من شبكات السياسات، ويعاد تشكيلها بشأن قضايا السياسات المطروحة. ويتيح هذا التعدد على مستوى شبكات السياسات لصانع القرار في مجال السياسات العامة أن يحدّد أيًا من هذه الشبكات سيفعّل لبدء التفاعل بشأن قضايا السياسات من أجل تحقيق أهداف السياسات في قطاعات معيّنة. ولتحقيق هذا الأمر، يتعيّ على مدير الشبكات أن يجيب عن تساؤلين أساسيين، الأول: أي من الشبكات المتاحة يمكن استخدامها لتحقيق أهداف السياسات العامة؟ والثاني: ما المقدار الملائم من المعلومات المطلوبة لأعضاء الشبكة حتى تبدأ عمليات التفاعل في ما بينهم؟ من المنظور المؤسسي، يمكن أن يؤثر مدير الشبكة في العمليات والتفاعلات من خلال تغيير القواعد المنظمة لتلك التفاعلات Rules Interaction Changing. وبصفة عامة، تُعدّ القواعد المنظمة للتفاعلات داخل الشبكات من أبرز السمت المؤسسية لتلك التنظيمت وأشدّها تأثيرًا في كم ونوع التفاعلات التي تنشأ بين أعضاء الشبكة. وعلى الرغم من صعوبة تغيير الجوانب المؤسسية في بنية الشبكات، ومنها قواعد التفاعل، فإن تدخل مدير الشبكة لتغيير تلك القواعد يبقى احتملً قائمًا، وخصوصًا إذا كان هدف مدير الشبكة من تدخله مرتبطًا بتحقيق تحولّات على المدى البعيد في الخصائص البنيوية للشبكة وتركيبها. ومن الجدير ذكره هنا، أن تحويل مسار التفاعلات من خلال تغيير القواعد الخاصة بالتفاعل بين الأعضاء لا يُحدِث أثرًا آنيًا ومباشرًا داخل الشبكة. فالقواعد المنظمة لتفاعلات الأطراف المختلفة في شبكات السياسات يجري تطويرها عبر فترة طويلة من الزمن؛ ما يجعل من الصعب تغيرها بعد أن اعتادها أعضاء الشبكة. من الناحية البنيوية، يُعدّ تغيير التركيب الخاص بالشبكة ومواقع الفاعلين في داخلها and Structures Changing Actors of Positions من الطرائق الفاعلة للتأثير في العلاقات بين الأعضاء. وهنا، يمكن أن يغيّ المدير مواقع الأطراف المشاركة فيها عن طريق تغيير علاقات القوة في ما بينها، فيصبح بعض الفاعلين أقدر على التأثير في شكل القرارات النهائية للسياسات العامة من خلال قدرتهم على الوصول إلى موارد مهمة داخل الشبكة. من ثمّ، فإن إعطاء أحد أطراف الشبكة حق الوصول إلى موارد مهمة يحتاج إليها باقي الأعضاء، المعلومات على سبيل المثال، يجعله في موقع قوة، مقارنةً بباقي الأطراف المشاركة. كذلك إذا ما اعتبر مدير الشبكة أحد الأطراف شريكًا في عمليات صنع القرارات المرتبطة بالسياسات العامة أو في تنفيذها، حيث يُضفي هذا الأمر على هذا الفاعل، دون غيره، شرعيةً للقيام بأعمل
36 Ibid., p. 356.
لا يستطيع غيره من أعضاء الشبكة القيام بها، لأنهم لا يحوزون صفة الشريك. ويغيّ هذا التغيير على مستوى مواقع الأطراف المشاركين في شبكة صنع السياسات، تركيبة الشبكة، ويؤثر في إعادة صياغة العلاقات والتفاعلات في داخلها على نحو مستمر، بما يتفق مع التوزيع الجديد للموارد، وما يترتب على ذلك من إعادة صياغة علاقات القوة بين أطراف الشبكة. بالانتقال من المستوى الكلي للتأثيرNetwork Level إلى المستوى الجزئي الذي يركز على ما يدور داخل شبكات صنع السياسات من تفاعلات وعلاقات Level Micro، يمكن ملاحظة أن من يتولّ إدارة الشبكة يمكنه أيضًا التأثير في النتائج والمُخرَجات النهائية عن طريق إدارة وتوجيه المباريات التي تحدث بين أعضاء الشبكة باستخدام الاستراتيجيات المعرفية والاستراتيجيات التفاعلية على النحو المُبيّ في المبحث الآتي.
2. الاستراتيجيات الإدارية على مستوى التفاعلات والعمليات
كم هي الحال بالنسبة إلى إدارة التفاعلات وتوجيهها بين أعضاء الشبكة على المستوى الكلي، بالتركيز على الخصائص المعرفية لأعضائها، وعلى خصائصها البنيوية أيضًا، يمكن أن يوجّه مدير الشبكة المباريات بين الأعضاء من خلال اتّباع الأسلوب نفسه. فبالتركيز على المكون المعرفي، يمكن أن يوفر مدير الشبكة الظروف الملائمة لبناء فهم مشترك من جميع الأعضاء لمشكلة السياسات موضوع التفاعل داخل الشبكة، والعمل أيضًا على تجسير الهوّة بين الخلافات في وجهات نظر الأطراف المشاركة، بصورة توجد لديهم نوعًا من الالتزام بأهداف السياسات العامة التي يسعى الجميع لتحقيقها. ويُعرَف هذا الأسلوب باستراتيجية تأكيد التزام وولاء الأطراف المشاركة Covenanting. ويساعد هذا الالتزام على بناء الثقة بين أعضاء الشبكة، ويمنع بعضهم من التصرف بانتهازية، وهذا أمر مهم لاستمرار التفاعل بين الأعضاء. وتأكيدًا على الطابع الدينامي للشبكات، وفي إطار الفهم المقدم في تلك الدراسة للعمليات التي تتم في داخلها بوصفها مباريات غير صفرية، يصبح التفاوض والمساومة Bargaining جزءًا لا يتجزّأ من تلك التفاعلات. ونظرًا إلى تعدد الأهداف الخاصة بالأطراف المشاركة في شبكات صنع السياسات العامة، بل تضاربها في بعض الأحيان، يتعيّ على من يتولّ إدارة الشبكة تشجيع التفاوض بين تلك الأطراف، حيث يستطيع كل طرف تحقيق جزء من أهدافه؛ إذ من غير المتصوّر أن يفوز أحد الأطراف، أو بعضهم، بكل شيء، في حين يخسر باقي الأطراف كل شيء. بمعنى آخر إن التفاعلات التي تتم بين الأطراف المشاركة في شبكات صنع السياسات ليست من نوع المباريات الصفرية التي تنتهي بفوز أحد الأطراف بكل المكاسب، في حين يتحمّل الطرف الآخر كل الخسائر. على عكس ذلك، مباريات السياسات العامة أشبه بلعبة من جولات متعددة، حيث يستطيع كل طرف تعويض خسائره عن طريق التفاوض والمساومة وما يتبعه من سلوك استراتيجي. ويكون على مدير الشبكة في هذه الحالة التأكد من استمرار عمليات التفاوض بين جميع الأطراف المشاركة وعدم وصولها إلى طريق مسدودة. في الإطار ذاته، يُعدّ التأثير في التصوّرات Perceptions Influencing، من خلال التوفيق بين تصورات الأعضاء ومحاولة بناء تصور مشترك بين جميع الأطراف المشاركة بشأن طبيعة مشكلة السياسات العامة وطرائق علاجها، إحدى الوسائل الناجحة التي يمكن أن يوظفها مدير الشبكة للتأثير في المكون المعرفي، وصولً إلى أهداف السياسات
Galia J. Benítez, "Business Lobbying: Mapping Policy Networks in Brazil in Mercosur," Social Sciences , vol. 7, no. 10 (October
2018), pp. 1-30, accessed on 12/6/2020, at: https://bit.ly/3fjRtTw
العامة. فالتصورات الخاصة بأعضاء الشبكة ليست جامدة، إنما تُبنى تلك التصورات والمفاهيم ويُعاد تشكيلها وبناؤها في أثناء التفاعلات التي تتم داخل شبكات صنع السياسات العامة. وتتوقف قدرة مدير الشبكة على تحقيق الاتفاق بين الأطراف المشاركة بشأن المشكلة على درجة التضارب والتناقض بين وجهات النظر والتصورات والأهداف. في بعض الأحيان، إذا كان هناك بونٌ شاسع من الاختلافات، يكفي في هذه الحالة أن يتفق جميع الأطراف على أن لا يتفقوا، بعد أن يعرض كل منهم وجهة نظره، على ألّ تكون حالة عدم الاتفاق هنا مُدعاةً لإيقاف التفاعل في ما بينهم. في هذا الصدد، قد يساعد تقديم تعريف جديد للمشكلة من وجهة نظر الأطراف المشاركة في التقريب بين تصوّراتهم بالصورة التي تحوّل الموقف إلى حالة قد يستفيد منها جميع الأطراف. ومن الجدير ملاحظته في ما يخص عضوية شبكات السياسات العامة وخصائصها البنيوية أن الأعضاء المنتمين إليها قد يأتون من خلفيات تنظيمية وفنية وتشغيلية مختلفة. قد يُعوّق هذا الاختلاف عمليات التواصل بين تلك الأطراف؛ لأن اللغة المستخدمة للتواصل في ما بينهم تختلف باختلاف تخصصاتهم. في هذا السياق، ستتمكن الأطراف التي تتحدث اللغة نفسها، أو لغة متقاربة، من بناء تصورات متشابهة بشأن مشكلات السياسات العامة، في حين أن تصوّرات الأطراف الأخرى قد تختلف بسبب عائق اللغة. للتغلّب على هذا الأمر من الضروري أن يتأكد مدير الشبكة من أن ثمة أرضيةً مشتركةً ولغةً موحدةً جرى تطويرها ويستخدمها جميع الأطراف المشاركة؛ ما يساعد في تقريب وجهات النظر وبناء تصورات مشتركة بشأن المشكلات موضوع التفاعل. وقد يساعد في تقريب وجهات النظر بناء منصّات للتحاور بين جميع الأطراف المشاركة بشأن طبيعة مشكلات السياسات والطرائق المقترحة للتعامل معها. ويُعرف هذا الأسلوب في أدبيات إدارة الشبكات باستراتيجية بناء لغة مشتركة بين الأعضاء Language Common.Developing إن اللغة ليست هي العائق الوحيد الذي قد يؤثر بصورة سلبية في التفاعلات بين الأعضاء، وطبيعة فهمهم قضية السياسات وما يتبنّاه هؤلاء الأعضاء من تصوّرات بشأن طرائق الحل. فالأفكار التي يجري تداولها بين أعضاء شبكة السياسات العامة تؤثر بصورة كبرى في تصوّراتهم ومواقفهم بشأن قضية السياسات محل الاهتمم، ومن ثمّ تؤدي دورًا مهمً في تحديد مواقفهم حيالها. وفي ظل احتدام المنافسة بينهم من أجل حشد التأييد لوجهة نظرهم، قد يعمد بعض أعضاء الشبكة من ذوي النفوذ إلى محاولة استبعاد أفكار فريق من المشاركين؛ لأنها تؤثر في التصور الذي يقدمونه عن المشكلة، وطريقة التعامل معها. وهنا يمكن أن يتدخل مدير الشبكة، من خلال منع أو تقديم الأفكار Ideas Introducing Preventing/ بصورة تضمن أن الأفكار كلها يُعبّ عنها بكل حرية داخل الشبكة، وأن الأصوات كلها مسموعة، حيث يستطيع كل طرف الدفاع عن مصالحه وتقديم وجهة نظره بشأن قضية السياسات المطروحة. ويستطيع مدير الشبكة تحقيق هذا الأمر، من خلال جلسات الاستمع وعقد ورش العمل وجلسات العصف الذهني والاستشارات العامة Consultations Public؛ وذلك لتشجيع أصحاب المصلحة Stakeholders على اختلاف انتمءاتهم وتياراتهم على التعبير عن وجهات نظرهم بشأن قضية السياسات المطروحة والحلول المحتملة لها. في هذا السياق التفاعلي، يصبح من الصعب على أي طرف التشبث بوجهة نظره، إنما يُعاد إنتاج الأفكار في ضوء ما يقدّمه جميع الأطراف من وجهات نظر وتعريفات للمشكلة والبدائل المقترحة للحل. وإضافة إلى طرح الأفكار
Ahmed Badran, The Regulatory Management of Privatized Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the
Egyptian Telecommunications Market (Riga: VDM Verlag Dr. Müller, 2011), p. 215. Ahmed Badran, "The Role of Public Consultations in Regulatory Decision-Making: Thoughts and Reflections Based on
Regulatory Decision-Making Mechanisms in the Egyptian Telecoms Market," I paper dell'Osservatorio, Osservatorio sull'Analisi di
Impatto della Regolazione, September 2013, p. 22.
ومنعها، هناك تعزيز الأفكار Reflections Furthering؛ بمعنى أن يؤكد مدير الشبكة استمرار عمليات التفاعل بين الأعضاء بصورة تُكّن كل طرف من أطراف الشبكة من تقويم مواقفه وأفكاره وإعادة تقويمها في ضوء ما يطرحه باقي الأعضاء من أفكار. إن الاختلافات المعرفية داخل شبكات صنع السياسات، وتعدّد الآراء والمقترحات المقدمة من المشاركين، أمر صحي ويساعد في التفكير في مشكلة السياسات موضع الاهتمم بدرجة أكبر من العمق والنظر إليها من جميع الجوانب. ومن ثمّ، فإن إعادة قراءة الموقف على هذا النحو تُكّن كل طرف من الأطراف المشاركة من أن يتعرّف عمليًا إلى حدود قدراته ومدى واقعية ما يقدمه من حلول للمشكلة، وما يستطيع أن يحقّقه أيضًا من أهداف في ضوء الأفكار والمقترحات المقدمة من باقي الأعضاء. في الانتقال للتركيز على ما يجري بين أعضاء الشبكة من تفاعلات، يمكن ملاحظة أن لدى من يتولّ إدارة الشبكة، من الاستراتيجيات، ما يُكّنه من توجيه تلك التفاعلات والعمليات بالصورة التي تحقق أهداف السياسات العامة. فكم هي الحال بشأن تفعيل الشبكات وتعطيلها على المستوى الكلّ، يمكن أن يختار مدير الشبكة أيضًا تفعيل بعض المشاركين Deactivation Activation/ Selective أو تعطيله عمدًا. ويمكن النظر إلى فضاءات صنع السياسات العامة وتنفيذها بوصفها ساحات لممرسة النفوذ من جميع الأطراف المشاركة، وعادة ما تكون هذه الأطراف، كم ذُكر آنفًا، من خلفيات تنظيمية متباينة، منها ما هو حكومي أو غير حكومي، ويشاركون بحسب أهدافهم. وعلى ذلك يمكن أن نتصوّر أن الفاعلين في مجال السياسات العامة ليسوا ناشطين كل الوقت وتكون أدوارهم ومشاركاتهم في الشبكات بناء على المصالح التي يسعون لتحقيقها من المشاركة. من ثمّ، يمكن مدير الشبكة تغيير طبيعة التفاعلات بين الأعضاء، من خلال تفعيل أدوار بعض الفاعلين غير الناشطين، أو العكس بتعطيل أدوار فاعلين آخرين. فإضافة فاعل جديد إلى الشبكة قد تؤثر في مستوى التنافس بين أعضائها مثلً؛ ما يغيّ طبيعة العلاقات والتفاعلات التي تجري في داخلها. إضافة إلى تفعيل أدوار الفاعلين وتعطيلها، يُعتبر التنظيم Arranging، بمعنى ترتيب التفاعلات التي تجري بين الأعضاء من خلال وضع آليات محددة مثل آليات حل المنازعات والأجهزة القانونية والاتفاقات التعاقدية وغيرها، بصورة تحكم هذه التفاعلات، إحدى وسائل التدخل المتاحة لمدير الشبكة، التي تمكّنه من تطوير مجموعة من الإجراءات الرسمية التي تنظم انضمم الفاعلين إلى الشبكة ومغادرتهم لها، ومن ثمّ تضمن الاستمرار في التفاعل، وأن يؤدي كل طرف من أطراف الشبكة الدور المنوط به، بما يعود بالنفع على جميع الأطراف المشاركة. فشبكات السياسات العامة - بوصفها شكلً من أشكال العمل الجمعي القائم على التعاون بين أطراف متعددة، قد تتضارب مصالحها في بعض الأحيان - تعاني ما تعانيه من أشكال العمل الجمعي، مشكلات، لعل في مقدمها مشكلة الراكب المجاني Rider Free، والمشكلات الخاصة بالانتهازية أو الانسحاب المبكر من الشبكة أيضًا، بصورة تؤثر سلبيًا في مصالح باقي الأطراف المشاركة. وقد يتوقف نجاح الشبكة في تحقيق أهداف السياسات العامة على مدى قدرة المدير على التعامل مع هذه المشكلات، بصورة تشجع جميع الأطراف على الالتزام والعمل بأسلوب جمعي لتحقيق أهداف السياسات. فمن المتوقع، نتيجةً لاختلاف أهداف الأطراف المشاركة في شبكات السياسات العامة، أن تتضارب وجهات نظرها وفهمها للمشكلة التي تتفاعل الأطراف أنفسها بشأنها، وفي ما يخص البدائل الممكنة أيضًا لحل تلك المشكلة. لذلك فإن إدارة ذلك التعدد والاختلافات في التصورات ووجهات النظر من مدير الشبكة وتنظيم النقاش بشأنها، إضافة إلى عمل مواجهات بين الأعضاءOrganising Confrontations من خلال منتديات الحوار وورش العمل
والمؤتمرات وغيرها من الآليات، عوامل يمكنها أن تساعد الأطراف المشاركة في إعادة النظر في مواقفها، وفي علاقاتها بباقي الأطراف المشاركة. وهنا يجب أن ينظر مدير الشبكة إلى التعدد في وجهات النظر وفي الأطر المرجعية للمشاركين بوصفه شيئًا إيجابيًا يساعد في تفعيل النقاش بشأن القضية المطروحة، بصورة تُكّن من صياغتها وتعريفها على نحو دقيق. وفي ضوء تلك المراجعات، يمكن أن يعيد أعضاء الشبكة صياغة العلاقات في داخلها لتعكس التعدد في الرؤى المطروحة. وفي حال وصول النقاش بين الأعضاء بشأن القضية المطروحة، أو الحلول الممكنة، إلى نقطة تهدّد بتوقف التواصل والتفاعل في ما بينهم نتيجةً لتمسك كل منهم بوجهة نظره، وتركيزهم جميعًا على الجوانب الموضوعية Aspects Substantive، هنا يمكن أن يتدخّل مدير الشبكة لحلحلة الموقف عن طريق صرف انتباه الأعضاء عن التركيز على القضايا الموضوعية التي يصعب الاتفاق عليها نظرًا إلى ظروف عدم التأكد والغموض التي قد تسيطر على الموقف، للتركيز على بعض المسائل الإجرائية المتعلقة بتحديد الأدوار والإطار الزمني للتنفيذ والقواعد المنظمة للتفاعل وغيرها من الأمور الإجرائية التي يسهل النقاش والاتفاق بشأنها. ومن شأن هذا التركيز على تطوير الإجراءات Procedures Developing أن يوفّر نقطة بداية جيدة لبدء التفاعل بين الأطراف المشاركة، ويساعد أيضًا الوصول إلى اتفاق بشأن هذه القواعد الإجرائية في التقليل من ظروف عدم التأكد والضبابية التي من الممكن أن تحيط بالمشكلة في بداية التفاعل، وتؤثر سلبيًا في رغبة الأطراف المشاركة في بدء عمليات التفاعل في حال لا يمكن تجسير الهوّة بين التصورات المقدمة لتعريف المشكلة.
خاتمة
قدمت هذه الدراسة مقاربة نظرية لعملية صنع القرار في مجال السياسات العامة من منظور الشبكات. فعرض المبحث الأول منها التأصيل النظري لمفهوم شبكات السياسات العامة، موضحًا أهم المنطلقات والفرضيات التي يستند إليها هذا المدخل. وقُدّمت رؤية نقدية، في المبحث الثاني، لمدخل شبكات صنع السياسات العامة، نوقش فيها بعض التحفظات التي أثيرت حول القدرات التحليلية لهذا المدخل والرد على بعض الآراء التي حاولت التقليل من شأنه ومساهمته في فهم وتحليل الظواهر والعمليات الخاصة بصنع السياسات العامة وتنفيذها. وخلص النقاش في هذا المبحث إلى أن مدخل شبكات صنع السياسات العامة أداة تحليلية لا تقل أهمية عن المداخل التقليدية المستخدمة في تحليل السياسات، بل إنها تتميز منها بتركيزها على الطابع العملياتي والحركي لعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها. من هنا أكدت الدراسة أن مدخل شبكات صنع السياسات العامة يتخطى مرحلة الوصف إلى التحليل والتفسير. ولا تتوقف مساهمة مدخل الشبكات باعتباره أداة تحليلية رصينة فحسب، بل يقدم المدخل أيضًا مجموعة من الاستراتيجيات الإدارية التي تساعد في حِكامة التفاعلات والعلاقات في التنظيمت الشبكية وتسييرها، وهو ما ركّز عليه المبحثان الثالث والرابع من الدراسة. ومن خلال عرض الموضوعات السابقة، يمكن أن نخلص إلى أن مدخل شبكات السياسات العامة يقدّم لنا طرحًا مغايرًا لفهم طريقة صنع السياسات وتنفيذها، يختلف في مضمونه ومرتكزاته التحليلية عن الطرائق المتّبعة في مجال تحليل السياسات، وفي مقدمها نموذج دورة السياسات. وأوضح النقاش النظري أن مدخل الشبكات أكثر مواكبة للتغيرات التي حدثت في فضاء صنع السياسات العامة وتنفيذها، وأكثر استيعابًا للدور الجديد والمتنامي للفاعلين غير الحكوميين. كذلك، يعطي تركيز مدخل الشبكات على الجانب التفاعلي والعلائقي بين المشاركين صورةً أكثر واقعية، وطابعًا أكثر دينامية لعمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها.
من خلال مناقشة استراتيجيات إدارة العلاقات والتفاعلات داخل شبكات صنع السياسات العامة، يتضح أيضًا أن نمط الإدارة وأسلوبها في هذه الكيانات والأشكال التنظيمية الجديدة تختلف عن نمط الإدارة التقليدي المعروف في عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها. ففي ظل الحكامة، ما عادت الجهات الحكومية – رغم أهميتها التي جرى توضيحها - بالضرورة هي الطرف المهيمن والمسيطر على صياغة مشكلات السياسات العامة وتحديد الحلول المناسبة لها. فالدور الذي تقوم به الأطراف غير الحكومية، أصبح لا يقل أهمية أو تأثيرًا عن الدور الحكومي، بما جعل من الممكن القول إن عصر الهيمنة الحكومية على عمليات صنع السياسات وتنفيذها، الذي شهد تغيّات خلال مرحلة الدولة المتدخلة State Interventionist ودولة الرفاه، تراجع لمصلحة نموذج الحكامة الجديد وما يقوم عليه من أشكال تنظيمية جديدة، مثل الشبكات. بناء على ذلك، أصبح من الضروري اليوم تسليح المديرين الحكوميين وصناع القرار بأدوات واستراتيجيات الإدارة والتسيير والتفاعل، في ظل هذه المنظومة الجديدة لصنع السياسات العامة وتنفيذها. فالدخول إلى هذا العالم الجديد، من دون التسلّح بمتطلباته، يجعل من الصعب توجيه العلاقات والتفاعلات بين أعضاء شبكات صنع السياسات العامة بالطريقة التي تمكّن الحكومات من تحقيق أهدافها على مختلف الصعد. كذلك، فإن الافتراض، بأن الطرائق التقليدية تصلح لإدارة الأشكال التنظيمية الجديدة مثل الشبكات، فيه تبسيطٌ مُخلٌّ لما تتطلبه الإدارة في ظل التنظيمت الشبكية من مهارات وقدرات خاصة تختلف عن أسلوب الإدارة الفوقي القائم على إصدار الأوامر من الجهات الحكومية والإذعان من جانب باقي الأطراف. وهنا يقدم لنا مدخل شبكات صنع السياسات العامة منظورًا جديدًا أكثر واقعية وأكثر دينامية لصنع السياسات الحكومية وتنفيذها، والأهم من ذلك أنه أكثر تماشيًا مع واقع صنع سياسات الحكومة وتنفيذها في عصر الحكامة.
المراجع
Agranoff, Robert & Michael McGuire. "Big Questions in Public Network Management Research." Journal of Public Administration Research and Theory. vol. 11, no. 3 (July 2001). Badran, Ahmed. The Regulatory Management of Privatised Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the Egyptian Telecommunications Market. Riga: VDM Verlag Dr. Müller, 2011. _______. "The Role of Public Consultations in Regulatory Decision-Making: Thoughts and Reflections Based on Regulatory Decision-Making Mechanisms in the Egyptian Telecoms Market." I paper dell'Osservatorio. Osservatorio sull'Analisi di Impatto della Regolazione. September 2013. _______. "A Network Approach for Analysing Regulation Policies and Regulatory Processes: 'Tinkering' with the Institutional Characteristics of Telecoms Regulatory Networks in Egypt." International Journal of Politics and Good Governance. vol. X, no. 10. 1 (Quarter I 2019). at: https://bit.ly/2CxbRmb Benítez, Galia J. "Business Lobbying: Mapping Policy Networks in Brazil in Mercosur." Social Sciences. vol. 7, no. 10 (October 2018). at: https://bit.ly/3fjRtTw
Börzel, Tanja A. "Organizing Babylon - on the Different Conceptions of Policy networks." Public Administration. vol. 76, no. 2 (Summer 1998). Bressers, Hans Th. A & Laurence J. O'toole. "The Selection of Policy Instruments: A Network-based Perspective." Journal of Public Policy. vol. 18, no. 3 (September-December 1998). Cairney, Paul, Tanya Heikkila & Matthew Wood. Making Policy in a Complex World. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Dal Molin, Martina & Cristina Masella. "Networks in Policy, Management and Governance: A Comparative Literature Review to Stimulate Future Research Avenues." Journal of Management and Governance. no. 20 (December 2016). at: https://bit.ly/3hoYgxl Dowding, Keith. "Model or Metaphor? A Critical Review of the Policy Network Approach." Political Studies. vol. 43, no. 1 (March 1995). _______. "There Must be an End to Confusion: Policy Networks, Intellectual Fatigue, and the Need for Political Science Methods Courses in British Universities." Political Studies. vol. 49, no. 1 (March 2001). Evans, Mark. "Understanding Dialectics in Policy Network Analysis." Political Studies. vol. 49, no. 3 (August 2001). Howlett, Michael, Ishani Mukherjee & Joop Koppenjan. "Policy Learning and Policy Networks in Theory and Practice: The Role of Policy Brokers in the Indonesian Biodiesel Policy Network." Policy and Society. vol. 36, no. 2 (May 2017). Joyce, Paul et al. (eds.). Developments in Strategic and Public Management: Studies in the US and Europe. Hampshire, Southern England: Palgrave Millan, 2014. Kickert, Walter J.M, Erik-Hans Klijn & Joop F.M. Koppenjan. Managing Complex Networks: Strategies for the Public Sector. London: Sage Publications Ltd., 1997. Klijn, Erik-Hans & Joop F.M. Koppenjan. "Public Management and Policy Networks: Foundations to a Network Approach to Governance." Public Management. vol. 2, no. 2 (2000). _______. "Institutional Design in Networks: Elaborating and Analysing Strategies for Institutional Design." Budapest Management Review. vol. 35, no. 7-8 (2004). Klijn, Erik-Han, Joop Koppenjan & Johannes Franciscus Maria Koppenjan. Managing Uncertainty in Networks: A Network Approach to Problem Solving and Decision Making. London/ New York: Routledge, 2004.
Koliba, Christopher J, Russell M. Mills & Asim Zia. "Accountability in Governance Networks: An assessment of Public, Private and Non-profit Emergency Management Practices Following Hurricane Katrina." Public Administration Review. vol. 71, no. 2 (March/ April 2011). Levy, Amir & Uri Merry. Organisational Transformation: Approaches, Strategies, and Theories. New York: Praeger, 1986. Marsh, David. Comparing Policy Networks. Buckingham: Open University Press, 1998. McGuire, Michael & Robert Agranoff. "The Limitation of Public Management Networks." Public Administration. vol. 89, no. 2 (June 2011). Menahem, Gila & Rona Stein. "High-capacity and Low-capacity Governance Networks in Welfare Service Delivery: A Typology and Empirical Examination of the Case of Israeli Municipalities." Public Administration. vol. 91, no. 1 (Special Issue: Symposium, March 2013). Park, Hyun Hee & R. Karl Rethemeyer. "The Politics of Connections: Assessing the Eterminants of Social Structure in Policy Networks." Journal of Public Administration Research and Theory. vol. 24, no. 2 (April 2014). Rhodes, Roderick Arthur William. Understanding Governance: Policy Networks, Governance, Reflexivity and Accountability. Buckingham: Open University Press, 1997. Salancik, Gerald R. "Review: Wanted: A Good Network Theory of Organization." Administrative Science Quarterly. vol. 40, no. 2 (January 1995). Skogstad, Grace. "Policy Networks and Policy Communities: Conceptual Evolution and Governing Realities." Prepared for the Workshop on Canada's Contribution to Comparative Heorizing. Annual Meeting of the Canadian Political Science Association, University of Western Ontario. London. Ontario. 2/6/2005.