Return to Article Details Covid- 19: Public Policy Responses and Health Consequences in the Arab Region

كوفيد- 19 : الاستجابات الحكومية والتداعيات الصحية في الدول العربية

Covid- 19: Public Policy Responses and Health Consequences in the Arab Region

ورشة خبراء | Report Workshop Experts

الملخّص

مستشار اقتصاديات الصحة بمنظمة الصحة العالمية سابقًا. Former Senior Health Economist, WHO.

Abstract

باحث ومحاضر بكلية ميلمان للصحة العامة - جامعة كولومبيا. Researcher and Lecturer, Mailman School of Public Health, Columbia University.

عميد كلية العلوم الصحية بجامعة قطر. Dean, College of Health Sciences, Qatar University.

الخبير الاقتصادي بكلية إدارة الأعمال، جامعة أبردين. Reader in Economics, Business School, University of Aberdeen.

باحثة في معهد الصحة العامة والمجتمعية، جامعة بيرزيت، والمنسقة المسؤولة عن التواصل في شبكة البحوث التطبيقية في الصحة والبيئة والتنمية AHEAD، فلسطين. Researcher, the Institute of Community and Public Health (ICPH), Birzeit University and Communication Coordinator, the AHEAD Research Network, Palestine.

مدير قسم التغطية الصحية الشاملة، والمستشار الإقليمي لمكتب شرق البحر المتوسط في منظمة الصحة العالمية، مصر. Director, Universal Health Coverage, and regional adviser at the Eastern-Mediterranean Regional Office (WHO-EMRO), Egypt.

منسق شبكة البحوث التطبيقية في الصحة والبيئة والتنمية AHEAD وأستاذ اقتصاديات الصحة بجامعة آيكس مرسيليا بفرنسا. Associate Professor of Health Economics, Aix-Marseille University (AMU), and Coordinator of the AHEAD Research Network, France.

أستاذ السياسات العامة المشارك بمعهد الدوحة للدراسات العليا، ومدير تحرير. حِكامة Associate Professor, Public Policy Program, Doha Institute for Graduate Studies & Managing Editor, Hikama.

الكلمات المفتاحية:
  • كوفيد-19
  • التداعيات الصحية
  • الدول العربية
  • سياسات مواجهة الجائحة
  • المنظومة الصحية
Keywords:
  • Covid-19
  • Pandemic
  • Arab Public Administration
  • Healthcare

المشاركون في الورشة

سميرة عواودة

ميلود قدار

* أعدّ هذا التقرير مروة فرج وعبده موسى. عبده موسى: باحث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Experts Workshop Report

أحمد شلباية Ahmed Shelabya

حنان عبد الرحيم Hanan Abdul Rahim

رمسيس أبو النجا Ramses Abul Naga

Sameera Awawda

عوض مطرية Awad Mataria

محمد أبو زينة Mohammad Abu-Zaineh

مروة فرج Marwa Farag

Miloud Kaddar

Abdou Moussa: Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies.

مقدمة

نظمت دورية حِكامة، بمشاركة "شبكة البحوث التطبيقية في الصحة والبيئة والتنمية  AHEAD "، ورشتها الأولى حول "استجابات البلدان العربية لجائحة كوفيد- 19: الاستراتيجيات والتداعيات". وهدفت الورشة التي انعقدت عن بُعد عبر شبكة الإنترنت، إلى توجيه العناية البحثية العربية إلى قضية تقييم السياسات العامة، باستخدام هذه الحالة الاستثنائية التي يمر بها العالم في مواجهة جائحة كوفيد- 19، وبالتركيز على استجابات الحكومات العربية لهذا التحدي على مختلف الصُعد. في البداية، طرحت مديرة تحرير حِكامة الدكتورة مروة فرج عددًا من الأسئلة التي تؤطر الموضوع، وتتطرق إليها مداخلات الخبراء المشاركين، وتوزعت بين فهم العوامل التي يمكن استنادًا إليها تصنيف تلك الاستجابات، وماهية السياسات التي جرى تبنّيها في المواجهة، وملامح التأهب والاستعداد التي أمكن رصدها عربيًا، إلى جانب تحديد خصائص الاستجابة الفاعلة وفق المعطيات المستقاة من رصد الحالات العربية، والدول التي قدمت أداءً أفضل، وأخيرًا ما يتعلق بالتبعات، والمتوقع من آثار تخلفها الجائحة في النظم والسياسات الصحية في المنطقة العربية.

استجابات الدول وفق محددات السياق

في إطار السؤال عن تصنيف استجابات البلدان العربية لجائحة كوفيد- 19، استهل أحمد شلباية مداخلته بطرح العوامل السياقية بوصفها نقطة بدء لمثل هذا التصنيف، مؤكدًا ضرورة فهم دور هذه العوامل في تأطير الاستجابات. بدأ شلباية بالإشارة إلى أهمية التساؤل عن السياسات الصحية في المنطقة العربية، ليس لتقييمها فحسب، وإنما للاستعداد والتحضير لاستجاباتنا لتحدٍ قد يأتي في المستقبل؛ فنحن إذ نقف في مواجهة فيروس شديد العدوى، لا تعوقه الحدود، سواء أكانت حدودًا جغرافية أم سياسية أم اقتصادية أم اجتمعية أم ثقافية، من الخطأ أن نبني توقعاتنا على تصور أنّ جائحة كوفيد- 19 هي آخر تحدٍّ وبائي سنشهده؛ هل ستظل الأوبئة تأخذنا على حين غرّة هكذا؟ طرح شلباية السؤال وهو يشير إلى أهمية أن نتعلم درس التاريخ، وأن نستقي منه العبرة. لقد تشكلت الاستجابات وردود أفعال البلدان العربية على نحوٍ بدا متنوعًا، والأهم أنه كشف عن تمايزات بين بلدان المنطقة ليست بالقليلة، سواء على صعيد الجاهزية أو المسارات التنفيذية. بل كشف كذلك التفاوت بين القطاعات التي جرت تعبئتها لمواجهة الجائحة في داخل الدولة الواحدة. بيّ شلباية أن تنوع الاستجابات ارتبط باستيعابنا طبيعة التهديد الذي يمثله تفشي فيروس كورونا المستجد، وبنطاقه، وكذلك بسرعة التدابير وإنفاذ الخطط التي جرى طرحها. كم أن جانبًا من التنوع المرصود يرتبط بالمستوى التنفيذي الذي أخذته الاستجابة، وبنوعية الإجراءات المتخذة، وبسبل تنفيذها، وبمدى الصرامة التي طبقت بها الإجراءات. وارتبطت الاستجابات بفاعلية كل إجراء على حدة، وأيّها يُرّجح أثناء التنفيذ، إضافةً إلى ارتباطها بقدرة الأجهزة الموكل إليها التنفيذ، ومثابرتها على تحقيق الالتزام، عبر المدى الزمني الكفيل بإنجاح المواجهة. وفي العموم، تنوعت الاستجابات وفق الأولويات التي تبنتها الحكومات؛ هل تركز على التبعات الصحّية للجائحة بوصفها أولوية؟ أم تركز على مضاعفاتها الاقتصادية فحسب؟

مجموعة بحثية اختصاصية مقرها مرسيليا بفرنسا، وتعنى بالجوانب المختلفة للسياسات الصحية، وما يتقاطع معها من قضايا عابرة للاختصاصات، تجمع حقول الاقتصاد والاجتماع والبيئة والتنمية. تضم الشبكة في عضويتها نخبة من الخبراء العرب ممن يعملون باحثين وأكاديميين واستشاريين في المنظمات المحلية والدولية المعنية بالصحة. للمزيد يمكن زيارة موقعها الإلكتروني في: https://bit.ly/32mRy46

وشدّد على أن تباين الاستجابات لا يقتصر على المنطقة العربية، إذ أخذ منحى عالميًا؛ وملامح الاختلاف بين مكان وآخر من مناطق العالم تتعدد. واعتبر أن هذا التباين على الصعيد العالمي يمكن تفسيره بجملة من العوامل المتشابكة، أولها توافر القدرات، وبخاصة القدرات الاقتصادية والبشرية فضلً عن القدرات المؤسّساتية. فالقدرات الاقتصادية تحدد بشكل كبير مدى توافر الموارد المالية للحكومات، والأمر يتعلق كذلك بتوزيع تلك الموارد على القطاعات التنفيذية المختلفة، ويتصل أيضًا بقضية عدالة التوزيع؛ تنبهنا هذه الاختلافات إلى الكثير من صور اللامساواة الاجتمعية. والاستجابات لم تقتصر على النظام الصحي، إذ جرت تعبئة قطاعات عديدة، لزم حشدها جميعًا في المواجهة. بل تخطى الأمر القطاع الحكومي، ليشمل القطاعين الخاص والأهلي، فضلً عن دور المواطن الفرد. أما بخصوص القدرات المؤسساتية، فهي أبعد من القدرات المادية التي توفرها الحكومات للنظام الصحي؛ إذ تركز البيانات المتعلقة بالاستجابات كثيرًا على عدد المستشفيات وتوزيعها الجغرافي وعدد الأسرّة ووحدات العناية المركّزة وأجهزة التنفّس الاصطناعي وما إلى ذلك. ورغم كونها أمورًا ضرورية، اعتبر شلباية أنه ينبغي أن نفهم أنها لا تعمل وحدها، إذ تكمّل دورها قدرات الإدارة، وهي التي تتحكم في توظيف المقدرات والموارد، وما يتعلق بذلك من مسائل الحكامة. ترتسم توجهات المؤسسات وفق السياق الذي تعمل فيه؛ إذ يؤثر هذا السياق في تأطير المؤسسات للاستجابة من وجهة الاستراتيجيات والخطط وتوزيع الموارد على مسارات التنفيذ. ونجد في المقام الأول عامل القيادة، والذي يبرز قدرة النخب المتصدرة للقرار على النهوض في مواجهة التحدّي والتعامل مع ضغوط الأزمة. للقيادات أيضًا دورٌ أساسي في توفير التمويل اللازم لتنفيذ ما يطرح من استجابات. فضلً عن هذا، يؤثر القادة في مدى تفاعل المؤسسة مع الجمهور العام، وامتثال المواطنين واقتناعهم بما يُتخذ من تدابير. من الأمور المتّصلة بالحكامة مركزية الإدارة ومستوى جودتها، ومدى توافر إطار واضح يوزّع مهمت العمل فيها، سواء أكان على مستوى وطني أم فدرالي أم محلّ. المقصود هنا هو وجود سلطة ذات كفاءة، تتمتع بالقدرة على تنسيق الاستجابات والإجراءات بين عناصر التنفيذ ومستوياته المختلفة. يختلف الأمر عندما تكون الدولة منقسمة، حيث لا توجد حكومة بالمعنى الحقيقي يمكن لها البتّ في سياسة الطوارئ، وهنا ينخفض مستوى الاستجابة إلى مستويات دنيا. وأشار شلباية إلى تأثر المؤسسات بعامل الاستقرار السياسي والاقتصادي؛ إذ تشير حالات عربية عديدة إلى تأثر النظم الصحية بضغوط الاضطراب السياسي وغوائل الحرب الأهلية، فضلً عن الوقوع تحت براثن الاحتلال في بلد كفلسطين. ثم تناول شلباية عامل الديموغرافيا وأثره في تحديد نوعية الاستجابة؛ فالهرم السكاني في البلدان العربية عريض عند قاعدته، حيث النسبة الأكبر من السكّان دون الثلاثين عامًا. ثمة اعتبارات تتصل بفئة الشباب، كونهم عمد القوة الإنتاجية، وتحدد أوضاعُهم المعيشية بعضًا من اعتبارات الإغلاق. وتتنوع، أيضًا، استجابة المجتمع بحسب الفئات السكّانية الأشد هشاشة، سواء أكانت عمّلً مهاجرين يعيشون في أوضاع غير مواتية، أم كانوا من اللاجئين، أم كانوا من النازحين بسبب الحروب، أم سكانًا يخضعون للاحتلال. وأوضح شلباية أهمية الانتباه إلى مسألة نوعية الحياة التي يعيشها الناس في المساكن المكتظَّة. وفهم كيف تؤثر في نوعية الاستجابة المجتمعية.

"نشرة السكان والإحصاءات الحيوية في المنطقة العربية"، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، العدد 15، الأمم المتحدة، نيويورك، 2012، ص 8، شوهد في 2020/8/26، في: https://bit.ly/31reZKm

أما بالنسبة إلى توزع المرض، فقد بيّ شلباية أنّ البلدان العربية تعاني أصلً ما يعرف ب "العبء المزدوج للمرض". فبخلاف المرض المُعْدي، يعاني الواقع الصحي ضغوطًا تشكلها أمراض مزمنة كأمراض القلب والسكّري، وعدد من الأمراض التي تزيد نسب انتشارها في منطقتنا. والراجح أن هذا الواقع الصحي الضاغط يسهم بذاته في تشكيل الاستجابة. وأشار إلى أهمية أخذ العوامل الثقافية في الاعتبار لدى دراسة الاستجابات، موضحًا أن عناصر الثقافة والقيم والمدركات تؤثر في مدى توافر الدعم الشعبي لما يتخذ من تدابير. من هنا يتعيّ أخذ العوامل المتصلة بالجنوسة ودور المرأة في الحسبان، وبالمثل ما يتعلق بدعم المجتمع لكبار السن. وثمة مسألة شديدة الأهمية، تتصل بنوعية التصورات عن المرض؛ فمن المؤكد أن الإجراءات المتخذة تتأثر سلبيًا في حال كان التصور الاجتمعي للمرض يعتبره عارًا. إن أمرًا كهذا من شأنه أن يقلّص قدرة النظم على القيام بالتدخلات الوقائية وإجراء الفحوصات والاختبارات، وتحديد مدى وجوب إدخال الأشخاص المستشفى من عدمه. وأكد شلباية على أهمية فهم دور الدين والتعبئة الروحية. وبيّ الباحث أيضًا أن مشاركة المجتمع المدني تؤثر في نوعية الاستجابة؛ ففي حال كانت المنظمت الأهلية تنشط بفاعلية في المواجهة، ستختلف الاستجابة عم إذا وقفت تلك المنظمت موقفًا يناوئ الإجراءات المتخذة. وبالمثل يؤثر قطاع الأعمل الخاص؛ فملّكه وفاعلوه وهم يدفعون جهة مصالحهم يعيدون تشكيل تصورات جهات التنفيذ بخصوص ما يتخذ من إجراءات على المستوى الاقتصادي. من المهم معرفة مدى ميلهم إلى الضغط لبلورة استجابة الحكومات العربية. واعتبر شلباية أنه ينبغي أن تُدرج هذه العوامل جميعها في تقييمنا للاستجابة العربية. وتعددها يشكل في حد ذاته مكمن صعوبة؛ فصحيح أنّ متابعة ما يجري في 22 دولة عربية، في ظل الظروف التي نعايشها راهنًا، تكاد تكون مستحيلة، لكن يبقى في مستطاعنا أن نقوم بجهد رصدي معقول، يسمح، ولو نسبيًا، بتقييم موضوعي لهذه الاستجابات. واقترح شلباية إدراج البلدان العربية ذات الأوضاع المتقاربة في مجموعات، والنظر المقارن لاستجاباتها. وضرب مثلً بمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي تتقارب بلدانه من حيث التمتع بالوفرة على صعيد القدرات والموارد. وبيّ كيف أن حكوماته التي تعرف نمطًا من الحكامة ذا نزوع مركزي، قد تمكنت من تولّ زمام الأمور وإنفاذ سياسات وتدخلّات مهمّة. أمّا مجموعة البلدان العربية في شمل أفريقيا فتقدم صورة مغايرة لتنوع الاستجابة؛ فمصر على سبيل المثال، والتي فيها كثافة سكانية ضخمة في مدن وادي النيل وقراه، تطرح مسألة الازدحام عاملً أساسيًا. هناك جهاز حكومي متضخم، كان في مقدوره بما أتيح له من موظّفين وبنية أساسية تعمّ أرجاء البلاد، أن يقدم استجابة مؤثرة، تعتمد على المختصين بالصحة العامة. وأي تقييم للحالة في مصر من المهم أن يأخذ في الحسبان ما تواجهه دولة محدودة الموارد الاقتصادية. لذا تبرز أهمّية مشاركة العاملين في القطاع غير الرسمي، والذين يعتمد عليهم الاقتصاد بشدة، لأجل تخفيف وطأة الآثار الاقتصادية. وربما تقدم اليمن مثالً آخر لاستجابة الدول التي تعيش أوضاعًا هشّة جراء الحرب. تصنف الأدبيات اليمن دولة فاشلة، حتى من قبل تفشّ كوفيد- 19. وهي في وضع ينعدم فيه الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى حد بعيد، فضلً عم يسوده من عنف، وبنية تحتية مدمَّرة. من المهم رؤية تأثير هذه العوامل في الاستجابة اليمنية لتحدي كوفيد- 19. وبالمثل يضيف المشهد السوري بُعدًا يتصل بظاهرة التهجير؛ نزوحًا ولجوءًا، علينا أن ننتبه إلى كيف أنتجت أثرها في الاستجابة في هذا البلد. أما ما يعانيه الفلسطينيون في الأراضي

"The GCC Countries Face COVID- 19," Gulf Health Council, 30/4/2020, p. 4, accessed on 26/8/2020, at: https://bit.ly/34Bemja

المحتلة فله خصوصية؛ فالنظام الصحّي وموارده وقدرته على العمل مرهونة بقيود فرضها الاحتلال، وأمامها تتضاءل القدرة على تشكيل استجابة فاعلة. أشارت مروة فرج، في تعليقها على مداخلة شلباية، إلى أن البعد الديموغرافي لم ينل حظّه، سواء في النقاش الأكاديمي أم العام. والحال أنّ مجتمعاتنا العربية مجتمعات فتيّة. وهو ملمح له وجهان؛ ففوائده تعكسها حقيقة أن المرض أشدّ فتكًا بكبار السنّ، وفي منطقتنا، عدد الوفيات أدنى بكثير من دول أفضل من حيث جاهزية نظمها الصحية وقوة اقتصادها، لكن يكثر فيها المسنّون. أما جوانبه السلبية فتكشفها معاناة الشباب العربي غوائل البطالة وتأثرهم بوطأة الوضع الاقتصادي. وفي منحى الرصد، أضافت فرج أنه من الأهمية أن ننظر إلى أعداد الوفيات المبلَّغ عنها لكلّ مليون شخص وليس فقط إلى معدّل الوفاة من بين الحالات المرصودة، والذي يعتمد بدوره على مستويات الفحوصات وسياستها، وهم أمران يتفاوتان بشدة بين دولة وأخرى. أما عوض مطرية، فقد أوضح أن الحكومات تعلن يوميًا عن عدد الحالات منذ وصول المرض إليها، لكن تظل الثقة محدودة بما يُنقل من معلومات. وأورد مثلَ بعثة منظمة الصحة العالمية إلى سورية، التي لمست أن النظام الصحي لا يُبلغ عن حالات كثيرة، ويرجح أن مردّ ذلك عدم فاعلية نظام المراقبة الصحية هناك، ولا شك في أن لأوضاع الحرب أثرها السلبي في هذا الخصوص. إن طبيعة الحكومات وتركيبتها في دولنا العربية تحدّ من فاعلية الاستجابة. والمجتمع كذلك هو أحد العوامل الرئيسة في الاستجابة لتهديد الجائحة، وهو يضطلع بدور حيوي على صعيد الالتزام بإجراءات الاحتواء أو المحافظة على التباعد الاجتمعي، أو العمل بتوصيات أو تنفيذ اقتراحات واستراتيجيات مختلفة لدرء الجائحة. ففي بلد كمصر، فرضت فيه الحكومة إغلاقًا جزئيًا، لا نلحظ عند التجوال في الشوارع ما يدلّ على التباعد الاجتمعي. والحال أن الناس لم يتعاملوا مع المسألة بجدّية، لذا، يجدر الاهتمم أكثر بفحص دور المجتمع في الاستجابة. وتحفّظ محمد أبو زينة على ما يحمله مفهوم "العوامل السياقية" من عمومية مفرطة، إذ يشمل عوامل كثيرة. وأضاف أن الأجدى أن نقف على أهمّ العوامل التي تحتاج إليها دراستنا لاستجابات الدول العربية. وأكد ضرورة أخذ العوامل الثقافية على محمل الجد، قائلً "فبناء على ما لاحظته من فوارق مستوى التزام المواطنين بالنصائح والإرشادات الصحية في كل من الدول المتقدمة والدول النامية، يطرح الأمر نفسه بشدة". وأظهرت حنان عبد الرحيم كيف أن البلدان العربية لم تواجه إلى هذه اللحظة أوضاعًا حرجة في مواجهة الجائحة، والوضع لا يزال مقبولً نسبيًا، رغم عامل الازدحام السكاني في بعض البلدان، ووجود اللاجئين جراء الحروب والصراعات في بلدان أخرى عربية، فضلً عن أن بلدانًا عربية عدة تعاني ضعفًا هيكليًا في نظمها الصحية. ونرى أن عبء الجائحة لم يقع على النظم الصحية بالقدر الذي خشيناه، فلم نصل إلى الآن ذروة كالتي وصلت إليها إيطاليا أو إسبانيا مثلً، ولم يمرّ بلد عربي بحال من عجز المرضى عن تحصيل أجهزة تنفّس وأسرّة في المستشفيات فيم تركوا للموت قسرًا كم حصل في بعض الدول. يبدو أن الديموغرافيا الشابة من العوامل التي تستحق الاهتمم، حيث تشي الدراسات المنشورة بأنّه عامل مستقلّ. نقلت حنان عبد الرحيم النقاش إلى الجدل الذي ثار حول الثقة بالإحصاءات التي تقدمها الحكومات العربية، مستعيدة السؤال: هل هذه الإحصاءات موثوقة وجيدة؟ ترى الباحثة أنّنا إلى الآن لا نعرف الكثير عن الوفيات الزائدة Mortality Excess، لوجود عديد الحالات التي لم تحدد أسباب وفاتها بدقة. لم نصل إلى الوضع الحرج، وفرضت كثير

من الحكومات منذ البداية قيودًا على الحركة، وتعقّبت المخالطين، ضمن إجراءات السيطرة على تفشي الوباء. وهناك مفارقة لافتة تتمثل بأن الكثير من الدول لجأت إلى تدابير وإجراءات مشددة في الصحّة العامّة، تعوّل على المشاركة المجتمعية وتعاون أفراد المجتمع مع السلطات لإنجاحها، وعلى كسب ثقتهم على صعيد الامتثال وغير ذلك. السؤال هنا: هل تراهن الحكومات على رصيد من الثقة قد لا يكون ضخمً في بعض الدول؟ في هذه الحال، هي تطلب من الناس كثيرًا من الالتزام والامتثال، فهل لديها الرصيد الكافي لمطلب من هذا النوع؟ وهل حقًّا يحتمل كاهل الناس هذه الإجراءات الصارمة؟ تلك أسئلة مهمة في تقدير سبل تعاملنا مع الموجات المستقبلية من جائحة كوفيد 19- وغيرها إذا ما حصلت، لأنّ ما أنقذنا إلى الآن، قد لا يسعفنا في الموجة الثانية. وأوضح موسى علاية أهمية سياق الصراع والاضطراب الذي يحاصر بلدانًا كاليمن وسورية وليبيا، ودوره في رسم استجاباتها؛ فهي مجتمعات تفتقر إلى سلطة القانون، على نحو يصعب معه فرض تدابير فاعلة. وأكد على دور العوامل الثقافية في تحديد الالتزام بالإجراءات الوقائية. أشار أحمد شلباية، في رده على التعليقات والتساؤلات السابقة، إلى أن واحدة من المسائل التي شغلته في خلال إعداد مداخلته هي مدى تأثر الاستجابات العربية بعوامل الخارج؛ فالأمر لا يقتصر على ظروف بلداننا، وثمة محددات خارجية أسهمت في تأطير هذه الاستجابات. حظينا ونحن بمأمن بمزية مراقبة تجربة بلدان سبقتنا إلى ذرى الجائحة، وكانت أمامنا الفرصة لأن نقتبس دروسًا في المواجهة من تلك الخبرة المبكرة. والاستفادة من المؤثر الخارجي تتحدد في الأخير وفق مستوى الانفتاح على التعلم والاستفادة من هذه الخبرات. وشدد على ضرورة تناول مسائل الثقافة والسلوك العامّ بحذر؛ فلا يجوز لنا أن نلوم مواطنين على عدم الامتثال، في حين يتسم الوضع السياسي بغياب الحكم الصالح وحكم القانون. وعقد المقارنات مع الدول الغربية في هذا المنحى يضع إشكالً مضافًا، ذلك لأنّه فضلً عن طبيعة الحكم المتسم بالديمقراطية، فإن سلوك الناس هناك مرسوم بحد القانون، ويسنده ما يمكن تسميته بقانون غير رسمي، يجعل سلوك المواطن خاضعًا لمراجعة أقرانه من المواطنين الآخرين. وعلينا تقدير مقتضيات الالتزام بإجراء احترازي كالبقاء في المنازل في الأحوال التي يكون فيها الوضع المعيشي لقطاعات كبيرة من المجتمع معوقًا تمامًا لمثل هذا الطلب. وأضاف شلباية أنه لا ينبغي أن نعوّل على الوعي فحسب، متوهمين أن الناس سيقومون بالخطوات اللازمة من تلقاء أنفسهم عند معرفتهم بالمخاطر، ولو كانت الحال هكذا لما وُجدت حكومات ولا فُرض قانون.

سياسات مواجهة الجائحة يف البلدان العربية: التقارب والتباين

في إطار الإجابة عن التساؤل حول التباين في سياسات الاستجابة التي تبنتها البلدان العربية في مواجهة كوفيد- 19، أكدت حنان عبد الرحيم أن تقييم السياسات ليس سهلً في ظل وضع بالغ الديناميكية؛ وما يظهر أنّه ملائم في مرحلة معيّنة قد لا يكون ملائمًا في مرحلة تليها. ليس لدينا "سياسة ذهبية" تصلح لجميع السياقات ولجميع مراحل الجائحة. وتبين تواريخ

أستاذ الإدارة العامة بمعهد الدوحة للدراسات العليا ومدير تحرير حِكامة. Assistant Professor, Public Administration Department, Doha Institute for Graduate Studies and Managing Editor, Hikama.

الحالات الأولى المبلَّغ عنها أن الحكومات في منطقتنا العربية علمت بظهور المرض في متسع من الوقت يقدّر بشهر تقريبًا، وذلك في كانون الثاني/ يناير 2020، قبل الإبلاغ عن الحالة الأولى عربيًا، في أواسط شباط/ فبراير وآخره. وارتفع معدل الإصابات المرصودة في الدول العربية بشكل متزايد من شباط/ فبراير إلى نيسان/ أبريل. تضع البيانات المملكة العربية السعودية في القمّة عربيًا من حيث عدد الحالات، كم تبين أن قطر ومصر والعراق وسلطنة عُمن في أوضاع متقدمة على هذه اللائحة. ونجد سورية واليمن في أسفلها، ويرجع ذلك إلى محدودية القدرة على الإبلاغ والاكتشاف. وتكشف البيانات حول الإصابة عن نمط واضح ومتوقع جدًا؛ فدول مجلس التعاون، وهي الأولى من حيث الناتج المحلّ الإجملي والأولى من حيث الإصابات المؤكدة بفيروس كوفيد- 19، تلتها المغرب ودول المشرق العربي، ومن بعدها اليمن وسورية. وفق هذا النمط البياني يمكن تخمين السبب، وترجح عبد الرحيم أنه متصل بالقدرة على إجراء الفحوصات. ففي دول مجلس التعاون أجري أكبر عدد من الفحوصات بالنسبة إلى كلّ مليون من السكّان، على نحوٍ لا يقارن بما أجري في بلدان المجموعتين الأخريين. وأشارت حنان عبد الرحيم أيضًا إلى "نظام تتبّع الردود الحكومية" Tracker Response Government، التابع لجامعة أكسفورد، الذي يرصد القيود المطبقة سواء في أماكن العمل، أو في المدارس أو فيم يتعلق بالتنقل والسفر. استنادًا إلى بياناته، نجد أن أبرز الاستجابات العربية قد اهتمت بالحد من التنقّل، وأن الجدل مستمر في بعض الدول حول خيار الإغلاق الجزئي في مقابل حظر تجوّل شامل والتزام المنازل. وأكدت أيضًا أن هناك تباينات في الإجراءات المتعلقة بالتنقّل بين البلدان العربية لكن تظل في العموم متقاربة نسبيًا. وأضافت أنها قد عاينت عشوائيًا مؤشر صرامة الردود الحكومية Government Response Stringency Index في 15 آذار/ مارس، و 15 نيسان/ أبريل و 15 أيار/ مايو، لتجد أنه بحلول 15 آذار/ مارس، حين كانت غالبية الدول العربية قد أبلغت عن أولى حالاتها، آثرت بعضها فرض إجراءات صارمة منذ البداية واستمرت فيها. ففي العراق والكويت مثلً، نجد أنّ الإجراءات كانت صارمة جدًا منذ البداية وهي لا تزال كذلك. ويبين التغيّ النسبي بين 15 آذار/ مارس و 15 أيار/ مايو أن الدول التي لم تتبنّ مسلكًا متشددًا للإغلاق كان عليها في النهاية أن تضاعف من إجراءات الإغلاق، وغدت غالبيتها متشددة بعدما كانت متساهلة. تبرز عربيًا حالة الأردن، التي بلغت أقصى حد في مؤشر صرامة الإجراءات الحكومية المتخذة لمجابهة الجائحة (أي 100 درجة). وحتى في حالة دول، مثل قطر، لم يصل الأمر فيها إلى حدّ فرض إغلاق كامل، فضلت الحكومة الاقتصار على إرشاد الناس إلى ضرورة لزوم المنازل. في السياق نفسه، جرى إغلاق شبه كامل للمؤسّسات التجارية غير الأساسية فضلً عن المرافق الترفيهية، وألغيت تجمعات المناسبات العامّة، وفي المقابل، أجازت الحكومات فتح الصيدليات ومرافق الرعاية الصحّية والمؤسّسات التي أبقت أبوابها مفتوحة. وتظهر التقارير المستقاة من مصادر

تم جمع البيانات الخاصة بالفحوصات وترتيبها من مصادر رسمية عبر موقع Data in World Our، في: https://bit.ly/3lmFLeU "Government Response Tracker," Blavatnik School of Gevernemnt & University of Oxford, March 2020 - December 2020,

accessed on 1/9/2020, at: https://bit.ly/2YSpMf3 7 Ibid.

إلكترونية ترصد حركة الناس أنهم قد التزموا بالبقاء في منازلهم غالبًا ولمدّةٍ طويلة، وهو ما قلّل الحركة في المجال العام فعلً. كم أنّ جميع الدول العربية أغلقت مدارسها وجامعاتها، وقلّصت ساعات العمل في المدن، وشجّعت على العمل من المنزل. واتبعت البلدان العربية فرض القيود الصارمة على السفر الدولي، بل اختار بعضها فرض القيود على السفر الداخلي خصوصًا البلدان العربية ذات الكثافة السكانية الكبيرة. ورأينا قيودًا على السفر إلى المناطق الداخلية التي شهدت نسب إصابة عالية، وكان هذا أحد الإجراءات الأشد فاعلية. استطاعت الحكومات فعل كل ذلك، ونجحت في فرض إجراءات بالغة الصرامة، وصل بعضها حدّ إعلان حالة الطوارئ. نبّهت حنان عبد الرحيم إلى ضرورة أن نراجع قناعاتنا بخصوص دور التكنولوجيا. فهي عامل تجدر مراقبته عن كثب، وله صلة وثيقة بالموارد. عامل التكنولوجيا يتجلّ أثره في الخليج بوجه خاصّ، ولا مجال لنفي أثره أيضًا في دول أخرى. لكن كان لافتًا تبنّي بلدان الخليج تقديم خدمات الرعاية الصحّية عن بعد Tele-Health، وظهور تطبيقات لمراقبة انتشار المرض من خلال تتبع حركة المواطنين عبر أجهزة المحمول، وفي البحرين والأردن على سبيل المثال أعلنوا عن استخدان شرائط معصمية للتأكّد من امتثال الناس للحجر. وأضافت ملاحظة تتعلق باستراتيجية إجراء الفحوصات؛ فهي من أصعب المعلومات التي يمكن استخلاصها من المصادر المتاحة والتي قدمت بعضها هنا. لا شك في أن عدد الفحوصات التي تجريها الدول عامل مهم في التعامل مع الجائحة، لكنّ استراتيجيات إجرائها (نوعية الفحوصات، وأين تجرى؟ وكيف؟ وعلى مَن تُجرى؟) تظل هي الأهم، ذلك لأنّ الاستراتيجية المثلى لإجراء الفحوصات تختلف من مرحلة إلى أخرى من مراحل الجائحة. هذا هو التحليل الذي يجب إجراؤه. والملاحظ أن سياسات إجراء الفحوصات تتفاوت بشدّة بين الدول؛ لدينا أربع دول عربية على الأقلّ تُجري فحوصات عامّة ومتاحة للجميع Testing Public and Open، وهي نافعة جدًا. والسؤال المطروح هو: إلى أي حدّ تواءمت التقييمت الدولية لقدرة الحكومات على التعامل مع الطوارئ الصحية، مع ما اتُخذ بالفعل من إجراءات، وما نتج في الواقع مع تفشي الجائحة؟ يمكن تفهّم ما قامت به بعض الدول العربية، حينم خشيت ألّ تتحمل نظمها الصحّية عبء تفشي الوباء، من توجهها صوب اتخاذ تدابير متشددة تجنبها التبعات المأساوية، وتقيها مشهد عجز المصابين عن الحصول على الخدمة الطبية. وقد يطرح سؤال مضاف عن دور التعاون الإقليمي في مواجهة تحدي كوفيد- 19، تنبه عبد الرحيم أن هذا التعاون لا يزال يبدو محدودًا جدًا. ربما عُقدت بعض الاجتمعات، لكن لا تظهر فاعلية بالنسبة إلى تبادل المساعدة الفنّية والخبرات التقنية عربيًا. أثارت مداخلة حنان عبد الرحيم عدة تعليقات، بدأت بملاحظة ميلود قدّار عن الاستراتيجيات المطبّقة في العالم العربي، إذ تبدو إجراءات شائعة ولا تختلف عم توصي به منظّمة الصحّة العالمية وغيرها من الهيئات المختصة

أشارت حنان عبد الرحيم إلى تقارير غوغل عن النشاطات الحركية للمجتمع والتي تتيح معرفة ما إذا كان الناس قد قلّصوا تحرّكاتهم بالفعل أم لا، وفي أيّ القطاعات حدث التقلص. ينظر: Paresh Dave, "Google Data Shines Light on Whether Coronavirus Lockdowns Worldwide Are Working," Reuters , 3/4/2020, accessed

on 26/8/2020, at: https://reut.rs/3hrBLr0 Rachel McArthur, "Bahrain Launches Electronic Bracelets to keep Track Of Active COVID- 19," Mobi Health News , 8/4/2020,

accessed on 26/8/2020, at: https://bit.ly/34ztm16

بمكافحة الأوبئة. لكنّ أحد بواعث القلق يتصل بمدى تطبيق ما اتفقت الحكومات عليه. والتحدي إذًا هو قدرة الباحثين على رصد مستوى التطبيق الفعلي للإجراءات وتقييمه، لكي نتبين تلك الفجوة. وثمة سؤال آخر يطرح نفسه يتعلق بتصميم هذه السياسات وتنفيذها، وكيف انبثقت الإجراءات، سواء تلك التي تأتي قراراتها من أعلى أو عبر مشاركة مجموعات متنوّعة، ودوائر علمية، ومنظمت المجتمع المدني، والسلطات المحلّية. وطُرح تساؤل مُلحّ آخر عن السياسات المالية والحزم الاقتصادية الرامية إلى تخفيف تأثيرات كوفيد 19- السلبية. أعلنت عدة دول عربية عن سياسات تستهدف مساندة القطاع غير الرسمي ودعم الأشخاص الذين يعانون أوضاعًا صعبة في الجزائر على سبيل المثال. لو كان في مستطاع هذه السياسات أن تضمن لهم نصف دخولهم، فالأرجح أنهم سيُبدون استعدادًا أكبر للالتزام بالقيود. وفي غياب بدائل حقيقية للدخل هل يُعقل أن يطلب من الأشخاص لزوم منازلهم؟ كيف سيعيشون من دون أي عائد؟ تساءل قدّار مضيفًا في هذه الحال، لن يقع التزام بأي إجراءات للغلق. إن إضافة بعض الإجراءات الاقتصادية والمالية تمثل دعمً مؤثرًا للسياسات الوطنية، وهو تدخل يحتاج إلى مزيد من الاعتناء البحثي عربيًا. طرح رمسيس أبو النجا، ملاحظة حول عامل وجود قطاع غير رسمي في البلدان محل الدراسة. تبدو بعض السياسات الجاهزة لمواجهة كوفيد 19- فاعلة في أماكن دون أخرى. بعضها صيغ كحزم جاهزة لبلداننا العربية، وتم تبنّيها من دون مراعاة معطيات السياق والظروف التي تعيشها هذه البلدان. من منظور مقارن، نلمس من حالة الدول الأفريقية التي يتبوأ فيها قطاع الزراعة مكانة متقدمة بين القطاعات الإنتاجية، بعض الفرق. فعلى المزارع أن يزرع ويحصد في مواقيت ومواسم محددة، فكيف يُفترَض به أن يلتزم بإجراءات الإغلاق؟ لا يبدو أن أيًا من الإجراءات التي تتداول عربيًا مطبقًا حقًا على القطاع غير الرسمي. فهل حقا تتجاهل الحكومات العربية القطاعات غير الرسمية بالكامل أم أن ليس لديها من الأصل أدنى فكرة عن طريقة كسب الناس لقمة عيشهم في هذه القطاعات؟ وعلق أبو النجا على ما يتصل بدور التكنولوجيا وإمكانية توظيفها في المناطق الريفية في الدول الأفريقية، حيث إن بعضها يقلّ فيه مستوى تغطية شبكة الطاقة الكهربائية إلى حدود دنيا على سبيل المثال، ويحرم قطاع كبير من السكان منها. وفي سياق الحرمان من الطاقة هذا، ما جدوى التدابير التي تعوّل على التكنولوجيا؟ وتساءل، هل لهذه التدابير نفع في البلدان العربية الأشد فقرًا؛ في الصومال أو في موريتانيا أو في جزر القمر؟ إن علينا إعادة التفكير في سياسات تلائم بيئاتنا وظروفنا. وأشار عوض مطرية إلى مسألة المؤشّات المختلفة التي جرى تقييمها ومعايرتها في السابق، لجهة القدرات في مجال تأهّب الدول لحالات الطوارئ. وأوضح أن البلدان المختلفة تعدّ تقارير عن اللوائح الصحّية الدولية المطبّقة، وعن القدرات المختلفة. ومن خبرات ماضية في التعامل مع الأوبئة، منها تجربة إيبولا، بل قبل ذلك، كانت الدول تعلن بيانات غير دقيقة، ليس المراد أنّها غير صادقة في تبليغاتها، ولكنّها لم تكن بالقدر اللازم والنافع. ونبّه إلى أنّ بعض البلدان لا تتعامل بجدّية مع التوصيات التي تضمنتها خطط العمل الوطنية للأمن الصحّي. فقد أعدّت منظّمة الصحّة العالمية منذ بدء الجائحة ما بات يُعرف بالتأهّب الاستراتيجي وخطّة الاستجابة. ووفقًا لهذا الإطار، تطوّر البلدان المختلفة خطط استجابة خاصّة بها، تبين الخطوات الضرورية التي يتعين تبنّيها خلال المواجهة، وتكلفتها المالية. إن اللوائح الصحية المطبقة لدى دولة ما ليست مقياسًا لاستعداد هذه الدولة لمواجهة الجائحة، لأن دقة مؤشرات قياس جاهزية النظام الصحي تتحسن عند النظر إلى المكونات الفرعية للتدابير الأمنية على المستوى الدقيق وليس العام. ويبرز من بين عناصر هذا الإطار التواصل وإشراك المجتمع، فهو ركيزة رئيسة ومحورية في الاستجابة.

وأشارت حنان عبد الرحيم في ردها على سؤال ميلود قدار، حول الاستراتيجيات المشتركة، قائلة: أعتقد أنّ التحقّق من بعضها أيسر من البعض الآخر. لذلك، هناك مثلً رصد الاستجابات الحكومية، أو نظام أكسفورد لرصد الاستجابات الحكومية. تدرس هذه القواعد البيانية ما يصدر عن البلدان المختلفة في صورة مدخلات متنوّعة، تظهر للبلدان وضعها على ذلك المؤشّ. في هذا الصدد، ثمة إجراءات يسهل التحقّق منها، كإغلاق المدارس والمؤسّسات. لكن في المقابل قد يصعب قياس إجراءات أخرى. ثمة فارق بين ما اتُّفق على أنّه أفضل الممرسات وما يجري تطبيقه في الواقع. لكن لدينا بعض الأدوات.

الاستعداد لحالة الطوارئ الصحية: ما الصورة على الصعيد العربي؟

قدمت مروة فرج مداخلتها حول الجاهزية ومدى التأهّب العامّ لحالات الطوارئ في المنطقة العربية، وتساءلت في البداية هل ثمة تباينات كبيرة بين بلدانها؟ تطرقت في البدء إلى مسألة الاستعداد لحالات الطوارئ في الحالات الوبائية، مُعربة عن اعتقادها بأن الجاهزية والتأهب لهم كبير الأثر في تقرير فاعلية الاستجابة. وبادرت بطرح الإشكال التالي: ما معنى أن تكون جاهزًا أو متأهبًا لمواجهة تهديد صحي ضخم بحجم جائحة كوفيد- 19؟ وما مدى استعداد البلدان العربية المختلفة بناءً على ما هو متاح بأيدينا من بيانات؟ بينت فرج أن الجاهزية والتأهّب لمواجهة الأوبئة يفترضان ابتداءً أن الحكومات تعي إمكانية حصول الوباء، من ثم تخصص استثمرات في وقت مبكر لأجل هذه المواجهة. ومن ذلك، الاستثمر في النظام الصحّي، وهو أولوية بالطبع. والاستعانة بنظم محاكاة الأوبئة، أو ما سمّه بيل غيتس "ألعاب الجراثيم لا ألعاب الحروب". المقصد من إعداد نظام للاستجابة والاستثمر فيه هو تهيئة الظروف للمواجهة حين تحين لحظة الخطر، ربما هذا ما عناه غيتس عندما شبّه الأمر بالتأهّب للحرب. هل كنا على استعداد على الصعيد العالمي؟ تقول فرج إنّ الإجابة السريعة هي لا، وتظهرها جملة من تصريحات الخبراء في الأوبئة والعاملين في الصحّة العامّة، إذ يكاد هؤلاء أن يجمعوا على غياب الاستعداد، وأنه ما من دولة في العالم تمتعت به. البلدان التي مرت بمواجهة وباء سارس مؤخرًا، ككوريا الجنوبية وهونغ كونغ وتايوان، تبدو أكثر تأهّبًا من البلدان الأخرى. وفي مقابلة شوهدت 36 مليون مرّة، أطلق بيل غيتس في عام 2015 تحذيرًا نبّه فيه إلى احتمل وقوع تهديد يشابه ما نعايشه الآن مع كوفيد- 19. وعندما سئل لاحقًا عن رأيه في مدى استعدادنا لجائحة أو وباء كهذا، أجاب غيتس بأنّ ما طُبّق أقلّ من 5 في المئة ممّ كان جديرًا بأن ننجزه. وشددت فرج على أن الصورة على مستوى المنطقة العربية ليست أفضل حالً، وأننا لم نكن مستعدّين كحال بقيّة العالم. بات وصف "البجعة السوداء" ينطبق على كوفيد - 19. فالأخصائيون في الأوبئة دأبوا على التحذير من مثل هذا الوباء منذ زمن بعيد، لكن بقي الأمر كم لو أنّه غير متصور الحدوث بالضبط كظهور بجعة سوداء. فإذا ما كان الأخصّائيون في

Jay Greene, "The Billionaire Who Cried Pandemic," The Washington Post , 2/5/2020, accessed on 24/8/2020, at: https://wapo.st/3jltLZj Michael Wayland, "Bill Gates Calls Coronavirus Pandemic a 'Nightmare Scenario,' But Predicts Lower Death Toll Than Trump,"

CNBC , 5/4/2020, accessed on 24/8/2020, at: https://cnb.cx/2G0W94w المقصود أننا لا نصدق أي حديث عن بجعة لونها أسود، ولا نتصور وجودها، إلى أن تظهر. هذه استعارة نقلت من موقع Conversation The وهي من الأصل صاغها نسيم طالب، عالم الرياضيات الأميركي من أصل لبناني، لتدلل على عامل تأثير كان قبل ظهوره غير متخيل، وعند حدوثه ينتج أثرًا كبيرًا جدًا. Neil Pyper, "Coronavirus: Could The World Have Prepared Better for a Pandemic?," The Conversation , 24/3/2020, accessed on 25/8/2020,

at: https://bit.ly/3515vYg

الأوبئة حذّرونا منذ زمن بعيد، لإمكان حدوث هذا الأمر وبهذه الكيفية، لماذا ساد الإنكار وتم تجاهل هذه التحذيرات؟ تلخصت الأسباب فيم لي بحسب ما طرحه كريس تايلور وبيتر جلوكمن: أولها أن صانعي القرار لم يصدّقوا إمكانية وقوع أمرٍ بهذا الحجم وبهذه الطريقة، وظنوا أنّه مرتبط بإرث من الذاكرة يتعلق بالإنفلونزا الإسبانية؛ وثانيها يتعلق بالمبالغة في تصوير تأثير أوبئة سابقة مثل متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد SARS وإنفلونزا الطيور، وتبين لاحقًا أن ما حصل على أرض الواقع قد جاء أقل مم حملته التنبؤات. وهو ما جعل الحكومات تنحو لتوهّم أنها آمنة من هذه السيناريوهات؛ وثالثها متعلق بطبيعة تفكير السياسيين وأن اهتمماتهم تركز على الأجل القصير أكثر؛ وأخيرها، أمر ثقافي يتعلق بأن احتفاء الناس يتجه عمومًا إلى العاملين على حلّ المشكلات بعد وقوعها لا إلى من يعمل لأجل تلافيها. وأضافت فرج أن الدول الوحيدة التي ثبت أنّها تحرّكت سريعًا وتأهّبت على نحو أفضل هي الدول التي عانت فيروس سارس مؤخرًا، لأنّه صار لديها فكرة عمّ يجب فعله لاحقًا، فتحرّكت بسرعة وعبّأت مواردها. والظاهر أنّ هذا ما تؤكّده على نحو متزايد التقارير المنشورة. يُظهر مؤشّ "الأمن الصحّي العالمي" Index Security Health Global، تناقضًا صارخًا بين تصنيفات المؤشر وما حصل في الواقع؛ فالبلدان التي عانت حصيلة للوفيات عالية جدًا هي ذاتها التي احتلّت أعلى المراتب في هذا المؤشّ. يتصل هذا السؤال بمدى فاعلية طريقة قياسنا للجاهزية والتأهّب. بينم جاءت على العكس من ذلك تقييمت "مؤشّ السلامة من كوفيد- 19"، والذي طرحته "مجموعة المعرفة العميقة" Group Knowledge Deep حيث بدت تقييمته أقرب إلى المنطق، إذْ وضع ألمانيا وكوريا الجنوبية في مرتبة متقدمة جدًا. ومن المهمّ أن نشير إلى عدم وجود ارتباط إحصائي بين نتائج المؤشَّين. وبينت فرج أنها باتت تشكك في جدوى المؤشّات على قياس التأهّب لحالات الطوارئ، ليس بسبب تعقيدها فحسب، وأنها تحوي مئات الافتراضات المدرَجة في النمذج، وإنما كذلك لتجاهلها المطلق الطبيعة السياسية الجوهرية لصنع القرارات الحكومية. فالبادي أن التصدّي لجائحة مثل كوفيد- 19 في أيّ دولة، يعتمد على طبيعة الجهة التي في السلطة وتوجهات الحزب الحاكم وحتى على المواسم الانتخابية، بمثل ما يعتمد على عوامل فنّية. بالنسبة إلى العالم العربي، لم تختلف الحال عن بقية العالم. ويمكن الزعم أن البلدان العربية التي تتمتع بموارد جيدة ونظام صحي أفضل، ستكون أكثر جاهزية للتعامل مع تحديات مواجهة كوفيد- 19. وتبرز هنا حالة دول مجلس التعاون؛ فالإمارات العربية المتّحدة والكويت وقطر وعُمن من بين الأربعين دولة الأُوَل بحسب مؤشّ السلامة من كوفيد- 19، لكنها جميعًا لا تظهر على مؤشّ الأمن الصحّي العالمي، فضلً عن أيّ دولة عربية أخرى. أما إذا اعتمدنا مؤشر عدد الوفيات لكلّ مليون شخص، فستظهر نتائج مناقضة. سنجد أن دول مجلس التعاون على رأس سائر

Chris Tyler & Peter Gluckman, "Coronavirus: Governments Knew a Pandemic Was a Threat – Here's Why They Weren't Better

Prepared," The Conversation , 28/4/2020, accessed on 25/8/2020, at: https://bit.ly/32tBj5b Emma Graham-Harrison, "Experience of Sars a Key Factor in Countries' Response to Coronavirus," The Guardian , 15/3/2020,

accessed on 25/8/2020, at: https://bit.ly/2YD82nI Global Health Security Index, accessed on 31/8/2020, at: https://www.ghsindex.org/ اتّحاد منظّمات ربحية وغير ربحية ينشط في مجال التكنولوجيا والتقانة والبحث العلمي والاستثمار وريادة الأعمال والإعلام وغيرها، ينظر: https://bit.ly/3aVGLSo

الدول العربية؛ حيث الكويت في القمّة بحصيلة وفيات بلغت 93 لكلّ مليون شخص، ويليها العراق والمملكة العربية السعودية والبحرين. أما دول شمل أفريقيا فتحتل مراتب وسطى، في حين تقبع الدول المتأثّرة بالصراعات في أسفل القائمة. وترى فرج أنه يجدر الانتباه إلى أنه بالنسبة إلى هذه الدول الأخيرة فإن البيانات تظل محلّ شكّ والراجح أنّها لا تعكس الواقع. لكن يظهر أنّ حصيلة الوفيات لكلّ مليون في دول مثل المغرب (7 وفيات لكلّ مليون شخص) والأردن (1 في المليون) وتونس (4 في المليون) أدنى بكثير من تلك المسجَّلة في دول مجلس التعاون. شددت فرج قائلة علينا ألّ نتعجل تقييم الاستجابات، منبهةً إلى أنّ إجراءات الإغلاق الصارمة المعتمدة في دول كالأردن وتونس ليست مستدامة على المدى البعيد، ولا نعرف ما ستتمخض عنه من نتائج عند انتهاء الجائحة. إلا أنه من الإنصاف القول إنّ النظم الصحّية في بلدان مجلس التعاون بدت أكثر استعدادًا لامتصاص الصدمات، وأسرع في اكتشاف المناطق الموبوءة وعزلها. وقد يعود الأمر إلى استخدام هذه البلدان تكنولوجيات متطوّرة. وأكد أحمد شلباية، في تعليقه على مداخلة مروة فرج، أن السؤال الذي يلح علينا نحن العرب هو: لِمَ لم نكن متأهّبين في أوضاع معيّنة مقارنة بالآخرين؟ في بلدان كثيرة حول العالم يستجيب السياسيون لحقيقة أنّهم موضع مساءلة العامّة، وربّا تلوح عربيًا فرصة للدفع بهذا الأمر الآن. صحيح، أقرّت غالبية الدول العربية بأنّ الجائحة تهدد أمنها وأمن المنطقة بالعموم. لكن لم نشهد أيّ تنسيق فيم بينها. وبخلاف دور واضح لمنظّمة الصحّة العالمية، لم يكن مفاجئًا تلاشي أيّ دور لجامعة الدول العربية. وأشار رمسيس أبو النجا إلى أن الحكومات كانت تعي أن الجائحة قادمة على الطريق، هذا رغم صحة أن هذا الخطر لم يكن ماثلً في الوعي الجمعي. كانت قضية التأهب للمواجهة مطروحة بالتأكيد على جدول أعمل منظمت الصحة العامة في أوروبا. بل أجرت بلدان أوروبية اختبارات قبل سنوات لمعرفة ما إذا كان في إمكانها التعامل مع جائحة مثل جائحة فيروس كوفيد- 19. والحقيقة أن بلدانها قد أخفقت في غالبها في هذا الاختبار. لذلك شكّل عدم التركيز على الاستعداد خيارًا بالفعل، وهي مسألة يجب وضعها في سياق تراجع دور الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا، وتنامي الاهتمم بالقطاع الخاص مقابل الاستثمر في المنافع العامة، وما يتصل بذلك من انخفاض الضرائب، وتقليص حجم بيروقراطية الدولة، وسخرية السياسيين من القطاع العام، على الأقل في الدول التي ينتخب فيها السياسيون ويخضعون للمساءلة. وأعرب أبو النجا عن اعتقاده أن ما قمنا به في العالم العربي هو مجرّد محاولة للحاق بالركب في حين لم نفعل الكثير في الواقع، لأن الآخرين لم يفعلوا الكثير. وتساءل: ألا نميل إلى تبني الفكرة القائلة بأن كل ما يأتي من واشنطن هو الأفضل وما علينا سوى اللحاق به؟ أشار مطرية إلى أدبيات اقتصاديات الصحة، وعلى وجه الخصوص ما نجده في تخصّص فرعي في هذا الحقل هو "اقتصاديات الوقاية". وقال إن الدرس الجديد الذي تعلمناه من جائحة كوفيد- 19 هو أهمية وجود حكومات قوية وتوافر تمويل جيد للسياسات العامة وأذرع تنفيذها. ثمة أمور لا مجال لتصور توفير تمويلها من خارج القطاع الحكومي.

هذه البيانات مستخلصة من موقع وورلدميتر Worldometer في 14 تموز/ يوليو 2020، شوهد في 2020/8/31، في: https://bit.ly/2EzSTfG. من أجل التحقق من دقة أعداد الوفيات المبلَّغ عنها في هذه البلدان، يمكن للمقارنة بين معدل الوفيات في الوقت نفسه من السنوات الماضية تبيان إذا ما تخطى معدل الوفيات لهذا العام نظيره في السنوات السابقة، والذي يمكن في مثل هذه الحال أن يُعزى إلى تفشي فيروس كوفيد-.19

أما ميلود قدّار فقد نبه في تعليقه إلى ضرورة ألّ نتصور أن الحكومات في بلداننا العربية ستولي، كنتيجة مباشرة لجائحة كوفيد- 19، الصحة العامة مزيدًا من الاهتمم وتبادر إلى الاستعداد لموجات وبائية قد تأتي في المستقبل. لا توجد مؤشرات تفيد بذلك. وأشار قدّار إلى ما يفيد العكس، حيث يمكن رصد ضغوط تمارسها قوى تحاول التأثير في هذا المنحى، بأن تحيل الرهان فحسب على قدرة التكنولوجيا على حل المشكلة. ويتكرر الجدل حول الحاجة فقط إلى مزيد من أجهزة التنفس الاصطناعي أو المزيد من المستشفيات أو تبني تقنيات أشد تعقيدًا، لكنهم لا يذكرون التأهب والاستعداد أو علم الأوبئة أو المسح أو استخدام البيانات لاتخاذ القرارات. هذه أمور مسكوت عنها. رغم ذلك، يضيف قدّار اعتقاده بأن الفترة القادمة ستكون بذاتها فرصة لنا كي نسعى بجدية لرفع الوعي وإقناع أغلبية الناس بضرورة التغيير، وأن التغيير الجذري سيكون في الطريقة التي ننظر بها إلى الصحة العامة ضمن النظام الصحي والمجتمع. وتطرقت حنان عبد الرحيم إلى الطرح المتعلق ب "الحكومة القوية"، مشككة في جدوى هذا المفهوم، إذ يقع الالتباس بين مفهوم الحكومة القوية والحكومة التدخّلية أو القمعية. ولسوء الحظ، فإن هذه هي الطريقة التي ينظر بها إلى الحكومة على أنها قوية. وتساءلت: ما الذي يمكن عمله من أجل تطوير المؤشرات لتناسب سياقاتٍ وظروفًا مختلفة، ولتستوعب الفوارق بين المجتمعات المختلفة؟ هل في مقدورنا استغلال هذه الفرصة للمطالبة بمراجعة بنية المؤشرات كي تأخذ في الاعتبار السياقات المحلية بشكل أفضل؟ تشدد عبد الرحيم على ضرورة التفاؤل، فتدابير الصحة العامة هي في الواقع ما أنقذ هذه المنطقة، ولا سيم أن أغلبية البلدان في المنطقة ظلت تفتقر قبل هذه الجائحة إلى قدرات طبية تؤهلها لمواجهة هذا الوباء، وتدابير الصحة العامة وحدها أسعفت بلدان المنطقة، حتى وإن لم تكن استجابتها مثالية. لقد كُشفت فجوات عديدة، من بينها قضايا مثل أنظمة الرصد الصحي ودور العلوم الاجتمعية والسلوكية في فهم السلوكيات الصحية والتأثير فيها. وأضافت أن الدرس الذي تعملّناه يجب ألّ يذهب طي النسيان؛ لكن السؤال المطروح هو: ما الطريقة أو الآلية الصحيحة لتوثيق هذه التجربة وللتأكد من عدم تهميش دور الصحة العامة مستقبلً؟ اتفقت مروة فرج مع ما طرحه شلباية بشأن حدود تمكن الحكومات من قيادة جهود التصدّي، فالأمر موقوف كم ذكرت حنان عبد الرحيم على أن تنجح في إشراك جميع القطاعات الأخرى والمجتمع المدني وعموم المواطنين في هذه المهمة. وقدمت فرج طرحًا مفاده أن الحكومة تتأثر قراراتها بالدورات الانتخابية القصيرة، وعادة ما تعمد الحكومات إلى التصدّي للقضايا الأكثر إلحاحًا، مفترضة أن حصولها مرجّح.

خصائص الاستجابة الفاعلة يف المنطقة العربية: أي الدول كان أداؤها أفضل؟ ولماذا؟

قدّم محمد أبو زينة عرضًا لدراسة حول تقييم خصائص الاستجابة الفاعلة في المنطقة العربية لجائحة فيروس كوفيد- 19 أعده بالتشارك مع الدكتورة سميرة عواودة. وأشار أبو زينة إلى حقيقة نقص الأدلة التجريبية بشأن ماهية خصائص الاستجابة الفاعلة لجائحة فيروس كوفيد- 19 حيث لا يزال هناك نقص في المعطيات حول هذه الخصائص. من ثم، فإن تقييم قدرات النظم الصحية هو مجرد محاولة أولية بهدف استطلاع مدى قدرة أنظمة الصحة في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، على مواجهة الجائحة الحالية. وقد اعتمدت الدراسة على مؤشرَيْن تم اقتراحهم

18 Tyler & Gluckman.

سابقًا لقياس مدى قدرة أنظمة الصحة على اقتفاء أثر الأمراض المعدية وسبل مواجهتها. المؤشر الأول هو مؤشر) 2018(الذي وضعته منظمة الصحة العالمية State Party Self-Assessment Annual Reporting; SPAR بهدف تقييم مدى التزام البلدان بلوائح الصحة العالمية. أما المؤشر الثاني فهو مؤشر قابلية الإصابة بالأمراض المعدية Infectious Disease Vulnerability Index; IDVI، ويقيس مدى قدرة البلدان على احتواء الأمراض المعدية بناء على جملة من العوامل الديموغرافية والصحية والسياسية والاقتصادية التي قد تؤثر في انتشار الأمراض المعدية. تراوح هذه المؤشرات بين صفر ومئة، وتشير المئة إلى القدرة القصوى للنظام الصحي والقابلية الأدنى للإصابة بالأمراض المعدية. في دول منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا منذ الأول من أيار/ مايو 2020 (زمن إجراء هذه الدراسة)، بلغ العدد الإجملي للإصابة المؤكدة بفيروس كورونا 213045، بينم بلغ إجملي عدد الوفيات 4907. على الرغم من أن أغلبية الإصابات المؤكدة (69 في المئة) والوفيات (84 في المئة) تتركز في تركيا وإيران، فإن معدلات الوفيات لا تزال منخفضة نسبيًا في هذين البلدين (2.6 في المئة و 6.4 في المئة على التوالي) مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة (مثل الجزائر 11.2 في المئة، ومصر 7.1 في المئة). وتشير البيانات المتوافرة في البلدان المتقدّمة إلى أن نسبة الوفاة بين الحالات المصابة بفيروس كوفيد- 19 تعتمد إلى حد بعيد على البنية الديموغرافية للسكان، مع تركيز أكثر من 80 في المئة من الوفيات بين كبار السن. وعلى الرغم من أن البيانات المصنّفة بحسب العمر غير متوافرة حتى الآن في دول الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، فإن البيانات المعلنة تشير إلى اتجاهات ممثلة: إذ، باستثناء تركيا، يبدو أن الوفيات الناجمة عن الإصابة بفيروس كوفيد- 19 هي أعلى في البلدان التي تتمتع بنسبة أعلى من المسنيّن، ومع ذلك، قد تفسّ عوامل أخرى التباينات التي جرى رصدها في عدد حالات الإصابة بالفيروس والوفيات الناجمة عنها. وقد ترتبط هذه الاختلافات بقدرة النظم الصحية في حد ذاتها على التعامل مع الأمراض المعدية. وتوضح نتائج الدراسة أن البلدان التي شهدت معدلً أكبر للإصابة بفيروس كورونا تتمتع بأنظمة صحية ذات أداء أفضل، بالخصوص من حيث القدرة على الكشف والتشخيص والعلاج. في المقابل، فإن معدلات الوفيات المرتبطة بالفيروس كانت أكبر في البلدان التي لا تتمتع بأنظمة صحية كفؤة وفق مؤشر قابلية الإصابة بالأمراض المعدية. وعندما يجري التركيز على العوامل المرتبطة بأداء أنظمة الصحة على وجه التحديد، يظهر أن البلدان التي تملك نظمً صحية متوسطة الأداء إلى ضعيفة قد شهدت معدلات وفيات أعلى (على سبيل المثال، الجزائر ومصر). الأمر الذي يشير إلى القابلية الشديدة للإصابة بالأمراض المعدية. وفي المقابل، تميل البلدان التي لديها نظم صحية أفضل (مثل قطر) إلى تسجيل عدد كبير من الإصابات، على نحو يدل على قدرةٍ عالية لهذه الأنظمة الصحية على الكشف والاختبار مقارنة بالبلدان الأخرى.

"Strengthening Health Security by Implementing the International Health Regulations (2005): SPAR (State Party self-assessment

annual reporting tool), International Health Regulations (‎2005)," World Health Organization, 2018, accessed on 1/9/2020, at:

https://bit.ly/3gNFNce Melinda Moore et al., "Identifying Future Disease Hot Spots: IDVI Infectious Disease Vulnerability Index," RAND Corporation,

2016, accessed on 1/9/2020, at: https://bit.ly/3lyBG7o بحسب بيانات وورلدميتر Worldometer المستخلَصة في أيار/ مايو 2020، شوهد في 2020/8/31، في: https://bit.ly/2EzSTfG

وأشار أبو زينة إلى ضرورة تعزيز قدرات أنظمة الصحة على إجراء الاختبارات واسعة النطاق لمواجهة الجائحة والحد من آثارها. وهذا يستلزم أيضًا تنفيذ حزمة من الاستجابات الطارئة التي يمكنها المساعدة في الحد من العوامل المرتبطة بانتشار جائحة كوفيد- 19. بموازاة ذلك، يجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحمية الفئات الضعيفة والمهمشة والتخفيف من الآثار الاقتصادية السلبية للوباء عليها. وبالطبع، ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث والاستفادة من أكبر قاعدة من البيانات لإتاحة فهمٍ أدق وأعمق لديناميات الجائحة الحالية، وعواملها المحدّدة وعواقبها على المستويين الإقليمي والدولي. تساءل موسى علاية عن المخاطر الماثلة في البلدان التي تواجه نزاعات مثل اليمن وليبيا وسورية، مُعربًا عن اعتقاده بغياب البيانات الموثوقة، وفي السياق نفسه سأل رمسيس أبو النجا إن كان الباحثان قد استخدما معلومات عن الأشخاص النازحين بسبب النزاعات بوصفها مؤشرات على عدم الاستقرار السياسي. أما ميلود قدّار فطرح السؤال عن إمكانية تحديد الاستجابات الفاعلة، ومن ثم تصميمها، عندما نتعامل مع أمرٍ يعتريه الكثير من اللايقين، في حين تتطور خبرات التعامل من ناحية معرفة ما يجب فعله وما لا يجب. وفي إجابته، بيّ أبو زينة أن الدراسة التجريبية لم تدرج بيانات تخص بيئات الصراع، إلا أن النظر إلى مجموعة مؤشرات القابلية للإصابة بالأمراض المعدية أمر مهم. ويظل هناك بعد سياسي لهذا المؤشر، يعتمد على الحوكمة وأبعاد أخرى تتعلق بالتشريعات. أما بالنسبة إلى الدول التي تعاني عدم الاستقرار السياسي فتظل المشكلة في صعوبة الحصول على بيانات بالإصابات المؤكدة.

تبعات جائحة كوفيد- 91 ي على الأنظمة الصحية ف المنطقة العربية

قدّم عوض مطرية طرحه بخصوص التبعات المتوقعة للجائحة على النظم الصحية في المنطقة العربية. وبدأ بتوكيد أن جميع الأنظمة قد تضرّرت، وأن ذلك أثّر سلبيًا في مساعي تحقيق التغطية الصحية الشاملة. وشدد كذلك على ضرورة إحداث تحول جذري في نماذج تفكيرنا في النظام الصحي. في الماضي، كنا نهدف إلى معدلات عالية من إشغال الأسرّة في المستشفيات، إلى الحد الذي تمكّنت فيه بعض الدول من الوصول إلى 90 و 95 في المئة من معدلات الإشغال. وأشار إلى أن الجائحة تجاوزت الحدود من دولة إلى أخرى، وبما يطرح على الحكومات أن تحسم تفكيرها، فهل نتحدث عن نظام صحي وطني أم نتحدث عن الصحة العامة العالميةGlobal Public Health؟ وطُرح التساؤل بشأن التوازن بين التدابير الوقائية والخدمات العلاجية، وبين الصحة والاقتصاد. فعلى سبيل المثال، ضمنت الأردن خطتها الاستراتيجية الصحية الوطنية هدف مساهمة النظام الصحي في النمو الاقتصادي، عبر استغلال التوظيف في القطاع الصحي. وأكد مطرية أهمية أن نتجاوز الاهتمم بالكفاءة والفاعلية وأن نوجه عنايتنا إلى معايير الإتاحة والإنصاف، وضمن الخدمة للجميع. وأشار إلى أمله في أن ينتقل النقاش في المستقبل من نقاش على المستوى الوطني ليكون نقاشًا بمستوى التضامن العالمي. ونبّه مطرية إلى ضرورة التعامل مع أسئلة من قبيل: كيف ننتقل من هذه الذروة إلى العيش المحتمل مع فيروس كورونا؟ وكيف نضع تصوّرًا لمفهوم النظام الصحي؟ مضيفًا أنه من المهم أن نتوصل لكيفية إنشاء أنظمة صحية مرنة Resilient؛ والمرونة هنا مهمة. فبعد وباء إيبولا تناولت أفكارٌ عديدة معنى النظام الصحي المرن. فهو نظام قادر على

التنبؤ أولً بحالةٍ طارئة واكتشافها لمواجهتها وتجاوزها والتعلم منها. ويسهم النظام الصحي المرن في تحقيق الهدف العام للصحة العالمية، ويعزّز الأمن الصحي لأنظمتنا الصحية بالطريقة التي كنا نفكر فيها. ربما لا يمكن القيام بذلك إلا من خلال استحضار وظائف الصحة العامة الأساسية. وتساءل ميلود قدّار عن استراتيجية منظمة الصحة العالمية في العالم العربي، وإن كانت المنظمة تعمل على إيجاد لقاح لمرض كوفيد- 19، وهل في الإمكان التوصل إلى هذا اللقاح في الأشهر الستة المقبلة أو في عام 2021، وعن الاستراتيجيات التي ستعتمدها المنظمة. اللقاح هو بالفعل مثال جيد لما يعرف بالصالح العام العالمي، ونفعه لا يقتصر على دولة أو مجموعة دول بعينها، إنما يعود نفعه على جميع البلدان. وتساءل عن الاستراتيجية التي تساعد على تجاوز عوائق كبرى، كالملكية الفكرية، بالنظر إلى أنه هناك احتكارات لبعض الشركات المصنّعة، مشيرًا إلى أنه تجري مناقشات حامية في هذا الخصوص. ثمة شركات، كم هو معلوم، تصنّع مجموعة لوازم النجاة الجمعية GSK Kit; Survival Group، بينم البعض الآخر يصنّع منتجات أخرى وفقًا لأولويات الأسواق. ما الحوافز لذلك؟ ومن الذي يموّل ماذا؟ ثمة ضرورة لبلورة مفهوم الصالح العام العالمي هذا، عبر التأكد من إتاحة اللقاح للجميع بتكلفة ميسورة. ويجدر السؤال عن موقع الدول العربية ضمن هذا النقاش. في الإطار نفسه، توقف أحمد شلباية أمام السؤال بشأن ما إذا كنا نراهن كثيرًا على خططنا بشأن اللقاح بصفته حلًّ سحريًا سيعالج هذه المشكلة، بخاصة في ظل الوضع الذي نعيشه اليوم. يبدو أن العالم بات يعاني أثر القيود والتحديات الاقتصادية، ولهذا تأثيره السلبي في قدرة الحكومات على معالجة خططها، ما يستدعي النقاش القديم حول أي المناهج نتبع، المناهج الرأسية التي تركز على أمراض أو أحوال صحية بعينها، أم المناهج الأفقية التي تتعامل مع النظام الصحي عمومًا. وطالما الأمراض المعدية تتصدّر الأولويات، هل يجب أن نركز على المقاربات العمودية لمعالجة الأمراض المعدية، والتي قد يكون من أثرها التأثير السلبي على المستوى الأفقي، أي على مستوى النظام الصحي عمومًا؟ وتطرق شلباية إلى أهمية التفكير في تبنّى مصطلح وسيط، يمكن تسميته بالمقاربة القطرية Approach Diagonal، بجمع المقاربتين العمودية والأفقية. وذكر مطرية، في رده على قدار، أن جهودًا تُبذل في داخل منظمة الصحة العالمية لوضع استراتيجية بشأن إتاحة الأدوية واللقاحات وتوزيعها على المستوى الدولي والإقليمي. كم أطلقت مبادرة في آذار/ مارس 2020 لتدشين مرفق عالمي تموّله عدة جهات مانحة. مهمة هذا المرفق هي التكفل بشراء اللقاح وتوزيعه في المستقبل. بالطبع لا يتصور أن يكون قادرًا على تمويل شراء اللقاحات لجميع البلدان. من ثم فقد حددت له أولوية تمويل اللقاح للبلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا. يغطي المكتب الإقليمي لشرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية، 22 دولة، في المنطقة من المغرب إلى باكستان، نصف هذه البلدان سيُعطى منحة للحصول على اللقاح، بينم سيكون على النصف الآخر أن يمول ذاتيًا احتياجاته منه. يبرز كذلك اقتراح بأن تحصل البلدان الأحد عشر على اللقاح من خلال شركة كوفيكCOVEX لأجل ضمن وفورات الحجم الكبيرEconomies of scale في عملية الحصول على اللقاح. وستكون الأسعار عند المستويات الدنيا. وقد أبدت عشرة بلدان الرغبة في طلب اللقاح عبر هذه القناة. أضاف مطرية بخصوص توزيع اللقاح، أنه يُتوقع أن يخصص 10 في المئة من الكمية المطلوبة للعاملين الصحيين، من ثم يتم التوفير للفئات الأخرى الأكثر عرضة للإصابة بكوفيد- 19، وعلى رأسها بالطبع المسنّون. إتاحة اللقاح يخطط أن تغطي كأولوية قرابة 30 في المئة من السكان. وستستمر عملية التغطية على مراحل بعد ذلك. وتنصب جهود

المنظمة على إيجاد صيغة للتوزيع تضمن تلبية احتياجات الدول المختلفة. إن توزيع اللقاح تحدٍ كبير، يتطلب أن تسدد البلدان دفعات مسبقة، لتحصل عليه عند توافره. دول قليلة معتادة على مثل هذا الأمر، في حين تبدي الغالبية بعض المقاومة. لذلك تعنى المنظمة بالتفاوض مع الأطراف المختلفة، شركاتٍ ودولً، لإنجاح هذا النموذج. وبيّ مطرية، أيضًا، مسألة سلاسل الإمداد التي تخص إنتاج اللقاح وتوزيعه، وأنها مسألة لا بد من الاستثمر فيها. لكن ذلك لم يحصل. فلدينا دولتان فقط في المنطقة قادرتان على إنتاج اللقاحات، وهم إيران ومصر، وليس لأي منهم قدرات مستقلة على إنتاج لقاح، إذ يقوم البلَدان بإعادة تعبئة ما يرد من معامل الإنتاج الموجودة خارج المنطقة، ليعاد توزيعها داخليًا. وأضاف مطرية أن العرب قد تأخروا كثيرًا في الاستثمر في هذا الجانب. وينبغي الإسراع بملكية مؤسسات قادرة على الإنتاج المستقل للقاحات، وإرساء آلية على المستوى الإقليمي لشراء اللقاحات.

ملاحظات ختامية

في نهاية الورشة، قدّم المتدخلون ملاحظاتهم الختامية حول مسألة الاستجابة لكوفيد- 19 في المنطقة العربية، وطرحوا ما يعتبرونه تساؤلات بحثية جديرة بالتناول مستقبلً. في البداية، طرح أبو النجا ثلاث نقاط، أولها يخص حالة تونس، معلقًا على ما ذكرته مروة فرج في مداخلتها. ونبه إلى أن نجاح المواجهة في تونس يمكن نسبه إلى بعض العوامل التاريخية. فتونس في المرحلة التي أعقبت الاستقلال استمرت في تطوير المؤسسات المدنية، حيث نجدها اليوم في المرتبة 91 في "مؤشر التنمية البشرية" Index Development Human. وبخصوص ما طرح عن كون الصحة منفعة عامة عالمية، قال أبو النجا إنها مسألة تستحق منا التفكير، وعلينا أن نفحصها من وجهة نظر التمويل العالمي. وأخيرًا عبّ عن خشيته من أن نغفل الدول العربية الأشد فقرًا في نقاشاتنا وبحوثنا. ونبّه إلى ضرورة أن نفرد جهودًا بحثية خاصة للسودان واليمن وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر. عززت سميرة عواودة ضرورة إمعان النظر في الجوانب المتعلقة بالسياقات الثقافية والاقتصادية والصحية في العالم العربي. وأكدت أن على الحكومات تفهّم ما نعنيه بالاستعداد لحالات الطوارئ الصحية، والذي لا يعني قصر تفكيرنا على النظام الصحي؛ بل إن التأهّب يتضمن أيضًا استعداد الاقتصادات لمكافحة الجائحة. ومن المهم البحث في الاقتصاد، ومسألة تعافيه. وأعاد ميلود قدّار التشديد على قضية إدارة النظام الصحي في بلداننا، وهل سينظر إليها بصفتها نفقة بلا عائد، أم سيتم تناولها كاستثمر يتسم بالجدوى؟ وفي هذا تحول كبير لمنظورنا كم قال، مضيفًا أنه لا يرجع مردود الاستثمر في القطاع الصحي على الوضع الصحي فقط، لكنه يفيد، أيضًا، الاقتصاد والمجتمع بأكمله. هل سنرى تحولً نحو الوقاية والمزيد من الصحة العامة؟ وهل سينال علمء الأوبئة في بلادنا تقديرًا أفضل بعد أن باتوا في الواجهة بمحض الصدفة؟ تساءل قدار، وهو يختتم منبهًا إلى عدم تجاهل سؤال القطاع الخاص بشأن كيفية التعبئة وكيفية وضع نوع جديد من التدابير.

تقع دول أفريقيا على مؤشر التنمية البشرية بين المرتبة 81 و 171:. ينظر "Table 2: Human Development Index trends, 1990–2018," United Nations Development Programme, 2019, accessed on 26/8/2020, at:

https://bit.ly/2CZMWIs

أما حنان عبد الرحيم فقد وضعت قضية الفحص والاختبارات موضع تساؤلات. فالشاهد أن ثمة تحولً من إجراء "اختبار المستضد" Test Antigen إلى "اختبار الأجسام المضادة" Tests Antibody، وهو اختبار قد يكون له دور مهم جدًا في المستقبل. وعلينا فهم الدور الذي قد تضطلع به تلك الاختبارات للمضي قدُمًا في الاستجابة والتخفيف من تدابير الإغلاق وغيرها. وأكدت ضرورة أن تسعى البلدان إلى التوثيق أولً قبل المباشرة في تحليل استراتيجية الاختبار، إن كان هناك استراتيجية كهذه. وعرجت عبد الرحيم على الجدل حول تعارض الصحة مع المصلحة الاقتصادية، مؤكدة أنه جدل زائف، مشيرة إلى أن حالة السويد أظهرت هذا الأمر بجلاء. وفي بعض البلدان رأينا التدابير تطبق وفق تصور يتوهم الاختيار بين أن تكسب صحتك أو تصون جيبك. وجاءت التجربة السويدية لتظهر أنهم ليسا أمرين متميزين فضلً عن أن يكونا متعارضيَن. فهناك لم تتأثر معدلات الوفيات وحدها وإنما لم يحقق الاقتصاد أي مكاسب فعلية حين تقرر تجنب الإغلاق. وانتهت إلى القول إنه في مثل هذا الاقتصاد المندمج كليًا في النظام الرأسملي العالمي، حتى إن كنتَ على استعداد لتخفيف القيود أو رفعها فلن تستطيع، فأنت لست معزولً عن بقية النظام الاقتصادي العالمي الذي تتعامل معه. وأعاد عوض مطرية طرح مسألة صعوبة تفسير انخفاض ضغوط الجائحة في المنطقة العربية، مقارنة بما نراه من اتجاهات انتشار كوفيد- 19 في العالم؛ كانت هناك قرارات شجاعة اتخذتها الحكومات لفرض التباعد الاجتمعي، لعل أشدها صعوبة منع المناسبات الدينية الضخمة، كالحج في مكة وزيارة العتبات المقدسة في العراق. أعاد مطرية أيضًا التذكير بقضية اللاجئين؛ صحيح لم تحدث طفرة في الإصابات داخل مخيمت اللاجئين ومناطق النزوح، لكن يظل الأمر مدعاة للقلق. إن الفئات الأكثر هشاشة تستحق الانتباه. علينا أن ننتبه لما يحدث في اليمن وسورية. وربما يضاف إلى القلق ما نراه في حالة مصر، حيث ارتفعت بشكل كبير الإصابات داخل المستشفيات نفسها، وبين العاملين الصحيين. واختتم مطرية بالإشارة إلى قلقه من تسييس الجائحة؛ فعلى سبيل المثال نجد الأوضاع السياسية وقد باتت تعوق تدفق البيانات؛ ففي سورية، لا يتم الإبلاغ عن الإصابات عبر الحكومة مباشرة، إنما تأتي الأرقام من شمل شرق سورية وشمل غربها من خلال جهات دون الدولة. أما في فلسطين، فلا تصل أرقام من القدس بسبب قيود الاحتلال الإسرائ لي، الذي لا يبلّغنا بعدد الإصابات. والبديل هو الحصول عليها من مكتب الاتحاد الأوروبي. في ملاحظاته الختامية، أعرب أحمد شلباية عن أمله في أن يسهم التعلم من دروس الماضي في تعزيز الاستثمر في الأنظمة الصحية وتحسينها، منبهًا إلى مسألة الإنصاف والعدالة الاجتمعية، وإلى الحاجة إلى إتاحة المجال للابتكار والتكيّف وتصميم الاستجابات وفق السياقات. وأكد أن الجميع يكاد يتفق على أن الصحة استثمر وليست مجرد نفقة بلا عائد، وأعاد التأكيد على مسألة استراتيجيات التواصل وأهميتها؛ لا بد من تكييف أساليب التواصل لتناسب الفئات المختلفة؛ فالناس يتمتعون بمستويات تعليمية متفاوتة ويواجهون تحديات معيشية متباينة ومتنوعة. واختتم شلباية بالإشارة إلى توزيع المسؤولية عن تنفيذ خطط الاستجابة للجائحة، فهي لا تقع على كاهل الحكومات وحدها، ولكن لا بد من أن تشمل تعبئة قوى المجتمع، وتعزيز الموارد البشرية القادرة على التعامل مع هذه التحديات. كذلك يجدر النظر في تطوير الموارد المالية والتجهيزات، فضلً عن تطوير نظم الإدارة والبروتوكولات التي يجب تطبيقها.