Return to Article Details Education Policies and Regulations in Light of the Coronavirus Pandemic: Questions and Prospects

سياسات التعليم ونظمه في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19): تساؤلات وآفاق

Education Policies and Regulations in Light of the Coronavirus Pandemic: Questions and Prospects

هيئة التحرير | Editorial Board

الملخّص

علي أسعد وطفة Ali Watfa

Abstract

أحمد علاء فايد Ahmed Alaa Fayed

أسمء الفضالة Asmaa Al-Fadala

عدنان الأمين Adnan El-Amine

الكلمات المفتاحية:
  • سياسات التعليم
  • كوفيد-19
Keywords:
  • Education Policies
  • Covid-19

تحت عنوان "سياسات التعليم في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في البلدان العربية"، دعت دورية حكامة عددًا من الأكاديميين والخبراء العرب لورشة نقاش حول ما رتبته الجائحة على نظم التعليم في البلدان العربية من تداعيات. وجرت وقائع الورشة ظهر الأحد، 14 شباط/ فبراير 2021، عبر مداخلات أساسية قدمها أربعة باحثين، هم: الدكتور علي أسعد وطفة، والدكتورة أسمء الفضالة، والدكتور عدنان الأمين، والدكتور أحمد علاء فايد. وشملت عدة جولات للنقاش في ما بين الحضور. ونعرض هنا ملخصًا لأبرز ما طُرح فيها:

أولً: التعليم الإلكتروني ما بعد الجائحة بوصفه خيارًا استراتيجيًا

قدّم علي وطفة عرضًا بانوراميًا للسياق التاريخي الذي يمكن من خلاله فهم الجائحة، وما تداعى عنها من آثار، سواء على المجتمع عمومًا، أم على نظم التعليم خصوصًا. وبدأ بتوكيد أن التعليم قضية تدور في فلك الصراع الاجتمعي، وأنها تمضي في حالة جدالية معه، وأنه بغير التطور نحكم على النظم بالموت. وقد جاءت الجائحة بتحدٍ كبير، صدم كيان الإنسانية المعاصرة وهزّ أوصالها، كأنما هي تسونامي أحدث تغييرًا هائلً على مختلف مناحي الحياة. وبدأنا نسمع جدالات لرصد هذا التغيير، فيقولون الأدب في زمن كورونا، والصناعة في زمن كورونا. فم بالنا بالتربية؛ كان تأثير كورونا فيها صادمًا بعمق، وانعكست آثار الجائحة من الاقتصاد في التعليم، وأسفرت آثار الإغلاق عن تهديد للبنية التقليدية للتعليم، وبدا أن تحولات عميقة تقلب الأنظمة التربوية وأسسها التقليدية. وأضاف وطفة أنه على الرغم من هول الصدمة، فثمة بعض الأمل، وبوادر لقفزات هائلة في ميادين العلم والتكنولوجيا، ولعلها تنعكس كم نرى على الأنظمة التعليمية، وأوضاعها الراهنة المتردية. لكن الجدالات حول ما يجرى لا زالت قاصرة، ويسودها ما تجدد من الصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد، القديم والحداثة، وهو صراع غير عقلاني، يفتقر إلى النظر الجاد والعميق للواقع وفهمه في سياق من حركة التاريخ، وهو من ناحية أخرى غير مجدٍ. ويميز وطفة ما بين تعليم عن بعد في ظل الطوارئ، ونهج التعليم عن بعد؛ فالأول لا زال يعيد إنتاج التعليم التقليدي بالطرائق والأساليب التقليدية، لكنه لا ينطلق من المفاهيم التي تعنيها عبارة "تعليم إلكتروني". التعليم الإلكتروني هو فلسفة تربوية، لم يتم الاستثمر فيها من الإعداد والتفكير. والحال أنه مختلف عم شهدناه في زمن الجائحة من التعليم عن بُعد. لقد علمتنا الثورات الصناعية، وآخرها الثورة التكنولوجية كيف ينتج اتحاد الذكاء الصناعي والذكاء الطبيعي قوة حضارية هائلة، واليوم تصل إلى مستوى "التفرد"، بوصول تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذروة عالية، إذ بات يعادل مجموع الذكاء البشري على مر التاريخ. وثمة من يبشر بزوال الفاصل ما بين ذكاء الإنسان والأشياء، فيم يسمى إنترنت الأشياء، حين تأخذ الآلات بعض صفات البشر، كم تقدمه نماذج الروبوتات التي تجوب العالم لاستعراض قدراتها القريبة من الإنسان. هل ينعكس هذا على التعليم؟ لا زالت مدارسنا بنية متورمة من الأزمات، وتعيش خارج سياق العصر، ومنفصلة عن سياق إنتاج الحضارة، طالما تقوم بوظيفتها التقليدية من أدلجة وقولبة وتطويع، ولا تستوعب الإبداع، بل تعرقله وتحاربه، وتنتهي بما يخدم النظم السلطوية. كذلك هي تعيد إنتاج الثقافة التي يعنونها التعصب والكراهية، ولا زال نداء الرعيل الأول من التربويين العرب الذين نادوا بإصلاح المدارس لا يجد له صدى جديًا، ولا زال الأمر في حاجة إلى رافعة تنتشل مدارسنا من كبوتها.

يرى وطفة أن الأمل من لدن التكنولوجيا، وربط التعليم بالوظائف التي تأتي ضمن التطور الجديد في المستقبل، وأن تُعد لها المدارس، وإلا فموتها محتوم، بحسب ما يحذر تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي. المهارات العلمية التي تبدأ من الإبداع فالابتكار وحل المشكلات عبر التطبيقات وكذا البرمجة وغيرها، ما زالت محاصرة ضمن المناهج وأساليب التعليم التقليدية، في حين أن المهارات التي يتم التركيز عليها راهنًا لن يكون لها وجود في المستقبل. العلم من جهته يبشر بمنصات تزيل الفوارق المعرفية، ويتيح تعليمً معززًا بالواقع الافتراضي، وباتت المنصات هي المدارس الحقيقية، لا المباني، ومن لا يتواكب مع مثل هذه المستجدات والتطورات سيفنى. انتهى وطفة إلى أن الاستعداد لكل هذا بات ضرورة كشفتها الجائحة. والتعليم الإلكتروني ليس دائمًا عن بعد، فيمكن أن يكون عن قرب، وأن يكون تعليمً تزامنيًا، واندماجيًا. ويؤمل بعد عام كامل من التجارب أن تكون قد أسست بنية للتعليم الإلكتروني، ومن ثم على مجتمعاتنا وأنظمتنا أن تهيئ لمستقبل رهيب ومخيف ما لم نستطع تطوير مدارسنا إلى المستوى المطلوب. وفي الرد عن التساؤلات التي دارت حول تحديات المستقبل، طرح وطفة أهمية التركيز على فهم الواقع كمقدمة للإجابة عن سؤال المستقبل. ويرى أن العالم العربي يعيش حالة "مروعة وتراجيدية"، وثمة بلدان تعيش صراعات أخرجتها من السباق الحضاري مثل سورية والعراق. إن المسافة الزمنية ما زالت كبيرة في ما بين المجتمعات التي أنجزت الثورة الصناعية الأولى والثانية، وتسير بخطى هائلة في مجال التقدم. وحول التعليم الإلكتروني، أكد وطفة أنه لا يتنافى والقيم الأخلاقية، ويحمل في طياته تطورًا يقوم على التعليم النشط والتعليم التكاملي والتعليم الإبداعي. وعرج على مزايا التعليم الإلكتروني، الذي وصفه بأنه يقوم على مبدأ الحوار، وخاصة أنه في العصر الحالي أصبح المدرس مسؤولً ومحاسبًا على أي معلومة يقدمها. في التعليم التقليدي، 80 في المئة من الطاقة الذهنية للإنسان تنفق في الذاكرة، أما في التعليم الإلكتروني فوسائل الاتصال والبنوك المعلوماتية تعفيه من ذلك، ليوظف عقله في مهارات التحليل والتركيب والإبداع.

ثانيًا: آفاق إصلاح التعليم بعد جائحة كورونا

في مداخلتها التي تسعى لرسم أفق مستقبلي ما بعد الجائحة، استعرضت أسمء الفضالة الحلول الممكن تبنّيها لتجاوز ما برز من معوقات في النظم التعليمية، وهي حلول تبدأ مم تعلمناه خلال الأزمة، وتقييم ما اتصل بها من سياسات وإجراءات وبرامج عمل. وأكدت أن مسألة الإغلاق ليست، كم يشاع، مسألةً غير مسبوقة، إذ تكرر الأمر على سبيل المثال في الحرب العالمية الثانية، وحصل قبلها مع وباء الإنفلونزا الإسبانية، خلال الحرب العالمية الأولى، وحتى مع وباء إيبولا في البلدان التي شهدت تفشيه قبل سنوات، واليوم نشهده في بعض المناطق بالبلدان العربية التي تعاني الحرب الأهلية. ربما الجديد مع جائحة كورونا هو الاتساع العالمي لإجراءات الإغلاق، ما تضرر بسببه أعداد هائلة من الطلاب بكل بقعة في العالم. لقد شمل إغلاق المدارس في ربيع 2020 مختلف دول العالم، وقد تفاوتت فيم بينها القدرة على تبنّي خيار التعليم عن بُعد، بل وقع ما يمكن تسميته فقدان التعلم loss Learning في عديد الحالات، وساد الارتباك في ظل غياب توقع واضح بموعد انتهاء الأزمة. هذا التأثير لم يقتصر على إغلاق المدارس وحسب، وإنما شمل إضرارًا بالنواحي النفسية والاجتمعية للطلاب والمعلمين عمومًا. في سياق تحول المدارس إلى التعليم عن بُعد، صرنا أمام بيئة تعلم مغايرة، غاب عنها ملمح اختلاط الطلاب بأقرانهم ومعلميهم، ما أثر في الجانب الاجتمعي للعملية التعليمية. لم تكن المدارس

مجرد أماكن لتلقّي المعلومات العلمية، وإنما باتت مساحات للتفاعل، يكتسب فيها الطالب المهارات الاجتمعية، ويمارس الاندماج في المجتمع الخارجي ويكوّن صداقات وعلاقات في دوائر أبعد من المنزل. خلّفت الجائحة تغييرات عدة على أدوار المعلمين والقادة المدرسيين، وجب معها اكتساب مهارات جديدة، وقد طرأت في سياق تجريب التعليم عن بُعد في البلدان النامية معوقات، أثرت في العملية التعليمية بنمطها الجديد، ورُصد تفاوت كبير في حظوظ الطلاب من التحصيل عبر هذه الوسائل، وكذا عدم تكافؤ الفرص في الولوج لمصادر التعلم الرقمية ولشبكة الإنترنت، كم جرى تقليص المحتوى التعليمي مع ضعف تناول المهارات العليا، كالقيادة والتعلم الوجداني واكتساب المهارات الاجتمعية والتكيف مع الظروف وتخطي الأزمات، فضلً عن غياب أدوات التقييم التربوي الفاعلة. من جانب آخر، تؤكد الفضالة أنه قد برزت فرص جيدة، يسّتها ابتكارات أطّرت بديلً تعليميًا يمكنه تجاوز المعوقات التي خلقتها الجائحة؛ والأمر ليس قاصرًا على ما وفرته تكنولوجيات التعليم الشبكي فحسب، بل كذلك الابتكار الاجتمعي، وتشكل بيئة تفاعل مغايرة، اقتضت تكوين قناعات وقيم مختلفة. ولعل التجارب الأكثر نجاحًا هي التي ركزت على جعل الطالب محورًا للعملية التعليمية، والتي تمنحه دورًا فاعلً في تسييرها، لا يقتصر على ملكات الحفظ، والتي كذلك تسعى إلى تمكين المعلم، وترفع عن كاهله الأعباء الإدارية، وتحرره في التعامل مع المنهج. إن التعلم من هذه التجارب والاستفادة بات ضرورة مستقبلية. تساؤلنا اليوم هو عم يمكن عمله في غضون العقد أو العقدين القادمين لتأسيس هذا النظام التعليمي الجيد، والخشية هنا من أن ترتد نظمنا التعليمية إلى ما دون الوضع قبل الجائحة، بنمطه التقليدي. ويقتضي الحال بناء نظام تعليمي يستوعب الأزمات، وتغير ظروف التعليم، ويقبل بالتعامل مع المخاطر من دون خوف، ويعد الطالب للمستقبل. في ظل ما نتعلمه من النظام الصحي في العالم في مواجهة الجائحة، والرهان على الوصول إلى لقاح فعال لإنهاء الأزمة، طرحت الفضالة السؤال عن "اللقاح التعليمي" الذي ينبغي لنا الوصول إليه لمواجهة ما يعترض التعليم من مخاطر مستقبلية؟ لقد علّمتنا الجائحة أهمية ألا نهمل التغيرات التي تحدث من حولنا، وأن نعمل لأبعد من مجرد إدراج المعرفة بها في محتوى التعليم، وأن نسعى لبناء مهارات الطلاب في التعامل مع تلك التغيرات. وأن يسعوا لإحداث فارق في مجتمعاتهم لاستيعاب هذه التغيرات وتجاوز مشكلاتها، بأن نهتم بالطالب وبكينونته، وباختياراته. وبات الاستثمر في دور المعلم والطالب لتخطي أي أزمات مستقبلية ضرورة. وقد خرجت في السنوات العشر الأخيرة أبحاث مهمة عن دور القيادة التربوية، المعلم ومدير المدرسة بالخصوص، في تطوير أداء الطالب، وتحقيق فاعلية لخطط واستراتيجيات قيادة التغيير في المدارس. ورأت الفضالة ضرورة إشراك المعلم والمدرسة عمومًا في وضع الحلول، وليس تنفيذها فحسب. وفي ختام مداخلتها أوصت الفضالة بتوصيات عدة، منها: ترتيب أولويات أهداف المنهج مع التركيز على النوعية وليس الكم، والاعتناء بخطط المتابعة لاستعادة ما فُقد من التعليم خلال الأزمة، من ذلك منح فترة مراجعة مكثفة، وتشجيع المدارس على التدريس عن بعد باستخدام حلول مبتكرة، ووضع آليات مناسبة لتقييم الطالب بما يتناسب مع طريقة التعلم الجديدة. ونوهت الباحثة إلى ضرورة تبين المبادرات الإبداعية، كالتعلم التعاوني، والتعلم القائم على اللعب، والتعلم القائم على المشروعات، مع الاهتمم في كل هذا بالتنمية المهنية للمعلمين، وتوكيد حصول قادة المدارس على

الدعم المعنوي واللوجستي الذي يحتاجونه في ظل هذه الظروف. كذلك أوصت الفضالة بتوكيد الشراكة بين المدرسة ومختلف قطاعات المجتمع. تلقت الفضالة عددًا من التساؤلات والتعليقات، وأجابت عن مسألة مهارات المستقبل أو ما يسمى المهارات اللينة Soft Skills والمهارات التي تعين الطالب أن يكون عضوًا فعالً في مجتمعه، ونوهت بالتعليم الاجتمعي المعنوي Learning Emotional Social الذي يعلم الطالب التحكم في مشاعره وانفعالاته في مواجهة الأزمات. وأضافت أن تطورات ضرورية مطلوبة الآن، منها التركيز على سبل التدريس والأخلاقيات التي يجب أن تكون جزءًا من المناهج. وبالمثل، للمعلمين مهارات يجب اكتسابها، كم يجب الاهتمم بدمجهم في عمليات وضع سياسات التعليم وتطويرها، بوصفهم قادة تربويين. وأن تعين في ذلك برامج التنمية المهنية لتدعيم مهارات المعلم في إسناد عمله بالبحوث، وأن يمارس مهارات التعاون والعمل في فريق.

ثالثًا: حالة لبنان: استجابة النظام التعليمي يف ظل أزمة اقتصادية وسياسية خانقة

في مداخلته التي تناولت الحالة اللبنانية، جادل عدنان الأمين بأن قطاع التعليم كان الأكثر تضررًا من تداعيات الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا قياسًا إلى القطاعات الأخرى. لقد خلفت الجائحة أزمة هي الأكبر في تاريخ التعليم في العالم؛ فبحسب تقرير عن الأمم المتحدة صدر في عام 2020، رتبت الجائحة آثارًا فادحة في نظم التعليم في 190 دولة، تضرر منها 1.6 مليار طالب، من المتدرجين في مراحل التعليم النظامية المختلفة. وقد تُرك الطلاب من دون تعليم فتراتٍ زمنيةً متفاوتة، وتأثر 94 في المئة من إغلاق المدارس في البلدان المتقدمة، في حين ارتفعت نسبة المتضررين إلى 99 في المئة في البلدان المنخفضة الدخل، وفي الشريحة الدنيا من بلدان الدخل المتوسط. لقد غيبت كذلك ميزة مهمة في بيئة التعليم والتعلم هي الاختلاط الاجتمعي، بعدما فرضت الجائحة العزل والتباعد بديلً. أوضح الأمين أن الخسائر في قطاع التعليم لم تكن موزعة بالتساوي، إذ تفاوتت في ما بين الدول، وفي داخل الدولة الواحدة، في ما بين الطبقات وفي ما بين المجموعات السكانية بالمناطق المختلفة، وحتى ما بين المؤسسات التعليمية. بعض من هذا التفاوت يتصل بمدى انخراط المؤسسات والفاعلين التربويين في إجراءات المواجهة، وبخصوص ما يتصل بقدرتهم على توفير بدائل تحقق الغايات التربوية للطلاب. طرح الأمين نقاشًا حول التعليم عن بُعد، الذي برز بديلً، بالمعنى المعروف للكلمة، وتساءل عن تفاوت الفرص التعليمية بين الطلاب الناجم عن تفاوت قدرة النظم على توفير هذا البديل، سواء من حيث التكلفة أو الاستعداد لاستيعاب هذا البديل. كان من أثر الضغوط التي نشأت في ظل هذا التفاوت أن وقع التخبط والارتباك في داخل النظم التعليمية، وحتى في الأدوار الأسرية والمحيط الاجتمعي وغيرها من عوامل تشكّل سياق عمليات التعليم. وقف الباحث على آثار غياب التعليم الحضوري وحرمان الطلاب من الاختلاط الاجتمعي داخل البيئة المدرسية، والتي يعجز نمط التعليم عن بُعد عن تقديم بديل شامل منها؛ فالاختلاط عامل لإنماء رأس المال الثقافي وتشكيل الذات الاجتمعية، بتحويله الفرد إلى عنصر منخرط في المجتمع الأوسع، ويكسبه مهارات لهذا الانخراط، بما فيها فرص التنافس والتفاعل.

بيّ الأمين انعكاسات هذا الأمر في ضوء الحالة اللبنانية. فتحت الجائحة ساحة معركة تعليمية في وضع يعرف فيه لبنان أزمةً اقتصادية طاحنة، وتأزمًا سياسيًا يتصاعد منذ انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. ومنذ البداية، كان التخبط سيد الموقف. طرحت سياسات للمواجهة في قطاع التعليم على عدة مستويات، وطُبق نمط هجين، يجمع ما بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد والتعليم المُدمج. واستغلت منصات منها "تيمز " Teams وبرنامج إدارة التعلم Classera. وتطلب الحال تقليص مدة التعليم وحجم المواد الدراسية. وبرزت صعوبات التقييم عن بُعد، وفي التجهيز للدروس، استخدمت تطبيقات ووسائط عدة. ووزعت على الطلاب نسخ إلكترونية من الكتاب المدرسي. كذلك جرى إنشاء "مبادرة التعلم الرقمي" Initiative Learning Digital، التي تحوي مكتبة رقمية للنصوص والدروس المسجلة، كم جرى تأمين القرطاسية مجانًا لما يقرب من ثلث طلاب التعليم العام، وذلك بدعم خارجي. وقد لوحظ غياب أي تدريب للمديرين، كم تأخر تدريب المعلمين حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2020، واتصلت دوراته بطرق استخدام برمجيات التعليم عن بُعد، فحسب، في إلقاء الدروس وإعدادها، وكذا استخدام منصة مبادرة التعلم الرقمي. وبشأن الأخيرة تتعدد الدلائل على أنها لم تستخدم عمليًا. وضع الأمين مجموعة من الملاحظات التقييمة على استجابة النظام التعليمي لهذا الوضع الطارئ، وبيّ أن القرارات غلب عليها الآنية والتخصيص hoc Ad بما يصعب من إمكان تعميمها، وارتبكت عناصر النظام المختلفة، من التنظيم إلى المنهج والتعليم والتدريب والمتابعة والتقييم. ولم يظهر تبلور جدي لمناهج وممرسات تعوض خسائر التعليم تلك. لاحظ الأمين كذلك أنه لدى تطبيق الأنماط الجديدة في المؤسسات التعليمية، ما بين حضوري وعن بعدٍ وهجين، فإن تفاوتًا كبيرًا قد ظهر بين المؤسسات، من ناحية انتظام عملية التعليم وبروز ممرسات تحُدّ من فاعلية العملية التعليمية. وهذا التفاوت ظهر على نطاق الأسرة كذلك، وفقًا لوضعها الاجتمعي. تمثلت العوامل المؤثرة في مدى نجاح نمط التعليم عن بعد في مستوى التمويل المتوافر لوزارة التعليم والمؤسسات التعليمية وكذا الأسر، والذي يسمح بتوفير البنية التكنولوجية، وفي إعداد القائمين على عمليات التعليم وتمكينهم، وفي مستوى حكامة النظام، وفي كفاءة الإدارة وتطبيق التحولات الإدارية المطلوبة لاستيعاب هذا النمط التعليمي الجديد. لقد ظهرت ملامح عدة لضعف كفاءة النظام انعكست على أداء المعلمين والإداريين والطلاب. واتصلت بعض الملاحظات بوضعيات الفقراء والمهمشين والإناث وكذا ذوي الاحتياجات الخاصة. كان من آثار محدودية هذا النمط وتعثر تشكيله لبديل حقيقي من التعليم الحضوري أثره في جانب التفاوت واللامساواة الاجتمعية. صحيح أن اللامساواة مرصودة بوصفها مشكلة بنيوية في نظام التعليم اللبناني، وهو في ذلك يشابه العديد من البلدان، لكن الجائحة فاقمت من هذا الملمح. وبعكس المؤسسات التي افتقرت إلى قدرات تعينها على تجاوز الأزمة، فإن المؤسسات التعليمية الأكثر حظوة بالقدرات والتمويل (والأشبه بجزر في محيط من المؤسسات محدودة القدرة) عبرت تلك الأزمة بأقل الخسائر، بعدما تمكنت من أن توفر تعليمً متسقًا مع شروط التباعد الاجتمعي. لا يعني الأمر، بحسب الأمين، أن التعليم عن بُعد لم يخلف مكاسب، فثمة ما يمكن رصده في الحالة اللبنانية من تحسن على مستويات عدة، وتوفير لمصادر وتطبيقات إلكترونية ذات قيمة كبيرة، وتطور في ممرسات التواصل وانتباه للمعايير وتطويرها، وتحسين طرق تصميم الدروس وإفساح المجال أكثر لمشاركة الطلاب ومساهمتهم في بيئة

تواصل رقمي فاعلة. وانتهى لتوصيات أهمها: تحسين مشاركة الأسر والمجتمع الأهلي في العملية التعليمية، وإبقاء المكتسبات الإلكترونية في ما بعد انتهاء الجائحة، والانفتاح على المصادر المعرفية بخلاف الكتاب المدرسي، وتعزيز مشاركة الطلاب في مجتمع للتعلم يتسم بالفاعلية، مع تطبيق مفاهيم التشاركية approach Participatory. وهذه التوصيات تقتضي تحسن الوضعين السياسي والاقتصادي، وتعزيز حكامة المؤسسات العامة عبر المشاركة الاجتمعية. وقدم الحضور مجموعة من الأسئلة والملاحظات للباحث، اتصل أولها بمسألة التفاوت الاجتمعي واللامساواة في التعليم. وقد علق الباحث بملاحظة عن ندرة الدراسات حول هذه القضية، رغم تعدد جوانبها وتشابك مواضيعها. ودعا إلى الاهتمم بقضية الإنصاف في فرص التعليم ودراسة أبعادها، وخصوصًا أن الأطر القانونية والخطاب السياسي يدعيان أنها تنطلق من قاعد المساواة وتكافؤ الفرص. وفي معرض الإجابة عن سؤال يتصل بالفوارق ما بين التعليم الحضوري والتعليم الإلكتروني شدد على أن قبول الجمهور والفئات المجتمعية للنظام الجديد إنما يحصل طبقًا لمصالحهم وللعادات المكتسبة سابقًا، وأن الأمر عمومًا يستدعي التغيير في السلوك وفي الاتجاهات نحو التعليم. والسياسة الحكيمة في المستقبل تقوم على إدماج التعليم عن بُعد، وعدم التعامل معه بوصفه بديلً، فهو لا يحل محل التعليم القائم على التفاعل الاجتمعي داخل المدارس؛ ففي ذلك خسارة كبيرة.

رابعًا: حالة مصر: تحديات ضعف الموارد ورهانات لابتكار التعليمي

قدّم أحمد فايد استعراضًا للوضع العام في مصر في ظل الجائحة، وبعض التداعيات الاقتصادية والاجتمعية والعوامل المتعلقة بالنظام الصحي التي تؤطر الوضع الراهن. وشدد على أن التحديات الناجمة عن الجائحة تدفع بأهمية الاستثمر العام في رأس المال البشري والعناية بالتعليم الذي لم يولَ اهتممًا كبيرًا خلال الأزمة. ثم انتقل إلى سؤاله الرئيس: هل التعليم في زمن الجائحة برز بوصفه فرصة أم تحديًا؟ أظهر الباحث أن 25 مليونًا من الطلاب ومليونين من المعلمين، والذين ينخرطون في مستويات التعليم المختلفة، وفي المؤسسات العامة والخاصة، قد كانوا الفاعلين الأهم في هذا السياق. وأوضح أن وزير التعليم المصري قاد قبل الجائحة سياسة للدفع برقمنة التعليم قدمًا، وإنْ لاقى هجومًا واسعًا، سواء من الكوادر التربوية العاملة تحت إمرته، أو من المجتمع عمومًا، لكن أثبتت الجائحة عمق هذه الرؤية، إذ توافرت عناصر مهمة لتوفير التعليم عن بعد، تمثلت في أربع منصات إلكترونية، هي بنك المعرفة المصري، ومنصة الامتحانات الإلكترونية، والمكتبة الرقمية (ذاكر) ومنصة "مودو". والأخيرة مكنت الوزارة من توفير 650 ألف فصل دراسي رقمي يسرت التواصل ما بين الطلاب والمدرسين. تطرق الباحث إلى المشكلات التي اعترضت العملية التعليمية في ظل الجائحة، ونوه إلى قضية التفاوت الرقمي وغياب العدالة الرقمية، إذ تتفاوت البنية التحتية المتوافرة للتعليم عن بعد، كم أن القدرات العامة لشبكة الإنترنت في مصر تظل محدودة، لكن هذه المحدودية لم تنعكس بنسب متساوية، بل تفاوتت القدرة على الوصول إلى المواد والأنشطة التعليمية الافتراضية بين الريف والحضر وما بين المناطق الأعلى دخلً وتلك الفقيرة. كانت هناك أمور اقتصادية تتصل بالتعليم المباشر الحضوري، كتوفير التغذية والمنح المالية للطلاب، غابت بسبب التباعد الاجتمعي وإغلاق المدارس. وكان لهذا أثره المباشر في الأسر الفقيرة الأقل دخلً.

لاحظ الباحث بعض العوامل الهيكلية المتصلة بسياسات التعليم وإدارة المنظومة، ومنها مسألة التمويل؛ فعلى الرغم مم تفرضه الجائحة من ضرورة توفير تمويل استثنائي يعين على استيعاب متطلبات النمط الجديد للتعليم عن بُعد، فإن تمويل التعليم العام قد انخفض في عام الجائحة، مقارنة بالسنين السابقة. أشار الباحث إلى بعض صور الارتباك وعدم استيعاب متطلبات التعليم عن بعد، وبخاصة الكيفية التي يتم بها التقييم، وضرب مثلً بفشل اعتمد الأبحاث الطلابية أداةً للتقييم، بسبب ممرسات سلبية عديدة، ما دفع الوزير إلى إلغاء هذا النوع من التقييم والعودة إلى الامتحان بديلً منها. لاحظ الباحث أيضًا التدني الكبير في مستويات التحصيل لدى الطلاب خلال عام جائحة كورونا مقارنة بالسنة التي قبلها. وتساءل عن الطريقة التي يمكن من خلالها تجاوز هذه المشكلة. وفي معرض الإجابة، بين أن بحثه اعتمد على دراسة ميدانية، أجريت على عينة من 120 طالبًا، نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث، من طلاب المدارس في شرق القاهرة، يتوزعون على المرحلتين الإعدادية والثانوية. وأشارت نتائج البحث إلى أن 72 في المئة من الطلاب تدنّ تحصيلهم في ظل التعليم الإلكتروني عن بعد، لكن رغم ذلك أبدى 86 في المئة من طلاب العينة تفضيلهم لهذا النمط على النمط التعليمي التقليدي القائم على الحضور. وفي تفسيره لأبعاد هذا التناقض، بيّ أن ميزة التعليم الإلكتروني المتمثلة في إمكانية تقسيم الصفوف الكثيفة (والتي تحتوي في بعض الأحوال على ما يُراوح ما بين 60 و 90 طالبًا) إلى عدة فصول افتراضية، ما ينعكس إيجابيًا على تحصيل الطلاب، لكن النقيض تمامًا هو ما حدث، إذ جرى دمج الصفوف بأعداد أكبر، وتحولت إلى ما يشبه المحاضرات في المدرجات الجامعية. ثمة فرص بزغت من حنايا الأزمة، تعزز التحول إلى آليات للتعليم جديدة، منها المدارس الصغيرة، والتعليم المنزلي، ونوه فايد بمبادرة "شجرة" التي بدأ تطبيقها قبل الجائحة مثالً على ابتكار صفوف تعليمية في الأماكن المفتوحة الخارجية، وقد ثبتت فاعليتها في تعزيز التحصيل الدراسي. كم نوه بمنصة "أشطر" ومنصة "أبواب" بوصفهم ابتكارين جيدين يعززان من تطوير التعليم الإلكتروني البديل. وقال إن نجاح هذه الابتكارات يدفعنا إلى التفكير في المضي قدمًا نحو أنماط التعليم المرن والبيئة التعليمية المرنة. وشدد على أهمية إيجاد معادلة مغايرة تضمن مخرجات تعليم عالية للطلاب، وهو ما يقتضي الانفتاح على التجربة والابتكارات في المجال التعليمي، وعلى ضرورة أن يُدمج في النظم الجديدة ما يسمى "التلعيب الافتراضي للتعليم" Learning of Gamification Virtual. وأكد أن بحثه الميداني قد أظهر أن 93 في المئة من العينة يؤيدون هذه الفكرة. وختم الباحث مناقشته بضرورة التركيز على "التوطين المحلي للمناهج" Curriculum of Localization بحيث تتناسب مع المناطق المختلفة وظروفها المتباينة. وقد بادر الحضور بطرح عدد من التعليقات والتساؤلات، منها ما تعلق بأثر ملامح اللامساواة التي أوردها الباحث، وما قد ينجم عنها مستقبلً، الذي أكد أن الموضوع معقد، ويحتاج إلى إرادة مؤسسية وسياسية، وتفعيل المشاركة في القرار التعليمي، ونوه بما قاله عدنان الأمين في الحالة اللبنانية، عن أهمية المشاركة المجتمعية، وتوسيع قاعدة صنع القرار، وهذا أمر يقتضي إحداث تغيرات جذرية في السياسات. وحول ما يجب عمله لتطوير تأهيل المعلمين، نوه بأهمية التحول في طرق التدريس ذاتها، وهو أمر يقتضي فلسفة تدريب جديدة، وبرامج إعداد مختلفة، ووفق مشاركة فاعلة من مختلف عناصر العملية التعليمية. وبيّ أن الكثير من التجارب الناجحة في مجال التعليم الافتراضي التفاعلي يمكن البناء عليها، والإفادة منها مستقبلً.

اختتمت الورشة بتوكيد أبرز الأفكار والأطروحات التي تناولتها المداخلات وكذا تعليقات الحضور من الأكاديميين والباحثين. وفيها توكيد على أهمية اعتبار عام الجائحة فرصة، وخصوصًا أنه قد حرق مراحل في مسألة استيعاب التكنولوجيا والتنبيه على ضرورة الإسراع في تأسيس وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية لأنظمتنا التعليمية في مختلف البلدان العربية، والاهتمم بالتعليم القائم على التكنولوجيا، والمستوعب لمفاهيمها وأنظمتها. وكذلك بينت الورشة ضرورة التعمق في بحث المعوقات التي اعترضت العملية التعليمية حينم فرضت الجائحة التباعد الاجتمعي وإغلاق المدارس، وبالخصوص ما يتصل بالتقويم التربوي، وبمهارات المعلمين، وبتعزيز الإبداع التربوي طرقًا ومناهج، فضلً عن التنبيه على أهمية توجيه البحوث إلى قضايا حكامة المؤسسات التعليمية، وبيان السبل التي تمكن من إحداث طفرة في مجال الإدارة التعليمية، للخروج بها من طابعها التقليدي الراهن وفتح أفق الشراكة بين المنظومة التعليمية وبين المجتمع. كذلك شملت التعليقات تنبيهًا على أبعاد ما كشفته الجائحة من طغيان التفاوت واللامساواة، بما يعني ضرورة إنجاز تحولات في مجال عدالة التعليم وتكافؤ الفرص فيه، مع الانتباه إلى أبعاد الحق في التعليم في مجتمعاتنا، وهي مساحة تحدٍ تتخطى زمن الجائحة. في ختام الورشة، يؤمل أن تسهم مخرجاتها في تأطير مشروع بحثي متكامل في موضوع إصلاح سياسات التعليم وتحولاته الراهنة، تسعى حكامة إلى نشره مستقبلً. وقد شرعت بالفعل في وضع ورقته المرجعية وستعلن قريبًا فتح باب التقدم ببحوث في الموضوع.