إصلاح جهاز الإدارة العامة وتحديات إعادة بناء الدولة في اليمن
Public Administration Reform and the Challenges of Rebuilding the State in Yemen
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على واقع جهاز الإدارة العامة في اليمن، وتأثير المراحل، التي مرّ بها هذا البلد منذ اندلاع ثورة الشباب في عام 2011 وحتى الآن، في هذا الجهاز، وإذا ما كان بواقعه الحالي عاملً مساعدًا أم عاملًا معوقًا لجهود إعادة بناء الدولة في المرحلة المقبلة. اعتمدت الدراسة على منهجية نوعية استندت إلى مراجعة الوثائق والدراسات والأدبيات السابقة. وتوصّلت إلى أنه، إضافة إلى ما كان يعانيه هذا الجهاز من اختلالات، فقد أدّت الأحداث، التي شهدها اليمن منذ عام 2011 مرورًا بالحرب الدائرة منذ عام 2015، إلى مزيد من الاختلالات والانقسام في جهاز الإدارة العامة، وحدّت من قدرته على القيام بدوره الخدمي والتنموي، حيث أصبح أداة من أدوات الصراع. ولهذا، يتحتم على الحكومات المقبلة إيلاء هذا الجهاز أهمية خاصة، والعمل على إصلاحه وفق منهجية علمية سليمة لضمان قيامه بأدواره التنموية والخدمة بحياد ومهنية.
Abstract
endemic structural problems in the public administration system, the series of crises that have befallen Yemen since 2011, through the war ongoing since 2015, have spawned further challenges, attach special importance to this body and work to reform it according to a rigorous methodology
- جهاز الإدارة العامة
- التحول الديمقراطي
- بناء الدولة
- اليمن
- Public Administration
- Democratic Transition
- State Reconstruction
- Yemen
Associate Professor, Director of the Excellence Center for Training and Consultancy at Doha Institute for Graduate Studies. Email: aamaweri@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
يحتل جهاز الإدارة العامة أهمية خاصة بما يقوم به من أدوار حيوية في صنع السياسات العامة وتنفيذها، وهو الأداة التنفيذية للحكومة لتطبيق سياساتها وتقديم الخدمات للمواطنين. ويسود الاعتقاد بأن نجاح الحكومة، أو فشلها، يعتمد إلى حدّ بعيد على مدى كفاءة جهاز الإدارة العامة وفاعليّته في تنفيذ تلك السياسات. وتزداد أهمية هذا الجهاز في اللحظات المفصلية، التي تشهد فيها المجتمعات تغييرًا، ومنها فترات التحوّل الديمقراطي وإعادة البناء؛ ففي مثل هذه الفترات ترتفع تطلعات المواطنين وتوقّعاتهم من النظام السياسي الجديد، وتوضع على كاهل جهاز الإدارة العامة مسؤولية تنفيذ السياسات الجديدة التي تتبناها الأنظمة الديمقراطية الجديدة بما يفي هذه التطلعات. وهو ما يتطلّب وجود جهاز إدارة عامة تتوافر لديه مقومات النجاح والقدرة على مواكبة الظروف الدقيقة التي تحيط بمرحلة التحوّل، وتلبية احتياجات المواطنين وتطلعاتهم المتزايدة. وفي الجمهورية اليمنية، مثّل عام 2011 محطة مهمة في تاريخ التحوّل الديمقراطي؛ إذ مثّلت "ثورة الشباب" قوة دافعة لتوجيه دفّة التغيير نحو حكم ديمقراطي بما يعزّز سلطة الشعب وتطلعاته نحو مساحة أفضل من المشاركة، ونحو تنمية حقيقية تلبي طموحات الشعب. وقد أبدى جهاز الإدارة العامة نوعًا من الاستجابة للحراك الشعبي خلال تلك الفترة، وحظيت الموضوعات المرتبطة بتشخيص واقع جهاز الإدارة العامة وإصلاحه باهتمم مؤتمر الحوار الوطني خلال عامَي 2013 و 2014. وقدّم المؤتمر توصيات عديدة لإصلاح أداء الجهاز الإداري وتحسينه. غير أن هذا الجهاز عانى إشكالات عدّة، أبرزها تركة سياسات الاستبداد التي أثقلت كاهله، وأضاف إليها وقوع الجهاز في قلب صراع أطراف حكومة الوفاق (2014-2012) ومحاولاتهم السيطرة عليه. ثمّ إنّ تحوّل الأحداث منذ 2015 إلى جهة الحرب قد مثّل منعطفًا خطيرًا أثّر في جهاز الإدارة العامة، وترك آثاره في مختلف أوجه الحياة في اليمن. وفي ضوء هذه الأحداث، يثور السؤال عن وضع جهاز الإدارة العامة عبر عقد كامل، ومدى قدرته على القيام بدور فاعل في دعم التحولّات في اليمن. وتحاول هذه الدراسة استعراض تأثير المراحل المختلفة التي مرّ بها
اليمن في العقد الماضي، منذ اندلاع "ثورة الشباب" في هذا الجهاز، وصولً إلى ما آلت إليه الحرب الدائرة، على أمل استكشاف انعكاسات ذلك على مستقبل التحوّل الديمقراطي في اليمن، عبر تتبّع الإجابة عن السؤال: أكان جهاز الإدارة العامة بواقعه الحالي عاملً مساعدًا أم عاملً معوقًا لجهود التحوّل وإعادة بناء الدولة في اليمن؟ تأتي أهمية هذه الدراسة من طبيعة الموضوع نفسه؛ إذ صار محلًّ لاهتمم الباحثين في مجالات عدة. لكنّ حالة اليمن لم تحظ إلى الآن بالاهتمم اللازم من الباحثين العرب بصفة عامة واليمنيين على وجه الخصوص. وتلفت مثل هذه الدراسة انتباه القيادات السياسية والإدارية إلى الدور الحيوي لجهاز الإدارة العامة في تشكيل مستقبلٍ لليمن، يتّسم بالديمقراطية، ويستوعب طموحات التنمية والاستقرار التي يرومها المواطن اليمني. اتّبعت الدراسة منهجية نوعية، تبدأ بمراجعة الدراسات السابقة وتحليلها، وتعتمد على بنية معلوماتية واسعة من التقارير والإحصاءات والوثائق الرسمية الصادرة عن الجهات الرسمية وغير الرسمية المرتبطة بموضوع الدراسة. وقد جرى تقسيمها إلى عدة محاور تبدأ بمدخلٍ نظري، ثمّ استعراضٍ لنشأة جهاز الإدارة العامة في اليمن وتطوّره وجهود الإصلاح الإداري، يلي ذلك محور يسلّط الضوء على تأثير الأوضاع السياسية في جهاز الإدارة العامة خلال الفترة 2020-2011، وانعكاسات ذلك على دوره في مجال التحوّل الديمقراطي وإعادة بناء الدولة، ثمّ خاتمة تتضمن نتائج الدراسة وتوصياتها.
أولً: علاقة الإدارة العامة بالنظام السيايس
نشأت الدولة لتقوم بالعديد من الوظائف الأساسية، وتعدّدت هذه الوظائف وزاد تعقّدها بتطور المجتمعات، فأصبحت تغطي أوجه الحياة العامة كافةً تقريبًا. ويمكن بشكل عام توزيع وظائف الدولة على ثلاث وظائف أساسية: تأمين سلامة الدولة إزاء أيّ اعتداء من الدول الأجنبية؛ وترسيخ الأمن والنظام في الدولة على أساس العدل والقانون، سواء في علاقات المواطنين بعضهم ببعض أم في علاقاتهم بالدولة؛ وتنمية المجتمع وتطويره وخدمته في مختلف مجالات الحياة العامة. ويتطلّب القيام بهذه الوظائف من الدولة إنشاء نظام سياسي يختلف من دولة إلى أخرى باختلاف ظروف كلّ بلد وبيئته وتشريعاته. وبغض النظر عن تنوع النظم السياسية واختلاف غاياتها النهائية، فإنّها جميعها تحتاج إلى هيئة تتّخذ القرارات ذات الطابع الإلزامي المنجز لإرادة السلطة. هذه الهيئة اصطلح على تسميتها "الحكومة"، وأنيط بها إقرار سياسات عامة توجّه من خلالها موارد الدولة ومقدّراتها، والسياسة العامة هي ما يرسم نطاق عمل جهاز الإدارة العامة في النظام نفسه. أما مفهوم الإدارة العامة، فيخصّ مجموعة المؤسسات العامة، الحكومية، المعنية بتنفيذ السياسات العامة للحكومة، والاشتراك في صنعها، والعمل على تقديم الخدمات العامة للمواطنين. وهو ينظّم الشؤون اليومية للدولة بوحداتها المختلفة، وتنقسم الأجهزة الإدارية المختصة بالخدمات العامة إلى أجهزة مركزية، بينم تقع تلك الأجهزة المختصة بتقديم خدمات محدّدة في مناطق معينة من الدولة ضمن إطار الإدارة المحلية. ويعتمد نجاح جهاز الإدارة العامة في تنفيذ السياسات العامة التي تقرها الحكومة، ضمن عوامل أخرى، على قدرته على: توفير المعلومات الدقيقة وتقديم المشورة للحكومة والإسهام الموضوعي في صنع السياسات العامة الملبّية لمطالب المواطنين وطموحاتهم، وتأدية المهمت والواجبات المنوطة به بكفاءة وفاعلية بعد إقرار السياسة العامة، وتوفير التغذية الراجعة للحكومة بشأن مدى تلبية هذه السياسة لمطالب المواطنين وحاجاتهم. ومع تعقد وظائف جهاز الإدارة العامة وتشعّبها، صار على احتكاك مباشر مع قطاعات واسعة من المواطنين، يؤثر فيهم ويتأثر بهم على نحو يجعله أشبه بقناة اتصال بين الحكومة والمواطنين؛ إذ يقوم بتجميع مطالب المواطنين واحتياجاتهم وبلورتها ونقلها إلى الحكومة، إذا لم يبتّ فيها هو، ثمّ يقوم بتعبئة الموارد المختلفة وتوزيعها بما يتفق مع الأهداف المرسومة له، والتي يفترض فيها أنها تستجيب لحاجات المواطنين. يوظّف في ذلك مقدّرات مؤسساته وأجهزته المختلفة ويحشد المواطنين خلفها.
كامل بربر، الإدارة العامة في لبنان: التحديات والإصلاح (بيروت: دار المنهل اللبناني، 2006)، ص.27 موفق حديد، إدارة الأعمال الحكومية: النظريات والعمليات والموارد (عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع، 2002)، ص.145 أحمد رشيد، نظرية الإدارة العامة (القاهرة: دار المعارف، 1981)، ص.86-85 Goran Hyden, Julius Court & Ken Mease, "The Bureaucracy and Governance in 16 Developing Countries," World Governance Survey Discussion Paper 7, Overseas Development Institute, Tokyo, UNU, July 2003, p. 2, accessed on 12/5/2020, at: https://bit.ly/37MCB1K 5 حديد، ص.20 6 رشيد، ص.88 عبد المعطي عساف، النموذج المتكامل لدراسة الإدارة العامة، ط 2 (عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 2001)، ص.110
إن الثقة بالحكومة تعتمد بدرجة كبيرة على فاعلية جهاز الإدارة العامة وكفاءته ونوعية الخدمات التي يقدّمها للمواطنين، فإذا شعر المواطنون أن أجهزة الإدارة العامة لا تقدّم لهم الخدمات المطلوبة، فإن درجة استجابتهم وثقتهم بالحكومة القائمة تضعف. وعندما لا تكون أجهزة الإدارة العامة منظمة بطرائق رشيدة، ولا تتبع توجيهات السلطة الحاكمة وسياساتها المشروعة، فإن خطط التنمية تفقد فاعليتها وتأثيرها. وينعكس هذا سلبيًا على صورة الحكومة لدى المواطنين وخاصة في الدول الديمقراطية. من هنا تنبع أهمية النظر إلى خصائص أجهزة الإدارة العامة، وتوجّه تنفيذ سياساتها، وبخاصة ما يتعلّق منها بحيادية هذا الجهاز وبكيفية ضبط تبعيّته للحكومة بحيث لا تعكس انحيازًا إلى فئة أو جمعة. وهو أمر يختلف من دولة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى، تبعًا لتطوّر المجتمع؛ ففي الدولة غير الديمقراطية، عادة ما تكون الإدارة العامة أداة تابعة للحزب الحاكم وتكون أداة لخدمة مصالح النخبة الحاكمة، في حين تتّسم الإدارة العامة في الدولة الديمقراطية بدرجة أعلى من الحياد والمهنية، ويكون محور اهتممها هو تحقيق المصالح العامة للمواطنين، بمعنى أنه مع التطوّر الديمقراطي للمجتمع يتحوّل جهاز الإدارة العامة من أداة سيطرة وتحكّم إلى أداة خدمة عامة ذات توجّه تنموي. ولضمن قيام جهاز الإدارة العامة بدوره الحيوي في تقديم الخدمات وتحقيق التنمية المنشودة بالكفاءة المطلوبة، فإن الحكومة معنية بالإشراف على أعمل هذا الجهاز، والحرص على اكتساب الرضا العامّ عن السياسات المنفذة والثقة بالحكومة القائمة، ومراقبة أدائه، إلى جانب سلطات القضاء والتشريع، لتتأكد من استخدامه الوسائل والآليات المناسبة التي تكفل التنفيذ الكُفء للسياسات العامة وتلبية احتياجات المواطنين. في أزمنة التحولّات، عادة ما تظهر فجوة بين توقّعات المواطنين وطموحاتهم في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق العدالة وبين الواقع المعيش، حيث يتوقّع المواطنون تحقيق تطلعاتهم في فترات وجيزة، وهو أمر يؤثّر في مسارات التغيير، فعادة ما تستغلّ القوى الفاعلة هذه التوقّعات وتعمل على تشجيعها لكسب تأييد المواطنين. وقد يترتّب على ذلك تبني سياسات متسرّعة وطموحة وغير واقعية لا يتمكّن النظام الجديد من تنفيذها وتلبية تطلعات المواطنين في الوقت المحدّد؛ ما قد يولد مشاعر سلبية لدى المواطنين ويزيد السخط الشعبي، فينجم عن ذلك حالة من عدم الاستقرار، تختلف باختلاف الدول وطبيعتها، وغير ذلك من العوامل. ويقصد بإعادة بناء الدولة هنا تأسيس الهياكل والمؤسسات العامة، وتقويتها بما يمكّنها من تحقيق التنمية؛ إذ يجري التركيز على توفير مؤسسات تعمل على تحقيق الأمن وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين والقيام بوظائف الدولة بكفاءة وفاعلية بما يعزّز من شرعية الدولة والحكومة القائمة. وتمثّل عملية إعادة البناء أولوية، خاصة في الدول التي تمرّ بمرحلة ما بعد الصراع، وتتضمن العديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تعزز النهج الديمقراطي؛ وهو ما يتطلب إعادة إصلاح جهاز الإدارة العامة وتعزيز حوكمته، لضمن تأديته مهمته الخدمية والتنموية لمختلف المواطنين بمهنية عالية.
8 حديد، ص.59 9 عساف، ص.135-134 10 رشيد، ص 92،.96 11 علي الدين هلال، "دراما الانتقال: العوامل الهيكلية لعدم استقرار أنظمة ما بعد الربيع العربي"، مجلة السياسة الدولية، السنة 49، العدد 194 (2003)، ص.3 12 محمد الشريف أقضي ولزهر وناسي، "إعادة بناء الدولة الفاشلة: دراسة في المنطلقات المفاهيمية والنظرية"، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، مج 9، العدد 2 (تموز/ يوليو 2020)، ص.507-504
وفي مراحل إعادة البناء، عادة ما تواجه الأنظمة الجديدة العديد من الصعوبات والمعوّقات أمام تحقيق أهداف المرحلة. يتعلق بعض هذه التحديات بالنظام السابق، ويتعلق بعضها الآخر بحالة التعقيد في بيئة التحوّل. ويعدّ جهاز الإدارة العامة إحدى البنى التي لا تسقط مع سقوط النظام السابق؛ إذ تكون أغلبية قيادات هذا الجهاز معيّنة من النظام السابق ومن الصعب تغييرها من دون ضوابط وقيود وشروط محدّدة. ولذلك فإن هذا الجهاز يؤثّر في مدى تحقيق النظام الجديد لأهدافه من خلال وحداته ومكوّناته المختلفة، فقد يساعد النظام الجديد في تحديد وسائل التحوّل وأساليبه، وتشكيل سياسات وأهداف جديدة، ويقوم بدوره في تنفيذ تلك السياسات والأهداف. ويمكن أن يؤدّي دورًا معوقًا لتوجّهات النظام الجديد وأهدافه. ونظرًا إلى أهمية دور جهاز الإدارة العامة، فإنّ ثمة خطورة في فقدانه الحياد في هذه المراحل. وتشير تجارب عديدة لإعادة البناء في الدول النامية إلى قيام الأنظمة السياسية بوضع القيادات الإدارية الموالية لها في المواقع المؤثّرة في جهاز الإدارة العامة، انطلاقًا من رغبتها في البقاء ولتحقيق أهدافها الخاصة بدلً من أهداف الخدمة العامة. ذلك أن تلك القيادات يجري تعيينها وفق معايير الولاء والانتمء السياسي إلى الحزب الحاكم، على حساب معايير الجدارة والكفاءة واعتباراتها، وهذا، ضمن عوامل أخرى، من مسبّبات ضعف قدرات مؤسسات جهاز الإدارة العامة في العديد من الدول النامية. أضف إلى هذا أنّه حين تصبح الأجهزة الحكومية محصّنة ضدّ الرقابة والمساءلة والمحاسبة من المجالس الشعبية المنتخبة أو الاستشارية، فإنّ احتملات الفساد وانتشاره تتصاعد بشدة، ومعه العديد من المظاهر السلبية التي تعيق عمل أجهزة الإدارة العامة. وتشير الدراسات إلى أن من أبرز مظاهر الاختلالات في جهاز الإدارة العامة في الدول النامية، ومنها الدول العربية، الشكلية (الرسمية) في الهياكل والتشريعات، وضعف مستوى التنفيذ، والتداخل في الأدوار والوظائف، وتدنّ مهارات الموظفين، وتأثير العوامل السياسية في الإدارة العامة، وضعف معايير التعيين والترقيات، وانتشار الفساد والمحسوبية، وتراجع مستوى الأداء في الأجهزة الحكومية، وضعف الشفافية، وغياب مشاركة المواطنين في صنع القرارات وضعفها، وضعف نظم تقييم الأداء. ولوحظ في مراحل التحوّل، في بعض الدول النامية، عمل هذه الأجهزة قوةً معارضةً نصيرةً للوضع الراهن، ومعوقةً لأيّ إصلاح من شأنه أن يحرمها من الحصول على الامتيازات أو المكتسبات أو يحدّ من هيمنتها على المجتمع. وقد أظهرت الدلائل الميدانية أنّ انتشار العديد من المظاهر السلبية في جهاز الإدارة العامة كان له تأثير سلبي في جهود إعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع، وفي تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في العديد
13 Nahla Mahmoud Ahmed & Alia Abd el Hamid Aref, "In Transitional Periods how does Bureaucracy Work Steadily," Review of Economics and Political Science , vol. 4, no. 2 (2019). p. 121, accessed on 12/5/2020, at: https://bit.ly/3rg9U3U 14 حليمة قيداري، "دور الجهاز البيروقراطي في تحقيق التنمية السياسية في الجزائر"، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم، الجزائر، 2017، ص 66، شوهد في 2020/5/12، في: https://bit.ly/3jzmM0Q 15 Vinothan Naidoo, "Changing Conceptions of Public Management and Public Sector Reform in South Africa," International Public Management Review , vol. 16, no. 1 (2015), pp. 36-37, accessed on 12/5/2020, at: https://bit.ly/3rnu786 16 عماد الشيخ داود، الفساد والإصلاح (دمشق: اتحاد كتاب العرب، 2003)، ص.47 17 أنيس صقر خصاونة، "أثر جهود الإصلاح السياسي في الأردن على تحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية من وجهة نظر الموظفين في مراكز الوزارات الأردنية: دراسة استطلاعية"، المجلة الأردنية في إدارة الاعمال، الجامعة الأردنية، مج 11، العدد 4 (2015)، ص 767، شوهد في 2020/5/12، في: https://bit.ly/38223jY 18 حليمة، ص.93
من الدول النامية. وهو ما دفع العديد من المنظ مت الدولية للدعوة إلى إصلاح هذا الجهاز وإرساء قواعد الشفافية والنزاهة والمساءلة لحمية النظام العامّ والاستقرار السياسي، من خلال القضاء على الفساد والدعوة إلى تطبيق الحكم الجيد؛ حتى يكون أداة جيدة وداعمة لعملية التحوّل وجهود إعادة البناء.
ثانيًا: نشأة وتطور جهاز الإدارة العامة منذ عام 1990 وحتى
ثورة الشباب
جرى تشكيل جهاز الإدارة العامة في الجمهورية اليمنية بعد تحقيق الوحدة اليمنية في أيار/ مايو 1990 بدمج الأجهزة الإدارية في شطري اليمن. وفي أثناء المرحلة التحضيرية لقيام دولة الوحدة، جرى تشكيل لجان مشتركة للتحضير لعملية دمج الأجهزة. غير أنّ هذه اللجان اعتمدت على منهجية تفاوض ركّزت على تحقيق أهداف الطرف الذي تمثّله، من خلال الحفاظ على أنظمته وأدواته الإدارية، ولم تركّز على بناء جهاز إداري كُفْءٍ يلبّي تطلعات المواطنين. ولم يكتمل عمل هذه اللجان؛ إذ داهمها إعلان الوحدة، وانتهى بها الحال إلى نظام للإدارة العامة في دولة الوحدة قوامه دمج شكلي توفيقي للجهازين القائمين آنذاك في شطري اليمن اعتنى باقتسام المناصب بين شريكي الوحدة الحزبين الحاكمين آنذاك - المؤتمر الشعبي العام في الشمل والحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب – من دون إصلاح وتطوير ملموس، يستند إلى دراسة علمية وتقييم جاد. وبذلك ورث الجهاز الجديد الاختلالات التي كانت قائمة في الجهازين السابقين، وصار جهازًا متضخمً وعاجزًا عن القيام بأعباء التنمية المنشودة وتحقيق تطلعات المواطنين. وقد تأثّرت عملية بناء جهاز الإدارة العامة اليمني آنذاك بعدد من العوامل منها، العوامل السياسية: وشملت ترتيب أوضاع من جرى إقصاؤهم من أعملهم نتيجة للصراع السياسي قبل الوحدة، ومعالجة أوضاع المنتسبين إلى المنظمت الجمهيرية والحزبية بعد قيام الجمهورية اليمنية. وشملت كذلك استيعاب عدد كبير من المغتربين العائدين من الدول الخليجية بعد حرب الخليج (1991-1990)، وتسييس جهاز الإدارة العامة؛ والعوامل الإدارية: وأبرزها التزام الحكومة بالاستيعاب الكامل لخرّيجي التعليم وطالبي العمل في ظل غياب تخطيط معتبر للموارد البشرية؛ والعوامل الاجتمعية والثقافية: وأهمها تلك النظرة المجتمعية التي تمجّد الوظيفة الإدارية العامة، وتنظر بدونيّة في المقابل إلى الوظائف الفنية والمهنية، هذا في ظل تدنٍّ في مستوى التعليم ترتّب عليه توظيف نسبة كبيرة من ذوي المؤهلّات الدنيا في مؤسسات الحكومة، وعزّزه انتشار الوساطة والمحاباة التقليدية؛ والعوامل الاقتصادية: كتدهور الوضع الاقتصادي، وتراجع مستوى المعيشة، وارتفاع معدّل البطالة، واستمرار تدنّ مستوى أداء القطاع العامّ، والتوجّه نحو الخصخصة، وغيرها من العوامل.
19 قاسم ميلود، "الفساد والبيروقراطية: ودورهما في تآكل مضامين الديموقراطية في الجزائر"، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، العدد 29 (حزيران/ يونيو 2017)، ص.308 20 نبيل شمسان، "الإصلاحات الإدارية والخدمة المدنية خلال خمسة عشر عامًا"، ورقة عمل مقدّمة في ندوة: خمسون عامًا من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، صنعاء، نيسان/ أبريل 2005، ص.4 21 المرجع نفسه، ص.5 22 Ahmed Al-maweri, "Public Administration in Yemen and Efforts for Administrative Reform," A Paper Submitted to the Middle East and North Africa Conference for Public Administration Researches, Institute of Public Administration, Kingdom of Bahrain, 23-24/4/2014, p. 57.
ترتّب على ما سبق قيام جهاز إداري مُثقلٍ بكثير من الاختلالات التي تمثّل أبرزها في: هيكل تنظيمي متضخّم، تقادُم التشريعات، تداخل الاختصاصات، تعقيد الإجراءات، المركزية، التضخّم الوظيفي، ضعف المهارات الضرورية للعمل، أساليب العمل التقليدية، غياب نظم المعلومات، تدنّ مستوى الأداء، وضعف مستوى الخدمات، إضافة إلى استشراء مظاهر الفساد الإداري والمالي في مختلف أجهزة الإدارة العامة.
1. جهود الإصلاح الإداري
سعيًا منها لمعالجة الاختلالات التي سادت الجهاز الإداري، تبنّت الحكومات اليمنية عددًا من برامج الإصلاح الإداري، وذلك على النحو الآتي:
أ. برنامج البناء الوطني والإصلاح السيايس والاقتصادي والمالي والإداري 1991
ركّز البرنامج على قضايا حيوية منها: تطوير الأنظمة واللوائح وأدلة الإجراءات، وتبسيط الإجراءات، وتفويض الصلاحيات، وتوفير البيئة المناسبة للعمل والاهتمم بالموظفين، وتنمية المهارات العلمية والعملية للقيادات والكوادر الإدارية، والاختيار السليم المبني على الكفاءة والأسبقية، وتحييد الإدارة، ووضع نظم مالية أكثر دقة ومرونة لتعزيز قدرة الدولة في الحفاظ على المال العامّ، ووضع نظم الرقابة على الأداء وتطبيقها وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب. وعلى الرغم من ذلك، لم يتم تنفيذ البرنامج نظرًا إلى عديد المعوقات والإشكالات التي عاناها اليمن، وكان من أبرزها ما نجم عن أزمة الخليج في عام 1990، وما ترتّب عليها من آثار ثقيلة على الاقتصاد الوطني، والأزمة الاقتصادية الحادّة التي مرّ بها اليمن، والنموّ البطيء للقطاع الخاص وضعف أدائه وإسهامه في تخفيف حدّة الأزمة، والاحتقان السياسي الذي ساد بين الحزبين الحاكمين آنذاك، والذي أوصل البلاد إلى حرب عام 1994. أدّى كلّ ذلك إلى إثقال كاهل الموازنة العامة بخسائر كبيرة؛ نتيجة توجيه موارد الدولة إلى تمويل المجهود الحربي الذي كان على حساب التنمية الشاملة.
ب. برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري 1995
تبنّت الحكومة هذا البرنامج بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدولييّن والمؤسسة الدولية للتنميةIDA في
البنك الدولي، وتقرّر البدء في تنفيذه من آذار/ مارس 1995، وركّز على عدد من المجالات كإصلاح اختلالات الجهاز الإداري، وتصحيح بعض الاختلالات الهيكلية في القطاع الاقتصادي كتدهور قيمة العملة وارتفاع التضخم وزيادة معدّل البطالة وغيرها. ورغم الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي أجريت والتحسُّن النسبي في المؤشرات الاقتصادية والمالية والاستثمرية بشكل عام آنذاك، فإن النتائج لم تكن بالمستوى المأمول، ثمّ إنّ القطاع الخاص ظلّ يعاني
23 Ibid. 24 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، برنامج البناء الوطني والإصلاح السياسي، والاقتصادي، والمالي والإداري 1991، ص.80-77 25 Almaweri, p. 58 26 نبيل شمسان، "مجالات التجديد والتحديث في الإدارة الحكومية اليمنية"، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر السنوي السابع للجمعية العربية للإدارة بعنوان "نحو إدارة حكومية فعالة ورشيدة"، صنعاء، 2005/6/20-19، ص.2
مشكلات اقتصادية وإدارية وتشريعية قيّدت أداءه وأضعفت من إمكانية قيامه بدوره القيادي في المجال
التنموي، وكانت الإصلاحات الإدارية محدودة جدًّا وغير منظّمة، ولم تتناسب مع الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي أجريت.
ج. استراتيجية تحديث الخدمة المدنية:
نظرًا إلى عدم نجاح التعامل الجزئي والانتقائي للإصلاح الإداري خلال الفترة السابقة، عملت الحكومة منذ منتصف عام 1997 على التعامل مع الإصلاح الإداري وفق رؤية استراتيجية متكاملة، حيث جرى إعداد مشروع استراتيجية لتحديث الخدمة المدنية - الإدارة العامة - وافقت عليه الحكومة اليمنية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (290) لعام 1998. اشتملت الاستراتيجية على أربعة مكوّنات أساسية هي: بناء الأنظمة الأساسية وتطويرها؛ ترشيد حجم الموظفين؛ إعادة البناء والهيكلة لوحدات الخدمة العامة؛ وبناء القدرات وإدارة التغيير. كان البدء في تنفيذ المرحلة الأولى من استراتيجية الإصلاح الإداري في آذار/ مارس 2000، وكان من المخطّط أن تنتهي في كانون الأول/ ديسمبر 2005. وخلال هذه الفترة جرى تنفيذ الإصلاح الإداري في سبع جهات حكومية استرشادية، بحيث يجري بعد استكمل عملية إصلاحها تقييم التجربة، ثم التعميم على بقية الجهات. غير أن التنفيذ العمليّ واجه معوّقات إدارية، وسياسية، واجتمعية، واقتصادية أدّت إلى تمديد المرحلة الأولى إلى عام.2010 تزامن مع تنفيذ المرحلة الأولى من استراتيجية الإصلاح الإداري في عام 2000، تبنّي نظام السلطة المحلية، حيث جرى إصدار القانون رقم 4 لسنة 2000 بشأن السلطة المحلية في اليمن، قسّم بموجبه اليمن إلى مستويين محليين: محافظات ومديريات، ومنحت المحافظات والمديريات العديد من الصلاحيات الإدارية والمالية في مجال إدارة الشأن المحلي، ثمّ منحت حقّ انتخاب مجالس محلية تمثل المواطنين فيها، وأصبحت فروع الوزارات في المحافظات والمديريات أجهزة محلية تابعة للسلطة المحلية فيها. ومع اكتمل المرحلة الأولى، تبيّ ضعف نتائج عملية الإصلاح الإداري ومحدودية آثارها على صعيد أغلب الجهات التي جرى التنفيذ فيها، بل تعثّ بعضها. ويعود ذلك إلى عدد من العوامل التي أسهمت في إعاقة تنفيذ مشروع تحديث الخدمة المدنية، بعضها يتعلّق بالجهات المستهدفة كظهور أشكال متعدّدة من مقاومة التغيير، وعدم تجاوبها مع جهود المشروع، وغياب التنسيق بين الوحدات الاسترشادية المختلفة. وبعضها الآخر يتعلق بالمشروع نفسه: كضعف سلطة المشروع في مواجهة الوحدات الإدارية الأخرى، وقلّة عدد القائمين عليه، وعدم تفرّغهم لإدارة المشروع، وغيرها من العوامل الأخرى التي تتعلق ببيئة الإدارة العامة، كعدم توافر المساندة الكافية لتنفيذ مخرجات المشروع، وضعف التوعية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية.
27 Al-maweri, p. 59 28 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، "قرار مجلس الوزراء رقم (290) لعام 1998 م بشأن الموافقة على استراتيجية تحديث الخدمة المدنية." الجمهورية اليمنية، وزارة الخدمة المدنية والإصلاح الإداري، "مشروع تحديث الخدمة المدنية، وثيقة استراتيجية تحديث الخدمة المدنية"،.1998 30 شمسان، "مجالات التجديد والتحديث"، ص.3 31 الجمهورية اليمنية، وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، مشروع تحديث الخدمة المدنية، تقرير عن مستوى تنفيذ مشروع تحديث الخدمة المدنية حتى يونيو 2010، ص.57
2. أبرز مشكلات جهاز الإدارة العامة على الرغم من الجهود التي بذلت لإصلاح جهاز الإدارة العامة حتى عام 2010، فإنّ وضع الجهاز الإداري اليمني لم يشهد تحسّنًا ملموسًا؛ فقد استمرّ العديد من المظاهر السلبية التي يمكن استعراض أبرزها على النحو الآتي:
أ. غياب الرؤية الاستراتيجية للدولة
وهو ما انعكس على أغلب الأجهزة الحكومية التي تمّ إنشاؤها من دون القيام بدراسة حقيقية وتحديد دقيق لدورها ووظيفتها؛ إذ جرى تأسيس الكثير من الأجهزة والوحدات من دون أن تعبّ عن احتياجات مجتمعية فعلية. نتج من ذلك تضخم هيكلي كبير، حيث وصل عدد الأجهزة الحكومية بحسب بعض التقارير إلى 350 وحدة إدارية ما بين وزارة وهيئة ومؤسّسة ومصلحة عامة ومجالس عليا وصناديق ومراكز ولجان وغيرها. وعلى صعيد القطاع الواحد، كان هناك تضخّم وتداخل في الهياكل القائمة على إدارة النشاط نفسه أدّى إلى تنازع اختصاصات بين العديد من الوحدات، وتحميل الموازنة العامة تكاليف إضافية، ثمّ إنّ الهيكل التنظيمي لكثير من هذه الوحدات لم يَجرِ إعداده وفقًا لأسس علمية سليمة ومعايير موضوعية، والعديد منها اتّسم بقِدمه وعدم ملاءمته للتطوّرات والمستجدات. أضف إلى ذلك ضعف التنسيق وتدنّ مستوى الأداء وطول الإجراءات وتعقيدها. وعلى المستوى المحلي، قام عدد من الوزارات وأجهزة السلطة المركزية ذات العلاقة، وفقًا لقانون السلطة المحلية، بفتح مكاتب لها في المحافظات والمديريات بنسب متفاوتة. ففي حين وصلت النسبة إلى 90 في المئة وأكثر لمعظم الأجهزة على مستوى المحافظات، فإن هذه النسبة بلغت 50 في المئة على مستوى العديد من المديريات؛ ما أضعف الوجود الإداري للأجهزة التنفيذية المحلية خاصة على مستوى المديريات لتمكين السلطة المحلية من أداء مهمتها في تقديم الخدمات التي يحتاجها المواطنون في المحليات. وتشير الدراسات إلى وجود تداخل وتنازع في الاختصاصات بين الأجهزة المركزية والمحلية؛ ما أدّى في حالات عدّة إلى تكرار التدخلات من جهة، وعدم انسجامها مع متطلبات الواقع المحلي من جهة أخرى.
ب. التضخم الوظيفي
أدّت سياسات توظيف غير موضوعية إلى تضخم الجهاز الإداري بمقدار الربع تقريبًا، بوصول عدد الموظفين في
عام 2008 إلى 542788 موظفًا مقارنة ب 404522 موظفًا في عام 1998. مع ملاحظة أن ثلثي الموظفين ظلّوا من حملة مؤهّل الثانوية فم دون، في حين بقيت نسبة الموظفين من حملة المؤهلات الجامعية والتخصصية عند نسبة الثلث، أي 33.3 في المئة فقط من إجملي الموظفين.
32 الجمهورية اليمنية، المركز الوطني للمعلومات، تقرير الهياكل المؤسسية للدولة (صنعاء.)2012: 33 محمد علي المقبلي، "أهمية التدوير الوظيفي في وحدات الخدمة العامة ومتطلّبات نجاح التطبيق"، ورقة عمل مقدمة إلى ورشة العمل الخاصة بالتدوير الوظيفي في وحدات الخدمة العامة بالجمهورية اليمنية، المعهد الوطني للعلوم الإدارية، صنعاء، 2013/11/7-5، ص.23 34 الجمهورية اليمنية، وزارة الإدارة المحلية، مشروع الاستراتيجية الوطنية للحكم المحلي 2015 م، صنعاء، 2008، ص 38، شوهد في 2020/5/12، في: https://bit.ly/3OdHqBW 35 المرجع نفسه، ص.55 36 يحيى محمد المحاقري، "سياسات وإجراءات التوظيف في الخدمة المدنية بالجمهورية اليمنية؛ الواقع وآفاق التطوير"، رسالة ماجستير، مركز تطوير الإدارة العامة، جامعة صنعاء، صنعاء، 2012، ص.152
وإضافة إلى ما سبق، فقد عانى جهاز الإدارة العامة عدة اختلالات منها: الازدواج الوظيفي، واستمرار التوظيف بالتعاقد على الرغم من عدم الحاجة الفعلية إلى هؤلاء الموظفين، وعدم التزام العديد من الجهات الحكومية بإحالة من ينطبق عليهم القانون إلى التقاعد، وشحّ في برامج التدريب وبناء القدرات خاصة في المجالات النوعية، وضعف مستوى الأجور والحوافز؛ ما دفع الكثير من الموظفين، خاصة من ذوي المهارات العالية، لترك الوظيفة العامة والانتقال إلى القطاع الخاص أو المنظمت الدولية، وأحيانًا إلى الهجرة بحثًا عن فرص معيشة أفضل. كم واجه نظام معلومات موظفي جهاز الإدارة العامة عدّة إشكالات منها: تقادم بيانات الموظفين وتقادم التجهيزات، وعدم استكمل تنفيذ البصمة الوظيفية، وعدم استكمل ربط قاعدة بيانات موظفي الدولة في الجهات المدنية والأمنية والعسكرية، وضعف إجراءات الأمن والسلامة فيها.
ج. ضعف الإمكانات وقصور التمويل
عانى كثير من وحدات جهاز الإدارة العامة تقادم أنظمة العمل ووسائلها وإمكاناتها، فأغلبية الأعمل تنجز يدويًّا، مع قصور كبير في استخدام التقنيات الحديثة في أغلبية الجهات، خاصة مع انقطاع الكهرباء المستمر وضعف خدمات الإنترنت؛ ما جعل كثيرًا من الخدمات التي تقدّمها هذه الأجهزة تأخذ إجراءات ووقتًا أطول ممّ يجب. وفي ظل غياب الشفافية، تبرز مشكلات عدة تتعلّق بالفساد. أضف إلى ذلك عدم توافر المقارّ المناسبة والتجهيزات اللازمة للعمل، وخاصة على المستوى المحلي التي تفتقر إلى أبسط مقومات العمل. وكان أيضًا لركود النشاطات الاقتصادية بعد عام 2011 أثره السلبي في مالية الدولة، التي عانت تراجعًا حادًّا وعجزًا متزايدًا لعدة سنوات، وهو ما دفع الحكومة لمحاولة سدّ العجز في الموازنة من خلال الدين العامّ، بشقّيه الخارجي والداخلي، إضافة إلى تقليل الإنفاق على الجوانب الرأسملية والاستثمرية في الموازنة. وقد انعكس ذلك سلبيًا على أداء جهاز الإدارة العامة وقدرته على الوفاء بالتزاماته التنموية والخدمية؛ فعلى سبيل المثال، تدنّ مستوى الخدمات الأساسية حيث أصبحت خدمات الكهرباء لا تغطي سوى 42 في المئة فقط من السكّان مع انقطاع مستمرّ، وخدمات الأمن والقضاء والسلطة المحلية تغطي 35.2 في المئة فقط، وخدمات المياه تغطي 26 في المئة والصرف الصحي يغطّي حوالى 16 في المئة من الشبكة العامة.
د. اختلالات الأطر التشريعية
اتّسمت التشريعات الحاكمة لعمل جهاز الإدارة العامة بالتقادم، وغياب اللوائح التنظيمية ولوائح التوصيف الوظيفي، ووجود تعارض وازدواج في العديد من تلك التشريعات؛ فعلى سبيل المثال، تظهر الدراسات أنّ هناك
37 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، "قرار مجلس الوزراء رقم (207) لسنة 1999 م بشأن معالجة أوضاع الموظفين بالتعاقد." 38 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، الجهاز التنفيذي لاستيعاب التعهدات، تقرير عن الوضع الراهن إطار المسؤوليات المتبادلة (التعهدات والإصلاحات)، الربع الثالث، صنعاء (أيلول/ سبتمبر، 2014)، ص.29 39 الجمهورية اليمنية، وزارة الإدارة المحلية، مشروع الاستراتيجية الوطنية، ص.39 40 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن 2015، ص.4 41 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، البرنامج المرحلي للاستقرار والتنمية 2014-2012 م (تموز/ يوليو 2012)، ص 6، شوهد في 2020/5/10، في: https://bit.ly/3rpWPp3
العديد من القوانين واللوائح - تصل إلى ما يزيد على 80 تشريعًا - التي تتعارض مع تشريعات السلطة المحلية. وهو ما جعل الموظفين في حالة ارتباك، وأتاح فرصة للاجتهاد في تفسير النصوص، وأدّى إلى انتشار الفساد.
ه. ضعف الثقافة التنظيمية
سادت جهاز الإدارة العامة ثقافة تنظيمية تضمّنت العديد من الملامح السلبية، منها: المحسوبية، والوساطة، واستغلال الوظيفة العامة لتحقيق مصالح شخصية، وعدم حياد الوظيفة العامة واستغلالها سياسيًّا، وغياب الشفافية، وتأثير الفاعلين في التوظيف في الأجهزة العامة، وإهدار وقت الدوام الرسمي، وعدم الانضباط الوظيفي. أدى ذلك إلى التأثير السلبي في مستوى الخدمات المقدّمة من أغلب أجهزة الإدارة العامة.
ثالثًا: جهاز الإدارة العامة والأوضاع السياسية 2020-2011
تتأثّر الإدارة العامة بالبيئة المحيطة إيجابيًا أو سلبيًا، وقد عانى اليمن خلال العقد الماضي تردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتمعية، فانعكس ذلك سلبيًا على مختلف مجالات الحياة، وأفرز مزيدًا من الضغوط والآثار السلبية على جهاز الإدارة العامة، وعلى الرغم من أنّ الدستور اليمني نصّ على أن النظام السياسي في الجمهورية اليمنية هو نظام ديمقراطي يقوم على التعددية السياسية والحزبية، فإنّ الممرسة السياسية لعقدين من الزمن اتّسمت بسيطرة حزب واحد - هو المؤتمر الشعبي العام - على مقاليد الحكم، سواء على المستوى المركزي أو المحلي، وهذا الوضع أوجد حالة من الاحتقان بين السلطة والأحزاب السياسية المعارضة - على الرغم من هشاشة دورها وغياب ديمقراطيتها داخليًّا - أدّت إلى الدخول في جولات من التفاوض لإصلاح الأوضاع، غير أنّ تلك الجهود باءت بالفشل. تزامنت مع هذا الوضع حالة احتقان في الجنوب مع ظهور الحراك الجنوبي والمناداة بمطالبات حقوقية خلال عام 2007، وتصاعدت المطالب إلى أن وصلت إلى المطالبة بفكّ الارتباط وانفصال الجنوب، وحالة الصراع المسلّح في شمل اليمن والحروب التي حدثت بين السلطة والحركة الحوثية منذ عام 2004، إضافة إلى تزايد نشاط تنظيم القاعدة في اليمن، وانعكاساتها السلبية على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتمعي في البلاد. ارتبطت كلّ تلك المظاهر بانتشار الفساد لدى النخبة السياسية، وحدوث نوع من التحالف بين النخب السياسية والمجتمعية والعسكرية والاقتصادية، كرّس سيطرة النخبة السياسية على مقاليد الحكم والسلطة وضمن مصالح النخب الحليفة؛ ما زاد من تأزّم الوضع على الساحة الوطنية، خاصة مع تردّي الأوضاع الاقتصادية وتراجع موارد البلد كم سبقت الإشارة إلى ذلك. ثمّ انعكس ذلك سلبيًا على الوضع الاجتمعي والإنساني في اليمن، فخلال عام 2011، على سبيل المثال، وبحسب الإحصاءات الرسمية، وصلت نسبة البطالة بين الشباب إلى 52.9 في المئة في الفئة العمرية (24-15)، وبلغت نسبة 44.4 في المئة في الفئة العمرية (59-25). وارتفع معدّل الفقر ليصل إلى حوالى 54.4 في المئة من السكان.
42 أحمد محمد الماوري، "التقييم القانوني لنظام السلطة المحلّية في اليمن ومقترحات التطوير"، مؤسسة بيرغهوف، برلين (كانون الثاني/ يناير 2018)، ص 12، شوهد في 2020/5/10، في: https://bit.ly/3JrdPRK 43 عادل الشرجبي، "المسار الثوري للتحوّل الديمقراطي: تحليل سوسيولوجي لثورة الحرية والتغيير في اليمن"، ورقة مقدّمة لمؤتمر اليمن إلى أين، القاهرة، 2012/1/24-23، ص.2 44 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، البرنامج المرحلي، ص.7
أدّت تلك الأزمات المتتالية إلى تدني مستوى الأداء العام، وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، على نحو أفرز مزيدًا من الضغوط على جهاز الإدارة العامة بسبب تزايد السخط الشعبي. ترافق الغضب من تردّي الخدمات مع غضب من انتشار الفساد ووصول الحياة السياسية إلى طريق مسدود في عام 2010، بعدما فشلت جولات الحوار المتعدّدة بين النظام الحاكم وأحزاب المعارضة، وارتفعت الأصوات المطالبة بالتغيير والإصلاحات الجادة في مختلف المجالات، وفي ضوء ما سبق، ومع تصاعد الأحداث المطالبة بالتغيير في عدد من الدول العربية، خرج الشباب اليمني للمطالبة بالتغيير في بداية عام.2011
1 ي. تأثير الأوضاع السياسية ف جهاز الإدارة العامة 2015-2011
في ظل احتدام الوضع السياسي في اليمن، بعد خروج الرئيس علي عبد الله صالح من السلطة وتعثّ المبادرة الخليجية واتجاه الوضع إلى العسكرة، حاول موظفو الخدمة العامة إطلاق الاحتجاجات من أوساط البيروقراطية نفسها. كان موظفو عدد من وحدات الجهاز الإداري الحكومي قد نظموا إضرابًا عن العمل أطلقوا عليه "ثورة المؤسسات"، وطالبوا بتغيير القيادات التي وصفوها بالفاسدة والمحسوبة على نظام صالح والإتيان بقيادات نزيهة، وشمل ذلك أيضًا عددًا من الوحدات الأمنية والعسكرية، ونجم عن ذلك تغيير قيادات تلك الجهات. جاء تشكيل حكومة الوفاق الوطني، في كانون الأول/ ديسمبر 2011، مناصفة بين حزب المؤتمر الحاكم وحلفائه من جانب، وأحزاب اللقاء المشترك المعارض وشركائه من جانب آخر، ليبعث الأمل في تجاوز التداعيات على مسار التغيير، خاصة أنّ تشكيل حكومة الوفاق جاء في إطار المبادرة الخليجية المدعومة إقليميًّا ودوليًّا، والتي نصّت على إعداد برنامج للاستقرار الاقتصادي والتنمية وتنفيذه لمعالجة الاحتياجات العاجلة للسكان في كلّ مناطق اليمن. تضمّن برنامج حكومة الوفاق تشخيصًا لوضع البلد في ضوء أحداث عام 2011، وما نجم عنها من تراجع اقتصادي حادّ، وتدهورٍ في مستوى الخدمات الحكومية وغيابها في العديد من المناطق، وتزايدٍ في معدّل البطالة وتفاقم في ظاهرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الوضع الإنساني. وتضمّن أيضًا العديد من السياسات الرامية إلى معالجة الاختلالات في مختلف المجالات، ومن ضمنها إصلاح منظومة الحكم الرشيد بما في ذلك تطوير جهاز الإدارة العامة وتقديم خدمات حكومية بجودة عالية وبأقل تكلفة. غير أنّ ما تضمّنه البرنامج لم يأخذ في الاعتبار المدة الزمنية للفترة الانتقالية المحددة بسنتين، والشحّ في الموارد المالية الذاتية للحكومة، إضافة الى اعتمده في تمويله أساسًا على دعم المانحين. في إطار مؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقد خلال الفترة 18 آذار/ مارس 25-2013 كانون الثاني/ يناير 2014، جرى تحديد محاور للحوار تضمّنت تسع قضايا هي: القضية الجنوبية، قضية صعدة، قضايا ذات بعد وطني والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، بناء الدولة، الحكم الرشيد، أسس بناء الجيش والأمن ودورهم، استقلالية الهيئات ذات الخصوصية، الحقوق والحرّيات، التنمية الشاملة والمتكاملة والمستدامة.
45 "'ثورة مؤسسات' في اليمن"، الجزيرة نت، 2011/12/28، شوهد في 2021/4/20:. في https://bit.ly/3uss8Be 46 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، البرنامج المرحلي، ص.3 47 المرجع نفسه. 48 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني، وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل،.2014
وعلى الرغم من أهمية مؤتمر الحوار على صعيد إعادة بناء الدولة، فإنه عانى عدّة مشكلات، منها: رفض فصيل الحراك الجنوبي المنادي بانفصال جنوب اليمن المؤتمر كليّة واستمرار مطالبته بالانفصال، وعدم تمكّن المؤتمر من حسم بعض القضايا الحيوية منها: مضمون النظام الفدرالي وخاصة تقسيم الأقاليم، وموضوع العدالة الانتقالية؛ ما أثار الجدل على نطاق واسع. ومع تشكيل لجنة تحديد الأقاليم من جانب الرئيس عبد ربه منصور هادي، وإعلان اللجنة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم: أربعة منها في الشمل واثنان في الجنوب، زادت حدّة الجدل والخلاف في ذلك، ورفض الحراك الجنوبي وحركة أنصار الله "الحوثيّون" هذا التقسيم، ومثّلت تلك إحدى القضايا التي أجّجت الصراع المسلّح. ثمّ حدثت خلافات أيضًا بشأن تمثيل المكوّنات السياسية في لجنة الضمنات، وبشأن مسوّدة الدستور. وعلى صخرة الخلافات انهار الوضع، وسيطر الحوثيّون على صنعاء بمساعدة من قوات الرئيس السابق صالح في أيلول/ سبتمبر 2014. جاء ذلك إثر موجة غضب شعبي من قرار الحكومة برفع الدعم عن الوقود وتدهور الخدمات الأساسية واستمرار الفساد. ومع تزايد الصراع في صنعاء فرّ الرئيس هادي إلى عدن ثمّ إلى المملكة العربية السعودية، التي تدخّلت عسكريًّا بقيادة تحالف لدعم هادي في 26 آذار/ مارس 2015، وبدأ هادي ممرسة عمله مع حكومته من السعودية. خلال هذه الفترة 2014-2012، كان تركيز حكومة الوفاق والمانحين على إنجاز بعض التقدّم في المسار السياسي، خاصة انتقال السلطة، من دون الاهتمم بتحقيق إنجازات ملموسة على صعيد مطالب المواطنين واحتياجاتهم من الخدمات الأساسية الملحّة. ثمّ إنّ ضعف أداء الحكومة وانشغالها بالصراع الداخلي بين طرفيها ومحاولة استخدام الجهاز الإداري في عملية الصراع، قد انعكس سلبيًا على جهاز الإدارة العامة الذي تراجع أداؤه بصفة ملحوظة. لقد مثّل جهاز الإدارة العامة "حلبة صراع" للقوى السياسية المكوّنة لحكومة الوفاق، حيث سعى كلّ طرف لمحاولة الحصول على نصيبه من "الكعكة" في المواقع القيادية في جهاز الإدارة العامّة من خلال تعيين الموالين له في المواقع المختلفة؛ ما أدّى إلى خروج جهاز الإدارة العامة عن دوره الخدمي المحايد. ترتّب على ذلك مزيد من الاختلالات في عمل الجهاز الإداري، وزيادة معدلّات الفساد وضعف مستوى الأداء، وبدلً من أن يكون هذا الجهاز رافدًا لعملية التحوّل الديمقراطي ودافعًا لها من خلال العمل على تحسين الخدمات وتلبية مطالب المواطنين، أصبح أداة لتحقيق مصالح الأحزاب والقوى المتصارعة. وقد أشار العديد من التقارير والدراسات إلى أن حكومة الوفاق عانت ضعفًا في أدائها، واتّسمت بضعف قدرتها على استيعاب المساعدات الدولية خلال المرحلة الانتقالية، ويعود ذلك إلى أسباب عدّة منها: اختلال جهاز الإدارة العامة وانتشار العديد من المظاهر السلبية، مثل التضخّم وتسييس الجهاز الإداري، وغياب
49 وضّاح العولقي وماجد المذحجي، "الحكم المحلي في اليمن في ظل النزاع والاضطراب"، أوراق بيضاء، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (تموز/ يوليو 2018)، ص 19، شوهد في 2020/5/10، في: https://bit.ly/3FQ5aIE 50 Mohammed Ghobari, "Hothis Tighten Grip on Yemen Capital after Swift Capiture, Power- Sharing Deal," 22/9/2014, accessed on 2/4/2020 at: https://reut.rs/3KxuAvQ 51 العولقي والمذحجي، ص.19 52 رأفت الأكحلي وأسامة الروحاني وأنتوني بيسويل، "الحكومة الانتقالية بعد الصراع في اليمن، إعادة تصوّر الاقتصاد اليمني"، أوراق سياسات، العدد 14، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.)2019(
الكفاءة والفاعلية، وإساءة استخدام السلطة، والمحسوبية في التعيينات، وغياب معايير الجدارة، وإهدار المال العام، وغياب المساءلة والعقاب؛ ما أسهم في انتشار الفساد. كل ذلك أدّى إلى تراجع ثقة المواطنين بالحكومة وأجهزتها الإدارية، وضعف ثقة المانحين بها أيضًا. وقد أشارت التقارير إلى أنه ينبغي للحكومة اليمنية الشروع في إصلاح جهاز الإدارة العامة وإحداث تغييرات حقيقية في هيكله وممرساته إذا ما أرادت الحفاظ على ثقة الشعب اليمني. وعلى مستوى المانحين، لم يكن جهاز الإدارة العامة يتّسم بالكفاءة والفاعلية، ولذا كان في حاجة إلى جهود لإصلاحه؛ ففي أيلول/ سبتمبر 2012، التزم المانحون بتقديم دعم لليمن يصل إلى 8 مليارات دولار تقريبًا في مقابل التزام الحكومة اليمنية بعمل بعض الإصلاحات الملحّة، التي تضمنتها وثيقة "إطار المسؤوليات المتبادلة"، والتزمت فيها الحكومة بالعمل على تعزيز الحكامة والشفافية في عملها، وبناء الشراكة مع القطاع الخاص ومنظمت المجتمع المدني، والعمل على تلبية الاحتياجات الإنسانية للمواطنين، وتوفير الخدمات الأساسية وغيرها من الالتزامات. ونظرًا إلى عدم تمكّن الحكومة من تنفيذ أغلب التزاماتها، فقد طالبتها الدول المانحة بتأسيس جهاز مستقل لاستيعاب المساعدات، والإشراف على مستوى تنفيذ إطار المسؤوليات المتبادلة وعلى الاستخدام الكُفءِ للمساعدات المقدّمة، ورفع تقارير دورية إلى المانحين عن ذلك. وعلى الرغم من تأسيس ذلك الجهاز، فإنّ أداءه كان متباطئًا؛ وذلك لأسباب عدة منها مقاومة العديد من الجهات لعمله لأنّه سلبها صلاحياتها. ومع استمرار تراجع أداء الحكومة وجهازها الإداري تزايد الوضع الاقتصادي سوءًا ولم تتمكّن الحكومة من الحصول على الكثير من المساعدات التي كانت موعودة بها؛ ما أثّر سلبيًا في صورة الحكومة لدى المانحين ولدى المواطنين أيضًا. في مؤتمر الحوار الوطني، برز الاهتمم بجهاز الإدارة العامة ضمن نقاشات عدد من فِرق الحوار الوطني، وقد تضمّنت مخرجاته العديد من النصوص الرامية إلى إصلاح وضع جهاز الإدارة العامة. فقد نصّت المخرجات على تبنّي النظام الاتحادي - الفدرالي - على مستوى الدولة، بحيث يكون هناك ثلاثة مستويات إدارية: على المستوى الاتحادي، وعلى مستوى الأقاليم، وعلى المستوى المحلي (محافظات/ مديريات). ونصّت أيضًا على أن يقوم النظام الإداري على مبدأ اللامركزية المالية والإدارية وعلى تبنّي مبادئ الحكم الرشيد، من أجل تحسين كفاءة الإدارة والوظيفة العامة، وتضمّن ذلك التركيز على قضايا عدة منها: إعادة هيكلة وظائف الدولة والعمل على إصلاح جهاز الإدارة العامة وإعادة هيكلة وحداته وترشيد حجمه وتبسيط إجراءات تقديم الخدمات. تصحيح الاختلالات في إدارة الموارد البشرية في الأجهزة الحكومية، وتوفير نظام أجور وحوافز حديث ومنافس وجذّاب، وتبنّي مدوّنة أخلاقيات الوظيفة العامة.
53 فاطمة أبو الأسرار، "حلول ضيقة الأفق لمشاكل مزمنة: الحاجة إلى تحقيق الكفاءة للمساعدات في اليمن"، ورقة بحثية رقم (141)، برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، مركز دراسات الديمقراطية والتنمية وحكم القانون، جامعة ستانفورد، آب/ أغسطس 2013، ص 8-6، شوهد في 2020/5/18 في: https://stanford.io/3E74w8H 54 Ginny Hill et al., Yemen: Corruption, Capital flight and Global Drivers of Conflict, A Chatham House Report (London: Chatham House, 2013), p. 39, accessed on 18/5/2020, at: https://bit.ly/36eqB8Q 55 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني، أسس بناء الدولة المدنية الحديثة، سلسلة كتيّبات الحوار الوطني، الكتاب الأول، 2014، ص.50-31
تقييم الأداء الحكومي ورفع كفاءة وفاعلية الجهاز الحكومي، وتفعيل دور الأجهزة والوحدات الرقابية الداخلية والخارجية، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وتعزيز إجراءات مكافحة الفساد، واستخدام التكنولوجيا الحديثة. العمل على ضمن حياد الوظيفة العامة، وتجريم تسييسها أو استغلالها لمصلحة أحزاب أو جمعات أو أشخاص. تطوير سياسات إدارة الدولة، والأخذ بالتخطيط الاستراتيجي، والعمل وفق رؤية واضحة على تنمية الموارد العامة واستثمرها وتوجيهها نحو تحقيق التنمية الشاملة، والاستفادة من مؤسسات البحث العلمي في تطوير الإدارة وتحقيق أهداف التنمية.
2. تداعيات الحرب على جهاز الإدارة العامة 2020-2015
في ظلّ الحرب، انقسم الجهاز الإداري إلى جهازين: أحدهم في صنعاء يتبع حكومة أنصار الله (الحوثية)، والآخر في عدن يتبع الحكومة المعترف بها دوليًّا، فبعد إعلان الرئيس هادي عدن عاصمة مؤقّتة، في 17 آذار/ مارس 2015، جرى العمل على تأسيس جهاز إداري يخضع للحكومة التابعة لهادي في عدن، في حين ظلّ الجهاز الإداري في صنعاء يخضع لحكومة صنعاء التابعة لأنصار الله. وفي عدن لم تتمك ن الحكومة من تحقيق الاستقرار الذي كانت تطمح إليه، فقد واجهت معوّقات عدّة منعت وجودها هناك، لعل أبرزها تنامي نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا الذي أسّس في أيار/ مايو 2017، وطالب باستقلال الجنوب بحدود ما قبل 22 أيار/ مايو 1990. نجم عن ذلك عدم استقرار الحكومة في عدن وممرسة مهمتها من السعودية أساسًا؛ ما أثّر سلبيًا في الحياة العامة في عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية التي تتبع حكم هادي. ومع استمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المحافظات الجنوبية وغياب دور الحكومة، جرى تنظيم العديد من التظاهرات في نهاية عام 2018 ضدّ حكومة هادي، وطالب المجلس الانتقالي بإسقاطها واتّهمها بالفساد ودعا إلى السيطرة الشعبية على مؤسسات الدولة الإيرادية. انتهت تلك الأحداث بفرض المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على عدن وبعض المحافظات الجنوبية، بعد مواجهات عسكرية مع قوات هادي، ومع استمرار المصادمات المسلّحة بين الطرفين خلال عامي 2018 و 2019، وتردّي الأوضاع وغياب الحكومة عن المشهد في المحافظات الجنوبية وضعف أدائها، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في نيسان/ أبريل 2020 الإدارة الذاتية للجنوب، وعمل على إحكام سيطرته على عدن وعدد من المحافظات الجنوبية الأخرى. أدّت حالة الصراع هذه إلى تجاذب جهاز الإدارة العامة في عدن بين الحكومة غير المستقرة هناك والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يفرض سيطرته على الأرض؛ ما ولَّد إرباكًا كبيرًا لهذا الجهاز فعجز عن تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات للمواطنين، وعرّضهم لمزيد من الأخطار والمعاناة. وفي المقابل، على الرغم من تعطّل
56 عدنان المقطري، "مآلات التدخل العسكري في اليمن وانسداد أفق المفاوضات"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018/10/23، ص 1، شوهد في 2020/5/24، في: https://bit.ly/3vlf7sK 57 المرجع نفسه، ص.3
عمل أغلب أجهزة الإدارة العامة في صنعاء بعد الحرب نتيجة القصف المستمر، وانقطاع الرواتب وضعف الموارد وغيرها من العوامل، فإنّ الجهاز الإداري استأنف عمله في حدوده الدنيا، مع ضعف أو غياب شبه كامل للخدمات الأساسية. ومع عجز جهاز الإدارة العامة المركزي وتراجع أدائه، سعت أجهزة السلطة المحلية في المحافظات، بالتعاون مع المنظمت الدولية والمحلية، للقيام بسدّ العجز وممرسة الدور الأساس في مجال توفير الحدّ الأدنى من الخدمات الضرورية وتلبية الحاجات الإنسانية الملحّة مع تفاوت حادّ في قدرات هذه الأجهزة وإمكاناتها التي تأثّرت بتدني الموارد المحلية الذاتية وتوقّف الدعم المركزي والموارد العامة المشتركة ضمن عوامل أخرى. غير أنّ الواقع أفرز اختلافًا واضحًا في مستوى أداء أجهزة السلطة المحلية، فعلى مستوى المحافظات التي تخضع لهادي، يمكن التمييز بين عدّة حالات: فقد عانت محافظة عدن، العاصمة المؤقتة، والمحافظات المجاورة لها صراعًا مستمرًّا بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، نجم عنه تدهور الأوضاع فيها وعدم قدرة الأجهزة المحلية على القيام بمهمتها في تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات للمواطنين. وفي المقابل، تمكّنت بعض المحافظات من تعزيز سلطاتها، كحضرموت والمهرة ومأرب، حيث أصبحت أجهزة السلطة المحلية في هذه المحافظات تقوم بعمل جهاز الإدارة العامة من دون أن يكون لها ارتباط حقيقي بحكومة هادي، ومارست صلاحيات واسعة تجاوزت الإدارة المركزية وعزّزت استقلالها المالي والإداري. فعلى سبيل المثال، حافظت السلطة المحلية في محافظتي حضرموت ومأرب على مواردها المحلية، إضافة إلى بعض الموارد السيادية كالنفط والغاز على الرغم من تناقصها؛ ما عزّز من قدرتهم على دفع رواتب الموظفين المدنيين فيهم بانتظام وتغطية التكاليف التشغيلية للسلطة المحلية، إضافة إلى تمويل ميزانيتهم الاستثمرية التي تغطّي توفير الخدمات المحلية وتطوير البنية التحتية والكهرباء والمياه وصيانتها، ومعالجة مياه الصرف الصحي وغيرها من الخدمات العامة، واستطاعت المحافظتان خلال عام 2017 الحصول على موافقة الحكومة لمنح كلتيهم 20 في المئة من إيراداتها النفطية لإعادة استثمرها في المحافظة. وفي حين مثّل الدعم المستمر من رجال الأعمل المقيمين خارج اليمن، من المنتمين إلى محافظة حضرموت، عاملً مساعدًا للسلطة المحلية في القيام بدورها وتقديم الخدمات للمواطنين، فقد مثّلت قيمة صادرات الغاز من مأرب موردًا مهمًّ للمحافظة مكّنها من تحسين قدرتها على تنفيذ العديد من المشاريع الخدمية للمواطنين، وساعدها أيضًا على مواجهة احتياجات الأعداد الكبيرة من المواطنين النازحين إلى المحافظة من المحافظات الأخرى، حيث بلغ عدد ساكني المحافظة في عام 2018 مليونين وأربعمئة ألف تقريبًا مقارنة ب 240000 شخص كانوا يقطنونها قبل الحرب. في حين أنّ محافظتي سوقطرة والمهرة تعانيان حالة عدم استقرار نتيجة نوع آخر من الصراع بين دول قيادة التحالف لمحاولة فرض النفوذ فيهم. وعلى مستوى المحافظات، التي تخضع لسيطرة أنصار الله، يمكن القول إنّ شحّ الموارد المحلية في أغلبها، وغياب الدعم المركزي لها، وانقطاع الرواتب وحالة الحرب والحصار القائمة، وتدمير عدد كبير من مقارّ السلطة المحلية في أغلب المحافظات قد أثّرت سلبيًا في قدرتها على تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات الأساسية.
58 ينظر: مؤسسة بيرغهوف، "مسح الحكم المحلي للمحافظات اليمنية"، برلين، 2020، شوهد في 2020/5/24، في: https://bit.ly/3JwWo29 59 العولقي والمذحجي، ص 23،.31 60 المرجع نفسه، ص 33،.34
ويلاحظ أنّ السلطة المحلية فقدت جزءًا من صلاحياتها لصالح الحكومة المركزية، فإنشاء الهيئة العامة للزكاة في صنعاء في أيار/ مايو 2018، على سبيل المثال، جعل الزكاة موردًا مركزيًّا بعد أن كان محليًّا وفقًا لقانون السلطة المحلية، ثمّ إنّ جهات مركزية عدة حاولت ممرسة صلاحيات المحليات مدفوعة بالضغوط المالية. وتخضع محافظات أخرى لسيطرة مشتركة من الحكومتين وتعاني صراعًا مسلّحًا، كم هو الحال في تعز والحديدة والبيضاء، على سبيل المثال؛ ما أربك عمل السلطة المحلية فيها وأثّر سلبيًا في قدرتها على القيام بمهمتها الخدمية وضاعف من معاناة المواطنين. ونتيجة تدهور الوضع الاقتصادي وتعثر إيرادات النفط والغاز، التي كانت أكبر موارد الموازنة العامة، وتدهور إيرادات الضرائب، حدث انخفاض شديد في الإيرادات العامّة خلال عامَي 2015 و 2016؛ ما دفع نحو تخفيض جميع أشكال الإنفاق، والتركيز على توفير الرواتب للقطاع العام فقط. وبعد نقل البنك المركزي إلى عدن في أيلول/ سبتمبر 2016، حدثت أزمة سيولة حادّة منعت تسليم الرواتب إلى موظفي الدولة في العديد من الجهات، ثمّ توقّفت نفقات تشغيل مؤسسات الدولة والمرافق الخدمية؛ وقد أدّى ذلك إلى تدهور الخدمات العامة وانقطاعها في أغلب المحافظات، وعدم وضع موازنة للدولة حتى بداية عام 2018. تجدر الإشارة إلى أنّ استمرار قطع رواتب أغلب الموظفين في جهاز الإدارة العامة، في أغلب المحافظات الشملية، حتى الوقت الراهن، قد مثّل عائقًا أمام مئات آلاف الموظفين من القيام بمهمتهم بصفة مستمرة، وأثّر سلبيًا في مستوى أداء الجهاز الإداري في تلك المحافظات. وبعد نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، وانقسام سلطة إدارته بين المدينتين، تنامت الصعوبات أمام القطاع المصرفي والتجاري نتيجة تضارب السياسات والآليات التي تبنّاها كلّ طرف، وتسبّب في فرض رسوم جمركية وضريبية مزدوجة أثّرت سلبيًا في القطاع الخاص وفي المواطنين؛ ما ولّد انطباعات سلبية لدى المواطن تجاه السلطتين، نتيجة تحمّل المواطن في نهاية الأمر تبعات تضارب تلك السياسات في شكل تضاعف أسعار السلع والخدمات المقدمة له، وتفاوت سياسة التعامل مع العملة الوطنية. يضاف إلى ما سبق، تقادم اللوائح والأنظمة الحاكمة لعمل أجهزة الإدارة العامة وعدم مواكبة العديد منها للمستجدات، وضعف الالتزام بتنفيذها، وتداخل العديد منها وتعارضها؛ وهو ما يؤثّر سلبيًا في مستوى أدائها. واستمرّت عملية التعيينات في الجهاز الإداري وخاصة في المواقع القيادية بعيدًا عن اعتبارات الكفاءة والجدارة. ثمّ إنّ مختلف سياسات الموارد البشرية من ترقيات وحوافز وغيرها كانت لا تخضع لمعايير موضوعية. وتزامن ذلك مع تسرّب العديد من الكفاءات للعمل في القطاع الخاص أو المنظمت الدولية أو إلى خارج البلد بحثًا عن فرص حياة أفضل. ثمّ إن استمرار التوظيف سواء بالبدل عن المنقطعين أو التوظيف الجديد قد زاد من عبء الجهاز الإداري وأثقل كاهله بموظفين زائدين على الحاجة.
61 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، العدد 34، حزيران/ يونيو 2018، ص.3-2 62 "أولويات لتعافي القطاع الخاص في اليمن؛ إصلاح بيئة الأعمال والاستثمار"، ورقة سياسات، العدد 15، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 2019/9/9، ص 6، شوهد في 2020/5/12، في: https://bit.ly/3KGVqll 63 البنك الدولي، التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن: المرحلة الثالثة، تحديث 2020 (واشنطن: 2020)، ص 52، 53، شوهد في 2020/5/12، ف:ي https://bit.ly/37iTBfX
ومع استمرار التحشيد والتعيينات، التي تقوم على الولاءات الضيّقة التي لا تخدم الوطن بقدر ما تخدم جهات التعيين، واستمرار عملية التعبئة التحريضية والصراعية، ترسّخت الثقافة التنظيمية السلبية في الجهاز الإداري أكثر وزاد الوضع سوءًا، وأدّت إلى انتشار مزيد من الفساد خاصة في ظل غياب آليات الشفافية والمساءلة في عمل أجهزة الإدارة العامة وتغييب دور الأجهزة الرقابية وأجهزة مكافحة الفساد. وكذلك جرى تعطيل عمل مجلس النوّاب الذي انقسم بين الطرفين، وأصبح جزءًا من الصراع السياسي الدائر، وهذه القيم لا تتوافق مع الثقافة التي ينبغي لها أن تسود جهاز الإدارة العامة في مرحلة إعادة البناء، فلا بدّ من أن تسود قيم الشفافية والمساءلة، والنزاهة، والعدالة، وسرعة الاستجابة، والتوجّه نحو المواطن، وغيرها من القيم. إضافة إلى ذلك، تعرّضت البنى التحتية لعدد من الأجهزة الحكومية المركزية والمحلية للتدمير؛ ما أعاق عمل تلك الجهات، وأدّى إلى تردّي العديد من الخدمات كالصحية والتعليمية وانعدام خدمات أخرى كالكهرباء والمياه وغيرها، وخاصة في المحافظات الشملية. ثمّ إنّ تقادم التجهيزات اللازمة للعمل في أجهزة الإدارة العامة خاصة في المحافظات الشملية وعدم القدرة على توفير بعض التجهيزات وقطع الغيار للعديد من الأجهزة العامة قد أعاقها عن القيام بمهمتها. وفي ظلّ ضعف خدمات الاتصالات والإنترنت في البلد، خاصة مع تدمير العديد من مواقع الاتصالات، فإنّ ذلك مثّل أحد التحديات أمام التحوّل نحو أتمتة الأعمل الحكومية وتقديم الخدمات إلكترونيًّا، وقد ضعف نظام معلومات الموارد البشرية في الخدمة المدنية، حيث يعاني النظام إشكالات عدة منها: ضعف طاقته الاستيعابية، وتقادم التجهيزات المادية وأنظمة التشغيل، وبطء عملية تحديث بيانات الموظفين ومتابعة المتغيرات المستمرة، وضعف الربط مع الجهات الحكومية، وتدني مستوى الأمان والسلامة، إضافة إلى ضعف قدرات موظفي الوزارة في هذا المجال، وغيرها من المشكلات التي تتطلب معالجات وتطويرًا. ثمّ تزايد الطلب على مختلف الخدمات في العديد من المحافظات، نتيجة حالة النزوح الداخلي الكبير في العديد من المحافظات التي استقبلت النازحين؛ ما زاد من معاناة المواطن وعدم رضاه عن الخدمات، وهو ما يمثّل تحديًا جديدًا لجهاز الإدارة العامة. إضافة إلى ما كان يعانيه جهاز الإدارة العامة قبل الحرب من اختلالات متعدّدة أضعفت من كفاءته وفاعليّته، يتّضح لنا من خلال ما سبق، أنّ الحرب قد أسهمت في المزيد من الاختلالات، وأوجدت العديد من التحديات التي أنهكت كاهل هذا الجهاز. ولعل نظرة سريعة في بعض المؤشرات الدولية تساعد على توضيح الحالة التي وصل إليها هذا الجهاز، وذلك على النحو الآتي: أظهر مؤشر الدول الهشة أن اليمن دخل وضعية الهشاشة على نحوٍ متدرّج خلال العقد الأخير، فقد احتل المرتبة الخامسة عشرة خلال عام 2010، ثم وصل إلى المرتبة السابعة في عام 2015، ونتيجة لحالة الحرب التي يمر بها اليمن وانعكاساتها على مختلف الأوضاع، فقد وصل اليمن خلال عام 2020 إلى المرتبة الأولى ضمن الدول الهشة بدرجة 4.112. وتجدر الإشارة إلى أنّ المؤشر يرتّب الدول وفقًا لمقياس
64 المقطري، ص.3 65 البنك الدولي، ص.82 66 الجمهورية اليمنية، وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، "خطّة عمل لتنفيذ برنامج شطب الموظفين الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي في نظام الخدمة المدنية بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية"، بدعم من برنامج تنمية القدرات الطارئة، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، أيلول/ سبتمبر 2013، شوهد في 2020/5/12، في: https://bit.ly/3KPq7VO
من 0 الأكثر استقرارًا – 120 الأكثر هشاشة موزعة على 12 مؤشرًا فرعيًّا، وتصنّف الدول بناء على النتائج إلى أربعة مستويات رئيسة: الدول المستدامة التي تحقّق نتائج (29.9-0)؛ الدول المستقرة (59.9-30)؛ الدول المحذرة (89.9-60)؛ الدول المنذرة (120-90)، ثمّ يصنّف كلّ مستوى إلى مستويات فرعية، وقد جاء اليمن في المستوى الثالث من بين الدول المنذرة التي لديها إنذار مرتفع جدًّا. وأشار مؤشر الحكم الجيّد، الصادر عن البنك الدولي، إلى تراجع كبير في وضع اليمن خلال السنوات الماضية. فقد تراجع المؤشر الفرعي الخاص بفاعلية الحكومة من 8.11 في المئة في عام 2011، إلى 4.1 في المئة في عام 2017. ثمّ تراجع مؤشر التنظيم من 3.22 في المئة في عام 2011، إلى 8.5 في المئة في عام 2017. وتراجع مؤشر مكافحة الفساد من 6.6 في المئة في عام 2011، إلى 4.1 في المئة في عام 2017، وهو ما يشير إلى تدهور دور مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة حتى راوح بين 0 في المئة و 6 في المئة؛ ما يعني أنّ وضع اليمن وفقًا لمؤشر الحكم الرشيد متردٍّ جدًّا ويزداد الوضع سوءًا سنة بعد أخرى. يظهر مؤشر مدركات الفساد العالمي، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، تراجع وضع اليمن في هذا المجال؛ إذ تراجع من المرتبة 164 في عام 2011، إلى المرتبة 177 في عام 2019، ما يشير إلى أنّ اليمن أصبح من ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم.
3. انعكاسات وضع الإدارة العامة على التحوّل الديمقراطي وجهود إعادة البناء
لعوامل الثقة بالحكومة دور مؤثّر في لحظات التغيير، وغالبها يرتبط بقدرة الجهاز الإداري على الوفاء بالخدمات الأساسية للمواطنين. هذا الوضع كان جليًّا في اليمن، فقد كان العجز هو الحال في أغلب المحافظات في مرحلة ما قبل الحرب وما بعدها؛ ما أدّى إلى تراجع ثقة المواطنين به، ولذا سيكون من الصعب عليه بوضعه الحالي القيام بدوره في تقديم الخدمات خلال مرحلة التحوّل الديمقراطي وبناء الدولة، بما يلبّي احتياجات المواطنين وتطلعاتهم ويتواكب مع طبيعة المرحلة. ثمّ إنّ قدرة الجهاز الإداري في مرحلة التحوّل وإعادة البناء على الإسهام في صنع السياسات العامة التي تلبي احتياجات المواطنين وتطلعاتهم وتتوافق مع أهداف المرحلة، وتزويد صانعي السياسات بالمعلومات الدقيقة عمّ يحتاجه المواطنون ستكون محلّ تساؤل، في ظل غياب نظم المعلومات الحديثة والدقيقة، وغياب الشفافية، والمساءلة وتدنّ مستوى المهارات، وغيرها من العوامل. وانعكست مظاهر الاختلالات التي أوضحناها سلبيًا على قدرة الجهاز الإداري في التنفيذ الواعي والاحترافي للسياسات العامة وتقييمها، وتزويد صانع القرار بردود أفعال المواطنين تجاه تلك السياسات واقتراح التعديلات الضرورية. فمهم كانت السياسات التي يتبنّاها النظام الجديد طموحة ومستجيبة لاحتياجات المرحلة، فإنّ سوء عملية التنفيذ من جانب جهاز الإدارة العامة وقصورها قد يولِّد ردود فعل سلبيّة لدى المواطنين تجاه النظام السياسي في مرحلة التحوّل، ويفقده الدعم والمساندة الشعبية التي يحتاجها في هذه المرحلة الحرجة.
67 The Fund for Peace, "Fragile States Index," accessed on 10/4/2020, at: https://bit.ly/3JBy6V0 68 The World Bank, Worldwide Governance Indicators, Country Data Report for Yemen , accessed on 10/4/2020, at: https://bit.ly/3OjmSIf 69 Transparency International, "Corruption Perception Index," accessed on 10/4/2020, at: https://bit.ly/3E6pZi5
كان واضحًا في اليمن مدى افتقار الجهاز الإداري إلى قنوات تواصل سلسة وشفّافة مع المواطنين؛ إذ لم يوضع المواطن في بؤرة تركيز مخطط السياسات ولا منفّذيها، واستمر الروتين البيروقراطي المعوق، وتعقيد إجراءاته وطولها؛ ما جعل الجهاز الإداري غير قادر على القيام بدوره بفاعلية، بصفته حلقة وصل بين النظام السياسي الجديد والمجتمع. وقد أسهم هذا في تعميق الفجوة بين النظام والمواطنين، عن قصد أم عن غير قصد، وظهر مقدار التفاوت الكبير بين ما يتبنّاه النظام وما يتطلّع إليه المواطنون، وانعكس في تزايد السخط الشعبي تجاه النظام الجديد وعلى حالة الاستقرار في مرحلة التحوّل. يتقاطع ما أبرزته حالة اليمن التي عرضنا لها مع ما تتحدّث عنه دراسات التحوّل الديمقراطي من "حتمية منهجية"، حيث يرتهن نجاح الإصلاحات الاقتصادية والاجتمعية المنشودة في الدول التي تمرّ بمراحل التحوّل الديمقراطي بامتلاكها الأساليب والأدوات التي تتوافق مع التحوّل المطلوب، ومن بينها وجود جهاز إدارة عامة محترف، يمتلك البنية التحتية والمؤسسية اللازمة لتنفيذ التحوّل المطلوب. وقد بيّنت حالة اليمن تعثّ التحوّل من النموذج التقليدي الروتيني السائد إلى نموذج حديث يتوافق مع متطلبات التحوّل ويقوم على تقنيات الحكامة وقيمها، ومن ذلك التعثّ في إعادة هيكلة الجهاز الإداري، وتخليصه من الترهّل، ورفع قدراته وقدرات عامليه. كان تسييس الجهاز يضيف إلى جملة من الاختلالات التي ظلّت تعيقه عن تنفيذ سياسات المرحلة الانتقالية وأهدافها، وتعرقل تقديم الخدمات التي تلبّي تطلعات المواطنين بما يتناسب وطبيعة المرحلة. وهو حال
لم تنفرد به اليمن؛ إذ عرفته العديد من الدول التي تعثّ فيها الانتقال الديمقراطي، بعدما أهملت إصلاح جهاز الإدارة العامة فيها ولم تضعه ضمن أولويات الإصلاح السياسي، للقيام بدوره بكفاءة وفاعلية في إنجاح عملية التحوّل. تبيّ المقارنة بتجارب نجح فيها التحوّل الديمقراطي أنّ جهاز الإدارة العامة قد أدّى دورًا أساسيًّا في العملية التنموية، وبما يكشف اعتمد جانب من نجاح المسار الديمقراطي على كفاءة الجهاز الإداري، التي تسهم في تحسين صورة النظام السياسي الجديد أمام المواطنين، من خلال ما ينجزه ويعالج به الأزمات المجتمعية. فرضت حالة اليمن المتعثّة ما بلورته الدراسات عن أهمية إعادة إصلاح جهاز الإدارة العامة ومحاربة الفساد، باعتبار ذلك اللبنة الأولى في جهود إعادة البناء في مرحلة ما بعد الثورة. وأظهرت حالاتها ضرورة العمل على تطبيق مبادئ الحكامة لجهاز الإدارة العامة وتعزيز اللامركزية والمشاركة المجتمعية من أجل زيادة كفاءته وفاعليته في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتمعية التي قد تعيق عملية التنمية في المجتمع. بالمثل، بيّنت حالة اليمن تشابهًا مع حالات أخرى على الصعيد العربي، فقد أظهرت الدراسات أنّ من العوامل المساعدة في التحوّل الديمقراطي أن تعمل حكومات ما بعد الثورة في مصر وتونس والعالم العربي على
70 Alexander Kovryga & Sherman Wyman, "Building Institutions for Public Sector Professionalism in Post- communist States," Chaptr 5, in: Tony Verheijen (ed.), Politico- Administrative Relations: Who Rules? (Slovakia: The Network of Institutes and Schools of Public Administration in Central and Eastern Europe, 2002), p. 343. 71 Ibid., pp. 345-346. 72 لمزيد من المعلومات عن تجربة العديد من الدول، ينظر.Verheijen: 73 ميلود، ص.303 74 حنين محمد سليمان، "مصر؛ التغيرات السياسية وتحديات التحول الديمقراطي بعد ثورة 2011 م"، رسالة ماجستير (غير منشورة)، برنامج ماجستير الديمقراطية وحقوق الإنسان، كلية الدراسات العليا، جامعة بيرزيت، 2013، ص 28-.30
الاستجابة للمطالب الشعبية وتوفير فرص العمل اللائقة وتحقيق التنمية، وحذّرت من أنّ عدم تحقيق التقدّم في هذا المسار يمكن أن يؤدي إلى عودة الدكتاتورية. وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ جهاز الإدارة العامة في اليمن ينبغي له أن يحظى باهتممٍ خاص من أيّ حكومة مقبلة للقيام بدوره الحيوي في دعم جهود التحوّل وإعادة البناء، من خلال القيام بعدّة وظائف جوهرية توفّر البيئة المناسبة والمساندة لجهود التحوّل؛ حيث تظهر الدراسات أنّ جهاز الإدارة العامة يقوم بدور حيوي في هذا المجال وذلك من خلال الآتي: الاستمرار في القيام بالنشاطات والعمليات والبرامج الحكومية حتى يتمكّن النظام الجديد من تطوير رؤيته وأولوياته وسياساته وبلورتها، والقيام بالنشاطات الضرورية لاستمرار الحياة العامة. مساعدة النظام الجديد في صنع السياسات العامة والأهداف الخاصة بمرحلة التحوّل الديمقراطي، من خلال تزويد صنّاع القرار والأطراف الفاعلة في صنع السياسات العامة بالمعلومات الضرورية وتقديم الاستشارات اللازمة في ضوء الخبرة التراكمية السابقة لجهاز الإدارة العامة. تحمّل مسؤولية تنفيذ السياسات العامة التي يتبنّاها النظام الجديد، وتقييم تلك السياسات، والإسهام الفاعل في تحقيق الأهداف المرسومة لمرحلة التحوّل الديمقراطي وإعادة البناء. العمل حلقةَ وصل بين النظام السياسي الجديد والمجتمع؛ حيث تعمل أجهزة الإدارة العامة على نقل المعلومات والتوجهات التي يتبنّاها النظام إلى المواطنين بأسلوب سلس وبسيط وإيجابي لتساعد على تعزيز دعم المجتمع للنظام السياسي الجديد وتوجّهاته، وفي الوقت نفسه يعمل على نقل آراء المواطنين ومطالبهم واحتياجاتهم إلى النظام السياسي حتى يكون على اطّلاع دائم على متطلبات المواطنين، ويعمل على استيعابها في سياساته وقراراته.
خاتمة
سعت الدراسة لمحاولة تشخيص وضع جهاز الإدارة العامة في اليمن في ظل أحداث عام 2011، والحرب الدائرة حاليًّا وانعكاساتها على جهاز الإدارة العامة، ومعرفة إذا ما كان الجهاز الإداري بسمته الحالية يمثّل أداة لتعزيز عملية التحوّل وإعادة البناء في اليمن أو معوقًا لها. توصّلت الدراسة إلى أنّ جهاز الإدارة العامة اليمني قد واجه العديد من التحديات والصعوبات، منذ دمجه في عام 1990، حيث أسهمت عوامل سياسية واقتصادية واجتمعية متداخلة في إضعاف هذا الجهاز. وأدّت الأحداث، التي شهدها اليمن في عام 2011 وما تلاها من صراع سياسي، إلى تعميق الاختلالات في هذا الجهاز وتدنّ مستوى أدائه، وعدم تمكّنه من القيام بدوره في تقديم الخدمات وتحقيق التنمية بكفاءة وفاعلية. ثمّ أظهرت الدراسة أنّ استمرار تدهور الأوضاع وتزايد حدّة الصراع والمواجهات المسلّحة وتدخّل السعودية مع دول التحالف بشنّ حرب في آذار/ مارس 2015، ترتّب عليه انهيار شبه كامل لكل مناحي الحياة بما في ذلك جهاز الإدارة العامة، حيث انقسم إلى جهازين أحدهم في عدن يتبع حكومة الرئيس هادي، والآخر في
75 المنتدى الدولي حول مسارات التحوّل الديمقراطي - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة المصرية، تقرير موجز حول التجارب الدولية والدروس المستفادة والطريق قدمًا (القاهرة: حزيران/ يونيو 2011)، ص.16 76 Ahmed & Aref, pp. 126-135.
صنعاء يتبع حكومة أنصار الله. وقد عانى الجهاز الإداري بشقّيه العديد من الاختلالات التي أضعفت قدرته على القيام بمهمته في حدّها الأدنى، وأسهمت الحرب في مزيد من تدهور الأوضاع فيه. ومن خلال ما سبق، اتّضح عدم قدرة الجهاز الإداري على القيام بدور فاعل في دعم التحوّل وجهود إعادة البناء في اليمن، فجهاز الإدارة العامة أصبح مثقلً بالاختلالات والتحديات وعاجزًا عن القيام بالحدّ الأدنى من مهمته، ما يجعله عقبة وتحديًا حقيقيًّا لأي حكومة مقبلة. في ضوء النتائج السابقة، سيتطلب الأمر من أي حكومة مقبلة وضع خطة عملية لإصلاح أوضاع الجهاز الإداري اليمني، ومعالجة الاختلالات التي تعتريه، والعمل على تعزيز مبادئ الحكم الرشيد لتحسين كفاءته وفاعليته، وإعادة بنائه بما يتوافق مع التحوّل المنشود، بحيث يصبح أداة مساعدة لتحقيق أهداف التحوّل وإعادة البناء وتلبية طموحات المواطنين وحاجاتهم. ويمكن التركيز على ما يلي: إعادة الهيكلة وإيجاد جهاز أكثر كفاءة يبنى على أساس الحاجة الفعلية لتحقيق أهداف خدمية وتنموية وفق رؤية استراتيجية محدّدة وواضحة، ومراجعة اللوائح المنظّمة للعمل وتطويرها لمواكبة المستجدات على صعيد بيئة عمل الجهات وعلى صعيد الوظائف المنوطة بها في مرحلة إعادة البناء. ضمن الحياد الوظيفي للجهاز الإداري، حتى يعمل بمهنية واحتراف بعيدًا عن الولاءات الضيّقة، والتزام جميع الأطراف السياسية بتحييده عن أيّ صراع سياسي. تبنّي ميثاق أخلاقيات الوظيفة العامة لضبط سلوك الموظف العام، وبناء ثقافة تنظيمية جديدة تقوم على مبادئ الديمقراطية والتوجّه نحو العميل، والحرص على المصلحة العامة، وجعل جهاز الإدارة العامة مواكبًا لقيم التحوّل المنشود ويعزّز العدالة والكرامة وحقوق الإنسان. تطوير سياسات الموارد البشرية الحكومية بحيث تبني عملية التعيين والترقيات وفق معايير الجدارة والكفاءة من أجل إتاحة الفرصة أمام جميع المواطنين للالتحاق بهذا الجهاز وتولّ المواقع المختلفة فيه من دون تمييز أو محاباة، بما يحقق المواطنة المتساوية. ومراجعة نظام التعويضات – الرواتب والحوافز والمكافآت – وفق معايير موضوعية تأخذ في الاعتبار حاجات الموظف ومدى كفاءته، والوضع الاقتصادي، ومستوى الأجور في القطاع الخاص، ووضع نظام/ آلية للحفاظ على المواهب واستقطاب الكفاءات لضمن استمرار أداء الجهاز وتحسينه، مع تصميم نظام لتقييم الأداء المؤسسي والفردي وربطه بنظام الحوافز وسياسات الموارد البشرية – الترقيات والتدريب وغيرها. بناء قدرات قيادات الجهاز الإداري وموظفيه وفق خطة دقيقة لتنمية قدراتهم وبنائها في مختلف المستويات المركزية. توفير التجهيزات والمعدات اللازمة للعمل في مختلف وحدات الجهاز الإداري على المستويين المركزي والمحلي، واستكمل توفير المقارّ الملائمة لعمل السلطة المحلية. أتمتة العمل الحكومي باتت ضرورة ملحّة لتسهيل آلية تقديم الخدمات للمواطنين، واختصار الوقت والجهد والتكاليف، والحدّ من الفساد، وبناء نظام معلومات حديث ودقيق لموظفي الجهاز الإداري. حكامة الجهاز الإداري وضمن الشفافية والمساءلة والمحاسبة فيه، وتطوير آليات المتابعة والرقابة والتقييم، وتنويع مصادرها من داخل الجهة وخارجها عبر الجهات الرسمية والجهات غير الرسمية كمنظمت المجتمع المدني والإعلام وغيرها، بما يساعد على ضبط الأداء ومكافحة الفساد.
مرتكزات جهود إعادة البناء في المرحلة المقبلة. العامة وتنفيذها وتقييمها، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
تعزيز دور أجهزة السلطة المحلية وتفعيل مبدأ الاستقلال الإداري والمالي لها، وتنمية الموارد الذاتية المحلية، وتزويدها بالكفاءات اللازمة للعمل؛ باعتبار أنّ ذلك يمثّل أحد مظاهر الديمقراطية، خاصة مع منح صلاحيات حقيقية للسلطة المحلية في إدارة الشأن المحلي واتخاذ القرارات اللازمة لذلك، وأحد بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص ومنظمت المجتمع المدني، لتحسين عملية صنع السياسات
المراجع
References
العربية
البنك الدولي. التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن: المرحلة الثالثة. تحديث 2020. واشنطن: 2020. ف:ي https://bit.ly/37iTBfX الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء. برنامج البناء الوطني والإصلاح السياسي، والاقتصادي، والمالي والإداري. 1991. _______. "قرار مجلس الوزراء رقم (290) لسنة 1998 بشأن الموافقة على استراتيجية تحديث الخدمة المدنية". _______. "قرار مجلس الوزراء رقم (207) لسنة 1999 بشأن معالجة أوضاع الموظفين بالتعاقد.".1999 الجمهورية اليمنية، الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني. أسس بناء الدولة المدنية الحديثة. سلسلة كتيبات الحوار الوطني. الكتاب الأول.2014. _______. وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.2014. الجمهورية اليمنية، المركز الوطني للمعلومات. تقرير الهياكل المؤسسية للدولة.2012. الجمهورية اليمنية، وزارة الإدارة المحلية. مشروع الاستراتيجية الوطنية للحكم المحلي 2015.2008. الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي. البرنامج المرحلي للاستقرار والتنمية 2014-2012. تموز/ يوليو 2012:. في https://bit.ly/3rpWPp3 _______. المستجدات الاقتصادية والاجتمعية في اليمن 2015. _______. المستجدات الاقتصادية والاجتمعية في اليمن. العدد 34. حزيران/ يونيو.2018 الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي. الجهاز التنفيذي لاستيعاب التعهدات. تقرير عن الوضع الراهن؛ إطار المسؤوليات المتبادلة (التعهدات والإصلاحات). الربع الثالث. أيلول/ سبتمبر.2014 الجمهورية اليمنية، وزارة الخدمة المدنية والإصلاح الإداري. مشروع تحديث الخدمة المدنية. وثيقة استراتيجية تحديث الخدمة المدنية.1998 الجمهورية اليمنية، وزارة الخدمة المدنية والتأمينات. "خطة عمل لتنفيذ برنامج شطب الموظفين الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي في نظام الخدمة المدنية بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية". بدعم من برنامج تنمية القدرات الطارئة، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. أيلول/ سبتمبر 2013. في: https://bit.ly/3KPq7VO _______. مشروع تحديث الخدمة المدنية. تقرير عن مستوى تنفيذ مشروع تحديث الخدمة المدنية حتى يونيو 2010.
أبو الأسرار، فاطمة. "حلول ضيقة الأفق لمشكلات مزمنة: الحاجة إلى تحقيق الكفاءة للمساعدات في اليمن." ورقة بحثية رقم 141. برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي. مركز دراسات الديمقراطية والتنمية وحكم القانون. جامعة ستانفورد. آب/ أغسطس 2013:. في http://cddrl.stanford.edu أقضي، محمد الشريف ولزهر وناسي. "إعادة بناء الدولة الفاشلة: دراسة في المنطلقات المفاهيمية والنظرية". المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. مج 9، العدد 2 (تموز/ يوليو 2020:). في https://bit.ly/3rj20XC الأكحلي، رأفت وأسامة الروحاني وأنتوني بيسويل. "الحكومة الانتقالية بعد الصراع في اليمن". إعادة تصور الاقتصاد اليمني. أوراق سياسات. العدد 14. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.:2019/8/25. في https://bit.ly/3JwtIq8 "أولويات لتعافي القطاع الخاص في اليمن؛ إصلاح بيئة الأعمل والاستثمر". أوراق سياسات. العدد 15. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. 2019/9/9:. في https://bit.ly/3KGVqll بربر، كامل. الإدارة العامة في لبنان: التحديات والإصلاح. بيروت: دار المنهل اللبناني،.2006 حديد، موفق. إدارة الأعمل الحكومية: النظريات والعمليات والموارد. عمّن: دار المناهج للنشر والتوزيع،.2002 خصاونة، أنيس صقر. "أثر جهود الإصلاح السياسي في الأردن على تحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية من وجهة نظر الموظفين في مراكز الوزارات الأردنية: دراسة استطلاعية". المجلة الأردنية في إدارة الأعمل. الجامعة الأردنية. مج 11، العدد 4 (2015:). في https://bit.ly/38223jY داود، عمد الشيخ. الفساد والإصلاح. دمشق: اتحاد كتاب العرب،.2003 رشيد، أحمد. نظرية الإدارة العامة. القاهرة: دار المعارف، 1981. سليمن، حنين محمد. "مصر: التغيرات السياسية وتحديات التحوّل الديمقراطي بعد ثورة 2011 م". رسالة ماجستير. برنامج ماجستير الديمقراطية وحقوق الإنسان. كلية الدراسات العليا. جامعة بيرزيت. فلسطين، 2013:. في https://bit.ly/3Ebtjbq الشرجبي، عادل. "المسار الثوري للتحوّل الديمقراطي: تحليل سوسيولوجي لثورة الحرية والتغيير في اليمن". ورقة مقدمة في مؤتمر اليمن إلى أين. القاهرة..2012/1/24-23 شمسان، نبيل. "الإصلاحات الإدارية والخدمة المدنية خلال خمسة عشر عامًا". ورقة عمل مقدمة في ندوة: خمسون عامًا من الإصلاحات السياسية والاقتصادية. وكالة الأنباء اليمنية (سبأ). صنعاء، نيسان/ أبريل. 2005 _______. "مجالات التجديد والتحديث في الإدارة الحكومية اليمنية". ورقة عمل مقدمة في المؤتمر السنوي السابع للجمعية العربية للإدارة بعنوان: نحو إدارة حكومية فعالة ورشيدة. صنعاء،.2005/6/20-19 عساف، عبد المعطي. النموذج المتكامل لدراسة الإدارة العامة. ط 2. عمّن: دار الحامد للنشر والتوزيع،.2001 العولقي، وضاح وماجد المذحجي. "الحكم المحلي في اليمن في ظل النزاع والاضطراب". إعادة تصور الاقتصاد اليمني. أوراق بيضاء. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (تموز/ يوليو 2018:). في https://bit.ly/3FQ5aIE
قيداري، حليمة. "دور الجهاز البيروقراطي في تحقيق التنمية السياسية في الجزائر". رسالة ماجستير. قسم العلوم السياسية. كلية الحقوق والعلوم السياسية. جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم. الجزائر، 2017:. في https://bit.ly/3jzmM0Q مؤسسة بيرغهوف. "مسح الحكم المحلي للمحافظات اليمنية". برلين، 2020:. في https://bit.ly/3JwWo29 الماوري، أحمد محمد. "التقييم القانوني لنظام السلطة المحلية في اليمن ومقترحات التطوير". مؤسسة بيرغهوف. برلين. كانون الثاني/ يناير 2018:. في https://bit.ly/3JrdPRK المحاقري، يحيى محمد. "سياسات وإجراءات التوظيف في الخدمة المدنية بالجمهورية اليمنية؛ الواقع وآفاق التطوير". رسالة ماجستير. مركز تطوير الإدارة العامة. جامعة صنعاء. صنعاء،.2012 المقبلي، محمد علي. "أهمية التدوير الوظيفي في وحدات الخدمة العامة ومتطلبات نجاح التطبيق". ورقة عمل مقدمة في ورشة العمل الخاصة بالتدوير الوظيفي في وحدات الخدمة العامة بالجمهورية اليمنية. المعهد الوطني للعلوم الإدارية. صنعاء،.2013/11/7-5 المقطري، عدنان. "مآلات التدخل العسكري في اليمن وانسداد أفق المفاوضات". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2018/10/23:. في https://bit.ly/3vlf7sK المنتدى الدولي حول مسارات التحوّل الديمقراطي. "تقرير موجز حول التجارب الدولية والدروس المستفادة والطريق قدمًا". برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة المصرية (حزيران/ يونيو.)2011 ميلود، قاسم. "الفساد والبيروقراطية: ودورهم في تآكل مضامين الديمقراطية في الجزائر". مجلة العلوم الإنسانية والاجتمعية. جامعة قاصدي مرباح ورقلة. العدد 29 (حزيران/ يونيو 2017). في: https://bit.ly/3KD1jAc هلال، علي الدين. "دراما الانتقال: العوامل الهيكلية لعدم استقرار أنظمة ما بعد الربيع العربي". مجلة السياسة الدولية. السنة 49، العدد 194.)2003(
الأجنبية
Ahmed, Nahla Mahmoud & Alia Aref. "In Transitional Periods how does bureaucracy work steadily?" Review of Economics and political Science. vol. 4, no. 2 (2019). at: https://bit.ly/3rg9U3U Al-maweri, Ahmed. "Public Administration in Yemen and Efforts for Administrative Reform." A Paper Submitted to the Middle East and North Africa Conference for Public Administration Researches, Institute of Public Administration, Kingdom of Bahrain, 23-24/4/2014. Ghobari, Mohammed. "Hothis Tighten Grip on Yemen Capital after Swift Capiture, Power- sharing Deal." 22/9/2014. at: https://reut.rs/3KxuAvQ
Hyden, Goran, Julius Court & Ken Mease. "The Bureaucracy and Governance in 16 Developing Countries." World Governance Survey Discussion Paper 7. Overseas Development Institute, Tokyo , UNU, July 2003. at: https://bit.ly/37MCB1K Hill, Ginny et al. Yemen: Corruption, Capital flight and Global Drivers of Conflict. A Chatham House Report. London: Chatham House, 2013. at: https://bit.ly/36eqB8Q Naidoo, Vinothan. "Changing Conceptions of Public Management and Public Sector Reform in South Africa." International Public Management Review. vol. 16, no. 1 (2015). at: https://bit.ly/3rnu786 Verheijen, Tony (ed.). Politico- Administrative Relations: Who Rules? The Network of Institutes and Schools of Public Administration in Central and Eastern Europe. Slovakia, 2002. The Fund for Peace. "Fragile States Index." at: https://bit.ly/3JBy6V0 The World Bank, Worldwide Governance Indicators. Country Data Report for Yemen. at: https://bit.ly/3OjmSIf Transparency International. Corruption Perceptions Index. at: https://bit.ly/3E6pZi5