انعكاس السياسات العامة على المواطنة الديمقراطية: تجسير الفجوة بين دراسة السياسات العامة والسياسة الجماهيرية
The Consequences of Public Policy for Democratic Citizenship: Bridging Policy Studies and Mass Politics
الملخّص
ليست الديمقراطيات، ولا المواطنون الذين يشكّلون القلب منها، ظواهر طبيعية، بل تنشأ وتستمر من خلال السياسة؛ إذ تؤدي السياسات الحكومية دورًا حاسمً في هذه العملية، سواء في صياغتها ما يؤمن به الناس ويريدونه، أم في الطرائق التي ينظر من خلالها المواطنون إلى أنفسهم وإلى الآخرين، أم في كيفية فهمهم النظام السياسي وتعاملهم معه. ومع أن علمء السياسة خاضوا كثيرًا في كيفية تأثير الجمهير في السياسات العامة، فإنهم قلّم تناولوا آليات تأثير السياسات العامة في الجمهير. نسعى في هذه الدراسة لتوضيح كيف تؤثر السياسات العامة، حال سريانها، في سلوك المواطنين وتفكيرهم السياسي. ومثل هذه التأثيرات يصعب تحديدها باستخدام الإطار القياسي الخاص بمقاربات السلوك الجمهيري التي عادة ما يتجاهلها مقيّمو البرامج ومحلّلو السياسات. وتداركًا منّا لهذه الفجوة، نركز على مجال بحثي ممتد وحيوي، ولو أنه لا يحظى بالاعتراف، نُسمّيه "التقليد السياسي" tradition Political لأبحاث السلوك الجمهيري research behavior Mass. سندمج هذا التراث البحثي مع الأبحاث الحالية عن "ردات الفعل على السياسات" feedback Policy، لنضع إطارًا للتفكير في الكيفية التي تؤثر بها السياسات العامة في السياسة الجمهيرية politics Mass. وتتضمن هذه الآثار أنواعًا رئيسة، منها تحديد الانتمء وتشكيل التمسك السياسي الخارجي وتقسيم المجموعات وبناء القدرات المدنية أو تقويضها وتأطير أجندات السياسات ومشكلاتها وتقييمتها وتنظيم المشاركة السياسية أو تحفيزها أو تثبيطها.
Abstract
Democracies, and the citizenries that stand at their center, are not natural phenomena; they are made and sustained through politics. Government policies can play a crucial role in this process, shaping the things publics believe and want, the ways citizens view themselves and others, and how they understand and act toward the political system. Yet, while political scientists have said a great deal about how publics influence policies, they know far less about the ways policies influence publics. In this article, we seek to clarify how policies, once enacted, are likely to affect political thought and action in the citizenry. Such effects are hard to locate within the standard framework of approaches to mass behavior, and they are generally ignored by program evaluators and policy analysts. To bridge this gap, we direct attention toward a long and vibrant, but underappreciated, line of inquiry we call the "political tradition" of mass behavior research. Drawing this tradition together with recent work on "policy feedback," we outline a framework for thinking about how policies influence mass politics. The major types of such effects include defining membership; forging political cohesion and group divisions; building or undermining civic capacities; framing policy agendas, problems, and evaluations; and structuring, stimulating, and stalling political participation.
- السياسات العامة
- السياسة الجماهيرية
- المواطنة
- الديمقراطية
- ردود الفعل على السياسات
- Public Policy
- Citizenship
- Democracy
- Mass Politics
- Policy Feedback
ليست الديمقراطيات، ولا المواطنون الذين يشكّلون القلب منها، ظواهر طبيعية، بل تنشأ وتستمر من خلال السياسة؛ إذ تؤدي السياسات الحكومية دورًا حاسمً في هذه العملية، سواء في صياغتها ما يؤمن به
الناس ويريدونه، أم في الطرائق التي ينظر من خلالها المواطنون إلى أنفسهم وإلى الآخرين، أم في كيفية فهمهم النظام السياسي وتعاملهم معه. ومع أن علمء السياسة خاضوا كثيرًا في كيفية تأثير
الجمهير في السياسات العامة، فإنهم قلّم تناولوا آليات تأثير السياسات العامة في الجمهير. نسعى في هذه الدراسة لتوضيح كيف تؤثر السياسات العامة، حال سريانها، في سلوك المواطنين وتفكيرهم السياسي. ومثل هذه التأثيرات يصعب تحديدها باستخدام الإطار القياسي الخاص بمقاربات السلوك الجمهيري التي عادة ما يتجاهلها مقيّمو البرامج ومحلّلو السياسات. وتداركًا منّا لهذه الفجوة، نركز على
مجال بحثي ممتد وحيوي، ولو أنه لا يحظى بالاعتراف، نُسمّيه "التقليد السياسي" tradition Political
لأبحاث السلوك الجمهيري research behavior Mass. سندمج هذا التراث البحثي مع الأبحاث الحالية عن "ردات الفعل على السياسات" feedback Policy، لنضع إطارًا للتفكير في الكيفية التي تؤثر بها السياسات
العامة في السياسة الجمهيرية politics Mass. وتتضمن هذه الآثار أنواعًا رئيسة، منها تحديد الانتمء
وتشكيل التمسك السياسي الخارجي وتقسيم المجموعات وبناء القدرات المدنية أو تقويضها وتأطير أجندات السياسات ومشكلاتها وتقييمتها وتنظيم المشاركة السياسية أو تحفيزها أو تثبيطها.
كلمت مفتاحية: السياسات العامة، السياسة الجمهيرية، المواطنة، الديمقراطية، ردات الفعل على السياسات. Democracies, and the citizenries that stand at their center, are not natural phenomena; they are made
and sustained through politics. Government policies can play a crucial role in this process, shaping
the things publics believe and want, the ways citizens view themselves and others, and how they
understand and act toward the political system. Yet, while political scientists have said a great deal
about how publics influence policies, they know far less about the ways policies influence publics.
In this article, we seek to clarify how policies, once enacted, are likely to affect political thought and
action in the citizenry. Such effects are hard to locate within the standard framework of approaches
to mass behavior, and they are generally ignored by program evaluators and policy analysts. To bridge
this gap, we direct attention toward a long and vibrant, but underappreciated, line of inquiry we
call the "political tradition" of mass behavior research. Drawing this tradition together with recent
work on "policy feedback," we outline a framework for thinking about how policies influence mass
politics. The major types of such effects include defining membership; forging political cohesion and
group divisions; building or undermining civic capacities; framing policy agendas, problems, and
evaluations; and structuring, stimulating, and stalling political participation.
أستاذة مشاركة في العلوم السياسية في كلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة بفي جامعة سيراكيوز. البريد الإلكترونيsbmettle@maxwelLsyr.edu:
Suzanne Mettler & Joe Soss, "The Consequences of Public Policy for Democratic Citizenship: Bridging Policy Studies and Mass Politics," Perspectives on Politics, vol. 2, no. 1 (March 2004), pp. 55-73. يشكر المؤلفان كريستي أندرسن وكيث بايبي وأندريا كامبل وسارة غوبالا وبيغ هيرمان وجنيفر هوشيلد وروغان كيرش وفرانسيس فوكس بيفن وساندي شرام وجيف ستونيكاش وكاثي كرامر والش، والمراجعين المجهولين على تعليقاتهم المفيدة على المسوّدات الأولية. كم أنهم ممتنان للدعم البحثي السخي المقدم من معهد الشؤون العالمية ومعهد كامبل للشؤون العامة،
وكلاهم في كلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة، كم يشكران أيمي وايدستروم على المساعدة في التنسيق.
هل يؤثر الاختيار بين أنواع مختلفة من السياسات العامة في كيفية عمل السياسة الديمقراطية؟ وما أثر تصميم سياسات عامة معيّنة، إنْ وُجد، في تفكير الأفراد وشعورهم وسلوكهم بوصفهم أعضاء في النظام السياسي؟ وفي حين يتعيّ علينا، بوصفنا علمء سياسة، أن نُطلع مواطنينا - ولو بصورة غير مؤكدة أو ظرفية - على الكيفية التي تؤثر بها الأعمل الحكومية في جودة حياتهم السياسية، إلّ أن علم السياسة، عدا بعض الاستثناءات البارزة، قلّم تناول الآثار التي تُحدثها مُخرجات السياسة العامة في المواطنة الديمقراطية. لذلك نحاول هنا تحفيز البحث في هذا المجال من خلال تحديد العقبات المفهومية وإقامة الجسور المحتملة التي تُفضي إلى حوار مثمر بين الباحثين في السياسة العامة ونظرائهم في مجال السلوك السياسي الجمهيري. حين يدرس علمء السياسة العلاقة بين السياسات العامة والسلوك الجمهيري، فإنهم يتّبعون في ذلك، عادة، الأساليب التي تطرحها نظريات الديمقراطية التمثيلية، إذ يُعتبر المواطنون، بحسب هذا المنظور، مشاركين صامتين في السياسة، يمارسون تأثيرهم في السياسات العامة بصورة غير مباشرة من خلال دورهم في اختيار الممثلين المنتخبين ودعمهم والتأثير فيهم. وقد تبنّى علمء السياسة هذا الإطار الأساسي بفعل نماذج العملية السياسية التي اعتُمدت في حقبة ما بعد الحرب، ومنها نظرية النظم theory Systems، والتعددية Pluralism، حيث عُرّفت "السياسة" بأنها سلسلة من عمليات ملموسة حصيلتها النهائية هي "التوزيع السلطوي للقيم". وتُصنّف توجّهات الجمهير وأفعالها، بحسب هذا النموذج، بوصفها "مدخلات" للنظام، أمّا السياسات العامة، فهي "مخرجات" له. لا تبدو التعددية، ولا نظرية النظم، صالحة اليوم بوصفها أطرَ عملٍ كافيةً بالنسبة إلى علمء السياسة، على
نحو ما كانت عليه في منتصف القرن الماضي. ومع ذلك، لا تزال هذه النمذج التي تركّز على التمثيل، تؤطر الصلة بين الباحثين في السياسات العامة ونظرائهم من دارسي السياسة الجمهيرية. ولأنهم حقلان فرعيان يُحيلان إلى طرفين متقابلين في العملية السياسية، فقد بقيا منفصلين من الناحية الفعلية، إذ يَعدُّ الباحثون في السياسة الجمهيرية السياسةَ العامة هدفًا بعيدًا ونهائيًا للفعل السياسي، أو هدفًا غير واضح في تفضيلات
المواطنين. أما الباحثون الذين يدرسون صياغة السياسات، فيركّزون على ممثلي النخبة وأنصارها، ويعتبرون أن الجمهير تمارس تأثيرات أساسية في الفاعلين الضالعين مباشرة في صنع السياسات. في حين يحصر الباحثون في تحليل آثار السياسات العامة عملهم عادةً في المخرجات الاجتمعية والاقتصادية، كم لو أن الآثار المترتبة على الممرسة الديمقراطية وغيرها من النتائج السياسية ليست مهمّة بالقدر نفسه.
Paul Pierson, "When Effect Becomes Cause: Policy Feedback and Political Change,” World Politics , vol. 45, no. 4 (1993), pp. 595-628; Anne Schneider & Helen Ingram, "Social Construction of Target Populations: Implications for Politics and Policy," American Political Science Review , vol. 87, no. 2 (1993), pp. 334-347; Helen Ingram & Steven Rathgeb Smith (eds.), Public Policy for Democracy (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1993); Anne Schneider & Helen Ingram, Policy Design for Democracy (Lawrence: University of Kansas Press, 1997). Hanna Fenichel Pitkin, Representation (New York: Atherton Press, 1969); Carole Pateman, Participation and Democratic Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1970); Carol Hardy-Fanta, Latina Politics, Latino Politics: Gender, Culture, and Political Participation in Boston (Philadelphia: Temple University Press, 1993). David Easton, The Political System: An Inquiry into the State of Political Science (New York: Knopf, 1953); Murray J. Edelman, "Systematic Confusions in the Evaluation of Implementing Decisions," in: Shimon E. Spiro & Ephraim Yuchtman-Yaar (eds.), Evaluating the Welfare State: Social and Political Perspectives (New York: Academic Press, 1983), pp. 131-147. David Easton, "An Approach to the Analysis of Political Systems," World Politics , vol. 9, no. 3 (1957), pp. 383-400. Richard M. Merelman, Pluralism at Yale: The Culture of Political Science in America (Madison: University of Wisconsin Press, 2003).
وتتشكل نتيجة ذلك رؤية مبتسرة لكيفية ارتباط السياسات العامة بالسياسة الجمهيرية؛ ذلك أنه حين تتصدّر قضايا التمثيل تحليلاتنا السياسية، مثلم حدث غالبًا طوال نصف القرن الماضي، فإننا نُغفل بذلك
الجوانب التي تؤثّر بها السياسات العامة حال سريانها في قوة الاستقلالية الفردية ومنطقها. والنتيجة هي أن دراساتنا ستلوي عنق الآثار الحاسمة المحتملة في الرأي والسلوك الجمهيرييَن، وتُقولب العملية السياسية في نموذج خطّي غير مُجدٍ، وتفصل تقييم السياسات عن الأسئلة الحاسمة في النظرية الديمقراطية. وبذلك يعجز علم السياسة عن اكتشاف أثر السياسات العامة فيم يريده المواطنون، وإلى أيّ درجة يريدونه، ومدى مشاركتهم في العمليات السياسية التي تُسك بسلطة تحقيق ذلك أو حرمانهم منه. هدفنا هو الدفع بعلم سياسي يمتلك الأرضية الإمبريقية والنظرية ليشرح الطرائق التي تؤثّر بها السياسات العامة، إمّا في تعزيز الأهداف الديمقراطية، وإما في إضعافها، إذ يجب أن يتمكَّن علمء السياسة من تفسير جذب بعض السياسات العامة المواطنين إلى الحياة العامة، في حين تُشيع أخرى السلبيةَ بينهم، وأن نعرف كيف يؤثّر العيش تحت نظام معيّ من السياسات في أهداف المواطنين ومعتقداتهم وهوياتهم، ومن ثم في إمكانات الفعل السياسي في المستقبل وحدوده. تنطلق أطروحة دراستنا الرئيسة من أنه لا يمكن فهم السلوك السياسي الجمهيري، تمامًا، من دون النظر في كيفية تأثره بالسياسة العامة، ولا يمكن تحليل السياسة العامة تحليلً جيدًا بمعزل عن آثارها في الرأي والسلوك الجمهيريَيّن. ويستطيع الباحثون تحقيق تقدّم ملحوظ في كل مجال منها عبر دراسة الطرائق التي تشكّل بها بيئات السياسات العامة أفكار المواطنين وأفعالهم السياسية، وكيف تتأثر هذه الأفكار والأفعال بالاحتكاك المباشر مع برامج عامة محددة. لننظرْ على سبيل المثال في العلاقة بين التعليم الرسمي والتوجهات السياسية للجمهير، إذ يحفل حقل السلوك السياسي بالدراسات التي تقول إن التعليم يُعزّز المعرفة والمهارات السياسية ومستويات الاهتمم والمشاركة في الشأن المدني. فالمواطنون الحاصلون على تعليم أعلى هم، ببساطة، "المستفيدون" داخل المجال السياسي. فكيف استفادوا بهذا الشكل؟ تُحيل الإجابات عن ذلك في أغلبها إلى السياسات العامة التي توزّع فرص التعليم على المواطنين وتُحدّد مستوى جودة تعليمهم. بيد أن دراسات السلوك السياسي قلّم تعتبر سياسة الحكومة عاملً مهمً يؤثّر في المخرجات الناتجة، إضافة إلى أنه نادرًا ما تشير دراسات السياسات العامة، التي تركّز على المخرجات الاجتمعية والاقتصادية، إلى كيفية تأثير سياسات التعليم في العملية السياسية. وفي الحيز المهمل بين هذه الحقلين الفرعيين، تبرز المسألة الحاسمة المتعلقة بالكيفية التي تسهم بها سياسات التعليم في خلق حالات اللامساواة السياسية واستمرارها والتصدي لها، وكيف يمكنها أن تخدم على نحو أفضل نظامًا يهدف إلى حكم نفسه بطريقة ديمقراطية. نحاول في المبحث الأول من هذه الدراسة دمج التأثير الذي تُحدثه السياسات العامة في دراسة السلوك السياسي الجمهيري بصورة سلسة. وسنبدأ بتوضيح كيف جرى تنظيم موضوع هذا البحث انطلاقًا من
6 يُنظر على سبيل المثال: Sidney Verba, Kay Lehman Schlozman & Henry E. Brady, Voice and Equality: Civic Voluntarism in American Politics (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995); Michael X. Delli Carpini & Scott Keeter, What Americans Know About Politics and Why It Matters (New Haven: Yale University Press, 1996). Norman H. Nie, Jane Junn & Kenneth Stehlik-Barry, Education and Democratic Citizenship in America (Chicago: University of Chicago Press, 1996). Gary Orfield, "Schools more Separate: Consequences of a Decade of Resegregation," The Civil Rights Project, Harvard University, 2001, accessed on 26/9/2003, at: https://bit.ly/3qZ7CGy; Diane Ravitch, Left Back: A Century of Failed School Reforms (New York: Simon and Schuster, 2000).
الفهم السائد في الحقل. ثم نوضّح أن تحليلنا يتلاءم مع تقليد سياسي متباين، لكنه متمسك، قوامه دراسةُ الرأي والسلوك الجمهيريّيَن؛ وهي المقاربة التي لم تحظَ باعتراف كامل يجعل منها بديلً مستقلً من المدارس البحثية الثلاث السائدة، لكنها للمفارقة صارت مقاربة أساسية في هذا الحقل. ونركز فيم بقي من الدراسة على الطرائق التي تشكّل بها السياسات العامة الرأيَ والسلوكَ الجمهيريّيَن. ولأن دارسي السياسات لم يكرّسوا اهتممًا واسعًا لهذا الموضوع، فإننا نموضع الأدوات المفهومية في مثل هذه الدراسة ضمن مجالات بحث منوعة، ترتبط بمفهوم "ردات الفعل على السياسات". وبالاعتمد على دراسات ذات مستويات تاريخية ومقارنة وفردية، قدّمنا تصنيفًا للآثار المحتملة التي تُحدثها السياسات العامة في الرأي والسلوك الجمهيريّيَن. وألقيْنا الضوء، في الحالات التي تسمح بذلك، على أدلة تُظهر أن للسياسات العامة بالفعل آثارًا واسعة ومنوعة في السياسة الجمهيرية. كم اعتمدنا في حالات أخرى على الجهد النظري القائم للتكهّن بآثار إضافية جديرة بالاهتمم. وقدّمنا في المبحث الأخير دعوة إلى توسيع نطاق البحوث الإمبريقية قصد استكشاف هذه الأجندة، واقترحنا بعض الأسئلة على الباحثين المهتمين للنظر فيها.
أولً: الاعتراف بوجود تقليد سيايس
يكشف عرض أبحاث السلوك السياسي، بسهولة، عن التأثير الذي تمارسه نظرية النظم وكيف يلتئم هذا الحقل حول مسائل تتعلق بالتمثيل. وبالفعل، حدد دارسو السلوك السياسي الموضوعات الأساسية الخاضعة للدراسة بافتراضٍ قوامه أن العملية السياسية تنطلق من تفضيلات الجمهير ومطالبها، مرورًا بالممثلين المنتخَبين، وصولً إلى مخرجات السياسات. وبالمثل، فإن المقاربات التفسيرية التي حددت مظهر الحقل هي مقاربات تعاملت مع قرارات المواطنين وسلوكياتهم الفردية بوصفها وحدات أساسية للمدخلات السياسية. حين نعرض لنصوص هذا الحقل، نرى كيف توضع المقاربات السوسيولوجية والسيكولوجية والاقتصادية بعضها في مواجهة بعض عادة. ونلحظ كيف تغيب عن إطار التحليل القياسي المقاربةُ المتعلقةُ ب "التقاليد السياسية" في الأبحاث التي تفسّ الرأي والسلوك الجمهيريّيَن بوصفهم مُخرجين يُبنيان سياسيًا؛ أي إنهم ينشآن من تفاعل المؤسسات السياسية والمنظمت والسياسات والفاعلين؛ إذ، على عكس المدارس الفكرية الثلاث المعترف بها، يُعيد التقليد السياسي تقويم نظرية النُظم لتقف على قدميها، فيُلقي الضوء أيضًا على الأبعاد الجمعية للسياسة الجمهيرية التي لا يمكن مفهمتهاConceptualized بيسر ضمن حدود المنهجية القائمة على الفردانيةMethodological individualism. ولهذين السببين، فهو يقدّم للباحثين مقاربةً في السياسة الجمهيرية تُحدّد للسياسات العامة موقعًا في حقل السلوك السياسي. ونؤكد هنا أنه يجب عدم التعامل مع ردات الفعل على السياسات بوصفها فرضية خاصة بالسلوك الجمهيري حصرًا، بل يمكن اعتمدها جزءًا لا يتجزأ من تقليد بحثي طويل الأمد وفعال، وذلك على الرغم من أن الاعتراف بهذا التقليد بقي محدودًا.
9 يُنظر على سبيل المثال: Sidney Verba & Norman H. Nie, Participation in America: Political Democracy and Social Equality (New York: Harper and Row, 1972); Lester W. Milbrath & M. L. Goel, Political Participation: How and Why Do People Get Lnvolved in Politics? 2 nd ed. (Chicago: Rand McNally College Publishing Company, 1977); Jerry L. Yeric & John R. Todd, Public Opinion: The Visible Politics , 3 rd ed. (Itasca, IL: F. E. Peacock Publishers, 1996). 10 Dennis Chong, Collective Action and the Civil Rights Movement (Chicago: University of Chicago Press, 1991); Edward G. Carmines & Robert Huckfeldt, "Political Behavior: An overview," in: Robert E. Goodin & Hans-Dieter Klingemann (eds.), A New Handbook of Political Science (New York: Oxford University Press, 1996), pp. 223-254.
سنورد في البدء فكرتين عن التقليد السياسي. أولً، أنتج الباحثون دراسات في هذا الاتجاه منذ فترة طويلة، لكن قلة من المراقبين لاحظت أن هذه الأبحاث المنوعة تمثّل مقاربةً متمسكة ومتميزة في دراسة السياسة الجمهيرية. لذلك نسعى هنا لنلفت الانتباه إلى هذه الأبحاث وإبراز المسلك التحليلي الذي يجمع بينها، ونظهر كيف يبني هذا المنظور جسرًا نحو مجالات البحث الناشئة التي تتصل بردات الفعل على السياسات. ثانيًا، إن المقاربات التي تشكل الإطار القياسي هي نماذج-مثال Ideal types. ويؤكد تباين "المدارس" وجود اختلافات تحليلية مهمة. لكن، يقوم أفضل الأبحاث في هذا المجال، غالبًا، على الاستعارة من هذه الخطوط التحليلية. هذا إضافة إلى أن الفشل في الاعتراف بوجود تقليد سياسي ما منفصل، لا يحول دون اعتمد الباحثين عليه بهدف إثراء تحليلاتهم السوسيولوجية والسيكولوجية والاقتصادية. والحال أن هدفنا هو إثبات أن هذه الدراسات تتجاوز الإطار القياسي بصورة تُسائل الفرضيات الثابتة التي أرستْها نظرية النظم في الحقل.
1 ي. الإطار القياس
سيكون مفيدًا أن نقدّم عرضًا موجزًا عن المقاربات التي يتضمّنها الإطار القياسي framework standard Te،h حيث تدرس بحوث التقليد السوسيولوجيThe sociological tradition الرأي والسلوك الجمهيريَيّن عبر ربطهم بموقع الأفراد ضمن البنى والسياقات والشبكات الاجتمعية وعمليات التواصل والتأثير الاجتمعيّيَن. ويمكننا أن نتتبّع العناصر الأساسية لهذا التقليد في سلسلة الأعمل التي قدّمها بول لازارسفيلد وزملاؤه في منتصف القرن الماضي، الذين تصوّروا السياسة الجمهيرية بوصفها نشاطًا مجتمعيًا عضويًا تقع في صميم الأساس المجموعاتي basis Group للمجتمع الحديث. ويقوم جوهر هذه الدراسات على فكرة خضوع الأفراد لمجموعة منوعة من العمليات الاجتمعية التي تشجّع الاختلافات السياسية بين المجموعات والتجانس السياسي داخلها. ويمكن رؤية هذا التقليد بوضوح في تحليلات السياسة العرقية التي تشدّد على
11 يُراجع على سبيل المثال: Samuel L. Popkin, The Reasoning Voter: Communication and Persuasion in Presidential Campaigns, 2 nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1994); Dennis Chong, Rational Lives: Norms and Values in Politics and Society (Chicago: University of Chicago Press, 2000). 12 في هذا الصدد، ثمة فرق مهم بين نمطنا النموذجي المعروف باسم "التقليد السيكولوجي" وحقل الدراسات الفرعي المعروف باسم "علم النفس السياسي". ولم يقتصر هذا الأخير على تطبيق مقاربة سيكولوجية في السياسة، بل اشتمل على دراسات عدة تناولت الآثار المتبادلة للعناصر التحليلية التي نستخدمها في التقليدين السيكولوجي والسياسي، يُراجع على سبيل المثال: Jon A. Krosnick & Kathleen M. McGraw, "Psychological Political Science versus Political Psychology True to its Name: A Plea for Balance," in: Kristen Renwick Monroe (ed.), Political Psychology (Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2002), pp. 79-94. وتدّعي هذه الدراسات التحليلية أن تأطير النخبة أو الإجراءات الروتينية المؤسسية مثلً، لا يمكن أن تُستمد من النظريات السيكولوجية نفسها، بالمعنى الدقيق للكلمة. بل تنشأ من إسهامات التقليد السياسي داخل الحقل الفرعي لعلم النفس السياسي. 13 Paul E. Lazarsfeld, Bernard R. Berelson & Hazel Gaudet, The People's Choice: How the Voter Makes Up His Mind in a Presidential Election (New York: Columbia University Press, 1948); Bernard R. Berelson, Paul F. Lazarsfeld & William N. McPhee, Voting: A Study of Opinion Formation in a Presidential Campaign (Chicago: University of Chicago Press, 1954); Elihu Katz & Paul F. Lazarsfeld, Personal Influence (Glencoe, IL: Free Press, 1955).
مصالح الجمعة وموقعها، وفي البحوث التي تتصدّى لأشكال التفاعل بين الشبكات الاجتمعية والسياقات الاجتمعية وتأثير ذلك في رأي الأفراد وسلوكهم. ومن الأمثلة الحديثة المميزة على هذا التقليد هو النموذج التطوعي المدني عند كل من سيدني فيربا وكاي ليهمن شلوزمان وهنري برادي، حيث يدرس هذا النموذج الاختلاف في المشاركة بين الجمعات بردِّها إلى "المؤسسات غير السياسية الأولى التي يرتبط بها الأفراد خلال حياتهم" (التشديد من المؤلفيَن). تشرح الأبحاث في التقليد السيكولوجيThe psychological tradition الرأي والسلوك الجمهيريّيَن عبر ربطهم بالهويات والمعتقدات والقيم والمواقف والاستعدادات الرمزية الأساسية للأفراد، وبوجه أعم، عبر عمليات التحفيز والإدراك والعاطفة. وقد حوّل كتاب الناخب الأميركي، وهو العمل البارز في هذا التقليد، تركيز البحوث الانتخابية من سياق المجموعة التي ينتمي إليها الفرد إلى الاختلافات على مستوى الأفراد في ظواهر ذهنية، مثل التمثل مع الحزب والمعرفة والمهارة السياسية والمواقف من الأهمية الممنوحة للقضايا والصور المتبنّاة عن المرشّحين. في هذا التقليد، لا يُنظر إلى المجموعات بوصفها مواقع أو منازل بنيوية تحدث فيها العمليات الاجتمعية، بقدر عدِّها قواعد تتحدد فيها هوية المجموعة ووعيها، وتُصنع فيها الصور النمطية والأحكام المسبقة والأحكام المجرّدة والأحكام المتعلقة بالتسامح السياسي. وتنبع المشاركة السياسية من التوجهات السيكولوجية، ومنها مشاعر الفعالية السياسية وشدة التحيّز الحزبي والثقة بالحكومة والشعور بالواجب المدني والوعي الجمعي، إلى غير ذلك كله. باختصار، يفسّ الباحثون استجابات الأفراد للقضايا
14 Donald T. Campbell, "Ethnocentric and other Altruistic Motives," in: David Levine (ed.), Nebraska Symposium on Motivation (Lincoln: University of Nebraska Press, 1965), pp. 283-311; Mary R. Jackman, The Velvet Glove: Paternalism and Conflict in Gender, Class, and Race Relations (Berkeley: University of California Press, 1994); Lawrence Bobo, James R. Kleugel & Ryan A. Smith, "Laissez-faire Racism: The Crystallization of a Kinder, Gentler, Antiblack Ideology," in: Steven A. Tuch & Jack K. Martin (eds.), Racial Attitudes in the 1990s: Continuity and Change (Westport, CT: Praeger Publishers, 1997), pp. 15-44. 15 Robert Huckfeldt & John Sprague, Citizens, Politics, and Social Communication: Information and Influence in an Election Campaign (New York: Cambridge University Press, 1995). 16 Verba, Schlozman & Brady, p. 3. 17 Angus Campbell et al., The American Voter (New York: John Wiley and Sons, 1960); Philip E. Converse, "The Nature of Belief Systems in Mass Publics," in: David E. Apter (ed.), Ideology and Discontent (Glencoe, IL: Free Press, 1964), pp. 206-261. 18 Roberta S. Sigel, Ambition and Accommodation: How Women View Gender Relations (Chicago: University of Chicago Press, 1996); Pamela Johnston Conover, "The Role of Social Groups in Political Thinking," British Journal of Political Science , vol. 18, no. 1 (1988), pp. 51-76. 19 David O. Sears, Jim Sidanius & Lawrence Bobo (eds.), Racialized Politics: The Debate about Racism in America (Chicago: University of Chicago Press, 2000). 20 Jennifer L. Hochschild, What's Fair? American Beliefs about Distributive Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981). 21 George E. Marcus et al., With Malice toward Some: How People Make Civil Liberties Judgments (New York: Cambridge University Press, 1995); Dennis Chong, "How People Think, Reason, and Feel about Rights and Liberties," American Journal of Political Science , vol. 37, no. 3 (1993), pp. 867-899. 22 Paul R. Abramson & John H. Aldrich, "The Decline of Electoral Participation in America," American Political Science Review , vol. 76, no. 3 (1982), pp. 502-521; Arthur H. Miller et al., "Group Consciousness and Political Participation," American Journal of Political Science , vol. 25, no. 3 (1981), pp. 494-511; Campbell et al.
السياسية عبر الاستعانة بما يلي: أولً، المبادئ الأساسية مثل نزعات المساواة والفردانية والإنسانية؛ ثانيًا، المعتقدات والمشاعر تجاه المجموعات؛ ثالثًا، تصورات الأفراد الذاتية للأحداث والمصالح. تدرس بحوث التقليد الاقتصاديThe economic tradition الرأي والسلوك الجمهيريّيَن عبر ربطهم بالمصلحة الشخصية الفردية والسعي النفعي لتحقيق أهداف وخيارات عقلانية قائمة على منفعة متوقعة. أما العمل البارز في هذا التقليد فهو كتاب النظرية الاقتصادية للديمقراطية، الذي يقدّم تطبيقًا حصيفًا للمبادئ الاقتصادية النيوكلاسيكية على الظاهرة السياسية. وعلى الرغم من أن النمذج "التقليدية" و"المقيدة" عن الفعل العقلاني قد اختلفت عبر الزمن، فإنها اتفقت في عدَّها الفعل السياسي، وعلى الدوام "سلوكًا متوجّهًا نحو الهدف، يستند إلى اعتقاد عقلاني في العلاقة بين الوسائل والغايات". وتعيد المقاربة الاقتصادية طرح القضايا الأساسية في السياسة الجمهيرية بوصفها مسألة تتعلق بالاختيار الفردي، وتفترض غالبًا أن النتائج المنافية للحدس تحدث عبر تجميع خيارات فردية عقلانية. ويمكن الاطّلاع على أمثلة كلاسيكية عن ذلك في الكتابات التي تتحدث عن "الجهل العقلاني" ignorance Rational و"الامتناع العقلاني". Free rider problems " و"مسائل الراكب المجّاني Rational abstention تختلف التقاليد التي تشكّل الإطار القياسي بطرائق مهمة، لكنها قد تتسم كلها بأنها مقاربات متمحورة حول المواطن approaches Citizen-centered. يعني هذا أمرين: أولً، تتبنّى المقاربات الثلاث المنهجية القائمة على الفردانية، إذ تَعدُ كلُّها الفردَ الوحدةَ الأساسية للتحليل؛ ثانيًا، تنطلق كلها في تحليل السياسة الجمهيرية من المواطنين، فيبدأ الأول من علاقات المواطنين الاجتمعية ومواقعهم، ويبدأ الثاني من توجّهاتهم وقيمهم وتفكيرهم العقلاني، ويبدأ الأخير من مصالحهم الذاتية وأفعالهم النفعية. لكنها كلها تعتبر الرأي والسلوك الجمهيريّيَن صوتًا للشعب، ينبثق إلى الوجود من مصادر ليست سياسية بالضرورة، لتتولَّد منه مدخلات تتوجّه إلى النظام السياسي.
23 Donald R. Kinder, "Opinion and Action in the Realm of Politics," in: Daniel T. Gilbert, Susan T. Fiske & Gardner Lindzey (eds.), The Handbook of Social Psychology , 4 th ed. (Boston: McGraw-Hill, 1998), vol. 2, pp. 823-835. 24 Downs Anthony, An Economic Theory of Democracy (New York: Harper and Row, 1957). 25 يُنظر: Herbert A. Simon, "Human Nature in Politics: The Dialogue of Psychology with Political Science," American Political Science Review , vol. 79, no. 2 (1985), pp. 293-304; Kristen Renwick Monroe, "The Theory of Rational Action: Origins and Usefulness for Political Science," in: Kristen Renwick Monroe (ed.), The Economic Approach to Politics: A Critical Reassessment of the Theory of Rational Action (New York: Harper Collins, 1991), pp. 1-31. تفترض النماذج "التقليدية" حدًا أقصى من المنفعة ومعلومات دقيقة وتفضيلات ثابتة ومرتبة وقدرة كبيرة على حساب "أفضل" البدائل وعقلانية نتائج الاختيار. وخلافًا لذلك، تؤكد النماذج "المقيّدة" Bounded سلوك "الإشباع" والمعلومات المحدودة وغير المؤكدة وتأثير الخرائط المعرفية والأطر المرجعية والقيود الحسابية وعقلانية عمليات الاختيار. 26 Chong, Rational Lives , p. 13. 27 Anthony Downs, An Economic Theory of Democracy (New York: Harper and Row, 1957), chapters 12 and 13. 28 William H. Riker & Peter C. Ordeshook, "A Theory of the Calculus of Voting," American Political Science Review , vol. 62, no. 1 (1968), pp. 25-42; John H. Aldrich, "Rational Choice and Turnout," American Journal of Political Science , vol. 37, no. 1 (1993), pp. 246-278. 29 Mancur Olson, The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theories of Groups (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1965). 30 Carmines & Huckfeldt, pp. 223-254.
2 ي. التقليد السياس
يتميز التقليد السياسي tradition Political، مثلم ذكرنا آنفًا، بأنه يدرس الرأي والسلوك الجمهيريَيّن بوصفهم منتجين يُبنيان من تفاعل بنى الدولة ومؤسساتها والأفعال السياسية وتدفق الاتصالات والتعبئة وغياب التعبئة وكثافة المنظمت السياسية وتركيبتها. فإذا ما سعينا خلف عمل بارز عن التقليد السياسي في القرن العشرين، فلن نجد أفضل من كتاب الشعب شبه السّيد، الذي يعرض تحليلً سياسيًا نموذجيًا لغياب المشاركة. فيقول إلمر شاتشنايدر، ردًا على من يُحيل غياب المشاركة إلى "جهل من الشعب ولامبالاة وكسل": "لقد كان ذلك هو التبرير المستخدَم على الدوام حيال استبعاد الطبقات الدنيا في أيّ نظام سياسي. ولديّ هنا تفسير أفضل [...] فمن يضع اللعبة هو من يقرر أيضًا من يشارك بها [...] إن أصل مشكلة عدم التصويت في الانتخابات يكمن في الطريقة التي تُحدَّد بها البدائل في السياسة الأميركية وطريقة إحالة القضايا إلى الجمهور وحجم المنافسة والتنظيم، وقبل كل شيء في ماهية القضايا المعروضة ". انطلق الباحثون من هذه الأفكار وأنتجوا تقليدًا سياسيًا ثريًّا يُعنى بدراسة المشاركة الانتخابية، يركّز على مؤسسات الدولة والاصطفاف الحزبي والجهود الرامية إلى تشكيل الهيئة الانتخابية. وبدلً من دراسة الانحراف الطبقي في التصويت الأميركي بالإحالة إلى اختلاف السمت الفردية، أظهر البحث السياسي أن ذلك ناجم عن "التنافس بين الأحزاب وحيويتها التنظيمية" و"وجود حزب يمثّل مصالح العمل ". ويعارض فرانسيس فوكس بيفن وريتشارد كلوارد التمحور حول المواطن والتقاليد السياسية في هذه المنطقة من البحث، إذ يقدّمان بديلً بتحليلهم التفاعل بين قوانين تسجيل الناخبين والاصطفافات الحزبية وغياب تعبئة الناخبين، بوصفها تشكّل أسبابًا لغياب المشاركة في التصويت.
31 E. E. Schattschneider, The Semi-Sovereign People: A Realists View of Democracy in America (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1960), pp. 102, 107. 32 Martin Shefter, "Political Parties, Political Mobilization, and Political Demobilization," in: Thomas Ferguson & Joel Rogers (eds.), The Political Economy: Readings in the Politics and Economics of American Public Policy (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 1984), pp. 140-148. 33 Walter Dean Burnham, The Disappearance of the American Voter (Washington, DC: American Bar Association, 1979), p. 112. 34 Robert R. Alford, Party and Society: The Anglo-American Democracies (Chicago: Rand McNally, 1963), p. 26. 35"تُدرج تفسيرات عدم التصويت في حالتين تقريبًا: حالة الامتناع لأسباب غير سياسية، وحالة الامتناع بسبب عمليات سياسية مختلفة[...] [على سبيل المثال] أيمتنعون عن التصويت لأنهم فقراء أم أصغر سنًا أم أن الطابع الخاص للمؤسسات السياسية الأميركية لا يُرجّح مشاركة هذه الفئات في التصويت؟ هذا هو السؤال الرئيس". يُنظر: Frances Fox Piven & Richard A. Cloward, Why Americans Don't Vote (New York: Pantheon Books, 1988), p. 15. 36 طعن عدد من الباحثين في ادعاءات بيفن وكلوارد الإمبريقية حول آثار التسجيل، يُراجع على سبيل المثال: Benjamin Highton, "Easy Registration and Voter Turnout," Journal of Politics , vol. 59, no. 2 (1997), pp. 565-575. مع ذلك، يؤكد التحليل الأوسع التزامن بين قوانين التسجيل وانحياز الأحزاب والمنظمات وعمليات التعبئة وإزالة التعبئة، وهذا يوضح تمامًا ما نُسمّيه المقاربة السياسية. ومن بين الأفكار الرئيسة التي يتفق فيها بيفن وكلوارد مع الكتلة الرئيسة من البحوث فكرة أن إقبال الناخبين يعتمد على الخيارات الاستراتيجية للناشطين والنخب السياسية. وتفترض المقاربات القائمة على المواطن ضمنًا أن الجهود الحزبية لتعبئة الناخبين هي معطى سياسي ثابت، ومن ثم لا تشكّل عامل تغيٍّ في الإقبال على الانتخابات على المستوى الزمني وعلى مستوى المناطق. لكن، يشير الباحثون في التقليد السياسي إلى أن قادة الأحزاب اعتبروا في حالات كثيرة "أن الجهد المبذول لتعبئة ناخبين إضافيين لمصلحتهم خطر جدًا [لأنهم] يخشون أن يؤدي دخول مجموعات جديدة في النظام السياسي إلى إغراق الأحزاب القائمة بناخبين جدد، أو [لأنهم] يخشون أن يؤدي اتباع هذه الاستراتيجية إلى فقدانهم السيطرة على أحزابهم". ينظر: Shefter, pp. 140-148.
بخلاف نسب المشاركة، وبالنظر إلى أشكال أوسع من الفعل السياسي، يتّضح التقليد السياسي أفضل ما يكون في حجّة ستيفن روزنستون وجون مارك هانسن عن أن "التعبئة هي مفتاح فهم من يشارك أو لا يفعل، ومتى يشارك ومتى لا يفعل". ويتناقض هذا التركيز على "التعبئة" مع مفهوم "التجنيد" لدى فيربا وشلوزمان وبرادي بصورة تسمح بالتمييز بين المقاربتيَن، السياسية والسوسيولوجية؛ فتلقي الأولى الضوء على إسهام المنظمت والنخب السياسية، في حين تركّز الثانية على دور المجموعات والمنظمت المجتمعية "غير السياسية". كم نجد مثالً آخر عن التقليد السياسي في أدبيات الحركات الاجتمعية من خلال الأعمل التي تُشدّد على بُنى الفرص السياسية والجهود التعبوية لدى الناشطين وديناميات التنازع Contention ذات الطابع العلائقي. بالانتقال من الفعل الجمهيري إلى الرأي العام، ثمة خط موازٍ من الدراسات السياسية. يُعدُّ فلاديمير كي الابن من مؤيدي هذه المقاربة في منتصف القرن العشرين، وعُرف بتأكيده أن "صوت الشعب ليس إلّ صدى، وإن مخرجات غرفة الصدى لَهي ذاتُ علاقةٍ حتميةٍ وثابتةٍ بمدخلاتها". وفي هذا الصدد، طرح بنيامين غينسبرغ حجّة بنيوية أكثر نقدية، على الرغم من أنها تردّد كأنها صدى حجّة كي، يقول: "بينم تُصغي الحكومات الغربية المعاصرة إلى آراء مواطنيها وتستجيب لها، فإن الرأي العام الذي تستجيب له هذه الأنظمة بكل جدية [...] هو في جوانب كثيرة منه ظاهرة مصطنعة، أسهمت الحكومات الوطنية نفسها في خلقها وواظبت على الحفاظ عليها". أو ما يطرحه موراي إيدلمان في العديد من كتبه عن ضرورة تحليل المشاركة السياسية الجمهيرية، سواء السيكولوجية أم السلوكية، بوصفها نتاجًا لتهديدات وتطمينات ذات طابع رمزي. ومن ثمّ، وبخلاف ما تقوله نظرية النظم، "لا تتجلّ المخرجات المهمة للنشاط السياسي في سياسات عامة معيّنة توصف بأنها أهداف سياسية، بل في خلق الدعم والأتباع السياسيين".
37 Steven J. Rosenstone & John Mark Hansen, Mobilization, Participation, and Democracy in America (New York: Macmillan, 1993), p. 7. ويقدم المؤلفان أيضًا مثالً على كيفية دمج التقليد السياسي مع الأفكار والافتراضات المستمدة من التقليد الاقتصادي. 38 Verba, Schlozman & Brady. 39 يُراجع على سبيل المثال: Doug McAdam, Sidney Tarrow & Charles Tilly, Dynamics of Contention (New York: Cambridge University Press, 2001); Hanspeter Kriesi et al. (eds.), New Social Movements in Western Europe: A Comparative Analysis , vol. 5 (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1995); Frances Fox Piven & Richard A. Cloward, Poor Peoples Movements: Why they Succeed, How they Fail (New York: Vintage Books, 1977); Charles Tilly, From Mobilization to Revolution (Reading, MA: Addison-Wesley Publishing Company, 1978). على العكس من ذلك، تعتبر الدراسات التي تؤكد تعبئة الموارد والشبكات الاجتماعية ومنظمات الحركات الاجتماعية، أفضل تعبير عن المقاربة الاجتماعية، على نحو دراسة 1977 Zald & McCarthy. كما أن دراسات "إطار العمل الجماعي" frame action Collective التي تؤكد هويات المجموعة وتصورات الظلم ومعتقدات الفاعلية هي تعبير عن المقاربة السيكولوجية في دراستي 1992 Gamson و 1997 Klandermans. ويظهر التقليد الاقتصادي في الأعمال التي تدرس مشكلة الراكب المجّاني والحوافز التي تسمح للأفراد العقلانيين بتجاوزها. يُراجع: Chong, Collective Action and the Civil Rights Movement ; Pamela E. Oliver & Gerald Marwell, "The Paradox of Group Size in Collective Action: A Theory of the Critical Mass, II," American Sociological Review , vol. 53, no. 1 (1988), pp. 1-8; Steven E. Finkel, Edward N. Muller & Karl-Dieter Opp, "Personal Influence, Collective Rationality, and Mass Political Action," American Political Science Review , vol. 83, no. 3 (1989), pp. 885-903. 40 V. O. Key, Jr. & Milton C. Cummings, Jr., The Responsible Electorate: Rationality in Presidential Voting, 1936-1960 (Cambridge, MA: Belknap Press, Harvard University Press, 1966), pp. 2-3. 41 Benjamin Ginsberg, The Captive Public: How Mass Opinion Promotes State Power (New York: Basic Books, 1986), p. 32. 42 Murray J. Edelman, The Symbolic Uses of Politics (Urbana: University of Illinois Press, 1964).
قد تدفع تحليلات غينسبرغ وإيدلمان وبيفن وكلوارد البعض إلى الاعتقاد أن التقليد السياسي يعكس علم اجتمعيًا نقديًا، يتعارض في جوهره مع التقاليد المتمحورة حول المواطن. أما نحن، فنعتقد أن هذه الرؤية التي تقوم على تعارضهم تُجانب الصواب. فخلال العقدين الماضيين، اتخذت البحوث السلوكية برمّتها منعطفًا بنائيًا، وركّزت بصورة أكبر على الطرائق التي يعمل بها الفاعلون والمنظمت وتدفّق المعلومات السياسية على تشكيل ردات فعل الجمهير. ولا تُلحظ الأهمية المتزايدة لهذه العوامل في الدعوة الواسعة إلى التعبئة فحسب، بل وفي الأدبيات المزدهرة عن وضع الأجندات وترتيبها وتأطيرها أيضًا. مهّد الاهتمم المتزايد بالاتصال السياسي، على نحو خاص، الطريق إلى امتزاج كبير بين المقاربتين السياسية والسيكولوجية. وبناء عليه، أشار توماس نيلسون ودونالد كيندر، وهم ينتميان إلى التقليد السيكولوجي، إلى أن درجة "التمركز حول المجموعة" في الرأي الجمهيري لا تنبع مباشرةً من بعض العناصر الأساسية في علم النفس الفردي أو الجمعي، بل "تعتمد على السياق السياسي [...] فتأطير النخب الحزبية ووسائل الإعلام الجمهيري للقضايا، يصوغ الفهم العام لأصول المشكلات المعاصرة ومزايا الحلول البديلة" [التشديد وارد في الأصل]. ونجد منظورًا ممثلً في الدراسة المهمة التي قدّمها جون زالر، بعنوان "أصول الرأي الجمهيرى وطبيعته"، إذ انطلق وعلى غرار إيدلمان، من افتراض أن "لدى معظم الناس اعتبارات متعارضة بشأن معظم القضايا، ما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرار بشأنها في هذا الاتجاه أو ذاك"، ولذلك يعتمد موقف الفرد من قضية ما في وقت ما على درجة وضوح اعتبارات معيّنة أو غموضها. ويقول زالر إن معرفة العوامل التي تحدد هذا المزيج تفرض علينا النظر أبعد من الفرد؛ إلى تدفقات الاتصال التي يتلقّاها المواطنون من النخب السياسية ووسائل الإعلام. تكمن الفكرة الأساسية في هذه الحجج، بالنسبة إلى دراستنا، في القول إن الأنماط الشائعة للتفكير السياسي لدى الجمهير يمكن عدُّها مخرجات بُنيت سياسيًا. وثمة أمثلة إضافية كثيرة على ذلك، إذ يؤكد الباحثون في التقليد السياسي، مثلً، أن القناعات حيال القدرة الاستجابية للحكومة وقدرة الفرد على التأثير في المخرجات السياسية (أي الفعالية السياسية efficacy Political) ليست مجرد توجّهات سيكولوجية تتولد بالتنشئة الاجتمعية، إذ تعتمد على توسُّل الجمهير بالمنظمت السياسية، وتتشكل من خلال الممرسات المباشرة للمؤسسات الحكومية. وبالمثل، لا ينبثق التعريف الهوياتي أو الوعي بالمجموعة، سواء لدى الأفراد
43 Rosenstone & Hansen. 44 Iyengar Shanto & Donald R. Kinder, News That Matters: Television and American Opinion (Chicago: University of Chicago Press, 1987); Shanto Iyengar, Is Anyone Responsible? How Television Frames Political Issues (Chicago: University of Chicago Press, 1991). 45 Thomas E. Nelson & Donald R. Kinder, "Issue Frames and Group-centrism in American Public Opinion," Journal of Politics , vol. 58, no. 4 (1996), pp. 1055-1078. 46 John R. Zaller, The Nature and Origins of Mass Opinion (New York: Cambridge University Press, 1992). 47 Murray J. Edelman, Politics as Symbolic Action: Mass Arousal and Quiescence (New York: Academic Press, 1971). 48 ورد الاقتباس في: John Zaller & Stanley Feldman, "A Simple Theory of the Survey Response: Answering Questions versus Revealing Preferences," American Journal of Political Science , vol. 36, no. 3 (1992), p. 585. ينظر أيضًا:.Zaller 49 Alford. 50 Joe Soss, Unwanted Claims: The Politics of Participation in the U.S. Welfare System (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2000).
أم الفئات الاجتمعية هكذا وببساطة، بل ينتظمن داخل العملية السياسية أو خارجها. وكم يقول آدم شيفورسكي: "إذا لم تُعبّئ الأحزاب السياسية الناس بوصفهم عملً [...] فليس من المرجّح أن يُعرّفوا أنفسهم بوصفهم أفرادًا من الطبقة العاملة، ولا أن يصوّتوا كذلك بالنتيجة". ومن هذا المنظور، لا تقتصر الولاءات الحزبية على مجرد كونها هويات تنتج من التنشئة الاجتمعية أو ولاءات نفعية، بل هي أيضًا إنجازات سياسية مثلم يقول مارتن شيفتر، بنتْها منظمت خلّقة تسعى جاهدة لجذب جمهور من الأتباع. حين نقول إن الأبحاث التي نوقشت هنا تشترك في مقاربة تحليلية واحدة، لا يعني القول إنها موحّدة. على العكس من ذلك، ينبع فشل الحقل البحثي في اعتبار التفسيرات السياسية للسلوك الجمهيري كتلة بحثية متمسكة، جزئيًا، من الانقسامات القائمة في هذا التقليد. ويختلف الباحثون الذين يتبنّون مقاربة سياسية اختلافًا حادًّا في بعض الأحيان بشأن من همالفاعلون السياسيون الذين يصوغون الاستجابات الجمهيرية، من القمة نزولً إلى القاعدة، وعكسها من القاعدة صعودًا إلى القمة؛ هل هم أفراد النخبة ومنظمتها، أم الحركات الشعبية والناشطون الثائرون. إضافة إلى ذلك، يبدو أحيانًا أن العمل في هذا التقليد يُقسم إلى "فرع مادي" (يركّز على عوامل مثل بنى الدولة وقوانينها وكثافة المنظمت واصطفافاتها وتوزيع الموارد على الجمهير)، و"فرع قائم على الأفكار" (يركّز على اللغة السياسية والتأطير والخطاب والسرديات السببية والإحالات الرمزية). كم تُقسم بحوث التقاليد السياسية إلى ما يُسمّيه مصطفى أميرباير التحليل "المادي" في مقابل التحليل "العلائقي". وهذا يعني أن بعض التحليلات تفترض وجود فاعلين سياسيين ثابتين وتحاول تحديد الآثار السببية لأفعالهم، في حين تقوم الأخرى بتحليل الطرائق التي تبني بها التعاملاتُ السياسية المفتوحة فاعلين سياسيين، وتحاول تحديد الديناميات الخاصة التي تحوّل نظم التعاملات إلى مخرجات. تسهم هذه الانقسامات في التقاليد السياسية وغيرها من الانقسامات في تحديد فروع تنتمي إلى مدرسة تحليلية متمسكة، إذ تؤكد أبحاث التقاليد السياسية عوامل لم تلقَ تاريخيًا أيّ اهتمم يُذكر في الأدبيات الرئيسة للتقاليد الأخرى، ومنها: 1. صياغة بدائل غامضة للجمهير المترددة، 2. التنوّع في تدفقات الاتصال السياسي واتجاهه، 3. الآثار التعبيرية الناجمة عن الأفعال الحكومية، 4. المؤسسات التي تنشر القيم والمعتقدات، 5. حيوية واصطفافات المنظمت التي تحوّل المجموعات المتناثرة إلى مجموعات سياسية متمسكة، مثل الأحزاب والنقابات، 6. مساعي الفاعلين السياسيين في جهود التعبئة وإلغائها، 7. الخطابات والأفعال التي تثير الجمهور أو تُهدّئه، 8. وضع الأجندات واستبعاد القضايا أو البدائل، 9. القواعد المؤسسية التي تعزز صناعة
51 Adam Przeworski, Capitalism and Social Democracy (New York: Cambridge University Press, 1985), p. 27. 52 Martin Shefter, "The Electoral Foundations of the Political Machine: New York City, 1884-1897," in: Joel H. Silbey, Allan G. Bogue & William H. Flanigan (eds.), The History of American Electoral Behavior (Princeton: Princeton University Press, 1978), pp. 263-298. 53 Zaller; Burnham. 54 Taeku Lee, Mobilizing Public Opinion: Black Insurgency and Racial Attitudes in the Civil Rights Era (Chicago: University of Chicago Press, 2002); Frances Fox Piven & Richard A. Cloward, The Breaking of the American Social Compact (New York: New Press, 1997). 55 Mustafa Emirbayer, "Manifesto for a Relational Sociology," American Journal of Sociology , vol. 103, no. 2 (1997), pp. 281-317. 56 على سبيل المثال: McAdam, Tarrow & Tilly; Edelman, Politics as Symbolic Action.
المطالب أو تردعها، 10. هيكل الفرص السياسية المتعلق بانقسامات النخبة والميل إلى القمع... إلخ،.11 أفعال الدولة التي تتضمن توزيع الموارد على المجموعات السياسية.
ثانيًا: السياسة العامة وردات الفعل عىل السياسات
ثمة مجال فكري في التقاليد السياسية الواسعة، تحتله الأبحاث التي تدرس أثر السياسات العامة في أنماط الرأي والسلوك الجمهيريّيَن. وقد بنت مجموعة فرعية من العلمء مقاربة واعدة عن مفهوم "ردات الفعل على السياسات". لكننا قبل دراستها وتوضيحها، لا بد لنا من مناقشة المقاربات القياسية للسياسات العامة.
1. المقاربات القياسية للسياسات العامة
في صياغات الكتب الدراسية، يتعامل علمء السياسة عادةً مع السياسات العامة بوصفها منتجًا أ عدّ خلالُ سلسلة من المراحل، تتكوّن من وضع الأجندة وصياغتها وتنفيذها وتقييمها، بصورة تعكس النموذج الأساسي في نظرية النظم. أما إلى أيّ مدى يُعتبر تسلسل العمليات ديمقراطيًا، فهذا سؤال منتشر في الأدبيات البحثية. لكن، تُطرح هذه القضية عمومًا في سياق التساؤل عمّ إذا كانت مخرجات السياسات تمّت بطريقة ديمقراطية، لا عمّ إذا كانت السياسات تعمل على تعزيز الديمقراطية في حد ذاتها. لذلك يطرح الباحثون، في مجال تحديد المشكلات ورسم الأجندات، سؤالً عن السبب وراء قلق المسؤولين الحكوميين حيال قضايا معيّنة وتجاهلهم قضايا أخرى، ولماذا تُعطى الأولوية لبعض بدائل السياسات، في حين تُهمّش أخرى. ويركز بعض الباحثين على جودة مدخلات المواطنين على نحو مباشر، ويتساءلون عن قدرة الكتل الجمهيرية على إبداء مواقف عقلانية تجاه موضوعات السياسات العامة، وكيفية تحسين مشاركتها في النقاشات. ويلاحظ
57 Thomas R. Dye, Understanding Public Policy, 9 th ed. (Upper Saddle River, NJ: Prentice-Hall, 1998); Mark E. Rushefsky, Public Policy in the United States: At the Dawn of the Twenty-First Century , 3 rd ed. (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2002). 58 على سبيل المثال: Roger W. Cobb & Charles D. Elder, Participation in American Politics: The Dynamics of Agenda Building (Boston: Allyn and Bacon, 1972); Frank R. Baumgartner & Bryan D. Jones, Agendas and Instability in American Politics (Chicago: University of Chicago Press, 1993); Elaine B. Sharp, "Paradoxes of National Antidrug Policymaking," in: David A. Rochefort & Roger W. Cobb (eds.), The Politics of Problem Definition: Shaping the Policy Agenda (Lawrence: University Press of Kansas, 1994), pp. 98-116; John W. Kingdon, Agendas, Alternatives, and Public Policies , 2 nd ed. (New York: Harper Collins College Publishers, 1995). 59 على سبيل المثال: Benjamin I. Page & Robert Y. Shapiro, The Rational Public: Fifty Years of Trends in Americans Policy Preferences (Chicago: University of Chicago Press, 1992); Arthur Lupia & Mathew D. McCubbins, The Democratic Dilemma: Can Citizens Learn What They Need to Know? (New York: Cambridge University Press, 1998); Martin Gilens, "Political Ignorance and Collective Policy Preferences," American Political Science Review , vol. 95, no. 2 (2001), pp. 379-396. 60 على سبيل المثال: Amy Gutmann & Dennis Thompson, Democracy and Disagreement (Cambridge, MA: Belknap Press, Harvard University Press, 1996); Martin Shapiro, "Of Interests and Values: The New Politics and the New Political Science," in: Marc K. Landy & Martin A. Levin (eds.), The New Politics of Public Policy (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995), pp. 3-20.
آخرون كيف تتوصل سياسة التنفيذ إلى نتائج غير فعالة أو غير مرغوبة، ما يؤدي إلى عدم تحقيق الأهداف أو التفضيلات الأصلية للمواطنين. بقطع النظر عن الطابع الخطي للنموذج القائم على المراحل، غالبًا ما كشفت البحوث التي أجراها علمء السياسة عن عملية أكثر دينامية، تُحفّز فيها القوى السياسية النظامَ المفترض وتشكّل مدخلاته. وبدلً من التعامل مع الأهداف باعتبارها معطى، تُظهر الدراسات البنائية Constructivist عشرات الطرائق التي تتشكّل بها معتقدات صناع السياسة وتفضيلاتهم من داخل العملية السياسية. ويستكشف "مؤسساتيون جدد" institutionalists New في مختلف المجالات كيف تشكّل الترتيبات المؤسسية وبنية "قواعد اللعبة" الأجندةَ السياسية وتصوغ تصميمَ السياسات وسنّها. ويوضّح الباحثون في تحديد المشكلات ووضع الأجندات أن الترتيبات المؤسسية و"أماكن حدوثها" تتفاعل مع تمثلات السياسات وتفضي إما إلى الاستقرار وإما إلى التغيير في السياسات. وعلى الرغم من أن هذه المقاربات قطعت شوطًا واسعًا في الكشف عن المحددات السياسية للسلوك السياسي للنخبة، فإنها أهملت تقديم تعريف موازٍ للسلوك السياسي الجمهيري، إذ تدرس الأدبيات كيف تشكّل القواعد السياسية والسياسات القائمة أفعالَ المسؤولين العموميين ومجموعات المصالح، لكنها لا تُخبرنا كثيرًا عن الطرائق التي تؤثّر بها هذه العوامل ذاتها في أفكار المواطنين وسلوكهم السياسي. والحال أن تحليل الآثار الواسعة للسياسات في الجمهور، أو ما يطلق عليه عادة "تقييم البرامج" evaluation Program، يتُرك غالبًا لباحثين في العلوم الاجتمعية في مجالات تقع خارج إطار العلوم السياسية. وتركز غالبية دراسات التقييم هذه على النتائج السوسيو-اقتصادية، وتتجاهل النشاط السياسي الصريح. ومن ثم، تُكتب المجلدات عن الطرائق التي تؤثّر بها السياسات في مخرجات الفقر ومعدل العمر والعملة والإنجاب والتحصيل العلمي ونظافة الهواء أو الماء وحالات الاحتجاز، ولا يُقال إلّ القليل عن أثر هذه السياسات في الممرسة الديمقراطية. نعتقد هنا أن الدراسات الناشئة حول ردات الفعل على السياسات، تُعزّز فهمً أعمق وأوسع للعلاقة بين البرامج العامة وسلوك الجمهير. كم تلفتنا إلى قضايا مهمة، مثل علاقة السياسات بزيادة مشاركة المواطنين في النشاط السياسي أو تراجعها، وكيف تشكل البرامج العامة آراء المواطنين وتفضيلاتهم ومطالبهم ونفوذهم.
61 على سبيل المثال: John E. Chubb & Terry M. Moe, Politics, Markets, and Americas Schools (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1990); Eugene Bardach, The Implementation Game: What Happens After a Bill Becomes a Law (Cambridge, MA: MIT Press, 1977). 62 Deborah Stone, Policy Paradox: The Art of Political Decision Making , rev. ed. (New York: W. W. Norton, 1997). 63 Peter Hall & Rosemary Taylor, "Political Science and the Three New Institutionalisms," Political Studies , vol. 44, no. 4 (1996), pp. 936-957; Theda Skocpol, Protecting Soldiers and Mothers: The Political Origins of Social Policy in the United States (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992); Kenneth A. Shepsle & Barry R. Weingast, "The Institutional Foundations of Committee Power," American Political Science Review , vol. 81, no. 1 (1987), pp. 85-104; Terry M. Moe, "The Politics of Bureaucratic Structure," in: John E. Chubb & Paul Peterson (eds.), Can the Government Govern? (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1989), pp. 267-329. 64 Baumgartner & Jones.
2. أصول مفهوم "ردات الفعل على السياسات"
إن لفكرة تأثير السياسات في إعادة تشكيل البيئة السياسية إرثًا طويلً. ففي دراسة رائدة عن مجموعات الضغط وسياسات التعريفة الجمركية نشُرت في عام 1935، قال شاتشنايدر إن "السياسات Policies الجديدة تخلق سياسة Politics جديدة". وقد بدأ الباحثون ابتداءً من الستينيات بتطوير هذه الفكرة في ثلاثة مسارات بحثية. درست إحدى المجموعات كيف شكّلت أنماط مختلفة من السياسات العامة التفاعلات السياسية بين المصالح المنظمة وصنّاع السياسات، حيث قال ثيودور لوي: تُعزّز سياسات "تخصيص الموارد"، عبر وسائل التوزيع أو التنظيم أو إعادة التوزيع، أنواعًا متميزة من العلاقات السياسية وتنازع السياسات. وفسّ جيمس
ويلسون كيف تؤثّر تكلفة السياسات وفوائدها في ميل مجموعات المواطنين المنظمة لتصير نشطة سياسيًا. وأظهر الباحثون في تنفيذ السياسات العامة كيف تشجّع الترتيبات الإدارية في تصميم السياسات على نشوب معارك سياسية جديدة، من جرّاء تفويض الصلاحيات إلى مستويات أو مؤسسات حكومية مختلفة على سبيل المثال. تجاوزت مجموعة ثانية البحث في المشرّعين ومجموعات الضغط، في اتجاه تحديد أثر السياسات العامة في معتقدات الجمهير الواسعة وتفضيلاتها وأفعالها. يقول إيدلمان، مثلً، إن السياسات هي أفعال نفعية ذات آثار ملموسة ومقصودة في توزيع القيم والأفعال، وهي في الوقت نفسه أفعال تعبيرية تنقل إشارات ذات مغزى إلى جمهور سياسي متنوع. وتستطيع تغيير التفضيلات والتصورات الذاتية وتشكيل المعتقدات الأساسية عن طبيعة الواقع الاجتمعي وتعبئة، أو عدم تعبئة، القواعد الشعبية وإثارة التمرد ضد الترتيبات الحكومية والتوزيعية القائمة أو شرعنتها. وبالمثل، يقول بيفن وكلوارد إن زيادة الفوائد الاجتمعية وانكمشها
65 على نحو جدلي، فإن مفهوم "ردات الفعل على السياسات" متضمن في نظرية النظم نفسها. فقد تضمن مخطط ديفيد إيستون Easton David الشهير للنظام السياسي (1957) سهمً بعنوان "ردات الفعل"، ينطلق من المخرجات، عائدًا إلى المدخلات. لكن عدم أهمية ردات الفعل هذه في نموذج إيستون يتضح تمامًا من حقيقة أنها العنصر الوحيد في المخطط الذي لم يُذكر في متن الدراسة (فضلً عن شرحه.) إضافة إلى أننا نستطيع الاستنتاج من مناقشة إيستون، أنه لم يكن يقصد بمفهوم ردات الفعل الإشارة إلى أن تصميم السياسات يؤسس لمدخلات جماهيرية، بل يفترض فحسب أن "ردات الفعل" في نموذجه، تعبّ عن رضا أو عدم رضا المواطنين عن مخرجات السياسات، وأن هذه الاستجابات ستؤثر في مستويات دعم النظام. ولذلك، وعلى الرغم من احتمال وجود ارتباط ما بين مصطلح "ردات الفعل على السياسات" ونموذج إيستون، فإننا نحيل هذا المفهوم بصيغته المتطورة إلى مصادر أخرى. 66 E. E. Schattschneider, Politics, Pressures, and the Tariff: A Study of Free Private Enterprise in Pressure Politics, as Shown in the 1929-1930 Revision of the Tariff (New York: Prentice-Hall, 1935). 67 Theodore J. Lowi, "American Business, Public Policy, Case-studies, and Political Theory," World Politics , vol. 16, no. 4 (1964), pp. 677-715; Theodore J. Lowi, "Four Systems of Policy, Politics, and Choice," Public Administration Review , vol. 32, no. 4 (1972), pp. 298-310. 68 James Q. Wilson, Political Organizations (New York: Basic Books, 1973); James Q. Wilson, "The Politics of Regulation," in: James Q. Wilson (ed.), The Politics of Regulation (New York: Basic Books, 1980), pp. 357-394. 69 Theodore J. Lowi & Benjamin Ginsberg, Poliscide: Big Government, Big Science, Lilliputian Politics (Lanham, MD: University Press of America, 1990); Theodore J. Lowi & Benjamin Ginsberg, The End of Liberalism: The Second Republic of the United States , 2 nd ed. (New York: W. W. Norton, 1979 [1969]); Jeffrey L. Pressman & Aaron Wildavsky, Implementation: How Great Expectations in Washington Are Dashed in Oakland (Berkeley: University of California Press, 1973); Martha Derthick, Policymaking for Social Security (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1979); Daniel A. Mazmanian & Paul A. Sabatier, Lmplementation and Public Policy (Glenview, IL: Scott, Foresman, 1983). 70 Edelman, The Symbolic Uses of Politics.
يمكنهم إخمد الاضطرابات المدنية والحفاظ على شرعية النظام السياسي، والتأثير في القوة السياسية والاقتصادية للعمل، وتشكيل تفضيلات الجمهور حيال السياسات. درست مجموعة ثالثة من الباحثين أثر السياسات العامة في عمق الديمقراطية democracy of Depth، والمواطنة الشاملة citizenship of Inclusiveness ومستوى التضامن المجتمعي. فقد تتبّع عالم الاجتمع البريطاني ت. ه. مارشال، على سبيل المثال، تطور الحقوق المدنية والسياسية والاجتمعية من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين، ولا سيم الطرائق التي تغيّ بها السياسات الاجتمعية احتملات السياسة الديمقراطية الإدماجية وتُعيد تحديد نطاق المواطنة ومغزاها. واستمرارًا لهذه الأفكار، حلل غوستا إيسبينغ أندرسون كيف تفرض السياسات الاجتمعية الانقسام الطبقي وتشجع أنماطًا جديدة من المساواة، أو عدم المساواة، وتعزّز التضامن بدرجات مختلفة وتغيّ اعتمد المواطنين على الدول والأسواق. وفي الآونة الأخيرة، استكشف الباحثون العلاقة المتبادلة بين السياسة العامة والمواطنة من زاوية العرق والجندر. وقد أوضح العديد منهم مثلً، كيف عملت السياسات الاجتمعية الأميركية تاريخيًا على إدماج بعض الشرائح في إطار الحقوق الاجتمعية باعتبار "أفرادها مواطنين من الدرجة الأولى"، في حين خفّضت مرتبة شرائح أخرى إلى مواطنة "من الدرجة الثانية"، تقع خارج نطاق تلك الحقوق. وقد حصلت مجموعات المواطنة الاجتمعية المعززة على الحق في ولوج النظام السياسي والتأثير، ما منحها القدرة على المشاركة في العملية السياسية، مقارنة بذوي المكانة الأقل. بالجمع بين هذه المسارات البحثية الثلاثة معًا، وتأكيد أهمية التوقيت والتسلسل في مثل هذه الديناميات السياسية، صاغ المؤسساتيون التاريخيون institutionalists Historical في العقد الماضي مصطلح ردات الفعل على السياساتالذي يعني، بحسب تعريف ثيدا سكوكبول، الطرائق التي تؤثّر بها "السياسات، بعد سنِّها، في إعادة تشكيل العمليات السياسية اللاحقة". وأشارت سكوكبول إلى نوعين من الآثار الناتجة من ردات الفعل: تحويل هذه السياسات العامة الجديدة إلى قدرات الدولة بإنشائها ترتيبات إدارية أو تطويرها أو تقليصها، والتأثير في هويات المجموعات الاجتمعية وأهدافها السياسية وقدراتها. وتؤكد الفكرة الأساسية
71 Frances Fox Piven & Richard A. Cloward, Regulating the Poor: The Functions of Public Welfare (New York: Vintage Books, 1993 [1971]); Piven & Cloward, Poor Peoples Movements. 72 T. H. Marshall, Class, Citizenship, and Social Development: Essays (Garden City, NY: Doubleday Publishers, 1965). 73 Gosta Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism (Princeton: Princeton University Press, 1990). 74 على سبيل المثال: Jill Quadagno, The Color of Welfare: How Racism Undermined the War on Poverty (New York: Oxford University Press, 1994); Suzanne B. Mettler, Dividing Citizens: Gender and Federalism in New Deal Public Policy (Ithaca: Cornell University Press 1998); Julia S. O'Connor, Ann Shola Orloff & Sheila Shaver, States, Markets, Families: Gender, Liberalism, and Social Policy in Australia, Canada, Great Britain, and the United States (Cambridge: Cambridge University Press, 1999). 75 Skocpol; Margaret Weir, Ann Shola Orloff & Theda Skocpol, "Introduction: Understanding American Social Policies," in: Margaret Weir, Ann Shola Orloff & Theda Skocpol (eds.), The Politics of Social Policy in the United States (Princeton: Princeton University Press, 1988), pp. 3-27; Lawrence D. Brown, New Policies, New Politics: Governments Response to Governments Growth (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1983).
في مفهوم سكوكبول أن تسلسل الأحداث هو الذي يُقرر كيف تعمل السياسات Policies على خلق سياسة
جديدة New politics.
قال بول بيرسون، بعد إجرائه مسحًا لهذا الحقل في عام 1993، إن دارسي التنمية السياسية نجحوا في استخدام مفهوم ردات الفعل على السياسات، وألقوا الضوء على النشاط السياسي لمجموعات المصالح والمسؤولين المنتخبين. لكنه يتأسف من أن آثار "ردات الفعل على السياسات" في الجمهور لم تحظَ بالكثير من الاهتمم، حيث لفت إلى نوعين من ردات الفعل: الآثار في الموارد effects Resources (طريقة عمل السياسات بوصفها منتِجًا للموارد والحوافز، الأمر الذي يجعلها تشكّل التكلفة الخاصة باستراتيجيات سياسية معيّنة وفوائدها)، والآثار التأويلية effects Interpretive (طريقة عمل السياسات بوصفها مصدرًا للمعلومات والمعنى، وانعكاس ذلك على التعلم السياسي). لكننا، وبعد عشر سنوات، نستطيع التأكيد أن دراسات ردات الفعل على السياسات لا تزال تفتقر إلى الاهتمم الكافي بالمواطنين بوصفهم فاعلين سياسيين. على الرغم من أن أدبيات ردات الفعل على السياسات تجاوزت اليوم الافتراضات التقييدية المرتبطة بنظرية النظم، فإن التنظير في أثر السياسات العامة في الرأي والسلوك الجمهيريَيّن لم يزل دون المطلوب. إضافة إلى أن الدراسات الإمبريقية لهذه الديناميات لا تزال نادرة ومجزّأة. فمثلم يحتاج علمء السلوك السياسي إلى دراسة السياسات إذا أرادوا تقديم تفسير وافٍ لأنماط السياسة الجمهيرية، يحتاج علمء السياسات العامة إلى إيلاء اهتمم أكبر لآليات تأثير السياسات في الرأي والسلوك الجمهيريّيَن. إن تجاهلنا لهذا الموضوع يحول دون فهمنا النطاق الكامل لتأثير السياسات في المجتمع، ويشوّه طبيعة العملية السياسية التي تُنتج السياسات العامة.
ثالثًا: أجندة بحثية حول ردات الفعل عىل السياسات والسلوك السيايس الجمهيري
طرح بيرسون في دراسته أساليب مفيدة لدراسة الآليات التي تؤثّر بها السياسات العامة في السياسة الجمهيرية. لكن الدراسة أغفلت أنماط الأثر الجمهيري التي يُتوقع أن تُحدثه السياسات، أو بتعبير آخر، أنماط العلاقات الإمبريقية التي قد يركّز عليها الباحثون بوصفها فرضيات للدراسة. وبالاعتمد على الدراسات الحالية، نقترح هنا إطارًا يسمح بتتبّع أثر ردات الفعل على السياسات العامة في حقل السياسة الجمهيرية.
1. تحديد الانتمء
يكمن جوهر الأمر في أن السياسات العامة ترسم حدود المجتمع السياسي وتحدد المنتمين إلى هذا المجتمع، والدرجة التي يجري بها إشراكهم فيه ومضمون المواطنة ومعناها. وتؤدي سياسات الهجرة الدور الأبرز في الفصل بين المنتمين وغير المنتمين على أسس قانونية. لكن، تعني السياسات العامة التي تحدد معايير
76 ينظر أيضًا: Charles E. Lindblom, "The Science of 'muddling through'," Public Administration Review , vol. 19, no. 2 (1959), pp. 79-88; Hugh Heclo, Modern Social Politics in Britain and Sweden: From Relief to Income Maintenance (New Haven: Yale University Press, 1974). 77 Pierson, pp. 595-628. 78 Ibid.
الحصول على الفوائد أو الحقوق، أو تضع مبادئ إرشادية لمشاركة المواطنين، ضمنًا، أن بعض الأفراد يتمتعون بإشراك كامل في النظام السياسي لا يتمتع به أفراد آخرون، أو ليس بالدرجة نفسها على الأقل. فمثلً، للولايات المتحدة سجل تاريخي طويل من حرمان الأفراد من الحقوق السياسية والمدنية على أساس العرق والإثنية والجندر وصفة المهاجر، خلافًا للصورة الشائعة عن ثقافتها السياسية ذات الطابع الليبرالي - الفرداني. ويتعيّ أن تسعى البحوث المستقبلية لدراسة مدى إدراك فئات مختلفة من الجمهور مثل هذه الأشكال من الحرمان، وهل استدلّ الجمهور على شيء في خصوص من ينتمي إلى المجتمع السياسي انتمءً كلّيًا ومن ينتمي جزئيًا فحسب. بما أن السياسات العامة هي ما يحدد الانتمء أو العضوية Membership، فإنها أيضًا ما يحدد المكانة Status، أو ما تسميه جوديث شكلار "الموقع" Standing في المجتمع السياسي. فالسياسات العامة تتعامل، عبر قواعدها وأفعالها، بصورة تختلف من فرد إلى آخر: فتمنح حقوقًا كاملة، صريحة و"مكتسبة"، لبعض الأفراد، وتحفظ لهم كرامتهم واحترامهم، فتدمجهم بذلك في صفوف مواطني الدرجة الأولى الذين يحظون بالاحترام. أما السياسات التي تُخضع متلقيها لنظام صارم من التوجيه والمراقبة والتهديد بإجراءات انضباطية، فتسمهم بأنهم أقل شأنًا. ولذلك، فإن التعامل مع السياسات يؤثّر في إحساس المواطنين بمكانتهم وميلهم إلى المشاركة في الحياة السياسية والمدنية. حظي المستفيدون من قانون "جي آي" Bill G.I. على سبيل المثال، بالطبيعة السخية والمضمونة للبرنامج الذي يقدّم رسائل مختلفة، مقارنة بالوصم التي وسمتهم به برامج الإغاثة في طفولتهم، إذ ترك هذا البرنامج لدى المحاربين القدامى من الشرائح الأقل شأنًا شعورًا بأنهم أعضاء محترمون في النظام السياسي، وقد استجابوا بزيادة مشاركتهم أكثر مم كان متوقعًا. كم تؤثّر السياسات العامة أيضًا في الطرائق التي يفهم بها الأفراد حقوقهم ومسؤولياتهم بوصفهم أعضاء في مجتمع سياسي معيّ. ويمنح تصميم السياسات ومدى شمولها المواطنين ما يطلق عليه لورنس ميد "التعريف الإجرائي للمواطنة"، وما يُسمّيه مارك لاندي "التعليم المدني Civic teaching ". وتتوسع بعض السياسات في حقوق المواطنين وتؤكدها، مثل قانون "تايتل إكس" X TiteI؛ وهو التعديل على الدستور الذي جرى في عام 1972 ويحظر التمييز على أساس الجنس في المدارس، سواء الأكاديمية أم الرياضية، أو مثل قانون الأميركيين ذوي الإعاقة Act Disabilities with Americans. وفي بعض الحالات، يجري تذكير العملاء
79 Rogers M. Smith, Civic Ideals: Conflicting Visions of Citizenship in U.S. History (New Haven: Yale University Press, 1997); Linda K. Kerber, No Constitutional Right to Be Ladies: Women and the Obligations of Citizenship (New York: Hill and Wang, 1998); Virginia Sapiro, "Women, Citizenship, and Nationality: Immigration and Naturalization Policies in the United States," Politics and Society , vol. 13, no. 1 (1984), pp. 1-26; Alexander Keyssar, The Right to Vote: The Contested History of Democracy in the United States (New York: Basic Books, 2000). 80 Judith N. Shklar, American Citizenship: The Quest for Inclusion (Cambridge, MA: Harvard University Press, 81 Bo Rothstein, Just Institutions Matter: The Moral and Political Logic of the Universal Welfare State (Cambridge: Cambridge University Press, 1998). 82 قانون إعادة تأهيل العسكريين بعد الحرب العالمية الثانية. 83 Suzanne B. Mettler, "Bringing the State Back in to Civic Engagement: Policy Feedback Effects of the G.I. Bill for World War II veterans," American Political Science Review , vol. 96, no. 2 (2002), pp. 351-365. 84 Lawrence M. Mead, Beyond Entitlement: The Social Obligations of Citizenship (New York: Free Press, 1986). 85 Marc Landy, "Public Policy and Citizenship," in: Ingram & Smith (eds.), pp. 19-45.
باستمرار بحقوقهم وبالإجراءات التي تتيح لهم التوسل بالإجراءات الحكومية. وتشدد برامج أخرى، مثل برنامج المساعدة المؤقتة للأسر المحتاجة TANF Families, Needy for Assistance Temporary، على الالتزامات التي يجب على الأفراد الوفاء بها لاكتساب مواقعهم بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق والحصول على مزايا الرعاية الاجتمعية. لا يقتصر الجمهور المعني بهذه الأمثلة المدنية على المستهدفين مباشرة من البرامج الحكومية، أو المستفيدين منها، بل يشمل أيضًا الجمهور برمّته. فبرامج دولة الرفاهة مثلً، تذكّر المواطنين بحقهم في الحصول على سلع أو خدمات أو إجراءات معيّنة، كم تمنحهم الانطباع بحقهم في توقّع أن تُعالج حكومتهم بعض المظالم الاجتمعية أو الاقتصادية أو السياسية. وتؤثّر هذه البرامج أيضًا في الكيفية التي ينظر بها الجمهور إلى طبيعة التزاماته المدنية وأولوية هذه الالتزامات من زاوية الحقوق. لكننا نفتقر في الوقت الحاضر إلى البحوث اللازمة لتقييم المدى الذي بلغته هذه الآثار المدنية الواسعة.
2 ي. تكوين المجتمع السياس أو رسم حدود المجموعات
تنقل السياسات العامة رسائل حول الانتمء إلى مواطنين مستقلين وتؤثّر أيضًا في أنماط هوية المجموعات. وهي، في أقصى حالاتها، تربط بين المواطنين في مجتمع سياسي موحّد، على نحو ما قاله مارشال حين أشار إلى أن السياسات الحكومية تؤثّر في نطاق المواطنة الوطنية ودرجتها وشروطها، المتنامية بمرور الزمن. وقد أكد الباحثون مؤخرًا أن السياسات العامة تؤثّر في مستوى تماسك النظام السياسي من خلال: المناشدات الرمزية التي تتسم بالغموض، أو فرض سلوك اجتمعي مشترك، أو تشويه سمعة مجموعات تعتبرها خارجة على قيم الغالبية. على العكس من ذلك، تُعزّز السياسات انقسام المجموعات داخل النظام السياسي وتؤثّر في معتقدات أعضائها وتوقعاتهم. فمن المعروف أن المواطنين يميلون إلى استخدام المجموعات الاجتمعية بوصفها مرجعًا مركزيًا للتفكير السياسي. كم يُنظر إلى السياسات، بدرجة أقل، باعتبارها تؤدي دورًا فعالً في بناء هذه المجموعات
86 Robert A. Kagan, Adversarial Legalism: The American Way of Law (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2001). 87 Lawrence M. Mead, "Telling the Poor what to do," The Public Interest , no. 132 (Summer 1998), pp. 97-112; Suzanne B. Mettler, "States' Rights, Women's Obligations: Contemporary Welfare Reform in Historical Perspective," Women and Politics , vol. 21, no. 1 (2000), pp. 1-34. 88 Frances Fox Piven & Richard A. Cloward, "The American Road to Democratic Socialism," Democracy , vol. 3, no. 3 (1983), pp. 58-69. 89 Marshall. 90 David I. Kertzer, Ritual, Politics, and Power (New Haven: Yale University Press, 1989); Edelman, "Systematic Confusions in the Evaluation of Implementing Decisions," pp. 131-147. 91 Neil Gilbert, Transformation of the Welfare State: The Silent Surrender of Public Responsibility (New York: Oxford University Press, 2002); Mead, Beyond Entitlement. 92 Sanford F. Schram, After Welfare: The Culture of Postindustrial Social Policy (New York: New York University Press, 2000); Piven & Cloward, Regulating the Poor. 93 Converse, pp. 206-261; Nelson & Kinder, pp. 1055-1078.
ومنحها موقعًا ورسم حدودها وبثّها معنى سياسيًا. وفي بعض الحالات، تعمل السياسات العامة على خلق الانقسام بين المجموعات، أو المحافظة عليه أو تعميقه، حتى حين تكون هذه المجموعات محددة عبر السمت المادية أو المعتقدات الثقافية أو أماكن الإقامة المشتركة. وفي حالات أخرى، تظهر المجموعات الاجتمعية باعتبارها نتاجًا للسياسات العامة. فمن دون برنامج المساعدة المؤقتة للأسر المحتاجة مثلً، لم تكن لتظهر إلى الوجود المجموعة الرمزية القوية المعروفة باسم "أمهات الرعاية الاجتمعية" mothers Welfare. ولا مطالب السياسيين التي تتّجه إلى الناخبين استرضاءً لهذه المجموعة. ومن دون سياسات الضرائب لا وجود لدافعي ضرائب، ومن ثم لن تصدر باسمهم مطالب سياسية بوصفهم مجموعة. إضافة إلى ذلك، تنقل السياسات وبصورة مباشرة، رسائل عن سمت المجموعات إلى أعضاء المجموعة المستهدفة وإلى الجمهور عمومًا. ويمكن للطريقة التي تتعامل بها سياسة معيّنة مع مجموعة ما أن تجعلها تبدو قوية أو ضعيفة، جديرة أو غير جديرة بالثقة، فاضلة من الناحية الأخلاقية أو مثيرة للبغض. وبهذا الشكل، تؤثّر السياسات في أفكار المواطنين بشأن المجموعات الجديرة وغير الجديرة، وهو ما يترتب عليه آثار كبيرة في محتوى صنع السياسات اللاحقة. وفي الواقع، فإن تصميم السياسات لا يؤثّر في صورة المجموعة المستهدفة في نظر المجتمع إجملً فحسب، بل يؤثّر أيضًا في الكيفية التي يدرك بها أفراد المجموعة ويقيِّم بعضهم بعضًا، ويعدُّ ذلك من أهم آثار ردات الفعل على السياسات؛ وذلك بسبب نتائجه على رغبة أعضاء المجموعة في الانضمم إلى العمل السياسي الجمعي.
3. بناء القدرات المدنية أو تقويضها
إضافة إلى رسائل التعبئة أو التهدئة التي ناقشناها آنفًا، ثمة مجموعة مختلفة من الآثار تتركها السياسات في قدرات المواطنين على المشاركة المدنية والسياسية. ونذكر هنا أربعة منها. أولً، تخلق الموارد التي تقدّمها السياسات حوافز مادية للتعبئة. فقد يصير الأفراد المتأثرون بأحد البرامج ناشطين في قضايا سياسية متعلقة بهم، ربما بدافع حمية المكاسب أو زيادتها. فقد ينجم ارتفاع معدلات المشاركة الانتخابية بين المزارعين جزئيًا عن الدعم الحكومي للزراعة، ما يزيد من "شعورهم بوجود مصلحة شخصية لهم في السياسة". كم تخلق هذه الموارد حوافز مادية لتوحيد النشاط السياسي لمجموعات
94 Dvora Yanow, Constructing "Race" and "Ethnicity" in America: Category-Making in Public Policy and Administration (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2002). 95 Clarissa Hayward, "The Difference States Make: Democracy, Identity, and the American City," American Political Science Review , vol. 97, no. 4 (2003), pp. 501-514. 96 Edelman, The Symbolic Uses of Politics. 97 Schneider & Ingram, Policy Design for Democracy. 98 Joe Soss, "Making Clients and Citizens: Welfare Policy as a Source of Status, Belief, and Action," in: Anne Larason Schneider & Helen M. Ingram (eds.), Deserving and Entitled: Social Constructions and Public Policy (Albany: SUNY Press, [Forthcoming]). [published in 2005] 99 Andrea Louise Campbell, How Policies Make Citizens: Senior Political Activism and the American Welfare State (Princeton: Princeton University Press, 2003). 100 Verba, Schlozman & Brady. 101 Raymond E. Wolfinger & Steven J. Rosenstone, Who Votes? (New Haven: Yale University Press,1980), p. 33.
معينة. ففي الكثير من الحالات، تقوم المجموعات الاجتمعية بتنمية قدراتها التنظيمية بهدف وضع سياسات عامة ذات صلة، بدلً من كونها أداة ترويج لها. وقد تختلف هذه الآثار لدى مجموعات فرعية من المستفيدين، حيث وجدت أندريا كامبل مثلً، أن التعبئة القائمة على السياسات أقوى بين المستفيدين من التأمين على الشيخوخة ذوي الدخل المنخفض؛ وهم غالبًا المجموعة التي تعتمد على دخل الضمن الاجتمعي. ثانيًا، تؤدي السياسات دورًا رئيسًا في بناء المهارات المدنية وتوزيعها بين المواطنين. فمن المعروف أن السياسات العامة، ولا سيم سياسات التعليم، تهدف غالبًا إلى بناء "رأس مال بشري" عند المواطنين من خلال التدريب على العمل وتوفير الرعاية الصحية والفوائد العامة الأخرى. لقد أكد علمء السياسة مرارًا أن التعليم الرسمي يعزز المهارات السياسية والمشاركة المدنية؛ إلّ أنه، كم ذكرنا في مقدمة هذه الدراسة، قلة من الدراسات عالجت على نحو مباشر الكيفية التي يمكن أن تؤثّر بها الخيارات في سياسات التعليم في أنماط التفكير والفعل السياسي. كم أن التعليم الرسمي هو واحد من بين مجالات متعددة للسياسات، ويجب دراسته على هذا الأساس. فالسياسات العامة، وتبعًا لاختلاف أشكال تصميمها، تساعد المواطنين في تعلم كيفية التعامل بفاعلية مع الحكومة وتتيح لهم ممرسة فن اتخاذ القرارات السياسية الجمعية. ثالثًا، توفر السياسات الموارد اللازمة للتعبئة السياسية. وقد أشار لوي إلى إن إحدى الوظائف الرئيسة للسياسات العامة، هي توزيع الموارد وإعادة توزيعها. وبقيامها بذلك، فإنها تزوّد المواطنين بمواد تُستخدم لبناء مجموعات الضغط وتنظيمها وتعبئتها، بل حتى تجاه الأفراد المستبعدين من النظام السياسي. ففي بعض المناطق، زوّدت برامج العمل المجتمعي في الستينيات الناشطين السود المتمردين بمكاتب ولوازم مكتبية ومساحات اجتمعات سهّلت بدورها النشاط السياسي، ومن ثم نشوء مجموعة من القادة السياسيين السود. وتؤكد سالي مارستون أن البرامج التي عملت على توفير الموارد لمنظمت الأحياء السكنية "تركت إرثًا متناميًا من مشاركة المواطنين في الحكم المحلي". رابعًا، يسهم تصميم السياسات في تشكيل مواقف المواطنين الشخصية من الحكومة، ويؤثّر من ثم في عمليات التعلم السياسي وأنماط التوجه السياسي. وتفترض آن شنايدر وهيلين إنغرام أن تصميم السياسات الذي يتضمن صياغة رسائل معيّنة تستهدف السكان، يسهم في تشكيل اتجاهات المواطنين حيال
102 Wilson, "The Politics of Regulation," pp. 357-394. 103 Baumgartner & Jones. 104 Campbell, How Policies Make Citizens. 105 على سبيل المثال: Verba, Schlozman & Brady; Nie, Junn & Stehlik-Barry. 106 James A. Morone, The Democratic Wish: Popular Participation and the Limits of American Government , rev. ed. (New Haven: Yale University Press, 1998); Soss, Unwanted Claims. 107 Lowi, "American Business, Public Policy, Case-studies, and Political Theory," pp. 677-715; Skocpol. 108 Quadagno. 109 Sallie A. Marston, "Citizen Action Programs and Participatory Politics in Tucson," in: Ingram & Smith (eds.), pp. 119-135.
الحكومة ومشاركتهم السياسية. وبناءً على ذلك، أظهرت دراسة أجريت على المستفيدين من الرعايةُ الاجتمعية في التسعينيات، على سبيل المثال، أن ثمة برنامجيَن اجتمعيّيَن شكّلا مصدرَين مهميَن للتعلم السياسي لدى البالغين. فقد عانى المستفيدون من برنامج الرعاية الاجتمعية للتأمين ضد العجز (SSDI) Insurance Disability Security Social الروتينَ البيروقراطي للبرنامج، لكنه استجاب لمطالبهم في النهاية، وعززت هذه التجربة فعاليتهم السياسية خارجه. وعلى النقيض من ذلك، تعامل المستفيدون من برنامج مساعدة أسر الأطفال المعاقينAid to Families with Dependent Children, AFDC مع برنامج قائم على الأوامر والزجر، كشف لهم عن صورة سلبية عن استجابة الحكومة لأمثالهم. وقد دعمت الدراسات اللاحقة للبرنامج هذه النتيجة، ووسّعت نطاقها لتشمل سياسات العدالة الجنائية. فالمواجهات مع الشرطة مثلً، غيّت مواقف المواطنين من شفافية النظام القضائي، وتركت آثارًا سلبية، ولا سيم في مواقف الأميركيين من أصل أفريقي الذين كان كثيرون منهم يتعرضون للتوقيف على يد الشرطة في الطرق. تتشكل تجارب المواطنين في التعامل مع الحكومة تبعًا لخطط السياسات العامة وتنفيذها، ما يجعل من هذه الأخيرة عاملً مهمً في تشكيل توجهات المواطنين نحو مؤسسات الحكومة وسياساتها.
4. تأطير أجندة السياسات ومشكلاتها وتقييمتها
توجّه ردات الفعل على السياسات أيضًا التصورات العامة عن المشكلات المجتمعية وأجندات السياسات والإجراءات الحكومية. أولً، ترسم السياسات العامة الإطار الذي يحدد معنى المشكلات المجتمعية وأصولها، وذلك بتحديد الفئات المستهدفة بالإجراءات الحكومية وإيجاد الحلول. ولأن السياسات تسعى نحو أنواع معيّنة من الحلول، فهي تطلق رسائل معيّنة عن الطبيعة الأساسية للمشكلة وتُحدد تصورات المواطنين عنها، بوصفها تقع ضمن
110 Schneider & Ingram, Policy Design for Democracy. 111 Soss, Unwanted Claims. 112 لكن اللافت أن مجموعتي المستفيدين خبرتا آثارًا إيجابية بناءً على الفاعلية الداخلية، حيث أدت الجهود الناجحة في التعامل مع البيروقراطية إلى زيادة الثقة بقدرة كلتيهما على التعامل الفعال مع الحكومة. كما تجدر الإشارة إلى أن الانطباعات التي تنقلها بعض تصاميم السياسات، تعزز التهميش السياسي للمجموعات ذات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني، في حين تحمل تصاميم أخرى رسائل تحفز على المشاركة المدنية بصورة تفوق ما هو متوقع في مثل هذه المجموعات. يُراجع: Joe Soss, "Lessons of Welfare: Policy Design, Political Learning, and Political Action," American Political Science Review , vol. 93, no. 2 (1999), pp. 363-380; Suzanne B. Mettler & Eric Welch, "Civic Generation: Policy Feedback Effects of the G.I. Bill on Political Involvement over the Life Course," British Journal of Political Science (Forthcoming) [published in vol. 34, no. 3 (2004)]. 113 Jennifer L. Lawless & Richard L. Fox, "Political Participation of the Urban Poor," Social Problems , vol. 48, no. 3 (2001), pp. 362-385. 114 John Hurwitz & Mark Peffly, "Racial Polarization on Criminal Justice Issues: Sources and Political Consequences of Fairness Judgments," Revised version of paper delivered at the annual meeting of the American Political Science Association, San Francisco, 30 August-2 September 2001. (Available from authors) 115 يُراجع أيضًا الفصل العاشر من: Staffan Kumlin, "The Personal and the Political: How Personal Welfare State Experiences Affect Political Trust and Ideology," PhD Dissertation, Department of Political Science, Goteberg University, Sweeden, 2002.
مسؤولية فردية أو مجتمعية على سبيل المثال، أو بوصفها مشكلة عامة أو خاصة. ومن ثم، قد تحدد خيارات السياسات توقعات الجمهور، حيث تزداد، بمرور الوقت، صعوبة الدفع في اتجاه إجراء تغيير جوهري. لاحظ جاكوب هاكر في دراسته نظام الرعاية الصحية الأميركي أن اعتمد معظم الأميركيين على التأمين الخاص، يجعل "أيّ تحول في التأمين الخاص إلى القطاع العام، خسارة في عيني من تمتع بتأمين خاص في السابق". ومن خلال مثل هذه الديناميات، يؤثّر إطار السياسات العامة في مرحلة معيّنة في فهم الجمهور اللاحق للأدوار الملائمة التي تؤدّيها الحكومة والمواطنون في مجال ما. ثانيًا، إن للسياسات قدرةَ تأثير في أهمية القضايا والإجراءات بالنسبة إلى الجمهور. ففي أيّ ديمقراطية واسعة التمثيل، ثمة تمييز رئيس بين قضايا تُحلّ بمراقبة عامة دقيقة جدًا، وقضايا تُحلّ بمراقبة عامة محدودة. ويمكن أن يضع تصميم السياسات القضايا العامة في أيٍّ من الاتجاهين. فمثلً، حينم يربط المشرّعون فوائد البرنامج بالتضخم، فإن زيادة الفوائد المستقبلية تمرّ من دون أن يلاحظها أحد، في حين تتطلّب قرارات تجميد أو خفض مستوى الفوائد مناقشة عامة. والعكس صحيح في السياسات التي تجعل الفوائد ثابتة في غياب إجراء تشريعي. وتُسهم أيضًا السياسات التي تتطلب قياسًا للظواهر الاجتمعية في تحديد مدى أهميتها عند الجمهور، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك: رصد الحكومة معدل البطالة والاحتيال على الرعاية الاجتمعية والمدفوعات الزائدة. على النقيض من ذلك، تحجب الطبيعة الخفية للإنفاق الضريبي الأميركي مدى مساهمته في إعادة التوزيع التصاعدي للدخل، ويترك النظام الأميركي الشامل للمنافع الصحية والمعاشات التقاعدية التي يقدّمها القطاع الخاص بموافقة من الدولة، آثارًا ممثلة. تساعد محدودية المعرفة بمثل هذه البرامج في تفسير السبب في أن "معظم المواطنين لا يدركون على نحو كافٍ التغييرات التي تطرأ عليها"، واستطرادًا، تفسير حدوث التغيرات في ظل غياب دعم منظم عادةً. وفي هذه الأحوال كلها، فإن للسياسات القائمة، بحكم تصميمها وبنيتها، تأثيرًا كبيرًا في مواقف المواطنين من أجندة السياسات. ثالثًا، نظرًا إلى الطابع العلني للسياسات العامة، فإن لديها أيضًا القدرة على صياغة تقييمت الجمهور للحكومة وأعملها. ومثلم ذكرنا آنفًا، يقع تأثير السياسات هذا في صميم الملاحظات الصائبة التي ذكرها بيفن
116 Michael K. Gusmano, Mark Schlesinger & Tracey Thomas, "Policy Feedback and Public Opinion: The Role of Employer Responsibility in Social Policy," Journal of Health Politics, Policy, and Law , vol. 27, no. 5 (October 2002), pp. 731-772; Stone. فيما يتعلق بقضيتي الفقر والبطالة على سبيل المثال، تُحيل برامج التدريب على العمل المشكلة إلى المهارات غير الكافية، أما الوظائف العامة وبرامج الأجور الإضافية، فتركّز في ذلك على القيود الهيكلية لسوق العمل، في حين تعزو شروط العمل ومتطلباته في برامج الرعاية الاجتماعية ذلك إلى القيم الفردية والسلوك والانضباط الذاتي. وتتعامل برامج التأهيل وعلاج تعاطي المخدرات مع المدمنين بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى تدخّل عمومي، بينما تعتبره مقاربات إنفاذ القانون مسؤوليةً شخصية. يُراجع.Sharp, pp. 98-116: 117 Jacob S. Hacker, "The Historical Logic of National Health Insurance: Structure and Sequence in the Development of British, Canadian, and U.S. Medical Policy," Studies in American Political Development , vol. 12, no. 1 (1998), p. 122. 118 R. Douglas Arnold, The Logic of Congressional Action (New Haven: Yale University Press, 1990). 119 Stone. 120 Christopher Howard, The Hidden Welfare State: Tax Expenditures and Social Policy in the United States (Princeton: Princeton University Press, 1997). 121 Jacob S. Hacker, The Divided Welfare State: The Battle over Public and Private Social Benefits in the United States (New York: Cambridge University Press, 2002). 122 Ibid., p. 283.
وكلواردوإيدلمان. وبوجه عام، حينم تتبوأ إجراءات سياسية محددة مركز الصدارة في الخطاب العام، فإنها "تبُرز" معايير معيّنة لتقييم أداء الحكومة (مثلم قد تبُرز تقييمت لمسؤولين عموميين معينين). فقد
يترك تحول السياسات في السياسة الخارجية من الدبلوماسية إلى التدخل العسكري النشط مثلً، أثرًا ثانويًا هو التقليص من التهديد الذي قد تمثّله المشكلات الاقتصادية المحلية في الثقة التي يوليها الجمهور للمؤسسات الحكومية. وبالمثل، تصمَّم السياسات من خلال تأكيد مجموعة محدودة من الأهداف، فتفرض بذلك معايير تقييمها على عموم الجمهور. ويمكن القول على سبيل المثال، إن تركيز مصممي البرامج التي تستهدف إصلاح الرعاية الاجتمعية المعاصرة على أهداف مباشرة، مثل تعزيز فرص العمل والحدّ من التبعية لمدفوعاتها، يؤدي إلى تقليص قدرة الجمهور على تقييم هذه السياسات، اعتمدًا على معايير أخرى غيرها.
5. تنظيم المشاركة وتحفيزها وتثبيطها
يمكن أن تُنظّم السياسات العامة المشاركة السياسية في حد ذاتها، ما يؤثّر في درجة التعبئة الفردية أو الجمعية، وفي شكل المشاركة الجمهيرية. والأهم من ذلك، تحدد السياسات عالم المشاركين وصنّاع المطالب، وتوسّع، أو تُقيّد، المجموعات الفرعية من الأفراد التي لها قدرة على المشاركة في أنماط معيّنة من الفعل السياسي. ولْننظر هنا إلى سياسات حرمان المجرمين المدانين من حق التصويت في بعض الولايات الأميركية. لقد زادت معدلات ارتياد السجون في الولايات المتحدة أربعة أضعاف منذ عام 1975، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى وجود أجندة سياسات حازمة لمكافحة الجريمة وسياسات صارمة في إصدار الأحكام، ما يحرم 4.7 ملايين شخص من حق التصويت حاليًا من جرّاء إدانتهم بجرائم، بل حتى المجرمين السابقين في بعض الولايات. وثمة دلائل تشير إلى أن هذا الحرمان قد غيَّ على الأرجح نتائج انتخاب عدد من حكام الولايات وانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، وفي انتخابات رئاسية واحدة على الأقل. تشجّع بعض تصميمت السياسات صناعة المطالب أو تُضعفها على نحو فعال. على سبيل المثال، تسهم محدودية المعرفة بسياسات توزيع المنافع عن طريق الإنفاق الضريبي في تدنّ الاستفادة من هذه المنافع، ولا سيم لدى ذوي الدخل المنخفض الذين لا يحصلون على المعلومات المتعلقة بأهليتهم للحصول عليها، كم في حالة الدخول الممنوحة في شكل ائتمن EITC Credit, Tax Income Earned. وبالمثل، تنفق بعض البرامج الموارد قصد تشجيع طالبي الخدمات (مثل برنامج الضمن الاجتمعي للتأمين ضد الشيخوخة)، بينم
123 Piven & Cloward, Regulating the Poor. 124 Edelman, The Symbolic Uses of Politics. 125 ينظر: Shanto & Kinder. 126 Sanford R. Schram & Joe Soss, "Success Stories: Welfare Reform, Policy Discourse, and the Politics of Research," The Annals of the American Academy of Political and Social Science , vol. 557, no. 1 (September 2001), pp. 49-65. 127 Christopher Uggen & Jeff Manza, "Democratic Contraction? The Political Consequences of Felon Disenfranchisement Laws in the United States," American Sociological Review , vol. 67, no. 6 (December 2001), pp. 777-803. 128 Katherin Ross Phillips, "The Earned Income Tax Credit: Knowledge is Money," Political Science Quarterly , vol. 116, no. 3 (2001), pp. 413-424; Edward L. Glaeser & Jesse M. Shapiro, "The Benefits of the Home Mortgage Interest Deduction," NBER Working Paper , no. 9284, National Bureau of Economic Research (October 2002), accessed on 26/9/2003, at: https://bit.ly/3uZKav8
تُصمّم برامج أخرى لتضليل أصحاب المطالبات وعرقلتهم (مثل برنامج المساعدة المؤقتة للأسر المحتاجة). ولهذه السياسات نتائج واضحة؛ إذ ثمة فارق على سبيل المثال بين المواطنين الذين لا يتلقّون بياناتهم السنوية للضمن الاجتمعي التي تُبيّ بالتفصيل مكاسبهم المستقبلية، مقارنة بأولئك الذين يملكون تفاصيل أكبر عن البرنامج ويثقون به. إضافة إلى أن السياسات العامة تُحدّد المشاركين وتُشجّعهم، فإنها تخلق ساحات للفعل السياسي أيضًا. في الستينيات، لاحظ بيفن وكلوارد أن سياسات الرعاية الاجتمعية فرزت مساحات خاصة لمطالب ذوي الدخل المنخفض، وأن هذه المساحات يمكن استخدامها جزءًا من "استراتيجية أزمة" أوسع للتعبئة السياسية. وسواء تحت هذا الشكل التنازعي أم تحت الظروف الاعتيادية الأخرى، قد تتخذ مطالب الرعاية الاجتمعية شكل فعلٍ سياسي للأفراد المؤهلين. وتترك السياسات الأخرى آثارًا ممثلة حينم تُنشئ طرائق جديدة ومشروعة للمواطنين لبلوغ الإجراءات الحكومية. فالعديد من السياسات البيئية تفتح منافذ رسمية لمشاركة المواطنين في قرارات التنفيذ. كم أن العديد من السياسات الاجتمعية وقوانين مكافحة التمييز المعاصرة تتيح للمواطنين، فرادى أو مجموعات، التقدم إلى المحاكم من أجل حل النزاعات. وتُحفز سياسات أخرى الفعل السياسي في صورة مطالبات بالحقوق تقوم بها مؤسسات غير حكومية، منها أماكن العمل والمدارس والهيئات الدينية. والسياسات العامة، بإنشائها ساحات جديدة لمطالب المواطنين ومن خلال سمت تصميمية أخرى، تقوم أيضًا بتوجيه المطالب الجمهيرية في اتجاه بعض المجالات دون غيرها. ففي السنوات الأخيرة، قام صناع السياسات بنقل قدر كبير من صلاحيات السياسات من الحكومات الوطنية إلى حكومات الولايات والحكومات المحلية، ومن الوكالات العامة إلى منظمت خاصة وغير حكومية. وتُغيّ خيارات السياسات هذه مضمر التفاعلات السياسية المستقبلية بطرائق قد تترك آثارًا بالغة الأهمية في السلطة السياسية، وفي نتائج السياسات.
129 Joe Soss & Lael R. Keiser, "The Political Roots of Disability Claims: How State Environments and Policies Shape Citizen Demands," Revised version of paper presented at the annual meeting of the Midwest Political Science Association, Chicago, 2001. (Available from authors) 130 Lawrence R. Jacobs, Fay Lomax Cook & Dukhong Kim, "Trusting what you Know: Information, Knowledge, and Confidence in Social Security," Paper presented at the annual meeting of the American Political Science Association, Boston, 29 August-1 September 2002. 131 Piven & Cloward, Regulating the Poor ; Jeffrey L. Pressman, Federal Programs and City Politics: The Dynamics of the Aid Process in Oakland (Berkeley: University of California Press, 1975). 132 Soss, Unwanted Claims. 133 على سبيل المثال: Judith Layzer, "Science, Politics, and International Environmental Policy," Global Environmental Politics , vol. 2, no. 3 (2002), pp. 118-123; Thomas C. Beierle, "The Quality of Stakeholder-based Decisions: Lessons from the Case Study Record," Discussion Paper , no. 00-56, Resources for the Future (2000), accessed on 26/9/2003, at: https://bit.ly/3LfXzog 134 Kagan; R. Shep Melnick, Between the Lines: Lnterpreting Welfare Rights (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1994). 135 Mary Fainsod Katzenstein, Faithful and Fearless: Moving Feminist Protest inside the Church and Military (Princeton: Princeton University Press 1998); Michael Schudson, The Good Citizen: A History of American Civic Life (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999). 136 John D. Donahue, Hazardous Crosscurrents Confronting Inequality in an Era of Devolution (New York: Century Foundation Press, 1999).
فلننظر على سبيل المثال إلى عملية الاقتراع خلال القرن التاسع عشر، حيث وسّعت الولايات المتحدة في ثلاثينيات ذلك القرن حق الاقتراع "العام"، خلافًا لغيرها من الديمقراطيات الصناعية الغربية، ليشمل الرجال البيض، بغضّ النظر عن حيازتهم أيّ ملكية. وبذلك أصبح هؤلاء مشاركين نشطين في السياسة الانتخابية، في حين اعتبُرت النساء خارج العملية، واكتسبْ هويات سياسية خاصة قائمة على الجندر، جعلتهن ينخرطن في أنماط تعبئة مختلفة. وكان لسياسات العمل والشؤون الاجتمعية في مرحلة ال "النيو ديل New Deal " آثار ممثلة في تعزيز نمط مشاركة سياسية جندرية على المستوى الوطني ومستوى الولايات في النظام الفدرالي. وبالمثل، أدت سياسات اختيار المدرسة policies School-choice التي اعتُمدت مؤخرًا إلى
نتائج غير مقصودة، حيث اتّجه أولياء الأمور الأكثر انخراطًا في المشاركة إلى ترك مدارس الجوار ونقل أطفالهم بنشاطهم وحركيتهم إلى مدارس أخرى، يُفترض أنها أكثر فاعلية، ما حرم المدارس المتعثرة من مصدر مهم للمعلومات والمشاركة المدنية. تمنح السياسات الناشئة حديثًا شرعية سياسية لبعض أنواع المطالب، ما يشجّع على زيادة المشاركة السياسية. فالحركة العملية الأميركية، مثلً، ازدادت جرأة واكتسبت زخمً بعد صدور القانون الوطني لعلاقات العمل Act Relations Labor National في عام 1935. وبالمثل، دفعت حركة مطلبية منظمة نظامَ المحاكم في اتجاه تقييم دستورية مؤسسات التعليم القائمة على الفصل بين التلامذة على أساس الإثنيةSegregated educational institutions، حيث ساعد قرار "براون ضد مجلس التعليم" Education of Board v. Brown The (1954) على تحفيز حركة الحقوق المدنية. واكتسبت الحركة النسوية زخمً بعد إدراج مصطلح "الجنس" في قانون الحقوق المدنية في عام 1964، ما مك نها من التعبئة ضد التمييز على أساس الجنس. ونحن في انتظار التحقق إن كانت قضية " لورنس ضد ولاية تكساس" Texas v. Lawrence (2003) ستعبّئ جمهير الدوائر الانتخابية لتحقيق مخرجات ممثلة، وذلك بعد أن أبطلت المحكمة العليا مؤخرًا، الحكم الصادر في عام 1986 في قضية "بويرس ضد هاردويك" Hardwick v. Bowers؛ وهو ما يعني تأكيد حقوق المواطنين "الشاذين" و"الشاذات" واحترام علاقاتهم. أخيرًا، تحدد السياسات شكل الانتمء إلى الجمعات والأحزاب السياسية؛ ذلك أن المواطنين يعتبرون أن مجموعات أو أحزابًا معيّنة تدافع عن السياسات التي يؤيدونها أو يعارضونها. فكثيرًا ما اعتُبِ الأميركيون من كبار السن ناخبين مخلصين للحزب الديمقراطي، كونهم يعتبرونه جزئيًا، المدافع الرئيس عن مكتسبات الضمن الاجتمعي والرعاية الطبية. وفي الانتخابات الأخيرة، تردد المرشحون الجمهوريون في تبنّي خطط الخصخصة
137 Paula C. Baker, The Moral Frameworks of Public Life: Gender, Politics, and the State in Rural New York, 1870-1930 (New York: Oxford University Press, 1991); Skocpol. 138 Mettler, Dividing Citizens. 139 Scott Abernathy, "Small Worlds: School Choice, Informational Networks, and Political Participation," Paper presented at the annual meeting of the American Political Science Association, San Francisco, 30 August-2 September 2001. 140 Philip S. Foner, Women and the American Labor Movement: From the First Trade Unions to the Present (New York: Free Press, 1979). 141 McAdam Doug, Political Process and the Development of Black Insurgency, 1930-1970 (Chicago: University of Chicago Press, 1982). 142 Anne N. Costain, Inviting Women's Rebellion: A Political Process Interpretation of the Women's Movement (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992).
التي أقرّتها قيادة حزبهم، خشية ابتعاد الناخبين الأكبر سنًا. ولْنتذكر أن ذلك ما حصل أيضًا في ردات الفعل السياسية التي أفرزتها سياسات الحقوق المدنية في الستينيات. ففي ذلك الوقت، توقَّع الرئيس ليندون جونسون أن يخسر الحزب الديمقراطي ناخبيه البيض لجيل واحد على الأقل من جرّاء هذه السياسات. وقد أيّدت الدراسات الطوليةLongitudinal عن الانتمء الحزبي هذا التنبؤ بشدة. وغرابة التحول الأخير للجنوبيين البيض في اتجاه الحزب الجمهوري لا توازيها إلّ غرابة ولاء السود للحزب الديمقراطي.
خاتمة
يُشكّل الإنفاق الحكومي اليوم نسبة الثلث إلى النصف من الناتج المحلي الإجملي في الدول الصناعية الغربية. ويشكّل معدل البرامج الاجتمعية العامة والإنفاق الضريبي خُمس اقتصادات هذه الدول. وإضافة إلى هذا الإنفاق، يؤثّر التنظيم الحكومي عبر اللوائح regulation Government على نحو مباشر في حياة المواطنين اليومية؛ بوصفهم عاملين ومستهلكين وأفرادًا في المجتمع. وبذلك، فإن للبرامج والقواعد الحكومية حضورًا أساسيًا ومستمرًا في حياة المواطنين المعاصرين. وعلى الرغم من أن محللي السياسات يدرسون الآثار الاجتمعية والاقتصادية لمثل هذه البرامج بصورة دورية، فإن آثارها السياسية لم تزل موضع تجاهل واسع. والحال أننا، وبصراحة، نستغرب فشل التواصل بين الباحثين في السياسة العامة ونظرائهم من دارسي السياسة الجمهيرية. فيصعب أن نفهم لماذا لا يستند هؤلاء الباحثون إلى الأدبيات المهمة التي عرضنا لها آنفًا في سعيهم للكشف عن الكيفية التي تؤثّر بها السياسات الحكومية في قدرة المواطنين على ممرسة استقلالية فعلية، وفي كيفية تفكيرهم، وفي سلوكهم الفعلي بوصفهم أعضاء في النظام السياسي. فم الأسئلة المركزية ذات الأهمية في مجال البحث الإمبريقي التي يطرحها علمء السياسة على أنفسهم؟ وما مجالات البحث التي تُعدّ أكثر حيوية في فهمنا جودة الديمقراطية؟ إن السياسات العامة لمواطني الولايات المتحدة توفّر أساسًا لخبرات الحكومة في أثناء العمل Government-in-action على نحو أكثر انتظامًا مم توفره النشاطات التي اعتاد علمء السياسة دراستها، مثل التصويت والاتصال بالمسؤولين العموميين والمشاركة في الاحتجاجات أو المظاهرات. ولمجمل هذه الأسباب، فإننا نعتقد أن انعكاس السياسات العامة على السلوك السياسي الجمهيري اختمرت وباتت جاهزة للدراسة. لذا سنختم بطرح بعض الأفكار على أجندة البحث في هذا المجال. أولً، يمكن تعزيز أبحاث ردات الفعل على السياسات عن طريق عزل أثر سمت التصميم الخاصة بهذه السياسات. نستطيع فهم ذلك عبر التمييز مثلً بين الموارد التي توفّرها السياسات وآليات تقديمها، أو بين أدوات مراقبة السياسات وآليات تنفيذها. ولفهم سبب الاختلاف في أنماط ردات الفعل التي تنتجها السياسات، يجب تحديد الأبعاد الأساسية ذات الأهمية السياسية للسياسة الجمهيرية فيم يتصل بالتغير الذي يعتري هذه السياسات: سياسات ظاهرة في مقابل خفية، استهدافية في مقابل عامة، قائمة على الالتزامات في مقابل الحقوق، تشاركية في مقابل غير تشاركية، خاضعة لرقابة شديدة في مقابل رقابة محدودة، سخيّة
143 Edward G. Carmines & James A. Stimson, Issue Evolution: Race and the Transformation of American Politics (Princeton: Princeton University Press, 1989); Thomas Byrne Edsall & Mary D. Edsall, Chain Reaction: The Impact of Race, Rights, and Taxes on American Politics (New York: W. W. Norton, 1992). 144 Christopher Howard, "Is the American Welfare State Unusually Small?" PS: Political Science and Politics , vol. 36, no. 3 (2003), pp. 411-416.
في مقابل شحيحة، توفّرها الدول في مقابل المجال الخاص... إلخ. ويمكن للدراسات المقارنة، التي نستطيع بوساطتها اكتشاف الآثار الأحادية والمركبة لسمت التصميم في السياسات القائمة على البرامج، أن تُسهّل فهمنا هذه الديناميات. ثانيًا، يجب على دارسي ردات الفعل على السياسات تركيز اهتممهم على العمليات التي تعمل وسيطًا فيها. ربما نستطيع أن نتعلم الكثير من الدراسات التي تكشف عن الكيفية التي ترتبط بها إجراءات السياسات أو سمت تصميمها بردات الجمهور عليها. لكن هذا النمط من البحوث قد يحيد بنا عن الهدف؛ ذلك أن تصميم السياسات لا يفرض ببساطة أنماطًا معيّنة على تفكير الجمهور وأفعاله، إنما يترك أثره بسبب الطرائق الخاصة التي يتكيّف بها مع التعاملات السياسية المستمرة، وبسبب العمليات السياسية التي يُطلقها. ولذلك، يجب أن تبدأ دراسات أثر ردات الفعل بتتبّع العمليات وتحديد الآليات التي تربط السياسات العامة
بالاستجابات الجمهيرية. ولا يشكّل ذلك خطوة أساسية لتوضيح آثار ردات الفعل فحسب، بل لفهم عواملها الظرفية Contingencies أيضًا. لقد اقترح بعض الباحثين نماذج قائمة على العملية Models Process، لبيان الآثار الملحوظة على المستوى الفردي في شرائح سكانية محددة ومستهدفة، لكن لا بد من بذل مزيد من الجهد في هذه المنطقة من البحث. وبصورة عامة، يجب على الباحثين بذل المزيد لإلقاء الضوء على آليات ردات الفعل التي ترتبط بالمستهدفين من السياسات، والآليات التي تؤثّر في الجمهور الأوسع، والاختلافات والتشابهات بين الاثنين. ثالثًا، يجب أن تسعى دراسات ردات الفعل على السياسات لأن تكون، في بعض نواحيها، أكثر تمركزًا حول المواطن Citizen-centered. فإن الباحث الذي يُقيّم تصميم السياسات فحسب لا يستطيع أن يتوصل إلى معرفة يقينية بالآثار المادية والرمزية للسياسات العامة. فهذه الآثار تعتمد أساسًا على مدى تطابق السياسات العامة مع حياة الأفراد والمجموعات الاجتمعية. وتبحث بعض المحاولات الأولية في التأثيرات effects interpretive and Resources [السابق الإشارة إليها] على المستوى الفردي، لكنها تبقى غير كافية، إذ تترك الموارد التي تعتمد على السياسات آثارًا سياسية متباينة جدًا، تبعًا لخصائص الأفراد والجمعات. فقد يحصل عملاء البرنامج العامّ نفسه على تجارب متباينة حال تعاملهم مع عناصر التصميم نفسها. ولذلك يجب معاملة المواطنين بوصفهم عملاء فاعلين في عمليات التصميم التي تولِّد آثار ردات الفعل على السياسات. وللقيام بذلك، يجب أن ندرس استخدام المواطنين، سياسيًا، الموارد التي تعتمد عليها السياسات،
و"ممرسات خلق المعنى التي يحاول الفاعلون الاجتمعيون بوساطتها جعل عالمهم متمسكًا". ويصبح
145 Charles Ragin, Fuzzy-Set Social Science (Chicago: University of Chicago Press, 2000). 146 Andrew Bennett & Alexander L. George, "Process Tracing in Case Study Research," Paper presented at the MacArthur Foundation Workshop on Case Study Methods, Belfer Center for Science and International Affairs (BCSIA), Harvard University, 17-19 October 1997. 147 Charles Tilly, "To Explain Political Processes," American Journal of Sociology , vol. 100, no. 6 (1995), pp. 1594-1610; Charles Tilly, "Mechanisms in Political Processes," Annual Review of Political Science , vol. 4, no. 1 (Summer 2001), pp. 21-41. 148 Mettler, "Bringing the State Back in to Civic Engagement"; Soss, "Lessons of Welfare," pp. 363-380. 149 Ibid. 150 Lisa Wedeen, "Conceptualizing Culture: Possibilities for Political Science," American Political Science Review , vol. 96, no. 4 (2002), p. 720.
هذا التعمق فعالً عبر إجراء دراسات ميدانية تقارن كيف تختلف الخبرات والتفسيرات بين المستفيدين من عدد صغير من البرامج المحددة، أو المستفيدين من البرنامج نفسه، وبين مجموعة موازية من غير المستفيدين. رابعًا، على دارسي ردات الفعل على السياسات توسيع اهتممهم بالتوقيت والتسلسل ومدِّه في اتجاه السلوك الجمهيري. فآثار السياسات قد تتأثر بتوقيتها في حياة الأفراد والأجيال؛ ذلك أن أشكالً معيّنة من الاستقلالية تتقاطع، خلال مجرى الحياة، مع مسارات العمر الكرونولوجي ومع التطور الاجتمعي والسياسي. فمثلً، قد تكتسب تجارب السياسات في مرحلة البلوغ المبكرة أهمية خاصة في التعلم السياسي، على غرار ما أشارت إليه دراسات التنشئة السياسية، والتأثيرات الكبيرة والدائمة التي أحدثها قانون جي آي في المحاربين القدامى الشباب العائدين من الحرب العالمية الثانية. وبالمثل، فإن التسلسل بين تجارب السياسات بالنسبة إلى تجارب حكومية أخرى يمكن أن يصوغ الآثار التي تنتجها. فعلى سبيل المثال، تظاهر المحاربون القدامى في الحرب العالمية الأولى احتجاجًا على سوء معاملة الحكومة لهم، الأمر الذي لا نستطيع فهمه إلّ باستيعاب قناعة هؤلاء بأن المحاربين القدامى في الحرب الأهلية عوملوا على نحو أفضل. وفي المقابل، تجاوب المحاربون القدامى في الحرب العالمية الثانية، الذين تذكروا مهانة بعض برامج الإغاثة خلال الكساد الكبير، جيدًا مع تشريع "الحق المكتسب" في قانون جي آي الخاص بإعادة تأهيل العسكريين. خامسًا، يجب أن تسعى دراسة ردات الفعل على السياسات لدمج التحليلات على المستوييَن التاريخي والفردي، وتزويد هذا المجال البحثي بدراسات عن الكيفية التي تؤثّر بها اتجاهات تطور الدولة في الأنماط السائدة للرأي والسلوك الجمهيريّيَن بمرور الزمن. لقد شهدت العقود الأخيرة تحولات كبيرة في التوجهات السياسية الرئيسة وأنماط المشاركة المدنية والسياسية، التي يبدو أنها وثيقة الارتباط بالاختلافات الجيلية. يجمع كتاب أندريا كامبل المتميز كيف تصنع السياسات المواطنين، بين التحليلات التاريخية والفردية، فيوضّح كيف يعزز الضمن الاجتمعيSocial Security والرعاية الطبيةMedicare المشاركة السياسية لدى كبار السن، حيث تجاوز تأثير كبار السن هؤلاء في النتائج السياسية أكثر مم سيكون عليه الأمر بخلاف ذلك، لكننا لا نملك حتى الآن سوى تصورات محدودة عن الكيفية التي ترتبط بها التغيرات المعاصرة الأخرى في السياسة الجمهيرية مع خفض النفقات الخاصة بسياسات اجتمعية وتنظيمية معينة. وفي رأينا، تكمن هنا مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى باحثي التنمية السياسية الأميركية. ففي العقود القليلة الماضية التي شهدت تفاوتًا متزايدًا في الدخل والثروة، قُلّصت بشدة برامج الرعاية الاجتمعية الموجهة إلى المواطنين غير المسنيّن وغيرهم من الأقل حظًا. واليوم، تتوافر مسوحات السلاسل الزمنية التي تغطي أكثر من أربعين عامًا إلى الوراء، وبيانات إدارية عن الكثير من البرامج التي تغطّي فترات أطول من ذلك، حيث قد تُكِّن علمء السياسة من دراسة الكيفية التي تؤثّر بها الاتجاهات الكبرى في السياسات العامة في توجهات الجمهير وسلوكها السياسي في النصف الأخير من القرن العشرين.
151 Mettler & Welch. 152 Suzanne B. Mettler, "Policy Feedback Effects for Collective Action: Lessons from Veterans programs," Paper presented at the conference on Democracy, Public Policy and Social Movements, University of California, Irvine, 11-13 January 2002. (Available from author) 153 Warren E. Miller & J. Merrill Shanks, The New American Voter (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996); Robert D. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community (New York: Simon and Schuster, 2000). 154 Campbell, How Policies Make Citizens.
نسارع هنا إلى إضافة أن الأجندة البحثية الضخمة التي نقترحها هنا تتطلّب مجموعة جديدة من البيانات؛ ذلك أن معظم المسوحات السكانية العامة، مثل دراسات الانتخابات الوطنية Studies Election National والمسح الاجتمعي العام Survey Social General، تطرح أسئلة سياسية عدة على المواطنين، لكنها تجمع القليل من المعلومات عن التجارب التي يواجهونها مع البرامج العامة. في حين تقوم أخرى بدراسة تجارب البرامج، لكنها لا تعالج المواقف أو السلوكيات السياسية، مثل مسح الدخل Income of Surveyوالمشاركة في البرامج Participation Program. ولَسوف تحرز دراسة ردات الفعل على السياسات تقدمًا كبيرًا لو بدأت تلك المسوحات باستخدام هذه الأنواع من الأسئلة. قد يحقق الباحثون تقدمًا كبيرًا من خلال الجمع بين المسوحات الحالية والسلاسل الزمنية الإدارية، مع إضافة أسئلة ذات صلة إلى المسوحات الجمهيرية المستقبلية. مع ذلك، يجب ألّ يقف دارسو ردات الفعل على السياسات عند هذا الحد. علينا الاستلهام من حقل تقييم البرامج الذي يستخدم عادة ألواح التصاميم Panel designsودراسات التوزيع العشوائيRandom assignment studies لتحديد الآثار الاجتمعية والاقتصادية الناجمة عن التغيرات في السياسات. تعتمد تحليلات المستوى الفردي لردات الفعل على السياسات عادةً على البيانات المقطعية Cross-sectional أو البيانات الاستعادية data Retrospective. ويمكن اختبار النتائج التي توصلت إليها هذه الأعمل بدقة أكبر إذا أضاف الباحثون أسئلة سياسية إلى دراسات تقييم البرامج في المستقبل، ويُفضَّل أن يصمم هؤلاء دراسات "تقييم سياسي" كاملة خاصة بهم لهذه البرامج. وبالمثل، تقدّم ألواح التصاميم مزايا كبيرة لتحديد الاختلافات السابقة واللاحقة في المواقف السياسية، وهي تسمح للباحثين بمراقبة دقيقة للطريقة التي تتحول بها مواقف المواطنين استجابةً لتجارب محددة مع الحكومة، إذا ما استُخدمت طريقة سلسلة الملاحظات "المتحركة" observations of series."Rolling" يجب أن يضيف الباحثون إلى هذه الاستراتيجيات الوضعية تحليلات تأويلية تستند إلى بحوث تاريخية وميدانية. ويمكن دمج بحوث ردات الفعل على السياسات بسهولة في المجال الناشئ حديثًا؛ ونعني به "التحليل التأويلي للسياسات" analysis policy Interpretive. وفي بعض الحالات، يكمّل هذا العمل الاستراتيجياتِ التي ذكرناها سابقًا، حيث يتتبّع عمليات التفاعل وصناعة المعنى التي تفسر الانتظامات السببية التي لوحظت في التحليلات الوضعية. وفي حالات أخرى، تنطوي البحوث التأويلية على إمكان توضيح الجوانب المختلفة كليًا لردات الفعل على السياسات، مثل: التفاعل بين تصاميم السياسات وخطاباتها والفهوم المتعلقة بالمواطنة، والكيفية التي تشكل بها القيم والخطابات الثقافية التأويلات الخاصة بتجارب البرامج، والطرائق التي تدعم بها تصنيفاتُ السياسات التشكيلاتِ القائمة على العرق والجندر أو المجموعات الاجتمعية الأخرى أو تقوضها... إلخ. وتشير أنماط الآثار الواردة في هذه الدراسة إلى أن دراسة ردات الفعل على السياسات ستنكمش كثيرًا ما لم يهتم الباحثون بطرائق اشتغال الرموز والثقافة والخطاب وصناعة المعنى.
155 تشير العبارة إلى البحوث التي تعتبر فهم المشاركين جزءًا لا يتجزأ من تحليل السياسات، فهي تدرس مباشرةً الكيفية التي يفهم بها الأفراد والجماعات غايات السياسات وأهدافها وإجراءاتها. للاطلاع على تعريف ومناقشة أكثر تفصيلً، يُراجع: Dvora Yanow, Conducting Interpretive Policy Analysis (Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 1999). 156 Ann Chih Lin, "Bridging Positivist and Interpretivist Approaches to Qualitative Methods," Policy Studies Journal , vol. 26, no. 1 (1998), pp. 162-180.
بوجه عام، ليست العقبات التي تعترض دراسة ردات الفعل على السياسات أكبر مم توجد في معظم الحقول المعرفية الأخرى، إضافة إلى أن إمكانات هذا المجال البحثي، في تقديم مساهمت مهمة للعلوم السياسية والسياسة الديمقراطية معًا، تستحق بذل الجهد. ونأمل أن يقبل العلمء هذا التحدي.
المراجع
References
Abernathy, Scott. "Small Worlds: School Choice, Informational Networks, and Political Participation." Paper presented at the annual meeting of the American Political Science Association. San Francisco, 30 August-2 September 2001. Abramson, Paul R. & John H. Aldrich. "The Decline of Electoral Participation in America." American Political Science Review. vol. 76, no. 3 (1982). Aldrich, John H. "Rational Choice and Turnout." American Journal of Political Science. vol. 37, no. 1 (1993). Alford, Robert R. Party and Society: The Anglo-American Democracies. Chicago: Rand McNally, 1963. Anne N. Costain, Inviting Women's Rebellion: A Political Process Interpretation of the Women's Movement. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992. Anthony, Downs. An Economic Theory of Democracy. New York: Harper and Row, 1957. Apter, David E. (ed.). Ideology and Discontent. Glencoe, IL: Free Press, 1964. Arnold, R. Douglas. The Logic of Congressional Action. New Haven: Yale University Press, Baker, Paula C. The Moral Frameworks of Public Life: Gender, Politics, and the State in Rural New York, 1870-1930. New York: Oxford University Press, 1991. Bardach, Eugene. The Implementation Game: What Happens After a Bill Becomes a Law. Cambridge, MA: MIT Press, 1977. Baumgartner, Frank R. & Bryan D. Jones. Agendas and Instability in American Politics. Chicago: University of Chicago Press, 1993. Beierle, Thomas C. "The Quality of Stakeholder-based Decisions: Lessons from the Case Study Record." Discussion Paper. no. 00-56. Resources for the Future (2000). at: https://bit.ly/3LfXzog Bennett, Andrew & Alexander L. George. "Process Tracing in Case Study Research." Paper presented at the MacArthur Foundation Workshop on Case Study Methods. Belfer Center for Science and International Affairs (BCSIA). Harvard University, 17-19 October 1997. Berelson, Bernard R., Paul F. Lazarsfeld & William N. McPhee. Voting: A Study of Opinion Formation in a Presidential Campaign. Chicago: University of Chicago Press, 1954. Brown, Lawrence D. New Policies, New Politics: Governments Response to Governments Growth. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1983.
Burnham, Walter Dean. The Disappearance of the American Voter. Washington, DC: American Bar Association, 1979. Campbell, Andrea Louise. How Policies Make Citizens: Senior Political Activism and the American Welfare State. Princeton: Princeton University Press, 2003. Campbell, Angus et al. The American Voter. New York: John Wiley and Sons, 1960. Carmines, Edward G. & James A. Stimson. Issue Evolution: Race and the Transformation of American Politics. Princeton: Princeton University Press, 1989. Carpini, Michael X. Delli & Scott Keeter. What Americans Know About Politics and Why It Matters. New Haven: Yale University Press, 1996. Chong, Dennis. Collective Action and the Civil Rights Movement. Chicago: University of Chicago Press, 1991. ________. "How People Think, Reason, and Feel about Rights and Liberties." American Journal of Political Science. vol. 37, no. 3 (1993). ________. Rational Lives: Norms and Values in Politics and Society. Chicago: University of Chicago Press, 2000. Chubb, John E. & Paul Peterson (eds.). Can the Government Govern? Washington, DC: Brookings Institution Press, 1989. Chubb, John E. & Terry M. Moe. Politics, Markets, and Americas Schools. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1990. Cobb, Roger W. & Charles D. Elder. Participation in American Politics: The Dynamics of Agenda Building. Boston: Allyn and Bacon, 1972. Conover, Pamela Johnston. "The Role of Social Groups in Political Thinking." British Journal of Political Science. vol. 18, no. 1 (1988). Derthick, Martha. Policymaking for Social Security. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1979. Donahue, John D. Hazardous Crosscurrents Confronting Inequality in an Era of Devolution. New York: Century Foundation Press, 1999. Doug, McAdam. Political Process and the Development of Black Insurgency, 1930-1970. Chicago: University of Chicago Press, 1982. Downs, Anthony. An Economic Theory of Democracy. New York: Harper and Row, 1957. Dye, Thomas R. Understanding Public Policy. 9 th ed. Upper Saddle River, NJ: Prentice-Hall,
Easton, David. The Political System: An Inquiry into the State of Political Science. New York: Knopf, 1953. ________. "An Approach to the Analysis of Political Systems." World Politics. vol. 9, no. 3 (1957). Edelman, Murray J. The Symbolic Uses of Politics. Urbana: University of Illinois Press, 1964. ________. Politics as Symbolic Action: Mass Arousal and Quiescence. New York: Academic Press, 1971. Edsall, Thomas Byrne & Mary D. Edsall. Chain Reaction: The Impact of Race, Rights, and Taxes on American Politics. New York: W. W. Norton, 1992. Emirbayer, Mustafa. "Manifesto for a Relational Sociology." American Journal of Sociology. vol. 103, no. 2 (1997). Esping-Andersen, Gosta. The Three Worlds of Welfare Capitalism. Princeton: Princeton University Press, 1990. Ferguson, Thomas & Joel Rogers (eds.). The Political Economy: Readings in the Politics and Economics of American Public Policy. Armonk, NY: M. E. Sharpe, 1984. Finkel, Steven E., Edward N. Muller & Karl-Dieter Opp. "Personal Influence, Collective Rationality, and Mass Political Action." American Political Science Review. vol. 83, no. 3 (1989). Foner, Philip S. Women and the American Labor Movement: From the First Trade Unions to the Present. New York: Free Press, 1979. Gilbert, Daniel T., Susan T. Fiske & Gardner Lindzey (eds.). The Handbook of Social Psychology. 4 th ed. Boston: McGraw-Hill, 1998. Gilbert, Neil. Transformation of the Welfare State: The Silent Surrender of Public Responsibility. New York: Oxford University Press, 2002. Gilens, Martin. "Political Ignorance and Collective Policy Preferences." American Political Science Review. vol. 95, no. 2 (2001). Ginsberg, Benjamin. The Captive Public: How Mass Opinion Promotes State Power. New York: Basic Books, 1986. Glaeser, Edward L. & Jesse M. Shapiro. "The Benefits of the Home Mortgage Interest Deduction." NBER Working Paper. no. 9284. National Bureau of Economic Research (October 2002). at: https://bit.ly/3uZKav8 Goodin, Robert E. & Hans-Dieter Klingemann (eds.). A New Handbook of Political Science. New York: Oxford University Press, 1996.
Gusmano, Michael K., Mark Schlesinger & Tracey Thomas. "Policy Feedback and Public Opinion: The Role of Employer Responsibility in Social Policy." Journal of Health Politics, Policy, and Law. vol. 27, no. 5 (October 2002). Gutmann, Amy & Dennis Thompson. Democracy and Disagreement. Cambridge, MA: Belknap Press, Harvard University Press, 1996. Hacker, Jacob S. "The Historical Logic of National Health Insurance: Structure and Sequence in the Development of British, Canadian, and U.S. Medical Policy." Studies in American Political Development. vol. 12, no. 1 (1998). ________. The Divided Welfare State: The Battle over Public and Private Social Benefits in the United States. New York: Cambridge University Press, 2002. Hall, Peter & Rosemary Taylor. "Political Science and the Three New Institutionalisms." Political Studies. vol. 44, no. 4 (1996). Hardy-Fanta, Carol. Latina Politics, Latino Politics: Gender, Culture, and Political Participation in Boston. Philadelphia: Temple University Press, 1993. Hayward, Clarissa. "The Difference States Make: Democracy, Identity, and the American City." American Political Science Review. vol. 97, no. 4 (2003). Heclo, Hugh. Modern Social Politics in Britain and Sweden: From Relief to Income Maintenance. New Haven: Yale University Press, 1974. Highton, Benjamin. "Easy Registration and Voter Turnout." Journal of Politics. vol. 59, no. 2 (1997). Hochschild, Jennifer L. What's Fair? American Beliefs about Distributive Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981. Howard, Christopher. The Hidden Welfare State: Tax Expenditures and Social Policy in the United States. Princeton: Princeton University Press, 1997. ________. "Is the American Welfare State Unusually Small?" PS: Political Science and Politics. vol. 36, no. 3 (2003). Huckfeldt, Robert & John Sprague. Citizens, Politics, and Social Communication: Information and Influence in an Election Campaign. New York: Cambridge University Press, 1995. Hurwitz, John & Mark Peffly. "Racial Polarization on Criminal Justice Issues: Sources and Political Consequences of Fairness Judgments." Revised version of paper delivered at the annual meeting of the American Political Science Association. San Francisco, 30 August-2 September 2001.
Ingram, Helen & Steven Rathgeb Smith (eds.). Public Policy for Democracy. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1993. Iyengar, Shanto. Is Anyone Responsible? How Television Frames Political Issues. Chicago: University of Chicago Press, 1991. Jackman, Mary R. The Velvet Glove: Paternalism and Conflict in Gender, Class, and Race Relations. Berkeley: University of California Press, 1994. Jacobs, Lawrence R., Fay Lomax Cook & Dukhong Kim. "Trusting what you Know: Information, Knowledge, and Confidence in Social Security." Paper presented at the annual meeting of the American Political Science Association. Boston, 29 August-1 September 2002. Kagan, Robert A. Adversarial Legalism: The American Way of Law. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2001. Katz, Elihu & Paul F. Lazarsfeld. Personal Influence. Glencoe, IL: Free Press, 1955. Katzenstein, Mary Fainsod. Faithful and Fearless: Moving Feminist Protest inside the Church and Military. Princeton: Princeton University Press 1998. Kerber, Linda K. No Constitutional Right to Be Ladies: Women and the Obligations of Citizenship. New York: Hill and Wang, 1998. Kertzer, David I. Ritual, Politics, and Power. New Haven: Yale University Press, 1989. Key, Jr., V. O. & Milton C. Cummings, Jr., The Responsible Electorate: Rationality in Presidential Voting, 1936-1960. Cambridge, MA: Belknap Press, Harvard University Press, 1966. Keyssar, Alexander. The Right to Vote: The Contested History of Democracy in the United States. New York: Basic Books, 2000. Kingdon, John W. Agendas, Alternatives, and Public Policies. 2 nd ed. New York: Harper Collins College Publishers, 1995. Kriesi, Hanspeter et al. (eds.). New Social Movements in Western Europe: A Comparative Analysis. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1995. Kumlin, Staffan. "The Personal and the Political: How Personal Welfare State Experiences Affect Political Trust and Ideology." PhD Dissertation. Department of Political Science. Goteberg University. Sweeden, 2002. Landy, Marc K. & Martin A. Levin (eds.). The New Politics of Public Policy. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995. Lawless, Jennifer L. & Richard L. Fox. "Political Participation of the Urban Poor." Social Problems. vol. 48, no. 3 (2001).
Layzer, Judith. "Science, Politics, and International Environmental Policy." Global Environmental Politics. vol. 2, no. 3 (2002). Lazarsfeld, Paul E., Bernard R. Berelson & Hazel Gaudet. The People's Choice: How the Voter Makes Up His Mind in a Presidential Election. New York: Columbia University Press, 1948. Lee, Taeku. Mobilizing Public Opinion: Black Insurgency and Racial Attitudes in the Civil Rights Era. Chicago: University of Chicago Press, 2002. Levine, David (ed.). Nebraska Symposium on Motivation. Lincoln: University of Nebraska Press, 1965. Lin, Ann Chih. "Bridging Positivist and Interpretivist Approaches to Qualitative Methods." Policy Studies Journal. vol. 26, no. 1 (1998). Lindblom, Charles E. "The Science of 'muddling through'." Public Administration Review. vol. 19, no. 2 (1959). Lowi, Theodore J. & Benjamin Ginsberg. The End of Liberalism: The Second Republic of the United States. 2 nd ed. New York: W. W. Norton, 1979 [1969]. ________. Poliscide: Big Government, Big Science, Lilliputian Politics. Lanham, MD: University Press of America, 1990. Lowi, Theodore J. "American Business, Public Policy, Case-studies, and Political Theory." World Politics. vol. 16, no. 4 (1964). ________. "Four Systems of Policy, Politics, and Choice." Public Administration Review. vol. 32, no. 4 (1972). Lupia, Arthur & Mathew D. McCubbins. The Democratic Dilemma: Can Citizens Learn What They Need to Know? New York: Cambridge University Press, 1998. Marcus, George E. et al. With Malice toward Some: How People Make Civil Liberties Judgments. New York: Cambridge University Press, 1995. Marshall, T. H. Class, Citizenship, and Social Development: Essays. Garden City, NY: Doubleday Publishers, 1965. Mazmanian, Daniel A. & Paul A. Sabatier. Lmplementation and Public Policy. Glenview, IL: Scott, Foresman, 1983. McAdam, Doug, Sidney Tarrow & Charles Tilly. Dynamics of Contention. New York: Cambridge University Press, 2001. Mead, Lawrence M. Beyond Entitlement: The Social Obligations of Citizenship. New York: Free Press, 1986.
________. "Telling the Poor what to do." The Public Interest. no. 132 (Summer1998). Melnick, R. Shep. Between the Lines: Lnterpreting Welfare Rights. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1994. Merelman, Richard M. Pluralism at Yale: The Culture of Political Science in America. Madison: University of Wisconsin Press, 2003. Mettler, Suzanne B. Dividing Citizens: Gender and Federalism in New Deal Public Policy. Ithaca: Cornell University Press 1998. ________. "States' Rights, Women's Obligations: Contemporary Welfare Reform in Historical Perspective." Women and Politics. vol. 21, no. 1 (2000). ________. "Policy Feedback Effects for Collective Action: Lessons from Veterans programs." Paper presented at the conference on Democracy. Public Policy and Social Movements, University of California. Irvine, 11-13/1/2002. ________. "Bringing the State Back in to Civic Engagement: Policy Feedback Effects of the G.I. Bill for World War II veterans." American Political Science Review. vol. 96, no. 2 (2002). Mettler, Suzanne B. & Eric Welch. "Civic Generation: Policy Feedback Effects of the G.I. Bill on Political Involvement over the Life Course." British Journal of Political Science (Forthcoming). [published in vol. 34, no. 3 (2004)]. Milbrath, Lester W. & M. L. Goel. Political Participation: How and Why Do People Get Lnvolved in Politics? 2 nd ed. Chicago: Rand McNally College Publishing Company, Miller, Arthur H. et al. "Group Consciousness and Political Participation." American Journal of Political Science. vol. 25, no. 3 (1981). Miller, Warren E. & J. Merrill Shanks. The New American Voter. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996. Monroe, Kristen Renwick (ed.). The Economic Approach to Politics: A Critical Reassess ment of the Theory of Rational Action. New York: Harper Collins, 1991. ________ (ed.). Political Psychology. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2002. Morone, James A. The Democratic Wish: Popular Participation and the Limits of American Government. rev. ed. New Haven: Yale University Press, 1998. Nelson, Thomas E. & Donald R. Kinder. "Issue Frames and Group-centrism in American Public Opinion." Journal of Politics. vol. 58, no. 4 (1996). Nie, Norman H., Jane Junn & Kenneth Stehlik-Barry. Education and Democratic Citizenship in America. Chicago: University of Chicago Press, 1996.
O'Connor, Julia S., Ann Shola Orloff & Sheila Shaver. States, Markets, Families: Gender, Liberalism, and Social Policy in Australia, Canada, Great Britain, and the United States. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Oliver, Pamela E. & Gerald Marwell. "The Paradox of Group Size in Collective Action: A Theory of the Critical Mass, II." American Sociological Review. vol. 53, no. 1 (1988). Olson, Mancur. The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theories of Groups. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1965. Orfield, Gary. "Schools more Separate: Consequences of a Decade of Resegregation." The Civil Rights Project. Harvard University, 2001. at: https://bit.ly/3qZ7CGy Page, Benjamin I. & Robert Y. Shapiro. The Rational Public: Fifty Years of Trends in Americans Policy Preferences. Chicago: University of Chicago Press, 1992. Pateman, Carole. Participation and Democratic Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1970. Phillips, Katherin Ross. "The Earned Income Tax Credit: Knowledge is Money." Political Science Quarterly. vol. 116, no. 3 (2001). Pierson, Paul. "When Effect Becomes Cause: Policy Feedback and Political Change". World Politics. vol. 45, no. 4 (1993). Pitkin, Hanna Fenichel. Representation. New York: Atherton Press, 1969. Piven, Frances Fox & Richard A. Cloward. Poor Peoples Movements: Why they Succeed, How they Fail. New York: Vintage Books, 1977. ________. "The American Road to Democratic Socialism." Democracy. vol. 3, no. 3 (1983). ________. Why Americans Don't Vote. New York: Pantheon Books, 1988. ________. Regulating the Poor: The Functions of Public Welfare. New York: Vintage Books, ________. The Breaking of the American Social Compact. New York: New Press, 1997. Popkin, Samuel L. The Reasoning Voter: Communication and Persuasion in Presidential Campaigns. 2 nd ed. Chicago: University of Chicago Press, 1994. Pressman, Jeffrey L. & Aaron Wildavsky. Implementation: How Great Expectations in Washington Are Dashed in Oakland. Berkeley: University of California Press, 1973. Pressman, Jeffrey L. Federal Programs and City Politics: The Dynamics of the Aid Process in Oakland. Berkeley: University of California Press, 1975. Przeworski, Adam. Capitalism and Social Democracy. New York: Cambridge University Press, 1985.
Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon and Schuster, 2000. Quadagno, Jill. The Color of Welfare: How Racism Undermined the War on Poverty. New York: Oxford University Press, 1994. Ragin, Charles. Fuzzy-Set Social Science. Chicago: University of Chicago Press, 2000. Ravitch, Diane. Left Back: A Century of Failed School Reforms. New York: Simon and Schuster, 2000. Riker, William H. & Peter C. Ordeshook. "A Theory of the Calculus of Voting." American Political Science Review. vol. 62, no. 1 (1968). Rochefort, David A. & Roger W. Cobb (eds.). The Politics of Problem Definition: Shaping the Policy Agenda. Lawrence: University Press of Kansas, 1994. Rosenstone, Steven J. & John Mark Hansen. Mobilization, Participation, and Democracy in America. New York: Macmillan, 1993. Rothstein, Bo. Just Institutions Matter: The Moral and Political Logic of the Universal Welfare State. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Rushefsky, Mark E. Public Policy in the United States: At the Dawn of the Twenty-First Century. 3 rd ed. Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2002. Sapiro, Virginia. "Women, Citizenship, and Nationality: Immigration and Naturalization Policies in the United States." Politics and Society. vol. 13, no. 1 (1984). Schattschneider, E. E. Politics, Pressures, and the Tariff: A Study of Free Private Enterprise in Pressure Politics, as Shown in the 1929-1930 Revision of the Tariff. New York: Prentice-Hall, 1935. ________. The Semi-Sovereign People: A Realists View of Democracy in America. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1960. Schneider, Anne & Helen Ingram. "Social Construction of Target Populations: Implications for Politics and Policy." American Political Science Review. vol. 87, no. 2 (1993). ________. Policy Design for Democracy. Lawrence: University of Kansas Press, 1997. ________ (eds.). Deserving and Entitled: Social Constructions and Public Policy. Albany: SUNY Press, [Forthcoming]. [published in 2005] Schram, Sanford F. After Welfare: The Culture of Postindustrial Social Policy. New York: New York University Press, 2000. Schram, Sanford R. & Joe Soss. "Success Stories: Welfare Reform, Policy Discourse, and the Politics of Research." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 557, no. 1 (September 2001).
Schudson, Michael. The Good Citizen: A History of American Civic Life. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999. Sears, David O., Jim Sidanius & Lawrence Bobo (eds.). Racialized Politics: The Debate about Racism in America. Chicago: University of Chicago Press, 2000. Shanto, Iyengar & Donald R. Kinder. News That Matters: Television and American Opinion. Chicago: University of Chicago Press, 1987. Shepsle, Kenneth A. & Barry R. Weingast. "The Institutional Foundations of Committee Power." American Political Science Review. vol. 81, no. 1 (1987). Shklar, Judith N. American Citizenship: The Quest for Inclusion. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991. Sigel, Roberta S. Ambition and Accommodation: How Women View Gender Relations. Chicago: University of Chicago Press, 1996. Silbey, Joel H., Allan G. Bogue & William H. Flanigan (eds.). The History of American Electoral Behavior. Princeton: Princeton University Press, 1978. Simon, Herbert A. "Human Nature in Politics: The Dialogue of Psychology with Political Science." American Political Science Review. vol. 79, no. 2 (1985). Skocpol, Theda. Protecting Soldiers and Mothers: The Political Origins of Social Policy in the United States. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992. Smith, Rogers M. Civic Ideals: Conflicting Visions of Citizenship in U.S. History. New Haven: Yale University Press, 1997. Soss, Joe & Lael R. Keiser. "The Political Roots of Disability Claims: How State Environments and Policies Shape Citizen Demands." Revised version of paper presented at the annual meeting of the Midwest Political Science Association. Chicago, 2001. Soss, Joe. "Lessons of Welfare: Policy Design, Political Learning, and Political Action." American Political Science Review. vol. 93, no. 2 (1999). ________. Unwanted Claims: The Politics of Participation in the U.S. Welfare System. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2000. Spiro, Shimon E. & Ephraim Yuchtman-Yaar (eds.). Evaluating the Welfare State: Social and Political Perspectives. New York: Academic Press, 1983. Stone, Deborah. Policy Paradox: The Art of Political Decision Making. rev. ed. New York: W. W. Norton, 1997. Tilly, Charles. From Mobilization to Revolution. Reading, MA: Addison-Wesley Publishing Company, 1978.
________. "To Explain Political Processes." American Journal of Sociology. vol. 100, no. 6 ________. "Mechanisms in Political Processes." Annual Review of Political Science. vol. 4, no. 1 (Summer 2001). Touch, Steven A. & Jack K. Martin (eds.). Racial Attitudes in the 1990s: Continuity and Change. Westport, CT: Praeger Publishers, 1997. Uggen, Christopher & Jeff Manza. "Democratic Contraction? The Political Consequences of Felon Disenfranchisement Laws in the United States." American Sociological Review. vol. 67, no. 6 (December 2001). Verba, Sidney & Norman H. Nie. Participation in America: Political Democracy and Social Equality. New York: Harper and Row, 1972. Verba, Sidney, Kay Lehman Schlozman & Henry E. Brady. Voice and Equality: Civic Voluntarism in American Politics. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995. Wedeen, Lisa. "Conceptualizing Culture: Possibilities for Political Science." American Political Science Review. vol. 96, no. 4 (2002). Weir, Margaret, Ann Shola Orloff & Theda Skocpol (eds.). The Politics of Social Policy in the United States. Princeton: Princeton University Press, 1988. Wilson, James Q. (ed.). The Politics of Regulation. New York: Basic Books, 1980. Wolfinger, Raymond E. & Steven J. Rosenstone. Who Votes? New Haven: Yale University Press,1980. Yanow, Dvora. Conducting Interpretive Policy Analysis. Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 1999. ________. Constructing "Race" and "Ethnicity" in America: Category-Making in Public Policy and Administration. Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2002. Yeric, Jerry L. & John R. Todd. Public Opinion: The Visible Politics. 3 rd ed. Itasca, IL: F. E. Peacock Publishers, 1996. Zaller, John & Stanley Feldman. "A Simple Theory of the Survey Response: Answering Questions versus Revealing Preferences." American Journal of Political Science. vol. 36, no. 3 (1992). Zaller, John R. The Nature and Origins of Mass Opinion. New York: Cambridge University Press, 1992.