حقوق النساء في أجندة سياسات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة
Women’s Rights in the Palestinian Authority’s Human Rights Agenda
الملخّص
ملخص: تسعى هذه الدراسة لفهم ماهيّة سياسات السلطة الفلسطينية تجاه حقوق النساء عن طريق تتبّع المسار التاريخيّ لتطوّر هذه الحقوق في عهد منظّمة التحرير الفلسطينية، ثمّ السلطة الفلسطينيّة؛ إذ تجادل بأنّ النهج الحقوقيّ لكلّ منهم قائم على توظيف فكرة الحقوق بصفتها وسيلةً لا غاية، فحصول النساء على بعض الحقوق والحريّات الجزئيّة في عهد المنظّمة يُعزى إلى رغبة الأخيرة في كسب التعاطف الشعبيّ في عمليّة النضال الوطنيّ. وتجادل الدراسة بأنّ السلطة ورثت عن المنظّمة نهج توظيف الحقوق لتحقيق مكاسب سياسيّة، لكنّ اختلاف أولويّات السلطة عن أولويّات المنظّمة أدّى إلى قيامها باستخدام المسار الدبلوماسيّ الدوليّ، أسوةً بما قامت به بعض حركات التحرّر الوطنيّ الأخرى، لإقناع العالم بضرورة الإسراع في الاعتراف بدولة فلسطينيّة؛ ما أدّى إلى انصراف الأخيرة عن كسب التعاطف الشعبيّ والتوجّه إلى كسب التعاطف الدوليّ لتجنيده في عمليّة إنشاء الدولة، ما أسهم في تهميش مكتسبات النساء الجزئيّة الّتي حصلن عليها في مرحلة النضال الوطنيّ. وأخيرًا تجادل الدراسة بأنّ حدّة انصراف السلطة عن كسب التعاطف الشعبيّ قد تفاقمت باتّباعها نهجًا حقوقيًّا شبيهًا بنهج دول العالم الثالث في مرحلة ما بعد الاستعمر على المستوى الوطنيّ؛ ما أسهم في مزيد من التهميش لحقوق النساء الفلسطينيّات.
Abstract
Abstract: This paper seeks to understand the core of the Palestinian Authority's policy toward women's rights by tracing the historical background of the ever-evolving concept of rights during the eras of the Palestinian Liberation Organization and Palestinian Authority. In this regard, the paper argues that both the PLO and the PA have used rights as a tool. The partial rights and liberties women have won during the national struggle are an attempt by the PLO to obtain national support from all segments of Palestinian society. Moreover, this paper argues that the PA followed in the PLO's footsteps by using rights as a tool for political gain. However, the different priorities of the PA's project led it to use the international diplomatic path, following the approach of other liberation movements, to urge the international community to recognise the Palestinian state. This approach led the PA to shift from gaining national support to directing its efforts toward obtaining the support of the international community. As a result, the partial rights women had acquired during the national struggle have been marginalised. Ultimately, this paper argues the status of women's rights deteriorated after the PA adopted an approach similar to other formerly colonised countries at the national level.
- حقوق النساء
- منظمة التحرير الفلسطينية
- تحرّر وطنيّ
- ازدواج الأجندة
- Women’s Rights
- The Palestinian Authority
- National Liberation
- Double Agenda
كلمت مفتاحية: حقوق النساء، منظّمة التحرير الفلسطينية، السلطة الفلسطينيّة، تحرّر وطنيّ، ازدواج الأجندة.
أستاذ مساعد في برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا.
Assistant Professor in the Human Rights Program at Doha Institute for Graduate Studies. Email: ayah.randall@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
يطفو الجدل المتعلّق بقضايا حقوق النساء في فلسطين على السطح بين الفينة والأخرى خصوصًا مع احتدام النقاش حول تطبيقات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو) Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women, CEDAW في المجتمع الفلسطينيّ، الّتي انضمّت إليها السلطة الفلسطينيّة دون إبداء أيّ تحفّظات. فمع تصاعد حدّة الخلاف بين مؤيّدي تطبيق أحكام هذه الاتفاقية بصورة كاملة، على النحو الّذي يجسّد توجّه السلطة الفلسطينيّة المتمثّل في الانضمم إلى أحكام الاتفاقية دون التحفّظ عن أي مادة من موادها، والقوى المناهضةِ لتطبيق بعض أحكامها بدعوى مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلاميّة وتقاليد المجتمعات العربيّة المحافظة، وأمام صمت السلطة الفلسطينيّة إزاء هذا الجدل المحتدم، تثار أسئلة من قبيل: ما موقع حقوق النساء في أجندة سياسات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة؟ وهل تحتلّ حقوق الإنسان عامّة، وحقوق النساء خاصّة أولويّة في هذه الأجندة؟ وهل يمثّل انضمم السلطة الفلسطينيّة إلى الاتفاقيات الدوليّة لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية سيداو، إرادة سياسيّة لتحقيق نقلة نوعيّة للنهوض بحقوق النساء؟ تجدر الإشارة إلى أنّ علاقة السلطة الفلسطينيّة الرسميّة بالاتفاقيات الدوليّة قد بدأت بعد حصولها على الاعتراف بصفة مراقبٍ غير عضو في الأمم المتّحدة في عام 2012، الأمر الّذي فتح أمامها باب الانضمم إلى عدد كبير من هذه الاتفاقيات في نيسان/ أبريل 2014 دون إبداء أيّ تحفّظات، وقد كانت اتفاقية سيداو على رأس الاتفاقيات الّتي انضمّت إليها السلطة آنذاك. وعدَّت هذه الخطوة انتصارًا مهًّمًّ لناشطي حقوق الإنسان، إلّ أنّ محدوديّة أثر الانضمم إلى الاتفاقيات الدوليّة في حالة حقوق الإنسان الداخليّة بدأ يتكشّف يومًا بعد يوم بسبب ضعف التقدّم المحرز الّذي أظهرته تقارير السلطة الدوريّة إلى لجان الاتفاقيات. وهنا تكمن أهميّة هذه الدراسة الرامية إلى فهم سياسات حقوق الإنسان في أجندة السلطة الفلسطينيّة وانعكاس هذه السياسات على واقع حقوق النساء الفلسطينيّات. ولأجل استقراء واقع حقوق النساء في أجندة السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة على أكمل وجه، كان لا بدّ من مراعاة خصوصيّة الواقع الفلسطينيّ المتمثّل في طبيعة تكوين السلطة الفلسطينيّة واستمراريّة وجودها جنبًا
إلى جنب مع منظّمة التحرير بما تمثلّانه من قيم متباينة وعلاقة جدليّة. لذلك، سيجري تتبّع واقع النساء الحقوقيّ تحت لواء منظّمة التحرير في خطوة أساسيّة تساعد في تفسير معالم سياسات السلطة الفلسطينيّة في هذا الصدد، وانعكاس هذه السياسات على واقع حقوق النساء في المرحلة الراهنة.
خليل موسى، "جدل فلسطينيّ حول تطبيق سيداو"، إندبندنت عربيّة، 2019/12/23، شوهد في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3MuTuya 2 المرجع نفسه. "جدل تطبيق سيداو يبلغ ذروته في فلسطين"، موقعرصيف 22، 2019/12/24، شوهد في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3yDRaza محمود الفطافطة، "انضمام فلسطين إلى المعاهدات الدوليّة، نافذة كانت مغلقة نحو الحقوق"، موقعصحيفة الحدث، 2014/4/14،
شوهد في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3EEFobJ Lori Handrahan, "Conflict, Gender, Ethnicity and Post-Conflict Reconstruction," Special Issue and Gender and Security, vol. 35, no. 4 (2004), pp. 429-442. عزمي الشعيبي وعبد الرحيم طه، "العلاقة الجدليّة ما بين منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينيّة وأثر ذلك على التداول السلميّ للسلطة"، في:
جورج جقمان [وآخرون]، أوراق في النظام السياسيّ الفلسطينيّ وانتقال السلطة (رام الله: مواطن/ المؤسّسة الفلسطينيّة لدراسات الديمقراطيّة،
2013)، ص 163-162؛ السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، القانون الأساسيّ المعدّل لسنة 2003؛ ممدوح نوفل، "إشكاليّات العلاقة بين السلطة
الوطنيّة الفلسطينيّة ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة وسبل حلولها"، مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، مج 22، العدد 6 (1995)، ص.3-1
تشير مراجعة بعض الأدبيّات المتعلّقة بحقوق النساء، في ظلّ حركات التحرّر الوطنيّ العربيّة، إلى أنّ النساء قد تمتّعن بمنظومة كبيرة من الحقوق بسبب تذويب بعض القيود الّتي صنعتها البنية المجتمعيّة البطريركيّة/ الأبويّة في أثناء مرحلة المقاومة ضدّ المستعمر، فقد عملت الحركات النسويّة في إطار حركات التحرّر الوطنيّ للانعتاق من السيطرة الأجنبيّة، وتشير هذه الأدبيّات أيضًا إلى أنّ الحركة النسويّة العربيّة قد نشأت فّي الوقت ذاته الّذي نشأت فيه هذه الحركات الوطنيّة في ردّ فعل على الاستعمر الغربي. من جهة أخرى، أظهرت هذه الأدبيّات حدوث انشقاق بين الحركة النسويّة وحركات التحرّر الوطنيّ في مرحلة بناء الدولة، الأمر الّذي دفع بعض النخب النسويّة إلى الانسحاب من الحياة السياسيّة على سبيل الاحتجاج، خصوصًا أنّ الأجندات الحقوقيّة في مرحلة بناء الدولة لم تكن متناسبة مع طموحات قيادات الحركة النسويّة. جرى تفسير هذا الانشقاق بأنّه رغبة من قادة حركات التحرّر الوطنيّ، الّذين أصبحوا فيم بعد قادة لمرحلة بناء الدولة، في التواؤم مع المحيط الاجتمعيّ، عن طريق تحقيق التوازن بين اعتبارات الحداثة والتقاليد المجتمعيّة، وذلك من أجل كسب الشرعيّة اللازمة للمضيّ قدمًا في عمليّة البناء المؤسسّي. في هذا الصدد، كانت تجربة الحركة النسويّة في الجزائر، إبّان مرحلة النضال الوطنيّ ومرحلة ما بعد الاستقلال، برهانًا حيًّا على صحّة هذه الادّعاءات. لكنّ السؤال الّذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف يبدو المشهد الفلسطينيّ في ظلّ خصوصيّة الكيان الفلسطينيّ واستمراريّة وجود منظّمة التحرير - على الرغم من تهميشها - بما تمثّله من مشروع النضال الوطنيّ بالتوازي مع وجود السلطة الفلسطينيّة بما تمثّله من مشروع بناء الدولة؟ من أجل فهم أبعاد قضيّة حقوق النساء في أجندة السلطة الفلسطينيّة مع مراعاة الخصوصيّة الفلسطينيّة، كان لا بدّ من العودة إلى الجذور عن طريق دراسة علاقة حركات التحرّر الوطنيّ والدول في مرحلة ما بعد الاستعمر بمبادئ حقوق الإنسان ابتداءً، وذلك من أجل تحديد معالم الأجندة الحقوقيّة لدى السلطة الفلسطينيّة وتأثيرها في واقع حقوق النساء الفلسطينيّات، ففي إطار العلاقة بين حركات التحرّر وخطاب حقوق الإنسان يرى بعض الدارسين أنّ هناك علاقة وثيقة بين فكرة حقوق الإنسان ومشاريع التحرّر من الاستعمر؛ إذ يشير أنصار هذا التوجّه إلى أنّ قيم حقوق الإنسان كانت مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات عمليّة التحرّر الوطنيّ لعلاقتها بحقّ تقرير المصير، فقد ارتبطت نشأة حركات التحرّر الوطنيّ بظهور هذا المبدأ، الّذي أعلنه ودرو ويلسون Wilson Woodrow (1924-1856)، رئيس الولايات المتّحدة الأميركية الثامن والعشرون،
Eileen S. Kuttab, "Palestinian Women in the Intifada: Fighting on Two Fronts," Arab Studies Quarterly , vol. 15, no. 2 (1993), p. 72. Nawar Al-Hassan Golley, "Is Feminism Relevant to Arab World?," Third World Quarterly , vol. 25, no. 3 (2004), p. 532; Nadera Shalhoub-Kevorkian,"Researching Women's Victimization in Palestine: A Socio-Legal Analysis," in: Lynn Welchman & Sara Hossain (eds.), Honour: Crimes, Paradigms and Violence against Women (New York: Zed Books, 2005), pp. 162-163; Cheryal Rubenberg, Palestinian Women: Patriarchy and Resistance in the West Bank (Colorado: Lynne Rinner Publisher, 2001), p. 65. 8 Handrahan, pp. 429-442. Lama Abu Odeh, "Crimes of Honor and the Construction of Gender in Arab Societies," Comparative Law Review , no. 2 (2010), pp. 29-30. 10 Sherna Berger Gluck, "Palestinian Women: Gender Politics and Nationalism," Journal of Palestinian Studies , vol. 24, no. 3 (1995), p. 5.
وأسهم في تغيير شكل الجمعة الدوليّة تغييرًا غير مسبوق، وبذلك يرى أنصار هذا التوجّه أنّ مفاهيم حقوق الإنسان قد أضفت صبغة شرعيّة على عمليّات التحرّر الوطنيّ بصورة عامّة. ومن جهة أخرى، يرى آخرون أنّ علاقة حقوق الإنسان بحركات التحرّر الوطنيّ على أرض الواقع هي علاقة أكثر تعقيدًا ممّ تبدو، فلا يمكن القول إنّ مفاهيم حقوق الإنسان كانت حاضرة بقوّة في أثناء مرحلة التحرّر الوطنيّ، ولا يمكن الجزم أيضًا أنّها كانت غائبة تمامًا، لذلك لا بدّ من دراسة كلّ حالة على حدة. تشير الدراسات التاريخية إلى أنّ هناك استثناءات قليلة في تاريخ حركات التحرّر الوطنيّ فيم يتعلّق بالإشارة الصريحة إلى مفاهيم حقوق الإنسان كم جرى تأسيسها من جانب الأمم المتّحدة؛ فعلى سبيل المثال، قام نامدي أزيكيوي Azikiwe Nnamdi (1996-1904)، في أثناء مرحلة التحرّر الوطنيّ النيجيريّ، بصياغة ما عُرِف "بميثاق الحريّة" الّذي أشار صراحة إلى طائفة من الحقوق؛ كالحقّ في الحياة، والحقّ في التعليم والصحّة وتقرير المصير. وعلى النقيض تمامًا، أشارت بعض حركات التحرّر الوطنيّ إلى أنّ استخدام مصطلح حقوق
الإنسان يتعارض مع جوهر فكرة التحرّر من الاستعمر لكون هذه المفاهيم تشكّل إحدى أدوات الاستعمر الغربيّ على حدّ زعم كوامي نكروما Nkrumah Kwame (1972-1909)؛ أحد زعمء حركة التحرّر في غانا الّذي أصبح فيم بعد أوّل رئيس للبلاد. وبالمجمل، هناك إشارات متفرّقة إلى مبادئ حقوق الإنسان في وثائق حركات التحرّر الوطنيّ، إلّ أنّ هذه
الإشارات قليلة جدًّا مقارنةً بالكمّ الهائل من هذه الوثائق. وقد لوحظ أنّه قد يشار إلى مبادئ حقوق الإنسان في خطابات حركات التحرّر الوطنيّ في المحافل الدوليّة وأروقة الأمم المتّحدة لكسب التعاطف الدوليّ وتحقيق مكاسب سياسيّة، بحيث يمكن القول إنّ بعض حركات التحرّر الوطنيّ قد استخدم مبادئ حقوق الإنسان بوصفها أدوات استراتيجيّة لتحقيق أهداف سياسيّة معيّنة وليس بوصفها غاية بحدّ ذاتها. أمّا في إطار علاقة دول العالم الثالث مع حقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الاستعمر، فهي علاقة ذات منحى مختلف، ففي خمسينيّات القرن العشرين وستينيّاته اضطلعت هذه الدول بدورٍ رئيسٍ في صناعة القانون
الدوليّلحقوق الإنسان في خطوة تؤهّلها لدخول المجتمع الدوليّبقوّة، خصوصًا أنّها أصبحت تشكّل أغلبيّة في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة. وقد بدأت علاقة دول العالم الثالث بحقوق الإنسان تتراجع بعد صعود
أنظمة الحكم التسلّطيّة في هذه الدول وعدم تمكّنها من المساهمة الفاعلة في المجتمع الدوليّكم كانت تأمل، ومع عقد مؤتمر الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان في طهران عام 1968، بدأت تظهر بوادر هذه التغييرات على
11 Antony Anghie, Imperialism, Sovereignty, and the Making of International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 196. 12 Roland Burke, Decolonialization and the Evolution of International Human Rights (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2010), pp. 1-10. 13 Jan Eckel, "Human Rights and Decolonization: New Perspectives and Open Questions," International Journal of Human Rights, Humanitarianism and Development , vol. 1, no. 1 (2010), p. 113. 14 Ibid., p. 116. 15 Ibid. 16 George M. Houser, "Human Rights and the Liberation Struggle," Africa Today , vol. 39, no. 4 (1992), p. 9. 17 Eckel, pp. 117, 121. 18 Ibid., p. 119.
سياسات تلك الدول الّتي صارت تعارض التركيز على الحقوق السياسيّة والمدنيّة، وفي المقابل باتت تنظر إلى عمليّة التنمية الاقتصاديّة بوصفها الأولويّة القصوى. وفي سبعينيّات القرن العشرين بدأت تظهر ملامح فكرة "النسبيّة الثقافيّة" الّتي تشير إلى نهج دول العالم الثالث الحذر إزاء فكرة حقوق الإنسان بصورة عامّة. وبالعودة إلى السياق الفلسطينيّ، نجد أنّ الإشارة إلى مفاهيم حقوق الإنسان كانت ضعيفة في وثائق منظّمة التحرير؛ إذ لم تتضمّن وثائقها - وبخاصّة الميثاق الوطنيّ الفلسطيني - أيّ إشارة إلى فكرة حقوق الإنسان، باستثناء ما ورد في وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة في الجزائر في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988. وعلى الرغم من ذلك، حصلت النساء الفلسطينيّات على حريّات جزئيّة تتمثّل في خروجهنّ إلى الفضاء العامّ ومشاركتهنّ في العمل السياسيّ والنضاليّ، وذلك لتحريك المقاومة وتنشيطها عن طريق تحريك أطياف المجتمع كافّة بحيث تصبح مقاومة شعبيّة مكتملة العناصر، خصوصًا أنّ للنساء دورًا جوهريًّا في عمليّة المقاومة ضدّ المحتلّ بوصفها أحد محدّدات الهويّة الجمعيّة والمسؤولة عن إنتاج أجيال المقاومة اللاحقة.
هنا يبدو جليًّا قيام منظّمة التحرير بتوظيف نهج الحقوق لتحقيق مكاسب سياسيّة على المستوى الشعبيّ، وقد تمخّض ذلك عن منح بعض المكتسبات الجزئيّة للنساء في مرحلة النضال الوطنيّ. أمّا على صعيد السلطة الفلسطينيّة، فلم يكن واضحًا إن كان مشروع التحرّر الوطنيّ قد ظلّ قائمًا مع إنشاء السلطة، أم جرى التحوّل عنه إلى مشروع بناء الدولة الفلسطينيّة بصورة كاملة. كان من المقرّر لسلطة
الحكم الذاتيّ أن تدخل في فترة انتقالية مدّتها خمسة أعوام تتوّج بدخول الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ في مرحلة مفاوضات الوضع النهائيّ، ومع انهيار قمّة كامب ديفيد الثانية (تمّوز/ يوليو 2000) وفشل كلّ جهود التفاوض اللاحقة، دخلت الأراضي الفلسطينيّة في فترة انتقاليّة امتدّت فترة طويلة. أسهم تذرّع السلطة الفلسطينيّة بمقتضيات المرحلة الانتقاليّة الممتدّة، القاضية بضرورة التركيز على متطلّبات إنشاء الدولة والاعتراف بها دوليًّا، في تهميش خطاب الحقوق في عهدها، فقد قاد تذرّع السلطة الفلسطينيّة بمتطلّبات المرحلة الانتقاليّة إلى فتح المجال لظهور سياسات الحقوق المزدوجة. في هذا الصدد، يرى بعض
المنظّرين أنّ سياسات السلطة الحقوقيّة على المستوى الوطنيّ شبيهة بسياسات مشاريع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمر، وقد تمثّل ذلك في نهجها الحذر إزاء مفاهيم حقوق الإنسان؛ لذلك فإنّ مشروع الدولة
19 Anghie, pp. 204-207. 20 Eckel, p. 122. 21 "الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة وفا، شوهد في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3g5TIiW 22 "وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة وفا، شوهد في 2020/11/14، في: https://bit.ly/3T1wCsD 23 Gluck, p. 7. 24 Islah Jad, "Feminism between Secularism and Islamism: The Case of Palestine, West Bank and Gaza," Conflicts Forum Monograph (2010), p. 5; Deniz Kandiyoti, "Bargaining with Patriarchy," Gender and Society , vol. 2, no. 3 (1988), p. 282. 25 Lisa Hajjar, "Law against Order: Human Rights Organizations and (versus) the Palestinian Authority," University of Miami Law Review , vol. 56, no.1 (October 2001), p. 61. 26 Michael Dumper, "Constructive Ambiguities? Jerusalem, International Law and the Peace Process," in: Susan M. Akram et al. (eds.), International Law and the Israeli-Palestinian Conflict: A Right-based Approach to the Middle East Peace (London: Routledge, 2011), p. 113. 27 Hajjar, pp. 63-65. 28 Ibid., p. 61.
الفلسطينيّة المستقبليّة سيسفر عن دولة سلطويّة لا تختلف عن دول الجوار الجغرافيّ. أمّا على المستوى الدوليّ، فقد بدت السلطة أكثر انفتاحًا على فكرة حقوق الإنسان للمحافظة على التمويل الأجنبيّ، ثمّ
مع تعثّ جهود المفاوضات مع الجانب الإسرائيليّ اتّجهت السلطة لاستخدام خطاب الحقوق دوليًّا لتحقيق مكاسب سياسيّة والاستحواذ على التعاطف الدوليّ متأثّرة بنهج بعض حركات التحرّر في هذا الصدد، وبذلك بدأت تتّضح معالم فكرة سياسات الحقوق المزدوجة على المستويين الوطنيّ والدوليّ. وانطلاقًا من فرضيّة الازدواج هذه، تدّعي الدراسة أنّ علاقة السلطة الفلسطينيّة المشوّشة بحقوق الإنسان، بسبب تأرجحها بين توجّهات بعض مشاريع التحرّر الوطنيّ ومشاريع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمر، قد أسفرت عن عدم وضوح سياسات السلطة الحقوقيّة، ما انعكس سلبيًا على واقع حقوق النساء الفلسطينيّات. وبناءً عليه، فإنّ السؤال الرئيس هو: ما أوجه العلاقة بين سياسات السلطة الحقوقيّة المزدوجة الناتجة من التفاعل بين النهج الحقوقيّ لبعض حركات التحرّر ومشاريع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمر من جهة، وتراجع أوضاع حقوق النساء في الوقت الراهن من جهة أخرى؟ للإجابة عن هذا السؤال تسعى الدراسة لتوظيف المعلومات المنبثقة من عمليّة البحث لاختبار فرضيّة الازدواج المشار إليها، ثم تقديم تفسيرٍ للعلاقة بين السياسات الحقوقيّة المزدوجة والتراجع الحاصل في أوضاع حقوق النساء في عهد السلطة الفلسطينيّة
مقارنةً بما كانت عليه في عهد منظّمة التحرير، وذلك لتعرّف واقع حقوق النساء في أجندة سياسات السلطة الفلسطينيّة. أما فيم يتعلّق بالمنهجيّة وهيكليّة الدراسة، فإنّ اختبار فرضيّة الازدواج للوصول إلى النتائج المبتغاة الرامية إلى تفسير العلاقة بين السياسات الحقوقيّة المزدوجة لدى السلطة وتراجع حالة حقوق النساء، لتعرّف معالم
أجندة حقوق النساء الحاليّة، يستتبع استخدام بعض أدوات جمع المعلومات الّتي تندرج تحت إطار المنهج النوعيّ وتوظيفها من أجل بيان أوجه هذه العلاقة. بدأت الدراسة بسبر المصادر الثانويّة من أجل صياغة الإطار النظريّ للورقة وما انبثق منه من فرضيّة رئيسة، ثمّ جرت صياغة سؤال الدراسة. كم جرى توظيف المصادر الأوّليّة؛ مثل تقارير السلطة الفلسطينيّة الرسميّة المقدّمة إلى اللجنة المعنيّة بالقضاء على التمييز ضدّ المرأة أو ما يعرف ب "لجنة سيداو" حول التقدّم المحرز في وضع حقوق النساء، والملاحظات الختاميّة
لهذه اللجنة على التقارير الرسميّة، وتقارير المنظّمت الحقوقيّة ذوات العلاقة، إضافة إلى قرارات المحكمة الدستوريّة الفلسطينيّة حول القيمة القانونيّة الدوليّة في إطار النظام القانونيّ الوطنيّ الفلسطينيّ، من أجل دراسة توجّهات السلطة الفلسطينيّة فيم يخصّ الانضمم إلى الاتفاقيات الدوليّة خصوصًا سيداو وتبعات هذا الانضمم، نظرًا إلى جدليّة هذه الخطوة وأهميّتها على صعيد حقوق النساء، وذلك لاختبار فرضيّة الازدواج. وبذلك، فإنّ اختبار فرضيّة ازدواج الممرسة الحقوقيّة سيكون بمنزلة خطوة مهمّة نحو فهم تراجع أوضاع حقوق النساء في عهد السلطة الفلسطينيّة. تتضمن الدراسة قسمين: يختبر القسم الأوّل فرضيّة الدراسة الأساسيّة من خلال إظهار أوجه الازدواج في الأجندة الحقوقيّة لدى السلطة الفلسطينيّة، واستعراض أمثلة على ممرستها الحقوقيّة على المستويين الوطنيّ والدوليّ بعد انضممها إلى الاتفاقيات الدوليّة خصوصًا اتفاقية سيداو، أما القسم الثاني فيعرض أسباب تراجع
29 Ibid. 30 Ibid., p. 68.
حقوق النساء في عهد السلطة الفلسطينيّة من خلال استعراض أثر أجندة الحقوق المزدوجة في منظومة حقوق النساء الفلسطينيّات.
أولً: أوجه الازدواج يف أجندة حقوق الإنسان الخاصّة بالسلطة الفلسطينيّة
سعت السلطة الفلسطينيّة، على المستوى الدوليّ، إلى الانضمم إلى عدد كبير من اتفاقيات حقوق الإنسان دون إبداء أيّ تحفّظات؛ أي إنّ الاتفاقيات الدوليّة الّتي جرى الانضمم إليها سترتّب آثارها القانونيّة كاملة، وبذلك خالفت السلطة نهج معظم دول الجوار الّتي سجّلت تحفّظات عن بعض بنود هذه الاتفاقيات، إضافة إلى تسجيل تحفّظات عامّة متعلقة بها. أمّا على المستوى الوطنيّ، فقد كانت قرارات المحكمة الدستوريّة بخصوص مكانة الاتفاقيات الدوليّة في إطار النظام القانونيّ الوطنيّ، والموقف الرسميّ من الهجمت الجمهيريّة على اتفاقية سيداو، وضعف الجهود الحكوميّة الرامية إلى مواءمة التشريعات الوطنيّة مع أحكام هذه الاتفاقية بمنزلة الكاشف لأجندة السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة على المستوى الوطنيّ.
1. نهج السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّ على المستوى الدوليّ
سعت السلطة الفلسطينيّة إلى كسب التعاطف الدوليّ في سبيل المضيّ قدمًا في مشروع بناء الدولة، ولذلك كان الحصول على العضويّة الكاملة في منظّمة الأمم المتّحدة من أهمّ السبل الدبلوماسيّة لتحقيق هذه الغاية. وبناءً عليه، خاضت السلطة الفلسطينيّة معركة دبلوماسيّة من أجل الحصول على هذه العضويّة الّتي تعدّ قرينة مهمّة على اكتساب الكيان صفة الدولة، وبذلك تكون السلطة استكملت جهود منظّمة التحرير الدبلوماسيّة الّتي حازت صفة المراقب من غير الدول في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1974. وبعد فشل محاولات السلطة الحصول على العضويّة الكاملة، تقدّمت بطلب للحصول على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتّحدة، وقد حازت السلطة هذه الصفة بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. على إثر ذلك، حقّقت مجموعة من المكاسب القانونيّة والسياسيّة على المستوى الدوليّ، وكان على رأسها إمكانيّة انضمم السلطة الفلسطينيّة إلى الاتفاقيات الدوليّة أوّلَ مرّة فقد انضمّت إلى خمس عشرة اتفاقية دوليّة في نيسان/ أبريل 2014 دفعة واحدة ودون إبداء أيّ تحفّظات عن بنودها أو تحفّظات عامّة متعلقة بها،
31 Malcolm N. Shaw , International Law, 8 th ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 345. 32 Joel Peters & David Newman, The Routledge Handbook on the Israeli Palestinian Conflict (London: Routledge, 2013), p. 3. 33 محمّد عزّ الدين حمدان، "أربعة أعوام على حصول فلسطين على دولة مراقب في الأمم المتّحدة"، تقدير موقف، المركز الفلسطينيّ لأبحاث
السياسات والدراسات الإستراتيجية مسارات، 2016/10/27، شوهد في 2021/1/12، في: https://bit.ly/3rQRzdB؛ محمّد فهّاد صبري الشلالدة،
"'السلطة الفلسطينيّة' ومتطلّبات التحوّل من حركة تحرّر إلى دولة"، موقع مركز الأبحاث/ منظّمة التحرير الفلسطينية، شوهد في 2021/12/15،
ف:ي https://bit.ly/3g8mqjz Virginia Tilley (ed.) Beyond Occupation: Apartheid, Colonialism and International Law in the Occupied Palestinian Territories (London: Pluto Press, 2012), p. 28. 34 حمدان. 35 المرجع نفسه.
وكانت اتفاقية سيداو من جملة الاتفاقيات الدوليّة الّتي انضمّت إليها آنذاك. وقد انضمّت إلى المزيد من هذه الاتفاقيات لاحقًا، حتّى بلغ إجمليّ الاتفاقيات الّتي جرى الانضمم إليها نحو 98 اتفاقية دوليّة حتّى تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. إنّ الانضمم إلى اتفاقية سيداو دون تحفّظات يعني مواءمة التشريعات الوطنيّة مع أحكام هذه الاتفاقية بحيث ستتمتّع المرأة بأهليّة كاملة، بما في ذلك الزواج دون وليّ أو وصيّ، وستصبح شهادتها مساوية لشهادة الرجل، وستتساوى حقوق الميراث بين الجنسين، وسيُلغى تعدّد الزوجات، وتتساوى حقوق القوامة، وما إلى ذلك من القضايا الخلافيّة الّتي نصّت عليها المواد ((29) و (15) و (16) و (29) و) من الاتفاقية، والّتي شهدت تسجيل تحفّظات من معظم الدول العربيّة والإسلاميّة بخصوصها. في ظلّ ضعف جهود مواءمة التشريعات الوطنيّة مع الاتفاقيات الدوليّة، حتّى عندما يتعلّق الأمر بقضايا أقلّ إثارة لسجالات مجتمعيّة من القضايا المذكورة يمكن استقراء الغاية الأساسيّة الّتي دفعت السلطة إلى الانضمم إلى هذا الكمّ من الاتفاقيات الدوليّة دون إبداء أيّ تحفّظات عن طريق استعراض تحليل الدكتور محمّد الشلالدة، أحد الأكاديمييّن القانونييّن الفلسطينييّن ووزير العدل السابق، الّذي أوضح أهميّة الإقدام الفلسطينيّ على خطوة الانضمم إلى المعاهدات الدوليّة، مُشيرًا إلى أنّه "يعتبر انضمم دولة فلسطين إلى المعاهدات الدوليّة تكريسًا قانونيًّا للشخصيّة القانونيّة الدوليّة لدولة فلسطين في القانون الدوليّ، وبالتالي، يمثّل الانضمم [...] رفع المركز القانونيّ لدولة فلسطين في سبيل توظيف هذا الوضع القانونيّ لمواجهة الانتهاكات الإسرائيليّة الجسيمة ضدّ حقوق الشعب الفلسطينيّ في الأرض الفلسطينيّة المحتلّة". يُستشَفّ من الطرح المذكور أنّ هناك وظيفتين للانضمم إلى الاتفاقيات الدوليّة؛ تتمثّل الأولى في تعزيز فكرة اكتساب السلطة الفلسطينيّة الشخصيّة القانونيّة الدوليّة من خلال إظهار أهليّتها لاكتساب الحقوق وأداء الالتزامات ذلك أنّهم من أهمّ العناصر المفضية إلى اكتساب الشخصيّة القانونيّة الدوليّة وفقًا للقانون الدولي. وتتجسّد الوظيفة الثانية في استخدام وضع السلطة الدوليّ الجديد لتحقيق بعض المكاسب على المستوى الدوليّ؛ كملاحقة إسرائيل عن طريق محكمة الجنايات الدوليّة بعد الانضمم إلى "نظام روما الأساسيّ" عام 1998 واتّفاقات جنيف الأربعة ومعاهدة مناهضة التعذيب. تأكيدًا على أهميّة المكاسب السياسيّة الّتي تسعى السلطة الفلسطينيّة إلى تحقيقها على المستوى الدوليّ على إثر الانضمم غير المشروط إلى المعاهدات، رفض المستوى الرسميّ الفلسطينيّ المضيّ في خيار الانسحاب من اتفاقية سيداو وإعادة الانضمم إليها بتحفّظات جديدة بموجب البنود 54 إلى 56 من اتفاقية فيينا
36 المرجع نفسه. 37 "الاتفاقيات الدوليّة الّتي انضمّت إليها دولة فلسطين"، موقع وزارة الخارجيّة والمغتربين الفلسطينية، شوهد في 2020/2/10، في: https://bit.ly/3CCU6xk 38 رولا سرحان، "دون تحفّظات"، صحيفة الحدث، 2015/3/10، شوهد في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3g4XN7g 39 منظّمة العفو الدوليّة، التحفّظات على معاهدة إلغاء كافّة أشكال التمييز ضدّ المرأة: تقويض حماية المرأة من العنف في الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا (3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004)، ص.12-7 0 الشلالدة. 4 41 Shaw, pp. 155-156. 2 الفطافطة 4.
لقانون المعاهدات لعام 1969، على الرغم من موجة الغضب الشعبيّ الّتي اجتاحت الشارع الفلسطينيّ في كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 احتجاجًا على انضمم السلطة الفلسطينيّة إلى أحكام هذه الاتفاقية دون إبداء أيّ تحفّظات عن بنودها الخلافيّة.
2. نهج السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّ على المستوى الوطنيّ
يسعى هذا القسم من الدراسة إلى بيان قرارات المحكمة الدستوريّة بخصوص تطبيقات الاتفاقيات الدوليّة في إطار النظام القانونيّ الوطنيّ الفلسطينيّ، ما يبيّ أهمّ ممرسات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة على المستوى
الوطنيّ، الّتي تتعارض مع انضممها إلى الاتفاقيات الدوليّة دون إبداء أيّ تحفّظات؛ ما يعكس حالة التناقض في ممرسات السلطة الحقوقيّة على المستويين الوطنيّ والدوليّ. عادة ما تتولّ القواعد الدستوريّة تبيان معالم العلاقة بين النظام القانونيّ الوطنيّ والاتفاقيات الدوليّة الّتي انضمّت إليها الدولة، ولكن في ظلّ عدم وجود نصوص دستوريّة في القانون الأساسيّ الفلسطينيّ لبيان شكل هذه العلاقة، قامت المحكمة الدستوريّة العليا بتوضيح أبجديّاتها من خلال قرارين، صدر القرار الأوّل في الطعن الدستوريّ رقم 4 لعام 2017، بينم صدر القرار التفسيريّ الثاني في آذار/ مارس 2018. ويتناول هذا الجزء من الدراسة دور هذه القرارات، وأثرها في أجندة الحقوق الخاصّة بالسلطة الفلسطينيّة.
أ. العلاقة بين الاتفاقيات الدوليّة والنظام القانونيّ الوطنيّ الفلسطينيّ
بعد فترة من انضمم السلطة الفلسطينيّة إلى الاتفاقيات الدوليّة دون تحفّظات مخالفة بذلك نهج معظم الدول العربيّة في هذا الصدد، عكفت المحكمة الدستوريّة الفلسطينيّة على توضيح معالم العلاقة بين الاتفاقيات الدوليّة الّتي جرى الانضمم إليها والنظام القانونيّ الوطنيّ الفلسطينيّ، فقد أصدرت المحكمة حكمها بالطعن الدستوريّ رقم (4) لعام 2017، وذلك في جلستها المنعقدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. وأوضحت في هذا القرار مكانة الاتفاقيات الدوليّة في النظام القانونيّ الفلسطينيّ، مشيرة إلى سموّ هذه الاتفاقيات على قواعد القانون الوطنيّ بما يتلاءم مع الهويّة الدينيّة والوطنيّة والثقافيّة للشعب العربيّ الفلسطينيّ. تكمن المفارقة في هذا القرار في أنّه يضيّق من نطاق تطبيق الاتفاقيات الدوليّة في إطار النظام القانونيّ الوطنيّ، وذلك بحصر إعملها في حال أنّها لم تتعارض مع الهويّة الدينيّة والوطنيّة والثقافيّة فقط، وقد كان ذلك بمنزلة تحفّظ سجّلته المحكمة الدستوريّة على المستوى الوطنيّ، بينم لم تُقدم القيادة السياسيّة على التقدّم بهذا التحفّظ في المحافل الدوليّة في أثناء إجراء عمليّة الانضمم. من هذا المنطلق، كان التذرّع بالهويّة الدينيّة والوطنيّة والثقافيّة مدعاة إلى قلق الكثير من الحقوقييّن الّذين عدّوا هذه الخطوة تراجعًا كبيرًا في تعهّدات السلطة الحقوقيّة على المستوى الدوليّ؛ إذ عُدَّ هذا القرار بمنزلة ترجمة ل "النسبيّة الثقافيّة" الّتي كانت وما زالت عقبة تعترض سبيل إعمل بعض مبادئ حقوق الإنسان في كثير من الدول العربيّة. في هذا الصدد، عبّت لجنة سيداو عن قلقها البالغ إزاء هذا القرار على النحو التالي: "تشيد اللجنة بتصديق الدولة الطرف على المعاهدة بدون إبداء تحفّظات. وتحيط علمً بأنّه قد جاء في تفسير المحكمة الدستوريّة العليا، الّذي صدر بقرارها رقم 4 (2017) المؤرّخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أنّ المعاهدات الدوليّة الّتي تنضمّ
43 Shaw, pp. 97-105.
إليها الدولة الطرف تسمو على تشريعاتها المحليّة وأنّه يجب إدراج أحكام المعاهدة في القوانين المحليّة. بيد أنّ اللجنة تعرب عن قلقها لأنّ المعاهدة لم تنشر بالجريدة الرسميّة حتّى تغدو سارية في الدولة الطرف. وتعرب أيضًا عن قلقها لأنّه قد ورد في تفسير المحكمة الدستوريّة العليا، الصادر بالقرار المذكور آنفًا، أنّ المعاهدات تسمو على القوانين المحليّة فقط إذا كانت تتواءم مع الهويّة الوطنيّة والدينيّة والثقافيّة للشعب الفلسطينيّ". عطفًا على القرار الأوّل، أصدرت المحكمة الدستوريّة الفلسطينيّة قرارها الثاني في 12 آذار/ مارس 2018، كان هذا القرار بمنزلة تراجع آخر لمكانة حقوق الإنسان على المستوى الوطنيّ الفلسطينيّ، فالقيمة القانونيّة للمعاهدات الدوليّة، وفقًا للقرار، تأتي في مرتبة أقلّ من مرتبة الدستور. كان هذا التفسير الدستوريّ، وفقًا لبعض الناشطين الحقوقييّن إشكاليًّا ويتعارض مع التزامات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة على المستوى الدوليّ بموجب المادّة (27) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، الّتي تنصّ على أنّه لا يجوز التذرّع والاحتجاج بالقوانين الوطنيّة لمخالفة قواعد القانون الدوليّ، فقد رأى هؤلاء أنّ الدستور جزء لا يتجزّأ من منظومة القوانين الوطنيّة، ومن ثم لا يجوز التذرّع به لتلافي تطبيق المعاهدات الدوليّة. وعلى الرغم من أنّ تفسير المحكمة الدستوريّة الأخير كان محلّ تساؤل الناشطين الحقوقييّن، فإنّ هذا التفسير قد يبدو شبيهًا بممرسة يقوم بها عدد من الدول، ذلك أنّ اتخاذ مبدأ سموّ الدستور ذريعةً لعدم استقبال المعاهدات الدوليّة في إطار النظام القانونيّ الوطنيّ ليس بممرسة غريبة في المجتمع الدوليّ. فعلى سبيل المثال، تقوم الولايات المكوّنة للاتّحاد الفدراليّ للولايات المتّحدة، كلّم أرادت التنصّل من الالتزام بتطبيق بعض المعاهدات الدوليّة الّتي تصدّق عليها السلطة الفدراليّة، بالتذرّع بمخالفة هذه المعاهدات لأحكام الدساتير السارية في الولايات عن طريق ممرسة عُرفت ب "التحفّظ الدستوريّ"، وبعبارة أخرى، يجري استخدام صلاحيّة التفسير الدستوريّ لتفادي الأثر الملزم للمعاهدات الدوليّة على المستوى الوطني. وفي تلخيص للقواسم المشتركة بين القرارين نجد أنّ المحكمة الدستوريّة قد سجّلت تحفّظات متعلقة بالاتفاقيات الدوليّة بالنيابة عن السلطة السياسيّة مرّتين على المستوى الوطنيّ، مرّة عندما تذرّعت بالموروثات الثقافيّة والدينيّة في القرار الأوّل، أو بما يُعرف بمبدأ "النسبيّة الثقافيّة والحضاريّة"، ومرّة أخرى بصورة أكثر إحكامًا عند تذرّعها بالدستور ولجوئها إلى ممرسة التحفّظ الدستوريّ عن طريق القرار التفسيريّ الثاني. من هنا يبدو التفاوت كبيرًا بين ممرسات السلطة الفلسطينيّة على المستوى الدوليّ وممرستها على المستوى الوطنيّ فيم يخصّ أجندة الحقوق؛ إذ سجّلت السلطة القضائيّة، متأثّرة برغبة السلطة السياسيّة، تحفّظها مرّتين عن الاتفاقيات الدوليّة على المستوى الوطنيّ، في حين أنّ السلطة السياسيّة لم تسجّل أيّ تحفّظ لها بشأن الاتفاقيات على المستوى الدوليّ.
44 اللجنة المعنيّة بالقضاء على التمييز ضدّ المرأة، الملاحظات الختاميّة بشأن التقرير الأوليّ لدولة فلسطين (25 تمّوز/ يوليو 2018)، ص.4 5 معتزّ قفيشة، "تعليق على قرار المحكمة الدستوريّة الفلسطينية العليا"، الموقع الإلكترونيّ لوكالة معًا 4، 2018/3/24، شوهد في 2021/3/5، ف:ي https://bit.ly/3g8SlQV 46 Shaw, p. 119.
ب. موقف السلطة الفلسطينيّة من الهجمة الجمهيريّة على اتفاقية سيداو
تُرجِمت توجّهات السلطة السياسيّة الرامية إلى تقييد نطاق تأثير الاتفاقيات الدوليّة على المستوى الوطنيّ بوضوح عن طريق سلوكها إزاء الهجمة الجمهيريّة على اتفاقية سيداو. فقد شهدت الضفّة الغربيّة في نهايات عام 2019 قيام حملة ضدّ إدماج هذه الاتفاقية في القوانين الوطنيّة الفلسطينيّة بقيادة بعض القوى الوطنيّة المحليّة وقيادات العشائر الّتي صوّرت الانضمم إلى اتفاقيات حقوق الإنسان على وجه العموم، واتفاقية سيداو على وجه الخصوص، على أنّه تكريس للفكر الغربيّ الاستعمريّ الّذي يتعارض مع الخصوصيّة الدينيّة والاجتمعيّة للمجتمع الفلسطينيّ. وفي المقابل، لم تتّخذ السلطة الفلسطينيّة أيّ موقف لمواجهة هذه الأزمة أو احتوائها؛ وإضافة إلى ذلك، ظهر تيّار من داخل السلطة الفلسطينيّة يدافع عن هذه الهجمة ويسوِّغها، ويرى أنّ موقف السلطة من هذه الهجمة منسجم مع موقفها من مبادئ حقوق الإنسان عمومًا، ففي فترات توتّر علاقة السلطة بمنظّمت حقوق الإنسان كانت الأولى تعمد إلى تصوير مبادئ حقوق الإنسان على أنّها امتداد للفكر الغربيّ الاستعمريّ الّذي يهدّد وحدة الشعب الفلسطيني.
ج. ضعف التقدّم المحرز لإنفاذ اتفاقية سيداو
من أجل تتبّع جهود السلطة الفلسطينيّة لإنفاذ أحكام اتفاقية سيداو، فإنّ الأمر يتطلّب رصد التقارير الرسميّة للسلطة والملاحظات الختاميّة للّجنة المعنيّة بإلغاء كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة "لجنة سيداو"،
إضافة إلى الاطلّاع على تقارير الظلّ الّتي قدّمتها بعض المنظّمت الحقوقيّة في هذا الخصوص. سلَّمت السلطة الفلسطينيّة تقريرها الأوليّ بتاريخ 8 آذار/ مارس 2017، ثمّ ناقشت هذا التقرير في 11 تموز/ يوليو 2018 أمام "لجنة سيداو"، وأخيرًا أصدرت اللجنة ملاحظاتها الختاميّة في 25 تموز/ يوليو 2018، ووضّحت اللجنة في هذا التقرير مكامن الضعف الّتي يجب أن تعمل السلطة على إصلاحها، ثمّ طالبت اللجنة السلطة الفلسطينيّة بتقديم تقرير متابعة خلال عامين بموجب الفقرة (53) من الملاحظات الختاميّة لإعادة تقويم مدى التقدّم المحرز على بعض القضايا الّتي عدّتها اللجنة أولويّة قصوى. أشار التقرير الأوليّ الّذي أعدّته السلطة الفلسطينيّة بموجب المادّة (18) من اتفاقية سيداو، إلى مواطن
التقدّم الّتي تمكّنت السلطة السياسيّة من إحرازها في مجال حقوق المرأة الفلسطينيّة؛ فعلى سبيل المثال، أشار التقرير إلى أنّه، على الرغم من عدم اشتمل المنظومة التشريعيّة الفلسطينيّة على تعريفٍ للتمييز، يمكن الإحالة إلى وثيقة إعلان الاستقلال الّتي حرّمت التمييز بكلّ أشكاله، وإضافة إلى ما سبق، أشار التقرير
7 4 مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، تقرير الظلّ المقدّم من منتدى المنظّمات الأهليّة لمناهضة العنف ضدّ المرأة على تقرير المتابعة
الرسميّ(رام الله: 25 آب/ أغسطس 2020)، ص.2 48 Hajjar, pp. 66-67. 49 Olivier De Schutter, International Human Rights Law , 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), pp. 871-877. 50 وزارة الخارجيّة في السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، التقرير الرسميّ الأوليّ لدولة فلسطين حول معاهدة القضاء على كافّة أشكال التمييز
ضدّ المرأة (رام الله: 8 آذار/ مارس 2017)، ص.1 51 الملاحظات الختاميّة بشأن التقرير الأوليّ لدولة فلسطين، ص. 1 52 De Schutter, p. 909. 53 التقرير الرسميّ الأوليّ لدولة فلسطين، ص.4
الأوليّ إلى الالتزام الفلسطينيّ بالمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان، والتطوّر الفلسطينيّ المحرز على مستوى السياسات والتشريعات والقضاء، مع أنّ تقرير الظلّ الّذي قدّمته مؤسّسة الحقّ ردًّا على التقرير الأوليّ المقدّم من السلطة في حزيران/ يونيو 2018 يشير إلى وجود نصوص تمييزيّة في قوانين العقوبات السارية المفعول وقوانين الأحوال الشخصيّة والممرسة القضائيّة بشكل يدحض ما ورد في التقرير الأوليّ الرسمي. على النقيض ممّ ورد في تقرير السلطة الأوليّ، جاءت الملاحظات الختاميّة الّتي تقدّمت بها "لجنة سيداو" لتشير إلى ضرورة قيام السلطة الفلسطينيّة بإصلاحات واسعة النطاق على عدّة مستويات من أجل النهوض بأوضاع حقوق النساء في الأراضي الفلسطينيّة على المستويات التشريعيّة والقضائيّة والسياساتيّة. ثمّ أوضحت الفقرة (53) من الملاحظات الختاميّة لتقرير لجنة سيداو القضايا الّتي يجب على السلطة الفلسطينيّة إحراز تقدّم فيها بأسرع وقت ممكن، وقد كانت هذه القضايا على النحو التالي: اعتمد تشريع وطنيّ لتعريف التمييز؛ والانضمم إلى البرتوكول الاختياريّ الملحق بالاتفاقية؛ ونشر الاتفاقية في الجريدة الرسميّة؛ وتسريع مراجعة بعض التشريعات، مثل قوانين العقوبات وحمية الأسرة من العنف والأحوال الشخصيّة. قدّمت السلطة الفلسطينيّة تقرير المتابعة الرسميّ في 27 تمّوز/ يوليو 2020، لتوضّح مدى التقدّم المحرز في القضايا الّتي نصّت عليها الفقرة (53) من الملاحظات الختاميّة للجنة سيداو. وتتمثّل المفارقة في هذا التقرير في أنّه قد أظهر - دون قصد - عدم جاهزيّة السلطة للقيام بإصلاحات واسعة النطاق في القضايا الّتي أشارت إليها الملاحظات الختاميّة، على الرغم من محاولته إظهار إنجازات السلطة لتنفيذ أحكام الاتفاقية. من هذا المنطلق، ولغايات استعراض عدم جاهزيّة السلطة للقيام بالإصلاحات المطلوبة، تفنّد هذه الدراسة بعض ادّعاءات السلطة الفلسطينيّة حول مدى التقدّم المحرز في تنفيذ أحكام الاتفاقية عن طريق إظهار مواطن القصور الّتي لم تَطُلها الإصلاحات القانونيّة في المدّة الّتي يغطّيها التقرير. ونشير فيم يأتي إلى متطلّبات الفقرة (53) من الملاحظات الختاميّة ل "لجنة سيداو": الفقرة 11 (أ): التعجيل باعتمد تشريع وطنيّ يتضمّن تعريفًا شاملً للتمييز ضدّ المرأة يتناول جميع أسباب التمييز المحظورة، ويشمل التمييز المباشر وغير المباشر في المجالين العامّ والخاصّ: أشار تقرير المتابعة الرسميّ إلى أنّه جرى إيراد تعريف للتمييز في مشروع قانون حمية المرأة من العنف. لكن لم تكن هذه الخطوة كافية؛ إذ إنّ مشروع قانون حمية الأسرة من العنف ليس إلّ مسوّدة لم تصدر بوصفها قانونًا واجب النفاذ. وعدا ذلك فإنّ المادّة (9) من القانون الأساسيّ الفلسطينيّ لعام 2003 قد أشارت إلى مبدأ عدم التمييز على أساس الجنس أو اللون أو الدين أو المعتقد السياسيّ، إلّ أنّ هذا المبدأ لم يتُرجم في العمليّة التشريعيّة الّتي قامت بها السلطة على مدى عشرة أعوام؛ ما يقتضي إدراج تعريف التمييز في إطار القانون
54 المرجع نفسه، ص.77-7 55 مؤسّسة الحقّ، تقرير مؤسّسة الحقّ المقدّم إلى اللجنة المعنيّة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة (رام الله: 7 تمّوز/ يوليو 2018)، ص.24-1 56 الملاحظات الختاميّة بشأن التقرير الأوليّ لدولة فلسطين، ص.18-1 57 المرجع نفسه، ص.18 58 الخارجيّة في السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، تقرير المتابعة الرسميّ لدولة فلسطين حول معاهدة القضاء على كافّة أشكال التمييز ضد
المرأة (رام الله: 27 تمّوز/ يوليو 2020)، ص.1
الأساسيّ بوصفه مبدأ دستوريًّا ليصبح أكثر تأثيرًا وليس بوصفه نصًّا في مشروع قانون إشكاليّ يعتريه الكثير من أوجه الضعف والقصور، كم ستوضّح الدراسة لاحقًا. الفقرة 13 (ج): اتّخاذ خطوات ملموسة من أجل الانضمم إلى البررتوكول الاختياريّ، ونشر المعاهدة في الجريدة الرسميّة: - الانضمم إلى البررتوكول الاختياريّ الملحق بمعاهدة إلغاء جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة: بتاريخ 10 نيسان/ أبريل 2019، انضمّت السلطة الفلسطينيّة إلى البرتوكول الاختياريّ الّذي تقرّ بموجبه اختصاص لجنة سيداو باستقبال الشكاوى الفرديّة من النساء في حال تعرّضهن لانتهاكات تمسّ جوهر أحكام معاهدة سيداو بعد استيفاء سبل الانتصاف الوطنيّة. ومع أهميّة الانضمم الّذي يحمل في طيّاته اعتراف السلطة الفلسطينيّة بأهميّة منظومة الحقوق الواردة في المعاهدة الأمّ، فإنّ هذا الانضمم لن يؤتي ثماره في ظلّ ضعف التقدّم المحرز بإعمل أحكام المعاهدة على الأراضي الفلسطينيّة، ولذا فإنّ الانضمم إلى البرتوكول الاختياريّ الملحق بالمعاهدة يجب أن يكون مقترنًا بخطى رسميّة سريعة نحو إدماج نصوص المعاهدة في النظام القانونيّ الوطنيّ الفلسطينيّ. - نشر المعاهدة في الجريدة الرسميّة: ألزمت السلطة نفسها بخطوة نشر المعاهدات الدوليّة في الجريدة الرسميّة لتصبح نافذة في إطار النظام القانونيّ الوطني، ومع ذلك أشار تقرير المتابعة الرسميّ إلى أنّ هذه الخطوة لم تنجز حتّى الآن. وفي ظلّ عجز السلطة الفلسطينيّة عن القيام بخطوة نشر معاهدة سيداو في الجريدة الرسميّة، حاول تقرير المتابعة الرسميّ إخفاء هذا الإخفاق من خلال تسليط الضوء على بعض المسائل الإجرائيّة؛ مثل: مدى التزام أعضاء النيابة العامّة بأحكام المعاهدة الدوليّة في مرحلتي التحقيق وتكييف التهمة، والتزام أعضاء المحاكم الشرعيّة بأحكام المعاهدة دون الحاجة إلى نشرها في الجريدة الرسميّة. إنّ الالتزام الفرديّ المشار إليه لا يُعدّ بديلً من العمليّة الرسميّة المتمثّلة في النشر في الجريدة الرسميّة الّتي اتّخذتها السلطة نهجًا لدمج المعاهدات الدوليّة في النظام القانونيّ الوطنيّ. ثمّ إنّ عدم نشر معاهدة "سيداو" في الجريدة الرسميّة، لغاية الآن، هو دليل مهمّ على عدم إحراز السلطة أيّ تقدّم يُذكر في سبيل إنفاذ أحكامها؛ ففي مرحلة ما قبل النشر، لا تعدّ المعاهدة مكوّنًا من مكوّنات منظومة النظام القانونيّ
59 تقرير الظلّ المقدّم من منتدى المنظّمات الأهليّة لمناهضة العنف ضدّ المرأة على تقرير المتابعة الرسميّ، ص.3 60 تفسّ العلاقة بين المعاهدات الدوليّة والقانون الوطنيّ بوساطة اتّجاهين: "الاتّجاه الأحاديّ" المنبثق من مدرسة القانون الطبيعيّ، ووفقًا
لهذا الاتّجاه فإنّ القانون هو وحدة واحدة لا تتجزّأ سواء أكان دوليًّا أم وطنيًّا، وجرى تسويغ هذا الاتّجاه بالاعتماد على نظريّة كلسن حول
"القاعدة الأساسيّة" Norm Basic The؛ أي إنّ لكلّ من القانون الدوليّ والقوانين الوطنيّة الجذور ذاتها، وذلك ما يسوّغ عدّهما جسمً واحدًا.
ويشير "الاتّجاه الثنائيّ" المستند إلى مدرسة القانون الوضعيّ، الّتي ترى في سيادة الدول المطلقة مبدأ جوهريًّا، إلى ضرورة الفصل التامّ بين القوانين
الدوليّة والوطنيّة احترامًا لهذه السيادة. واستنادًا إلى الاتّجاه الأوّل، فإنّ المعاهدات الدوليّة تطبّق في النظام القانونيّ الوطنيّ عن طريق اتّباع
أسلوب الدمج. أمّا الاتّجاه الثاني فيرى أنّ تطبيق المعاهدة الدوليّة في إطار الأنظمة القانونيّة الوطنيّة يكون عن طريق تحويلها إلى قانون وطنيّ
بعد مرورها بالقنوات التشريعيّة الوطنيّة؛ أي بالبرلمان. ينظر: 97-103 pp..Shaw, في هذا الصدد، يشير فقه القضاء الدستوريّ الأردنيّ إلى أنّ نشر المعاهدة في الجريدة الرسميّة هو أسلوب دمج المعاهدات الدوليّة في الأنظمة
القانونيّة الوطنيّة ذات الطابع الأحاديّ؛ إذ يُعدّ النشر المرحلة الأخيرة الّتي يصبح التشريع بعدها حجّة على الكافّة؛ ما يعني اعتبار المعاهدة
الدوليّة بمنزلة قانون وطنيّ بعد النشر مباشرة، وبذا لا حاجة لمرورها في القنوات التشريعيّة للدولة لتحويلها إلى تشريع وطنيّ كما تقتضي
الأنظمة الثنائيّة. ينظر: كامل السعيد، النظريّة العامّة للقضاء الدستوريّ(عمّن: مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2017)، ص.159 61 تقرير المتابعة الرسميّ لدولة فلسطين، ص.6-4
الوطنيّ، وبذا لا يجوز الاحتجاج بأحكامها على المستوى الوطنيّ، وإنّ أيّ احتجاج بأحكام هذه المعاهدة قبل دمجها في النظام القانونيّ الوطنيّ، عن طريق النشر، قابل للطعن فيه تحت طائلة عدم الدستوريّة. الفقرة 15 (ج) تسريع مراجعة مشاريع القوانين لضمن امتثالها للمعاهدة، بما في ذلك مشروع قانون العقوبات، وقانون الأحوال الشخصيّة ومشروع قانون حمية الأسرة من العنف، واعتمدها: - مشروع قانون العقوبات لعام 2011: صاغت السلطة الفلسطينيّة مسوّدة قانون للعقوبات في عام 2011 بديل من قانون العقوبات الأردنيّ رقم (16) لعام 1960 الساري المفعول في الضفة الغربيّة، وقانون العقوبات الانتدابيّ رقم (74) لعام 1936 الساري المفعول في قطاع غزّة. يلاحظ المتعمّق في هذه المسوّدة أنّها لم تحقّق تقدّمًا ملموسًا عند معالجة بعض أنواع الجرائم الّتي لا يزال يظهر فيها بون كبير بين الجنسين تمامًا كالقوانين الموروثة الّتي من المفترض أن تسعى هذه المسوّدة إلى نسخها؛ فم زالت مسوّدة قانون العقوبات تشرّع قتل النساء على خلفيّة تدنيس شرف العائلة من خلال نصّ المادّة (864)، الّتي تُعدّ شبيهة بالمادّة (340) من
قانون العقوبات رقم (16) من حيث المضمون، وتقنين مفهوم جرائم الشرف بدلً من السعي إلى تجريم هذه الظاهرة واجتثاثها. وفي السياق ذاته فشلت المواد ((01)44 و 44) من مسوّدة قانون العقوبات في تعريف جرائم سفاح ذوي القربى بشكل مختلف عمّ ورد في نصّ المادّة (285) من قانون العقوبات رقم (16) لعام 1960؛ إذ لا تزال تعدُّ المرأة الضحيّة شريكة في هذه الجريمة على قدم المساواة مع الرجل الجاني، فقد أخفقت النصوص القانونيّة في مشروع القانون بالتمييز بين حالتي الرضا والإذعان الناجم عن اختلال موازين القوى داخل الأسرة. وعدا ذلك أعطت النصوص القانونيّة في مشروع القانون حقّ الملاحقة القضائيّة لجريمة سفاح الأقارب حتّى الدرجة الرابعة تمامًا كم هي الحال في نصّ المادّة (286) من قانون العقوبات رقم (16) لعام 1960؛ ما قد يؤدّي إلى إفلات الجناة من العقاب لتخلّف الأقارب عن الاضطلاع بهذا الدور. وأكّد نصّ المادّة (804) أيضًا من مشروع قانون العقوبات على ضرورة معرفة الجاني في جرائم الاغتصاب بسنّ الضحيّة، وذلك لأنّ حداثة السنّ تعدّ ظرفًا مشدّدًا، وفي حال عدم علمه بالسنّ الحقيقيّة يُعفى من تطبيق الظرف المشدّد بشكل يشابه ما ورد في قانون العقوبات رقم (16) لعام 1960. من جهة أخرى حاول تقرير المتابعة الرسميّ إخفاء الإخفاق المتعلّق بتأخير مواءمة التشريعات العقابيّة مع المعايير الدوليّة عن طريق الإشارة
بصورة مستمرّة إلى أهميّة الممرسات الفرديّة بوصفها بديلً من العمليّة الرسميّة، كاستعراض بعض ممرسات
أعضاء النيابة العامّة الّتي تتّسق مع أحكام المعاهدة الدوليّة. - مشروع قانون حمية الأسرة من العنف: رفعت وزارة التنمية الاجتمعيّة مسوّدة القانون إلى طاولة مجلس الوزراء في 11 أيّار/ مايو 2020 ليصدر بصيغة قرار بقانون، وفي نهاية المطاف، وبعد عدم التوافق على النسخة الأخيرة جُمِّد العمل على هذا المشروع من جديد. شاب هذا المشروع بعض الثغرات القانونيّة الّتي مسّت
62 Aya Omran, "Incorporating the Principles of Gender Equality into the Penal Code of Palestine to Combat Honour-based Violence," A PhD. Dissertation, Faculty of Law, University of New South Wales, Sydney, Australia, 2018, pp. 190-192. 63 Ibid. 64 Ibid. 65 Ibid. 66 مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، تجربة قانون حماية الأسرة من العنف في الأراضي الفلسطينيّة ومعيار العناية الواجبة (رام الله:
16 آذار/ مارس 2021)، ص.27-22
جوهر مضمون القانون وأهدافه الرئيسة المتمثّلة في اختراق الفضاء الخاصّ للأسرة وتنظيمه، فلم يتضمّن مشروع القانون العديد من التعريفات الجوهريّة الّتي من المفترض أنّها ستزيد من قدرته على إعادة التوازن بين الجنسين في إطار الأسرة؛ إذ لم يتضمّن مشروع القانون تعريفًا محدّدًا للعنف ب "'أنّه شكل من أشكال التمييز ومظهر من مظاهر العلاقات غير المتكافئة تاريخيًّا في القوّة بين الرجل والمرأة'، ولم يتضمّن المشروع أيضًا تعريفًا وافيًا للتمييز". وإجملً، لم يكن مشروع القانون حسّاسًا للنوع الاجتمعيّ، بل تعامل بلغة الحياد مع النساء، فلم يبيّ حقيقة أنّ النساء هنّ الأكثر عرضة للعنف القائم على النوع الاجتمعيّ، وبناءً عليه فقد أشار القانون بصورة متواترة إلى مصطلحي الضحيّة والمعتدي دونما تخصيص. إنّ عموميّة هذه المصطلحات المحايدة مبنيّةٌ على فكرة أساسيّة مفادها أنّ كلا الجنسين قد يكون عرضة للعنف القائم على أساس النوع الاجتمعيّ بشكل متساو وهو ما يخالف الواقع. وأخيرًا لم يبُنَ مشروع القانون على النهج الحقوقيّ القائم على أساس حمية الفئات الأكثر ضعفًا؛ إذ تشير نصوصه صراحة إلى أنّ أولويّته الأساسيّة تتمثّل في الحفاظ على التقاليد وضرورات حمية الأسرة وسمعتها؛ لذلك لم يشتمل المشروع على آليّات فعّالة لحمية الضحيّة وإعادة إدماجها في المجتمع. - قانون الأحوال الشخصيّة: يشغل قانون الأحوال الشخصيّة الأردنيّ لعام 1976 المطبّق في الضفّة الغربيّة وقانون حقوق العائلة المطبّق في قطاع غزّة أهميّة كبيرة، خصوصًا أنّ كلا القانونين ينفرد بتنظيم الفضاء الخاصّ، ثمّ
إنّ هذه القوانين تنطوي على عدد من النصوص التمييزيّة. ولم تتمكّن السلطة الفلسطينيّة من إحراز تقدّم
في مجال تحديث قانون الأحوال الشخصيّة، ولم تتمكّن من بلورة رؤية مستقبليّة حول شكل هذا القانون. أمّا التطوّر الوحيد الحاصل في هذا الصدد فهو رفع سنّ الزواج عن طريق تعديل نصّ المادّة الخامسة من قانون الأحوال الشخصيّة لعام 1976 بموجب القانون رقم (21) لعام 2019. في هذا الإطار، تنصّ المادّة الخامسة قبل التعديل على أنّ الحدّ الأدنى لسنّ الزواج هو أنّ يُتمّ الخاطب سنّ ستّة عشر عامًا من العمر، وأن تُتمّ المخطوبة سنّ خمسة عشر عامًا، بينم تطلّب النصّ المعدّل أن يُتمّ كلّ من الخاطب والمخطوبة سن ثمانية عشر عامًا. عارض مكتب دار الإفتاء الفلسطينيّة هذا التعديل، وطالبَ بمنح القضاة الشرعييّن ومأذوني الزواج صلاحيّات تقديريّة في أحوال استثنائيّة لإبرام عقود زواج يقلّ فيها عمر المخطوبة عن العمر المقرّر في النصّ المعدّل، وقد جرى التوسّع في تعريف الاستثناءات "بحيث صارت مؤسّسة القضاء الشرعيّ تبني الاستثناءات على أسباب
67 المرجع نفسه. 68 Aisha K. Gill, "Introduction: 'Honour' and 'Honour'-based Violence: Challenging Common Assumptions," in: Aisha K. Gill, Carolyn Strange & Karl Roberts (eds.), Honour' Killing and Violence: Theory, Policy, and Practice (London: Palgrave Macmillan, 2014), p. 7. 69 تجربة قانون حماية الأسرة من العنف في الأراضي الفلسطينيّة ومعيار العناية الواجبة، ص.27-22 70 المرجع نفسه. 71 Ellen McLarney, "The Private is Political: Women and Family in Intellectual Islam," Feminist Theory , vol. 11, no. 2 (2010), pp. 131, 145. 72 مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، التمييز القانوني ضدّ النساء والفتيات (رام الله: 3 شباط/ فبراير 2020)، ص.4-3 73 السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019 م معدل للتشريعات الناظمة للأحوال الشخصية بشأن تحديد سن
الزواج في دولة فلسطين،.2019/11/28 74 المرجع نفسه. 75 تقرير الظلّ المقدّم من منتدى المنظّمات الأهليّة، ص.10-9
واهية؛ كاقتدار الخاطب ماليًّا أو موافقته على إتمام المخطوبة دراستها أو قرب موعد حفل الزفاف أو موافقة الفتاة على إتمام مراسم عقد الزواج". ونتيجة لهذه الممرسات تسارعت وتيرة تزويج الفتيات اللواتي لم يبلغن السنّ القانونيّة قبل دخول التعديل التشريعيّ حيّز التنفيذ، فقد بلغت نسبة الزواج بفتيات قاصرات 33 في المئة من عقود الزواج المسجّلة في المحاكم الشرعيّة في الضفّة الغربيّة في عام 2020. ظهر التعديل التشريعيّ لنصّ المادّة الخامسة من قانون الأحوال الشخصيّة عام 1976 كم لو أنّه خطوة مهمّة على طريق مواءمة قوانين الأحوال الشخصيّة مع أحكام اتفاقية سيداو، إلّ أنّ إعطاء القضاة الشرعييّن ومأذوني الزواج صلاحيّات تقديريّة لعقد زواج الفتيات القاصرات في بعض الأحوال "الاستثنائيّة" قد قلّل من جدوى هذا التعديل، وأعاد مشكلة تزويج القاصرات إلى المربّع الأوّل؛ إذ صار بإمكان القضاة الشرعييّن ومأذوني الزواج تزويج القاصرات بصرف النظر عن أعمرهنّ حتّى في الأحوال الّتي يقلّ فيها عمر المخطوبة عن خمسة عشر عامًا.
ثانيًا: أثر أجندة الحقوق المزدوجة يف منظومة حقوق النساء الفلسطينيّات
يسعى هذا القسم من الدراسة إلى إلقاء الضوء على أثر أجندة الحقوق المزدوجة الخاصّة بالسلطة الفلسطينيّة
في منظومة حقوق النساء من خلال استعراض التطوّر التاريخيّ لهذه الحقوق وما كانت عليه في عهد منظّمة التحرير الفلسطينية، للمقارنة بين منظومة الحقوق آنذاك وما آلت إليه في عهد السلطة، وذلك في الفضاءين العام والخاص. أمّا الهدف من هذا القسم فهو دحض الادّعاءات الّتي تؤسّس لفكرة أنّ هناك تطوّرًا ملحوظًا في منظومة حقوق النساء في عهد السلطة، الأمر الّذي يصبّ في صالح الادّعاء الرئيس لهذه الدراسة، الّذي يشير إلى أنّ أجندة السلطة الحقوقيّة المزدوجة قد أسهمت في تدهور واقع حقوق النساء الفلسطينيّات
مقارنة بأوضاعهنّ في عهد المنظّمة.
1 ي. حقوق النساء الفلسطينيّات ف عهد منظّمة التحرير الفلسطينيّة
تشير مراجعة الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ، الّذي يشك ل الإطار الدستوريّ الناظم لعمل منظّمة التحرير، إلى خلوّه من الإشارة المباشرة إلى المضامين الحقوقيّة، إلّ أنّ المقاومة ضدّ الاحتلال كانت بمنزلة هزّة قويّة لأركان المجتمع الفلسطينيّ التقليديّ أدّت إلى حدوث عمليّة إعادة تقويم للهياكل الاجتمعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة القائمة آنذاك. وإضافة إلى ذلك، عملت المقاومة على إذكاء الشعور بوجود مصلحة مشتركة تجمع المجتمع الفلسطينيّ وتوحّده على اختلاف أطيافه، فالنساء - على سبيل المثال - متضرّرات بشكل مباشر من الاحتلال وممرساته، ومن ثم فقد أصبحن مكوّنًا لا يمكن الاستغناء عنه في الثورة الشعبيّة ولا بدّ من العمل على استقطابهن. تمخّض ذلك عمّ عُرِف بعمليّة "دمقرطة النضال الوطنيّ"، وذلك إبّان الفترة 1981-1976؛ إذ تُعرَف هذه العمليّة بأنها "إدماج شرائح مجتمعيّة
76 المرجع نفسه. 77 المرجع نفسه. 78 Kuttab, p. 69. 79 Ibid.; Arlene Eisen, Women and Revolution in Vietnam (London: Zed Press, 1984), p. 96. 80 Lisa Taraki, "The Development of Political Consciousness Among Palestinians in the Occupied Territories in 1967-1987," in: Jamal Nasser & Roger Heacock (eds.), Intifada: Palestine at the Crossroads (New York: Prager, 1990), p. 60.
جديدة، خصوصًا الشرائح الأقلّ حظًّا في العمل السياسيّ والمؤسّساتيّ الفلسطينيّ، وذلك لكسب التعاطف الشعبيّ
وحثّ أطياف المجتمع كافّة على المشاركة في العمل النضاليّضدّ المحتل "ّ، وتنبع أهميّة هذه العمليّة من الفكرة
السائدة آنذاك عن أنّ تحرّر المرأة الاجتمعيّ لن يتأىتّ إلّ عن طريق مشاركتها في النضال الوطني. كان نتاج هذه العمليّة تقلّص هيمنة البنى الاجتمعيّة التقليديّة - خصوصًا تلك القائمة على أساس النوع الاجتمعيّ المتمثّلة في تقسيم العمل على أساس الجنس وحصر مشاركة النساء في الفضاء الخاصّ للأسرة -
نتيجة فقدانها القدرة على التكيّف مع الواقع الجديد الّذي فرضه الاحتلال، بحيث يمكن القول إنّ حركة
النضال الوطنيّ قد أسهمت في إزالة كثيرٍ من العوائق الاجتمعيّة المتمثّلة في السلطة الأبويّة الّتي كانت تعوق مشاركة النساء في الفضاء العامّ، وذلك لتسهيل مشاركتهنّ في المقاومة الشعبيّة؛ لذلك نجد أنّ النساء الفلسطينيّات تمتّعن بمنظومة كبيرة من الحريّات في الفترة الواقعة ما بين السبعينيّات والثمنينيّات من القرن
العشرين. وفي هذا الصدد، استغلّت النساء الفلسطينيّات، اللواتي رزحهن أعوامًا تحت الاضطهاد المزدوج، هذا التغيّ النوعيّ في مجريات الأمور وشكلن مؤسّسات ذات طابع جمهيريّ شعبيّ تحمل شعار تحرّر المرأة بوصفه جزءًا من عمليّة التحرّر الوطنيّ. وفتحت عمليّة بناء المؤسّسات المزيد من الفرص أمام النساء،
فقد أُسِّس الاتّحاد العامّ للمرأة الفلسطينيّة تحت لواء منظّمة التحرير في عام 1965، الّذي اتّخذ موقفًا
محايدًا من قضايا تحرير المرأة، ثم أُنشِئَت لجان العمل النسائيّ في عام 1978، الّتي كانت تُعنى بتطوير استراتيجيّة للتحرّر الوطنيّ والاجتمعيّ بصورة متزامنة، ثمّ انبثق من هذه اللجان اتّحاد لجان العمل النسائيّ الفلسطينيّ في عام 1980، ولجان المرأة للعمل الاجتمعيّ في عام 1982، وأخذت هذه اللجان على عاتقها
مهمّة الوصول إلى شرائح النساء كافّة بصرف النظر عن أماكن وجودهنّ أو طبقاتهنّ الاجتمعيّة وإشراكهنّ في عمليّة صنع القرار. قاد تعزيز مساهمة النساء في حركة التحرّر الوطنيّ، عن طريق ضمن مشاركة النساء في العمليّات العسكريّة
والسياسيّة، إلى إحداث تغييرات مهمّة على صعيد حقوق النساء الفلسطينيّات؛ إذ صارت القضايا المتعلّقة بتحسين ظروف المرأة العاملة، ووجوب إصلاح قانون الأحوال الشخصيّة، وتوفير الرعاية الصحيّة الملائمة للنساء، تُناقش في العلن وفي المحافل العامّة. أمّا عن سبب عدم ترجمة التغيّ الكبير في واقع النساء الفلسطينيّات الحاصل في هذه الحقبة إلى إنجازات على المستوى السياسيّ؛ إذ بقي تمثيلهنّ ضعيفًا في المناصب
81 Ibid. 82 Gluck, p. 7. 83 Kuttab, p. 72. 84 Gluck, p. 8; Nahla A. Abdo, "Women of Intifada: Gender, Class and National Liberation," Race and Class, vol. 32, no. 4 (1991), p. 26. 85 Rubenberg, p. 65. 86 Kuttab, p. 73. 87 Gluck, p. 7. 88 Maria Holt, "Palestinian Women, Violence and the Peace Process," Development in Practice, vol. 13, no. 2 (2003), p. 121. 89 Kuttab, p. 73. 90 Ibid., p. 74. 91 Rosemary Sayigh, "Palestinian Women and Politics in Lebanon," in: Judith Tucker (ed.), Arab Women: Old Boundaries, New Frontiers (Bloomington: Indiana University Press, 1993), p. 186; Holt, p. 111.
القياديّة في اللجنة التنفيذيّة للمنظّمة، فيُعزى إلى تردّد الحركة النسويّة بالمطالبة بهذه الحقوق مع أنّ المناخ كان مواتيًا أكثر من أيّ وقت مضى.
2 ي. حقوق النساء الفلسطينيّات ف عهد السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة
في بدايات مرحلة إنشاء السلطة، سعت الحركة النسويّة إلى محاولة إعادة تنظيم الفضاء الخاصّ، فكانت محاولات الحركة النسويّة الحثيثة لإجراء إصلاحات في قانون الأحوال الشخصيّة وقانون العقوبات، نظرًا إلى أنّ استمراريّة هذه القوانين التمييزيّة تهدّد بتقويض الإنجازات الّتي حقّقتها النساء في ظلّ مشاركتهنّ في حركة النضال الوطنيّ؛ إذ أدركت الحركة النسويّة مبكّرًا أنّ الخروج إلى الفضاء العامّ كان يجب أن يُتبَع مباشرة بمحاولة تنظيم الفضاء الخاصّ قانونيًّا، وذلك لتقليص الفجوة بين الجنسين. سعت الحركة النسويّة في المرحلة المبكّرة من إنشاء السلطة الفلسطينيّة نحو تنظيم الفضاء الخاصّ قانونيًّا من خلال صياغة مقترحات مشاريع لقانون الأحوال الشخصيّة - لكونه القانون الوحيد آنذاك القادر على اختراق الفضاء الخاصّ بالأسرة - وذلك لتثبيت مكتسبات المرحلة السابقة. أمّا مخاوف الناشطات الحقوقيّات آنذاك فسببُها أنّ مقاليد الأمور قد آلت إلى مجموعة من السياسييّن التقليدييّن، وبدأت هذه المخاوف تتعزّز بعد تعيين أربع نساء فقط من أصل أكثر من ثلاثمئة عضو في اللجان المتخصّصة الّتي تشكّلت بعد مؤتمر مدريد من أجل وضع اللبنات الأساسيّة للمرحلة اللاحقة. يبدو هذا المشهد تقليديًّا ومشابهًا لما يجري في دول العالم الثالث في مرحلة بناء الدولة؛ فسياسات السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة على صعيد حقوق الإنسان مشابهة لسياسات دول الجوار في مرحلة ما بعد التحرّر من الاستعمر، فعادة ما تُقصى النساء من مشاريع بناء الدولة، لخلق حالة من التوازن بين الحداثة والتقاليد المجتمعيّة؛ ما يجعل سياسات هذه الدول الحقوقيّة متحفّظة إلى حدّ بعيد، إلّ أنّ التعمّق في ممرسات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة قبيل نشأتها يعكس حقيقة وجود الازدواج - كم جرى وصفه في الإطار النظري - منذ البداية؛ ما يفسّ جذور هذه الحالة الّتي بدت واضحة للعيان بعد انضمم السلطة إلى الاتفاقيات الدوليّة، والّتي تمثّلت في الازدواج الّذي تدّعي هذه الدراسة أنّه أسهم في إحداث تراجع ملموس في أوضاع حقوق النساء مقارنةً بما كانت عليه في مرحلة ما قبل السلطة. فعلى المستوى الوطني كانت هناك محاولات حثيثة لإعادة النساء إلى الفضاء الخاصّ بعد خروجهنّ إلى الفضاء العامّ وتقويض مكتسبات المرحلة السابقة. تمثلت هذه المحاولات في تقاعس السلطة القلسطينية عن اتّخاذ الخطوات التكميليّة لتعزيز فكرة خروج المرأة إلى الفضاء العامّ، الّتي جرت في مرحلة النضال الوطنيّ؛ إذ لم تتّخذ السلطة خطوات فعّالة لاختراق الفضاء الخاصّ بالتنظيم القانونيّ عن طريق تعديل قانون الأحوال
92 Kuttab, p. 74. 93 Gluck, p. 12. 94 Gluck, p. 11. 95 Ibid. 96 Holt, p. 128. 97 Floya Anthias & Nira Yuval-Davis, "Introduction," in: Nira Yuval-Davis & Floya Anthias (eds.) Women-Nation- State (London: Macmillan Press, 1989), p. 10.
الشخصيّة أو سنّ قانون حمية للأسرة قادرٍ على ضبط حالة اختلال التوازن بين الجنسين في إطار العائلة، كم سبقت الإشارة في القسم الأوّل من هذه الدراسة. وعدا ذلك، قوَّضت السلطة الفلسطينيّة مكتسبات النساء في المرحلة السابقة عن طريق إضعاف المجتمع المدنيّ
الّذي كان بمنزلة الحاضنة الأساسيّة لعمل النساء في الفضاء العامّ، وتحويله إلى حالة من الاعتمد التامّ على المموّل الأجنبيّ بعدما كان هذا القطاع مدعومًا من الأحزاب السياسيّة في مرحلة ما قبل "إعلان المبادئ حول ترتيبات
الحكم الذاتي الانتقالي" أو ما يعرف باتفاق أوسلو عام 1993. أُطلِق على هذه الظاهرة "قولبة المجتمع المدنيّ في صيغة منظّمت غير حكوميّة"، وجرى تعريفها بأنّها "تحويل القضايا ذات الاهتمم الجمعيّ إلى مشاريع معزولة
عن السياق العامّ الّذي تنشأ ضمنه دون مراعاة العوامل الاقتصاديّة والاجتمعيّة والسياسيّة المؤثّرة فيها".
عملت مشاريع هذه المنظّمت على تهميش إنجازات النساء المكتسبة في المرحلة السابقة، فعلى سبيل المثال جرى اختزال الدور الاقتصاديّ للتعاونيّات النسائيّة الإنتاجيّة – الّتي أسّسها اتّحاد لجان المرأة الفلسطينيّة في مرحلة ما
قبل أوسلو - في تحقيق الاستقلال الاقتصاديّ التامّ عن الاحتلال بوصفه شكلً من أشكال المقاومة إلى فكرة التمكين الاقتصاديّ الهادفة إلى تعزيز استقلال النساء ماليًّا من خلال العمل في مشاريع اقتصاديّة صغيرة أو متناهية
الصغر. في السياق ذاته، كانت مشاريع التمكين السياسيّ، الّتي تهدف إلى مساعدة النساء للوصول إلى مواقع صنع القرار، تجري بمعزل عن تقويم المناخ العامّ ودراسته؛ ما أدّى إلى فشل هذه المشاريع وعدم استدامتها. أمّا على المستوى الدوليّ، فقد انصاعت السلطة الفلسطينيّة ابتداءً إلى رغبات المموّلين المتمثّلة في تحسين ظروف النساء، وجاءت هذه الاستجابة من أجل المحافظة على مصادر التمويل الخارجيّ، ومن هنا جاءت
فكرة تطبيق الكوتا النسائيّة في قوانين الانتخابات، وأُنشِئَت وزارة شؤون المرأة في عام 2003 الّتي شهدت تبدّلً وتحوّلً في أولويّاتها على مدى الأعوام الماضية للتواؤم مع رؤية المموّلين؛ فقد استندت استراتيجيّة الوزارة في البدايات إلى قضيّة التحرّر الوطنيّ ودور النساء في مواجهة الاحتلال، ثمّ تغيّت أولويّاتها لترتكز على دور
النساء في بناء الدولة، ثمّ تغيّت الخطّة الاستراتيجيّة لترتكز على التعليم والتدريب المهنيّ والتقنيّ للشابّات والتمكين الاقتصاديّ والسياسي. وجرى استحداث وحدات النوع الاجتمعيّ في الوزارات والمؤسّسات الحكوميّة كافّة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (2008/65/12)، للتصدّي للتحدّيات الّتي تواجه النساء في هذه القطاعات. ولكن نظرًا إلى أنّ إنشاء هذه الوحدات قد جاء نزولً عند رغبات المموّلين، فقد كانت مخرجات هذه الوحدات محدودة في معظم هذه المؤسّسات. ومع تدهور المسار السياسيّ لحلّ القضيّة الفلسطينيّة بدأ يتصاعد دور خطاب حقوق الإنسان لدى السلطة الفلسطينيّة لكسب الدعم الدوليّ للاعتراف بدولة فلسطينيّة على حدود عام 1967.
98 يارا هوّاري، "تهميش المرأة سياسيًّا في الضفّة الغربيّة"، شبكة السياسات الفلسطينيّة، 2019/7/28، شوهد في 2021/6/20، في:
https://bit.ly/3CttT49 99 Islah Jad, "The NGOisation of the Arab Women's Movement," in: Andrea Cornwall, Elizabeth Harrison & Ann Whitehead (eds.), Feminism in Development: Contradiction, Contestations and Challenges (London: Zed Books, 2007), p. 177. 100 هوّاري.
101 إصلاح جاد، "الحركة النسويّة الفلسطينيّة بعد أوسلو. حصاد مرّ في تمكين الذات وفي تحرير الوطن"، موقعالجدليّة، 2014/3/24، شوهد
في 2021/6/30، في: https://bit.ly/3g6sYPy 102 المرجع نفسه. 103 هوّاري.
بمقارنة نهجَي السلطة الفلسطينيّة ومنظّمة التحرير الحقوقييّن نجد أنّهم استخدمتا مسألة الحقوق بوصفها
وسيلة لا غاية، فحصول النساء على بعض الحقوق والحريّات الجزئيّة في عهد المنظّمة يُعزى إلى رغبة الأخيرة في كسب التعاطف الشعبيّ لتجنيد جهود أطياف المجتمع كافّة في عمليّة النضال الوطنيّ. وقد ورثت السلطة
الفلسطينيّة عن منظّمة التحرير نهج توظيف الحقوق لتحقيق مكاسب سياسيّة، لكنّ اختلاف أولويّات السلطة عن أولويّات سابقتها أدّى إلى استخدامها المسار الدبلوماسيّ الدوليّ، أسوة بما قامت به بعض حركات التحرّر الوطنيّ الأخرى لإقناع العالم بضرورة الإسراع في الاعتراف بدولة فلسطينيّة؛ ما أدّى إلى انصراف الأخيرة عن كسب التعاطف الشعبيّ والتوجّه لكسب التعاطف الدوليّ لتجنيده في عمليّة إنشاء الدولة، وهذا أسهم في تهميش مكتسبات النساء الجزئيّة الّتي حصلن عليها في مرحلة النضال الوطنيّ. وقد تفاقمت حدّة انصراف السلطة عن كسب التعاطف الشعبيّ باتّباعها نهجًا حقوقيًّا شبيهًا بنهج دول العالم الثالث في مرحلة ما بعد الاستعمر على المستوى الوطنيّ؛ ما أفضى إلى مزيد من التهميش لحقوق النساء الفلسطينيّات. ترتّب على هذا الازدواج تذبذب توجّهات السلطة السياسيّة فيم يتعلّق بحقوق الإنسان بعامّة وحقوق النساء بخاصّة؛ ما انعكس سلبيًّا على واقع الحقوق، فعلى الرغم من الوعود المستمرّة الّتي تطلقها السلطة السياسيّة للمجتمع الدوليّ بإحداث تغييرات حقوقيّة، فإنّ ما يُنجَز على أرض الواقع ما زال ضئيلً؛ فعلى مستوى الفضاء الخاصّ لم تطرأ أيّ تغييرات تُذكر على قانون الأحوال الشخصيّة وقانون العقوبات حتّى بعد أعوام من جهود الناشطات النسويّات الرامية إلى إحداث بعض التغيير، وبذلك استمرّت حالة اختلال التوازن بين الجنسين في إطار العائلة حتّى بات حقّ النساء في الحياة، وهو أبسط الحقوق المكتسبة، محلّ تهديد. في هذا الصدد، تشير تقارير الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في الأعوام ما بين 2012 و 2020 إلى أنّ أعداد النساء المقتولات في ظروف غامضة في ازدياد، دون رصد أيّ تحرّك يُذكر لتغيير هذا الواقع. أمّا على مستوى الفضاء العامّ ومشاركة النساء الفلسطينيّات في مواقع صنع القرار، فعلى الرغم من إقرار الكوتا وتأسيس وزارة شؤون المرأة ووحدات النوع الاجتمعيّ الرامية إلى إعادة دمج النساء في الحياة العامّة، فإنّ بيانات الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ للعامين 2020 و 2021 تشير إلى ضعف مشاركة النساء في هذه المواقع. فعلى سبيل المثال، إن 5 في المئة فقط من أعضاء المجلس المركزيّ هنّ من النساء، بينم بلغت نسبة مشاركة النساء في المجلس الوطنيّ نحو 11 في المئة، وقد شغلت امرأة واحدة منصب محافظ من أصل 16 منصبًا، ولا توجد أيّ رئيسة بلدية في المناطق المصنّفة (أ) و (ب)، وبلغ عدد النساء الحاصلات على درجة مدير عامّ في القطاع المدنيّ ما نسبته 14 في المئة فقط. ويزداد عمق هذه الفجوة بين الجنسين في القطاع العسكريّ، فقد بلغ مجموع النساء العاملات في قطاع الأمن ما نسبته 6 في المئة فقط من مجموع العاملين في أكبر قطاعات السلطة الفلسطينيّة، بينم بلغ ما نسبته أقلّ من نصف في المئة فقط من النساء المنتسبات إلى هذا القطاع ممّن وصلن إلى مواقع صنع القرار. وتشير إحصاءات الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ إلى
104 الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان، التقارير السنويّة للهيئة حول حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة للأعوام 2020-2012 (رام الله:
2019-2012)، فصل الحقّ في الحياة. 105 "مشاركة متواضعة للنساء الفلسطينيّات في مواقع صنع القرار"، العربي الجديد، 2021/3/7، شوهد في 2021/3/10، في: https://bit.ly/3S55cR3 106 مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، معيقات وصول النساء المنتسبات لقطاع الأمن إلى مواقع صنع القرار (رام الله: نيسان/ أبريل
2020)، ص.3
أنّ نسبة مشاركة النساء في سوق العمل تبلغ نحو 16 في المئة في عام 2020، وتُعدُّ أجور بعض النساء أقلّ بما نسبته 30 في المئة من أجور الرجال الّذين يعملون في المهن والقطاعات ذاتها، ثمّ إن 35 في المئة من النساء اللواتي يعملن في القطاع الخاصّ يحصلن على أجر أقلّ من معدّل الحدّ الأدنى للأجور. بعبارة أخرى، لا تمثّل هذه الأرقام - الّتي قد تبدو بالنسبة إلى بعضهم دليلً على تطوّر حقوق أوضاع النساء نحو الأفضل - دليلً إيجابيًّا بقدر ما تمثّل دليلً على تراجع أوضاع حقوق النساء، فبعد إسهاماتهنّ في حركة النضال الوطنيّ الّتي كان يُتوقّع أن تكون بمنزلة نقلة نوعيّة نحو تحرّرهنّ، جرى إعادتهنّ إلى نقطة البداية؛ أي إلى فضاء خاصّ تشوبه حالة اختلال التوازن، وكانت مشاركتهنّ في الفضاء العامّ مشاركة هامشيّة مدفوعة بضغوط المموّل الأجنبيّ.
خاتمة
انضمّت جميع الدول العربيّة إلى اتفاقيات حقوق الإنسان، وقد اقترن هذا الانضمم أحيانًا بتحفّظات تعكس رؤية هذه الدول لتحقيق التوازن بين الحداثة والتقاليد المجتمعيّة. من ناحية أخرى، نجد أنّ مشروع السلطة الفلسطينيّة قد التقى مع مشاريع دول الجوار في بعض الأحيان، وامتاز عنها في أحيان أخرى. فعلى الرغم من سعي السلطة الفلسطينيّة إلى بناء دولة شبيهة بدول الجوار الجغرافيّ، فإنّ مشروعها السياسيّ بكلّ تعقيداته كان يتطلّب منها أيضًا إثبات قدرتها على بناء معالم الدولة الحديثة للعالم بأسره خصوصًا بعد تعثّ مسار المفاوضات الإسرائيليّة الفلسطينيّة. وبناءً عليه، وظّفت القيادة السياسيّة خطاب الحقوق لإقناع العالم بنضوج التجربة الفلسطينيّة برهانًا على ضرورة قيام الدولة وتسريع عمليّة الاعتراف بها في أروقة الأمم المتّحدة. وقد أفضى هذا الوضع إلى اختزال الحقوق وتوظيفها بوصفها وسيلةً سياسيّة لإخراج الحالة الفلسطينيّة من عنق الزجاجة ومن المأزق السياسيّ الّذي أدّى إلى مراوحة الحالة السياسيّة الفلسطينيّة في مكانها منذ عقود، وبذلك يمكن القول إنّ السلطة الفلسطينيّة استخدمت استراتيجيّة من استراتيجيّات بعض حركات التحرّر الوطنيّ متمثّلة في توظيف نهج الحقوق لتحقيق مكاسب سياسيّة؛ ما جعل أجندتها الحقوقيّة بعامّة مشوبة بحالة من الازدواج. إنّ دراسة أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة بعامّة وحقوق النساء الفلسطينيّات بخاصّة تشير إلى انعكاس الازدواج المشار إليه على ممرسات السلطة الفلسطينيّة الحقوقيّة، وقد بدأت هذه الممرسات المزدوجة منذ إنشاء السلطة الفلسطينيّة؛ إذ سعت السلطة منذ تأسيسها إلى إعادة النساء إلى الفضاء الخاصّ، وذلك عن طريق إضعاف المجتمع المدنيّ بوصفه الحاضنة الشعبيّة لعملهنّ في الفضاء العامّ، وعدم الاكتراث بتنظيم الفضاء الخاصّ بوساطة التشريعات الّتي تعالج التباين بين الجنسين داخل الأسرة. ومن جهة أخرى تعهّدت السلطة الفلسطينيّة للمجتمع الدوليّ بالقيام بإصلاحات كبيرة لتغيير واقع النساء الفلسطينيّات؛ ما أسفر عن القيام بتغييرات صوريّة استفادت منها فئة قليلة من نخبة النساء، بينم لم تطل نتائج هذه الإصلاحات الشريحة الأكبر منهنّ، بل على العكس من ذلك أسهم هذا الازدواج في الإمعان في تهميشهنّ. وقد
107 "أوضاع المرأة الفلسطينيّة بالأرقام: ارتفاع نسبة التعليم وفجوة الأجر تتواصل"، الجزيرة، 2020/3/8، شوهد في 2021/2/10، في: https://bit.ly/3VlzCSh
ساقت الدراسة أمثلة عدّة تؤيّد هذه الفرضيّة، وفي نهاية المطاف أدّى هذا الازدواج إلى تقليص مكتسبات الحركة النسويّة الفلسطينيّة في مرحلة النضال الوطنيّ. ثمّ اتّضحت معالم هذا النهج بصورة أكبر أثناء انضمم السلطة إلى الاتفاقيات الدوليّة خصوصًا اتفاقية سيداو؛ إذ ظهر بوضوح البون الكبير بين ممرسات السلطة على المستويين الوطنيّ والدوليّ، وهذا يفسّ عدم اقتران
انضمم السلطة إلى اتفاقية سيداو دون إبداء أيّ تحفّظات بإصلاحات حقوقيّة حقيقيّة تسهم في تغيير واقع النساء الفلسطينيّات نحو الأفضل.
المراجع
العربيّة
الفلسطينيّة لدراسات الديمقراطيّة، 2013.
السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. القانون الأساسيّ المعدّل لسنة 2003.
سن الزواج في دولة فلسطين،.2019/11/28
25 تمّوز/ يوليو.2018
7 تمّوز/ يوليو.2018
الرسميّ. رام الله: 25 آب/ أغسطس.2020
16 آذار/ مارس.2021
من العنف في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. 3 تشرين الثاني/ نوفمبر.2004
حلولها". مجلّة الدراسات الفلسطينية. مج 22، العدد 6.)1995(
للأعوام 2020-2012 رام الله..2019-2012:
على كافّة أشكال التمييز ضدّ المرأة. رام الله: 8 آذار/ مارس.2017
Reference
جقمن، جورج [وآخرون]. أوراق في النظام السياسيّ الفلسطينيّ وانتقال السلطة. رام الله: مواطن/ المؤسّسة
السعيد، كامل. النظريّة العامّة للقضاء الدستوريّ. عمّن: مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع،.2017
_______. قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019 م معدل للتشريعات الناظمة للأحوال الشخصية بشأن تحديد
اللجنة المعنيّة بالقضاء على التمييز ضدّ المرأة. الملاحظات الختاميّة بشأن التقرير الأوليّ لدولة فلسطين.
مؤسّسة الحقّ. تقرير مؤسّسة الحقّ المقدّم إلى اللجنة المعنيّة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة. رام الله:
مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتمعيّ. التمييز القانونيّ ضدّ النساء والفتيات. رام الله: 3 شباط/ فبراير.2020 _______. معيقات وصول النساء المنتسبات لقطاع الأمن إلى مواقع صنع القرار. رام الله: نيسان/ أبريل.2020 _______. تقرير الظلّ المقدّم من منتدى المنظّمت الأهليّة لمناهضة العنف ضدّ المرأة على تقرير المتابعة
_______. تجربة قانون حمية الأسرة من العنف في الأراضي الفلسطينيّة ومعيار العناية الواجبة. رام الله:
منظّمة العفو الدوليّة. التحفّظات على معاهدة إلغاء كافّة أشكال التمييز ضدّ المرأة: تقويض حمية المرأة
نوفل، ممدوح. "إشكاليّات العلاقة بين السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة وسبل
الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان. التقارير السنويّة للهيئة حول حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة
وزارة الخارجيّة في السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. التقرير الرسميّ الأوليّ لدولة فلسطين حول معاهدة القضاء
الأجنبية
Abdo, Nahla A."Women of Intifada: Gender, Class and National Liberation." Race and Class. vol. 32. no. 4 (1991). Abu Odeh, Lama. "Crimes of Honor and the Construction of Gender in Arab Societies." Comparative Law Review. no. 2 (2010). Akram, Susan M. et al. (eds.). International Law and the Israeli-Palestinian Conflict: A Right-based Approach to the Middle East Peace. London: Routledge, 2011. Anghie, Antony. Imperialism, Sovereignty and the Making of International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Aust, Anthony. Modern Treaty Law and Practice. 4 th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Burke, Roland. Decolonialization and the Evolution of International Human Right. University of Pennsylvania Press, 2010. Cornwall, Andrea, Elizabeth Harrison & Ann Whitehead (eds.). Feminism in Development: Contradiction, Contestations and Challenges. London: Zed Books, 2007. De Schutter, Olivier. International Human Rights Law. 2 nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Eckel, Jan. "Human Rights and Decolonization: New Perspectives and Open Questions." International Journal of Human Rights Humanitarianism and Development. vol. 1, no. 1 (2010). Eisen, Arlene. Women and Revolution in Vietnam. London: Zed Press, 1984. Gill, Aisha K. Aisha K. Gill, Carolyn Strange & Karl Roberts (eds.). ' Honour' Killing and Violence: Theory, Policy, and Practice. London: Palgrave Macmillan, 2014. Gluck, Sherna Berger. "Palestinian Women: Gender Politics and Nationalism." Journal of Palestinian Studies. vol. 24, no. 3 (1995). Golley, Nawar Al-Hassan. "Is Feminism Relevant to Arab World?" Third World Quarterly. vol. 25, no. 3 (2004). Hajjar, Lisa. "Law against Order: Human Rights Organizations and (versus) the Palestinian Authority." University of Miami Law Review. vol. 56, no.1 (October 2001). Handrahan, Lori. "Conflict, Gender and Ethnicity and Post-Conflict Reconstruction." Special Issue and Gender Security. vol. 35, no. 4 (2004). Holt, Maria. "Palestinian Women, Violence and the Peace Process." Development in Practice. vol. 13, no. 2 (2003).
Houser, George M. "Human Rights and the Liberation Struggle." Africa Today. vol. 39, no. 4 (1992). Jad, Islah. "Feminism between Secularism and Islamism: The Case of Palestine, West Bank and Gaza."Conflicts Forum Monograph. (2010). Kandiyoti, Deniz. "Bargaining with Patriarchy." Gender and Society. vol. 2, no. 3 (1988). Kuttab, Eileen S. "Palestinian Women in the Intifada: Fighting on Two Front." Arab Studies Quarterly. vol. 15, no. 2 (1993). McLarney, Ellen. "The Private is Political: Women and Family in Intellectual Islam." Feminist Theory. no. 2 (2010). Omran, Aya."Incorporating the Principles of Gender Equality into the Penal Code of Palestine to Combat Honour-based Violence." A PhD. Dissertation. Faculty of Law. University of New South Wales. Sydney, Australia, 2018. Peters, Joel & David Newman. The Routledge Handbook on the Israeli Palestinian Conflict. London: Routledge, 2013. Rubenberg, Cheryal. Palestinian Women: Patriarchy and Resistance in the West Bank. Colorado: Lynne Rinner Publisher, 2001. Shalhoub-Kevorkian, Nadera. "Researching Women's Victimization in Palestine: A Socio-Legal Analysis." in: Lynn Welchman & Sara Hossain (eds). Honour: Crimes, Paradigms and Violence against Women. New York: Zed Books, 2005. Shaw, Malcolm N. International Law. 8 th ed. Cambridge: Cambridge University Press, Taraki, Lisa. "The Development of Political Consciousness Among Palestinians in the Occupied Territories in 1967-1987." in: Jamal Nasser & Roger Heacock (eds). Intifada: Palestine at the Crossroads. New York: Prager, 1990. Tilley, Virginia (ed.) Beyond Occupation: Apartheid, Colonialism, and International Law in the Occupied Palestinian Territories. London: Pluto Press, 2012. Tong, Rosemarie. Feminists Thought: A Comprehensive Introduction. Washington: West View Press, 1989. Tucker, Judith (ed.). Arab Women: Old Boundaries, New Frontiers. Bloomington: Indiana University Press, 1993. Welchman, Lynn & Sara Hossain (eds). Honour: Crimes, Paradigms and Violence against Women. New York: Zed Books, 2005. Macmillan Press, 1989. Yuval-Davis, Nira & Floya Anthias (eds.). Women-Nation-State. London: Macmillan Press, 1989.