العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السياسات الاجتماعية في إيران: المكونات والمؤسسات الرئيسة

السياسات الاجتماعية في إيران: المكونات والمؤسسات الرئيسة

Social Policy in Iran: Main Components and Institutions.

حميدة درزادة

الملخّص

باحثة، ومنسقة وحدة الدراسات الإيرانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Abstract

Researcher and Coordinator of the Iranian Studies Unit, Arab Center for Research and Policy Studies. Email:hamideh.dorzadeh@dohainstitute.org

الكلمات المفتاحية:
  • السياسات الاجتماعية
  • الثورة الإيرانية
  • الفقر
  • خدمات الرفاه الاجتماعي
  • التنمية
Keywords:
  • Social policies
  • Iranian revolution
  • Poverty
  • Social Welfare Services
  • Development

يقدم كتاب السياسات الاجتمعية في إيران: المكونات والمؤسسات الرئيسة، الذي كتبه باحثون وخبراء مقيمون في إيران، تحليلً معمقًا للمجالات الرئيسة للسياسة الاجتمعية وكذلك للمؤسسات الحيوية اللازمة لتوفير خدمات الرفاه وسياساته. ويستعرض السياسة الاجتمعية لإيران منذ ثورة عام 1979، إلا أنّ الأهمّ من ذلك أنّه يتتبّع الاستمرارية في السياسة الاجتمعية الإيرانية؛ إذ إنّ فترة ما قبل الثورة أساسية في فهم تطورات السياسة الاجتمعية ما بعد الثورة. ويتتبّع أيضًا التطور المؤسسي حتى سنوات إنشاء الدولة في عشرينيات القرن الماضي؛ أي الفترة التي أُنشئِت خلالها العديد من مؤسسات إيران الحديثة. يتكون الكتاب من مقدمة حول السياسات الاجتمعية في إيران، وثمانية فصول تناقش تطور مؤسسات الرعاية الاجتمعية، والسياسات الصحية ونظام الرعاية الصحي، والسياسات التعليمية، وصناديق التقاعد، وسياسات الإسكان الموجهة التي تستهدف الفئات المنخفضة الدخل، وتحديات التوظيف بوصفها معضلة متنامية، وأخيرًا يناقش الفقر وسياسات الاقتصاد الكلي. ويؤكد محرر الكتاب، بويا علاء الديني، الأستاذ المشارك في التنمية والسياسة الاجتمعية في جامعة طهران، في مقدمة الكتاب أنّ هذا الموضوع لم يستوفِ حقه من الدراسة رغم وجود بعض الدراسات التي تتناول السياسة الاجتمعية في إيران. يتناول الفصل الأول، الذي كتبه محرر الكتاب، التحديات الرئيسة للسياسة الاجتمعية في إيران، وبعض الرؤى التي تتناول السياسات الاجتمعية في الشرق الأوسط. ولهذا المنهج المقارن أهمية خاصة، وقد استُخدِم في فصول الكتاب الأخرى كذلك. يلاحظ الباحث أن بلدان المنطقة غالبًا ما انتفعت بعوائد النفط من خلال "مبادرات إعادة توزيع جمهيرية" لتحقيق غاية بناء الدولة وحفظ الشرعية. وهذا يعني أن توفير الخدمات الاجتمعية ومزاياها لم يكن من خلال نهج قائم على الحقوق؛ أي النهج الذي يعتدّ باستحقاق المواطنين لحمية الرفاه، ولكن من خلال بعض العطايا التي تُنح لهم من أجل مكاسب سياسية. والأهمّ من ذلك، فإنّ "خدمات الرفاه الاجتمعي تركز على الضعف الاقتصادي فقط، وتُوفَّر جزئيًا، لإنشائها على مفهوم الصدقة والإحسان، أو الريعية" (ص. 2). على سبيل المثال، يقول الباحث إنّ هذه الخدمات في البلدان العربية مقصورة على موظفي القطاع العام، أو هؤلاء الذين يُعدّون أعضاءً معوزين في المجتمع يفتقرون إلى ولاية الرجال. في إيران، وفّرت السياسات الاجتمعية في فترة ما قبل الثورة خططًا تأمينية لموظفي القطاع العام، مُقصيةً قطاعات أخرى. أما دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كم يرى علاء الديني، فهو يبُرز حقوق المواطنين في التعليم والإسكان والتوظيف والصحة والضمن الاجتمعي. واستخدمت مشروعات حكومية عديدة في الأيام الأولى من الثورة التأمين الاجتمعي وخطط الضمن، مستهدفة التنمية الريفية، ما نتج منه زيادة في الحصول على الخدمات الاجتمعية وتحسّن المؤشرات الاجتمعية في المناطق الريفية. ولهذا، في العقود الأربعة السابقة، ارتفع مؤشر التنمية البشرية في إيران، وهو ما يُظهر التحسينات في النظام الصحي، وزيادة معدلات الالتحاق والتعليم ومحو الأمية. ولكن تؤثر العقوبات الدولية المستمرة، والتضخم المرتفع، ومعدل الدخل المتناقص سلبيًا في رفاه الناس. ويضيف الباحث أن إيران عانت كذلك معدلَ نمو منخفضًا بسبب هذه الأحوال، أمّا جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) التي ضربت إيران في عام 2020، فيرى أنها من الأرجح أن تؤدي إلى اضمحلال أشدّ في اقتصاد البلد. والأهم من ذلك، فإنّ كلّ نمو في هذه الفترة انتفى نتيجة زيادة معدل النمو السكاني. وشهدت إيران زيادة سكانية من 36 مليون نسمة في عام 1979 إلى 53 مليون نسمة في عام 1989، ثم إلى 83 مليون في عام 2019، وتقطن غالبية السكان المناطق الحضرية (ص. 6). وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تدنّ

نصيب الفرد من إجملي الإنفاق على الشؤون الاجتمعية. وأشار الباحث إلى ملاحظة مهمة، وهي أنّ تنمية إيران وسياساتها الاجتمعية ليست متوافقة، وفي بعض الأحوال، تناقض بعضها بعضًا. ولذا، فإنّ "العجز في التوظيف والصناعة والنظام الضريبي، وإعادة توزيع الثروة، والسياسات الحضرية وسياسات الانتفاع بالأراضي تستمر في التأثير سلبيًا في الفرص وظروف الرخاء لعدد كبير من العوائل" (ص. 7). إن الرؤية العامة الشاملة للمنظمت والمؤسسات الحكومية والمصاحبة للحكومة التي يتركّب منها نظام السياسة الاجتمعية في إيران هي أحد المعالم المتفردة لهذا الكتاب. وفي الفصل الثاني، ينظر علاء الديني ورضا اميدي، الأستاذ المساعد في التنمية والسياسة الاجتمعية في جامعة طهران، في تطور مؤسسات الرفاه الاجتمعي وسياساته؛ إذ استطاعا تبسيط نظام الرفاه المعقد في إيران وشرحه، وهذا أكثر الجوانب المفيدة لهذا الفصل. واستعرضا عدة مبادرات رفاه اجتمعية، ومؤسسات وسياسات وقوانين حكمت السياسة الاجتمعية قبل ثورة عام 1979، ميشيرَين إلى أن المجال الذي تغطيه البرامج الاجتمعية كان مقصورًا أساسًا على موظفي الحكومة، وهو أمر ذو دلالة في تلك الفترة. وقد حدث الامتداد التدريجي للبرامج الاجتمعية والمبادرات نحو مناطق متعددة وجمعات اجتمعية مختلفة بسبب زيادة عوائد النفط التي نمّت الموارد المالية للحكومة وإنفاقها على الخدمات الاجتمعية. بعد إطاحة حكومة محمد مُصدّق (1953-1951)، أضحى لتوفير المزايا الاجتمعية دوافع سياسية، بسبب حاجة الملَكية إلى الشرعية. ولذا، فإنّ السنوات التي سبقت ثورة 1979 شهدت تحولً صناعيًّا كبيرًا، وتوسعًا نسبيًّا للبرامج الاجتمعية وخدمات الرفاه، وتنمية المؤسسات الملائمة، والسياسات، وخطط التنمية التي تركز على تحسين رخاء السكان. يصف الباحثان على نحو تفصيلي سياسات تطور الرفاه في إيران ما بعد الثورة، والمبادرات المتنوعة ووظائف المنظمت التي تؤثر بقوة في السياسة الاجتمعية ورفاه المواطن. فقد أُنشئت منظمت جديدة موازية للحكومة، وبحسبهم، فإنّ "توسع أنشطتها لم يُنظر إليه على أنه اعتداء على دور الحكومة" (ص. 24)، إذ دُمجت بعض هذه المنظمت مع المنظمت الحكومية أو حُوّلت إلى أشكال رسمية. وفي حين ذكرا التداخلات بين أنشطة الرفاه للمنظمت الموازية للحكومة والمنظمت الحكومية (وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتمعي) وثنائية مؤسسات الرفاه الاجتمعي، فإن مزيدًا من الشرح عن كيف يتفاعل هذان النوعان من المنظمت كان سيضيف ثراءً لهذا الفصل. وناقشا كذلك الحرب العراقية - الإيرانية باختصار، إلا أنّه كان في إمكانهم الاستفادة من تحليل شامل لتأثير الحرب في نظام الرفاه وتطور المؤسسات خلال الحرب وبعدها، ودور المؤسسات في تنوعها واستجابتها. ولكن تأثير الحرب في اقتصاد إيران ونتائجها على الصحة والتعليم والإسكان نوقش في الفصول الخاصّة به. يدرس علي حسن زاده، عضو مجلس مديري منظمة التأمين الصحي الإيرانية، في الفصل الثالث نظام الرعاية الصحية الإيراني، ويعتمد مقاربة توصيفية ويوفر عرضًا تفصيليًّا ذا أبعاد تحليلية لما تواجهه السياسة الصحية في إيران من تحديات وما تحققه من إنجازات في حقبة ما بعد الثورة، وينظر كذلك باختصار شديد في حقبة ما بعد الثورة. وفي حين كان نيل الرعاية الصحية الأولية محدودًا في المناطق الريفية في السنوات التي سبقت الثورة، فإنّ حكومة ما بعد الثورة، كم يبيّ الباحث، اتخذت تدابير مهمة لتحسين مؤشرات الصحة السكانية وتحسين الوصول إلى نظام الرعاية الصحية، خاصة في المناطق الريفية. وشهدت إيران تحسينات في معدل العمر المتوقع، ومعدل الوفيات قبل عمر الخامسة، ومعدل وفيات الأمهات، والتثقيف الصحي، وتطعيم

الأطفال، والتأمين الصحي، وزادت مشاركة الصحة في إجملي الناتج المحلي. ولكن لا تزال الدولة تعاني التفاوت في نيل الخدمات الصحية، وارتفاع التكلفة، وكذلك ضآلة التمويل. ومن مزايا هذا الفصل أنّه يلخص السياسات والمبادرات الصحية للحكومات الإيرانية المختلفة على مدى الأربعين سنة الماضية. ومن هذه المبادرات: تأسيس نموذج رعاية صحية أولي، وتأسيس وزارة الصحة والتعليم الطبي (1988–1979)، وتوسيع تغطية التأمين الصحي ليشمل الفئات الضعيفة تحت بند التأمين الصحي العالمي أثناء الحرب العراقية - الإيرانية وتحت حكم أكبر هاشمي رفسنجاني (1997–1989)، وإنشاء وزارة جديدة للرفاه والتأمين الاجتمعي تحت حكم محمد خاتمي (2005–1997)، وتبنّي خطة تحول النظام الصحي تحت حكم حسن روحاني (2021–2013). كم يناقش نقص المبادرات المتعلقة بالصحة تحت حكم محمود أحمدي نجاد (2013–2005). وفي حين تشرف وزارة الصحة والتعليم الطبي على نظام الصحة الإيراني، يميّز حسن زاده مؤسسات أخرى، مباشرة أو غير مباشرة، تؤثر في القطاع الصحي. ويحلل تأثير العقوبات في إيران، ويرى أن لها عواقب سلبية على قطاع الصحة في إيران. وشملت التحديات للقطاع الصحي ضعف الموارد المالية نتيجة تقليص عائدات الحكومة من النفط، وزيادة التكاليف، والاستيراد المحدود للأدوية والإمدادات الطبية بسبب القيود على البنوك. وعلى الرغم من أن الفصل غني بالتوصيفات والتحليل وتبسيط البنية المؤسسية المعقدة للنظام الصحي، فإنّ التكرارات تكثر فيه، كم أن بنيته غامضة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، كان من الممكن دمج القسم الخاص بالمبادرات الإصلاحية في النظام الصحي في القسم الأول من الفصل الذي يناقش هذه المبادرات تحت إدارات متعددة. وفي الفصل الرابع، ينظر اميدي وعلاء الديني في سياسة التعليم الإيرانية بعد الثورة؛ إذ يتحدّثان عن تطور النظام التعليمي الحديث بدءًا من تأسيس المدارس ووزارة التعليم في عهد رئيس الوزراء أمير كبير في منتصف القرن التاسع عشر وحتى مَركَزة النظام التعليمي، والتحسينات في قطاع التعليم والمؤشرات الخاصّة به أثناء عهد رضا بهلوي (1941-1925) وابنه محمد رضا بهلوي (1979-1941). ويبيّ الباحثان أن حصول الإناث على التعليم والفرص التعليمية أخذ في التحسن أثناء حكم عائلة بهلوي، ولكن هناك ثغرات مناطقية وجندرية من حيث معدلات الالتحاق والحصول على التعليم ومحو الأمية. أما في عهد الجمهورية الإيرانية منذ عام 1979، فيؤكد الدستور على دور الحكومة في توفير التعليم الحكومي، واستخدام النظام التعليمي في الترويج للإسلام وأيديولوجية الثورة. وبحسب الباحثيَن، فإن المؤسسات المسؤولة عن صناعة السياسة التعليمية هي وزارة التعليم، والمجلس الأعلى للتعليم، والمجلس الأعلى للثورة الثقافية. وعلى الرغم من أن الباحثيَن يشيران إلى أنّ سياسات هذه المؤسسات ليست في حال توافق دائمًا، فإنهم لا يوفران توضيحًا لمهذه التناقضات في السياسات، وما نقاط الاختلاف. أمّا واجبات هؤلاء الفاعلين ومسؤولياتهم، فإنها شُحت باستفاضة في الفصل. وأشار الباحثان أيضًا إلى أن نسبة إنفاق الحكومة على التعليم من إجملي الناتج المحلّ منخفضة (أقل من 4 في المئة في عام 2018)، ولكن الإنفاق على التعليم العالي مرتفع، وهو ما يشير إلى أن أولوية الدولة هي التعليم العالي أكثر من تعليم رياض الأطفال والتعليم الابتدائي والتعليم الثانوي. ويشيران أيضًا إلى أن إنفاق الحكومة أقل من المعدلات العالمية، ومن الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، ومن الدول المتقدمة. وعلى الرغم من هذا، فإنه يوجد تحسّن في الشهادات المعتمدة للمعلمين، ونسبة التلاميذ إلى المعلم، والالتحاق، ومعدلات محو الأمية، وعلى الأخص الإناث. ولكن لا يزال النظام التعليمي الإيراني يعاني تضارب المصالح،

والخصخصة، وقصور البنية التحتية للتعليم، والتفاوت، وزيادة فقر التعليم في مناطق معيّنة (مثل سيستان وبلوشستان). وقد بّ الباحثان أنّ إيران تحتاج إلى تحس جودة التعليم بناءً ع نتائج الاختبارات الدولية مثل اختبار "تيمز" (اتجاهات في الدراسة الدولية للعلوم والرياضيات TIMSS Study, Science and Mathematics International in Trends)، وبيرلز (التقدم في الدراسة). وقد أتاح الباحثانProgress in International Reading Literacy Study, PIRLS الدولية للقراءة جدولً يوجز أنواع المدارس في إيران التي تشمل السنة التأسيسية، والمنظمة المؤسسة، والمجموعة المستهدفة، والمنهج، ومصدر التمويل (عام و/ أو رسوم دراسية). في الفصل الخامس، يحلل حسام نيكبور، مدير الإحصاءات والبيانات والحسابات في منظمة التأمين الاجتمعي، ونرجس أكبربور روشن، الأستاذ المساعد في مؤسسة الدراسات الثقافية والإنسانية، صناديق التقاعد بناء على التغطية، وكفاية المزايا، والاستدامة، والبنية. فلدى إيران 18 صندوق تقاعد تقريبًا، جلُّها ينقصها الموارد المالية الكبيرة. ومن التحديات الكبرى التي تواجه صناديق التقاعد بحسب الباحثيَن: تحولات سوق العمل (مثل معدّل المشاركة المنخفض، ومعدل بطالة عالٍ ينتج منه معاش تأميني منخفض)، وأحوال البلد الاقتصادية، والعوامل الوسيطة (سن التقاعد، والتقاعد الرسمي، ومقايسة المعاش indexation Pension)، وأوجه القصور في بنية إدارة صناديق التقاعد، وممرسات إدارة الأصول، والدَّين الحكومي العالي للمشروعات. ويقترح الباحثان خيارات إصلاحية على المدى القصير والمتوسط والطويل، للتعامل مع قضايا الاستدامة المتعلقة بصناديق المعاش الإيرانية، مثل المسائل العملية (تغيير أهداف صناديق المعاش)، وتلك المتصلة بالخصائص مثل: تغييرات في شروط المعاشات التقاعدية، تشمل سن التقاعد، وصيغة المعاش، ومقايسة المعاشات التقاعدية، فضلً عن أهمية الإصلاحات البنيوية. وفي الفصل السادس، يبحث علاء الديني وفردان يزداني، الباحث والمستشار في اقتصاديات العمران، في سياسات الإسكان في المناطق الحضرية ويستكشفان التغيرات في سياسات إيران للإسكان في فترة ما بعد الثورة، ويناقشان مبادرات الدولة للإسكان التي تستهدف القطاعات السكانية ذات الدخل المنخفض، ونتائجها. وأوضحا أنه بالنظر إلى المبادرات الإسكانية أثناء فترة ما بعد الثورة، فقد طورت السلطات مؤسسات جديدة وتبنّت تشريعات لتوفير إسكان للفئات الضعيفة من خلال التوفير المباشر للأراضي، وتنظيم أسعار الاستئجار، وفرض القيود على امتلاك الأراضي. ولكن هذه التدابير نتج منها تخصيص متفاوت للأراضي وزيادة في الهجرة من الريف إلى المدينة. ويبيّ الباحثان أن خطط التنمية عالجت التحديات السكانية في إيران، واقتُحت مبادرات على مرّ السنين، وأشارا إلى أن خطة التنمية الرابعة (2009-2005) التي أعدت في نهاية إدارة خاتمي، دعت إلى البدء في خطة الإسكان الشامل، وهدفت إلى "دمج إعانات إسكانية متعددة مع إعانات أخرى تستهدف المجموعات المنخفضة الدخل المنضوية في إطار سياسة اجتمعية موحدة مع مكون إسكاني كبير، وإصلاح التخطيط المكاني، وبنية إدارة الأراضي لتصبح شاملة للعوائل ذات الدخل المنخفض، وعلاج التمييز ضد العوائل ذات

الدخل المنخفض في التمويل الإسكاني، وإلغاء مركزية مبادرات الإسكان لذوي الدخل المنخفض" (ص. 145) وأضاف الباحثان أن إدارة أحمدي نجاد بادرت بخطة مهر للإسكان، استهدفت توفير وحدات إسكانية للفئات ذات الدخل المنخفض، وسعت لتوفير الأرض، والمعونات، والإعفاءات الضريبية، والخصومات. وقد واجهت هذه الخطة عدة قضايا متعلقة بالتمويل والأهلية. ويفيدان أن ميزانية البرنامج المنخفضة ترتّب عليها عواقب تضخمية للفئات ذات الدخل المنخفض؛ حيث زادت تكلفة الوحدات السكنية، ما أثّر في مدى القدرة الشرائية. وتقع العديد من الوحدات السكنية في أماكن بعيدة تنقصها البنية التحتية والخدمات. وعلى الرغم من بعض الإنجازات لمختلف مبادرات القطاع الحكومي والمؤسسات الموازية للحكومة، فإنّ معدلات امتلاك السكان والقدرة الشرائية للإسكان في إيران انخفضت. يشرح بهروز هادي زنوز، الأستاذ المتقاعد في كلية العلامة الطباطبائي للاقتصاد، في الفصل السابع التحديات الكبرى التي تواجه سوق العمل في إيران، وردّ فعل الحكومة على هذه التحديات في فترة ما بعد الثورة، مقدّمًا لذلك بمناقشة نظرية مختصرة عن البطالة والتوظيف. ويعتقد الباحث أن صعوبات سوق العمل في إيران متعلقة بنمو السكان في الدولة والنمو الاقتصادي المنخفض، مشيرًا إلى أن إيران شهدت معدلات بطالة عالية ومعدلات مشاركة منخفضة وعلى الأخصّ بين النساء. وبحسبه، فإنّ معدل مشاركة القوة العاملة للإناث في عام 2018 كان 16.1 في المئة، وهو أقل من المعدّل في البلدان الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا التي تماثل إيران في دخل الفرد. وتجدر الإشارة إلى أن توثيق عمل النساء في الإحصاءات الرسمية قد لا يكون مكتملً، حيث إنّ الوظائف الجزئية أو غير الرسمية غير مضمّنة في هذه الإحصاءات. وعمومًا، ترتبط المشاركة المنخفضة للقوة العاملة للنساء بقلة فرص العمل، والقيود القانونية، وثغرات الأجور. يختتم الباحث الفصل بتوصيات لسياسات تعالج تحديات التوظيف، ويزعم بحق أنّ هذه التحديات لا يمكن حلّها بسياسات التوظيف وحدها، ويرى أن بعض هذه السياسات تتعلق بإصلاح بنية الحكم، ومؤسسات سوق العمل وسياساته، وقطاع البنوك، وكذلك إزالة الحواجز القانونية للأعمل التجارية الافتراضية، ووضع تغييرات في السياسة الخارجية لإيران موضع التنفيذ. ويمكن القول إن دراسة مشاركة القوة العاملة للنساء في المناطق الريفية وفي المحافظات من الممكن أن تكون إضافة جيدة في هذا الفصل، فضلً عن أن الباحث لم يعالج على نحو وافٍ الإشارة إلى العبء المزدوج للنساء، وظروف العمل، وضعف استجابة الحكومة لمواجهة التحديات التي تواجه النساء في سوق العمل. وفي الفصل الأخير من الكتاب، يبحث داود سوري، مستشار السياسة الاقتصادية في إيران، توجهات الفقر أثناء الفترة 2015-2005، وسياسات الاقتصاد الكلي للجمهورية الإسلامية. ويعتمد هذا الفصل على التحليل الكمي أكثر من الفصول الأخرى. يستهلّ الباحث الفصل بمناقشة عن قياسات الفقر وطريقته في حساب نسبة الفقر باستخدام بيانات من استطلاعات نفقات وإيرادات إيران. وقد أظهر أن هناك عددًا متناميًا من العوائل الفقيرة ذات الأمان الاقتصادي المنخفض. وفي حين أن العلاقة الإيجابية بين التوظيف والفقر متوقعة، يجد الباحث أنّ معظم رعاة البيوت الفقيرة موظفون. ولكن، بالنظر إلى وظائفهم، يشير إلى أن معظمهم يعملون في وظائف متدنية الأجر ومحدودة المهارة في القطاع الخاص، وهذا بسبب "نقص الوظائف الثابتة، والطابع

الموسمي لبعض الوظائف، والإنتاجية المتدنية، والقيمة المتدنية للمنتجات أو الخدمات، وعدم التوافق بين الوظيفة ومهارات الموظف" (ص. 210). ويتوسع الباحث في دراسة التأثير القوي للسياسات الاقتصادية الكلية في الفقر من خلال نهج النمذجة المصغر. وحيث إنّ النمو الاقتصادي يؤثر في الفقر، مثل توصيات زنوز في الفصل السابع، يذكر سوري هنا أنّه لكي نصل إلى استقرار اقتصادي في إيران، فإنّ هذا يقتضي تحسين العلاقات الخارجية، وبنية حكومية أفضل. إجملً، يقدّم الكتاب قراءة معمقة ويُعدّ إضافة مهمة للأدبيات حول السياسة الاجتمعية لإيران. وتحتوي الفصول على بيانات متنوعة وأصلية، وتقارير (من مصادر إيرانية ودولية) تتعامل مع المكونات المتنوعة للسياسة الاجتمعية في إيران. ولا يتغافل الكتاب عن التأثير القوي لمشكلات إيران السياسية والاقتصادية والمؤسسية في رفاه السكان والأمن والسياسة الاجتمعية. ويوفر الكتاب كذلك مقارنات جيدة بين إيران والدول الأخرى في الشرق الأوسط، حيث إنّ بعض التوجهات والتحديات التي تواجهها الدولة مشابهة لتلك التي في المنطقة. كم أن الرؤى التي قدّمها الكتاب عن التغيرات في السياسات الاجتمعية لإيران، قبل ثورة 1979 وبعدها، مهمة، لأنّ هذه السياسات ناتجة من التطورات في كلتا الفترتين. وعلى الرغم من أن الكتاب يذكر القيود القانونية التي تعانيها النساء عمومًا، فإن ثمة حاجة إلى البحث في قانون الأحوال الشخصية ودمجه في النقاش حول ديناميات السياسة الاجتمعية. فضلً عن إلقاء نظرة على الحراك العام والمبادرات، ودراسة دور المجتمع المدني والمنظمت غير الحكومية، والمؤسسات غير العامة والمنظمت الأخرى في معالجة تحديات السياسة الاجتمعية. وهو ما يمكن معالجته في طبعات قادمة للكتاب. ويمكن أن تتوسع الدراسات في هذا الموضوع من خلال تحليل تأثير جائحة كوفيد 19- في رفاه السكان في المناطق الريفية والحضرية، وكذلك دراسة مبادرات الحكومة الاجتمعية أثناء هذه الفترة التي تهدف إلى دعم الفئات الضعيفة.

المراجع

Moghadam, Valentine M. Women, Work, and Economic Reform in the Middle East and

Reference

North Africa. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1998.