العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النظم السياسية وحكم القانون: استقلال القضاء من منظور مقارن

النظم السياسية وحكم القانون: استقلال القضاء من منظور مقارن

Regimes and the Rule of Law: Judicial Independence in Comparative Perspective

غريتشن هيلمكه

فرانسيس روزنبلوت

الملخّص

حيث يكون دعم الحقوق الفردية منتشرًا نوعًا ما.

ملخص: من الشائع أنّ الاستقلال القضائي وحكم القانون سمتان أساسيّتان للديمقراطية المعاصرة. سوف نبحث هذه المقولة، استنادًا إلى الأدبيات المقارنة المتزايدة عن المحاكم، بالتركيز على سؤالين محوريين: كيف يؤثّر نمط النظام السياسي في استقلال القضاء؟ هل المحاكم المستقلة ضرورية دومًا لتأسيس حكم القانون؟ ومن خلال إلقاء الضوء على دور التجزّؤ المؤسّسي والرأي العام، سوف نوضح ما يجعل النظم الديمقراطية أقرب من النظم الدكتاتورية إلى إقامة المحاكم المستقلة وحكم القانون. كم أننا نأخذ في الاعتبار أيضًا معضلة عدم الاستقرار المؤسّسي التي تسم المحاكم في العديد من البلدان النامية، ونشير إلى عدد من الأسباب التي يمكن أن تحول دون أن تكون الديمقراطية فعّالة على الدوام في قيام أيّ منهم. ونُبيّ، أخيرًا، أن المحاكم المستقلّة ليست ضرورية دومًا لحكم القانون، ولا سيم

Abstract

Abstract: According to popular wisdom, judicial independence and the rule of law are essential features of modern democracy. Drawing on the growing comparative literature on courts, we unpack this claim by focusing on two broad questions: How does the type of political regime affect judicial independence? Are independent courts, in fact, always essential for establishing the rule of law? In highlighting the role of institutional fragmentation and public opinion, we explain why democracies are in- deed more likely than dictatorships to produce both independent courts and the rule of law. Yet, by also considering the puzzle of institutional instability that marks courts in much of the developing world, we iden- tify several reasons why democracy may not always prove sufficient for constructing either. Finally, we argue that independent courts are not always necessary for the rule of law, particularly where support for in- dividual rights is relatively widespread.

الكلمات المفتاحية:
  • الديمقراطية
  • الدكتاتورية
  • المحاكم
  • فصل السلطات
Keywords:
  • Democracy
  • Dictatorship
  • Courts
  • Separation of Powers

مدخل

تبيّ قراءة الصحف الرائجة أنّ دور السلطة القضائية Power Judicial في تصاعد. ففي العقود الأخيرة، نقل الإصلاح الدستوري السلطةَ في أكثر من 80 بلدًا من المؤسّسات التمثيلية إلى المحاكم، وذلك من خلال مواثيق للحقوق والمراجعة القضائية Judicial Review1. وبعد الحرب العالمية الثانية، كان الكثير من النظم الديمقراطية القديمة في أوروبا، تلك النظم التي لطالما اعتنقت مبدأ "السيادة التشريعية" Sovereignty Legislative، قد ردّ على الفاشية بتأسيس محاكم دستورية. أمّا مؤخرًا، فدفع المجتمع الدولي إلى إقامة محاكم مستقلة قوية في إطار جهد أوسع لترسيخ حكم القانون في النظم الديمقراطية الناشئة التي تعاني مصاعب. ويستخدم البنك الدولي اليوم قدراته المالية لتسهيل الإصلاح القضائي في البلدان النامية، مستشهدًا بإحصاءات تربط بين حكم القانون والنموّ الاقتصادي2. وعزز انتقال دول ما بعد الاستعمر والاتحاد السوفياتي السابق إلى الديمقراطية، قدرةَ المحاكم على إخضاع أفرع الحكومة السياسية للرقابة الدستورية، سواء بعون من البنك الدولي أم من دونه3. تتّسم عبارة "الدستورية الديمقراطية" Constitutionalism Democratic بإيحاء مُطمئِ، وذلك بسبب ما تشير إليه من قدرة المحاكم المستقلة على أن تُكّن الديمقراطية من العمل السليم لفرض القوانين التي تُقرّها الأغلبيات التشريعية، ومنع هذه الأغلبيات في الوقت ذاته من انتهاك حقوق الأفراد والأقليات4. لكنّ الفكرة التي مفادها أن المحاكم المستقلة لا بد من أن تقوم بدور الحارس هذا، أو أنها يمكن أن تقوم به، ليست بالوضوح الذي تبدو عليه. وكم أوضح دال5، فإنّ إيكال مهمة مناهضة للأكثرية، مثل حمية الأقليات، إلى هيئات غير منتخبة، مثل المحاكم، يبقى أمرًا في حاجة إلى قدر كبير من التفاؤل. فليس من الواضح، من جهة، ما الذي يدفع سلطة قضائية مُحصّنة إزاء المساءلة السياسية إلى أن تحمي الحقوق، وما الأقليات والحقوق التي ستحميها تلك السلطة. ومن جهة أخرى، فإنّ قيام القضاة بهذا الدور الحمئي، إذا كان بدافع من المساءلة السياسية، يجعل ما تُضيفه السلطة القضائية إلى حكم الأغلبية أمرًا غير واضح بدوره. منذ بروتوس6 وصاعدًا، ركّز نقّاد استقلال القضاء على الأمر الأول، أي على ما دُعي بالعقبة المناهضة للأكثرية Counter-majoritarian التي تضعها المحاكم غير المنتخبة أمام نظامٍ ديمقراطي7. كان ردّ دال الشهير

  1. R. Hirschl, "Resituating the Judicialization of Politics: Bush v. Gore as a Global Trend," The Canadian Journal of Law and Jurisprudence , vol. 15, no. 2 (2002), pp.191-218.
  2. R. Hirschl, "Repositioning the Judicialization of Politics: Bush v. Gore as a Global Trend," Canadian Journal of Law and Jurisprudence , vol. 15, no. 2 (2002), pp. 191-218; D. Horowitz, "Constitutional Courts: A Primer for Decision Makers," Journal of Democracy , vol. 17, no. 4 (October 2006), pp. 125-137.
  3. R. Dahl, "The Concept of Power," Behavioral Science , vol. 2, no. 3 (1957), pp. 201-215.
  4. ماركوس جونيوس بروتوسBrutus Junius Marcus، سياسي روماني، ولد نحو عام 85 ق. م، اشتهر باشتراكه في اغتيال يوليوس قيصر. وعادة ما يرمز إليه في الأدبيات الغربية بأنه شخص فضّل مناهضة الاستبداد على مصلحته الشخصية، وضحّى بحياته في سبيل ذلك. [المحرر.]
  5. تتعلق هذه المشكلة بقدرة السلطة القضائية على إبطال القوانين التي تعكس إرادة الأغلبية أو نقضها. [المحرر].
  6. Alexander M. Bickel, The Least Dangerous Branch: The Supreme Court at the Bar of Politics (New Haven, CT: Yale University Press, 1986). حكم القانون استق ل القضاء الد قراطية

على هؤلاء النقّاد: "لا تقلقوا". فمن وجهة نظره، ينبغي للمحاكم ألّ تحلّ محلّ الممثّلين المنتخبين في تقرير مسائل حيوية سياسيًا، مثل مسألة الحقوق التي يجب حميتها والمعنيين بها. وبالنسبة إلى دال، فإنّ دفاع لوك8 عن حكم الأغلبية، على أساس أنه النظام الذي يُرجَّح أن يضطهد أقلّ قدر ممكن من البشر، يفوق قلق ماديسون9 من احتمل أن تطغى الأغلبية على الأقلية. لكنّ دال يرى أن النظم الديمقراطية لوكيّة Lockean بطبيعتها10، حتى حين تُعلن التزامها المفترض بالمراجعة القضائية، وذلك لأن التعيين السياسي للقضاة يضمن أن لا تبتعد السلطة القضائية عن توجّهات الأغلبية وأيديولوجياتها. ويرى دال أنّ الكلام عن أخطار المحاكم المنفلتة في ديمقراطيةٍ سليمة، غالبًا ما يكون مبالغًا فيه. في هذه الدراسة، يشكّل الجدال الكلاسيكي حول مناهضة الأغلبية خلفية ضمنية لتناولنا كيفية تأثير نظام الحكم في الاستقلال القضائي، وإذا ما كان استقلال القضاء ضروريًا بالفعل لإقامة سيادة القانون. وكي نُحفّز تحليلنا، نبدأ بمجموعة من العلاقات البسيطة التي يُبيّنها الشكل (1)، حيث تفضي الديمقراطية دومًا إلى استقلال القضاء، ويفضي الاستقلال القضائي تلقائيًا إلى سيادة القانون12.

الشكل (1) السلسلة السببية التقليدية

  1. جون لوكLocke John فيلسوف إنكليزي، ولد في عام، 1632، أكد أهمية حكم الأغلبية، ودور القبول الشعبي في العملية السياسية. المحرر.][
  2. جيمس ماديسونMadison James، أحد الآباء المؤسسين والرئيس الرابع للولايات المتحدة، ولد في عام 1751، وتركز أفكاره السياسية على ضمان حقوق الأقليات في ظل النظم الديمقراطية. [المحرر.] 11 أي هذه النظم التي تُعلي من دور الأغلبية السياسية في عملية صنع القرار. [المحرر].
  3. يبقى مفهوما الاستقلال القضائي وسيادة القانون محلَّ نزاعٍ وتداخل إلى حدّ بعيد. وثمة في غير مكان مراجعة للمناظرات المفهومية المتعددة وإجراءات استقلال القضاء وسيادة القانون، ينظر: Christopher M. Larkins, "Judicial Independence and Democratization: A Theoretical and Conceptual Analysis," American Journal of Comparative Law , vol. 44, no. 4 (1996), pp. 605-626; S. B. Burbank & B. Friedman (eds.), Judicial Independence at the Crossroads: An Interdisciplinary Approach (Thousand Oaks, CA: Sage, 2002); J. Ríos-Figueroa, "Judicial Independence: Definition, Measurement, and its Effects on Corruption," PhD. Thesis, Departement of Politics, New York University, New York, 2006; Julio Ríos-Figueroa & Jeffirey K. Staton, "Unpacking the Rule of Law: A Review of Judicial Independence Measures," Comm. Concepts and Methods Work , Paper Series, CIDE, Mexico City (2008); Haggard et al., pp. 205-234.

إذا كان هذا الشكل، مهم يكن مبسط ا، هو المقولة الضمنية لصنّاع السياسة وخبرائها هذه الأيام، فإنه يطرح أسئلة عن الآليات السببية التي تربط الديمقراطية بالاستقلال القضائي، والشروط التي تعتمد فيها سيادة القانون على الاستقلال القضائي، والعلاقات السببية التي يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس. يكفي أن نُلقي نظرة خاطفة على الأدبيات العلمية التي تتناول المحاكم كي نكتشف كلً من حدود هذه الصيغة الأساسية وقوتها. لنأخذ الصلة بين الديمقراطية واستقلال القضاء. تطرح سردية دال عن تبعيّة القضاء، كم رأينا، أحد أوضح التحدّيات التي يواجهها افتراض أنّ الديمقراطية تؤدّي بالضرورة إلى استقلال القضاء. وتُبيّ الأبحاث الحديثة أن قدرة الحكومة على إخضاع السلطة القضائية لإرادتها لا تتوقف على السلطة المعيَّنة وحدها، بل أيضًا على متغيرات أخرى، مثل قدرة الأفرع السياسية على التوافق في ما بينها على كيفية ردع الأحكام القضائية أو تعديلها. ومن ذلك أنّ فاعلً سياسيًا مُقيّدًا لا يطرح كبير خطر على نظامٍ قضائي متمسك باستقلاله13. وحين يعتمد بقاء الحكومة على الرأي العام، فإنها تخاطر بردود انتقامية مدمرة إذا ما أقدمَت على قرارات قاسية تجاه الحقوق القضائية ذات التأييد الواسع، لكن العكس غير صحيح14. يبقى استقلال القضاء في النظم الديمقراطية أشدّ تقلّبًا بكثير مم تقترحه هذه الصيغة الأولية. ويتوقّف، تحديدًا، على قدرة الأفرع السياسية على أن تتكاتف ضد المحاكم، وعلى جزائها الانتخابي المتوقّع إذا ما أقدمت على ذلك. والحكومات المجزّأة مؤسّسيًا أقلّ قدرةً على كبح المحاكم المستقلّة، لكن حتّى الحكومات الموحّدة قد تواجه جمهورًا من الناخبين يُفضّل الحياد القانوني تفضيلً شديدًا. تشير هذه الأبعاد الأساسية للتجزئة السياسية والهشاشة الانتخابية إلى أنه ليس من المرجّح أن تحقّق المحاكم استقلالً ذا معنى في نظام ديمقراطي إلّ في شروط معيّنة، لكنها توفّر أيضًا إشارات مهمّة حول ما يجعل تحقيق استقلال القضاء أمرًا عسيرًا في النظم غير الديمقراطية. فعلى الرغم من أنّ النظم التسلّطية قد تمتلك الدوافع لتعزيز الاستثمر بضمنها حقوق الملكية، على سبيل المثال، فإنها من غير المحتمل أن تكون مستعدّة، أو قادرة، على أن تضمن استقلال القضاء في الأمور ذات الحساسية السياسية. وبقدر ما يحتكر النظام السلطة السياسية، يكون التزامه بحيادية القضاء وحمية الحقوق من أيّ نوع مشروطًا، وغير موثوق به. يتوقف ما إذا كان استقلال القضاء ضروريًا لسيادة القانون على طبيعة النظام أيضًا. ومن حيث المبدأ، وكم خشي ماديسون، فإنّه يمكن لهيئة تشريعية طليقة من دون رقابة أن تفرض طغيان الأغلبية حتى في نظام

  1. John Ferejohn & Barry R. Weingast, "A Positive Theory of Statutory Interpretation," International Review of Law and Economics , vol. 12, no. 2 (1992), pp. 263-279; Rafael Gely & Pablo T. Spiller, "A Rational Choice Theory of Supreme Court Statutory Decisions with Applications to the State Farm and Grove City Cases," The Journal of Law, Economics, & Organization , vol. 6, no. 2 (1990), pp. 263-300; Lee Epstein & Jack Knight, The Choices Justices Make (Washington, DC: Congr. Q. Press: 1998).
  2. ينظر على سبيل المثال: Jeffrey K. Staton, Going Public from the Bench: Strategic Communication and the Construction of Judicial Power (Unpublished Manuscript); Matthew C. Stephenson, "Court of Public Opinion: Government Accountability and Judicial Independence," The Journal of Law, Economics, & Organization , vol. 20, no. 2 (October 2004), pp. 379-399; George Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2005); Clifford James Carrubba, "A Model of Endogenous Development of Judicial Institutions in Federal and International Systems," The Journal of Politics , vol. 71, no. 1 (January 2009), pp. 55-69; Rios-Figueroa & Staton, "Unpacking the Rule of Law."

ديمقراطي. لكن في الممرسة، غالبًا ما تبدو المنافسة الانتخابية فعّالة تمامًا في منع الهيئات التشريعية من أن تتعامل بقسوة مع مصالح الأقليات، خوفًا من تنفير غالبية الناخبين. ففي النظم الديمقراطية، مثل المملكة المتحدة وهولندا الملتزمة التزامًا بيّنًا بتفوّق الهيئة التشريعية، حافظت حكومات الأغلبية، على الرغم من ذلك على التزامها بسيادة القانون في غياب سلطات قضائية قوية تحرسه. وعلى هذا الأساس، فإنّ المساءلة الديمقراطية وحدها، حتى من دون استقلال القضاء، يمكنها أن تكون شرطًا وافيًا لحمية حقوق الأقليات في مجتمعات تُقدّر تلك الحقوق حق قدرها. حين نبُرز دور المنافسة الانتخابية والرأي العام في النظم الديمقراطية، نتحدّى الفكرة التي مفادها أن حكم القانون يمثّل تمجيدًا للسلطة القضائية على حساب السياسة، في النظم الديمقراطية على الأقل. يقوم حكم القانون، أولً، على عجز الشخص أو القلّة عن السيطرة على الأكثرية. ويقوم، ثانيًا، على استعداد الأكثرية ضمن مجال لحقوق الجميع، عوضًا عن قصَر الحقوق على أفراد الأغلبية وحدهم15. يمكن التجزئة السياسية المؤسّسية، الناجمة عن فصل السلطات، أن تعزز استقلال القضاء، لكن هذا الأخير، بخلاف ما يشير إليه الكثير من الكتابات البحثية والرائجة، ليس ضروريًا، ولا كافيًا لبلوغ هذه الغايات. لكنّ دور استقلال القضاء في ما يتعلّق بحكم القانون في أنماط النظم الأخرى هو دور مختلف. فمن جهة أولى، يمكن أن توفر المحاكم، كم الدساتير، نقطة ارتكاز يستطيع المواطنون أن ينتظموا حولها لحمية حقوقهم16. ففي النظم الدكتاتورية والنظم الديمقراطية غير المستقرة، حيث قد لا توجد ثقافة المبادئ الديمقراطية، يمكن أن تؤمّن سلطة قضائية مستقلة ملتزمة بحمية الحقوق بديلً مهًّمًّ. لكن من المرجّح أن يكون استقلال القضاء هشًّا في هذه الظروف على وجه التحديد، لأسباب أشرنا إليها، وسوف نُفصّلها لاحقًا. وبناء عليه، حتى لو كان بعض الحكّام التسلّطيين يستخدمون القوانين للحكم، وهو ما يمكن أن نُسمّيه "الحكم بالقانون" Law by Rule (أو "حكم الإرادة")، فإنّ هذا ليس "حكم القانون Law of Rule"، على أي نحوٍ كان؛ إذ تتطلّب هذه الأخيرة غياب الاعتباطية، أو العسف، غيابًا كاملً. ولا يقوم حكم القانون إلّ حين لا يكون القانون أداة تسلّط بيد أي فاعل معيّ، بل يعمل بصفته معيارًا تعاقديًّا لجميع أفراد المجتمع. بعبارة أخرى، قد يكون عزل القضاء عن السياسة أكثر أهميّة في البلدان التي تكون فيها المنافسة الانتخابية خافتة بطريقة ما، لكنّ أحد الأركان الأساسية التي تدعم استقلال القضاء في مثل هذه البلدان – ألا وهو التجزئة المؤسّسية - يكون مفقودًا. وبالمثل، حين يكون المقصود بالمحاكم هو أن تعوّض بعض الشيء عن الافتقار إلى ثقافة حقوق شعبية ما، فإنّ مصدرًا محتملً آخر لتأمين القضاء – هو الدعم الشعبي للقضاة الذين يحمون حقوق الأقلّيات - يكون غائبًا أيضًا. ولا شكّ في أنّ هذا المنطق يفسّ الحقيقة الإمبريقية المتكررة التي مفادها أن حكم القانون، مقيسًا على عجز الحكومة عن التصرّف خارج القانون أو تغييره بطرائق انتهازية، عادة ما يكون في ظل الديمقراطية الراسخة17. كم يشدّد هذا المنطق

  1. يُفترض أن هذا بسبب الطبيعة متعدّدة الأبعاد والسلسة للسياسات الديمقراطية، ما يعطي أعضاء الأغلبية سببًا لأن يتوقّعوا أن يكونوا في الأقلية في خصوص بعض المسائل الآن أو مستقبلً.
  2. Barry R. Weingast, "Political Foundations of Democracy and the Rule of Law," The American Political Science Review , vol. 91, no. 2 (June 1997), pp. 245-263.
  3. ينظر على سبيل المثال: Matthew C, Stephenson,"'When the Devil Turns…'": The Political Foundations of Independent Judicial Review," The Journal of Legal Studies , vol. 32, no. 1 (January 2003), pp. 59-89.

على ما يجعل الإصلاحيين الطموحين يواجهون غالبًا مهمّة سيزيفيّة18 في إنشاء محاكم مستقلّة، حيث تعظم الحاجة إليها. سوف نُطوّر هذه المقولات من خلال الدراسة المقارنة المعمّقة لحقل السياسات القضائية Politics Judicial. وتكشف الأدبيات المتزايدة في هذا المجال الاستخدامات المختلفة التي يُستخدَم بها كلّ من المحاكم والقانون في الأنماط المختلفة من النظم، في شتّى المناطق، وعلى مرّ الزمن. ولأنّ استقلال القضاء، بالمعنى الأضيق لاستقلال المحاكم المؤسسّي، كان، ولا يزال، موضع تركيز الكمّ الأكبر من الأدبيات التي تتناول السياسات القضائية، فسوف نبدأ بمراجعة الدفوع المعيارية والأدلة الإيجابية لاستقلال القضاء. ومن ثم ننتقل في القسم التالي إلى الفكرة الأكبر، فكرة حكم القانون كحكم موضوعي، ونراجع بعض الأبحاث الإمبريقية حول الكيفية التي يعمل بها حكم القانون عبر طيف من النظم الديمقراطية القائمة. ونتفحّص بعد ذلك دور المحاكم في النظم الدكتاتورية، ونتأمّل قدرتها الضعيفة على تأسيس حكم القانون. ونركّز، أخيرًا، على السبب الذي عادةً ما يقف وراء فشل استقلال القضاء في النظم الديمقراطية الناشئة، ونقدّم فرضيّات حول أسباب وقوع المحاكم في "فِخاخ عدم الاستقرار".

استقلال القضاء

يصعب أن يرِد في الأذهان مفهوم يفوق مفهوم حكم القانون في ما يحظى به من تأييد واسع. يبدو أنّ ما من فرد في المجتمع إلّ ويكون أفضل ح لً في نظامٍ يقضي في الخلافات، بناءً على أُسسٍ متّفق عليها، بغض النظر عن السلطة السياسية أو المكانة الاجتمعية أو موارد الأفراد الاقتصادية. ويعمل حكم القانون على تجفيف منابع الصراع، ومن ثم على "ترويض الثورة" وتجنّب كوارث لا حصر لها، قد تنجم عن الحرب الأهلية من جهة، وعن القمع الشمولي من جهة أخرى19. وهو يحرر الأفراد والأقلّيات من تنمّر الأغلبيات المتبدّلة20. ويشجّع إنفاذ العقود الحيادي الاستثمر الاقتصادي الخاصّ، ويُقلّل من قيمة الدَّين الحكومي، ويدعم النمو الاقتصادي21. ويمكن، نظريًّا على الأقلّ، أن تتبنى البلدان التي لديها رقابة دستورية، مقاربة للتشريع أكثر تقبّلً للمخاطر؛ فهي غير مضطرّة إلى أن تعاني عواقب الأفكار الفاشلة، ما دامت المحاكم قادرة على أن تخمدها في أسرع وقت22. على الرغم من قبولها النظري، فإن القواعد التطبيقية لحكم القانون تبقى صعبة التحديد إمبريقيًا. فالمجتمعات لا تُحسن تأمين المنافع العامّة، وكم يلاحظ ستيفن هولمز، فإنّ القانون، بصفته من تلك المنافع العامّة، لا

  1. توصف المهمات الشاقة وغير المُجدية بأنها سيزيفيَّة، وذلك نسبة إلى سيزيف أو سيسيفوسSisyphos or Sisyphus‏، الذي كان إحدى أكثر الشخصيات مكرًا في الميثولوجيا الإغريقية، حيث خدع ثاناتوس إله الموت، فغضب زيوس كبير الآلهة، وعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل إلى القمة تدحرجت الصخرة إلى أسفل، فيعود إلى رفعها إلى القمة من جديد، ويظل هكذا إلى الأبد. (المحرر)
  2. B. Weingast, "Political Stability and the Civil War: Institutions, Commitment, and American Democracy," in: R. Bates, et al. (eds.), Analytical Narratives (Princeton: Princeton University Press, 1998), pp. 148-193; T. Ginsburg, "Constitutional Courts in New Democracies: Understanding Variation in East Asia," Global Jurist Advances , vol. 2, no. 1 (2002).
  3. Ronald Dworkin, "Sex, Death, and the Courts," The New York Review of Books , vol. 46, no. 13 (1996).
  4. Douglass North & Barry Weingast, "Constitutions and Commitment: The Evolution of Institutions Governing Public Choice in Seventeenth Century England," The Journal of Economic History , vol. 49, no. 4 (December 1989), pp. 803-832.
  5. R. Rogers, "Information and Judicial Review: A Signaling Game of Legislative-Judicial Interaction," A merican Journal of Political Science , vol. 45, no. 1 (January 2001), p. 53.

"يسقط على المجتمعات من سمء المعايير العليا"23. ولا بدّ لأي دراسة معقولة سياسيًا عن حكم القانون من أن تُفسّ سبب اضطرار الفاعلين المسيطرين سياسيًا إلى أن يحجموا عن الاستخدام الأداتي للسلطة، بما في ذلك الأدوات القانونية التي في إمكانها أن تُحسّن فرص بقائهم في السلطة. تعرض هذا التساؤل أدبيات كثيرة تقع عند نقطة تقاطع حقول القانون والسياسة والاقتصاد، وتركّز على سبب مباشر لغياب الاعتباطية، وهو الاستقلال المؤسسّي للنظام القضائي. وهنا ننظر في نمطين من التفسيرات المؤسّسية للاستقلال القضائي: الإرث التاريخي Legacy Historical، كم هي الحال في أنظمة القانون العرفي، والنمذج التفويضية غير التاريخية Models Delegative Ahistorical، التي يكون فيها لدى السياسيين أسبابٌ ليُقيّدوا أنفسهم إزاء سلطة قضائية مستقلة. ربّا كان الأكثر قبولً لامتلاك بعض البلدان سلطة قضائية مستقلة، هو ذاك الذي يركّز على الفارق بين بلدان القانون العرفي Law Common وبلدان القانون المدني Law Civil. توكل بلدان القانون العرفي،24وهي بلدان يصادف أنّها متأثرة بالتقاليد الإنكليزية على هذا النحو أو ذلك، إلى المحاكم مَهمَة تطوير متن القانون من خلال السوابق القضائية التي تكمّل التشريع وتُفسّه. فالقضاة يدرّبون على أن يتفكّروا، وعلى أن يستحدثوا، إذا ما تطلّب الأمر، ذلك النسيج الضام الذي يربط بين أجزاء التشريع. ويقابل قدرة قضاة القانون العرفي على تفسير القانون وخلقه تفويض قضاة القانون المدني بتنفيذ متون القانون القائمة وفرضها. ويبدو أنّ الاقتصاديين الذين يقدّمون المشورة للبنك الدولي، يفترضون أنّ استقلال القضاء هو استقلال أمتن في بلدان القانون العرفي، على أساس هذا الفارق البنيوي في طبيعة الممرسة القضائية25. ما يضّ التفسيرات من هذا القبيل هو أنّ حالة القانون العرفي مؤشّ سيّئ على المستويات الإمبريقية لاستقلال القضاء. وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة هي أم أنظمة القانون العرفي في العالم، فإنّ نشوء السيادة البرلمانية في أعقاب الثورة المجيدة28 في عام 1688 قد رسم حدود استقلال المحاكم البريطانية في الممرسة29. بل إنه قد أضحى في الإمكان أيضًا نقض الأحكام من خلال إصدار تشريعات جديدة. ومن ثم، فإن تفسير التباين بين محاكم الولايات المتحدة الأميركية النشيطة ومحاكم المملكة المتحدة الهامدة، يتطلّب تسبيبًا مختلفًا، ومم يضيف ظلالً من الشك الفوارق العديدة بين البلدان الآخذة بالقانون المدني في أوروبا. تفترض مجموعة ثانية من تفسيرات استقلال القضاء أنّ المشرّعين يتّخذون قرارًا واعيًا لتفويض السلطة القضائية للمحاكم، وهم بذلك يُقيمون حواجز مؤسّسية مقصودة تقف في وجه التدخّل السياسي في القرارات القضائية. وفي هذه النمذج، يمكن أن تُنشئ الهيئات التشريعية استقلال القضاء عن طريق مجموعة من القواعد التي يتطلب تقويضها أغلبية كبيرة rules of set Supermajority-protected، وتضمن ولاية

  1. 6 2  الثورة المجيدة Revolution Glorious أنهت نظرية الحكم الإلهي وأكدت أن التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان، ورسّخت سلطة البرلمان في التشريع، وفي مناقشة جميع القضايا بحرّية. [المحرر]
  2. Stephen Holmes, "Lineages of the Rule of Law," in: Jose Maria Maravall & Adam Przeworski (eds.), Democracy and the Rule of Law (New York: Cambridge University Press, 2003), pp. 19–61.
  3. Economics and the Rule of Law: Order in the Jungle".

قضائية مديدة ونطاقًا قضائيًا واسعًا واستقلالً بالميزانية وما شابه. وتوفّر النمذج التفويضية طيفًا واسعًا من الدوافع الممكنة لتقييد السياسيين لأنفسهم على هذا النحو. يشير لاندس وبوسنر30 إلى أنّ للهيئات التشريعية مصلحةً في تأسيس سلطة قضائية مستقلّة، يمكنها فرض الصفقات التي يعقدها المشرّعون، ما يرفع قيمة المساهمت في الحملات التي يمكن أن ينتزعها المشرعون من المساهمين الذين عقدوا تلك الصفقات لمصلحتهم. تحلّ السلطة القضائية مشكلة التناقض الزمني لدى السياسيين؛ بمعنى أنّ مصالحهم القصيرة الأمد للقيام بصفقات جديدة لمن يعرض الثمن الأعلى، تُخفّض السعر الذي يمكنهم الحصول عليه لقاء هذه الصفقات على المدى الطويل. ينكر هذا النموذج، إنكارًا لا يمكن قبوله، إمكان أن تكون المحاكم، مثلها في ذلك مثل البرلمانات، فاعلً استراتيجيًا؛ ذلك أنّ هذا المنطق ينهار، إنْ لم نستطع أن نضمن أن تحكم المحاكم بتأييد التشريع الذي يُسَنّ (بحسب فهمها له)، عوضًا عن تكهّن تفضيلات المشرّع الحالي. ويمكن القضاة عوضًا عن ذلك أن يحاولوا تحقيق أهداف أقرب ما يمكن إلى تفضيلاتهم الشخصية، من خلال الأخذ في الحسبان احتمل أن يكون للمشرّع الحالي إمكانية كتابة تشريعات جديدة في حال لم يكن راضيًا تمام الرضى عن قرارات محكمة من المحاكم. وإذا ما كان هذا صحيحًا، ولا نرى سببًا يحول دون أن يكون كذلك، فإنّ مصلحة المحكمة في إطالة أمد تطبيق التشريع، ومن ثمّ قدرة المشرّعين على الاستفادة منه، تتضرر كثيرًا. يشير تفسير تفويضي آخر لاستقلال القضاء إلى رغبة السياسيين في تفادي اللوم الناتج من إصدار قرارات في ما يتعلق بالسياسات غير الشعبية أو المكروهة. ويرى غرابر31 وسالزبرغر32 وهولمز33 وويتينغتون34، أن الأغلبية التشريعية قد ترغب في أن تفوّض المحكمة بالمسائل السياسية الخلافية، وهو التفسير نفسه الذي قدّمه فيورينا35، القائم على رغبة السياسيين في تفويض البيروقراطيين في ما يتعلق بالأمور التي قد تُكلّفهم خسارة الرأي العام. لكن، ليس من الواضح أن يقيد المشرّعون أنفسهم بهذه الطريقة، سواء بسبب مشكلة حجج التفويض التعاوني التي سبق أن ناقشناها، أم لأنه قد تكون للمحاكم التي تُفكر بطريقة استراتيجية سياسيًا، مصلحة في تفادي الحكم، بدلً من إثارة غضب الشعب [يفصح ستيفنسون36 عن نقد بديل لحجة تفادي اللوم]. ففي المجر، على سبيل المثال، تتحاشى المحاكم قصدًا مسائل كالإجهاض التي تعتبرها "مسائل سياسية"37. وتُبدي محاكم الولايات المتحدة أيضًا نزعة لأن تبقى متأخرة خطوةً أو اثنتين عن مشرّعي

  1. William M. Landes & Richard A. Posner, "The Independent Judiciary in an Interest-Group Perspective," The Journal of Law & Economics , vol. 18, no. 3 (Economic Analysis of Political Behavior: Universities-National Bureau Conference Series Number 29) (December 1975), pp. 875-901.
  2. Mark Graber, "The Nonmajoritarian Difficulty: Legislative Deference to the Judiciary," Studies in American Political Development , vol. 7 (Spring 1993), p.35-73.
  3. Eli M. Salzberger, "A Positive Analysis of the Doctrine of Separation of Powers, or: Why do we have an Independent Judiciary?" International Review of Law and Economics , vol. 13, no. 4 (December 1993), pp. 349-379.
  4. Steven A. Holmes, "Majority Rules; But, Will Whites Vote for a Black?" The New York Times , 16/6/1996, accessed on 21/5/2023, at: https://nyti.ms/3ViEHLg
  5. Keith Wittington, Constitutional Construction: Divided Powers and Constitutional Meaning (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999).
  6. Morris P. Fiorina, Retrospective Voting in American National Elections (New Haven, CT: Yale University Press, 1981).
  7. Istvan Pogany, "Constitutional Reform in Central and Eastern Europe: Hungary's Transition to Democracy," The International and Comparative Law Quarterly , vol. 42, no. 2 (April 1993), pp. 332-355.

الولايات والمشرّعين الفدراليين بشأن القضايا المثيرة للجدل، مثل الإجهاض وحقوق المثْليين. ويرى هارفي وفريدمان38 أنّ المحكمة العليا أكثر ميلً منهجيًا إلى رفض مراجعة القضايا التي يُحتمل أن تقف فيها السلطتان التشريعية والتنفيذية ضد المحكمة. وعلاوة على ذلك، فإنه يبقى متوقعًا أن تحمي المحاكم قدرتها على المناورة مستقبليًا ببقائها ضمن حدود الدعم الشعبي. ثمة تبرير تفويضي ثالث يتبنّاه مكّوبينز وشوارتز39؛ إذ يشيران إلى أنّ السلطة القضائية المستقلة يمكن أن تكون مفيدة للمشرّعين أداةً لمنع الهيئات التنفيذية من الانحراف عن القصد التشريعي. ويمكن الكونغرس، من دون أن يهدر موارد على مراقبة البيروقراطية، أن يكون على ثقة من أنّ الناخبين المستائين سوف يقاضون الهيئة المخالفة. لكن، يبقى تبرير مكّوبينز وشوارتز للمحاكم المستقلة ضعيفًا في النظم البرلمانية، حيث يكون تحفيز الأداء الإداري عادةً أكثر سهولة مم هو في النظم الرئاسية؛ نظرًا إلى القيادة السياسية الموحّدة. ففي اليابان ما بعد الحرب، على سبيل المثال، ارتأت حكومة الحزب الليبرالي الديمقراطي العريق أن تبقى المحاكم مقيّدةً، واستخدمت وسائل أخرى للسيطرة على البيروقراطية40. يشكّل الضمن السياسي لعدم الخضوع لأغلبية مستقبلية مناوئة مبررًا تفويضيًا رابعًا لرغبة الأغلبية التشريعية القائمة بتفويض بعض سلطتها إلى القضاء. فالحزب السياسي الذي يتوقع أن يغدو في موقع الأقلية، ويتوقّع في أفضل الحالات أن يتناوب الحكم مع حزب آخر، قد يرغب في أن يقفل الباب بصورة نهائية في وجه طغيان الأغلبية41، ويُاثل هذا الدفاع عن استقلال القضاء تبريرات الإصلاح الإداري44 واستقلال البنك المركزي46. على الرغم من أنّ خطّة الضمن هذه تبدو تفسيرًا معقولً لاختيار السياسيين إقامة قضاءٍ مستقل في المقام الأول، فإنّها، مثلها مثل غيرها من التبريرات التفويضية، لا تقوى على تفسير عدم قيام حكومة أغلبية، في حال حيازتها أغلبية تشريعية واسعة، بالنكوث عن هذا ما إن تعود إلى السلطة. وينطوي استعداد الأغلبيات الحاكمة للقبول بأفق زمني أطول على شيء في خصوص الأثمان المتوقعة لعدم الالتزام – وهي أثمان يُفترَض أن يفرضها الناخبون - شيء لا تأخذه هذه التفسيرات تمامًا في الاعتبار. يفتقر التركيز على القواعد المؤسّسية المعنية باستقلال المحاكم إلى بحث دوافع السياسيين إلى تجاهل تلك القواعد أو تغييرها حين لا تعود مناسبة، أو يفتقر، على الطرف الآخر، إلى ما لديهم من أسباب للامتناع عن

  1. Anna Harvey & Barry Friedman, "Pulling Punches: Congressional Constraints on the Supreme Court's Constitutional Rulings, 1987-2000," Legislative Studies Quarterly , vol. 31, no. 4 (November 2006), pp. 533-562.
  2. J. M. Ramseyer & F. M. Rosenbluth, Japan's Political Marketplace (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993); J. M. Ramseyer  & Eric B. Rasmusen, "Judicial Independence in a Civil Law Regime: The Evidence from Japan," The Journal of Law, Economics, & Organization , vol. 13, no. 2 (October 1997), pp. 259-286.
  3. Ramseyer & Rosenbluth, Japan's Political Marketplace ; Ramseyer & Rasmusen, "Judicial Independence in a Civil Law Regime: The Evidence from Japan"; Ginsburg, "Constitutional Courts in New Democracies: Understanding Variation in East Asia"; Jodi S. Finkel, Judicial Reform as Political Insurance: Argentina, Peru, and Mexico in the 1990s (Notre Dame, IN: University Notre Dame, 2008).
  4. Barbara Geddes, Politician's Dilemma: Building State Capacity in Latin America (Berkeley: University California Press, 1994).
  5. Murray J. Horn, The Political Economy of Public Administration: Institutional Choice in the Public Sector (New York: Cambridge University Press, 1995); Delia M. Boylan, Defusing Democracy: Central Bank Autonomy and the Transition from Authoritarian Rule (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2001).

الاستخدام التعسّفي للقانون حتى في غياب تلك القواعد عندما يكون لمثل هذا السلوك ثمنٌ انتخابي. ويقوم نموذجٌ استراتيجي كامل للسياسات القضائية على فهم المؤسّسات القضائية في بيئة سياسية أوسع، قد تتنوّع فيها كلٌّ من تكاليف تغيير القواعد الخاصة بالسلطات القضائية، وكذلك فرص استخدام آليات مؤسّسية بديلة لفرض الانضباط على الحكومة. وتمنح النظم السياسية المتّسمة بفصل السلطات بين الأفرع التشريعية والأفرع التنفيذية، كتلك التي في الولايات المتحدة، السلطة القضائية مج لً أوسع من الحرية عندما يغيب التوافق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على السياسات. وبذلك يكون استقلال القضاء أعلى في البلدان التي تفصل السلطات، لكنّه يتغير أيضًا بتنوّع تركيبة السلطتين التشريعية والتنفيذية بمرور الوقت. أما في البلدان التي لا تعترض فيها سبيل المشرّعين الراغبين في السيطرة على المحاكم سوى قلّة من الحواجز المؤسّسية – كم في إنكلترا، على الرغم من قانونها العرفي - فيشكّل الانضباط الانتخابي لدى الأغلبيات التشريعية الحارس الرئيس لحقوق الأقليات والأفراد. وهذه الطريقة في التفكير في حكم القانون، حيث استقلال القضاء ليس سوى آلية واحدة من آليات إبطاء الأغلبيات التشريعية، تلقي بعبء ثقيل على الرأي العام كي يحمي تصوّرًا متينًا عن الحقوق، يمضي أبعد من حكم الأغلبية. لقد غضضنا النظر إلى الآن عن دوافع القضاة أنفسهم كي نركّز على الوسائل التي يعمل بها فاعلون سياسيون آخرون على تقييد القضاة، لكن من المهم الانتباه إلى أنّ لدى القضاة قيمً أيديولوجية ومطامح مهنية خاصة بهم. ونحن نتوقّع، بالطبع، أن يختار السياسيّون قضاة يقاسمونهم القيم ذاتها. لكن حيث تكون ولاية القضاة مدى الحياة، يجب على الفاعلين السياسيين تقييد القضاة بوسائل مثل صلاحية النظر في القضايا والتحكّم في الميزانية والتعديلات التشريعية لنقض الأحكام، بل في الحالات القصوى عزل القضاة من وظائفهم47. وعلى الرغم من أنّ الاعتقاد السائد هو أنّ معظم القضاة يسعون نحو أهداف تتصل بالسياسة العامة48، فإن لا شكّ في أنّ للقضاة أهدافًا أخرى أيضًا، تراوح بين سيرهم الوظيفية ومكانتهم المهنية الأوسع والمشروعية القانونيةLegalism وارتكاز قراراتهم المتخذة على مبادئ واضحة50. ويُعَدُّ إدماج هذه الأهداف الأخرى من التحدّيات المقبلة التي ستواجه مثل هذه النظريات عن السلوك القضائي51. يمكن أن نفترض أنّ الدعم الشعبي القوي للمحاكم، أو القبول الشعبي للسلطة القضائية، هو ذو قيمة أيضًا للقضاة العاملين كذلك، لا لأنه يوفّر لهم موارد لمجابهة التدخّل السياسي فحسب، بل أيضًا لقيمته

  1. لاحظوا، على أي حال، أنه في سياق نظام ديمقراطي مستقر (كالولايات المتحدة)، حيث تُحترم الولاية القضائية عمومًا، تفترض غالبية النماذج الاستراتيجية أن القضاة لا يتصرّفون بطريقة استراتيجية إلّ كي يتفادوا إبطال قراراتهم.
  2. Epstein & Knight.
  3. Lawrence Baum, The Puzzle of Judicial Behavior (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1997).

الاستهلاكية. وإدراك أهمية الدعم الشعبي لحمية المحاكم ليس بجديد52، لكن الدراسات المعاصرة تسعى لتحديد الشروط المحدّدة التي يعمل فيها الدعم الشعبي بوصفه آلية إنفاذ فعّالة53. وعلى سبيل المثال، يرى فانبيرغ54 أنّ الدعم الشعبي للقضاة مهم في تحفيز الامتثال إلى القرارات القضائية، ما دامت شفافية القرار مرتفعة نسبيًا والأهمية السياسية للقضية منخفضة بما يكفي.

حكم القانون يف النظم الديمقراطية الراسخة

يؤدي الدعم الشعبي أيضًا دورًا أساسيًا في إقامة حكم القانون والحفاظ عليها بصورة مباشرة. ففي النظم الديمقراطية، يتنوّع استقلال القضاء بمرور الزمن واختلاف البلدان، وفقًا لقدرة السلطتين التشريعية والتنفيذية على تجاوز السلطة القضائية ومعاقبتها على الأحكام المناوئة سياسيًا. لكن استقلال القضاء وحده، كم سنُبيّ أدناه، هو في النهاية مؤشّ سيّئ على عمق التزام الحكومات بحقوق الأقليّات والأفراد. ففي البلدان النامية، حيث عادةً ما يجري تجَاهل المؤسّسات الرسمية، غالبًا ما يُعزّز الدعم الشعبي للحقوق حكم القانون على نحوٍ موثوق أكثر من أحكام استقلال القضاء المؤسّسية الرسمية56. ويوفر الدعم الشعبي للحقوق أيضًا الأساس الذي يرتكز عليه حكم القانون في الكثير من بلدان العالم المتقدم57. تشتهر السلطة القضائية في الولايات المتحدة بأنّها أكثر استقلالً من معظم نظيراتها في العالم، بل حتى أكثر استقلالً مم يتطلّبه الدستور. فعلى الرغم من أنّ دستور الولايات المتحدة لا يُحدّد إلّ على نحوٍ مبهم، دورَ السلطة القضائية ومكانتها في السياسة الأميركية، استحدث رئيس المحكمة العليا، جون مارشال، كم تُخبرنا مقرّرات القانون المدني، الرقابة القضائية، في قضية "ماربوري ضد ماديسون" في عام 1803. لكنّ رواية الكتب الدراسية لا تبدو منطقية، لأنّ المحكمة العليا ادّعت، في هذه القضية، وفي قضية "ستيوارت ضد لايرد" التي توازيها، الحق في القيام بالمراجعة القضائية، في الوقت نفسه الذي سمحت للحكومة الجديدة التي شكّلها الحزب الديمقراطي/ الجمهوري، بخنوع، أن تُبطل تعيين الإدارة التي سبقتها لقضاة فدراليين في المحكمة

  1. 9 4  ينظر، مثل: D. M. Brinks, "The Rule of (non) Law: Prosecuting Police Killings in Brazil and Argentina," in: G. Helmke & S. Levitsky (eds.), Informal Institutions and Democracy: Lessons from Latin America (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2006), pp. 201-226; Daniel M. Brinks, The Judicial Response to Police Violence in Latin America: Inequality and the Rule of Law (New York: Cambridge University 2008).
  2. Gregory A. Caldeira, "Neither the Purse Nor the Sword: Dynamics of Public Confidence in the Supreme Court," The American Political Science Review , vol. 80, no. 4 (December 1986), pp. 1209-1226; James L. Gibson, Gregory A. Caldeira & Vanessa A. Baird, "On the Legitimacy of National High Courts," The American Political Science Review , vol. 92, no. 2 (June 1998), pp. 343-358.
  3. C. J. Carrubba & Gabel M. A., Comparative Study of the Institutionalization of Judiciaries (Unpublished Book Manuscript); Georg Vanberg, "Legislative-Judicial Relations: A Game-Theoretic Approach to Constitutional Review," American Journal of Political Science , vol. 45, no. 2 (April 2001), pp. 346-361; Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany ; Jeffrey K. Staton, "Constitutional Review and the Selective Promotion of Case Results," American Journal of Political Science , vol. 50, no. 1 (January 2006), pp. 98-112; Carrubba, "A Model of Endogenous Development of Judicial Institutions in Federal and International Systems."
  4. Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany.
  5. للاطلاع على حجة من نمط آخر "من أعلى إلى أسفل"، تركّز على البنية الداعمة للتعبئة القانونية مغايرة للمعايير الثقافية المشتركة على نطاق واسع، أو الدعم الشعبي للحقوق، ينظر: Charles R. Epp, The Rights Revolution: Lawyers, Activists, and the Supreme Court in Comparative Perspective (Chicago: University Chicago Press, 1998).

العليا، على النقيض من رغبة غالبية أعضاء المحكمة58. يبدو إعلان المحكمة عن صلاحيات قضائية جديدة، في الوقت الذي امتنعت عن استخدام سلطاتها، هزليًا. إذا ما بدأنا من التسليم بأنّ استقلال القضاء شرط مسبق لحكم القانون، قد تبدو النمذج الاستراتيجية كأنّها توفّر تفسيرًا مقنعًا لحكم القانون. وعلى الرغم من أنّه في مقدور الكونغرس أن يقيّد سلطة المحكمة العليا – وقد قام بذلك بالفعل في بعض الأحيان - من خلال التحكم في صلاحيات المحكمة وموظّفيها وميزانيتها، فإنّ نظام الفصل بين السلطات في الولايات المتحدة غالبًا ما يضع مجلسَ الكونغرس بأيدي حزبين مختلفين. وعلاوة على ذلك، فإنّه لتمرير تشريع جديد، يجب أن ينأى الائتلاف السياسي بنفسه عن حق النقض الرئاسي الذي يتطلّب إسقاطُه غالبيةَ الثلثين. والنتيجة هي أنّه عادةً ما تكون المؤسستان التشريعية والتنفيذية في حال من الارتباك والاضطراب، الأمر الذي يعطي المحكمة العليا في الولايات المتحدة مج لً كبيرًا للمناورة59. وتُظهر مراجعة للتاريخ القضائي الأميركي أنّ استعداد المحكمة للانحراف عن التفضيلات التشريعية والرئاسية مرّ بالفعل بأطوار عدّة، متناسبة مع الخلافات ضمن السلطتين التشريعية والتنفيذية وفيم بينها60. بقدر ما يمنع استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية من الاستخدام النفعي للقانون، نتوقّع أن يصعد الالتزام بحقوق الأقليّات والأفراد في الولايات المتحدة ويهبط مع صعود انقسام السلطتين التشريعية والتنفيذية وهبوطه. ويمكن القول إنّ الحكم في "قضية لوكنر"61، الصادر عن المحكمة العليا، عكس توجّهًا قويًا لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية، نحو ضمن حقوق الملكية على المستوى الفدرالي في مطلع القرن العشرين، وأنّ محكمة "وارين"62، في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، عكست انقلابًا نحو مصالح مختلفة عن سابقتها، متّخذة هذه المرّة صف اليسار ضد رأس المال. ومن هذا المنظور، فإنّ ضمن حقوق الأقليات اليمينية واليسارية لا يتحقق إلّ حين تكون السلطتان التشريعية والتنفيذية منقسمتين بين الحزبين63. يبدو بالفعل أنّ المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكمت بحيوية أكبر، حينم كانت تفضيلاتها متّفقة مع تفضيلات السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحكمت بحذر أكبر حينم كان عليها أن تنأى بنفسها عن

  1. Bruce Ackerman, The Failure of the Founding Fathers: Jefferson, Marshall, and the Rise of Presidential Democracy (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University 2005).
  2. John Ferejohn & Charles Shipan, "Congressional Influence on Bureaucracy," The Journal of Law, Economics, & Organization , vol. 6, Special Issue: [Papers from the Organization of Political Institutions Conference, April 1990] (1990), pp. 1-20; Ferejohn & Weingast, "A Positive Theory of Statutory Interpretation"; Epstein & Knight, The Choices Justices Make ; Bryon J. Moraski & Charles R. Shipan, "The Politics of Supreme Court Nominations: A Theory of Institutional Constraints and Choices," American Journal of Political Science , vol. 43, no. 4 (October 1999), pp. 1069- 1095; Harvey & Friedman, "Pulling Punches: Congressional Constraints on the Supreme Court's Constitutional Rulings, 1987-2000".
  3. Rebecca Bill Chávez et al., "A Theory of the Politically Independent Judiciary," Paper Presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association, Philadelphia, PA (August 2003), p. 27.
  4. في قضية لوكنر ضد ولاية نيويورك، أيّدت المحكمة العليا حقّ خبّاز بأن يُبقي مستخدَميه في المخبز بعد انتهاء ساعات العمل بخلاف رغبة مشرّعي نيويورك في أن يوسّع حماية العمّل، على أساس أنّ حماية العمّل في نيويورك تخرق حقوق الملكية لأصحاب العمل المحمية بالدستور. 55  القاضي إيرل وارين Warren Earl هو رئيس المحكمة العليا الأميركية الرابع عشر (1969-1953). عينه الرئيس دوايت أيزنهاور في وقت كان عطلة لمجلس الشيوخ خلال تشرين الأول/ أكتوبر 1953. واشتهرت محكمته بتوجهاتها الليبرالية، وينسب البعض إليها "ثورة دستورية" في تاريخ القضاء الأميركي" (المحرر).
  5. كما لاحظ مراجعٌ، تظهر في بلدان أميركا اللاتينية علاقة اقتران قوية بين الأحزاب المسيطرة والهيئات القضائية المُسيَّسة. ويميل استقلال القضاء إلى أن يكون أضعف في البلدان المحكومة تاريخيًا بأحزاب مهيمنة (المكسيك تحت حكم الحزب الثوري المؤسّساتي، والباراغواي تحت حكم حزب الكولورادو، والأرجنتين تحت حكم البيرونيين) وأقوى في بلدان نظام الحزبين (كولومبيا والأوروغواي)، أو نظام تعدّد الأحزاب (البرازيل).

مخالفة رغبات الكونغرس. وفي النظرية الديمقراطية السائدة، تبقى "الحقوق الإيجابية" للملكية أو الرعاية الاجتمعية محلّ نزاع أيديولوجي وجدال تشريعي تحسمه الانتخابات. ولعلّ التوجّه القضائي في حقبتَي لوكنر والصفقة الجديدة Deal New، بما عكسته كل واحدة من تفضيلات الائتلاف الحاكم الأيديولوجية، قد اقترب من التعدّي على مصالح الأقليّات اليسارية في الأولى، واليمينية في الثانية. لكنّ التبدلّات في السياسة الانتخابية، وليس بروز سطوة حكم القانون من جديد، هي التي دفعت المحاكم كي تعود مجدّدًا إلى الوسطية السياسية. وفي كلتا الحالتين، عادت المحكمة (العليا) إلى التشريع الأميركي الأكثر نمطيّة تاريخيًا، الذي يُشدّد على "الحقوق السلبية" في الأصول الإجرائية الواجبة والمساواة أمام القانون؛ ما يعكس موقف المحكمة الاستراتيجي الحذر في وجه المؤسسات السياسية. ليست الولايات المتحدة بالمثال الأمثل لقياس الآثار المنفصلة للحكومة المنقسمة والسياسة الانتخابية المدفوعة بتقلّبات الرأي العام، لأنّ هاتين السمتين مالتا إلى أن تعملَا بتوافق في السابق. وغالبًا ما يحدث انقسام الحكومة عندما يفقد الناخبون ثقتهم بالمقاربة الحزبية الأحادية لقضايا الساعة. وتُعدّ البلدان الأوروبية التي بقيت ملتزمة بالسيادة التشريعية المكان الأفضل لدراسة تأثير السياسة الانتخابية في حكم القانون، حيث حُفظ حكم القانون لقرون في ظل غياب أي فصل ذي معنى بين السلطات. إنها لمن المفارقات أنّ المملكة المتحدة التي كانت بحلول القرن الثامن العشر في طريقها إلى بنية ديمقراطية برلمانية موحَّدة، بعد أن تراجع الدور السياسي للعرش وتحوّل إلى رأس رمزي للدولة، هي التي ألهمت مونتسكيو تغنّيه بفصل السلطات. ذلك أنّ تراث القانون العرفي الذي نشأ في ظلّ ملوك البلانتاجنت64 ليكون جسرًا بين موروثات عدة من القانون المحلي والنورماندي، وصار قوة سياسية في صراع البرلمان في أواسط القرن السابع عشر ضد آل ستيوارت، بات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ذراعًا للإرادة التشريعية، شأنه شأن المحاكم في أنظمة القانون المدني في أوروبا القارية65. ولا شكّ في أنّ القانون الإنكليزي يتّكئ على تراث غنيّ من مقاومة الطغيان، كم خلّدته الماغنا كارتا في عام 1215 وميثاق الحقوق في عام 1688. لكنّ أعلى محكمة استئناف في إنكلترا لا تملك أي سلطة في المراجعة القضائية، وللأغلبية التشريعية القائمة الكلمةُ الفصل في خصوص تفسير القوانين والتراث القانوني66. وكان قاضي القرن التاسع عشر أ. ف. دايسي قد دافع بقوة عن دورٍ حارسٍ لحقوق الأقليات والأفراد الذي يقوم به قضاء القانون العرفي. لكنّه سلّم في نهاية المطاف بدور المحكمة في إطلاق الإنذار عندما تنتهك الأغلبيات التشريعية الحدود المقبولة، وفي تذكير السياسيين والناخبين بتراث إنكلترا العظيم في حكم القانون67. على الرغم من الأساس المؤسسي الضعيف للحقوق في إنكلترا، فإن المواطن الإنكليزي تمتّع، في ظل النظام القانوني، بما تمتّع به مواطنو النظم الديمقراطية الأخرى68. ولقد قيل في المنشورات الشعبية والأكاديمية

  1. البلانتاجنت أسرة من الأسر الملكية التي نشأت في فرنسا، وتولّت عرش إنكلترا بين عامي 1154 مع هنري الثاني و 1485 عندما توفي ريتشارد الثالث. [المحرر.]
  2. Charles Howard McIlwain, The High Court of Parliament and Its Supremacy: An Historical Essay on the Boundaries between Legislation and Adjudication in England (New Haven, CT: Yale University Press, 1910).
  3. تغير ذلك بعد إنشاء المحكمة العليا للمملكة المتحدة في عام 2009، حيث تعد هذه المحكمة أعلى محكمة استئناف للقضايا المدنية في المملكة المتحدة، وللقضايا الجنائية في إنكلترا وويلز وإيرلندا الشمالية. وتنظر المحكمة العليا في القضايا ذات الأهمية العامة أو الدستورية الكبرى التي تؤثر في جميع السكان. [المحرر]
  4. David Dyzenhaus, "Cycles of Legality in Emergency Times," Public Law Review , vol. 18, no. 3 (September 2007), pp. 165-185.
  5. David Williams, "The United Kingdom's Response to International Terrorism," Indiana International & Comparative Law Review , vol. 13. no. 3 (2003), pp. 683-697.

الكثير عن إدماج توجيهات الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في القانون البريطاني من خلال قانون حقوق الإنسان لعام 199869. لكن البرلمان لا يزال يؤدي دورًا أكبر من دور المحاكم في وضع حدود حقوق الإنسان لمواطني المملكة المتحدة والمقيمين فيها. فمن جهة أولى، كانت المملكة المتحدة العضو الوحيد في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الذي انسحب من المادة 5 (1) في النظام الداخلي، بتمرير قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن في عام 2001، وقوانين لاحقة قلّصت الحريّات المدنية للمشتبه بهم بالإرهاب من غير المواطنين70. وعلى النقيض، رفض البرلمان البريطاني نفسه الاحتجاز المطوّل للمشتبه بهم في الإرهاب. وفي مقارنة كاشفة، يبدو أنّ الرأي العام، وليس استقلال قضائي قوي، أو إمكان تناوب سياسي بسيط، هو المسؤول عن حقيقة أنّ تشريعات مكافحة الإرهاب ضد الأقليات غير المقبولة شعبيًا تُطبّق بشدّة أقلّ في المملكة المتحدة، قياسًا على فرنسا71. تملك هولندا أيضًا، وهي نظام ديمقراطي آخر يتسيّد فيه البرلمان، سجًّلًّ قويًّا في حمية الحقوق في الممرسة. وحين قُتل المخرج ثيو فان غوخ في عام 2004، ردّ مثيرو الشغب الهولنديون بمهاجمة المساجد، لكن الحكومة الهولندية "ردّت بخليط من الاعتدال والهندسة الاجتمعية، المائلة قليلً لصالح المسلمين"72. لا يعني المثالان الهولندي والبريطاني أنّ التعبير عن الرأي العام عبر السياسات الديمقراطية يوفّر حمية كافية لحقوق الإنسان، بل يعني فحسب أنّ السياسة، في الممرسة، غالبًا ما تتغلّب على الرؤية الرومانسية للضمنات القضائية. والتسامح، مهم يكن هشًّا، هو ضمن الحرية المدنية في البلدان التي يطغى فيها البرلمان سلطةً عليا. في أجزاء أخرى من أوروبا، أفسحت هيمنة السلطة التشريعية المجال أمام درجات مختلفة من الدستورية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ارتأى الكثير من النظم الديمقراطية الأوروبية القديمة التي كانت لا تزال مذهولة من السرعة التي طغت بها الفاشية على العملية الانتخابية في أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين، أن يسلّم المحاكم بعض سلطات الرقابة الدستورية Oversight Constitutional، آملً في أن يحول ذلك دون تكرار تلك الأهوال74. لكن تلك الخطوة انطوت على شيء من المفارقة، نظرًا إلى أنّ سلطة فايمار القضائية كانت قد باركت رسميًا استفتاء عام 1934 الذي تنازل فيه الألمان عن حمياتهم الدستورية ووافقوا على تعيين هتلر فوهرر75. واستخدمت المحكمة في هذه الحالة استقلالها القضائي لدعم الأمن والاستقرار، عوضًا عن الديمقراطية البرلمانية، وبرّرت فشلها بالحفاظ على الدستور على أساس أنّ البلد يحتاج يدًا حازمة في أوقات عدم الاستقرار76. وأدّى الخوف من المحاكم التي تواطأت مع النظم الفاشية، مع العجز عن توفير

  1. Christopher D. Jenkins, "The Institutional and Substantive Effects of the Human Rights Act in the United Kingdom," Dalhousie Law Journal , vol. 24, no. 2 (2001), pp. 218-231.
  2. Virginia Helen Henning, "Anti-terrorism, Crime and Security Act 2001: Has the United Kingdom Made a Valid Derogation from the European Convention on Human Rights?" American University International Law Review , vol. 17, no. 6 (2002), pp. 1263-1297; Clive Walker, "Clamping Down on Terrorism in the United Kingdom," Journal of International Criminal Justice , vol. 4, no. 5 (November 2006), pp. 1137-1151.
  3. W. Fisher, "Militant Islamicist Terrorism in Europe: Are France and the United Kingdom Legally Prepared for the Challenge?" Washington University Global Studies Law Review , vol. 6, no. 2 (2008), pp. 255-280.
  4. John O'Sullivan, "The Islamic Republic of Holland," National Review , vol. 57, no. 13 (2005), pp. 37-38.
  5. John Ferejohn & Pasquale Pasquino, "Constitutional Adjudication: Lessons from Europe," Texas Law Review , no. 7 (2004), pp. 1671-1704.
  6. قائد/ حاكم ذو سلطات غير مقيدة، وارتبطت اللفظة بحكم أدولف هتلر الذي امتلك سلطات غير مقيدة. [المحرر.]
  7. José María Maravall, "The Rule of Law as a Political Weapon," in: Maravall & Przeworski (eds.), pp. 261-301.

قضاة ذوي توجّهات فكرية مختلفة للمحاكم العادية، إلى تبنّي ألمانيا وإيطاليا، ولاحقًا إسبانيا، المراجعة الدستورية Review Constitutional من خلال محكمة دستورية مبتكرة حديثًا، ومن خارج السلطة القضائية العادية تمامًا77. لكن المحاكم الأوروبية الدستورية، إذا ما قورنت بالمحكمة العليا في الولايات المتحدة، تبقى أكثر انعزلً من حيث المبدأ عن البرلمانات، تاركةً للسياسة الانتخابية أن تغرس سلطة ممرسة المراجعة الدستورية على نحوٍ أعمق وأقوى. وبحسب فانبيرغ78، تأخذ المحكمة الدستورية الألمانية مواقف جريئة عندما تكون تفضيلات هيئة المحكمة متوافقة مع جمهور الناخبين، كم في منع "خطاب الكراهية" ضد جمعات أقلية من هذا النوع أو ذاك، لكنها لا تستطيع أن تقف في وجه الدعم الشعبي لسياسة الحكومة، كم هي الحال، على سبيل المثال، في استمرار استخدام الصلبان داخل قاعات الدرس في بافاريا. ولقد وقف المجلس الدستوري الفرنسي، المشكّل على هيئة محكمة غير حزبية لمراجعة دستورية التشريعات قبل إقرارها، ضد خطة حكومة ميتران لتأميم الصناعة، بحجة أنّ ذلك يرقى لأن يكون استيلاءً على ملكية خاصة. وعلى الرغم من أن حكومة ميتران كانت تملك أغلبية تشريعية كبيرة، تكفي لتخطّي حكم المحكمة، فإنها قد اختارت عوضًا عن ذلك أن تزيد تعويض حاملي الأسهم الخاصيّن بما يقارب 25 في المئة فوق الخطة الأصلية، احترامًا للدعم الشعبي لموقف المحكمة79. لكن، في عام 1993، حينم أبطل المجلس تشريعًا كان سيُضيّق على قانون الهجرة واللجوء، ركبت الحكومة موجة الرأي العام كي تُعدّل الدستور ذاته80. ولا تقوم هذه الاختلافات بين الحالتين الألمانية والفرنسية على تركيب المحكمة أو قوتها الدستورية، بل على إذا ما كان الرأي العام قد وقف إلى جانب الحكومة، أم إلى جانب المحكمة81. مقارنةً بالولايات المتحدة، حيث تميل المحكمة العليا إلى تأسيس قراراتها إلى أقصى حدٍ ممكن على "الحريّات السلبية" الخاصة بالإنصاف الإجرائي والمساواة أمام القانون، فإنّ المراجعة الدستورية الأوروبية غالبًا ما تعتنق صراحةً "الحقوق الإيجابية" كالرّفاه الاقتصادي والعاطفي للمواطنين. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، نظرًا إلى الدور الأكبر الذي يؤدّيه الرأي العام والإجمع في السياسة القضائية في ظروف الاستقلال الدستوري الضعيف. وحتى في الولايات المتحدة، نجد أنّ الحق الإيجابي الخاص بالملكية الخاصة قُدِّر حقّ قدره حينم اصطفّت محكمة حقبة لوكنر سياسيًا مع السلطتين التشريعية والتنفيذية والرأي العام اليميني، ومجدّدًا حين ناصرت محكمة وارين الحق الإيجابي الخاص بالرفاه الاقتصادي في سنوات هيمنة الصفقة الجديدة. لكن لطالما شهد معظم التاريخ القضائي للولايات المتحدة أنّ لغالبية المحكمة المتّسعَ لصوغ مواقفها الخاصة في تقاطعات الانقسامات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وما يعكسه تشديد المحكمة العليا على الحريات السلبية

  1. يؤدي الرأي العام دورًا مماثلً في مساندة استقلال البنك المركزي أو تقويضه، ينظر: Susanne Lohmann, "Federalism and Central Bank Independence: The Politics of German Monetary Policy, 1957– 1992," World Politics , vol. 50 (1998), pp. 401-446.
  2. هذا النظام الذي يحافظ على تقسيم أكثر صرامة للعمل بين الدور "السياسي" للمشرّع والدور الحارس للمحكمة الدستورية، أنشأه القاضي النمساوي هانز كيلسين في عشرينيات القرن العشرين تسويةً بين فكرة السيادة التشريعية وسيادة القانون.
  3. Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany.
  4. Alec Stone Sweet, "Constitutional Courts and Parliamentary Democracy," West European Politics , no. 25 (2002), pp. 77-100.
  5. Ibid.

التي ينبغي ألّ يخلط بينها وبين حكم القانون ككل، هو التأنّ الذي تختار السلطة القضائية الأميركية طريقها به، إذا ما استطاعت ذلك بين الوحوش النائمة. تكشف جولتنا القصيرة في السياسات القضائية في النظم الديمقراطية الغنيّة أنّ لحكم القانون، مُجسّدًا باحترام حقوق الأفراد والأقليات في سياق حكم الأغلبية، نكهات منوعة. تشتهر المحكمة العليا للولايات المتحدة بحراستها اليقظة للحريات السلبية من تعسّف الحكومة وسيطرتها. يؤدّي هذا إلى رفع حرية التعبير، على سبيل المثال، إلى مصاف تُعتبر فاحشةً في أوروبا، حيث ما زال الخوف من حرية التعبير مرتبطًا بمصيبة الفاشية. لكن جمهور الناخبين، على كلا طرفي الأطلسي، أكثر من المحاكم، هو الذي أصرّ على الاعتدال في استخدام القانون أداةً للسلطة. وبقدر ما يرتكز تقييد الأغلبية على آنية المكانة التي تشغلها الأغلبية والأبعاد المتعدّدة التي يمكن أن يجد فيها الشخص نفسه في الأقلية، فإنّنا لا نعلم بعد إذا ما كان جمهور الناخبين سيبقى حارسًا لحقوق الأقليات بالأمانة نفسها مع ما تقوم به موجات المهاجرين من تعميق عزلة بعض الأقليات وانعدام شعبيته. ولعلّه يمكن أن يغدو تحصين الاستقلال المؤسسّي لمحكمة العدل الأوروبية أكثر أهمية لحمية حكم القانون في أوروبا. ولأنّ الوصفة المؤسسية تتطلب ألّ تكون المحاكم نفسها انعكاسًا للأغلبيات التي عيّنتها، فإنّ الثقة بجودة الديمقراطية الأوروبية ليست الأمر الأكثر أملً فحسب، بل الأكثر واقعية في نهاية المطاف.

المحاكم يف النظم الدكتاتورية: تتحدّى الحكمة التقليدية أم تُرسّخها؟

وضعنا قيد المساءلة، إلى الآن، كًّلًّ من الافتراض الذي مفاده أنّ النظم الديمقراطية تؤدّي تلقائيًا إلى سلطات قضائية مستقلة، والافتراض الذي مفاده أن ذلك القضاء المستقل ضروري لإقامة حكم القانون. سوف نقلب السؤال هنا وننظر إن كان استقلال القضاء وحكم القانون يقتضيان الديمقراطية. ولإيجاد الجواب، سوف نزيح اهتممنا صوب الأدبيات المتزايدة التي تتناول المحاكم في النظم الدكتاتورية. وما نجده هو أنّ معظم الدراسات يُعزّز الحدس الأولّي الذي مفاده أنّ الديمقراطية (أو احتملها) أمرٌ ضروري في العادة لاستقلال القضاء. وتتعزّز هذه الحكمة التقليدية أكثر بحقيقة أنّه في تلك الحالات التي تخلق فيها النظم الدكتاتورية محاكم مستقلة بالفعل، نادرًا ما تنجح هذه المحاكم، إن نجحت قط، في إقامة حكم القانون. لا يبخل التاريخ بأسباب للشكّ في توافق الدكتاتوريات مع استقلال القضاء، فم بالك بحكم القانون! ففي سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ذاع صيت فشل القضاة على امتداد أميركا اللاتينية بحمية حقوق الإنسان من انتهاكات المجالس العسكرية. وفي أوج ما يدعى بالحرب القذرة في الأرجنتين، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تمثّلت طريقة عمل المحكمة العليا التي عيّنها الجيش في تجاهل أوامر المثول أمام القضاء82Corpus Habeas of Writs، وبالمثل، كانت المحاكم التيشيلية في ظل حكم بينوشيه، ترفض على نحوٍ روتيني

  1. Carlos Santiago Nino, Radical Evil on Trial (New Haven, CT: Yale University Press, 1996); Gretchen Helmke, Courts under Constraints: Judges, Generals and Presidents in Argentina (New York: Cambridge University Press, 2005); Adolfo R. Gabrielli, La Corte Suprema De Justicia Y La Opinion Pública, 1976–1983 (Buenos Aires: Abeledo-Perrot,

منح الحمية للمواطنين المضطهدين. وتلاحظ هيلبينك83 في تلخيصها تقريرًا للجنة الدول الأميركية لحقوق الإنسان في عام 1985 "أن المحاكم لم تطعن في شرعية اعتقالات الحكومة العسكرية، إلّ في اثنين إلى ثلاثة في الألف من الحالات"84. وكانت المحكمة العليا في تشيلي أقل تجاوبًا مع مواطنيها: لم تتحدَ الحكومة في مسائل حقوق الإنسان في أيّ حالة من الحالات بين عامي 1973 و.198085خلال معظم تاريخها، لطالما قوّضت نظم الحزب الواحد في اليابان وتايوان والمكسيك ودول أفريقيّة عدة استقلال القضاء. ففي اليابان، في ظلّ هيمنة الحزب الديمقراطي الليبرالي، كان القضاة الذين يتجرؤون على الحكم ضد الحكومة، يُعاقبون على نحو منهجي بتحويلهم إلى مناصب أقلّ مكانة86. وفي تايوان، على الرغم من دستورها الذي أقرته في عام 1947، والذي أسّس المراجعة القضائية المستقلّة، فإن مجلس القضاء الأعلى كان مهمّشًا كليًّا تحت حكم الكووميتانغ87. وخلال معظم السبعين عامًا التي هيمن فيها الحزب الثوري المؤسسّي على المكسيك، لم يفتقر القضاة إلى الصلاحيات في القضايا البارزة سياسيًا فحسب، بل كانت خدمتهم كليًّا تبعًا لتقدير رئيس جمهورية ذي سلطة مهيمنة. وعلى الرغم من وجود بنود دستورية تضمن المنصب مدى الحياة، فإن متوسّط فترة قضاة المحكمة العليا المكسيكية بين عامي 1934 و 1994 كان عشر سنوات فقط، وخدم 40 في المئة منهم لمدة تقل عن خمس سنوات88. أمّا في أفريقيا، فكانت القصّة أكثر اختلافًا. وعلى الرغم من أنّ محاكم الاستئناف في جنوب أفريقيا بذلت بعض الجهد لحمية الحقوق في مطلع خمسينيّات القرن الماضي، فإن نظام الفصل العنصري سرعان ما ثبّت السيطرة السياسية على المحاكم89. وخلال السبعينيات، أثبت استقلال القضاء في بوتسوانا وكينيا أنّه مستقرّ نسبيًا، لكنّه عانى تراجعًا كبيرًا بعد الاستقلال في ظل النظم التسلّطية الناشئة في تانزانيا وأوغندا ومالاوي90. كذلك تكشف الأدبيات حديثة العهد عن المحاكم في ظل النظم التسلّطية عن مجموعة من النقاط أقلّ بروزًا؛ فعلى الرغم من القيود الواضحة التي يواجهها القضاة، فإنهم لا يخنعون جميعهم بالمطلق للمستبدين. وعلى الرغم من قدرة الدكتاتوريين على سحق استقلال القضاء، فإنهم لا يفعلون جميعهم ذلك بالضرورة. والحال، أنّ القضاة يتحدّون الدكتاتوريين أحيانًا، ولا يستخدم الدكتاتوريون دائمًا قدرتهم لترويض القضاة. لماذا؟ أحد الاحتملات هو ببساطة أنّ الخصائص التي عادة ما تُقرَن باستقلال القضاء – فترة المنصب الآمنة، والتفضيلات التي تختلف عن تفضيلات الحكومة القائمة، والاستعداد لتحدي الحكومة - لا تتغير كلها معًا بالضرورة.

  1. Lisa Hilbink, Democracy and Dictatorship: Lessons from Chile (New York: Cambridge University Press, 2007).
  2. Ibid., pp. 115-116.
  3. Ibid.
  4. Ramseyer & Rosenbluth, Japan's Political Marketplace ; J. M. Ramseyer & Eric Rasmusen, "Judicial Independence in a Civil Law Regime: The Evidence from Japan," The Journal of Law, Economics & Organization , vol. 13, no. 2 (October 1997), pp. 259-286.
  5. Tom Ginsburg, Judicial Review in New Democracies (New York: Cambridge University Press, 2003).
  6. Beatriz Magaloni, "Authoritarianism, Democracy, and the Supreme Court: Horizontal Exchange and the Rule of Law in Mexico," in: Scott Mainwaring & Christoper Welna (eds.), Democratic Accountability in Latin America (Oxford: Oxford University Press, 2003), pp. 266-305.
  7. Stacia Haynie, Judging in Black and White: Decision Making in the South African Appellate Division, 1950–1990 (New York: Peter-Lang, 2003).
  8. Jennifer A. Widner, Building the Rule of Law (New York/ London: W.W. Norton, 2001).

وهذه هي نقطة انطلاق تحليل هيلمكه91 للمحكمة العليا الأرجنتينية. فهي ترى، باستخدام نموذج معدّل لفصل السلطات، أنه حالما تبدأ سلطة نظام قائم بالتلاشي، يستشعر القضاة الذين يفتقرون إلى أمان المنصب بدوافع لأن يصدروا أحكامًا ضد الحكومة الحالية بهدف تقليل فرص معاقبتهم لدى النظام التالي. وهذا هو منطق الحيطة أو الانشقاق الاستراتيجي Defection Strategic. في حالة الأرجنتين، يفسّ هذا المنطق لماذا شرع القضاة الذين عيّنهم الجيش وخدموا النظام بإخلاص، في الحكم ضدّه فجأة ما إن بدأت سلطة الدكتاتورية تتداعى. لكن يجب أن نلاحظ أنّ هذا الاختلاف عن الحكمة التقليدية يأتي تحدّيًا لوجهة النظر التي مفادها أنّ القضاة التابعين للنظام يدعمون الحكومة القائمة تلقائيًا، لا أنّ القضاة في ظلّ الدكتاتورية يتحررون فجأة من الضغط السياسي. ثمة احتمل آخر هو أنّ الحكّام المستبدين قد يتحمّلون حدًّا معيّنًا من استقلال القضاء ما دام ليس لديهم سوى القليل مم يخشونه من المحاكم. ففي إسبانيا تحت حكم فرانكو، وجدت الاستطلاعات أن تفضيلات القضاة غالبًا ما كانت غير متوافقة مع تفضيلات الحكومة، لكن المحاكم العادية كانت تفتقر إلى الصلاحيات في المسائل السياسية المهمة وقتئذ92. وبالعكس، تمتع قضاة المحكمة العليا في تشيلي بقدر كبير من الاستقلال المؤسسّي والسلطة، لكنهم شاركوا بينوشيه الآراء المحافظة إلى أبعد حدّ93. وفي كلا السيناريوهين، يبقى التسامح مع استقلال القضاء بلا أي تكلفة من منظور الحكّام التسلّطيين. وترى هيلبينك أنّ عملية التدريب والاختيار والترقية داخل الهيئة القضائية ضمنت على نحو جوهري أن يحمل القضاة الذين يخدمون في المحكمة العليا وجهات نظر محافظة، وأن يؤدّبوا قضاة المحاكم الأصغر الذين لا يعتنقون وجهات النظر تلك94. ويؤكّد الخبراء، بالفعل، أنّه لو تحدّت المحكمة العليا بينوشيه في فترة النظام العسكري، لكانت حُلَّت كم جرى حل البرلمان95. من هذا المنظور، من المستبعد أن يكون استقلال القضاء الدواء الناجع لكل داء. ففي أفضل الحالات، يكون القضاة المستقلون غير مؤثرين، كم في إسبانيا فرانكو. وفي أسوأ الحالات، يكون القضاة المستقلون شركاءَ في الجريمة، كم في تشيلي بينوشيه. هكذا، يعيد مثل هذا المنظور صوغ الحكمة التقليدية هو الآخر، لكن جزئيًّا فحسب. فاستقلال القضاء، بالمعنى الضيّق على الأقل، يمكن أن يحدث من دون الديمقراطية، لكنّ استقلال القضاء، من دون الديمقراطية، يُبطَل مفعوله تمامًا بسبب عجز القضاة، أو عدم امتلاكهم إرادة تحدّي الحكومة، ولا يؤدي إلى حكم القانون. يبُرز باحثون آخرون المحاسن الممكنة التي تقدمها إقامة هيئات قضائية مستقلة للمستبدين، لكن عندما تكون أيامهم في الحكم معدودة فحسب. فقد يلجأ القادة التسلّطيون إلى المحاكم للحدّ من خسائرهم،

  1. Gretchen Helmke, "The Logic of Strategic Defection: Court-executive Relations in Argentina under Dictatorship and Democracy," American Political Science Review , vol. 96, no. 2 (June 2002), pp. 291-303; Helmke, Courts under Constraints.
  2. José J. Toharia, "Judicial Independence in an Authoritarian Regime: The Case of Contemporary Spain," Law & Society Review , vol. 9, no. 3 (1975), pp. 475-496.
  3. Hilbink, Democracy and Dictatorship: Lessons from Chile.
  4. Ibid.
  5. Anthony W. Pereira, "Of Judges and Generals: Security Courts under Authoritarian Regimes in Argentina, Brazil, and Chile," in: Tom Ginsburg & Tamir Moustafa (eds.), Rule by Law: The Politics of Courts in Authoritarian Regimes (New York: Cambridge University Press, 2008), pp. 23-57.

موسّعين مفهوم انعدام اليقين الانتخابي ليشمل انتقال السلطة. والسرّ هنا هو، بالطبع، أنهم لا يقومون بذلك إلّ إذا واجهوا احتملات الانتقال الديمقراطي96. هكذا، تُحدّد هذه النظرية، أي الأوتوقراطيين مَن المحتمل أن يُطالب باستقلال القضاء، علاوة على توقّعها بوضوح متى يُحتمَل أن يُقام استقلال القضاء (خلال مرحلة انتقال النظام). وبعبارة أخرى، فإنّ الأحزاب الرّاحلة التي تتوقّع أن تغادر السلطة في الانتخابات هي التي ستسعى لإقامة محاكم قوية ومستقلّة باعتبارها شكلً من الضمن السياسي للحمية من حكم المعارضة غير المكبوح97. وبالتوافق مع هذا المنطق، واجه القادة التسلّطيون المغادرون في كوريا الجنوبية، ومنغوليا بدرجة أقل، انتخابات لا يقين فيها، ودفعوا لتأسيس محاكم دستورية مستقلة. توسعت فينكل98 في أطروحة غينسبرغ وهيرشل لتشمل المكسيك، ورأت أنّ الحزب الثوري المؤسسّي سعى لتقوية الهيئة القضائية لتعمل بوصفها بوليصةَ تأمين ضد التهديد المتزايد من وصول المعارضة إلى السلطة99. وفي عام 1994، حينم كانت تتراخى قبضة الحزب على السلطة، حاول الرئيس زيديللو Zedillo Ernesto أن يغير ممرسة النّظام القديمة المتمثلة بإخضاع الهيئة القضائية للرئاسة بإقرار سلسلة من الإصلاحات القضائية. وعلى الرغم من أنّ زيديللو استطاع عمومًا أن يُبقي سيطرته على أعضاء المحكمة، فإنّ إصلاحات عام 1994 زادت إلى حدٍ بعيد من قدرة المحكمة على المراجعة القضائية، وقوّضت بذلك صلاحيات السلطة التنفيذية100. يبقى التفويض Delegation، المرتبط بعملية الانتقال الديمقراطي، آلية أخرى ممكنة تدفع القادة التسلّطيين المغادرين إلى منح المحاكم استقلالها. ترى ماغالوني101، في دراستها الهيئة القضائية المكسيكية، أنّ الرئيس، خلال معظم فترة هيمنة الحزب الثوري المؤسسّي التي دامت سبعين عامًا، كان هو الحكم النهائي في فض النزاعات بين أعضاء الحزب والمعارضة. لكن تنامي سياسات التعددية الحزبية في المكسيك غيّ طبيعة اللعبة، وزاد عزم كلّ من المعارضة وسياسيين آخرين في الحزب الثوري على تحدّي حكم الرئيس في النزاعات بين الأحزاب. واستجابةً لهذا السياق السياسي الجديد، اضطر الرئيس إلى أن يزيد من استقلال القضاء، ليس بصفته نوعًا من الضمن السياسي، بل لجعل المحكمة العليا المكسيكية "الحكَم الجديد للفدرالية"102. لكن حتى عندما تدفع احتملات الانتقال الديمقراطي الدكتاتوريين إلى إقامة استقلال قضائي، تبقى قدرة المحاكم على إخضاعهم للمساءلة محل جدال. ففي كلّ من كوريا الجنوبية ومنغوليا، أسّس القادة التسلطيون محاكم مستقلّة، عندما كانوا في طريقهم إلى الخروج من السلطة، لكنّ ما من أدلّة وافية على أن المحكمة أخضعت

  1. Ginsburg, Judicial Review in New Democracies ; R. Hirschl, Towards Juristocracy. The Origins and Consequences of the New Constitutionalism (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004).
  2. Ginsburg, Judicial Review in New Democracies , p. 18.
  3. Jodi S. Finkel, Judicial Reform as Political Insurance: Argentina, Peru, and Mexico in the 1990s (Notre Dame, IN: University Notre Dame, 2008).
  4. Ibid. , p. 106.
  5. سابقًا، كانت قدرة المحكمة المكسيكية على تحدّي دستورية القوانين مقصورة على أطراف القضية المطروحة وحدهم. قامت الإصلاحات الجديدة بتوسيع طيف القضايا التي يمكن مواجهتها على أسس دستورية، وأكدت أن قرارات المحكمة في الخلافات الدستورية سوف يكون لها آثارها العامة. ينظر: Patricio Navia & Julio Ríos-Figueroa, "The Constitutional Adjudication Mosaic of Latin America," Comparative Political Studies , vol. 38, no. 2 (2005), pp. 189-217; Finkel, Judicial Reform as Political Insurance ; B. Magaloni, "Enforcing the Autocratic Political Order and the Role of Courts," in: Ginsburg & Moustafa (eds.), pp. 180-206.
  6. Magaloni, "Enforcing the Autocratic Political Order and the Role of Courts," pp. 180-206.
  7. Ibid., p. 201.

الدكتاتورية للمساءلة. واستغرق الأمر سنوات عدة بعد الانتقال إلى الديمقراطية في كوريا الجنوبية، قبل أن تسمح المحكمة الدستورية للحكومة الجديدة بأن تقاضي النظام العسكري السابق على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في حادثة كوانغجو في أيار/ مايو 1980103. أمّا في المكسيك، فنفّذ النظام التسلطي الإصلاحات القضائية قبل خسارته السلطة بست سنين كاملة، لكن الخبراء يختلفون جوهريًا إن كانت المحكمة المستقلّة حديثًا قد قيّدت الحزب الثوري بالفعل104. ثمة تحدٍّ مباشر أكثر يواجه الحكمة التقليدية التي مفادها أنّ الديمقراطية ضرورية على نحو ما لاستقلال القضاء، وهو إن كان الدكتاتوريون الساعون لإبقاء قبضتهم على السلطة مرغمين أيضًا على إقامة محاكم مستقلّة. وبناءً على أطروحة روزبرغ105 الرائدة، يشرح مصطفى106 لغز استقلال القضاء في ظلّ دكتاتورية مصر، فيرى أنّ العديد من الآليات ذاتها، التي تدفع النظم الديمقراطية إلى إقامة محاكم مستقلّة، قد تكون في الواقع أكثر وضوحًا في النظم التسلّطية. يحتاج الدكتاتوريون إلى أن يُبيّنوا للمستثمرين التزامهم القابل للتصديق بحقوق الملكية، وأنّهم يريدون أن يراقبوا البيروقراطيين الأقل شأنًا، وأنّهم يريدون عدم تحمّل المسؤولية والحفاظ على شرعيّتهم107. ويعمد كتاب مُحرّر حديثًا109 إلى تطبيق منطق ممثل على طيف واسع من الدكتاتوريات، مضيفًا الدور الذي تؤدّيه المحاكم المستقلّة في تدعيم التمسك النخبوي ضمن الدكتاتوريات110. وبقدر ما يُقيّد استقلال القضاء الحكّام الدكتاتوريين، فقد تثبت المحاكم المستقلّة أنها أكثر تكلفة ممّ ظنّه النظام في الأصل. لكن لدى الأوتوقراطيين، بالطبع، كم يوضح جينسبرغ ومصطفى111، طيفًا واسعًا من الآليات الوسيطة تحت إمرتهم، يمكن أن تساعدهم في هذه المهمّة المستحيلة. ويمكن أن يعتمد المستبدون، حتى أكثر من نظائرهم الديمقراطيين، على تقييد القضاة العقلاني لأنفسهم. ويمكن أن يختار التسلطّيون أيضًا من طرف واحد قضاة يشاركونهم وجهات النظر، أو أن ينكروا على المواطنين بكل بساطة حرية الوصول إلى المحكمة، أو أن يعرقلوا شبكات الدعم القضائي.

  1. Ginsburg, Judicial Review in New Democracies , pp. 228-328.
  2. ترى فينكل , pp. 99-100(Judicial Reform as Political Insurance Finkel,) أنَّ الإصلاحات نجحت في خلق محكمة قادرة على إخضاع حكم الحزب للمساءلة. وكان قرار المحكمة ضد الرئيس زيديللو في فضيحة تمويل الحملة الانتخابية حدثًا تاريخيًا، ينظر أيضًا: Staton & Rios-Figueroa, "Unpacking the Rule of Law." لكنّ تحليلً لما يقارب 700 خلاف دستوري عُرضَ على المحكمة العليا المكسيكية بين عامي 1995 و 2005، يكشف عن تحيّز شديد إلى نتائج يحبّذها الحزب، حتى بعد خسارة الحزب للسلطة في عام.2000 B. Magaloni & A. S´anchez, "An Authoritarian Enclave? The Supreme Court in Mexico's Emerging Democracy," Paper Presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association, Philadelphia, 2/9/2006, cited in: Magaloni, "Enforcing the Autocratic Political Order and the Role of Courts," p. 203. لكن ستاتون لا يجد أي نسق منهجي مؤيّد للحزب، ينظر: Staton, "Constitutional Review and the Selective Promotion of Case Results."
  3. J. Rosberg, "Roads to the Rule of Law: The Emergence of an Independent Judiciary in Contemporary Egypt," PhD thesis, Department of Political Science, Massachusetts Institute of Technology, Massachusetts, 1995.
  4. Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt (New York: Cambridge University Press, 2007).
  5. Ibid., pp. 9-10.
  6. Ginsburg & Moustafa, "Introduction: The Functions of Courts in Authoritarian Politics," in: Ginsburg & Moustafa (eds.).
  7. Robert Barros, Constitutionalism and Dictatorship: Pinochet, the Junta, and the 1980 Constitution , Cambridge Studies in the Theory of Democracy (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2002).
  8. Ginsburg & Moustafa, "Introduction: The Functions of Courts in Authoritarian Politics."

لكن، يبقى السؤال: من الذي يُخدَع بهذه التكتيكات؟ ومن الذي يستفيد منها؟ وذلك على وجه التحديد، لأن الأوتوقراطيين مهيَّؤون جيدًا لضبط الأخطار المترافقة مع استقلال القضاء. ففي أفضل الأحوال، يكون هذا الاستقلال مقيّدًا. وحتى لو كان الدكتاتوريون راغبين في دعم استقلال القضاء في نطاق حقوق الملكية، ما من ضمن لأن يُسمح لهذا الاستقلال بأن يتّسع ليشمل مسائل حقوق الإنسان، أو الحريّات السياسية والمدنية. وعلى الرغم من تقديم مصطفى112 أدلّة وافرة على أنّ نشاط المحكمة الدستورية العليا المصرية قد تزايد خلال ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، كانت السلطة التنفيذية في نهاية العقد قد ملأت المحكمة بقضاة موالين، ودمّرت شبكات الدعم القضائي. ويبدو، بصورة أعم، أنه في البيئة ذاتها التي قد يؤدي فيها القضاة دورًا حاسمً في رعاية الدعم الشعبي للحقوق، يكونون معرّضين لأكبر الأخطار. ولعلّ الأسوأ، في الأماكن التي تدوم فيها الهيئات القضائية المستقلّة، أنّ دوامها نفسه يشير إلى أنها تدعم الدكتاتورية، وليس حكم القانون.

الجبهة التالية: تفسير عدم الاستقرار المؤسّيس

على الرغم مم اجتاح العالم من ظاهرة "إضفاء الطابع القضائيّ على السياسة" Politics of Judicialization113، فإن الحقيقة تبقى أنّ العالم يعاني شحَّ استقلال القضاء وحكم القانون. ولكلّ مثال على النجاح المؤسسّي يمكن بالسهولة ذاتها أن نجد له قصة فشل بالغ. خلال القرن العشرين، على الرغم من أنّ القضاة المكسيكيين والأرجنتينيين تمتعوا بولاية آمنة مدى الحياة، فإن غالبيتهم كانت تُفصل روتينيًا مع كلّ تغيير حكومي. وبعد انتقالات الموجة الثالثة للديمقراطية، جعل الرؤساء المحاكم الدستورية الناشئة حديثًا في روسيا والبيرو عاجزة، على الرغم من كون هذه المحاكم قد أُسّست لتقييد سلطاتهم. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، تعاملت الحكومات في مصر وزيمبابوي وبوليفيا والإكوادور وباكستان مع القضاة الناشزين بمزيج من الاستقالات القسرية والإزاحة من المنصب القضائي والاعتقال. ما من شكّ في أنّ المحاكم في النظم الديمقراطية الأفقر والأحدث تكون أكثر عُرضة لعدم الاستقرار المؤسسّي. ولا شك في أنّ المكسيك (قبل عام 2000)، وزيمبابوي وباكستان ومصر، لا تكاد تكون مؤهّلةً لأن تسمّى ديمقراطيات. وفي أواسط تسعينيات القرن العشرين، لم تكن البيرو وروسيا، في أفضل الحالات، سوى شبه ديمقراطيات. وبقيت الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور تعاني عدمَ استقرار مؤسسّي بالغ على مستوى المحاكم، حتى بعد ترسّخ الديمقراطية114. من الواضح أن خلق مؤسّسات قضائية قوية على الورق غير كافٍ: يجب أن يفرض استقلال القضاء ذاته. وعلى الرغم من أننا حددنا بعض الشروط الأساسية التي تمنع الهيئة القضائية من تحقيق الاستقلال – تركّز

  1. Moustafa, The Struggle for Constitutional Power.
  2. N. C. Tate & T. Vallinder (eds.), The Global Expansion of Judicial Power (New York: NY University Press, 1995); M. Shapiro & A. Stone Sweet, On Law, Politics, and Judicialization (Oxford, UK: Oxford University Press, 2002).
  3. على الرغم من أن عدم الاستقرار المؤسسّي قد يكون شائعًا أكثر في النظم الديمقراطية الناشئة، فإن قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة، عانوا تهديدات متكرّرة لاستقلاليتهم، ينظر: T. S. Clark, "The Separation of Powers, Court-curbing, and Judicial Legitimacy," Paper Presented at the Annual Meeting of the Midwest Political Science Association, Chicago, 2007. بل إن تواتر مشاريع القوانين المقيّدة للمحكمة تزايد بين بداية القرن التاسع عشر وعام 1982، ينظر: Ibid.; Gerald N. Rosenberg, "Judicial Independence and the Reality of Political Power," Review of Politics , vol. 54, no. 3 (1992), pp. 369-398.

السلطة السياسية أو غياب الدعم الشعبي للمحاكم - فإن حقيقة أنّ المحاكم تتعرّض لهجمت سياسية صريحة ما زالت أمرًا محيًّا. فوفقًا لنظرية فصل السلطات، على سبيل المثال، لا بد للقضاة الذين يواجهون مثل هذه القيود من أن يغيروا سلوكهم لتفادي العقاب. ونتيجة لذلك، ينبغي ألّ تضطرّ الحكومات قط إلى اتّخاذ "الإجراء الأقصى" بطرد القضاة. وبافتراض أنّ هنالك ما يكفي من المعلومات، وأن القضاة عقلانيون، فلا بدّ من أن يبقى هذا النوع من عدم الاستقرار المؤسسّي بعيدًا كل البعد عن مسار التوازن. عندما تقع مثل هذه الأزمات بين السلطات، من المغري أن نفترض أنّ واحدًا أو آخر من هذه الافتراضات الأساسية قد انتُهك. فلأول وهلة، يبدو الزعم مقنعًا بأنّ القضاة ببساطة قد لا يفهمون بيئتهم المؤسّسية على نحوٍ كافٍ. ويبدو أنّ ذلك يفسّ استعداد المحكمة الدستورية الروسية لأن تتحدّى الرئيس بوريس يلتسين خلال سنواتها الأولى في السلطة115. وعلاوة على ذلك، ما إن أُعيد تأسيس المحكمة الروسية، حتى باتت بالفعل أكثر عزوفًا عن مجابهة الحكومة116. وعلى الرغم من أن هذا المنطق يساعدنا على فهم ما يجعل النظم الديمقراطية الحديثة أكثر عرضة لهذه الأزمات، فإنّه يخفق في تفسير ابتلاء عدم الاستقرار المزمن لهذه البلدان حتى بعد أن تُعمِّر ديمقراطيتها. يطرح تحدّي افتراض عقلانية القضاة مجموعة أعقد من القضايا. ولا شك في أنّ هناك الكثير من الحالات التي يقف فيها قضاة ذوو مبادئ في وجه حكومات متغطرسة، لكن من المهم أن نعلم أنّ "قول الحقيقة في وجه السلطة" قد يكون في الواقع أقصى درجات العقلانية. قد يملك القضاة أسبابًا استراتيجية ليؤدّوا دور "البطل"، خصوصًا عندما تعتمد مسيرتهم على التقييمت المهنية لزملائهم، بخلاف آراء السياسيين القائمين117. غير أنّ هذا السلوك يتحدّى، في أقلّ تقدير، نوعًا مهًّمًّ من الأدبيات، ويتوقع من القضاة المعرضين للخطر أن يتّخذوا الحيطة والتعقّل على الدوام118. ووفقًا لهذا المنظور، يبني القضاة شرعيّتهم تدريجًا بتفادي النزاعات التي تقع بين السلطات على وجه التحديد. ولا يكونون قادرين على أن يخضعوا الحكومة لمساءلة فعّالة إلّ بعد أن تتشكّل هذه الشرعية، وتواجه الحكومات عقوبات شعبية لعدم امتثالها للقرارات القضائية. على الرغم من أنّ المحكمة الدستورية العليا المصريّة في ظل مبارك، أو المحكمة الدستورية البيروفية في ظل فوجيموري تعزّزان كثيرًا أطروحة الحيطة القضائية، فإن انهيار الحكومات التي تصادمت مع المحاكم الناشطة في باكستان والإكوادور يشير إلى أن البطولات القضائية تأتي بنتيجة أحيانًا. ولعل فهم الزمن الذي قد ينجح فيه مثل هذا السلوك المخاطر من القضاة وسببه يوفّر لنا تبصًّا في المحاولات التي لا تنجح. تفيد هنا على نحو خاص نظرية ستيتون عن الكيفية التي تبني بها المحاكم الدعم الشعبي. فهو يشير إلى أنّ القضاة الذين ينظر إليهم الجمهور على أنهم يسلكون سلوكًا استراتيجيًّا، لا يُرجّح أن ينالوا شرعية. وبالفعل، فإنّ القرارات المعادية للحكومة قد تزيد، في ظروف معيّنة، من إيمان الشعب بنزاهة القضاء، في حين لا تملك

  1. Pomeranz 1997, cited in: Stephenson, "Court of Public Opinion: Government Accountability and Judicial Independence," pp. 379-399.
  2. Ibid.; L. Epstein, J. Knight & O. Shvetsova, "The Role of Constitutional Courts in the Establishment and Maintenance of Democratic Systems of Government," Law & Society Review , vol. 35, no. 1 (2001), pp. 117-164. 108 نتوجّه بالشكر إلى مُراجع (لا يُعرف اسمه) أشار لنا بهذه الملاحظة.
  3. Ginsburg, Judicial Review in New Democracies ; Stephenson, "Court of Public Opinion: Government Accountability and Judicial Independence"; Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany ; Carrubba, "A Model of Endogenous Development of Judicial Institutions in Federal and International Systems," pp. 55-69.

القرارات المساندة للحكومة ذلك التأثير119. يوفّر هذا نقطة انطلاق معقولة لفهم ما يدفع القضاة إلى أن يتحدّوا الحكومةَ، حتى حين يفتقرون إلى دعم شعبي قوي. وحتى لو كانوا عاجزين عن تفادي إثارة أزمة دستورية كاملة على المدى القريب، فقد تكون هذه القرارات مفيدةً على المدى البعيد. ثمة أدلة أخرى لأسباب حدوث الهجمت القضائية، تأتي من بعض النظريّات التي سبق أن تطرّقنا إليها. على سبيل المثال، ترى نظرية التأمين أنّ الظروف التي تدفع السياسيين إلى تأسيس المحاكم المستقلة – أعني توقّع أنّهم سوف يواصلون تبادل السلطة مع المعارضة - هي ضرورية، لكنها ليست كافية120. فخيار استقلال القضاء عند توقّع تبادل السلطة، في تكرار لا ينتهي لمعضلة السجين، ليس سوى استراتيجية واحدة من استراتيجيات عدة يمكن الإبقاء عليها في حال من التوازن. وعلى وجه الخصوص، فإنّ احتمل حصول التعاون يتوقف بصورة أساسية على إن كان السياسيون يتوقعون من المعارضة أن تُبقي على وجود هيئة قضائية مستقلّة في المستقبل121. فحين لا يكون للسياسيين مثل هذه التوقعات، لا يكون هناك معنى لأن ينقصوا سيطرتهم على المحاكم. وفي مثل هذه الظروف، من الاستراتيجيات المعقولة للحكومات أن تعمد إلى حلّ المحكمة وإعادة تشكيلها كلّم استلمت السلطة122. وهكذا، لن تقود المنافسة الانتخابية وحدها إلى التعاون تلقائيًّا، خصوصًا إذا كان للسياسيين تاريخٌ في انتهاك الاستقلال. يعمد نوع أحدث من النمذج النظرية لهذه اللعبة، قائم على معلومات ناقصة، إلى دمج استراتيجيات كل من السياسيين والقضاة، ويقترح مجموعة أخرى من الحلول لهذه الأحجية. ففي نموذج فانبرغ123 النافذ للمراجعة القضائية، على سبيل المثال، يعمل القضاة والمشرّعون في بيئة قرارات لا يكونون فيها متيقنين، لا من شفافية القرارات القضائية، ولا من مستوى الدعم الشعبي للمحكمة. ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة هنا، "التوازن التنازعي" Equilibrium Contentious، حيث تحكم المحكمة ضد الحكومة وتفشل الحكومة بالامتثال. يحدث مثل هذا السلوك كلّم كانت الظنون حيال مستوى الدعم الشعبي للمحكمة وشفافية قرارات المحكمة أعلى من عتبة قدرة المحكمة على نقض التشريعات، وأشد انخفاضًا من عتبة قدرة المشرّع على تفادي قرارات المحكمة124. ومع أنّ هذا النموذج لا ينطبق على مسألة عدم الاستقرار المؤسسّي في حد ذاتها، فإنّه ينطوي على نتيجتين غير بدهيتين، تتطلّبان مزيدًا من البحث: الأولى، هي ما يقترحه نموذج فانبرغ من احتمل تزايد الخلافات القضائية التشريعية بتزايد الدعم الشعبي للقضاء125. ذلك أنّه حين يكون السياسيون أكثر استعدادًا لقبول المساءلة على سلطتهم، يكون القضاة أيضًا أكثر استعدادًا لإخضاع الحكومة للمساءلة. وقد تفسّ مثل هذه الدينامية سبب سعي المحكمة الدستورية العليا المصرية

  1. Jeffrey K. Staton, unpublished book manuscript.
  2. J. M. Ramseyer, "The Puzzling (in) Dependence of Courts: A Comparative Approach," Journal of Legal Studie , vol. 23, no. 2 (1994), pp. 721-747.
  3. Ibid., p. 742.
  4. وفقًا للنظرية المعروفة باسم (Theorem Folk the)، وهي واحدة من نظريات المباريات، فإن، جميع التوازنات ممكنة في مباريات معضلة السجين المتكرّرة. ولذلك، فإنّ توليد اقتراحات قابلة للتجريب يوجب على المحلِّل أن يُبيّ ما يجعل ظهور بعض التوازنات مرجّحًا أكثر من سواها.
  5. Vanberg, The Politics of Constitutional Review in Germany.
  6. Ibid., p. 36.
  7. Ibid., p. 43.

لأن تتحدّى الحكومة حين توسّعت شبكات دعمها. والثانية، النابعة من رواية فانبرغ، هي أنّ النزاع بين السلطات يكون، بعكس ما يقوله دال، أكثر احتملً كلّم تماثلت تفضيلاتها. فحين يكون المشرّع شديد الثقة بأن المحاكم ستلتزم سياساته، من المرجح أن يتبنّى تشريعات ما كان ليتبنّاها مع محكمة أقلّ ودًّا. وهذا ما يوفّر سببًا جديدًا لحكم القضاة ضد الحكومة التي عيّنتهم حتى إن كانت هذه الحكومة لا تزال قوية نسبيًا. يوفّر نموذج هيلمكه للحيطة أو الانشقاق الاستراتيجي تفسيرًا آخر للأزمات بين السلطات. فعلاوة على تحديد الظروف التي يتحدّى فيها القضاة الحكومة، ينطوي هذا النموذج على توازن قائم على "تبعية قضائية" Dependence Judicial، حيث يحكم القضاة بصدق ضد تفضيلات الحكومة القادمة، ويُعاقبون على ذلك. وما يجعل هذه الاستراتيجيات تفرض ذاتها، هو أنّه حين يُحسم أمر القضاة، لا يعود لديهم كبير حافز لأن يتصرّفوا استراتيجيًا. والأمر الأساس هنا هو أنّ القضاة يتصرّفون "بصدق"، لا حين يكونون غير مقيّدين (أي حين تكون الحكومة عاجزة) فحسب، بل أيضًا حين يكونون عاجزين عن فعل أي شيء في خصوص قيودهم (أي حين يكون عزل الحكومة التالية للقاضي أمرًا مؤكّدًا). يُيّز هذا الفارق بين الأرجنتين، حيث عادةً ما حافظ القضاة على مواقعهم أو سيقوا على الأقل إلى الاعتقاد أنها قد تكون قائمة على القرارات التي اتّخذوها، والإكوادور، حيث كان عزْل القضاة في حكم المُحتّم، ومن ثم لا ينال القضاة الكثير من جرّاء تصرّفهم الاستراتيجي. مؤخّرًا، بيّنت هيلمكه كيفية نشوء النزاع بين السلطات باستخدام نموذج بسيط للمساومات في الأزمات. تلقي هذه النظرية الضوء على محفّزين أساسييّن لعدم الاستقرار المؤسسّي: انعدام الدعم الشعبي للمؤسّسات، وتركّز السلطة في الرئاسة. فالقضاة الذين يفتقرون إلى الدعم الشعبي، يُخفّضون الأثمان التي يواجهها السياسيون في حال قرروا مهاجمة القضاة. وتذكّرنا أمثلة، كفنزويلا في ظلّ [هوغو] شافيز، والبيرو في ظلّ فوجيموري، بأنّ الحكومة يمكن أن تفيد بالفعل من مهاجمة المحاكم المكروهة على نطاق واسع، ما يقلب الفكرة المنتشرة عن أن الرأي العام يحمي القضاة إذا ما نُظِر إليهم على أنهم شرعيون. وعلاوة على ذلك، فإنّه حين تؤدّي الهجمت الناجحة على المحاكم إلى تقليل دعمها الشعبي، يوفّر ذلك سببًا آخر لوقوع بلدان، كالأرجنتين أو الإكوادور، في شراك عدم الاستقرار المؤسسّي. يوفّر تركّز السلطة في يد الرئيس المصدر الآخر للنزاع بين السلطات. فالرؤساء الأقوياء يزيدون كًّلًّ من دوافع المعارضة لمهاجمة الرئاسة، ودوافع الرئيس لمحاولة التحكّم في أفرع الحكومة الأخرى كي يتجنّب مثل هذه الهجمت. هكذا يخلق الرؤساء الأقوياء بصورة أساسية مشكلة التزام بين سلطات الحكومة أشبه بالحرب الوقائية. ويعود هذا التصور بالتصميم المؤسسّي الرسمي إلى واجهة تحليلنا للأزمات بين

  1. ينظر: Moustafa, The Struggle for Constitutional Power.
  2. Helmke, Courts under Constraints.
  3. Ibid.
  4. مقابلة عبر الهاتف مع س. بيسابه. [د. ت].
  5. Gretchen Helmke, The Origins of Institutional Crises in Latin America: A unified Strategic Model and Test , Paper Presented at Rule of Law Workshop, Yale University, 2008, pp. 28-29.
  6. Helmke, The Origins of Institutional Crises ; J. Fearon, "Commitment Problems and the Spread of Ethnic Conflict," in: David Lake & Donaald Rothchild (eds.), The International Spread of Ethnic Conflict: Fear, Diffusion, and Escalation (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998), pp. 107-126; Robert Powell, "War as a Commitment Problem," International Organization , vol. 60, no. 1 (Winter 2006), pp.169-203.

السلطات، لكنّه يُلحّ على أن استقلال القضاء يقوم على ما هو أكثر من تأمين منصب القضاة مدى الحياة، أو الحصول على ضمنات مؤسّسية أخرى لحق المحكمة. والأهم من ذلك، هو ما يشير إليه هذا المنطق من أنّ الضمنات المؤسّسية للمحاكم لا تفرض نفسها بنفسها إلّ إذا كانت رهانات التحكّم في السلطات الأخرى منخفضة نسبيًا هي أيضًا.

خاتمة

يمكن القول إن استقلال القضاء هو المفهوم الوحيد من مفاهيم الحكامة الحديثة الذي يتمتّع باحترام أوسع انتشارًا من مفهوم الديمقراطية. ويُنظَر إلى الهيئات القضائية بالتفاؤل ذاته الذي ينظر به المستثمرون الراغبون في ضمن الحقوق الاقتصادية والمضطهدون الذين يسعون وراء الضمنات الدستورية الأساسية. وعلى الرغم من أنّ الأغنياء وأولئك الذين يكرهونهم يواصلون النظر بعين الحذر بعضهم إلى بعض، فإنهم يتقاسمون دعم مؤسّسة يأملون في أن تُجسّد تعاملً منصفًا بعيدًا عن جشع الفقر، أو منافع الامتياز. تفحّصنا، في هذه الدراسة، سبب سير الديمقراطية واستقلال القضاء وحكم القانون جنبًا إلى جنب في بعض الحالات، دون بعضها الآخر. وخلصنا إلى أنّ الديمقراطية ضرورية، لكنها ليست كافية لاستقلال القضاء. لكنّ المهم بالمثل هو أنّ استقلال القضاء ليس مرادفًا لحكم القانون، ولا يؤدّي إليه تلقائيًا. وغالبًا ما يُفضي فصل السلطات، بوصفه أداة من أدوات الحكومة المقيدة، إلى محاكم مستقلّة، ويمكن أن يدعّم الرأي العام حكم القانون بغض النظر عن استقلال القضاء. وفي بعض الأحيان تدعم هذه الآليات بعضها بعضًا. لكن كًّلًّ منها يمكن أن تعوّض، بدرجات مختلفة، ما تفتقر إليه الأخريات. من جانب العرض، لا يمكن للحكومات التي تفتقر إلى الضوابط والقيود المؤسسية أن توفّر أساسًا يُعوّل عليه، سواء لاستقلال القضاء أم لحكم القانون. ولا يمكن لأي حكومةٍ أن تعطي التزامًا قابلً للتصديق بأن تحترم محكمة تتحدّاها في قضايا حسّاسة سياسيًا، ما لم تكن تلك الحكومة عاجزة في الحقيقة عن أن تتصرّف ضد التهديدات التي تواجه حكمها. وقد ترغب النظم التسلطية في إغراء المستثمرين بوعود بحقوق الملكية الآمنة، لكن هذه الوعود تتوقف إلى حدٍ بعيد على المواءمات السياسية. وتميّز سرعة زوالها بين حق الاختلاف بين "الحكم بالقانون"، كي نستخدم عبارة باروس، و"حكم القانون". في الديمقراطيات أيضًا، يَعِدُ الكثير من الحكومات بمجموعة من الحقوق، من دون إقرار بأنّ الأغلبية التشريعية قد تُعيد صوغ تلك الحقوق أو تسحبها. وحتى في النظم الديمقراطية التي تتبنّى نظامًا لفصل السلطات، فإن السلطة القضائية لا تكون مستقلّة إلّ بقدر عجز السلطتين التنفيذية والتشريعية عن الاتفاق؛ وعلى الرغم من الاختلافات الحزبية، فإن الهيئات القضائية تميل إلى أن تعكس، ثقافيًا، رؤى العالم السائدة. فحريّة التعبير التي تُغضب الأغلبيات قد تستدعي تغييرًا في تعريفات كل من "الحرية" أو "التعبير".

  1. Barros.
  2. Horowitz, pp. 125-137.

من جهة الطلب، يمكن أن يقوم الجمهور بدور محوري، سواء في دعم استقلال القضاء أم في ضمن احترام الحقوق. وحين يواجه القضاة حكومة موحّدة، يمكن أن يحميهم الدعم الشعبي من الضغط السياسي. وبالعكس، فإنّ الاستياء الشعبي المنتشر من المحاكم، يوفّر للسياسيين مبررًا جاهزًا لانتهاك استقلال القضاء. وفي هذه الحالات، غالبًا ما يُفاقم "الإصلاح" القضائي المشكلة؛ إذ يُعزّز تصوّر الجمهور أن القضاة ينهضون وينهارون بقوة الحكومة القائمة. يمكن لقوة الدعم الشعبي لحقوق الأفراد والأقليات، وتماسك هذا الدعم، أن يصُبّا في مصلحة حكم القانون أيضًا. والحال، إنّه لدى تفسير احترام الحكومة لمثل هذه الحقوق، قد يخفّ تقدير الدعم الشعبي من جهة الطلب، بقدر ما يُبالغ في تقدير استقلال القضاء من جهة العرض. وكم رأينا في حالات السيادة البرلمانية الإنكليزية والأوروبية، تُصِّ جمهير الناخبين بصورة روتينية على احترام الحقوق السياسية، على الرغم من أنّ الأغلبيات التشريعية ليست خاضعة لرقابة حقوق النقض المؤسّسية المتعددة. وفي المقابل، يمكن لغياب الدعم الشعبي لحقوق الأقليات أن يُضعف القضاء الناشط. وتبيّ الأدلة الإمبريقية القادمة من روسيا، أنّ قدرة المحاكم على إقناع الشعب، حين تتخذ قرارات غير متسامحة تجاه حقوق الأقليات، تكون أكبر منها بكثير في حال دعم القضاة تلك الحقوق. نظرًا إلى تقلّب الأغلبيات وجنون الغوغاء، قد يبدو الرأي العام ركيزةً أضعف من أن يقوم عليها مصير المحاكم، فم بالك بضمن حقوق الأفراد والأقليات! ونحن نوافق على ذلك. وحتى حين تكون لدى الجمهور معلومات كافية عن الدور الذي تؤدّيه المحاكم والمخاطر التي تواجهها، فإنّ الانتخابات أداة أوهى من أن تؤمّن استقلال القضاء. ولعل الأمر الأهم هو أنّ احترام الحقوق ليس بالمخزون الكامن في كل مكان، لا ينتظر سوى أن يطلقه حكم ديمقراطي. فالأغلبيات الكبيرة المنوعة يمكن أن تُغيّ الأولويات بسرعة مذهلة، وتقع في أيدي اللاعبين السياسيين الماهرين؛ فتحمل الأقليات غير المحبوبة عبء الازدراء الاجتمعي الإضافي. وما نراه هو أنه حيث يوجد الدعم الشعبي للحقوق، يكون كل من استقلال القضاء وحكم القانون أكثر قوة. السؤال الرئيس، إذًا، هو كيف تتوصل الجمهير إلى القيام بهذا الدور البنّاء المتمثّل في معاقبة الحكومات على إساءاتها للضعفاء، فضلً عن إساءاتها للأغلبيات. لمثال إنكلترا تاريخ عريق في معارضة الاضطهاد، بزغت منه ثقافة مراقبة سياسية قوية، وحيث يُفتقَر إلى هذه التجربة التطورية، يمكن للفصل المؤسسّي للسلطات أو التشرذم السياسي أن يصبحا بديلً جزئيًا يعرقل الهيمنة السياسية. غير أنه ليس ثمة سوى الأمل، من دون أي ضمن، بأن تجد المحكمة المتّسعَ للمناورة بين سلطات الدولة المتنافسة، وإذا ما فعلت، فذلك ما سيحمي حقوق الأفراد والأقليات. خلاصة القول إنّ المؤسّسات لا توفّر الحلول لمشكلات الالتزام فحسب، بل تقتضي أيضًا تلك المشكلات. وكي تتمتّع المجتمعات بطيف واسع من الحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية، يجب أن تكون هذه الحقوق قادرة على أن تفرض ذاتها، أو أن تكون المؤسّسات التي تحمي هذه الحقوق – المحاكم المستقلة - قادرة على أن تفرض ذاتها. وإذا ما كانت النظم الديمقراطية أكثر نجاحًا من النظم الدكتاتورية، مع أنها لا تزال بعيدة عن الكمل، فذلك لأن السلطة في ظلّ هذه النظم تكون موزعة على الأرجح وخاضعة لمساءلة الجمهور.

  1. Vanessa A. Baird & Debra Javeline, "The Persuasive Power of Russian Courts," Political Research Quarterly , vol. 60, no. 3 (2007), pp. 429–442.

إفصاح

ليست المؤلفتان على دراية بأي انتمءات أو عضويات أو تمويلات أو مقتنيات مالية يمكن أن يُرى أنها ذات تأثير في موضوعية هذه المراجعة.

شكر وتقدير

نتوجّه بالشكر إلى مراجع طلب عدم ذكر اسمه على ما قدّمه من اقتراحات مفيدة. ونشكر أيضًا مارغريت ليفي ومشاركين آخرين في ورشة العمل حول حكم القانون في جامعة ييل، 29-28 آذار/ مارس 2008 على تحفيز تفكيرنا في هذا الموضوع، كم نشكر جيفري ستيتون على اقتراحاته القيّمة، وووكر فرام على مساعدته البحثيّة الاستثنائية.

المراجع

Ackerman, Bruce. The Failure of the Founding Fathers: Jefferson, Marshall, and the Rise of Presidential Democracy. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University 2005.

Baird, Vanessa A. & Debra Javeline. "The Persuasive Power of Russian Courts." Political Research Quarterly. vol. 60, no. 3 (2007).

Barros, Robert. Constitutionalism and Dictatorship: Pinochet, the Junta, and the 1980 Constitution. Cambridge Studies in the Theory of Democracy. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2002.

Bates, R. et al. (eds.). Analytical Narratives. Princeton: Princeton University Press, 1998. Baum, Lawrence. The Puzzle of Judicial Behavior. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1997.

Bickel, Alexander M. The Least Dangerous Branch: The Supreme Court at the Bar of Politics. New Haven, CT: Yale University Press, 1986.

Boylan, Delia M. Defusing Democracy: Central Bank Autonomy and the Transition from Authoritarian Rule. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2001.

Brinks, Daniel M. The Judicial Response to Police Violence in Latin America: Inequality and the Rule of Law. New York: Cambridge University 2008.

Burbank, S. B. & B. Friedman (eds.). Judicial Independence at the Crossroads: An Interdisciplinary Approach. Thousand Oaks, CA: Sage, 2002.

Caldeira, Gregory A. "Neither the Purse Nor the Sword: Dynamics of Public Confidence in the Supreme Court." The American Political Science Review , vol. 80, no. 4 (December 1986).

Carrubba, C. J. & Gabel M. A. Comparative Study of the Institutionalization of Judiciaries (Unpublished Book Manuscript).

Carrubba, Clifford James. "A Model of Endogenous Development of Judicial Institutions in Federal and International Systems." The Journal of Politics. vol. 71, no. 1 (January 2009).

Chávez, Rebecca Bill et al. "A Theory of the Politically Independent Judiciary." Paper Presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association. Philadelphia, PA (August 2003).

Clark, T. S. "The Separation of Powers, Court-curbing, and Judicial Legitimacy." Paper Presented at the Annual Meeting of the Midwest Political Science Association. Chicago, 2007.

Dahl, R. "The Concept of Power." Behavioral Science. vol. 2, no. 3 (1957).

Dworkin, Ronald. "Sex, Death, and the Courts." The New York Review of Books. vol. 46, no. 13 (1996).

Dyzenhaus, David. "Cycles of Legality in Emergency Times." Public Law Review. vol. 18, no. 3 (September 2007).

Ely, J. H. Democracy and Distrust: A Theory of Judicial Review. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980.

Epp, Charles R. The Rights Revolution: Lawyers, Activists, and the Supreme Court in Comparative Perspective. Chicago: University Chicago Press, 1998.

Epstein, L., J. Knight & O. Shvetsova. "The Role of Constitutional Courts in the Establishment and Maintenance of Democratic Systems of Government." Law & Society Review , vol. 35, no. 1 (2001).

Epstein, Lee & Jack Knight. The Choices Justices Make. Washington, DC: Congr. Q. Press: Ferejohn, John & Barry R. Weingast. "A Positive Theory of Statutory Interpretation." International Review of Law and Economics. vol. 12, no. 2 (1992).

Ferejohn, John & Charles Shipan. "Congressional Influence on Bureaucracy." The Journal of Law, Economics & Organization. vol. 6, Special Issue: [Papers from the Organization of Political Institutions Conference, April 1990] (1990).

Ferejohn, John & Pasquale Pasquino. "Constitutional Adjudication: Lessons from Europe." Texas Law Review. no. 7 (2004).

Finkel, Jodi S. Judicial Reform as Political Insurance: Argentina, Peru, and Mexico in the 1990s. Notre Dame, IN: University Notre Dame, 2008.

Fiorina, Morris P. Retrospective Voting in American National Elections. New Haven, CT: Yale University Press, 1981.

Fisher, W. "Militant Islamicist Terrorism in Europe: Are France and the United Kingdom Legally Prepared for the Challenge?" Washington University Global Studies Law Review. vol. 6, no. 2 (2008).

Gabrielli, Adolfo R. La Corte Suprema De Justicia Y La Opinion Pública, 1976–1983. Buenos Aires: Abeledo-Perrot, 1986.

Geddes, Barbara. Politician's Dilemma: Building State Capacity in Latin America. Berkeley: University California Press, 1994.

Gely, Rafael & Pablo T. Spiller. "A Rational Choice Theory of Supreme Court Statutory Decisions with Applications to the State Farm and Grove City Cases." The Journal of Law, Economics & Organization. vol. 6, no. 2 (1990).

Gibson, James L., Gregory A. Caldeira & Vanessa A. Baird. "On the Legitimacy of National High Courts." The American Political Science Review. vol. 92, no. 2 (June 1998).

Ginsburg, T. "Constitutional Courts in New Democracies: Understanding Variation in East Asia." Global Jurist Advances. vol. 2, no. 1 (2002).

Ginsburg, Tom & Tamir Moustafa (eds.). Rule by Law: The Politics of Courts in Authoritarian Regimes. New York: Cambridge University Press, 2008.

Ginsburg, Tom. Judicial Review in New Democracies. New York: Cambridge University Press, 2003.

Graber, Mark. "The Nonmajoritarian Difficulty: Legislative Deference to the Judiciary." Studies in American Political Development. vol. 7 (Spring 1993).

Haggard, S. et al. "The Rule of Law and Economic Development." Annual Review of Political Science. no. 11 (June 2008).

Harvey, Anna & Barry Friedman, "Pulling Punches: Congressional Constraints on the Supreme Court's Constitutional Rulings, 1987-2000." Legislative Studies Quarterly. vol. 31, no. 4 (November 2006).

Helmke, G. & M. S. Sanders. "Modeling Motivations: A New Technique for Inferring Judicial Goals." Journal of Politics. vol. 68, no. 4 (2006).

Haynie, Stacia. Judging in Black and White: Decision Making in the South African Appellate Division, 1950–1990. New York: Peter-Lang, 2003.

Helen Henning, Virginia. "Anti-terrorism, Crime and Security Act 2001: Has the United Kingdom Made a Valid Derogation from the European Convention on Human Rights?" American University International Law Review. vol. 17, no. 6 (2002).

Helmke, G. & S. Levitsky (eds.). Informal Institutions and Democracy: Lessons from Latin America. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2006.

Helmke, Gretchen & Frances Rosenbluth. "Regimes and the Rule of Law: Judicial Independence in Comparative Perspective." Annual Review of Political Science. no. 12 (2009).

Helmke, Gretchen. "The Logic of Strategic Defection: Court-executive Relations in Argentina under Dictatorship and Democracy." American Political Science Review. vol. 96, no. 2 (June 2002).

________. Courts under Constraints: Judges, Generals and Presidents in Argentina. New York: Cambridge University Press, 2005.

________. The Origins of Institutional Crises in Latin America: A unified Strategic Model and Test. Paper Presented at Rule of Law Workshop. Yale University. 2008.

Hilbink, Lisa. Democracy and Dictatorship: Lessons from Chile. New York: Cambridge University Press, 2007.

Hirschl, R. "Repositioning the Judicialization of Politics: Bush v. Gore as a Global Trend." Canadian Journal of Law and Jurisprudence. vol. 15, no. 2 (2002).

________. Towards Juristocracy. The Origins and Consequences of the New Constitutionalism. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004.

Horn, Murray J. The Political Economy of Public Administration: Institutional Choice in the Public Sector. New York: Cambridge University Press, 1995.

Horowitz, D. "Constitutional Courts: A Primer for Decision Makers." Journal of Democracy. vol. 17, no. 4 (October 2006).

Jenkins, Christopher D. "The Institutional and Substantive Effects of the Human Rights Act in the United Kingdom." Dalhousie Law Journal. vol. 24, no. 2 (2001).

La Porta, Rafael et al. "Law and Finance." Journal of Political Economy. vol. 106, no. 6 (December 1998).

Lake, David & Donaald Rothchild (eds.). The International Spread of Ethnic Conflict: Fear, Diffusion, and Escalation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998.

Landes, William M. & Richard A. Posner. "The Independent Judiciary in an Interest-Group Perspective." The Journal of Law & Economics. vol. 18, no. 3 (Economic Analysis of Political Behavior: Universities-National Bureau Conference Series Number 29) (December 1975).

Larkins, Christopher M. "Judicial Independence and Democratization: A Theoretical and Conceptual Analysis." American Journal of Comparative Law. vol. 44, no. 4 (1996). Lohmann, Susanne. "Federalism and Central Bank Independence: The Politics of German Monetary Policy, 1957– 1992." World Politics. vol. 50 (1998).

Mainwaring, Scott & Christoper Welna (eds.). Democratic Accountability in Latin America. Oxford: Oxford University Press, 2003.

Maravall, Jose Maria & Adam Przeworski (eds.). Democracy and the Rule of Law. New York: Cambridge University Press, 2003.

McCubbins, Mathew D. & Thomas Schwartz. "Congressional Oversight Overlooked: Police Patrols versus Fire Alarms." American Journal of Political Science. vol. 28, no. 1 (February 1984).

McIlwain, Charles Howard. The High Court of Parliament and Its Supremacy: An Historical Essay on the Boundaries between Legislation and Adjudication in England. New Haven, CT: Yale University Press, 1910.

Moraski, Bryon J. & Charles R. Shipan. "The Politics of Supreme Court Nominations: A Theory of Institutional Constraints and Choices." American Journal of Political Science. vol. 43, no. 4 (October 1999).

Moustafa, Tamir. The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt. New York: Cambridge University Press, 2007.

Navia, Patricio & Julio Ríos-Figueroa. "The Constitutional Adjudication Mosaic of Latin America." Comparative Political Studies. vol. 38, no. 2 (2005).

Nino, Carlos Santiago. Radical Evil on Trial. New Haven, CT: Yale University Press, 1996. North, Douglass & Barry Weingast. "Constitutions and Commitment: The Evolution of Institutions Governing Public Choice in Seventeenth Century England." The Journal of Economic History. vol. 49, no. 4 (December 1989).

O'Sullivan, John. "The Islamic Republic of Holland." National Review. vol. 57, no.13 (2005). Pogany, Istvan. "Constitutional Reform in Central and Eastern Europe: Hungary's Transition to Democracy." The International and Comparative Law Quarterly. vol. 42, no. 2 (April 1993).

Powell, Robert. "War as a Commitment Problem." International Organization. vol. 60, no. 1 (Winter 2006).

Ríos-Figueroa, J. "Judicial Independence: Definition, Measurement, and its Effects on Corruption." PhD Thesis. Department of Politics, New York University, New York,

Ríos-Figueroa, Julio & Jeffirey K. Staton. "Unpacking the Rule of Law: A Review of Judicial Independence Measures." Comm. Concepts and Methods Work. Paper Series. CIDE, Mexico City (2008).

Ramseyer, J. M. & Eric Rasmusen. "Judicial Independence in a Civil Law Regime: The Evidence from Japan." The Journal of Law, Economics & Organization. vol. 13, no. 2 (October 1997).

Ramseyer, J. M. & F. M. Rosenbluth, Japan's Political Marketplace. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993.

Ramseyer, J. M. "The Puzzling (in) Dependence of Courts: A Comparative Approach." Journal of Legal Studies. vol. 23, no. 2 (1994).

Ramseyer, J. M. & Eric B. Rasmusen. "Judicial Independence in a Civil Law Regime: The Evidence from Japan." The Journal of Law, Economics & Organization. vol. 13, no. 2 (October 1997).

Roe, Mark J. "Legal Origins, Politics, and Modern Stock Markets." Harvard Law Review. vol. 120, no. 2 (December 2006).

Rogers, J. R. & R. B. Flemming (eds.). Institutional Games and the U.S. Supreme Court. Charlottesville: University Virginia Press, 2006.

Rogers, R. "Information and Judicial Review: A Signaling Game of Legislative-Judicial Interaction." American Journal of Political Science. vol. 45, no. 1 (January 2001).

Rosberg, J. "Roads to the Rule of Law: The Emergence of an Independent Judiciary in Contemporary Egypt." PhD thesis. Department of Political Science. Massachusetts Institute of Technology. Massachusetts, 1995.

Rosenberg, Gerald N. "Judicial Independence and the Reality of Political Power." Review of Politics. vol. 54, no. 3 (1992).

Salzberger, Eli M. "A Positive Analysis of the Doctrine of Separation of Powers, or: Why do we have an Independent Judiciary?" International Review of Law and Economics. vol. 13, no. 4 (December 1993).

Shapiro, M. & A. Stone Sweet. On Law, Politics, and Judicialization. Oxford, UK: Oxford University Press, 2002.

Staton, Jeffrey K. "Constitutional Review and the Selective Promotion of Case Results." American Journal of Political Science. vol. 50, no. 1 (January 2006).

________. Going Public from the Bench: Strategic Communication and the Construction of Judicial Power (Unpublished Manuscript).

Stephenson, Matthew C. "Court of Public Opinion: Government Accountability and Judicial Independence." The Journal of Law, Economics, & Organization. vol. 20, no. 2 (October 2004).

________. "'When the Devil Turns…'": The Political Foundations of Independent Judicial Review." The Journal of Legal Studies. vol. 32, no. 1 (January 2003).

Sweet, Alec Stone. "Constitutional Courts and Parliamentary Democracy." West European Politics. no. 25 (2002).

Tate, N. C. & T. Vallinder (eds.). The Global Expansion of Judicial Power. New York: NY University Press, 1995.

Toharia, José J. "Judicial Independence in an Authoritarian Regime: The Case of Contemporary Spain." Law & Society Review. vol. 9, no. 3 (1975).

Vanberg, Georg. "Legislative-Judicial Relations: A Game-Theoretic Approach to Constitutional Review." American Journal of Political Science. vol. 45, no. 2 (April

_______. The Politics of Constitutional Review in Germany. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2005.

Walker, Clive. "Clamping Down on Terrorism in the United Kingdom." Journal of International Criminal Justice. vol. 4, no. 5 (November 2006).

Weingast, Barry R. "Political Foundations of Democracy and the Rule of Law." The American Political Science Review. vol. 91, no. 2 (June 1997).

Widner, Jennifer A. Building the Rule of Law. New York/ London: W.W. Norton, 2001.

Williams, David. "The United Kingdom's Response to International Terrorism." Indiana International & Comparative Law Review. vol. 13. no. 3 (2003).

Wittington, Keith. Constitutional Construction: Divided Powers and Constitutional Meaning. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999.