استثمار الرياضة في تعزيز أهداف التنمية المستدامة: حالة القطاع الإنساني والتنموي القطري بعد كأس العالم
Investing in Sports to Promote Sustainable Development Goals: The Case of the Qatari Humanitarian and Development Sector Post-World Cup
الملخّص
ملخص: تسلّط الدراسة الضوء على أحد مقاصد استضافة قطر لبطولة كأس العالم 2022، المتمثل بالمساهمة في تحقيق أهداف التنمية الطويلة المدى المنصوص عليها في "رؤية قطر الوطنية 2030"، وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والذي وثّقته قطر بتعهدات طموحة بجعل البطولة "الأكثر استدامة في تاريخ اللعبة". تركّز الدراسة تحديدًا على مساهمة منظمت القطاع الإنساني والتنموي في قطر من زاوية استخدام الرياضة أداةً لإنجاز أهداف التنمية المستدامة، وذلك بمحاولة استكشاف واقع تلك الجهود وتقييمها وآفاق تعزيزها. تتبع الدراسة المنهج الكيفي، مستندة إلى مراجعة الأدبيات، والتقارير المتخصصة، وبيانات أولية جرى جمعها من مقابلاتٍ شبه منظمةٍ ومراسلات رسمية مع الجهات الفاعلة الرئيسة. توصلت الدراسة إلى نتائج تمحورت حول ماهية النهج المختلفة المتبعة من جانب المنظمت الفاعلة القطَرية في استثمر الرياضة لتعزيز التنمية المستدامة، والمستويات المتفاوتة لإشراك المجتمعات المحلّية في تدخلاتها تلك، إلى جانب تركيزها على التنمية الفردية بصفتها مدخلًا للتنمية الهيكلية للمجتمع. وقد سلطت الضوء أيضًا على بعض ما يواجهها من تحديات ومسائل متعلقة بالتمويل والتقويم والاستدامة، فضلًا عن التطرق إلى آفاق تطوير نهجها وممرساتها، لتخلص إلى مجموعة من التوصيات لتعزيز تلك الجهود. كلمت مفتاحية: التنمية، أهداف التنمية المستدامة، منظمت إنسانية، الرياضة، قطر، كأس العالم. Abstract: This study examines Qatar's utilization of the 2022 World Cup as a catalyst for achieving the long-term development goals outlined in Qatar National Vision 2030 and the UN's Sustainable Development Goals. It specifically investigates how Qatari humanitarian and development organizations leverage sports to further these objectives, evaluating the current effectiveness and potential of these efforts. Employing a qualitative approach based on literature review, specialized reports, and stakeholder insights, the study reveals diverse strategies among Qatari organizations. Findings indicate varying levels of community involvement and an emphasis on individual development as a pathway to broader social change. Challenges related to funding, evaluation, and sustainability are discussed alongside recommendations to optimize future approaches and outcomes.
Abstract
This study examines Qatar's utilization of the 2022 World Cup as a catalyst for achieving the long-term development goals outlined in Qatar National Vision 2030 and the UN's Sustainable Development Goals. It specifically investigates how Qatari humanitarian and development organizations leverage sports to further these objectives, evaluating the current effectiveness and potential of these efforts. Employing a qualitative approach based on literature review, specialized reports, and stakeholder insights, the study reveals diverse strategies among Qatari organizations. Findings indicate varying levels of community involvement and an emphasis on individual development as a pathway to broader social change. Challenges related to funding, evaluation, and sustainability are discussed alongside recommendations to optimize future approaches and outcomes.
- التنمية
- أهداف التنمية المستدامة
- منظمات إنسانية
- الرياضة
- قطر
- كأس العالم
- Sustainable Development
- Sustainable Development Goals
- Sports
- Humanitarian and Development Organizations
- Qatar
- World Cup 2022
مقدمة
اختتمت قطر نسختها من كأس العالم (فيفا قطر 2022)، البطولة الأولى من نوعها في المنطقة، والتي مثّلت، وفقًا للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، "فرصة هائلة للمنطقة للترحيب بمليارات الأشخاص من جميع أنحاء العالم والتواصل معهم، وإبراز هويتها الفريدة وثقافتها، وبناء جسور جديدة من التفاهم"1. كانت قطر قد نافست بقوة من أجل الفوز بفرصة تنظيم هذا الحدث، وقدّمت ما يفيد بتخصيص إمكانات وطنية هائلة من أجل أن يخرج هذا الحدث على الوجه الأفضل. وهذا أمر تفعله الدول عادةً لدى تقديمها العطاءات لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى. تسعى الدول، إلى جانب الفوز ببطاقة الاستضافة، للإفادة من ثقل البطولة واتساع رقعة مشاهدتها على الصعيد العالمي، من أجل الترويج للدولة وإظهار قدراتها التنافسية. وتتصل الغاية هنا بتعزيز المكانة الدولية للبلد المُضيف2، ووضع نفسه على الخريطة قوّةَ نماء وتقدم قادرة على التأثير على الصعيد الدولي. في هذا السياق، يطرح المؤرخ الرياضي ديفيد جولدبلات أن بطولة كأس العالم (فيفا قطر 2022) كانت تمثل نقلة نوعية لوضعية قطر الدولية؛ إذ "لا توجد دولة، حتى الآن، وضعت الرياضة بصفة عامة، وكأس العالم على وجه الخصوص، في قلب سياستها الخارجية وتطوّرها الاقتصادي على نحوٍ فريد مثل قطر"3. كان أحد أهم مقاصد استضافة قطر للبطولة الإسهام في تحقيق أهداف التنمية الطويلة المدى Goals Development Long-term المنصوص عليها في "رؤية قطر الوطنية 2030" وفي "استراتيجية التنمية الوطنية الثانية لدولة قطر "2022-20184، وكذلك تعزيز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة5. مثل هذا التوكيد يشيرُ إلى اهتمم خاص بما قد يربط بين استضافة البطولة والسياسات أو التدخلات (الإنسانية/ التنموية/ الوساطة وبناء السلام) الخارجية لقطر. يمثل التعاون الدولي إحدى الغايات المحورية المستهدفة في رؤية 2030، ويشمل تعزيز الدور الإقليمي للبلاد سياسًّيًا واقتصادًّيًا وثقافًّيًا، بما في ذلك - كم ورد في الرؤية - جانب المعونة الإنسانية والتنموية وتوفير الدعم والرعاية لعمليات صنع السلام والتمسك الاجتمعي وبنائهم. ويصنّف قسم كبير من إجراءات الدول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ضمن خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2023 في إطار التدخلات الخارجية6. وقد أكدت استراتيجية التنمية الوطنية الثانية بدورها - وبصورة مباشرة - محورية غاية "التعاون الدولي" بتخصيص فصلٍ لمناقشتها، سَلّطت فيه الضوء على أهمية اتساق السياسات المختلفة للدولة لتحقيق الأهداف المنشودة، وأشارت إلى أن تحقيق التعاون الدولي يُسهم في تعزيز الروابط الإقليمية
والدولية والاجتمعية والثقافية. وقد رحّبت الاستراتيجية بمساهمت كل الشركاء المعنّييّن، ومنهم الجمعيات الخيرية والمنظمت غير الحكومية7. في إطار ذلك، وقّعت قطر على تعهّدات طموحة بجعل بطولة "فيفا قطر 2022" "الأكثر استدامة في تاريخ اللعبة"، وقد عنى ذلك ألا تنعكس إيجابيًا على الجمهير فحسب، بل على الناس في قطر وخارجها، ولسنوات مقبلة على الأقل. وهو دافعٌ حفّز الابتكار في مختلف المجالات في الدولة، وبما ينعكس خارجها أيضًا، بوصفه إرثًا مستمًّرًا "حتى بعد مغادرة آخر مشجع"، بحسب ما توقّعت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. ولا يقتصر الأمر على تطوير المعايير الرياضية والتكنولوجية والبيئية المرتبطة مباشرة بالبطولة ومنشآتها وتسهيلاتها واستدامة إرثها المباشر8، حيث يُؤمل أن تبقى البطولة علامة فارقة للبلد والمنطقة كلّها في مختلف القطاعات، بما فيها قطاع العمل الإنساني والتنموي9. من هذا المنطلق، تسلّط هذه الدراسة الضوء على مساهمة منظمت القطاع الإنساني والتنموي في قطر، من زاوية استخدام الرياضة أداةً لإنجاز أهداف التنمية المستدامة. واستنادًا إلى فحص التجارب العالمية في هذا الصدد، وما يتداول بشأنها في الأدبيات، تسعى الدراسة لاستكشاف واقع الجهود والممرسات ذات الصلة وتقويمها لدى المنظمت الإنسانية والتنموية القطرية، وآفاق تعزيزها، لاستثمر الفرصة السانحة للاستفادة من إرث بطولة "فيفا قطر "202210. تمهد الدراسة لذلك ببيان العلاقة بين تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، والرياضة عمومًا، والسياسات الخارجية للدول، وكيف تعمل دائرة التأثير على خلق تلك الفرصة. ثم تستعرض، من منظور عالمي، المدخل والإمكانيات لاستثمر الرياضة بصفتها أداة تدَُّخُل Tool Intervention لتعزيز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة والإسهام في تحقيقها، وتحديدًا تلك المتصلة بمحاور الرابطة الثلاثية (الإنسانية، والتنمية، والسلام) التي تُعدّ اتجاهًا مُهًّ حالًّيًا على مستوى المجتمع الدولي، وذلك بتحليل الأهداف ذات الصلة، ثم بتقديم أمثلة مصنّفة وفق نوع التدخلات الممكنة وما قد تسهم في تعزيزه من تلك الأهداف. وتتطرق الدراسة بعد ذلك إلى أبرز الانتقادات والتحفظات بهذا الشأن، ثم تنتقل إلى استعراض نتائج البحث الميداني حول الجهود القطرية المبذولة في هذا السياق ومناقشتها، سواء أكانت مبذولة من منظمت القطاع أو من جهات قطرية معنية أخرى، واستعراض ممرساتها ذات الصلة. لتنتهي أخيرًا بتقديم مجموعة من التوصيات لتعزيز تلك الجهود واستشراف آفاقها مواكبةً للحدث ولحظته الفارقة، ومشاركةً في التوجّه الابتكاري للإسهام في تحقيق أهدافه الأوسع المتعلقة بالتنمية المستدامة. تتبع الدراسة المنهج الكيفي، حيث اعتمدت بداية، في شرح السياق والجوانب النظرية والتجارب العالمية، على مراجعة الأدبيات ذات الصلة، من أوراق وكتب ورسائل دراسات عليا، إلى جانب عدد من التقارير والمستندات
والكتيبات الإرشادية لكيانات ومنظمت إنسانية وتنموية، محلية وإقليمية وأممية، فضلًا عن الموقع الرسمي للبطولة، إضافة إلى عدد من منشورات الفيفا. ثمّ استفادت الدراسة من عدد من الأخبار الرسمية المنشورة ذات الصلة. واستندت في جانبها الميداني إلى بيانات أولية جرى جمعها بإجراء عدد من المقابلات الشخصية شبه المنظمة والمراسلات الرسمية عبر البريد الإلكتروني مع صنّاع القرار والممرسين المعنيين في أهم الجهات القطرية الفاعلة في هذا السياق. وقد استهدفت الباحثة المديرين والمسؤولين التنفيذّييّن عن البرامج محلّ الاهتمم، بينم فضّلت بعض الجهات ترشيح ممرسين ميدانّييّن ممن رأتهم الأنسب لمناقشة موضوع الدراسة11. جرى استخلاص الأسئلة الرئيسة للمقابلات من الأدبيات ذات الصلة، مع التركيز على الجوانب النقدية والمعوقات، والتزامًا بالمعايير الأخلاقية للبحث؛ جرى التأكد من شرح غرض المقابلة للمشاركين وتوضيح حرية الامتناع عن إجابة أي سؤال وجرى أيضًا الحصول على موافقة شفاهية من كل منهم بخصوص توثيق المقابلة بأسمئهم. وقد اعتمدت الدراسة أسلوب التحليل الموضوعاتي للبيانات التي جمعتها. ووظّفت البيانات الأولية والثانوية التي جرى التوصل إليها، خلال كل ما سبق، في الإجابة عن سؤالها البحثي وصياغة التوصيات.
أولًا: من الدبلوماسية الرياضية إىل التنمية المستدامة: دائرة التأثير والفرصة السانحة
تزايد الاهتمم العالمي، بحثًّيًا وإعلامًّيًا، في الآونة الأخيرة بالأحداث الرياضية الكبرى والدبلوماسية الرياضية، وبقدرتها الخاصة على التأثير في مكانة المُضيف وفي جدول الأعمل السياسي بمختلف مستوياته؛ وهو اهتممٌ لم تحظَ به سابقًا بصورة كافية، حيث طغى الحديث عن تأثيراتها الاقتصادية والاجتمعية، فضلًا عن مناقشتها من وجهة نظر صناعة الترفيه. ولعلّ قادح شعلة الاهتمم تلك كان التنافس الشرس بين عدة دول إبّان العقدين الفائتين، خاصّة من الدول الناشئة، للفوز بحقّ استضافة أحداث رياضية كبرى، ككأس العالم والأولمبياد، حيث تصاعد إثر ذلك الحديث عن سعيها لتحسين صورتها الذهنية ووضعها على الخريطة العالمية، ثمّ دعم سياستها الخارجية وتحقيق أهدافها، وهو ما انتهجته، على سبيل المثال، دول مجموعة البريكس BRICS12باستثناء الهند. نتبّين من هذا أن استضافة هذا النوع من الأحداث تمثل أداةً "للقوة الناعمة"13؛ فهي تخدم أهداف السياسة الخارجية للدول، في حين تعزز مكانتها وتسهم في دعم جاذبيتها للتعاون الطوعي مع الدول الأخرى14.
والسياسة الخارجية، بوصفها "مجموع الأنشطة والأفعال وردود الأفعال والتفاعلات التي يقوم بها الفاعلون الدوليّون مع البيئات خارج حدودهم الوطنية"15، تنطوي على مثل هذه الممرسات غير التقليدية، كالمساعي الإنسانية والتنموية وجهود صنع السلام وبنائه والتعاون في مجالات الثقافة والإبداع والرياضة. وهي تؤثر في الفعاليات الأخرى التي تمارس ضمن السياسة الخارجية للدولة، وتتأثر بها أيضًا. وغالبًا ما تسيران في مضمرٍ معًا، سلبيًا أو إيجابيًا، وإن بدرجات متفاوتة. وهي جميعًا تدّخلّات تندرج ضمن تعريف السياسة الخارجية، وتخضع لتأثير المكانة الدبلوماسية/ السياسية، وتعزّزها أيضًا. إذًا، فاستضافة حدث رياضي ضخم، خاصّة بحجم كأس العالم، تعزز مكانة الدولة وقوّتها الدبلوماسية، وهذه المكانة والقوّة تمنحانها فرصةً أكبر وآفاقًا أوسع لدعم أنشطتها التي تغطّي أحد المحاور الثلاثة للرابطة الثلاثية أو جميعها (رابطة الإنسانية، والتنمية، والسلام)16، وتعُّدُ الأخيرة بدورها، وفقًا للأمم المتحدة، مدخل/ا وسيلة قوية لدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة17، خاصّة أنّ نهج الرابطة يسعى ل "تقليل الاحتياجات الإنسانية بمرور الوقت، وضمن وضع الدول والمجتمعات بذلك في تنمية مستدامة وسلمية" كم يقول بيتر باتشلور Batchelor Peter، رئيس فريق السياسات والمشاركة في مكتب الأزمات التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي18. وبتركيز الحديث على الحالة التي تعالجها هذه الدراسة، يلُاحظ أنّ قطر قد انتهجت، خلال ربع القرن الأخير، سياسةً خارجيةً نشطة مستهدفة من ورائها تحصيل مكانة عالمية خاصة. ولدعم سياستها تلك، في ظل مُحدّداتها الجغرافية والتاريخية، كان عليها أن تُولي اهتممًا خاًّصًا لمظاهر "القوّة الناعمة" وتفعيل دبلوماسيتها وأدواتها المختلفة، بما في ذلك استضافة الأحداث الرياضية الكبرى وتنظيمها، في ما يُسمى بالدبلوماسية الرياضية19. يظهر الشكل (1) دائرة التأثير، استنادًا إلى ما جرى تحقيقه حتى الآن من تنظيم كأس العالم "فيفا قطر 2022"، وما يمكن الجهات والمنظمت الإنسانية والتنموية في قطر أن تَبني عليه، وذلك من جانبين: الأول، تدعيم النتائج التنموية للبطولة وتعزيزها، عن طريق توسيع أنشطتها كًّ ونوعًا، وبنائها شراكات جديدة وإبراز منجزاتها، بحيث تواكب إنجازات القطاع التنموي والإنسانيّ القطَري إنجازات القطاع الرياضي، وذلك حتى تكمّل الصورة التي رسمها الحدث وما حقّقه من مكانة دولية، وتستفيد منها في تسهيل عملياتها. أما
الجانب الثاني، فيتمثل في أن تستلهم المنظّمت إرث الاستضافة ضمن أنشطتها وشراكاتها في المرحلة المقبلة، وتعزّز استخدام الرياضة أداةً في تدّخلّاتها، خصوصًا بعد تعريف البلاد بأنّها قِبلةٌ رياضية عالمية في المنطقة. من شأن هذا أن يصبّ في صالح تحقيق "رؤية قطر 2030" بأهدافها المتعلقة بالتعاون الدولي وتحقيق الأمن والسلم، وفي المساهمة أيضًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.2030-2015
الشكل (1) دائرة التأثير: العلاقة بين الدبلوماسية الرياضية والمكانة الدبلوماسية/ السياسية والسياسات الخارجية والتنمية المستدامة
ثانيًا: أهداف التنمية المستدامة واستخدام الرياضة أداة تدخّل
تشير الأدبيات إلى أنه بعد أن توَلَّد وعي وإيمان قويّ لدى مجموعة من أعضاء المجتمع الدولي، من وكالات أممية ومنظمت غير حكومية، بمدى أهمية الرياضة بصفتها أداة لتحقيق التنمية، لا مجرّد نتيجة ثانوية لها، حازت اعترافًا دوليًا أوسع بحيث تنامى عدد المانحين المستعدّين لتمويل مشاريع تركز على الرياضة، وصُمّمت
أيضًا سياسات عديدة في هذا السياق20. يُذكر، على سبيل المثال، أنّ عدد المنظمت المدرجة في "المنصّة الدولية للرياضة من أجل التنمية"، التي تديرها الأكاديمية السويسرية للتنمية، قد بلغ 166 منظّمة21. بدأ هذا قبل حوالى نصف قرن حين وصفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الرياضة والتربية البدنية بأنّها "حقّ أساسي للجميع"، حيث مثّل ذلك نقطة انطلاق لما حازته حركة الرياضة من أجل التنمية والسلام من اهتمم لاحق واعتراف اجتمعي وجاذبية سياسية22. ولاحقًا، أنشئ في عام 2001 منصب أمميّ جديد، هو (مستشار الأمين العام للأمم المتحدة الخاص المعني بالرياضة من أجل التنمية والسلام). وقد كُلّف ببحث فرص استخدام الرياضة وتحديدها ضمن البرامج الأممية، وسبر إمكانية بناء الشراكة بين الأمم المتحدة والمؤسسات الرياضية23. بعدها صدر في عام 2003 قرار الجمعية العامة A/RES/58/5 الذي ينصّ على الرياضة بوصفها وسيلة لتعزيز التعليم والصحة والتنمية والسلام24، استنادًا إلى أن للأنشطة الرياضية أبعادًا جسدية وعقلية واجتمعية. من هنا يمكن القول إن الرياضة أداة فعّالة في تعزيز نهج الرابطة الثلاثية للإنسانية والتنمية والسلام، الذي يمثل بدوره، أي نهج الرابطة، وسيلة لتحقيق الأهداف العالمية للتنمية المستدامة. من جهة أخرى، أكدت الجمعية الدولية للنشاط البدني والصحةThe International Society for Physical Activity and Health إمكانية تقديم المنظمت أنواعًا مختلفة من التدخلات بوساطة الرياضة لتحقيق أهداف التنمية25. وبالنظر إلى دائرة التأثير السابقة، نتبّين بروز إمكانيات استثمر واسعة في مجال الرياضة من جانب الجهات والمنظّمت الإنسانية والتنموية، خاصةً في تدخلاتها في حالات النزاع وما بعد النزاع، بصفتها أداةً لتعزيز جهودها في الإسهام بتحقيق 8 أهداف من أصل 17 من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة27، كم يبيّنها الشكل (2). وندّعي في هذه الدراسة أنّ في الإمكان تحديد هذه الأهداف من خلال تصنيف الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة وفق تقاطعاتها (المبيّنة في الشكل 3)، وذلك بالاستناد إلى مراجعة الأدبيات في الأقسام الفرعية الأربعة التالية وتحليلها منطقًّيًا، فضلًا عم تسوقه تقارير المنظمت الفاعلة كم سنبّين لاحقًا.
الشكل (2) الأهداف الثمنية التي يمكن الجهات الإنسانية والتنموية استثمر الرياضة لتعزيز مساهمتها في تحقيقها
الشكل (3) توضيح العلاقة بين أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر والرياضة بوصفها أداة تدخل
وبإجراء مسحٍ وتحليل للأدبيات المتوافرة حول التدخلات ذات الصلة، أمكن تصنيفها تحت أربع فئات رئيسة، تُعنى كلّ فئة منها بعدد محدّد من الأهداف الثمنية المذكورة آنفًا، كم هو موضح أدناه:
1. التدخلات المتعلقة بالصحة والتعليم
الفئة الأولى هي التدخلات المتعلقة بالصحة والتعليم (وتُسهم في تحقيق الهدفين 3 و 4)، فالرياضة، بصفتها أداةً منخفضة التكلفة، تظهر فاعلية عالية في تعزيز هذه الحقوق الأساسية28. ولعل الجانب الأول بدهيّ بدرجة كبيرة، حيث تعزّز الأنشطة البدنية اللياقة، وتساعد في الحفاظ على وزن صحي، ومرونة جسدية أعلى، وترفع مستوى التنسيق والمهارات الحركية، وتحافظ على صحة الأوعية الدموية والقلب، وغير ذلك من الآثار الصحية الإيجابية الشائعة للرياضة. وإضافة إلى ذلك، فغالبًا ما يميل الأشخاص النشطون بدنًّيًا إلى تطوير أنماط حياة صحية وعادات أكل أفضل29، وهو ما يسهم في تحقيق "الرفاهية في جميع الأعمر"، وفي استدامة الآثار التنموية الصحية للتدخلات الرياضية. أمّا ما يتعلق بالجانب الثاني، فكم يشير ويلفريد ليمكي، فإنّ الأنشطة البدنية والرياضية ضرورية لتحقيق التعليم الشامل، إذ يمكن تسخيرها جاذبًا للمشاركة في الدورات أو الفعاليات التعليمية (التعليم البديل) وذلك بربطهم معًا في جدول الفعاليات، وقد يجري تصميم البرنامج التعليمي ليُعطى ضمن النشاط الرياضي ذاته. وقد تضاف الأنشطة الرياضية أيضًا في وجود المدرسة، نظرًا إلى القيم والمهارات التي تسهم في تعليمها للطلاب من احترام القواعد والتعاون والتسامح والانضباط والعمل الجمعي واللعب النظيف، ليتجلى ذلك لاحقًا - باعتباره تنمية شخصية واجتمعية - في مستقبلهم المهني وكيفية انخراطهم في المجتمع. ومن الأمثلة على هذه التدخلات ما قامت به منظمة "أشوكا" Ashoka الأميركية غير الحكومية في أوغندا؛ إذ أسست دورًّيًا رياضًّيًا للأطفال ليكون وسيلة تعليمية بديلة أكثر ابتكارًا مّما يتلقونه في المدارس30. وجرى أيضًا استثمر رياضة كرة القدم في نيروبي بوساطة اتحاد ماثاري الرياضي للشباب Association Sports Youth Mathare، للحفاظ على انخراط الطلاب في الأحياء الفقيرة في التعليم31.
2. التوعية وجذب التمويل والشراكات
ويندرج تحت الفئة الثانية التوعية وجذب التمويل والشراكات الإنسانية والتنموية (وتسهم في تحقيق الهدفين 8 و 17)، وهي من أكثر تدخلات/ استخدامات الرياضة والفعاليات الرياضية شيوعًا لدى المنظمت الإنسانية والتنموية؛ إذ يستثمر تنظيم الفعاليات الرياضية، سواء الرسمية أو المصممة خصوصًا بغرض التدخل، منصةً أو ملتقى يجري من خلاله إيصال مختلف الرسائل التوعوية إلى المجتمعات المستهدفة، في مجالات متعددة مثل البيئة، أو التعليم، أو السلامة، أو الصحة وغيرها، فضلًا عن التوعية والمناصرة لصالح قضايا إنسانية أو تنموية. فعلى سبيل المثال، في زامبيا، أقامت المنظمة التنموية الدولية لصحة
الأسرة 360) (FHI International Health Family بالشراكة مع منظمة النشطاء الشباب الزامبية Organization Activists Youth بإطلاق معسكر رياضي لكرة القدم يستهدف الشباب وأولياء أمورهم، تُدمج في تدريباته ومسابقاته، بمساعدة مدرب محترف، رسائل موجّهة حول تنظيم الأسرة والوقاية من فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز)32. تدخّلٌ مشابه أيضًا قام به عدد من المنظمت الأفريقية والدولية بعنوان "طرد الإيدز خارجًا" Out AIDS Kicking، وذلك في واحد من أكثر الأقاليم التي فتك بها المرض في شرق أفريقيا، حيث كان يموت بسببه نصف المصابين قبل بلوغهم الخامسة والثلاثين. أما في يوغوسلافيا السابقة، فإنّ منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) استثمرت في الرياضة من أجل التوعية بمخاطر الألغام، وذلك بتأسيس ما يسمّى مدارس كرة القدم المرحة المفتوحة Open Fun Football Schools33. أما الاتحاد العالمي للتايكوندو، فقد أنشأ مؤسسة إنسانية خاصة لتعليم اللاجئين في المخيمت حول العالم فنون الدفاع عن النفس. وتقوم بمهمة مزدوجة؛ إذ إنّ وجودها في حدّ ذاته هو رسالة توعية للعالم والمانحين، في آن واحد، بمحنة اللاجئين الشباب وظروفهم الأمنية34. ونظرًا إلى قدرة الرياضة والفعاليات الرياضية على التوعية بالقضايا الإنسانية والتنموية، فإنّها تمثل أداة ممتازة للمناصرة، ثم جذب التمويل اللازم للاستجابة لتلك القضايا؛ فالتوعية لا تقتصر على المجتمع المستفيد، بل تشمل مجتمع المانحين أيضًا، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب إحصاؤها. لكنّ من أبرزها تلك الشراكة بين اليونيسف ونادي برشلونة الإسباني، التي بموجبها أضيف شعار اليونيسف إلى زيّ النادي، وخصّص النادي منحة قدرها 1.9 مليون دولار سنوًّيًا على مدار خمس سنوات لفائدة تدخلات الوكالة35. وعلى الصعيد ذاته، تمثل الرياضة منصة ممتازة لتكوين شراكات قوية، وإنشاء شبكات من أصحاب المصلحة الملتزمين بالمساهمة في حملات الرياضة من أجل التنمية المستدامة. ومن أبرز الأمثلة هنا التعاون بين اللجنة الأولمبية الدولية والأمم المتحدة، حيث تعمل اللجنة شريكًا رئيسًا لمجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وتستثمر الجمعية العامة للأمم المتحدة أيضًا فرصة الألعاب الأولمبية وأولمبياد المعاقين كل أربع سنوات لدعوة الأطراف المتصارعة إلى ما يسمى الهدنة الأولمبية، بوصفها تجربة يؤمل أن تسهم في التشجيع على إرساء السلام. وقد وافقت بالفعل الدول الأعضاء بالأمم المتحدة في ظلها على "كون الدورة الأولمبية هدنة من سبعة أيام تمتد من قبل حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية ريو 2016 في آب/ أغسطس حتى سبعة أيام بعد الحفل الختامي لدورة الألعاب الأولمبية للمعاقين ريو 2016 في أيلول/ سبتمبر"36. ويمكن الشراكات أيضًا أن تسفر عن حملات مشتركة أو فعاليات يجري تنظيمها بين الجهة التنموية أو الإنسانية والهيئة أو الجهة الرياضية.
3 ي. التعافي والدعم النفس وتعزيز الصمود
تتمثل الفئة الثالثة في التدّخلّات ذات الصلة بالتعافي والدعم النفسي وتعزيز الصمود (وتسهم في تحقيق الهدفين 3 و 11)، حيث تستهدف استثمر الرياضة في مساعدة الضحايا، تحديدًا في فترات ما بعد الكوارث والحروب والأزمات الإنسانية، في التعافي من الاضطرابات الاجتمعية والأعباء النفسية الناجمة عنها37، حيث تسهم في تخفيف الاكتئاب والقلق والتوتر والعدوانية واستعادة الشعور بالحياة الطبيعية. وهذا ينطبق أيضًا على الدعم والتأهيل النفسي لأصحاب الإصابات، فعلى سبيل المثال أسست منظمة "شبكة الناجين من الألغام الأرضية" (LSN) Network Survivors Landmine فريقًا للسبّاحين من ذوي الأطراف المبتورة، ثمّ نظّمت المنظمة ذاتها في السلفادور حدثًا رياضيًا للسباحة يدرّب فيه الناجون السابقون ناجين جددًا، وفي البوسنة أقيمت مباريات كرة سلة وكرة طائرة على الكراسي المتحرّكة، وفي أنغولا أسست منظمة الرياضة من أجل الحياة دورًّيًا خاًّصًا لهذه الألعاب38. تساعد الرياضة بوصفها أداة أيضًا في تعزيز صمود الضحايا من اللاجئين، وذلك بمنحهم شعورًا إيجابيّا بالانتمء (إلى فريق رياضي مثل)ا، فضلًا عن دفع العديد منهم إلى التعبير بأنها تعزز شعورهم بتقدير الذات واحترامها، ولا سيّم عند المشاركة في عملية تنظيم الأحداث الرياضية. أمّا وقت الترفيه والمتعة التي توفّرها الرياضة فيسهم في الحد من الشعور بالضعف، ويخرج اللاجئ أو الضحية من بوتقة أزمته39. وإضافة إلى ذلك، فإنّ المهارات، التي يكتسبها اللاجئون، خاصّة من فئة الأطفال والشباب، أو التي يجري تعزيزها من خلال الرياضة، تؤدّي إلى تعزيز رفاههم الاجتمعي والنفسي نتيجةً، ثمّ إلى تمكينهم، خاصة في ظلّ وجودهم في مجتمعات مكتظة تفتقر إلى وجود مساحات عامة للترفيه أو ممرسة الأنشطة المختلفة40. ومن الأمثلة المميزة هنا ما تعمل عليه منظمة الحقّ في اللعب Play to Right؛ إذ تساعد اللاجئين من الأطفال والمقاتلين السابقين، وذلك بدمجهم في برامج رياضية تستهدف تعزيز رفاههم وشعورهم بالأمان، ودعم صمودهم عن طريق تقديم نشاط جمعي منتظم41.
4. بناء السلام: الاندماج والتمسك وخفض العنف
أخيرًا، تضم الفئة الرابعة تدّخلّات تستثمر الرياضة، بوصفها أداة لبناء السلام، من خلال تعزيز الاندماج والتمسك الاجتمعي وخفض العنف (وتسهم في تحقيق الأهداف 5 و 10 و 11 و 16). تبيّن نظرية "الاتصال بين المجموعات" علاقة المشاركة الرياضية بتحقيق الاتصال الإيجابي، على مستوى المجموعات العرقية والثقافية المختلفة؛ إذ تخفض المشاركة الرياضية بين المجموعات المختلفة من الاستقطاب والتحيز والأحكام المسبقة، إذ تنطبق شروط النظرية في الغالب على نوعية الأنشطة الرياضية التي يجري تقديمها؛ وتتمثل تلك الشروط في "وجود أهداف مشتركة ومكانة متساوية وتعاون بين مختلف أطرافه، إلى جانب دعم السلطات القانونية
والعرف الاجتمعي له"42. هذا إلى جانب ما أثبتته دراسات أخرى من أن الأنشطة الرياضية المشتركة، التي توفر ملتقى لمجموعات مختلفة، هي في الواقع توفر بيئة مناسبة لبناء علاقات اجتمعية، وتنمية المهارات اللغوية، وتحسين مهارات الاتصال الأخرى اللازمة للاندماج، وتنمية قيم العمل الجمعي؛ وهي نتيجة أقرّتها المنظمت الرياضية وغير الرياضية المنخرطة في تلك الأنشطة43. دفعت مثل هذه النتائج إلى ورود تقويمات سلبية لأنشطة الاتحاد الأوروبي في إدماج اللاجئين التي افتقرت ضمن برامجها إلى الأنشطة الرياضية التي تجمعهم مع المجتمع المضيف44. والأمثلة عديدة على البرامج المنجزة في هذا السياق، نذكر منها إنشاء معسكر رياضي في هامبورغ بألمانيا (عام 2016) لإدماج عدد من اللاجئين تحت برنامج القيادة الشبابية (YLP) Programme Leadership Youth المخصص لتمكين الشباب من المجتمعات المحرومة45. وتجدر الإشارة إلى أن برامج الإدماج الاجتمعي قد تتصل أيضًا بإدماج الفئات المهمّشة، مثل مشروع جمعية ماثاري للشباب الرياضي في نيروبي في كينيا، الذي يقدّم كرة القدم بصفتها أداة لإدماج النساء والفتيات في الفضاء العام46. وتعدّ الأنشطة الرياضية أداة سياسية واجتمعية تساعد على التحكم في السلوك المعادي للمجتمع وتعزيز تماسكه47، وتقديم بديل من السلوكات غير الاجتمعية، ثمّ تسهم في خفض العنف وإبعاد الشباب المهمشين عن الانخراط في مجموعات أو عصابات عنفية أو إجرامية48؛ ذلك أنها من وسائل تعليم قيَم الاحترام والتسامح والإنصاف، وتوفّر بيئة مشتركة آمنة49. هذا بدوره يُعدّ رافعة لعملية المصالحة وبناء السلام؛ إذ يسهم في جسر الخلافات، على المستوى المحّلي أو الدولي، سواء أكانت جغرافية أو ثقافية أو عرقية، لقدرتها على تجاوز كل ذلك، ما يسهم في منع اندلاع النزاع وتعزيز فرص السلام الدائم. وبالفعل، ثمة مبادرات عديدة في هذا السياق. وتستثمر الرياضة أيضًا لتأسيس التواصل في المجتمع المدني تمهيدًا للحوارات السياسية التي تمثل جزءًا أصيلًا من عملية المصالحة وبناء السلام50. يدعم مكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالرياضة من أجل التنمية والسلامUNOSDP مبادرات عديدة تستثمر في مجالات بناء السلام المذكورة آنفًا، من الأحداث الرياضية الضخمة إلى الأنشطة الشعبية51. ومن الأمثلة على المبادرات المتعلقة بالتمسك الاجتمعي، تنظيم أحداث رياضية في سريلانكا، بمشاركة مجموعات عرقية متنوّعة ومتنازعة؛ وهي تجربة نالت نصيبها من الدراسة والتقويم اللذين خلصا إلى أنّها أسفرت عن الإسهام
في خلق هوية اجتمعية شاملة، وإنشاء علاقات ودية جديدة52. وفي كل من إيرلندا الشملية وجنوب أفريقيا، أيضًا، قامت منظمة غير حكومية تدعى "لاعبو السلام الدولية" International Players Peace بتوفير برامج تدريبية لكرة السلة يشارك فيها متدربون من مختلف العرقيات/ المجموعات، بهدف تشجيع التواصل والتعاون بين الشباب والأطفال المنتمين إلى تلك المجموعات53. والأمر ذاته فعلته "ميرسي كوربس" Corps Mercy تحت مظلة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ إذ أقامت دوريّا لكرة السلة لشباب من طاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان. ثمّ كانت هناك برامج أكثر قدمًا في هذا السياق، مثلم هو حال منظمة "البحث عن أرضية مشتركة" Ground Common for Search عام 1999، التي خصصت مشروعًا لعقد بطولات في كرة القدم في بوروندي بين المجموعات العرقية المتنازعة، مع عقد حوارات بينها على هامش تلك البطولات، وهو مشروع طويل الأمد54. قد يمثّل هذا النوع من المشروعات، في كثير من الأحيان، الفرصة الأولى للقاء "الآخر" والتعرف إليه عن قرب؛ ما يسهم في أنسنته، وتقريب وجهات النظر معه، وبناء مجتمع أكثر تناغمًا وتماسكًا. وحيث إن دور الرياضة، بصفتها أداة في بناء السلام، لا يقتصر على الأنشطة غير المباشرة، مثل تلك المتعلقة بالاندماج والتمسك الاجتمعي، فإنّنا نشير إلى تجربة مؤسسة نادي برشلونة لكرة القدم Barcelona Club Football of Foundation، حين أطلقت برنامجًا موجهًا إلى الشباب والأطفال، يختص في التدريب على ما يتعلق مباشرة بتسوية النزاعات مثل الحوار ومهارات حلّ النزاعات بعنوان Net Futbol، ويستثمر البرنامج في القيم الإيجابية التي تقدمها الرياضة، وقد طبق هذا البرنامج في كتالونيا، وألهم منظمة "ستريت فوتبول وورلد" World Football Street في كولومبيا55، وهي المطور الأصلي لما يسمى نهج Football3، الذي يقوم على مبادئ الحوار والوساطة56.
ثالثًا: الجانب الآخر: نقد وتحفظات
وكم بّين القسم السابق، ثمة أشكال واسعة من التدخلات، التي تستثمر الرياضة أداةً يمكن تضمينها في الاستجابة الساعية لتحقيق الأهداف الإنمائية. وعلى الرغم من الاهتمم المتزايد بها ووجود أمثلة عديدة لتطبيقاتها، وتنامي دعوات الباحثين والممرسين وصناع القرار عالمًّيًا وادّعاءاتهم بخصوص مدى قوة الرياضة بوصفها أداة للتنمية ومدى تأثيراتها الإيجابية المشار إليها في الدراسة، يظلّ هناك في الجانب الآخر اتجاه مضادّ، ليس بمعنى معارضة استخدام الرياضة في حدّ ذاته، بل بمعنى نقد المبالغة في تقدير حجم تأثير استخدام
الرياضة، أو كيفية حدوث ذلك التأثير، أو جعل ذلك التأثير كأنه حقيقة مجردة مع تجاهل حيثيات حدوثه. وهو ما ستعرض له الدراسة فيم يلي؛ إذ يمكن استخدام عدد منها مؤشراتٍ لتقويم الجهود ذات الصلة. تتعلق النقطة الأولى بالتحفّظ على اعتبار قوة الرياضة أداة بدهية مجرّدة ومُطْلَقة، ورفع التوقّعات حول ما يمكن تحقيقه منها بصورة غير واقعية، أو اعتقاد إمكانية أن تعمل وحدها في هذا المضمر ثم تحقّق النتائج التنموية المرجوة كاملة. والحال أنّ حدوث ذلك مشروط بأن تصمّم المشاريع على نحو متكامل؛ وذلك لأن الرياضة ليست "ضامنًا" للسلام والتنمية، ولا هي تشكّل وحدها "مخطّطًا لحلّ المشكلات الاجتمعية الكبرى"57. ولهذا السبب الأخير تحديدًا، نجد في مقابل الجهات- التي تتبنّى نهج "الرياضة وأكثر" Plus Sport، الذي يركّز على زيادة المشاركة في الرياضة في حدّ ذاتها وتقليل الحواجز أمام ذلك، وتجعله نشاطًا وهدفًا رئيسًا ترافقه أهداف ثانوية يجب الالتفات إليها، مثل تحسين اللياقة والصحة، وتنمية المهارات، والتعلم، وغير ذلك - أنّ هناك من يتبنّى نهج "إضافة إلى الرياضة" Sport Plus، الذي يستخدم الرياضة أداةً للمساعدة في إحداث التغييرات المطلوبة في النتائج غير الرياضية، والتي هي الهدف الرئيس، أو أداة جذبٍ لربطهم بخدمات اجتمعية أخرى رئيسة. وقد تتبع بعض المنظمت أيضًا مزيجًا من النهجين58. ويشير فريد كولتر وجون تايلور إلى أنّ الدراسات، التي أجريت على أثر الرياضة من أجل التنمية، أظهرت اختلافات كبيرة بين البرامج في قوة التأثير والنطاق؛ ويشيران أيضًا إلى أن المنظومة الاجتمعية الكاملة، التي يجري العمل عليها بأساليب مختلفة، هي التي تؤدي إلى التغيير في السلوكيات والأحداث والظروف الاجتمعية؛ ولذا لا يكون البرنامج نفسه فعّ لًا بالقدر نفسه في جميع الظروف إّلا في حالات نادرة59. لذا يؤكّد هارتمان أنّ "نجاح أي برنامج للتدخل الاجتمعي قائم على الرياضة يجري تحديده إلى حدّ بعيد من خلال قوّة مكوّناته غير الرياضية"، ثمّ تشير عدة دراسات، راجعها فريق العمل الدولي المعني بالرياضة من أجل التنمية، إلى أنّ "أبرز الفوائد قد تكون نتيجة غير مباشرة لما يحدث في الأنشطة الرياضية من تفاعل اجتمعي، أو نتيجةً لعوامل متعلّقة بسياق عقد تلك الأنشطة، وليست نتيجة لرياضة ما في حدّ ذاتها. إذًا، لا يصحّ الافتراض أنّ مشاركًا ما أو جميع المشاركين في التدّخلّات التي تستخدم الرياضة أداةً، سيتأثرون إيجابيًا بالطريقة نفسها والقدر نفسه في جميع الظروف"60. لكن في العموم، تجدر الإشارة إلى أنّ تلك حال طبيعية "في جميع أشكال التدخل الاجتمعي، وليس في تدّخلّات الرياضة من أجل التنمية فحسب؛ إذ تكون التأثيرات بطبيعتها ومداها عرضية إلى حدّ بعيد، وتختلف بحسب أنواع البرامج والمشاركين والسياقات الثقافية"61. من زاوية أخرى، هناك من يرى أنّ هذا النوع من التدخلات السياسية الاجتمعية، بما يحمله من "ادّعاءات" حول ميزاته وخصائصه، يَسْهُل تَوظيفُه ليكون "جزءًا من عمليات الاستعمر" الموجهة من الشمل إلى الجنوب
العالمي، ويحذّرون من أنه بواسطتها يجري فرض هيمنة غربية على المؤسسات والهياكل التنظيمية المختلفة. هذه الانتقادات، التي قد توصف بأنها راديكالية، عادة ما توجّه إلى أنشطة التدخل التي تصنف بأنها تدّخلّات من أعلى إلى أسفل؛ تدّخلّات مفروضة من جانب المنظمت الخارجية من دون مراقبة ومساءلة محلّية62، وهم يرون في ذلك "استمرارًا للمشروع الاستعمري" للشمل العالمي، الذي يصدّر التنمية إلى الجنوب "المستهلك"63. ويجادل آخرون بأنّه يمكن معالجة هذه المسألة عن طريق تركيز جميع البرامج المصممة على احتياجات الأفراد والمجتمعات المحلّية، بوصفها أولوية وهدفًا رئيسًا، بإشراكهم في عمليات التخطيط والتنفيذ والتقويم، و"العمل معهم" بدلًا من "تنفيذ البرامج عليهم"؛ أي إنّ الحلّ هو اتباع نهج من "الأسفل إلى الأعلى" Bottom-Up، وذلك ينطبق على الممرسة والبحث. ويشير متبنّو هذا الرأي إلى أن هذه الخطوة هي أهم ما يمكن عمله لزيادة النتائج الإيجابية لهذه التدخلات، مع خفض أي تأثيرات سلبية قد ترتبط بها؛ نظرًا إلى أنّها تساعد في مراعاة جميع الجوانب الاجتمعية، والثقافية، والدينية، والسياسية64. ويمكن الادّعاء أنّ الصورة اليوم تبدو أفضل كثيرًا فيم يخص هذا الشأن؛ إذ باتت عدّة منظمت تطبق هذا النهج بالفعل، ولديها مقرّات محلّية في المناطق التي تعمل فيها، وبات الكثير من الممرسين والباحثين أكثر استنارة في فهم مدى الحاجة إلى إشراك المجتمعات المحلّية في جميع خطوات اتخاذ القرار، وباتوا يعقدون شراكات تشاورية لتطبيق ذلك في مراحل التصميم والتقويم، وهو اتجاه متزايد من حيث العدد وتطور شكل الشراكات وتعقيد النهج. وأصبحت هذه الشراكات أيضًا وسيلة تساعد في الوصول إلى خطط تقويم شاملة وقوية منذ البداية، تمكنهم من قياس نتائج التدخلات، باستخدام الرياضة، على نحو أكثر دقّة65. ثمّة، أيضًا، من يحذّرون من أن تكون هذه التدخلات الهادفة إلى أمور مثل تحسين المهارات الشخصية والتمسك الاجتمعي وما إلى ذلك، باعتبارها أهدافًا تنموية، تنتهج في حقيقة الأمر "إلقاء اللوم على الضحية" بتجاهلٍ للهياكل العامة، ويرون فيها محاولة لمعالجة مشكلات طويلة الأمد وواسعة النطاق بوساطة "برامج محدودة" تركز على سلوكيات الأفراد. وبناء عليه، فإنّ منهم من يشير إلى أنه، في هذه الحالة، لا بدّ من النظر إلى تلك الأهداف بوصفها وسيلة ممكنة أو مساعدة في تحقيق الغايات الأكبر، وليس بوصفها غاية إنمائية في حدّ ذاتها66. ولعلّ هذا يستدعي الابتعاد عن تبنّي مفهوم أحادي للتنمية، والاتجاه إلى تكامل مختلف الجهود، إلى جانب تضمين الرياضة في استراتيجيات تنموية أوسع، تعالج الأهداف المتعدّدة الأبعاد. قد تُطرح كذلك إشكاليات تتعلق بترتيب الأولويات، خاصة عند الاستجابات الطارئة، حيث يركز كثير من المنظمت والوكالات الإنسانية على تلبية الاحتياجات الأساسية؛ أي إنّها تكتفي بالعمل على سدّ الاحتياجات
في قاعدة هرم ماسلو، في حين أنّ الرياضة، بوصفها أداةً، قد تساعد في التدخلات الخاصة بسائر الاحتياجات الأخرى حتى قمة الهرم، وهذا يأتي مرحلةً لاحقةً، وربما موازية، بحسب السياق (ينظر الشكل 4)67، وبذلك فإنّ الجهات التي لا تنتقل إلى العمل في مراحل ما بعد الاحتياجات الأساسية، أو لا تتوافر لديها الملاءة التمويلية لذلك، لا تكون معنية بهذه الأداة، وقد ترى عدم جدواها في ظلِ أوضاعٍ محتدمة.
الشكل (4) تطوير لهرم ماسلو للاحتياجات من حيث صلته بسياق الرياضة والإنسانية
وأخيرًا، على صعيد آخر، تحذّر بعض الدراسات من أنه يمكن الرياضة أن تؤدي دورًا مُعاكسًا أو سلبيّا، فتقود إلى سلوكيات عنصرية أو إقصائية أو عنيفة، ويمكن أن تنمّي الأحداث والفعاليات الرياضية في بعض الحالات التعصب والكراهية، ووفقًا لإحدى الدراسات فإنّ نوع الأنشطة المصمّمة وسياقها والجهة المنفّذة لها تمثل عوامل رئيسة في تحديد مدى إيجابية نتائج استخدام الرياضة بوصفها أداة68. وتضيف دراسة أخرى عوامل مهمة تُحدّد مدى فاعليتها وعدم توليدها لديناميات سلبية، منها مدى تحويل تلك التدّخلّات إلى تدّخلّات متعلقة ب"الأشياء" بدلًا من "الأهداف"، كأن يكتفي المانحون بتقديم مساعدة من الأدوات والأجهزة والملابس والمنشآت الرياضية، من دون دمج هذا الدعم المادي في استراتيجية واسعة لتحقيق النتائج والأهداف المرجوة، ومن دون أن يكون في تصميم تلك الاستراتيجية والأنشطة المُطبقة تعمّد في توجيهها نحو الإدماج والشمولية،
وخضوعها للمراقبة والتقويم المستمر، باعتبار هذا التدخل، باستخدام الرياضة، عملية لًا مجرد نتيجة أو هدف في حدّ ذاته69. وهذا يقود إلى ضرورة الاقتراب من نهج استخدام الرياضة أداةً للتنمية بحذر، فمع ما قد يساعد في تحقيقه من تغييرات إيجابية متنوعة، فإنّه ينبغي عدم تجاهل معالجة الانتقادات والتحفظات والملاحظات المرتبطة به.
رابعًا: الفاعلون القطريون: النهُج والممرسات والتحديات
كم سبقت الإشارة، أولى منظمو البطولة في قطر اهتممًا كبيرًا ل "إرساء إرث مستدام يسهم في تعزيز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة ورؤية قطر الوطنية 2030"، وقد صرّحوا بسعيهم من خلال ذلك ل "تغيير طريقة تنظيم البطولات القادمة ومختلف الفعاليات الرياضية الكبرى في المستقبل"، لتتخذ هذا التوجه ذاته. لقد صُمّم معظم البنية التحتية التي أنشئت ضمن متطلبات تنظيم البطولة بمواصفات تتمشى مع ذلك الإرث، على صعد متعدّدة يدور معظمها حول المعايير البيئية والأمن المائي70، إضافة إلى خطّة تفكيك الطبقات العلوية من مدرجات الملاعب ونقلها إلى "إحدى الدول النامية"، للإسهام في تعزيز أهداف التنمية المستدامة فيها71. لكن لم تكن هذه نهاية المطاف، ولا بدايته، فوفقًا لحسن الذوادي، الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث، فإنّه، على مدى عشر سنوات سابقة للبطولة، جرى استثمر الرياضة وشعبيتها لتعزيز أهداف التنمية المستدامة، عبر مبادرات عديدة72، اضطلعت بها منظمت وجهات قطرية مختلفة، بالشراكة مع طائفة واسعة من المنظمت الإنسانية والتنموية والرياضية حول العالم. من تلك المبادرات ضمن برنامج الإرث الاجتمعي والإنساني للبطولة، مؤسسة "الجيل المبهر" Amazing Generation المعنية باستثمر قوة الرياضة لإلهام الشباب وتنمية المجتمع، والتي جرى إطلاقها بصفتها مبادرة عام 2010 ثم إطلاقها رسميًا بصفتها مؤسسة عام 2022 بعد تحقيق هدفها في "التأثير في حياة مليون شخص من المجتمعات المهمشة" من 75 دولة حول العالم، وهي تعنى بالمساهمة في تعزيز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتركز أنشطتها، في أشكالها المتنوعة، على محاور المساواة والتعليم للجميع والصحة والرفاه، كم تتطرق أيضًا إلى بناء القدرات في مجالات القيادة والتواصل والمهارات المؤسساتية73. وكان المركز الدولي للأمن الرياضي ICSS - وهو منظمة عالمية غير ربحية مقرها الدوحة - قد أطلق مبادرة بعنوان "أنقذ الحلم" Dream the Save عام 2012، وهي حركة عالمية غير ربحية تضم منظمت وأشخاصًا ورياضيين يؤمنون بقوة الرياضة في بناء مجتمعات أكثر عدلا وشمولا، ومن ثمّ فهم ملتزمون بتعزيز وحمية قيمها الأساسية لصالح الشباب والأجيال القادمة". نفذت، وتنفذ، هذه المبادرة أنشطة في مجموعة واسعة من السياقات والبلدان، لا سيم المتأثرة بالنزاعات، وهي تركز على مجالات الرياضة من أجل السلام والتنمية
ومنع التطرف العنيف وتعزيز الابتكار الاجتمعي والتعلم والحد من عدم المساواة، وتعزيز المنظومة الصحية لا سيم وقت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، ويحدد شفيق باراكوث، مدير قسم الرياضة من أجل التنمية والسلام، الأهداف 3 و 4 و 5 و 10 و 16 و 17 بصفتها أبرز ما تستهدف المبادرة تحقيقه من أهداف التنمية المستدامة74. وتعد الرياضة، بوصفها أداة للإنسانية والتنمية، في صميم اختصاص كل من "الجيل المبهر" و"أنقذ الحلم"، لكن لدى منظمت قطرية أخرى مثل جمعية قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري والتعليم فوق الجميع تجارب أيضًا في هذا المضمر. ويلاحظ أن عددًا كبيرًا من أنشطتها وبرامجها ذات الصلة هي نتيجة شراكة وتعاون مع إحدى المؤسستين آنفتي الذكر أو مع جهات قطرية أو دولية ذات صلة. فعلى سبيل المثال، خلال فترة المونديال، تعاون الهلال الأحمر وقطر الخيرية مع وزارة الخارجية وصندوق قطر للتنمية واللجنة العليا للمشاريع والإرث في إنشاء عشر مناطق للمشجّعين لصالح اللاجئين والنازحين في ثماني دول، إلى جانب إقامة مواقع للعب بطولات كروية بين فئتَي الشباب والأطفال في تلك المواقع، مع تنظيم عدد من الأنشطة التوعوية والثقافية المصاحبة، وقد أوضحت لولوة الخاطر، مساعدة وزير الخارجية، أنّ هذه الأنشطة تأتي من أجل تعزيز "السلام والحوار والمصالحة.. وإحداث تغيير اجتمعي إيجابي، وتحفيز التنمية المستدامة"75، وأشار المنظّمون من الجهات الإنسانية إلى دور الرياضة في تخفيف المعاناة والدعم العقلي والنفسي والاندماج والتمسك الاجتمعي76، وذلك يعكس اهتممًا خاًّصًا من الأجهزة الحكومية "بالهدفين الإنمائيين 11 و 16، بشأن إقامة مجتمعات آمنة متكاملة ومسالمة"77. وفي مثال آخر ضمن هذا السياق، أوضح ممثّلو قطر الخيرية أنها تعمل على التمشي "مع التوجه الاستراتيجي للدولة، عن طريق توسيع استخدام الرياضة أداةً لتمكين المجتمعات المهمشة وخاصة في المجتمعات الهشة والمتأثرة بالصراعات. لكن تجربتها ما تزال محدودة نسبًّيًا في هذا المجال، وقد ضربوا مث لًا بمبادرة الرياضة من أجل السلام والتنمية في دارفور، التي حازت اعترافًا من الأمين العام للأمم المتحدة بتمشيها مع خطّة العمل الأممية بشأن الرياضة من أجل التنمية والسلام. هذا فضلًا عن أنشطة أخرى استخدمت فيها الرياضة أداةً لتعزيز مختلف أهداف التنمية المستدامة، والدعم النفسي والتوعية"78. أما عن مؤسسة "التعليم فوق الجميع"، فقد أطلقت حملة على هامش مونديال 2022، بعنوان "سجل الأهداف الأربعة"، بمشاركة رؤساء ونواب رؤساء من سبع دول، "في إطار عملها للمساعدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030"، فضلًا عن إقامة مشاريع تحت مظلة مبادرة "أيادي الخير نحو آسيا"، التي استخدمت الرياضة للغاية ذاتها79. وهي تتجه إلى مزيد من التوسّع في ذلك، فقد أصدرت في مطلع عام
2023 دراسة مشتركة مع مؤسسة "أنقذوا الطفولة" ورد فيها أنّ هذا هو "الوقت المناسب لتسليط الضوء على التكامل بين التعليم والرياضة، وقدرتهم على الإسهام في تحسين نتائج التعلم إضافة إلى تعزيز الصحة البدنية والعقلية"80. وقد حدّدت الدراسة الأهداف 1 و 3 و 5 و 8 و 10 و 16 أهدافًا يمكن تحقيقها باستخدام الرياضة في أنشطتها81.
1. "الرياضة وأكثر" أم "إضافة إلى الرياضة": ميلٌ نحو الأخيرة
لدى فحص أنشطة الجهات الفاعلة القطرية وفي المقابلات مع المعنّييّن، يمكن ملاحظة ميل هذه الجهات إلى اعتمد نهج "إضافة إلى الرياضة"، حيث أشار ناصر الخوري، المدير التنفيذي لمؤسسة "الجيل المبهر"، إلى أن المؤسسة - وهي الأكثر نشاطًا في مجال هذه الدراسة - تعتمد هذا النهج، موضّحًا أنهم يستخدمون "الرياضة أداةً وجاذبًا Hock لإشراك الشباب في الأنشطة التي تستهدف أهدافًا تتعلّق ببناء القدرات والتنمية"82. وقد بّين ممثّلو قطر الخيرية أنه على الرغم من اتّباعها نهج "الرياضة وأكثر" في بعض الحالات، فإنّها تستخدم الرياضة "في أغلب الحالات أداةً لتسليط الضوء على أعمل وأنشطة أخرى تستهدف أهدافًا تنموية"، موضّحين بالقول: "نحن لا ننظر إلى الرياضة باعتبارها الهدف النهائي، بل أداة لتحقيق مكاسب إنمائية أخرى"83. أما بالنسبة إلى الجهات الفاعلة الأخرى، فهي إما تترك اختيار النهج للشركاء الأكثر اختصاصًا وخبرة في مجال العمل أو السياق، مثل "أنقذوا الحلم"84، أو تميل إلى النهج ذاته من دون إدراك مباشر لهذه المسألة وخياراتها، مثل الهلال الأحمر و"التعليم فوق الجميع"، فقد أشار ممثّلو الأخيرة إلى أنهم لا يفرضون نهجًا محدّدًا ويثقون بأنّ "الشركاء في كل بلد ينفّذ فيه المشروع هم أفضل من يعرف الأنشطة التي يجب تقديمها من أجل معالجة العوائق التي تحول دون التعليم في المرحلة الابتدائية"85. لكنّ اختصاص عمل المؤسسة في نشر التعليم والجزء الأخير من الاقتباس السابق الذي يبّين غايتها، يمثل دلالة على أنها تعمل بنهج "إضافة إلى الرياضة". هذا التنوّع في النهُج المتبعة لدى الفاعلين القطريين، حتى إن كان غير مقصود ضمن خطة عامة موحدة، فهو يحقق نوعًا من التكامل في الجهود القطرية المبذولة في هذا المجال، بحيث تسهم الأنشطة مجتمعة، إذا عملت في السياق ذاته، في تحقيق النتائج المتوقعة من كلا النهجين. مع هذا، يظل من الضروري بناء الوعي وتبني منهجية محددة على بيّنة، على الأقل على مستوى المشروع، بحيث يمكن تقويم نتائجه بصورة أدق.
2. أدوار متفاوتة للمجتمعات المحلية
إلى حدّ بعيد لا يمكن أن تخضع التدخلات القطرية في هذا المضمر - أي إشراك المجتمعات المحلية والهيمنة الاستعمرية - للنقد القائل إنها جزء من عمليات الاستعمر الموجهة من الشمل العالمي إلى الجنوب العالمي؛ ذلك لأن الجهات الفاعلة هي ابنة "الجنوب"، ومهم استوردت من ممرسات أو حتى كفاءات وخبرات
شملية، يبقى أصحاب القرار ممرسين إقليمّييّن أو محلّييّن. ومع ذلك، فمن البيانات الأولية للدراسة، يتبّين أن تلك الجهات الفاعلة لا تتمحور دائمًا في مقارباتها حول المجتمع المحّلي (من الأسفل إلى الأعلى)؛ إذ تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في مدى تطبيق ذلك، وإن كانت الجهات الأكثر اختصاصًا منها - وهي الجهات الأحدث أيضًا - تميل إلى منح المجتمع المحّلي أدوارًا أكبر. مثل، ا في حالة "أنقذوا الحلم"، يبدو أن أطر عملها الديناميكية مثلت عنصرًا إيجابيّا جعلها في مقدمة الفاعلين الذين يتبنّون مقاربة (من أسفل إلى أعلى)؛ يقول مدير قسم الرياضة من أجل التنمية والسلام في المركز الدولي للأمن الرياضي: "تعدّ مشاركة المجتمعات المحلّية جزءًا لا يتجزأ من نهجنا. نحن نعطي الأولوية للملكية المحلّية والتمكين بوصفها مبادئ أساسية في كل مشروع نقوم به، بدءًا من اتخاذ القرار وحتى التخطيط والتنفيذ والتقويم"، و"نحن نعمل بشكل وثيق مع المواهب المحلّية والمدرّبين وقادة المجتمع، ليس فقط بوصفهم مستفيدين، بل بوصفهم مساهمين أساسيين.. وهو ما يؤدي إلى إثراء المشروع بالمعرفة والسياق المحّلي، وإلى تمكين أفراد المجتمع وتعزيز شعورهم بالملكية والفخر والالتزام"86. ووفقًا للخوري أيضًا، فإنّ ال "الجيل المبهر" تعمل على التنمية (من أسفل إلى أعلى)، ولا تقدم "وصفة جاهزة لكل السياقات"، ثمّ إنها تحرص في أنشطتها، مثل إنشاء المراكز المجتمعية، على أن تصَّمَم خصيصًا للمجتمع المستفيد مع تمكين أفراده ليديروها بأنفسهم. لكن ما تختلف فيه مقاربة "الجيل المبهر" عن "أنقذوا الحلم" أنّ الأولى تطبق إشراك المجتمع المحّلي عبر منظمت محلّية لا أفراد من عموم المجتمع المستفيد، بما في ذلك الجهات الحكومية الرسمية. لكنّ جوناثان ميسيروي، مسؤول الشراكات والاستراتيجية في مؤسسة الجيل المبهر، أفاد أنهم يقومون بعد ذلك "بالتوَثّق نوعًا ما من أنّ كل الأنشطة التي تنفذ بمشاركة المجتمع لضمن وجود قبول لها"87، وهو ما يوحي بدرجة أقلّ من المشاركة المباشرة لأصحاب المصلحة من المستفيدين. اَّتبَع الهلال الأحمر أثناء برنامج مناطق المشجّعين في سورية أسلوبًا ممثل، ا وذلك بالتنسيق في التخطيط والتنفيذ مع التجمعات الشبابية والأندية الرياضية والمجالس المحلّية في مختلف المحافظات88. لكن لا يبدو أن ثمة تعميمًا لهذه الممرسة، بوصفها سياسة مؤسسية؛ إذ، كم عّبر عبد الله الدعاني، نجد أن المجتمع المحّلي في البرنامج ذاته في اليمن "دوره فقط هو دور المشاهد المستمتع" وأحيانًا "التسويق وزيادة الانتشار للأنشطة"89. فأسلوب معالجة إشراك المجتمع في هذا النوع من الأنشطة يرجع بنسبة كبيرة إلى المكاتب الميدانية. أما سائر الجهات الفاعلة فلا تعتمد مقاربة محددة. لقد أشار ممثلو "التعليم فوق الجميع"، على سبيل المثال، إلى أنه يجري إشراك المجتمعات المحلّية "في بعض الأحيان"، ضاربين مث لًا بمشروع مشترك مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تشاد، الذي جرى فيه تعيين مسّييرن رياضيين محلّيين، وإخضاع الإناث منهم لتدريب متخصص لبناء القدرات90، أي إنّ تبني هذا المعيار يختلف وفقًا للمشروع؛ وهي دينامية مفهومة بالنظر إلى طبيعة عمل التعليم فوق الجميع المعتمدة على الشراكات.
وعلى الرغم من اختلاف مستويات إشراك المجتمعات المحلّية واختلاف أدوارها وفقًا للجهات الفاعلة أحيانًا وللمشاريع أحيانًا أخرى، فإن هناك حدّا أدنى منها غالبًا ما يمكن ملاحظته في كل الحالات، وهو ما يمكن البناء عليه من أجل تعميم نموذج (من أسفل إلى أعلى).
3 ي. الأفراد أم الهياكل: تروسٌ ف المنظومة ذاتها
وجدت الدراسة أنّ معظم الجهات المشاركة فيها تتبع في مشروعاتها التنموية التنمية الفردية، لا التنمية عبر المعالجة الهيكلية. لكنّ ممثّليها من صناع القرار والممرسين يرَوْن أن العلاقة بين كل منهم أشبه بعلاقة التروس في المنظومة ذاتها، حيث يدير كل منها الآخر. ويرى جوناثان ميسيروي، مسؤول الشراكات والاستراتيجية، أن المؤسسة حين تنجز مشروعًا يشمل معالجة هيكلية، فإنّ هذا يسمح للأفراد بتنمية أنفسهم جمعيًا، ثمّ إن "الجيل المبهر" حين تنظر إلى الحقوق الفردية أو تتبنى فهمًا فرديًا لتنمية القدرات، فإنّها تسهم في حقيقة الأمر في تنميةٍ هيكلية لذلك المجتمع؛ إذ يصبح أولئك الأفراد قادرين، ويقومون لاحقًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعالجة الإشكالات الهيكلية وتمكين المجتمع وتنميته91. والحال ذاتها بالنسبة إلى قطر الخيرية، التي يرى ممثّلوها أنّ أثر برامجهم على الأفراد يسهم في خلق حالة من الصمود البنيوي لدى المجتمع كلّه92. أضف إلى ذلك أنّ هدف منظمة "التعليم فوق الجميع" المنصبّ على منح فرص التعليم والتدريب للأفراد وإنشاء المؤسسات ذات الصلة بذلك هو في جوهر الأمر هدف هيكلي93. وبصفة عامة، فإنّه غالبًا ما تُصمّم هذه الأنشطة أو المشاريع المنفذة باستخدام الرياضة أداةً ضمن برامج أوسع نطاقًا تتعامل مع مشكلات أكثر هيكلية، ولها قائمة أهداف أوسع؛ ما يساعد في تفعيل علاقة "التروس" المشار إليها. أي إن الجهات الفاعلة تعد وكلاء لهذا الجانب من البرامج. يقول باراكوث: "نحن ندرك قيمة دمج الرياضة في برامج أوسع تعالج مسائل متعلقة بالصحة والتعليم وبناء السلام والاندماج الاجتمعي"، و"في معظم الحالات، نتعاون مع المنظمت والوكالات الأخرى لدمج المكونات الرياضية في برامجها الحالية، والاستفادة من قوة الرياضة للمساعدة في تحقيق أهداف تنموية وإنسانية محددة"94. لكن، يبقى أن تطوير القدرات في مجال التخطيط الاستراتيجي، جنبًا إلى جنب مع التعاون مع الجهات البحثية المتخصصة، يمثل وسيلة ينبغي إيلاؤها مزيدًا من الاهتمم من أجل تصميم برامج ومشروعات ذات أثر هيكلي عميق، تعمم فائدته على شريحة أوسع ومدى أطول.
4. تحديات وموضوعات ناشئة: التقييم والتمويل والاستدامة
أظهر المشاركون الممثلون للجهات القطرية المختصة أو الأكثر ارتباطًا، بشأن استخدام الرياضة من أجل تعزيز أهداف التنمية، مستوى عاليًا من الوعي والمعرفة في هذا الاتجاه، وأفضل الممرسات ذات الصلة، فضلًا عن أهم التحفّظات، وهم يصممون خطط التدخل الخاصة بهم وفقًا لذلك في درجة عالية من المأسسة، مع اتباع أهمّ الأطر اللازمة لتجنب أيّ تحديات وآثار سلبية محتملة متعلقة بتنفيذ الأنشطة، مثل اعتمد منظمة
التعليم فوق الجميع لإطار "مجموعة العمل الدولية لحمية الأطفال في الرياضة "201695. في المقابل، كان لدى الجمعيات والمنظمت الأقلّ ارتباطًا مستويات أقل خبرة في هذه الجوانب، مع وجود اهتمم بتطويرها والاستفادة من الشراكات المحلّية والدولية لتحقيق ذلك. وعلى الرغم من هذا، ما تزال عموم الجهات القطرية الفاعلة تواجه عددًا من التحديات في السياق العام لأنشطتها الإنسانية والتنموية القائمة على الرياضة، وإن لم تكن بمقدار ما كانت تواجهه من تحدّيات في السابق96. وفيم يتعلق بالتقويم، يواجه العاملون في كلا النوعين من المنظمت بعض الشكوك حول حجم الأثر الفعلي للرياضة والمبالغة فيم هو متوقع منها، وقد بدا أن لدى بعض المشاركين أنفسهم شكوكًا بهذا الشأن. ويردّ المدير التنفيذي لمؤسسة "الجيل المبهر"، ناصر الخوري، على ذلك بالإشارة إلى أن هذه التحفظات تواجهها كذلك معظم الأنشطة والمشاريع في قطاع التنمية في عمومه. لكن الطموح في إحداث تأثير في حياة الناس يظلّ دافعًا للمحاولة؛ لذا فإنّ "الجيل المبهر" تركز على هذا محاولةً تتبّع سبل التأثير الفعلي في القواعد المجتمعية أكثر من تركيزها على العلاقات العامة والترويج للفكرة، وهو ما تعتبره الجانب الأسهل. ويبرر الخوري ذلك بأن الآثار المتوقعة تتعلق بأمور غير ملموسة Intangible، مثل بناء القدرات والمهارات الشخصية وتكوين قادة للمستقبل، ولا تظهر على المدى القصير. ومع هذا، فقد بّين أن لدى "الجيل المبهر" آليات لتقويم أثر برامجه، يرتكز معظمها على المنهج البحثي الكيفي نظرًا إلى طبيعة البرامج، بينم هي تستخدم منهجية مركبة، كمية ونوعية، لتقويم برامجها الرئيسة الأكبر97، وتشارك نتائج أبحاثها التقويمية في تقارير منشورة، مثل تقرير "مهرجان 2022: تقييم الأثر"98، وتحاول أيضًا باستمرار تطوير منهجياتها في التقويم عن طريق التواصل مع مراكز الأبحاث الدولية99. على الجانب الآخر، ظهر أن أساليب التقويم لدى المنظمت الخيرية كانت ذات طابع أكثر بساطة، واعتمدت على استبيان آراء المشاركين، ومدى رضاهم، والمراقبة غير الموثقة ل "مدى التفاعل" وردود الأفعال العامة والتغير في السلوكيات لدى المجتمع المستفيد. لكن في العموم، يعاني القطاع الخيري في قطر نقصًا في القدرات التمويلية والبشرية المتخصصة، كًّ ونوعًا، اللازمة لتقويم المشاريع؛ وهو ما دفع هيئة تنظيم الأعمل الخيرية في قطر مؤخرًا إلى تضمين بند بناء القدرات، بما فيها التقويم، في استراتيجية القطاع الخيري والإنساني القطري وفيم يتعلق بالتمويل، فبصفة عامة، يعاني القطاع الإنساني نقصًا في التمويل في ظل الاحتياجات الإنسانية المتزايدة مقابل ظروف اقتصادية متراجعة، بيد أن هذا التحدي يتضاعف في حالة المشروعات الإنسانية أو التنموية التي تتضمن نشاطًا رياضيّا، نظرًا إلى الشكوك المشار إليها أعلاه، أو بسبب مسألة ترتيب الأولويات التي سبقت الإشارة إليها في القسم السابق. ويوضح جوناثان ميسيروي، مسؤول الشراكات والاستراتيجية، أن ثمة الكثير مم يمكن "الجيل المبهر" القيام به. لكن نقص التمويل في العامين الفائتين حدّ من قدرتها على المضي
قدمًا. وفي السياق ذاته، يعقب باراكوث بالقول: "أحيانًا نواجه تحديات عندما لا يمكن المشاريع الاستمرار بسبب عدم كفاية الموارد والدعم"100. وتتضح مسألة الأولويات أكثر في حالة مثل جمعية قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري المعنيّتين بالاستجابة الإنسانية الطارئة في ظل أزمات معقدة، ونزاعات طويلة الأمد، وموجةٍ كثيفة غير مسبوقة من الكوارث الطبيعية في المنطقة. ولعل مشكلة التمويل لا تتعلق فقط بنقص تمويل المشروعات الآنية، وإنما أيضًا بالاستدامة المالية لتلك المنظمت الإنسانية والتنموية، والتي تشكل بندًا آخر جرى تضمينه في استراتيجية القطاع الخيري والإنساني القطري بهدف معالجته102. وإلى جانب التمويل، تواجه المنظمت بعض العقبات الأخرى في استدامة أنشطتها ومشاريعها، فضلًا عن تحقيق الأثر المستدام، ووفقًا لباراكوث، فإنّها في الواقع تحتاج إلى "التزام مستدام وموارد لضمن التأثير طويل المدى للتدخلات التنموية القائمة على الرياضة". لكنه يستطرد قائلًا إنّ ثمة بعض الأساليب التي تتبعها مؤسسة "أنقذوا الحلم" من أجل استدامة تأثير أنشطتها، مثل الاستثمر في بناء القدرات المحلية، والاهتمم بمسألة تعزيز شعور الملكية المجتمعية المحلّية للمشروعات، وإقامة شراكات مع المنظمت المحلّية والحكومات وأصحاب المصلحة الآخرين، فضلًا عن المراقبة والتقويم والمناصرة والتوعية103. ويشير المدير التنفيذي لمؤسسة "الجيل المبهر" إلى اتّباع المؤسسة استراتيجية ممثلة لضمن استدامة الأنشطة وتأثيرها، وذلك عن طريق الاستثمر في أفراد المجتمع المحّلي وتمكينهم، وخلق الفضاء العام المناسب لريادة الأعمل الاجتمعية. أما قطر الخيرية والهلال الأحمر فتجمعان ما بين تنظيم أنشطة قائمة على الرياضة ذات مدى زمني محدّد أحيانًا (كمناطق المشجعين)، مع صعوبة ضمن استدامة آثارها، وبين تنفيذ مشروعاتٍ مثل النوادي والملاعب الرياضية، ومحاولة ضبط معايير إقامتها وإدارتها لضمن استدامتها، في ظل بنى تحتية ضعيفة واستقرار أمني غائب في سياقات هشة، كم هو الحال في الشمل السوري مثل. يذكر أنّ التقويم والتمويل والاستدامة كلّها محاور جدل وتحديات ذائعة على مستوى العمل الإنساني والتنموي بصفة عامة، وعلى مستوى مجال تركيز الدراسة خاصة عالميًا. لكنها تستدعي اهتممًا خاصًا لتحقيق هدف الدراسة المتعلق بتعزيز الجهود والممرسات ذات الصلة لدى الجهات الفاعلة القطرية، وتعزيز أثرها.
خاتمة وتوصيات
تزايد الاهتمم بالرياضة بصفتها أداةً للعمل الإنساني والتنموي في العقود الماضية، وقد تضاعف ذلك في السنوات الأخيرة على المستوى الدولي، وظهر بجلاء في الأنشطة المحلّية للوكالات الإنسانية والتنموية المختلفة. وأظهرت بطولة كأس العالم فيفا قطر 2022 صدى مميزًا داخليّا وخارجيّا. وقد مضت دولة قطر في استراتيجية تبني على نجاح البطولة، وتعزز آثارها التنموية وتضمن لها الاستدامة. كذلك جعلتها دفعًا لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة أنها تتقاطع مع أهداف الرؤية الوطنية للدولة.
ضمن هذا المسعى، تطور نهج للمجتمع المدني في قطر يجعل من استخدام الرياضة أداة تعزز تحقيق أهداف التنمية. وقد بيّنت الدراسة اتساع الفرص في هذا السياق أمام الجهات القطرية الفاعلة، الإنسانية والتنموية، لتوظيف زخم ما بعد المونديال والاستفادة من أصدائه الإيجابية لكي تدفع بأنشطتها قدمًا، وتستلهم في تصميمها دروس المونديال. وكان لعدد من تلك الجهات أنشطة في هذا الصدد إبان التحضير للبطولة وإبّان انعقادها، وقد تفاوتت تلك الأنشطة كًّ وكيفًا. بيّنت الدراسة الفرص التي أتيحت إثر نجاح المونديال القطري، واستعرضت العلاقة بين استخدام الرياضة، بصفتها أداةً، في أنشطة المنظمت الإنسانية والتنموية، وفي تعزيز أهداف التنمية المستدامة، مدلّلةً على ذلك بتجارب عالمية في فئات أربعٍ من التدخلات، ومتطرقةً إلى أهم ما يستدرك بشأنها من نقد وتحفّظات، وبنت الباحثة على ذلك دراستها الميدانية للفاعلين القطريين من حيث النهج والممرسات والتحديات. لقد أظهرت نتائج الدراسة تنوّعَ النهُج المتبعة من جانب الجهات الفاعلة القطرية، ما بين "الرياضة وأكثر" و"إضافة إلى الرياضة"، على الرغم من ميلها إلى الأخيرة، وعدم تبني نَهجٍ محدّد. ثمّ توصلت إلى أن تلك الجهات تختلف في مستويات إشراكها للمجتمعات المحلّية في المراحل المختلفة من مشاريعها. لكنها حافظت دومًا على حدّ أدنى من المشاركة المحلّية. وقد أوضحت النتائج أثر النقطتين السابقتين فيم يخص جودة عملية التقويم ونجاعتها. أيضًا، أظهرت النتائج اهتممًا خاصّ ا، لدى غالبية الجهات الفاعلة، باستهداف تنمية الأفراد بوصفها لبنة لتنمية المجتمع ومعالجته هيكليّا، ولأن كثيرًا من تلك الجهات تعمل بالتعاون مع جهات أخرى تتبنى أهدافًا أكثر استراتيجية. لكن لا تزال هناك فرصة لتطوير أشكال التعاون والشراكات تلك، بحيث يعمّ التغيير الإيجابي المجتمع بصورة أكثر رسوخًا. من ناحية أخرى، أشارت النتائج إلى مسألة التقويم والتحدّي المتمثّل في فاعليّته، إضافة إلى تحدّيات التمويل والاستدامة المالية واستدامة أثر المشروعات. وأخيرًا فقد بدا من النتائج أنّ تعزيز المعرفة بالجوانب النظرية لاستثمر الرياضة في التنمية سيسهم إيجابيّا في صقل تجربة القطاع الإنساني والتنموي القطري في هذا المجال، وإسهامه بذلك في الأثر المرغوب في تحقيقه. وبالاستناد إلى كلّ ما سبق، توصّلت الدراسة إلى عدد من التوصيات التي يمكن تلك الجهات الاستفادة منها في تطوير جهودها وتحسينها وتعزيزها، خاصة وهي تتّجه إلى توسيعها، وهي كم يلي: ضرورة تبنّي كلّ جهة فاعلة استراتيجية ونهجًا واضحيَن؛ وهو ما يعني بالتبعية وضوح الأهداف وسبل إنجازها وآليّاتها، ما يساعد في زيادة القدرة على تقويم النتائج. اعتمد المنظمت نموذج العمل (من أسفل إلى أعلى) مع المجتمعات المحلّية، بما يتيح إشراكها في مراحل المشروع أو البرنامج كافّة، من التخطيط إلى التنفيذ حتى المراقبة والتقويم، مع ضرورة تصميم آليات لذلك تراعي مشاركة الأفراد المستفيدين ومختلف أصحاب المصلحة، وعدم الاكتفاء بالمنظّمت أو الجهات الحكومية المحلّية الرسمية. ومن المهم في هذا الصدد توعية العاملين في المجال الإنساني بماهية هذا النموذج وأهدافه وما يقع وما لا يقع ضمن إطاره. وفي هذا السياق، خصوصًا بشأن عمليات التقويم، لا بدّ من الاعتمد على الخبرات المحلّية في تطوير أطر عمل جديدة وملائمة لالتقاط الفروق الدقيقة والعوامل السياقية الخاصة بالبيئة المحلّية. تعزيز الشراكات مع الجهات الفاعلة الإنسانية والتنموية بمختلف اختصاصاتها وتوسيعها، إلى جانب استحداث شراكات مع الجهات من خارج القطاع الإنساني والتنموي ذات صلة بالأهداف المراد تحقيقها،
بهدف تصميم التدخل وتنفيذه، والتعاون معًا في ذلك، باستخدام الرياضة أداةً في إطار مشروع أو برنامج مشترك يراعي المدخلات المختلفة المطلوبة من أجل تعزيز تلك الأهداف، التي تعدّ الرياضة جزءًا مكمّلً منها. تشكيل لجنة مشتركة بين الجهات الفاعلة القطرية في هذا السياق، من جمعيات خيرية وإنسانية ومنظمت تنموية، وذلك لتبادل الخبرات، وبحث الدروس المستفادة من تجاربها؛ فمن ناحية تستفيد الجهات الخيرية غير المتخصّصة من معرفة تلك المتخصصة وخبرتها في مجال استخدام الرياضة في التنمية، ومن ناحية أخرى تستفيد الأخيرة من الخبرة الطويلة للجهات الخيرية في العمل الميداني؛ إذ يمثل هذان الجانبان أبرز جوانب التطوير التي يحتاجها كلّ طرف وفقًا لنتائج الدراسة. تطوير آليات تقويم التدخلات الرياضية ومأسستها والاستفادة في ذلك من الأطر العالمية، من دون إهمل دراسة العاملين الميدانيين وملاحظاتهم، مع التفريق بين نجاح البرنامج أو النشاط في تحقيق نسبة عالية من المشاركة والتفاعل أو الرضا، ونجاحه في الإسهام في تحقيق الهدف التنموي المرجوّ منه. وضع معيارية واضحة للاستدامة، لاتّصالها الوثيق بالأهداف المراد تحقيقها، ومن أجل أن تتّبع بنودها في جميع المراحل بما فيها إنشاء الشراكات والتمويل والتدريب والتصميم والتنفيذ والمراقبة والدعم، فضلً عم يرتبط بالمرافق والمعدّات. ويجدر التمييز بين استدامة التدخل في حدّ ذاته، التي تستمر مدّة معيّنة مع الحفاظ على مستوى المشاركة فيه، واستدامةٍ من نوع أكثر اتّساعًا وشمولً، باستدامة أثر ذلك التدخّل في المجتمع. وفي ذلك، يمكن اتخاذ القرار للعمل على استدامة عناصر محدّدة من التدخل/ الأنشطة، عبر بناء قدرات المدرّبين مثلً بما يؤهّلهم لاحقًا لاستئناف نشاطهم ضمن أطُر عملية أخرى. تحديد مكامن الأخطار المحتملة والمتعلّقة بأداء الرياضة أو التدخل الرياضي دورًا عكسيًّا، مثل تأجيج الانقسامات الاجتمعية أو الدينية أو العرقية أو استبعاد فئات خاصة من الفئات المهمّشة في المجتمع، أو توفير أدوات ووسائل قد يجري استغلالها من جانب فئة محدودة من ذوي النفوذ بما يعزّز الفساد والمحسوبية. وفي هذا الإطار، لا بدّ من أن تحترم التدخلات الرياضية حقوق الإنسان لجميع المشاركين وتعزّزها، بما في ذلك الحق في المشاركة، وعدم التمييز، والحمية من الإساءة والاستغلال. وعلى الرغم من أنّ المشاركين في الدراسة لم يبلغوا عن أيّ حالات ممّ سبق، وأنّ لدى بعضهم سياسات لتجنّب هذه المخاطر، فإنّ من المهمّ ترسيخ ممرسة تقويم المخاطر لدى جميع الفاعلين وإدارتها. التعاون بين الجهات البحثية والفاعلين الميدانيين لمعالجة ندرة البحوث الإجرائية التي تقوّم هذا النوع من التدخلات وتبحث آثارها، بهدف اتخاذ قرارات مستنيرة، واستنباط دروس تسهم في تطويرها مرة بعد مرة. وجدير بالذكر أنّ قيام المنظمت بإشراك الباحثين في مرحلتَي التصميم والتقويم، إلى جانب تطبيق نموذج العمل (من أسفل إلى أعلى)، من شأنه أن يعزّز قوة نتائج بحثهم، مع ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقية للبحث. أيضًا، فإن معالجة مشكلة الاستدامة المالية للأنشطة، التي تستخدم الرياضة أداةً، في ظل وجود أولويات تمويل أكثر إلحاحًا، تستدعي إجراء بحوث مخصصة حول سبل حلّ المشكلة في هذا السياق تحديدًا، بعيدًا عن مصادر تمويل تلك الأولويات.
المراجع
العربية
دولة قطر، الأمانة العامة للتخطيط التنموي. رؤية قطر الوطنية 030 2. تمّوز/ يوليو 2008. في: https://tinyurl.com/4yhskr27
دولة قطر، وزارة التخطيط والإحصاء. استراتيجية التنمية الوطنية الثانية لدولة قطر 2022-2018. https://tinyurl.com/4tutm6fy:. في 2019 شباط/ فبراير
الأجنبية
Amara, Mahfoud & Ishac Wadih. Sport and Development in Qatar International and Regional Dynamics of Sport Mega-events. London: Routledge, 2021.
Antwi-Boateng, Osman. "The Rise of Qatar as a Soft Power and the Challenges." European Scientific Journal. vol. 2, no. 31 (2013).
Balbim, Guilherme Moraes et al. "Effects of Exercise Training on the Cognitive Function of Older Adults with Different Types of Dementia: A Systematic Review and Meta- analysis." British Journal of Sports Medicine. vol. 56, no. 16 (2022).
Barakat, Sultan. "Qatari Mediation: Between Ambition and Achievement." Brookings Doha Center. 10/11/2014. at: https://tinyurl.com/3n5r792u
Barrena, José Antonio León. "Sport for Humanitarian Action. A Do No Harm Approach." Deusto Journal of Human Rights. no. 6 (2009).
Cheung-Gaffney, Elizabeth. "Sports and Humanitarian Development: A Look at Sports Programming in the Refugee Crisis Through a Case Study of Kick Start Joy Soccer project at the Zaatari Refugee Camp." Journal of Legal Aspects Sport. vol. 28, no. 1
Coalter, Fred. Sport-for-Development: Pessimism of the Intellect. Optimism of the Will Fred Coalter. London: Palgrave Macmillan, 2013.
________. "The Politics of Sport-For-Development: Limited Focus Programmes and Broad Gauge Problems." International Review for the Sociology of Sport (2010). at: https://tinyurl.com/ua96vt2d
Heather, Bourbeau et al. "A Winning Combination: Education and Sports." Education Above All (2023). at: https://tinyurl.com/59v5482s
Houston, Catherine & Jarvie Grant. "Humantarism, Sport and the UN: Time for." Peace and Sport. 25/9/2016. at: https://tinyurl.com/3wkdftpe
"How the FIFA World Cup Qatar 2022™ can Create an Economic Legacy." Qatar Foundation. 22/11/2022. at: https://tinyurl.com/2s3cxdfa
"How the World Cup is Driving Qatari Innovation." Scientific American Custom Media. at: https://tinyurl.com/38crn265
How to Use Football for Social Change: Football3 Handbook. Dublin: Football3, 2016. at: https://tinyurl.com/2eyztpj6
"Implementation Guide for Integration of Refugees Through Sport." Integration of Refugees Through Sport (2018). at: https://tinyurl.com/4t29vx3t
Johnson, Brian. "Qatar and the 2022 FIFA World Cup: Kick-starting a Global Economy." 3690: A Journal of First-Year Student Research Writing. no. 2 (2011).
Kidd, Bruce. "A New Social Movement: Sport for Development and Peace." Sport in Society. vol. 11, no. 4 (2008).
Kronick, Rachel, Eric Jarvis & Laurence Kirmayer. "Refugee Mental Health and Human Rights: A Challenge for Global Mental Health." Transcultural Psychiatry. vol. 58, no. 2 (2021).
Lemke, Wilfried. "The Role of Sport in Achieving the Sustainable Development Goals." UN Chronicle. vol. 53, no. 2 (2016). at: https://tinyurl.com/3v73j2nr
McGowan, Patrick, Scarlett Cornelissen & Philip Nel (eds.). Power, Wealth and Global Equity: An International Relations Textbook for Africa. Cape Town: UCT Press, 2007.
Moustakas, Louis & Lisa Kalina. "Learning Football for Good: The Development and Evaluation of the Football3 MOOC." Sustainability. vol. 14, no. 4 (2022).
Nguya, Gloria & Nadia Siddiqui. "The Triple Nexus (H-D-P) and Implications for Durable Solutions to Internal Displacement." Internal Displacement Research Programme.
Nye, Jr. & Joseph S. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004.
Olympic Refuge Foundation Think Tank. "Realising the cCross-cutting Potential of Sport in Situations of Forced Displacement." BMJ Global Health. vol. 7, no. 4 (2022).
Robar, Justin. "Understanding Community Perspectives: A Case Study of a Bottom-Up Sport-For-Development Initiative in Rural Africa." Brock University (2020). at: https://tinyurl.com/38tfu68r
Shamu, Gabriel. "The Developmental Impacts of FIFA World Cups on BRICS Nations." Ph.D. Dissertation, University of the Witwatersrand, Faculty of Humanities, 2016. United Nations. "Quadrennial Comprehensive Policy Review of Operational Activities for Development of the United Nations System: Resolution/ Adopted by the General Assembly." 30/12/2020. at: https://tinyurl.com/ybkrz6mm
USAID. "The Role of Sports as a Development Tool." at: https://tinyurl.com/yzp3ew8c Woodhouse, Tom. "More Than a Game. Sport and Conflict Resolution." Sport as a Peacebuilding Tool. no. 27. International Catalan Institute for Peace (2016). at: https://tinyurl.com/48x93jyz