Return to Article Details Moroccan Development Strategies between Institutionalization of Power and Personalization: Review of the New Development Mod

الاستراتيجيات التنموية في المغرب بين مأسسة السلطة وشخصانيتها: النموذج التنموي الجديد نموذجا

Moroccan Development Strategies between Institutionalization of Power and Personalization: Review of the New Development Mod

محمد المساوي

الملخّص

ملخص: يتوقّف نجاح التنمية على وجود ضمانات مؤسساتية تقيها من الشخصنة، إّلا أنه تغلب على المتغيّر المؤسسي ضبابية، نلمسها، سواء في الأدبيات التي تهتم بالعلاقة بين المؤسسات والتنمية، أم في تقارير المؤسسات الدولية، وهو أمر يتسبّب في اختزال مفهوم الحكامة المؤسساتية في مجرد حسن التدبير والكفاءة والفعالية وقوّة الدولة والثقة، في حين يبقى الجانب السياسي المتعلّق بالديمقراطية وحكم القانون مهمّشًا. تعكس الحالة المغربية هذا الإشكال بجلاء؛ حيث ارتبطت المبادرات التنموية، منذ الاستقلال بالإرادة الملكية. وعلى الرغم من إدراك هذا الإشكال والاعتراف بقصور النموذج التنموي، فإن الآليات والأفكار التي استُدعيت لعلاجه لم تفِ بالمأمول؛ فالتقييم ركّز على النموذج التنموي المعتمد، لا التقييم المؤسساتي. كما فصلت الحلول المطروحة لصوغ نموذج تنموي جديد بين الرهانات التنموية والجوانب السياسية المتعلّقة بالدمقرطة وتعزيز دولة القانون.

Abstract

Abstract: The success of development depends on the existence of institutional safeguards that prevent its personalization. However, the concept of the institutional dimension remains ambiguous, as reflected in both academic literature on the relationship between institutions and development, and in reports issued by international organizations. This conceptual vagueness often leads to a reductionist understanding of institutional governance—one that emphasizes good management, efficiency, effectiveness, state capacity, and public trust, while sidelining its political dimensions, particularly democracy and the rule of law. The Moroccan case illustrates this issue clearly: since independence, development initiatives have been closely aligned with the priorities of the monarchy. While the limitations of the current development model are widely acknowledged, the proposed mechanisms and reform ideas have largely fallen short of expectations. Evaluative efforts have largely concentrated on the development model itself, with limited attention paid to the underlying institutional structures. Moreover, proposed alternatives have often decoupled developmental objectives from essential political reforms, particularly democratization and the consolidation of the rule of law.

الكلمات المفتاحية:
  • الحكامة المؤسسية
  • النموذج التنموي
  • الديمقراطية
  • دولة القانون
  • المغرب
Keywords:
  • Institutional Governance
  • Development Model
  • Democracy
  • Rule of Law
  • Morocco

كلمت مفتاحية: الحكامة المؤسسية، النموذج التنموي، الديمقراطية، دولة القانون، المغرب.

مقدمة

ارتبطت المبادرات التنموية في المغرب، منذ الاستقلال، بالإرادة الملكية؛ فبعد أن تمّت وظيفة بناء السلطة الملكية مع الملك الراحل محمد الخامس (1961-1927)، ركّز الحسن الثاني (1999-1961)، على مأسسة النظام السياسي، وتعزيز الإصلاح الاجتمعي والاقتصادي. وقد سار على النهج نفسه الملك محمد السادس (-1999)، ففي بحثه عن شرعيات جديدة، اهتمّ بالتنمية الاقتصادية والاجتمعية ضمن إطار ما سُمّي المشروع التنموي الحداثي، وأطلق العديد من المشاريع الكبررى، منها الطرق السيّارة ومشروع طنجة المتوسطي والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وفي عام 2017، اعترف الملك بالقصور الذي يُعرقل النموذج التنموي المعتمد؛ إذ بقيت النتائج على المستوَييَن الاقتصادي والاجتمعي دون مستوى الطموحات؛ فبادر بتعيين لجنة ملكية خاصة لتتوّلى تقييم النموذج التنموي المعتمد، وتحديد التوجّهات الكبررى لنموذج تنموي جديد. وجرى ذلك التكليف بعيدًا عن المؤسسات السياسية

التي طُلب منها حُسن التنفيذ، وهو ما يثير عددًا من الإشكالات التي سنتناولها في هذه الدراسة. لا تتحقق مأسسة السلطة السياسية في الدولة الحديثة من دون تقييدها وضبطها؛ لذا فإن إنجاز حكامة مؤسساتية ناجعة يحتاج إلى المؤسسات القادرة والفعالة التي تعمل ضمن إطار لا ينفصل فيه واقع التنمية عن واقع الديمقراطية ودولة القانون. لكن في ظل سياق وسمَته شخصانيةُ السلطة، وارتهنت فيه التنمية بوجود "شخص" ضامن لإنجازها، بدلًا من المؤسسات، كم هي الحال بالنسبة إلى المغرب، تبررز إشكالية تخص المتغّير المؤسساتي وأثره في الاستراتيجية التنموية المعتمدة، والمعنى الذي اكتسبه هذا المتغّير في مخرجات لجنة النموذج التنموي. يتفرّع من هذه الإشكالية ثلاثة أسئلة: الأول، ما المقصود بمأسسة السلطة وشخصانيتها، ومعاني الحكامة المؤسساتية ومضامينها، وعلاقة التنمية بالمؤسسات؟ والثاني، هل جرى الاعتمد على العامل المؤسساتي في مسطرة تقييم النموذج التنموي القائم، وإعداد النموذج الجديد؟ والثالث، هو سؤال تقييمي؛ ما مدى استحضار المتغّير المؤسساتي في اقتراحات اللجنة الملكية الخاصة بالنموذج التنموي الجديد؟ وكيف أثّر ذلك في المؤسسات السياسية وتوجّهاتها؟ تعتمد الدراسة منهج دراسة الحالة، متّخذة من المملكة المغربية نموذجًا، وبالتحديد نموذجها التنموي الجديد. وقد سلّطت الضوء عليها من خلال مداخل متكاملة عدة. فهي تقدم قراءة نقدية للوثيقة الأساسية الصادرة عن لجنة النموذج التنموي في عام 2021، تحت عنوان النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع. ووظّفت في هذه القراءة تقنية تحليل المضمون، من خلال إحصاء تكرار المفردات التي لها علاقة بالموضوع، كم طبّقت تقنية تحليل الخطاب لبيان علاقة الوثيقة بسياقها وبخطب المؤسسة الملكية، وكذا بالمؤسسات النقدية الدولية.

1  عمر الشرقاوي، "المؤسسة الملكية ومعضلة التحديث"، وجهة نظر، العدد 23 (خريف 2004)، ص.53 2 للمزيد حول دراسات الحالة يمكن الرجوع إلى: Pierre Jean Balatier, "Les études de cas," in: Collection Business Science Institute, Les méthodes de recherche du DBA , Françoise Chevalier, Martin Cloutier & Nathalie Mitev (eds.) (EMS Éditions, 2018), p. 133. 3  ينظر: المملكة المغربية، النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام) (نيسان/ أبريل 2021)، شوهد في 2025/4/27، في: https://acr.ps/1L9zRUN 4 مُييّز المتخصون في علم الاجتماع بين تحليل المضمون، بوصفه تقنية تعتمد على تكرار المفردات، يتم فيها الانغلاق على الوثيقة أو النص

موضوع الدراسة، وتحليل الخطاب الذي يركز فيه الباحث على مضمون النص في علاقة بسياقه. للمزيد ينظر: David Longtin, "Analyse de discours," Le dictionnaire francophone d'anthropologie ancré dans le contemporain , 18/1/2022, accessed on 28/12/2023, at: https://acr.ps/1L9zRSU

تقوم الدراسة على فرضية مفادها أن الحل الذي طرحه النموذج التنموي الجديد لم يربط الرهانات التنموية بالتحّولّات على المستوى دمقرطة السلطة السياسية، إنما صيغ العامل المؤسساتي وفق محدّدات تتوافق وطبيعة النظام السياسي المغربي وملمح الشخصنة الملازم له، على نحو عرقل عمل المؤسسات السياسية ودورها في تقييد السلطة. وبناء على السؤال الأول، يعرض المبحث الأول من هذه الدراسة الإطار المفاهيمي، حيث يركز على مفاهيم أساسية؛ منها مأسسة السلطة وشخصانية السلطة والحكامة المؤسساتية. ويُجادل في الأدبيات التي حاولت الربط بين المؤسسات والتنمية. وتفاعلًا مع السؤال الثاني، يتطرّق المبحث الثاني إلى مسطرة إعداد النموذج التنموي الجديد وتهميش العامل المؤسساتي، وينظر في كيفية تأثير منهجية إعداد النموذج التنموي الجديد في عمل المؤسسات السياسية باتّباع أسلوب درج عليه الملوك المغاربة منذ الاستقلال، وهو اللجوء المكثّف إلى اللجان الملكية الخاصة، لمعالجة الأزمات التنموية. من ثم، تُقيّم الدراسة، في المبحث الثالث، النموذجَ التنموي الجديد بين أزمة العمل السياسي والرهان على الحكامة المؤسساتية. وتقدم تقييمًا لحضور المتغّير المؤسساتي من زاويَتيَن: الأولىتقييم الحيّز الذي منحه تقرير اللجنة للعوامل المؤسساتية في أزمة النموذج التنموي

المعتمد، والثانية تقييم الأدوار التي أُوكلت للمؤسسات السياسية لتحقيق التنمية.

أوالًا: الإطار المفاهيمي

تربط الدراسة بين ثلاثة مفاهيم هي: مأسسة السلطة وشخصانية السلطة والحكامة المؤسساتية. وتطرح أن تناقض المفهوَميَن الأوَّليَن يتسبب في الحد من فاعلية الحكامة. ونوضح فيم يلي أبعاد هذه المفاهيم ومضامينها التي تؤثر في موضوع الدراسة.

1. مأسسة السلطة

ارتبط مفهوم المأسسة بالسياق الغربي مع ظهور الدساتير والقوانين الوضعية، ومن خلاله جرى الانتقال من سلطة مُطلقة مُشخصَنة بيد الحاكم إلى سلطة مُقيّدة بنصوص، تُحدد كيفية ممرستها وحدودها، وكيفية بروز مؤسسات تملّك السلطة بدلًا من الأشخاص. ويطرح جورج بيردو Burdeau Georges، المأسسة بوصفها آلية للفصل بين الزعيم والسلطة، ومن خلالها نشأت الدولة بوصفها مالكة لهذه السلطة، في حين أصبح الحكّام مجرد أعوان يضطلعون بوظائف الدولة، وفق نصوص ومساطر قانونية واضحة. وبحسب ماكس فيبرر، فإن مأسسة الدولة الحديثة تتم عندما تكون لإرادتها صلاحية تطبيق القوانين، واحتكار الإكراه المادي المشروع، بغية تحديد قراراتها وتطبيق سياساتها العامة.

5 لغويًا، يُقصد بالمأسسة، الاعتراف الدستوري، وذلك بتكريس الشيء في القانون، سواء بصفة صريحة أم ضمنية. فمأسسة السلطة يعني دسترها من أجل تقييدها. للمزيد ينظر: Yves Meny, Politique comparée: Les démocraties Allemagne, Etats-Unis, France, Grande Bretagne, Italie , 5 ème ed. (Paris: Ed Montchrestien, EJA, 1996), p. 69. 6 Madeleine Grawitz & Jean Léca, Traité de Science politique , T 1: La science politique, science sociale. L'ordre politique (Paris: Presses Universitaire de France, 1985), p. 386. 7 Jean Marie Vincent,  Max Weber ou la démocratie inachevée  (Paris: édition du Félin, 1998), p. 47.

توَّسَع مفهوم المؤسسة، لدى بعض الباحثين فيم وراء القواعد القانونية الرسمية، ليشمل القواعد كلها التي تُعطي الديمومة والاستقرار لعلاقة ما. فبحسب دوغلاس نورثNorth Douglass، مُتثّل المؤسسات إكراهات تتم بموجبها هيكلة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتمعية من خلال قواعد قد تكون رسمية شكلية، كالدساتير والقوانين، أو غير رسمية، تتم بلورتها تلقائيًا من المجتمعات، كالعادات والتقاليد. وقد اهتمت العديد من المقاربات بوظائف المؤسسات. فإذا كانت وظيفتها الرسمية هي ضبط السلطة السياسية بإلزام الحكّام باحترام الدستور والقوانين، فإنها أيضًا تفرض قواعد على الأفراد. وهو ضبط يحاول الأفراد التنصّل منه من خلال مقاومة المأسسة Désinstitutionnalisation. كم تؤدي المؤسسات وظائفَ خفيّة، فهي وفق المنظور الماركسي أداة لهيمنة فئة على الفئات الأخرى في المجتمع. ووظيفتها أيديولوجية، بحسب أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio؛ إذ تسعى للحفاظ على القواعد أو تغييرها لمصلحتها. وقد اهتم فيبرر بدور المؤسسات بجعل مصالح المهيمن وتمثلاته مشروعةً لدى المهيمَن عليهم. وقد اهتمت المؤسساتية الجديدة بالعلاقة بين الفاعلين والمؤسسات، التي تحاول الهيمنة على الفاعلين، عبرر فرض الالتزامات عليهم. وفي المقابل، يسعى الفاعلون لاستعمل المؤسسات أداة لممرسة السلطة. وإذا كانت عمليات مأسسة السلطة السياسية في الدولة الحديثة قد رفعت من قيمة المؤسسات، بدلًا من الأشخاص، فإن مع التطوّرات التي لحقت بهذه الدولة في السياق الغربي، تراجع دور المؤسسات ومكانتها، بفعل تدخّل عوامل مؤثرة عدة في القرار العام، كدور التكنوقراط وتصاعد مكانة الرأي العام وعقلنة القرار السياسي وضبطه. وأصبحت بذلك الخصائص الشخصية والكاريزماتية للرئيس أكثر أهمية من الإطارات المؤسساتية. من ضمن الظواهر التي نالت اهتمم الباحثين، هذا الخليط المُسمّى السياسوقراط أو "البوليتوقراط" Politocrate، الذي يتمثّل في تكنوقراط وخبرراء برزوا في البداية خدّامًا للسلطة السياسية، ثم تحوّلوا إلى رجال سياسة بلباس إداريّ. وقام هؤلاء بأدوار رئيسة على مستوى اتخاذ القرار، فمع وصول الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران Mitterrand François للسلطة (1995-1981)، لوحظ انتشار كثيف لهذه النخبة

8  مُنيّز هنا بين معنَييَن للمؤسسة: المعنى العضوي الذي يشير إلى الأجهزة الُم كلّفة قانونًا بتدبير الشأن العام، والمعنى الوظيفي الذي يعتبرر

المؤسسة مجموعةً من القوانين المتعلّقة بكيفية توزيع السلطة العامة والخاصة. للمزيد ينظر: François Baurricaud, "Institution," in: Encyclopédie Universalis , vol. 12 (Paris: éd Corpus, 1992), p. 388. 9 Alice Sindzingre, Institution, Développement et Pauvreté (Paris: Agence Française de développement, Document du travail, 2006), p. 5. 10 Bourricaud, p. 388. 11 Isabelle Huaut & Bernard Léca, "Pouvoir: Une analyse par les institutions,"  Revue Française de gestion , vol. 3, no. 193 (2009), pp. 143, 146. 12 للمزيد حول هذه الاتجاهات، ينظر: 140-141. pp. Ibid., 13 إذا كان التحليل الاستراتيجي يهتم بالبحث عن السلطة في العلاقة بين الفاعلين، فإن هذا الاتجاه داخل المقاربات المؤسساتية يهتم ببعد جديد في السلطة، حيث يُركّز على السلطة في العلاقة بين الفاعلين والمؤسسات، للمزيد يمكن الرجوع إلى.Ibid., p. 139: 14 Ibid., p. 136. 15 في هذا الإطار ينظر: Gérard Mermet, Démocratie: comment les médias transfèrent la démocratie (Paris: Éditions Aubier, 1987), p. 195. 16 للمزيد حول هذه الظاهرة، ينظر: François Bazin & Joseph Macé-Scaron, Les politocrates: Vie, mœurs et coutumes de la classe politique (Paris: Éditions du Seuil, 1993), p. 50.

الجديدة؛ ما منح رئاسة الجمهورية عمقًا تكنوقراطيًا. وأصبح للتقنية والخبررة دورٌ في وضع رغبات المواطنين وتحديدها، بعيدًا عن الحكومة والبررلمان. وعلى الرغم من أهمية هذه المقتربات كلها، فإنه يجب عدم التقليل من أهمية طرح السؤال المؤسساتي؛ إذ ما يزال للبنى المؤسساتية والقانونية دورٌ كبير في الحياة السياسية في الدول الديمقراطية الحديثة. فعلى الرغم من وجود طاقم تقني ضخم من الخبرراء، فإن هناك دورًا أساسيًا يبقى للقادة السياسيين وللفريق الوزاري ولصناديق الاقتراع، في اتخاذ القرار العام. وما زال يتوافر للمؤسسات الديمقراطية سلطة الحسم بوساطة الاقتراع العام. نخلص من ذلك إلى أن عملية المأسسة تقوم بوظيفة أساسية هي تقييد السلطة وضبطها، وقد ساهم هذا التقييد في بناء الدولة الحديثة وتأسيس الديمقراطية، على الرغم من الصعوبات التي واجهت هذه العمليات، من قبيل الوظائف الخفية للمؤسسات، وتحكّم التقنيين والخبرراء في السلطة. بالنسبة إلى العالم العربي، يواجه نقل مفهوم المأسسة من السياق الغربي تحديات عديدة، تختلف عن تلك التي عرفتها الخبررة الغربية. فقد اكتفت الدول العربية، على غرار باقي الدول النامية، باستيراد التقنيات الدستورية والقانونية، من دون أن تتشكل المؤسسات بصفتها نتاج تطوّر مجتمعي داخلي. لذلك، فقدت عمليات المأسسة وظيفتها الأساسية، وهي تقييد السلطة، وبقيت المؤسسات ضعيفة وغير مؤثرة وشكلية؛ ما أدّى إلى عرقلة عمليات التنمية في العديد من الحالات، وتحكّم الجوانب الشخصية في مساراتها، بدلًا من المؤسسات.

2. شخصانية السلطة

كانت شخصانية السلطة هي الأصل في العهود التي سبقت عصر الحداثة، وقد شكلت الحداثة المؤسساتية حًّدًا لتفرّد الأشخاص بالسلطة، وتغوّلهم على المؤسسات. إّلا أن ذلك لم يم عن من ظهور شخصانية السلطة،

حيث أصبح للرئيس ولزعيم الحزب تأثيرٌ في كيفية ممرسة السلطة، لذلك بقيت الديمقراطية الحديثة رهينةً بين الشخصانية والمأسسة. وقد برز مفهوم شخصانية السلطة بعد الحرب العالمية الثانية في الدول الغربية ودول العالم الثالث، بسبب عودة بروز موقع الأشخاص في السلطة في بعض البلدان الديمقراطية. فقد سمحت سياقات مختلفة ببرروز شخصانية السلطة في فرنسا، ردّا على نظام حزبي وبرلماني سيّئ. وفي الولايات المتحدة الأميركية، كان الدور الدولي يُعزّز من أدوار الأشخاص. وفي ألمانيا، أملت الشخصانية ضرورات إعادة البناء بعد الحرب العالمية

17 Jean Claude Thoenig,  "Qui décide en politique?" Revues sciences humaines , no. 2 (Mai-Juin 1993), p. 12. 18 Sophie Duchesne & Florence Haegel, "La politisation de spécialisation et de conflictualisassions," Revue Française de Science Politique , vol. 54, no. 6 (Décembre 2004), p. 877. 19 Jean Lacauture, Quatre hommes et leurs peuples: Sur–pouvoir et sous-développement (Paris: Éditions du Seuil, 1969), p. 38. 20  إيدموند إيبل، "الديمقراطيون يسائلون الديمقراطية"، ترجمة محمد العفراني، وجهة نظر، العدد 7 (ربيع 2000)، ص.38 21 كانت المقولة السائدة قبل الحداثة هي "الدولة أنا"، فحلّت محلها في دولة ما بعد الحداثة، مقولة "السلطة أنا." 22 Georges Burdeau, "Réflexions sur la personnalisation du pouvoir," Res Publica , vol. 5, no. 2 (1963), pp. 127-139. 23 Albert Mabileau, "La personnalisation du pouvoir dans les gouvernements démocratiques," Revue Française de science politique , 10e année, no. 1 (1960), pp. 39-40. ""

الثانية. لكن في بلدان الجنوب، تبررز الشخصانية بصفتها وسمًا عامًا للنُظم السياسية، نتيجة غياب حياة سياسية مؤسساتية، وتغوّل اختصاصات الرئيس ومعاونيه. يحدد بيردو ثلاثة معايير لشخصانية السلطة، هي:. أ

تردّد أسمء شخصيات سياسية في الإعلام والدعاية السياسية، وهي مسألة مرصودة بكثرة منذ الحرب

العالمية الثانية، حيث أدّت الصورة دورًا أساسيًا في إبراز شخصانية السلطة، بخاصة أنه قد أُنيط بوسائل الإعلام دور كبير في ص عن المعتقدات والتمثلّاث لدى الجمعة، وبما يجعل المحكومين لا يراهنون على المؤسسات المجرّدة، بل على الإرادات الشخصية..ب

بروز الكاريزما وقوة الشخصية السياسية؛ إذ تمتّع بعض السياسيين بصورة رمزية ومؤهلات تواصلية تخص طريقة التصرف وأسلوب الخطاب الجمهيري واللغة، وحتى اللباس؛ ما منحهم أهمية كبيرة داخل السلطة. صحيح أن صفة الكاريزما يتم منحها من طرف الجمعة، ويُحيط بها سرد أسطوري وأفكار خرافية تُستدعى من مخيال الجمعة، لكن وسائل الإعلام تؤدي دورًا كبيرًا في ترسيخها.. ج

تركيز السلطة؛ أي أن يُهيمن شخص من خلال منصبه المؤسسي على امتيازات السلطة، ويُقصي الآخرين. يؤدي تركيز السلطة إلى شخصانيتها، وكذا تؤدي شخصانية السلطة إلى تركيزها. وقد ميّز بيردو بين الشخصانية السلطوية، والشخصانية الشعبية؛ فالأولى، يتم إنتاجها من القمة، حيث يُهيمن شخص على السلطات، ساعيًا للقضاء على المنافسين، بتوظيف الصلاحيات القانونية والإدارية للمؤسسات. في حين أن الثانية شخصانية من القاعدة، تحصل بسبب الدعم الشعبي الذي يحظى به الشخص، وتصاعد وعي جمعي يعتبرره الأكفأ والأقدر على مواجهة الأزمات والتحديات. في المثل، يمكن التمييز بين الشخصانية والفردانية؛ فالأولى تحدث في إطار أنظمة دستورية مع احترام القواعد الدستورية، ومع مؤهلات استثنائية كاريزمية، تستغل وتؤثر في كيفية ممرسة السلطة. أما فردانية السلطة، فتعني تحكّم فرد في النظام السياسي والتحكّم في القانون والمؤسسات من أجل دوام سلطته. في دول العالم الثالث، تُص عن الشخصانية عبرر الآليات الدستورية ووسائل الإعلام. ومن خلال هيمنتها على الوعي العام، تتمكّن من إضعاف المشاركة التمثيلية، وإنشاء آليات بديلة للمشاركة (ندوات، مؤتمرات، لجان) مع نشر ثقافة سياسية جديدة، تُعيد إنتاج الشخصانية في المستويات المختلفة، وبروز زعامات على هامش المؤسسات الدستورية. تؤدي المؤسسات المنتخبة وظيفة التداول والرقابة، لكن مع إحساس المواطن بعدم الفعالية التقنية، بسبب تعقّد المساطر؛ وهو ما أدّى إلى سيادة المشروعية الشخصية، بدلًا من المشروعية المؤسساتية. يبدو هذا الوصف الأكثر تعبيرًا عن الحالة العربية، فمع ضعف المؤسسات

24 Burdeau, p. 128. 25 Ibid., p. 129. 26 Ibid., p. 130. 27 Mabileau, p. 64. 28 Burdeau, p. 128. 29 Ibid., p. 135.

السياسية، ومع مركزية الأشخاص في معتقدات الناس وتصوّراتهم، تبررز شخصانية السلطة على نحو أعمق، مقارنة بالتجارب الغربية.

.3 الحكامة المؤسساتية

أولت أدبيات المؤسسات النقدية الدولية مفاهيم الحكامة الجيدة والحكم الرشيد اهتممًا واسعًا منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة مع ترويجها لبررامج التقويم الهيكلي. وفي ظل اهتمم هذه المؤسسات بفرض التوازنات الماكرواقتصادية، استفحلت أزمات اجتمعية في الدول النامية، مع تزايد الفقر واتساع الفوارق الاجتمعية. ولم تعترف تلك المؤسسات بدور برامجها في التسبب بذلك، وراحت تُكيل النقد لمؤسسات الدولة وكفاءتها. راهنت المؤسسات النقدية على الحرية الاقتصادية في تحقيق حكامة جيدة، وتأسيس دولة القانون والديمقراطية، بشكليها التمثيلي والتشاركي، وتقويم قدرات الحكومات، مع إمكانية المساءلة والمحاسبة. وهنا ظهر مفهوم الحكامة المؤسساتية الذي عرّفه تقرير البنك الدولي في عام 2004 باعتباره جملة القواعد التي تحكم ممرسة السلطة، باسم هيئة ناخبة لها الخيار، ولها الحق في تعويض من يمارس السلطة باسمها. تتطلب الحكامة وجود سلطة سياسية، تحترم حقوق وحاجات كل شخص في الدولة. يوضح التأمّل في خطاب المؤسسات النقدية الدولية أن ثمة ضبابيةً في المفهوم الذي تعتمده: فغالبية التقارير تولي الجانب التدبيري التقني اهتممًا، وتُبرِز مفردات: الكفاءة، النجاعة، الفعالية بوصفها الصفات المطلوبة في المؤسسات الوطنية، التي عليها أن تُنفّذ على نحو جيد توصيات هذه المؤسسات. وفي مساحة أقل، تتناول التقارير دور المؤسسات السياسية المرتبطة بالديمقراطية ودولة القانون والحريات. ففي سياق برامج التقويم الهيكلي، تكون مهمة المؤسسات الوطنية هي الضبط والرقابة لضمن الشروط الأساسية لاقتصاد السوق. وتصبح وظيفة المؤسسات الوطنية هي التنفيذ، وهو ما يتطلّب مؤسسات ذات قدرات تدبيرية عالية. وحتى حينم طالبت هذه المؤسسات بعودة الدولة والمؤسسات الوطنية عبرر تبني مخططات لمحاربة الفقر ومواجهة الآثار الاجتمعية لعمليات الخوصصة، لم يتغّير تصوّر هذه المؤسسات لمفهوم الحكامة المؤسساتية. لكن في تقارير أخرى، اهتم البنك الدولي بالجمع بين التنظيم الاقتصادي والديمقراطية، فقيام الدولة بدورها المركزي، يتطلّب بنية تحتية مؤسساتية ديمقراطية. واهتمت هذه المؤسسات بعنصر المشاركة في اتخاذ القرار، أو ما سُمّي الديمقراطية التشاركية. فنظرًا إلى تعقّد المشكلات التنموية، يجب عدم الاكتفاء باتخاذ

القرار في المؤسسات الرسمية الدولتية، بل يجب ربط القرار بمحيطه، وهو ما يتطلّب التنسيق وإشراك المستفيدين في عملية اتخاذ القرار. وهنا كان الرهان على المؤسسات السياسية ودمقرطة السلطة السياسية وبناء دولة الحق والقانون.

30 Sindzingre, p. 11. 31 Gwenaélle Otando & Dimitri Uzunidis, "Le renouveau des théories du développement, institution et bonne gouvernance," Recherches Internationales , no. 90 (Avril-Juin 2011), p. 23. 32 Ibid., p. 8. 33 Ibid., p. 21. 34 Patrice Duran, "Gouvernance," Politiques et management public , vol. 16, no. 1 (1998), pp. 3-4.

وتوافقًا مع تصور المؤسسات النقدية الدولية لمفهوم الحكامة المؤسساتية، رّك ز بعض الأدبيات المهتمة بالعلاقة بين التنمية والمؤسسات على قوّة المؤسسات وفاعليتها ونجاعتها. فقد ربط بعض الدراسات بين التنمية الاقتصادية وفعالية المؤسسات السياسية التي تُعزّز الحكم الرشيد. وهنا يتم حصر وظيفة المؤسسات في منح الثقة للمستثمرين واليقين في العمل الاقتصادي. فمع المؤسسات يتضاءل عدم اليقين، وتنخفض تكاليف المعاملات، بما يُعزّز الثقة في الاقتصاد الوطني ويشجع على الاستثمر. وجرى توظيف مصطلح جودة المؤسسات بوصفه مؤشرًا على مدى الصلابة المؤسساتية. كذلك، فإن غياب التنمية قد يكون نتيجة عدم التنسيق، وعدم تبسيط المساطر المؤسساتية، بما أن التنمية تنجح بسبب كفاءة المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتمعية. وثمة علاقة قوية بين الأداء الاقتصادي والكفاءة المؤسساتية؛ فتوافر مؤسسات قوية ومنسجمة وفاعلة للدول، يسهم في مواجهة الآثار السلبية للعولمة في عمليات التنمية. وجّهت العديدُ من الدراسات النقدَ إلى مفهوم الحكامة، واعتبررته مفهومًا غير علمي وغامضًا ومُبهمًا؛ بسبب الرهانات السياسية والاقتصادية للمؤسسات النقدية الدولية التي حاولت أن تؤسّس لمفهوم عالمي للحكامة،

يتطلّب إصلاح الدولة ومؤسساتها، ويرسم دور الدولة كنموذج موَّحَد وعالمي، قائم على أساس مؤسساتي عالمي نموذجي. ويسمح هذا الغموض للدول بالتصرف في المفهوم، بحسب مصلحتها. وفي بلدان الجنوب التي لم تؤِّسِس بعد للديمقراطية، ركّز الفاعلون المهيمنون على السلطة، على الجانب التقني التدبيري لمفهوم الحكامة، وهمّشوا، في المقابل، الجانب السياسي والديمقراطي.

ثانيًا: مسطرة إعداد النموذج التنموي الجديد وتهميش العامل المؤسسايت

جاء تكليف اللجنة الملكية الخاصة بإعداد النموذج التنموي، في ظل سياق تمَّيَز باللجوء المكثف إلى الهيئات الاستشارية الموازية، ومن أهمها اللجان الملكية الخاصة. وهو ما سنعالجه في المطلبين التاليين:

1 ي. اللجوء المكثف إلى الهيئات لااستشارية الموازية ف المجال التنموي

يقصد بالهيئات الاستشارية تلك الهيئات واللجان والمجالس التي تؤسّسها المؤسسة الملكية في المغرب للعمل في مجال معّين تحت مراقبة الملك وتوجيهاته. ويعود أصل هذه الممرسة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال؛

35  عبد الله دوكال جلال وفيصل مخطاري، "المؤسسات والتنمية الاقتصادية في المنطقة العربية"، مجلة الدراسات التجارية والاقتصادية المعاصرة، مج 4، العدد 2 (2021)، ص 284،.287 36 المرجع نفسه، ص.284 37 Sindzingre, p. 6. 38 Otando & Uzunidis, p. 18. 39 Ibid., p. 25. 40 طلق على هذا النوع من المؤسسات تسميات متعددة، مثل مصطلح المؤسسات البديلة، باعتبارها تشتغل على مجالات من السياسات أُ العامة للدولة، كان من المفروض أن تشتغل عليها المؤسسات السياسية من برلمان وحكومة وقضاء، واعُتبُررت بذلك مؤسسات بديلةً من الأخرى. وهناك من يُسمّيها المؤسسات الموازية، باعتبارها تعمل على نحو موازٍ مع المؤسسات السياسية في الموضوع نفسه، كما يُطلق عليها مصطلح الهيئات الاستشارية، باعتبار مهماتها الاستشارية، فهي أجهزة استشارية تعمل إلى جانب الملك. للمزيد حول هذه الهيئات، ينظر: عبد القادر باينة، الهيئات الاستشارية بالمغرب (الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.)1991

ففي إثر الأزمات الحكومية التي عاشها المغرب بين عامي 1956 و 1962، لجأت المؤسسة الملكية إلى إيجاد هيئات استشارية تُعوّض غياب مؤسسات تمثيلية منتخبة. وكان من أهمها المجلس الوطني الاستشاري. ودرج الملك الحسن الثاني على فتح المجال أمام "اللجان والمجالس الاستشارية" لإبداء الرأي في مواضيع حساسة واستراتيجية، مثل حقوق الإنسان والشؤون الصحراوية والقضايا الاقتصادية والاجتمعية، وقضايا التضامن. ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، لجأ إلى تشكيل لجان وهيئات للإشراف على النشاط الملكي في بعض المجالات الاجتمعية والاقتصادية. ومن أبرزها اللجنة الملكية التي صاغت مدوّنة الأسرة في عام 2004، ولجنة ميثاق التربية والتكوين في عام 2000، وهيئة الإنصاف والمصالحة. تسببت هذه الممرسة في إعاقة وضع العديد من القضايا على الأجندة السياسية؛ إذ بقي الأمر يتطلّب استحداث لجنة أو هيئة استشارية. وفي ظل ضغط دولي ومحّلي للتعجيل بحل قضايا تنموية أساسية، ازدادت الهيئات الموازية قوّة وتنامى دورها في ظل ضعف المؤسسات السياسية الأخرى، وما انتاب وظائفها من اختلالات. وصارت عرفًا يجد ذريعته في الرغبة في تجاوز عناء الخوض في التعقيدات التي يفرضها التعامل مع هيئات منبثقة من انتخابات معقّدة وغير مأمونة النتائج. وبدا أن شبكة العلاقات الشخصية أهم من المؤسسات والتنظيمت الشكلية. واللجان الملكية الخاصة هي جزء من هذه الهيئات الموازية؛ إذ يُعيّنها الملك قصد دراسة قضية معيّنة ووضع تقرير بشأنها، وتضم اللجنة، إضافة إلى رئيسها الذي يُعيّنه الملك، عددًا من الأعضاء، يتم تحديد عددهم بحسب طبيعة الموضوع. وتشتغل هذه اللجان لمدة محددة، ولا تعمل بصفة دائمة؛ إذ يبقى عملها مرهونًا بإصدار تقريرها. تتميّز اللجان الملكية الخاصة بكونها لا تؤَّسَس بناء على نص قانوني معّين، فلا وجود لقانون يُحدّد وظائفها، ولا شروطًا لعضويتها، بل يبقى تعيينها وإقالتها رهنًا بالإرادة الملكية. ويجعلنا هذا الغياب للضبط القانوني مُنيّز بينها وبين المؤسسات، باعتبار أن من مميزات الأخيرة الديمومة والاستقرار، والضبط القانوني لوظائفها، مع العلم أن مفهوم المؤسساتية مشتٌّقٌ من مفاهيم عدة، مثل الضبط، التقنين، الاستمرارية، التنظيم. فإذا ما كانت الهيئات الاستشارية، وبحسب تسميتها، تؤدي وظيفة تشاورية، فإنها، بحكم علاقتها بالمؤسسة الملكية، وبحكم النقاش والتوافق الذي يحصل حول ملفات اشتغالها، تصبح مشاريعها ملزمةً للمؤسسات السياسية، ليس من الناحية الدستورية والقانونية، لكن من جهة الواقع. وهو أمر يؤثر في العمل المؤسساتي، وسنوضح فيم يلي نموذجه المتمثل في لجنة النموذج التنموي الجديد.

41 Pierre Ebrard, "L'assemblée nationale consultative marocaine 1956-1959," Annuaire de l'Afrique du Nord (1962), p. 59. 42  محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي، ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي (الدار البيضاء: الفنك للنشر، 2001)، ص.93-92 43 Jean Léca, "Réformes institutionnelles et légitimation du pouvoir au Maghreb," in: J. Léca et al., (eds.), Développement politiques au Maghreb, aménagements institutionnels et processus électoraux (Paris: Éditions du Centre national de la recherche scientifique, 1979), p. 22. 44 Jean Loius Quermoune, "Les politiques institutionnelles," in: Madeline Grawitz & Jean Léca (eds.), Traité de sciences politique , Tome 4: Les politiques publiques (Paris: PUF, 1985), p. 62.

2 ي. لجنة النموذج التنموي و لااستمرار ف منهجية اللجان لااستشارية

مع وصول الملك محمد السادس إلى السلطة في عام 1999، تبنّى العديد من المشاريع التنموية، الاجتمعية منها والاقتصادية، وبقي يُشدّد في خطبه على أن التنمية السياسية قد تحققت مع تجربة حكومة التناوب. وأكد وجوب أن يُوجّه الجهد الأكبرر إلى التنمية بمعنييها الاجتمعي والاقتصادي. لكن عرف الخطاب الملكي تطوّرًا مهمًا بحلول عام 2017، حينم اعترف الملك بعجز النموذج التنموي المعتمد على تحقيق الطموحات والاستجابة للحاجيات، فقد قال في الخطاب الملكي (29 تموز/ يوليو 2019): "لقد أبان نموذجنا التنموي خلال السنوات الأخيرة عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين، وعلى الحد من الفوارق الاجتمعية، ومن التفاوتات المجالية. وهو ما دفعنا للدعوة لمراجعته وتحيينه". وفي 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، دعا الملك في خطابه "الحكومة والبررلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد". وحدّد الملك التوجّه العام الذي يجب الالتزام به، وهو "رؤية مندمجة لهذا النموذج، كفيلة بإعطائه نفسًا جديدًا، وتجاوز العراقيل التي تُعيق تطوّره، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات التي أبانت عنها التجربة". وحدّد أيضًا المقاربة التي يجب تبنّيها، قائل:ا "وسيرًا على المقاربة التشاركية، التي نعتمدها في القضايا الكبررى، كمراجعة الدستور، والجهوية الموسّعة، فإننا ندعو إلى إشراك كل الكفاءات الوطنية، والفعاليات الجادة، وجميع القوى الحيّة للأمة". نستشف من خلال هذا الخطاب أن الملك قد عوّل في البداية على تدخّل المؤسسات السياسية، لكن بعد مرور سنة على هذه الدعوة، قرّر في خطاب العرش، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، تكليف لجنة ملكية خاصة، "مهمتها تجميع المساهمت، وترتيبها وهيكلتها، وبلورة خلاصاتها في إطار منظور استراتيجي شامل ومندمج"، وقال: "على أن ترفع إلى نظرنا السامي مشروع النموذج التنموي الجديد، مع تحديد الأهداف المرسومة له، وروافد التغيير المقترحة، وكذا سبل تنزيله". أجاب الملك في خطاب العرش، في 29 تموز/ يوليو 2019، عن سؤال: لماذا لجنة ملكية خاصة لوضع نموذج تنموي جديد؟ مؤكدًا "أنه شخصيًا لا يميل لإحداث اللجان الخاصة؛ لأنها أحسن طريقة لدى البعض لدفن الملفات والمشاكل". ونبّه إلى أن هذه الطريقة أثبتت فعاليتها في الماضي، "في بعض القضايا، ذات البعد

45 من نماذج الخطب الملكية التي تحدثت عن المنجز الديمقراطي، خطاب العرش في عام 2003، حينما قال الملك: "لقد مكّن ترسيخنا للمسار الانتخابي من بلوغ بلادنا مرحلة النظام الديمقراطي، المعتاد في إجراء كل اقتراع في موعده القانوني، وإنهاء انشغال الطبقة السياسية فقط بالمواعيد الانتخابية". ينظر: "الرباط 30 يوليوز 2003: نص خطاب جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة الذكرى الرابعة لاعتلاء العرش"، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2003/7/30، شوهد في 2025/4/20، في: https://acr.ps/1L9zSq6 46 جاء في الخطاب السالف الذكر: "أولينا البعد الاجتماعي والاقتصادي مكانة الصدارة، في السياسات العمومية، بتركيز الجهود على المشاريع الأساسية، للقضاء على أحياء الصفيح بتوفير السكن اللائق، وتحقيق التنمية البشرية بالتعليم النافع، وإيجاد التشغيل المنتج، بتحفيز الاستثمار وتحرير المبادرات الخّلقاة للثروة، وتقوية التماسك الاجتماعي بتفعيل التضامن. وتلكم هي المرتكزات الأساسية لمشروعنا التنموي". ينظر: المرجع نفسه. 47 جاء في الخطاب الملكي: "إذا كان المغرب قد حقّق تقدّمًا ملموسًا، يشهد به العالم، إّلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على

الاستجابة للمطالب المُلحّة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحدّ من الفوارق بين الفئات، ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية". ينظر: "الرباط، 13 أكتوبر 2017: الخطاب الملكي السامي في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2018-2017،" المملكة المغربية البررلمان، 2017/10/13، شوهد في 2025/4/25، في: https://acr.ps/1L9zSny 48 المرجع نفسه.

الوطني، كالجهوية والدستور، ومدوّنة الأسرة، وهيئة الإنصاف والمصالحة"، ومع الحرص الشخصي والمتابعة الملكية، كانت نتائجها إيجابية وبنّاءة. وحول علاقة هذه اللجنة بالمؤسسات السياسية، أكد الملك في الخطاب نفسه أن هذه اللجنة لن تكون بمنزلة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية؛ إنما هي هيئة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن؛ أي إنها لجنة استشارية، مهمتها مؤقتة، لا تُهيمن على القرار بدلًا من المؤسسات السياسية. لكن هل سيكون دورها من الناحية الواقعية استشاريًا؟ هذا ما س نناقشه لاحقًا. حدّد بلاغٌ للديوان الملكي، صدر في 12 كانون الأول/ ديسمبرر 2021 إطار عمل اللجنة، وحدد عضويتها ب 35 عضوًا، إضافة إلى الرئيس، تتضمّن كفاءات مغربية من داخل المغرب وخارجه، ومن القطاعين العام والخاص، ومن المجتمع المدني. وأوكل إليها مهمة تقييم الوضع التنموي الراهن، واقتراح ملامح نموذج تنموي جديد. ووظيفتها، بحسب البلاغ، استشارية. وحدّدت لعملها مهلة تنتهي بحلول صيف 2022. وجرى التشديد على أن تتبنى في عملها طريقة تشاركية. يلاحظ في تشكيل اللجنة أن أعضاءها لم يُعيّنوا بوساطة ظهير شريف، كم درج الملك على ذلك في تعيين الهيئات الاستشارية في المغرب. فبحسب الدستور، يامرس الملك مهمته، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخوّلة له صراحة، في نص الفصل 42 من دستور عام 2011. من هنا، يمكن تفهّم أن الهاجس المؤسساتي لم يكن أساسيًا لدى الملك في مسطرة التعيين، حيث تم الاكتفاء ببلاغ الديوان الملكي الذي لا ينتج قاعدة قانونية، بل هو أداة للإخبار بالأنشطة الملكية. على مستوى تنظيم عمل اللجنة، لم يتوافر نص قانوني أو تنظيمي يُحدّده، فلجأت اللجنة إلى وضع ميثاق يتضمن مجموعة من الأسس والمبادئ التي يجب الالتزام بها وفق التوجهات الملكية، ومن بينها تبني مقاربة تشاركية، وهو ميثاق يخلو من الطابع الإلزامي الذي مُييّز القواعد القانونية. بانتهاء اللجنة من تقريرها، قامت بإجراء وحيد هو تسليمه للملك؛ ففي بيان صحافي صادر عن الديوان الملكي، لمناسبة استقبال الملك رئيس لجنة النموذج التنموي، في 25 أيار/ مايو 2021، تسلّم الملك، بحسب

49 ينظر: المملكة المغربية، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، "تطوان - بمناسبة عيد العرش المجيد الذي يصادف الذكرى العشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، على عرش أسلافه المنعمين، وجه جلالته، مساء يوم الاثنين 29 يوليوز 2019، خطابا ساميا إلى الأمة"، 2019/7/29، شوهد في 2025/4/27، في: https://acr.ps/1L9zSj3 50 المرجع نفسه. 51  ينظر: "الملك يعين أعضاء لجنة النموذج التنموي وينتظر التعديلات بالصيف"، هسبريس، 2019/12/12، شوهد في 2025/4/27، ف:ي https://acr.ps/1L9zRHx 52 بقي الظهير الأداةَ الأساسية للعمل السلطاني في الدولة المغربية، حتى لُقّب المغرب ببلد الظهائر، والظهير جزء من التراث الأندلسي الذي انتقل إلى المغرب، واستُخدم في عهد المرينيين، واحتفظ به السعديون والعلويون. ينظر: محمد معتصم، النظام السياسي والدستوري المغربي (الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992)، ص.50 53 تضمّن ميثاق اللجنة خمسة مبادئ أساسية، هي: 1. البناء المشترك من أجل تعبئة الذكاء الاجتماعي، 2. الإنصات والانفتاح على المواطنين، وعلى القوى الحيّة كلها، 3. دراسة مقترحات مدروسة وعملية، 4. توفير قاعدة معطيات شاملة وموثقة رهن إشارة الأعضاء، 5. الحفاظ على

سرّية النقاشات الداخلية، بما فيها مواقف الأعضاء المُعّبر عنها خلال جلسات اللجنة ولقاءاتها.

البيان، تقرير اللجنة، ودعا المؤسسات والقطاعات كلها المعنيّة إلى تنفيذه، وهو بيان ليس له طبيعة قانونية، والحال أن المسطرة قد هَمّشت الجانب القانوني. كم أن التقرير لم يُسلّم للمؤسسات السياسية للموافقة عليه، ولم يصدر أي قرار من الملك باعتمده مؤسساتيًا، إنما كل ما صدر هو خبرر عن تسلم التقرير، وبما يؤكد مبدأ شخصانية السلطة. وبمراجعة سَير أعضاء اللجنة، يتّضح هيمنة الخبرراء والتقنيين، سواء القادمين من القطاع الخاص، كمديري بعض الشركات التجارية والصناعية (11 خبيرًا اقتصاديًا)، أم من القطاع العام، كمديري بعض المؤسسات العمومية التجارية والصناعية (المدير العام للمكتب الشريف للفوسفات)، أم أساتذة جامعيين من الجامعات المغربية أو الأجنبية (12 أستاذًا جامعيًا)، إضافة إلى بعض الأعضاء الذين مُيثّلون المجتمع المدني (5 فاعلين في المجتمع المدني). توضح تركيبة اللجنة الغياب التام لممثلي المؤسسات السياسية من حكومة وبرلمان وأحزاب سياسية، وكأن المطلوب مجرد الكفاءة الشخصية المرتبطة بقدرات هؤلاء الأشخاص التدبيرية. يتناغم الحضور القوي للخبرراء والتقنيين في اللجنة مع توجهات معروفة للملك منذ وصوله إلى العرش، تُبّين أنه يُفضّل التدبير التكنوقراطي. إن الحل غالبًا ما يجده الفاعلون السياسيون في البنية التكنوقراطية، فمع منطق اللاحكومة تبقى هذه البنية مرتعًا خصبًا للانتعاش. حاولت دراسات عدة تفسير هذه العلاقة بين السياسي والتقني؛ فالتقني - بحسب فيبرر - هو صاحب المعرفة والخبررة الذي يستطيع إيجاد الوسائل التي مُتكّن من بلوغ الغايات الكبررى التي يُحدّدها السياسي؛ أي إن مهمة الأكاديمي - التقني هي تنوير السياسي خلال تحديد الاختيارات التنموية المرغوب فيها. لكن المتخصص لا يوجد إّلا ليتحدّث باسم السياسي. في أسلوب اللجان الملكية في المغرب، يبقى السياسي خاضعًا للتقني، وفق مناخ عام يمنح الثقة للخبير على حساب السياسي، مع الأخذ في الحسبان أن الطرفين خاضعان، في الدرجة الأولى، لإرادة التوجّهات الملكية. ويبدو من خلال طريقة تشكيل اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي أن الهاجس المؤسساتي والسياسي لم يكن حاضرًا في العملية، وهو ما جعل اللجنة من الأدوات التي تؤكد شخصانية السلطة في النظام السياسي المغربي. وقد أثّر هذا الوضع في تقرير اللجنة، سواء من حيث تقييمها النموذج التنموي المعتمد، أم من خلال اقتراحها نموذجًا تنمويًا جديدًا.

ثالثًا: النموذج التنموي الجديد بين أزمة العمل السيايس والرهان عىل الحكامة المؤسساتية

هل يمكن النظر إلى اللجان الملكية الخاصة باعتبارها واحدةً من أدوات التدخّل الملكية خارج المنطق المؤسساتي؟ وهل غابت أمارات الرهان على المتغّير المؤسساتي عن تقرير اللجنة، سواء من خلال مخرجات العمل الذي قامت به اللجنة، أم من خلال تقييم اللجنة للنموذج التنموي القائم؟

54  ينظر: "لجنة إعداد 'النموذج التنموي' تسلّم تقريرها للعاهل المغربي"، العربي الجديد، 2021/5/26، شوهد في 2025/4/27، ف:ي https://acr.ps/1L9zRwJ 55  خالد عليوة، "تحّولّات الصراع السياسي في المغرب"، في: الدولة والمجتمع في بلدان المغرب العربي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1992)، ص.245 56 Ulf Himmelstarnd, "Idéologie, Science et action: Réflexions sur les taches et les défis des sciences sociale," Revue internationale des sciences sociales , vol. 34, no. 3 (1982), p. 114. 57 Jacques Godbout, "L'engagement: une fidélité,"  Sociologie du travail , vol. 42, no. 2 (Avril-Juin 2000), pp. 294-295.

1 ي. دور العامل السياس في أزمة النموذج التنموي

في نيسان/ أبريل 2021، صدر تقرير لجنة النموذج التنموي، تحت عنوان "النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع"، في 152 صفحة. وقد تضمن قسمه الأول رصدًا للاختلالات وتحديد الانتظارات، بناء على المشاورات التي تم إنجازها. لكن إلى أي قدر جرى تشخيص الأزمة من منظور العمل المؤسساتي؟ من الناحية الشكلية، يبدو أن التقرير لم يُخصّص أي فقرات لمعالجة موضوع العمل المؤسساتي ودوره في الأزمة، باستثناء توظيف كلمة المؤسساتية في نقطة صغيرة تتعلق بتصوّرات مواطنة ومؤسساتية تدعو إلى التغيير. أما على مستوى المضمون، فقد أشار التقرير إلى المتغّير المؤسساتي بوصفه أحد أسباب الأزمة؛ فالإصلاح الدستوري لسنة 2011، لم يتم تفعيله داخل الآجال المنتظرة، ولم يتم إسناده بحلول شاملة ومندمجة في خصوص التنمية الاقتصادية والاجتمعية. وأرجع ذلك إلى "الظرف السياسي الجديد، تبعًا لتطبيق أحكام الدستور ذات الصلة بتشكيل الحكومة، من طرف الحزب المتصدّر الانتخابات. فعلى الرغم من التوسّع الملحوظ في سلطة الحكومة واختصاصاتها بموجب الدستور، اتّسمت الائتلافات الحكومية المتتالية بتوترات متكررة، ودينامية سياسية، لا تُحفّز بالشكل الكافي على التقاء الفاعلين حول تصور للتنمية [...] وقد ساهمت هذه الوضعية في إبطاء وتيرة الإصلاحات، وفي خلق أجواء عامة من عدم الثقة". بيّنت اللجنة في تقريرها أن من أسباب الأزمة "عدم الثقة في المؤسسات السياسية [...] وغياب تنسيق عمودي بين الرؤية والسياسات العمومية المعلنة، وغياب الالتقاء الأفقي بين هذه السياسات"، و"محدودية قدرة القطاع العمومي فيم يخص تصوّر وتنفيذ السياسات العمومية والخدمات العمومية ذات الجودة". ولا تكمن الأزمة، وفق التقرير في الرؤية الاستراتيجية، بل في "ضعف تقيّد الفاعلين بأدوارهم [...] ووجود مناطق رمادية تحيط بتوزيع المهام والمسؤوليات بين المستويين الاستراتيجي والتنفيذي"، و"ضعف آليات تنسيق التدخلات العمومية يُغذّي ضعف الانسجام والالتقائية ما عدا في الحالات التي تتوافر فيها قيادات قوية". فهناك توجه استراتيجي واضح تبنّاه الملك، يُبرِز دور القيادة في التنمية، لكن المشكل يكمن - بحسب نص التقرير - في عدم الانسجام بين هذا التصوّر والسلطات التنفيذية والتشريعية والإدارية المكلفة بالتنفيذ، التي تكمن فيها الأزمة. فيم يتعلق بمشاركة المواطنين في الشأن العام، فإنها لا تزال محدودة، على الرغم من الضمنات التي أقرّها الدستور لمصلحة آليات الديمقراطية التشاركية، "فسُبل المشاركة كثيرًا ما تظل غير مفعّلة، أو يصعب الولوج إليها، مم يتسبّب في خلق نوع من تنازع الشرعية بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني". وسجّل التقرير ضعف الدور الرقابي الذي تقوم به المؤسسة البررلمانية، بالنظر إلى طبيعة تفاعلها مع الغالبية الحكومية. ويقتضي هذا التصوّر للتنمية، نهجًا سياسيًا ومؤسساتيًا وقانونيًا، يتّسم بالاستقرار والوضوح، ومجتمعًا منفتحًا

58 النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام.) 59 المرجع نفسه، ص.24 60 المرجع نفسه، ص.29 61 المرجع نفسه، ص.30 62 المرجع نفسه، ص.32 63 نودّ الإشارة هنا إلى أن الغالبية الحكومية في الفترة التي تحدّث عنها التقرير؛ أي بعد دستور عام 2011، كانت لحزب العدالة والتنمية، المعروف بمرجعيته الإسلامية.

ومتنوّعًا، فليس الإشكال في النظام السياسي الذي يضمن الديمقراطية بمعناها التمثيلي والتشاركي، لكنه في كيفية التفعيل. وفي محور انتظارات المغاربة وتطلّعاتهم، الذي مُيثّل خلاصة ما جمعته اللجنة خلال جلسات الإنصات، نجد استخدامًا كثيفًا لمفردات المشاركة والحقوق والحرّيات، حيث "يربط المواطنون صلة قوية بين التنمية، وبين احترام الحريات السياسية وترسيخ سيادة القانون. ويؤكدون على ارتباطهم القوي ببلدهم وإرادتهم الكاملة من أجل الإسهام في نمائه، ويُطالبون بإشراكهم أكثر في ص عن القرار من خلال تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية"، لكن مع حصر المشاركة في الديمقراطية التشاركية. من خلال تحليل نص التقرير، نتبّين أن جزءًا من الأزمة يتحمّله العمل المؤسساتي المُنجز من طرف البررلمان والحكومة والإدارة، فالمشكل لا يكمن في التصور العام المعتمد من طرف المؤسسة الملكية، بل يعود الإشكال الكبير إلى التنفيذ غير السليم الذي تقوم به هذه المؤسسات. وتكمن الأزمة إذًا في سوء التدبير وغياب النجاعة والفعالية. ويلاحظ أن اللجنة قد استعارت العديد من المفردات من تقارير المؤسسات الدولية. فقد أوصى البنك الدولي بإنشاء مؤسسات تضمن الفعالية عن طريق اعتمد معايير الثقة والنجاعة، وعقلنة التدبير المالي، وتحديث الإدارات الوطنية، مع تنفيذ برامج مالية لتحقيق الإصلاحات. والحل هنا تدبيري محض، لا يأخذ في الحسبان المحدّدات السياسية والديمقراطية. وهذا التوجّه ذاته هو ما تبنّته اللجنة في تقريرها، زاعمة "أن عبء البيروقراطية وتعقيد المساطر الإدارية والعدد المرتفع للتراخيص المطلوبة، كلّها تُحدّ من دينامية المقاولة، ومن أخذ المبادرة". لعل من أهم العوائق التي حدّت من فعالية المؤسسات هو انعدام الثقة، وهذا ما أكّده بعض التقارير؛ فنسب الثقة جد ضعيفة بالمؤسسات السياسية (8 في المئة)، في حين أن الثقة بوزارة الداخلية والقوات الأمنية جد مرتفعة (78 في المئة بالنسبة إلى الجيش، و 60 في المئة بالنسبة إلى الشرطة). وتناغمًا مع هذه المعطيات، سعت المؤسسة الملكية في خطباتها المتكررة للتأكيد على أزمة الأحزاب السياسية، وأزمة المؤسسات المرتبطة بها، مثل البررلمان والحكومة، التي تفتقد الكفاءة والخبررة التي مُتكّنها من التدبير الجيد، وفي المقابل تشيد الملكية بمؤسسات أخرى معيّنة، مثل المؤسسات الاقتصادية والأمنية. وقد تبنى مختلف الأطراف هذا الخطاب، وهو ما أنتج مقولات سياسية متكررة في الفضاء الصحافي، وحتى الأكاديمي، تشكك في كفاءة المؤسسات السياسية المنتخبة، وتُطالب بالرقابة والوصاية على هذه المؤسسات من طرف ما سُمّي بهيئات الحكامة.

64 المرجع نفسه، ص.40 65 المرجع نفسه، ص.37 66 Sindzingre, p. 12. 67 النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام)، ص.32 68 محمد مصباح ورشيد أوزار وهاجر الإدريسي، "مؤشر الثقة في المؤسسات الموجة الرابعة 2023: هل الثقة السياسية في المغرب في تراجع؟"، المعهد المغربي لتحليل السياسات ح (زيران/ يونيو 2023)، شوهد في 2025/4/27، في: https://acr.ps/1L9zS15 69 وهذا ما عّبر عنه الملك في خطاب العرش لسنة 2017: "ممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددًا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل". وفي المقابل نوّه الخطاب الملكي بالمؤسسات الأمنية: "في حين أن رجال الأمن يقدمون تضحيات

كبيرة، ويعملون ليلًا ونهارًا، وفي ظروف صعبة، من أجل القيام بواجبهم في حماية أمن الوطن واستقراره، داخليًا وخارجيًا، والسهر على راحة

وطمأنينة المواطنين وسلامتهم. ومن حق المغاربة، بل من واجبهم، أن يفتخروا بأمنهم". ينظر: "خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة عيد العرش المجيد تطوان، 6 ذو القعدة 1438 ه الموافق 29 يوليو 2017 م"، شوهد في 2025/4/24، في: https://acr.ps/1L9zS6m

لم تهتم اللجنة كثيرًا بالمتغير السياسي والديمقراطي في تشخيص الأزمة. ويبدو أنها قد تأثرت بالنموذج التايواني الذي يوضح أن التنمية تحققت، على الرغم من التدخّل القوي للدولة والبيروقراطية، بفعل الانفتاح الاقتصادي. وهو أمر تبُررزه أيضًا التجربة الصينية، حيث إن ضعف دولة القانون وغياب الحقوق والحريات لم يَحُل دون التنمية. وفي المقابل، وفي الكثير من دول الجنوب، أرجع العديد من الأدبيات ضعف التنمية إلى وجود مؤسسات سيّئة، لا تتمتّع بالكفاءة، وذلك لعوامل عدة، منها: الإرث الاستعمري والصراعات السياسية،

فضلًا عن المعتقدات والأفكار المعوّقة. شخّصت اللجنة الملكية مكامن الأزمة في عمل المؤسسات السياسية، بسبب غياب الحكامة المؤسساتية بالمعنى التدبيري. لكن ما المطلوب من أجل تجاوز هذه الأزمة؟

2. توصيات لجنة النموذج التنموي وتغييب العامل المؤسساتي

تُظهر مراجعة تقرير النموذج التنموي أن جزءًا من الأزمة تتحمّله المؤسسات السياسية، لكن اللجنة تجد أن الحل ليس مؤسساتيًا؛ أي بالتوجّه نحو إصلاح هذه المؤسسات من أجل تجاوز الأزمة، بل إن الحل يكمن في حكامة مؤسساتية بالمعنى التدبيري (أ) وهو ما يفرض التزام هذه المؤسسات بتوجّهات اللجنة، والاجتهاد في بلورة توصياتها في البررامج المؤسساتية (ب).

أ. الحكامة المؤسساتية يف تقرير لجنة النموذج التنموي

من خلال القراءة النصية لتقرير لجنة النموذج التنموي، وتوظيف تقنية تحليل المضمون، نلاحظ اهتممًا بالمؤسسات لتجاوز الأزمة؛ فقد وردت مفردة المؤسسة 66 مرة. لكن بأي معنى يتحدث التقرير عن المؤسسات؟ أيهتم بالمؤسسات السياسية من برلمان وحكومة وأحزاب سياسية، مع اقتران ذلك بالديمقراطية والحقوق والحريات، أم أنه يهتم بحكامة المؤسسات، ويربط ذلك بالنجاعة والفعالية والقوة والشفافية؟ يلاحظ لدى تعداد المفردات التي لها علاقة بالمتغّير السياسي والديمقراطي، أن كلمة مؤسسات سياسية لم تُذكر إّلا مرة واحدة. وهذا يثير الظن بأن الرهان ليس على المؤسسات السياسية لتجاوز الأزمة. لكن تبقى المفردات التي لها علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان حاضرة، وكذا المفردات المتّصلة بالحكامة، وفق ما يُبيّنه الجدول.)1(من الناحية المبدئية، تُبرِز هذه الإحصاءات اهتممًا كبيرًا من الناحية اللغوية بالمفردات ذات الصلة بالحكامة، لكنها تختزل الحكامة المؤسساتية في النجاعة والشفافية والمسؤولية والقوة. وتبقى هذه الخلاصة نسبية، باعتبار أن عدد التكرارات ليس كافيًا، ويجب تدعيمه بتحليل الخطاب. تقترح اللجنة في القسم الثاني من تقرير النموذج التنموي الجديد، ثلاثة مخرجات لتجاوز الأزمة، تحت عناوين هي: "طمو نحا من أجل المغرب في أفق 2035"، و"مرجعية جديدة للتنمية"، و"المحاور الاستراتيجية للتحول". في الأول، نجد بعض الإشارات إلى الجانب المؤسساتي، فنقرأ: "في أفق 2035، يتعزّز المغرب كبلد ديمقراطي

70 Otando & Uzunidis, p. 19. 71 دوكال جلال ومخطاري، ص.287

يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على توّلي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوّع وعادل ومنصف [...] يضم هذا الطموح [...] التشبث بالاختيار الديمقراطي ودولة الحق والقانون". فهناك طموح مثالي، هو تحقيق الديمقراطية، يتلاءم مع انتظارات المغاربة، كم أشرنا إليها سلفًا. لكن بمجرد أن ينتقل التقرير إلى الواقع من أجل تسطير الأهداف، تغيب المفردات التي لها علاقة بالتنمية السياسية والمؤسساتية. وهو ما نستنتج منه أن التنمية السياسية والمؤسساتية ليست أولويات تنموية، ولا رهان على تطوير العمل السياسي في اتجاه تحقيق الديمقراطية مدخلًا لتحقيق التنمية بمعناه الشمولي. فيم يتعلق بالتوجّه التنظيمي الجديد الذي يقترحه التقرير، نجد الجمع بين "دولة قوية مع مجتمع قوي [...] دولة استراتيجية، دولة حامية، دولة ضابطة تحرّر طاقات مختلف الفاعلين، وتضمن لهم الاستقلالية في التصرف وتُحمّلهم المسؤولية [...] تعتبرر المؤسسة الملكية الركيزة الأساسية للدولة، ورمزَ وحدة الأمة والضامنة للتوازنات والحاملة للرؤية التنموية وللأوراش الاستراتيجية طويلة الأمد، والساهرة على تتبع تنفيذها خدمة للمواطنين". هنا تبررز عبارة قوة الدولة، التي ركّزت عليها تقارير المؤسسات النقدية الدولية، إنها دولة قادرة على تنفيذ توجّهاتها. فقوة الدولة، بحسب التقرير، تضمنها مؤسسة ملكية تقود التنمية، "مع نظام سياسي، يسمح بتقليص التوتر بين المستويات الزمنية، ويجمع المزايا التي يكفلها وجود المؤسسة الملكية كضامن للهدف المنشود المحدد من طرف الجمعة الوطنية، إلى جانب الفاعلين الآخرين المتنافسين بشكل ديمقراطي، من أجل رسم المسارات للوصول إلى هذا الهدف [...] دولة ذات استراتيجية بعيدة الأمد تتولى تحديد التوجّهات وأهداف التنمية، وتعطي معنى للمشروع الوطني الجمعي والجامع [...] دولة تُعبّئ الفاعلين الرئيسيين". نستنتج أن تحقيق التنمية مشروطٌ بوجود دولة قادرة وحامية وضابطة، تقودها مؤسسة ملكية، تُحدّد التوجهات الاستراتيجية. وهذا ما يمك ننا اعتباره نزوعًا صوب التشخيص، في حين تظهر التزامات محددة لباقي الفاعلين. "يجب على الهيئات الدستورية، التي تُجسّد الاختيار الديمقراطي والحياة العامة والمؤسساتية الناجعة، أن تضطّلع بدورها كاملًا [...] طبقًا للرؤية الاستراتيجية لرئيس الدولة [...] فإذا كان التوجّه الجديد لدور الدولة يسعى إلى توسيع مجالات واستقلالية تدخّل الفاعلين، فإن هذا الإطار يجب أن يمكن من مساءلتهم كذلك". تقتصر وظيفة المؤسسات السياسية وفق هذا المعنى على تنفيذ التوجّهات الاستراتيجية للملك، وهو ما يتطلّب دعم العمل البررلماني والحكومي، بكل ما يحتاج إليه للقيام بهذه الوظيفة. لذلك، ليس المطلوب لتحقيق التنمية إصلاحًا دستوريًا ومؤسساتيًا، بل المطلوب هو اشتغال النظام السياسي المغربي وفق الدستور القائم. إذًا ليس هناك إصلاح مطلوب لتحقيق التنمية في هذا المستوى. يشار إلى أن محاور التحوّل، وهي

72 النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام)، ص.47 73 أهداف التنمية بحسب التقرير، هي: مغرب مزدهر يخلق الثروات وفرص عمل جيدة في مستوى طاقاته؛ مغرب الكفاءات حيث يتوافر جميع المواطنين على مؤهلات ويتمتّعون بمستوى من الرفاه؛ مغرب دامج يوفر الفرص والحماية للجميع، ويُعزّز الرابط الاجتماعي؛ مغرب مستدام يحرص على المحافظة على الموارد في جميع أنحاء التراب الوطني؛ مغرب الجرأة يسعى للريادة الإقليمية في مجالات مستقبلية محددة. ينظر: المرجع نفسه، ص.49-48 74 المرجع نفسه، ص.54 75 المرجع نفسه، ص 3 76 المرجع نفسه، ص.67

الأهم في التقرير، باعتبارها قد رّك زت على المجالات التي يجب أن يحدث فيها التغيير، بينم لم تطرح اللجنة الإصلاح الدستوري والمؤسساتي محورًا أساسيًا للتحول. أما القسم الثالث من التقرير، الذي جاء تحت عنوان "رافعات التغيير"، فقد تضمّن نقطَتيَن: الأولىتتعلق بالورشات التحويلية لإطلاق النموذج التنموي الجديد، والثانية خاصة بالميثاق الوطني من أجل التنمية. والملاحظة نفسها جرى تسجيلها فيم يخص الورشات التحويلية، فباستثناء ورش جهاز إداري وفعال، ركّز فيه التقرير على دور الإدارة في خدمة المواطن والمقاولة، لم يُعطِ التقرير أدنى اهتمم للعمل المؤسساتي. وهكذا، على الرغم من تأكيد تقرير النموذج التنموي، أن هناك إحساسًا من المواطنين بالخوف من عدم سيادة القانون، وتراجع منسوب الحريات، وتدهور الثقة بالمؤسسات، فإنه لم يقترح حلولًا وأفكارًا لتجاوز هذه الاختلالات، ربما لأن اللجنة، وفق نقد أورده بعضهم، لا ترغب في الخوض في مجال الإصلاحات الدستوري، ولم تقترح إصلاحًا يهم الفصل بين السلطات وتكوين الحكومة. لذلك ركزت اللجنة في تقريرها على تنفيذ المبادئ المتعلقة بالديمقراطية التشاركية التي جاء بها دستور 2011، وإضفاء دينامية جديدة على المؤسسات السياسية القائمة. فليس المطلوب هو الإصلاح الدستوري والمؤسساتي، بل التنفيذ الجيد لما جاء به الدستور. يتوافق تصوّر اللجنة ههنا مع تصور هيئة استشارية أخرى هو تقرير المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي، الذي أعد تقريرًا في عام 2019، عن النموذج التنموي، ركّز فيه على جوانب اقتصادية واجتمعية وثقافية وبشرية، بينم همّش إلى حدٍ بعيد المتغّير المؤسساتي في عملية التنمية. واكتفى التقرير بالتأكيد على أن الأمر يقتضي إعمل مبادئ الحكامة في عمل المؤسسات الدستورية، كالفعالية والمصداقية والشفافية والمحاسبة. وعلى عكس هذه الهيئات الاستشارية، ركّزت مذكرات بعض الأحزاب السياسية حول النموذج التنموي على المدخل الديمقراطي في عمليات التنمية؛ فقد ركّز حزب التقدم والاشتراكية في مذكرة له في الموضوع على المدخل الديمقراطي بوصفه إحدى الركائز الأساسية الخمس للنموذج التنموي الذي يقترحه، وذكر أن مسألتَي الحريات الديمقراطية والعدالة الاجتمعية عنصران جوهريان ومتلازمان ومتكاملان لبناء ثقة المغاربة بمستقبل بلادهم.

77 اقترحت اللجنة أربعة محاور للتحول، وهي: 1. نحو اقتصاد منتج ومتنوّع يخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل ذات جودة، 2. نحو رأسمال بشري أقوى وأحسن استعدادًا للمستقبل، 3. نحو فرص إدماج للجميع وتعزيز الرباط الاجتماعي، 4. نحو مجالات ترابية مستدامة وقادرة على التكيّف: فضاءات لترسيخ التنمية. ينظر: المرجع نفسه، ص.71 78 ز التقرير على "الرقميات كرافعة للتحوّل السريع، تأمين الموارد الضرورية لتمويل مشاريع التحول، إشراك مغاربة العالم للاستفادة من  ركّ معارفهم وشبكاتهم وخبرراتهم، تعبئة علاقات التعاون مع الشركاء الأجانب للمملكة اعتمادًا على مقاربة رابح رابح". ينظر: المرجع نفسه، ص.135 79  لحسن حداد، "النموذج التنموي الجديد بالمغرب: أوجه الابتكار ومواطن القصور"، الشرق الأوسط، 2021/6/8، شوهد في 2023/12/23، ف:ي https://acr.ps/1L9zS1g 80 Abdelilah Abdouh, "Une lecture succincte de la construction du nouveau modèle de développement," HAL Open Science , 10/2/2022, p. 11, accessed on 25/12/2023, at: https://acr.ps/1L9zRLw 81  المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، النموذج التنموي الجديد للمغرب: مساهمة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (الرباط: 2019)، شوهد في 2025/4/27، في: https://acr.ps/1L9zRVI 82 المرجع نفسه، ص.102 83 المرجع نفسه، ص.103 84 "مذكرة حزب التقدم والاشتراكية حول النموذج التنموي الجديد"، حزب التقدم والاشتراكية (شباط/ فبرراير 2019)، شوهد في 2025/4/27، ف:ي https://acr.ps/1L9zRNb

وصدرت مذكرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، موسومة ب "فعلية الحقوق والحريات في المغرب من أجل عقد اجتمعي جديد"، في آب/ أغسطس 2020. اعتبرر فيها المجلس أن جزءًا من أزمة النموذج التنموي يعود إلى ضعف البعد الحقوقي للسياسات التنموية، وانحسار قيم الديمقراطية والمواطنة والسلوك المدني. لذلك ركّز المجلس في التقرير على المدخل الحقوقي، حيث اعتبرر فعلية الحقوق شرطًا لتحقيق المواطنة، مع ضرورة التوعية بتداخل حقوق الإنسان والتنمية. واهتمت دراسات كثيرة بالمتغّير السياسي والديمقراطي لعمليات التنمية، فبحسب روبرت دال، هناك علاقة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، باعتبار أن تطور الديمقراطية، سيؤدي إلى البولياركية Polyarchy، الناتجة من تطوّر المجتمع، وتعدّد مجموعاته وتعقّد تركيباته؛ ما يتطلّب دائمًا البحث عن التوافق والتفاوض حول مختلف المشاريع، فتظهر الانتخابات بصفتها وسيلة أساسية وأسلوبًا وحيدًا للحكم على هذه المجموعة أو تلك، فهناك علاقة بين طبيعة النظام السياسي والنظام الاقتصادي، فنظام السوق يتطلّب نظامًا ديمقراطيًا، كم للديمقراطية تأثير إيجابي في التنمية، فالديمقراطيات تُهيّئ العوامل الاقتصادية للنموّ. والبررامج التنموية لا يمكن أن تُنجَز من دون حكومات، تحت رقابة ديمقراطية من طرف برلمانيين مسؤولين. نخلص من خلال دراستنا تقرير لجنة النموذج التنموي أن الحكامة المؤسساتية هي المطلوبة لتحقيق النموذج التنموي الجديد، وقد اختُزلت في إعمل مبادئ الحكامة وحُسن التدبير والمسؤولية في أنشطة المؤسسات السياسية القائمة. ولم تركز اللجنة على الإصلاح المؤسساتي الذي يمكن أن يؤدي إلى دولة مؤسساتية، تسود فيها دولة القانون، والديمقراطية والحقوق والحريات، باعتبار أن النظام السياسي الحالي تتحقق فيه شروط التنمية، وأهمها القيادة الاستراتيجية للملك التي تضمن قوّة الدولة وفعاليتها. وهذه القوّة تمنح الثقة للمقاولات وللمستثمرين مدخلًا أساسيًا لتحقيق النموذج التنموي الجديد. في المقابل، همّشت اللجنة العامل المؤسساتي في عملية التغيير المطلوبة، واكتفت باستيراد معنى معّين للحكامة المؤسساتية، كم تم توظيفه من طرف المؤسسات النقدية الدولية. وأوصت بالحدّ من سلطات المؤسسات السياسية التي يجب أن تكتفي بالاجتهاد في تنفيذ توصيات اللجنة.

ب. تقرير لجنة النموذج التنموي وأثره يف العمل المؤسّساتي

لم تكتفِ اللجنة بتقديم توصياتها المتعلّقة بالنموذج التنموي الجديد إلى المؤسسات السياسية، بل سعت إلى تنفيذ النموذج. ولتحقيق ذلك دعت اللجنة إلى تأسيس "ميثاق وطني من أجل التنمية"، قصد التنفيذ الفعلي للنموذج التنموي، طارحةً ضرورة أن "يُعزّز وظيفة القيادة الاستراتيجية والتتبع وإدارة التغيير، من أجل تحمّل المخاطر والتدبير الدائم لمظاهر مقاومة التغيير [...] ميثاق يشكل لحظة توافقية لانخراط جميع الفاعلين في مجال التنمية [...] ومرجعية مشتركة تقود وتوجّه عمل جميع القوى الحيّة [...] (أحزاب سياسية، مؤسسات دستورية)، [...] يمكن أن يتم اعتمده بشكل علني من طرف الفاعلين المعنيين، وسيشكل التزامًا

85  المملكة المغربية، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فعلية الحقوق والحريات في المغرب من أجل عقد اجتماعي جديد (آب/ أغسطس 2020)، شوهد في 2025/4/27، في: https://acr.ps/1L9zRBo 86 Robert Dahl, L'analyse politique contemporain (Paris: éd Robert Laffont, 1973), p. 125. 87 Otando & Uzunidis, p. 22. 88 Ibid., p. 16.

معنويًا وسياسيًا قويًا أمام جلالة الملك والأمة برمّتها". ورأت أن دور هذا الميثاق الذي يجب أن يلتزم به الجميع، هو ضمن التزام المؤسسات الدستورية كلها بمضمون التقرير تحت قيادة الملك، وهو ما يحدّ من

دور هذه المؤسسات، ويحصر وظيفتها في تنفيذ مشروع أُعدّ من طرف هيئة استشارية. وأوصت لجنة النموذج التنموي بإحداث "آلية لتتبع النموذج التنموي الجديد، وحفز الأوراش الاستراتيجية ودعم إدارة التغيير، تحت السلطة المباشرة لصاحب الجلالة الملك [...] ستُمكّن هذه الآلية الفاعلين المعنيين، من تحمّل المسؤولية، ومن تقوية حُسن الأداء العام". إنها آلية استشارية يُعيّنها الملك لمواكبة عملية التنفيذ، لكن هذه المرة لن تكون مؤقتة؛ لأن التنفيذ يتطلّب وقتًا، لذلك تنتقل المهمة من لجنة استشارية مؤقتة وضعت التقرير، إلى آلية شبه دائمة تحت إمرة الملك، لمتابعة مدى تنفيذ المؤسسات توصيات اللجنة. دعا الملك، بعد تسلّمه التقرير، الجميعَ إلى الالتزام به وتنفيذه؛ ففي خطاب 31 تموز/ يوليو 2021، قال إن "تنفيذ هذا النموذج، مسؤولية وطنية، تتطلّب مشاركة كل طاقات وكفاءات الأمة، خاصة تلك التي ستتوّلى المسؤوليات الحكومية والعمومية، خلال السنوات القادمة [...] وبصفتنا المؤتمن على مصالح الوطن والمواطنين، سنحرص على مواكبة هذا التنزیل، بما يلزم من إجراءات وآليات". وفي خطابه في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، قال إن "الميثاق الوطني من أجل التنمية"، يشكّل "آلية هامة لتنزيل هذا النموذج؛ باعتباره التزامًا وطنيًا أمامنا، وأمام المغاربة [...] والحكومة الجديدة مسؤولة على وضع الأولويات والمشاريع، خلال ولايتها، وتعبئة الوسائل الضرورية لتمويلها، في إطار تنزيل هذا النموذج". إن وظيفة المؤسسات السياسية هي التنفيذ الأمثل لما جاء في تقرير اللجنة. وبناء على اقتراحات اللجنة، والتوجيهات الملكية، أعدّت الحكومة التي تلت انتخابات عام 2021، برنامجًا حكوميًا، اجتهدت فيه من جهة، باستحضار غالبية توصيات اللجنة، ومن جهة ثانية، بنقل العديد من الفقرات على نحو مباشر من التقرير، حتى أصبح البررنامج الحكومي بمنزلة تقرير مُصغّر عن تقرير اللجنة. وقد عّبتر الحكومة في برنامجها عن "الالتزام بتفعيل مضامين النموذج التنموي الجديد"، وعرض البررنامج الحكومي لأهداف النموذج التنموي، كم جاء نصّيًا في تقرير لجنة النموذج التنموي. ونقل البررنامج المحاور الاستراتيجية من تقرير النموذج التنموي؛ فحدد وظيفة الحكومة ب "إنجاز الأوراش الاستراتيجية الكبررى وأجرأة النموذج التنموي الجديد بكفاءة عالية"، والعمل على مأسسة آليات تتبع أداء السياسات العمومية والإصلاحات، كم يوصي بذلك النموذج التنموي، فضلًا عن التتبع الدقيق لتقدم الورشات ودعم تنفيذها وتجاوز العراقيل المحتملة. ووظّف البررنامج الحكومي العديد من المفاهيم والمصطلحات التي برزت في لجنة النموذج التنموي، مثل الحكامة، والشفافية، والمحاسبة، والمسؤولية، والتتبع. شخّصت اللجنة الاستشارية مكامن الخلل، وقدّمت توصيات لتجاوز الأزمة، كم قدّمت توصيات لتنفيذ المؤسسات السياسية هذا النموذج. وتدَّخَل الملك بخطبه وتوجهاته ليطلب من المؤسسات السياسية، التنفيذ الأمثل والناجع لتوجهات النموذج التنموي. وقرأت لجنة النموذج التنموي جيدًا توصيات المؤسسات

89 النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام)، ص.145 90 المرجع نفسه، ص.146 91 يرد الأمر في تقرير البررنامج الحكومي لسنة 2021؛ ينظر: المرجع نفسه. 92 المرجع نفسه، ص.69

النقدية الدولية، واجتهدت الحكومة في تنفيذ توصيات اللجنة؛ ما أدى إلى سيادة مقاربة ماكرواقتصادية تقنية لعمليات التنمية، وهو ما أثر في عمل المؤسسات السياسية، وغيّب العامل السياسي والمؤسساتي في الاستراتيجيات التنموية.

خاتمة

عرف الفضاء السياسي المغربي جدلًا بين مأسسة السلطة وشخصانيتها، في ظل الاستيراد المكثّف للتقنيات المؤسساتية والدستورية من السياق الغربي، وهو ما أدى إلى هيمنة شخص الملك على القرارات التنموية، بسبب عدم فعالية المؤسسات السياسية. وقد درج الملوك المغاربة على اللجوء المكثف إلى الهيئات الاستشارية لحل الملفات التنموية الكبررى، وهي هيئات بديلة للعمل المؤسساتي الذي تجسّدت فيه الأزمة، بحسب تصوّر

المؤسسة الملكية، وهو ما أثّر في وظيفة هذه المؤسسات السياسية التي تكتفي بتنفيذ تصورات صادرة عن هذه الهيئات التي تُجسّد إرادة الملك، وهو ما يزكي فرضية شخصانية السلطة. أظهرت الدراسة أن اللجنة الخاصة التي تشكلت - بإرادة ملكية - لتشخيص مكامن الخلل وتقديم الحلول، جرى فيها تغييب الرهان على مأسسة القرار. وأظهر تقرير اللجنة تعليل أزمة التنمية بضعف المؤسسات السياسية، مثل البررلمان والحكومة والأحزاب السياسية، وافتقارها إلى الفعالية في ظل دستور متقدم يعطي فرصًا للتغيير. ولم تُراهن اللجنة على المتغير المؤسساتي لتحقيق التنمية، بل يكمن الحل في مؤسسات تنفيذية مراقبة، تحت قيادة الملك الضامن قوّة الدولة، في حين لم تراهن اللجنة على المؤسسات السياسية لأخذ المبادرة واقتراح الحلول التنموية. وجعلت المطلوب منها مقتصرًا على التنفيذ الفعلي والصارم للنموذج التنموي الذي أعدّته سلفًا، تحت القيادة الفعلية للملك. وتبنّت بذلك اللجنة معنى محددًا للحكامة المؤسساتية، لا يرى سببًا لأزمة التنمية في المغرب خارج حدود التدبير، فجعلت الحل في إعمل مبادئ الحكامة التي توصي بها المؤسسات النقدية الدولية، من دون الرهان على المؤسسات السياسية والمداخل الديمقراطية. بيّنت الدراسة أيضًا أن الأسلوب المعتمد في بلورة النموذج التنموي في المغرب قد أكد فرضية شخصانية السلطة، في ظل نظام سياسي يتمحور حول الملك، ويؤدي فيه دورًا مركزيًا، ليس على المستوى الدستوري فحسب، لكن أيضًا على مستوى المشروعية. فالرهان كله في المغرب، لتحقيق التنمية، هو على شخص الملك، في ظل ضعف مؤسسات الوساطة، وثانوية وظيفة المؤسسات السياسية الأخرى. فإذا كان عنصر الثقة والضمنة المؤسساتية أساسيًا في الأدبيات التي تربط التنمية بالمؤسسات، وفي توصيات المؤسسات النقدية الدولية، فإن مصدر هذه الثقة بالنسبة إلى المواطنين، وبالنسبة إلى المستثمرين، هو شخص الملك، وليس المؤسسات التي تتجسّد فيها الأزمات، وهو ما قد يطرح الكثير من التحديات على النظام السياسي المغربي.

المراجع

العربية إيبل، إيدموند. "الديمقراطيون يسائلون الديمقراطية". ترجمة محمد العفراني. وجهة نظر. العدد 7 (ربيع.)2000

باينة، عبد القادر. الهيئات الاستشارية بالمغرب. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.1991 جلال، عبد الله دوكال وفيصل مخطاري. "المؤسسات والتنمية الاقتصادية في المنطقة العربية". مجلة الدراسات التجارية والاقتصادية المعاصرة. مج 4، العدد 2.)2021(الدولة والمجتمع في بلدان المغرب العربي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1992 الشرقاوي، عمر. "المؤسسة الملكية ومعضلة التحديث". وجهة نظر. العدد 23 (خريف.)2004 الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي. ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي. الدار البيضاء: الفنك للنشر،.2001 محمد مصباح ورشيد أوزار وهاجر الإدريسي. "مؤشر الثقة في المؤسسات الموجة الرابعة 2023: هل الثقة السياسية في المغرب في تراجع؟" المعهد المغربي لتحليل السياسات ح (زيران/ يونيو).2023 ف:ي https://acr.ps/1L9zS15 معتصم، محمد. النظام السياسي والدستوري المغربي. الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر،.1992 المملكة المغربية. المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. النموذج التنموي الجديد للمغرب: مساهمة المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. الرباط: 2019:. في https://acr.ps/1L9zRVI المملكة المغربية. المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فعلية الحقوق والحريات في المغرب من أجل عقد اجتمعي جديد (آب/ أغسطس 2020:). في https://acr.ps/1L9zRBo المملكة المغربية. النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع (التقرير العام). (نيسان/ أبريل 2021:). في https://acr.ps/1L9zRUN

الأجنبية

Abdouh, Abdelilah. "Une lecture succincte de la construction du nouveau modèle de développement." HAL Open Science. (10 Février 2022). https://acr.ps/1L9zRLw Bazin, François & Joseph Macé-Scaron. Les politocrates: Vie, mœurs et coutumes de la classe politique. Paris: Éditions du Seuil, 1993. Burdeau, Georges. "Réflexions sur la personnalisation du pouvoir." Res Publica. vol. 5, no. 2 (1963). Collection Business Science Institute. Les méthodes de recherche du DBA. Françoise Chevalier, Martin Cloutier & Nathalie Mitev (eds.). EMS Éditions, 2018. Dahl, Robert. L'analyse politique contemporaine. Paris: Éditions Robert Laffont, 1973.

Duchesne, Sophie & Florence Haegel. "La politisation: de spécialisation et de conflictualisation." Revue Française de Science Politique. vol. 54, no. 6 (Décembre 2004). Duran, Patrice. "Gouvernance." Politiques et management public. vol. 16, no. 1 (1998). Ebrard, Pierre. "L'Assemblée nationale consultative marocaine 1956-1959." Annuaire de l'Afrique du Nord (1962). Encyclopédie Universalis. vol. 12. Paris: éd Corpus, 1992. Godbout, Jacques. "L'engagement: Une fidélité." Sociologie du travail. vol. 42, no. 2 (Avril- Juin 2000). Grawitz, Madeleine & Jean Léca (eds.). Traité de science politique. Tome 4: Les politiques publiques. Paris: PUF, 1985. Grawitz, Madeleine & Jean Léca. Traité de science politique. Tome 1: La science politique, science sociale. L'ordre politique. Paris: Presses Universitaires de France, 1985. Himmelstrand, Ulf. "Idéologie, science et action: Réflexions sur les tâches et les défis des sciences sociales." Revue internationale des sciences sociales. vol. 34, no. 3 (1982). Huaut, Isabelle & Bernard Léca. "Pouvoir: Une analyse par les institutions." Revue Française de Gestion. vol. 3, no. 193 (2009). J. Léca et al. (eds.). Développement politiques au Maghreb, aménagements institutionnels et processus électoraux. Paris: Éditions du Centre national de la recherche scientifique, 1979. Lacouture, Jean. Quatre hommes et leurs peuples: Sur–pouvoir et sous-développement. Paris: Éditions du Seuil, 1969. Mabileau, Albert. "La personnalisation du pouvoir dans les gouvernements démocratiques." Revue Française de science politique. 10 ème année, no. 1 (1960). Mény, Yves. Politique comparée: Les démocraties Allemagne, États-Unis, France, Grande- Bretagne, Italie. 5 ème ed. Paris: Éditions Montchrestien, EJA, 1996. Mermet, Gérard. Démocratie: Comment les médias transfèrent la démocratie. Paris: Éditions Aubier, 1987. Otando, Gwenaëlle & Dimitri Uzunidis. "Le renouveau des théories du développement, institution et bonne gouvernance." Recherches Internationales. no. 90 (Avril-Juin 2011). Sindzingre, Alice. Institution. Développement et Pauvreté. Paris: Agence Française de Développement, Document de travail, 2006. Thoenig, Jean-Claude. "Qui décide en politique?" Sciences Humaines. no. 2 (Mai-Juin 1993). Vincent, Jean-Marie. Max Weber ou la démocratie inachevée. Paris: Éditions du Félin, 1998.