تقديم: نحو مقاربة عربية لحوكمة مؤسسات الدفاع والأمن والاستخبارات
Introduction: Toward an Arab Approach to the Governance of Defense, Security, and Intelligence Institutions
الملخّص
يتضمن هذا العدد قسمًا من البحوث التي قُدّمت للملف الخاص عن حوكمة قطاع الدفاع والأمن والاستخبارات في البلدان العربية. وهو ملفّ طرحته دورية حكامة قبل عامين، بغية تناول مسألة مركزية وَجَدَتْ أنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي في الدوائر البحثية العربية، وهي مسألة إدارة هذا القطاع وحوكمة مؤسساته من منظور فاعليتها وكفاءتها. والحال أن هذه المسألة قد جرى تجاهلها طويلًا في منطقتنا، وجرى التعامل معها باعتبارها شأنًا تقنيًا أو أمنيًا بحتًا، في حين أنها في جوهرها قضية سياسية ومجتمعية. إنّ المؤسسات الدفاعية والأمنية والاستخباراتية مؤسسات عامة، تُُناط بها مهمة صون الوحدة الترابية للدولة، وحمايتها من الأخطار الخارجية، وضمان أمنها الداخلي. ومن ثم، فإنّ تحديثها وإصلاحها، أو تركها من دون إصلاح، من شأنه أن يترك أثرًا مبا شرًا في حياة المواطنين، وفي مستقبل الدولة ومساراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
Abstract
* رئيس تحرير دورية حكامة. Editor-in-Chief of Hikama. Email: abdelfattah.mady@dohainstitute.edu.qa
- إصلاح القطاع الأمني
- العلاقات المدنية - العسكرية
- أجهزة الاستخبارات
- الشفافية والمساءلة
- حكم القانون
- الأمن القومي
- السياسات الأمنية العربية
- Security Sector Reform
- Civil - Military Relations
- Intelligence Agencies
- Transparency and Accountability
- Rule of Law
- National Security
- Arab Security Policies
يتضمن هذا العدد قسمًا من البحوث التي قُدّمت للملف الخاص عن حوكمة قطاع الدفاع والأمن والاستخبارات في البلدان العربية. وهو ملفّ طرحته دورية حكامة قبل عامين، بغية تناول مسألة مركزية وجَدَتْ أنها لم تحظَ بالاهتمم الكافي في الدوائر البحثية العربية، وهي مسألة إدارة هذا القطاع وحوكمة مؤسساته من منظور فاعليتها وكفاءتها. والحال أن هذه المسألة قد جرى تجاهلها طويلًا في منطقتنا، وجرى التعامل معها باعتبارها شأنًا تقنيًا أو أمنيًا بحتًا، في حين أنها في جوهرها قضية سياسية ومجتمعية. إنّ المؤسسات الدفاعية والأمنية والاستخباراتية مؤسسات عامة، تُناط بها مهمة صون الوحدة الترابية للدولة، وحميتها من الأخطار الخارجية، وضمن أمنها الداخلي. ومن ثم، فإنّ تحديثها وإصلاحها، أو تركها من دون إصلاح، من شأنه أن يترك أثرًا مباشرًا في حياة المواطنين، وفي مستقبل الدولة ومساراتها السياسية والاجتمعية والاقتصادية. انطلقت بحوث الملف من حقيقة أنّإدارة هذه المؤسسات وتحديثها، بحكم طبيعتها العامة، يقعان ضمن مجايَلي الإدارة العامة والسياسات العامة؛ فقطاع الدفاع والأمن والاستخبارات يُدار أولًا وفق منطق الإدارة العامة؛ إذ إنه يخضع، كبقية قطاعات الدولة، لمبادئ التنظيم والإدارة وتخصيص الموارد وتنفيذ الاستراتيجيات والسياسات. فمن الناحية التنظيمية، تُخصص لهذا القطاع الموارد بذات الطريقة المتبعة ضمن الإطار العام لمالية الدولة، ويخضع القطاع لمبادئ التنظيم والإدارة الحكومية حيث تديره هياكل مؤسسية هي بطبيعتها أيضًا عامة، أوكلت بصلاحيات ومهمت يتوزع فيها القرار بين القيادتين السياسية والعسكرية، ويتطلب إنجاز تلك المهمت تخطيطًا متكاملًا للموارد البشرية والمالية والتقنية بما يضمن الفاعلية والكفاءة. وتخضع المؤسسات الدفاعية والأمنية والاستخباراتية لآليات رقابة مؤسسية وبرلمانية ومجتمعية تكفل اتساقها مع مبادئ الحكم الرشيد والمصلحة العامة. ويرتبط القطاع بتنفيذ الاستراتيجيات الوطنية في مجال الأمن والدفاع، ويتأثر شأنه شأن باقي القطاعات بمتغيرات البيئتين الداخلية والخارجية. وبذلك، لا يُعدّ هذا القطاع جهازًا تقنيًا منعزل، ا بل مكوّنًا أساسيًا من الإدارة العامة للدولة، يضطلع بدور حيوي في تحقيق المصلحة العامة وصون الاستقرار الوطني.
ثانيًا: يُشكّل قطاع الدفاع والأمن والاستخبارات أحد المكونات الجوهرية في عملية صنع السياسات العامة. فالدفاع الوطني يُعد بطبيعته سلعة عامة، بل يمكن القول إنه السلعة الأهم، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود الدولة واستقرارها. ومن ثم، تبررز أهمية فهم كيفية تفاعل هذا القطاع مع المحددات الأساسية التي تحكم عملية ص عن السياسات العامة. ففي المرحلة الأولى، يتم تحديد مصادر التهديد وترتيب الأولويات الدفاعية والأمنية، يلي ذلك صياغة الاستراتيجيات ضمن الإطار العام للرؤية الوطنية للدولة، وما يصاحب ذلك من قرارات تتعلق بتخصيص الموارد المالية وتحديد الأهداف الكبررى. أمّا في مرحلة التنفيذ، فُتتُرجم هذه الاستراتيجيات إلى برامج وسياسات عملية تشمل عمليات التجنيد والتسليح والتدريب، ونظم التعيين والترقيات، وإعداد الكوادر، وبناء القدرات المؤسسية. وفي مرحلة التقييم، تُقاس فاعلية هذه السياسات وكفاءتها في تحقيق الأمن الوطني وحمية السيادة. وبذلك، يصبح قطاع الدفاع مج لًا للسياسات العامة بكل وضوح، شأنه شأن قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد، مرتبطًا برؤية الدولة وقيمها العليا، لا باعتبارات تقنية أو أمنية ضيّقة. وتجدر الإشارة، أخيرًا، إلى أنّ طرح قضايا الدفاع والأمن والاستخبارات ضمن إطار الإدارة العامة والسياسات العامة لا يقلّل من أهمية الحفاظ على السرية التي تفرضها اعتبارات الأمن القومي أو ضرورته. إن المطلوب هو حفظ توازن دقيق بين عناصر ثلاثة مترابطة، تتمثل في: اتخاذ التدابير والإجراءات الكفيلة بحمية سرية المعلومات، التي ربما يؤدي كشفها إلى الإضرار بالمصالح الوطنية أو الأمنية للدولة؛ وضمن أن يستند هذا القطاع إلى رؤية واضحة للدولة وقيمها، تتحدد بوصلته بالمصلحة العامة؛ وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد بما يرسّخ الكفاءة والمساءلة من دون الإخلال بالضرورات الأمنية. من هنا رأت حكامة أن تأخذ زمام المبادرة، وأن تطرح قضايا الدفاع والأمن والاستخبارات من منظور حقَلي الإدارة العامة والسياسات العامة، ولتفتح النقاش من هذا الباب داعية لأن يتجاوز أحاديث الغرف المغلقة، وأّلا يرتبط بتوجهات الحكومات المتغيرة، أو أحزاب الأغلبية، أو الترتيبات الانتقالية. من الضروري لنقاش مثل هذا أن يكون نقاشًا عاًّمًا وثيق الصلة برؤية الدولة الكبررى وتوجهاتها الاستراتيجية وأولوياتها الوطنية. كم أن أيّ تعاون دولي يخصه يجب أن يتمّ ضمن ضوابط تكفل صون استقلال القرار الوطني واحترام أولويات المجتمع.
تعكس الدراسات الستّ الواردة في هذا الملف جانبًا من هذه التعقيدات، من خلال مقاربات متعددة ومتنوعة. ففي السودان، تكشف دراسة حسن الحاج علي عن مأزق "الهجنة العسكرية" وما يطرحه من تحديات أمام بناء جيش وطني موحّد، في ظل انقسام القوى المسلحة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، وما يرافق ذلك من صراع أهلي متجدد. وتأتي دراسة رشاد توام حول "حوكمة الأوامر العليا" لتضيف بعدًا حقوقيًا وقانونيًا يربط الانضباط العسكري بمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، وتدعو إلى إنشاء منظومة ضمنات تكفل مساءلة مُصْدري الأوامر غير المشروعة، وحمية من يرفضون تنفيذها، وهي مقاربة تُظهر أنّ الإصلاح الأمني لا يقتصر على إعادة الهيكلة المؤسسية، بل يشمل ترسيخ ثقافة قانونية جديدة داخل المؤسستين العسكرية والأمنية. وترصد دراسة مهند سلوم كيفية تحوّل الأجهزة الاستخبارية في العراق، بعد عام 2003، من أداة استبداد إلى كيانات مفككة متعددة الولاءات؛ ما أدّى إلى هشاشة أمنية وفقدان ثقة المواطنين. أما دراسة محمد العوفي فتسلّط الضوء على تحولات موقف الجيش التونسي بين الحياد والتدخل في السياسة، وما نجم عن ذلك من تآكل احترافيته وتهديد مسار الانتقال الديمقراطي. وفي الأردن،
تُظهر دراسة مصعب الشوابكه وحارث الطوس أنّ حضور المتقاعدين العسكريين في البررلمان استُخدم أداة للضبط والاحتواء، بدلًا من أن يكون وسيلة لتعزيز الرقابة التشريعية والمساءلة. وأخيرًا، تكشف دراسة لؤي عبد الفتاح حول أجهزة الاستخبارات في العالم العربي، أنّها، رغم الانتفاضات الشعبية، ما زالت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقرار السياسي للنخب الحاكمة، وتفتقر إلى الاستقلالية أو الرقابة المؤسسية الفعّالة. وفي أقسام الدورية الأخرى، مواد ذات صلة بموضوع الملف، منها ترجمة لدراسة لويس-ألكسندر بيرغ بعنوان "العلاقات المدنية - العسكرية وتجدد الحروب الأهلية: القوات الأمنية في سياسة ما بعد الحرب". وتبّين الدراسة أنّ تنويع التعيينات في سلك الضباط وتعزيز الرقابة المدنية الفعّالة على القوات المسلحة في الدول التي خرجت من صراعات أهلية يقللان من احتمل اندلاع الحروب الأهلية مجددًا. وتسلط الضوء على آثار توزيع الموارد خلال إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية، مؤكدةً أنّ تنافس الفصائل المختلفة على المناصب والموارد يشكّل مدخلًا رئيسًا لفهم أسباب تجدّد الصراعات. ويتضمن العدد مراجعَتيَن نقديَتيَن: الأولى لمهند سلوم حول كتاب أنتوني كينغ "الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمع العسكري التقني" (2025)، الذي يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل العقل البشري في القيادة الاستراتيجية، بل سيدعم التخطيط والعمليات السيبررانية، وأن دمج العسكريين بالتقنيين المدنيين أنشأ "مجمّعًا عسكريًا تقنيًا" موازيًا للمجمع الصناعي. أما المراجعة الثانية فتتعلق بكتاب ستيفن ر. وورد "وزارة الاستخبارات الإيرانية: تاريخ موجز" (2024)، لسعود آل إسحاق، الذي يحلل بنية المؤسسة وعملياتها، وتطور قدراتها عبرر التعاون مع الصين وروسيا، ونجاحاتها وإخفاقاتها، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وتوظيفها الترفيه لتعزيز صورتها داخليًا. أضف إلى ذلك بضعة عروض مختصرة ل: "الدليل البحثي في العلاقات المدنية – العسكرية" (2024)، و"مؤشر العسكرة العالمي لعام 2024"، الصادر عن مركز بون الدولي لدراسات النزاع في ألمانيا (2025)، وتقرير "اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي 2024"، الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (2025)، وتقرير "إتاحة الوصول إلى المعلومات: الموازنة بين الأمن القومي والشفافية في قطاع الدفاع"، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية للدفاع والأمن.)2024(
نأمل أن تفتح مواد هذا الملف آفاقًا أوسع للأكاديميين والباحثين وصنّاع السياسات والمهتمين بالشأن العام في الدول العربية، بما يسهم في تطوير مقاربات معرفية وتطبيقية تعزز بناء حقلٍ معرفي عربي يربط هذه المؤسسات الحيوية بمسار التحديث والإصلاح، وبالمصلحة العامة في مجتمعاتنا العربية، ويعيدها إلى موقعها الطبيعي بوصفها مؤسسات عامة مهنية وفعّالة، خاضعة للرقابة والمساءلة، وملتزمة برؤية الدولة وقيمها العليا. ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أعّبر عن عميق تقديري للباحثين الذين أسهموا بجهودهم العلمية في إعداد هذا الملف، ولجميع الزملاء العرب والأجانب الذين شاركوا في الورشة العلمية التي ناقشت المسودات الأولى للأوراق، وما قدّموه خلالها من نقاشات وملاحظات ثرية أسهمت في الارتقاء بمحتواها العلمي والمنهجي. كم أتوجّه بخالص الشكر والعرفان إلى أعضاء هيئة التحرير المصغرة لدورية حكامة والمحكّمين الخارجيين الذين تفضّلوا بقراءة الأوراق وتقديم آرائهم وتعقيباتهم القيّمة التي أغنت هذا العمل وأضافت إليه الكثير من الدقّة والعمق. وختامًا، يطيب لي أن أخصّ بالشكر الزميل، المحرّر الضيف مهند سلوم، على ما بذله من جهدٍ متميّزٍ في هذا الملف كتابةً وتحكيمًا وتحريرًا، تقديرًا لإسهامه المخلص في إنجاح هذا العمل الجمعي.