العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهجنة العسكرية في السودان وتحديات إصلاح القطاع العسكري

الهجنة العسكرية في السودان وتحديات إصلاح القطاع العسكري

Military Hybridization in Sudan and the Challenges of Security Sector Reform

حسن الحاج علي أحمد

الملخّص

ملخص:  ترمي هذه الدراسة إلى بحث عملية إصلاح القطاع العسكري في السودان في سياق نظام عسكري هجين، مع تركيز خاص على مساعي تشكيل جيش وطني موحّد تُدمج فيه قوات الدعم السريع. لقد شكّلت هذه القضية التحدي الأكبر أمام مسار الانتقال في السودان، وأدّت إلى اندلاع الحرب منذ نيسان/ أبريل 2023. وتشير إلى فشل المداخل الخطية التقليدية في إصلاح القطاع العسكري، وتقترح بديلًا منها نموذجًا غير خطي ير كتز على البعد المجتمعي، بما يعزز فرص تحقيق إصلاح فعّال ومستدام. وتستعرض أبرز التحديات التي تواجه عملية الإصلاح، والتي تتقاطع فيها قضايا الاقتصاد، وتأثيرات الأمن الإقليمي، وتداعيات الحرب المستقبلية، إضافة إلى مسألة "ملكية" هذا الإصلاح. وتخلص الدراسة إلى أن فرض إصلاح عسكري من الخارج من دون تحقيق السلام الشامل في جميع مناطق السودان سيظل محاولة غير مجدية.

Abstract

Abstract:  This study examines the process of military sector reform in Sudan under a hybrid military regime, with a particular focus on efforts to establish a unified national army that incorporates the Rapid Support Forces. This issue has remained the primary obstacle to Sudan's political transition and was a central trigger of the war that erupted in April 2023. The study highlights the shortcomings of linear reform approaches and instead advocates for a nonlinear model centered on societal dynamics, arguing that such an approach would more effectively advance the reform process. It also explores key challenges to military reform, including the intersection of economic factors, the influence of regional security dynamics, the long-term consequences of the ongoing conflict, and the question of ownership over the reform process. The study concludes that externally imposed reform—without first achieving peace across all regions of Sudan—is ultimately futile.

الكلمات المفتاحية:
  • السودان
  • إصلاح القطاع العسكري
  • الاستيلاء على الدولة
  • الإصلاح الخطي/ اللاخطي
  • ملكية الإصلاح العسكري
Keywords:
  • Sudan
  • Military Sector Reform Policies
  • State Capture
  • Linear/ Nonlinear Reform Models
  • Military Sector Reform Ownership

مقدمة

يمثّل السودان نموذجًا يستحق الاهتمم في المجال الأمني وتحدياته؛ وذلك بسبب ما يعتور بنيته العسكرية من وجود تشكيلات عسكرية إضافة إلى القوات المسلحة النظامية، ومنها قوات الدعم السريع التي تحوّلت من ميليشيا داعمة لحكومة عمر البشير (2019-1989) إلى تنظيم عسكري مناوئ، وبخلافهم، ثمة عدة حركات مسلحة، تمرّدت على الحكومة عبرر العقود الماضية، عقد بعضها اتفاقات للسلام معها، بينم لا يزال جزء آخر منخرطًا في حرب معها. لقد عملت قوات الدعم السريع، التي عُرفت في فترات سابقة باسم "الجنجويد"1، إلى جانب القوات المسلحة السودانية في القتال ضد حركات دارفور المسلحة، وذلك خلال الفترة 2019-2003، حيث تحولت إلى قوة عسكرية مسنودة اقتصاديًا وسياسيًا جيدًا، وامتد نشاطها العسكري إلى خارج السودان؛ إذْ إنها ظهرت في عمليات خارجية خلال الحرب في اليمن، ودعمت القوات السعودية ضد جمعة أنصار الله (الحوثيون) التي سيطرت على البلاد عام 20152. وعلى الرغم من أن قوات الدعم السريع قد أُلحقت بالقوات المسلحة السودانية بقانون الدعم السريع لسنة 2017، فإنها تمكنت بعد تعديله عام 2019 من أن تخرج من نطاق هذه السيطرة. وقد أدى توجّهها لتكون تنظيمًا عسكريًا منفصلًا إلى توتر متصاعد مع القوات المسلحة السودانية؛ الأمر الذي تطوّر لاحقًا إلى قتال شرس بين الطرفين منذ 15 نيسان/ أبريل 2023. ويثير دمج تنظيمت شبه عسكرية، مثل قوات الدعم السريع، إشكالات عديدة أمام دراسات إصلاح القطاع العسكري، منها ما يخص الملمح الفيبرري للدولة، الذي يتلخص في احتكارها للاستخدام الشرعي للعنف. ويبررز السؤال عن مداخل الإصلاح مع وجود نظام عسكري سمته أنه صار نظامًا هجينًا بعد أن قام إلى جانب المؤسسة العسكرية الرسمية تنظيم عسكري موازٍ تطور من ميليشيا ويتولى رئاسته زعيم مسنود بأسرته. كان لهذا التنظيم تأثيره خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت إطاحة الرئيس السوداني عمر البشير. وكانت القوى التي شاركت في إدارة تلك الفترة تطمح في نهايتها إلى تشكيل حكومة مدنية منتخبة، تحظى بالسيطرة على القطاع العسكري، في مجتمع منقسم عسكريًا وسياسيًا. لم يجر تناول هذه الإشكالات على نحو كافٍ في الأدبيات. على الرغم من وجود كتابات حول الإصلاح العسكري مع وجود فاعلين عسكريين يشاركون في الحكومة، فإنّ الكتابات التي تعمقت في تناول إصلاح القطاع الأمني في أثناء نظام عسكري هجين، يتكون من المؤسسة العسكرية الرسمية وتنظيم شبه عسكري أو عسكري تطور من ميليشيا ونال اعترافًا رسميًا، وحركات مسلحة، في السودان، تظل محدودة. وما يميز الحالة السودانية هو الوضعية التي شهدتها قوات الدعم السريع، وجعلتها في منطقة "رمادية"؛ فلا وقعت تحت السيطرة الكاملة للحكومة السودانية، ولا بقيت منفصلة عنها. على صعيد مواردها مثل، ا ظلت تتلقى الدعم الحكومي تمويلًا وتجهيزًا، لكنّها بقيت تملك موارد إضافية، خاصةً عبرر استخراج الذهب والتهريب والتجارة، فضلًا عن عوائد إرسال قوات منها للمشاركة في عمليات عسكرية خارج البلاد. وما يزيد

  1. لا يوجد اتفاق حول معنى كلمة الجنجويد، فهناك من يرى أن الاسم مأخوذ من عبارة "جن على جواد"، بينما يرجع آخرون الكلمة إلى أنها أُخذت من ثلاث كلمات تبدأ كلها بحرف الجيم: جن وجواد وجيم ثلاثة (G3) السلاح، لمزيد من التفصيل ورواية إضافية حول المعنى ينظر: سيدي أحمد بن أحمد سالم، "الجنجويد"، الجزيرة نت، 2004/10/3، شوهد في 2025/8/16، في: https://2u.pw/PUm04
  2. لمزيد من المعلومات حول هذه المشاركة، ينظر: David D. Kirkpatrick, "On the Front Line of the Saudi War in Yemen: Child Soldiers from Darfur," The New York Times , 28/12/2008, accessed on 17/4/2025, at: https://acr.ps/1L9GPcw

في تميز هذه الحالة أنّ تحوّلًا قد طرأ على عمل هذه القوات، بما يسميه دارسو الحركات الاجتمعية "تحوّلًا في النطاقShif t" Scale؛ إذ إنها بدأت في الانتشار والتوسع بعد انتفاضة كانون الأول/ ديسمبرر 2018، فيم سيأتي تفصيله لاحقًا3. وبعد أن كانت مهمتها جهوية في الأساس في عهد حكومة البشير، وتتركز في مجابهة الحركات المسلحة في منطقة دارفور، تحوّلت بعد سقوط الحكومة إلى مؤسسة موازية، بل موازنة للجيش، منوط بها دور سياسي مؤثر في مجمل الانتقال السياسي وتحولات الحكم. وبعد أن كانت ميليشيا داعمة للحكومة تحوّلت إلى تنظيم عسكري شبه مستقل. جاء هذا التحول مقرونًا بارتباطات الدعم السريع الخارجية. وهي أمور عزّزت صعوبة دمجها في القوات المسلحة. وكذلك، كانت مداخل الدمج الفاشلة ومواقيتها قد أسهمت إلى حد بعيد في اندلاع القتال المسلح في البلاد عام.2023 تتلخص إشكالية الدراسة في أنّ المدخل الخطّي لإصلاح القطاع العسكري في سياق بنية عسكرية هجينة يظل مرهونًا بتوافر شروط بعينها، منها وجود موازن سياسي قوي، يم عن الانزلاق إلى المواجهة بين المكونات العسكرية، ووجود مدخل للإصلاح له مرتكز اجتمعي وعمومي، فضلًا عن نأي القوى الخارجية عن التأثير في أوزان التكوينات العسكرية، إضافة إلى إنجاز السلام في عموم البلاد، بوصفه مقدمة لازمة للإصلاح. تتولد من هذه الإشكالية هذه الأسئلة: كيف يؤثر غياب السلام في تقوية المكوّن العسكري؟ وما دلالات التحوّل في مهمت الدعم السريع على النطاَقيَن الوطني والإقليمي على دور الحكومة ومؤسساتها وتشكّل المجال العسكري؟ وكيف ستؤثر مخرجات الحرب الدائرة، منذ عام 2023، في إصلاح القطاع العسكري؟ وكيف يؤثر العامل الخارجي، مع تضارب مصالحه، في إصلاح القطاع العسكري؟ للإجابة عن هذه التساؤلات تنقسم الدراسة أربعة أقسام: يتناول القسم الأول منها مفهوم الإصلاح العسكري والأمني والمداخل النظرية التي عُنيت بتحليله. ويتعرّض القسم الثاني للهجنة العسكرية في السودان وتطورها، بينم يحلل القسم الثالث خطاب الإصلاح العسكري في الفترة الانتقالية. ويركّز القسم الرابع على قضايا الإصلاح العسكري في السودان. تتبع هذه الأقسام خاتمة تعرض نتائج الدراسة.

أولًا: مفهوم الإصلاح العسكري والأمني: التعريف والتطوّر

يظل مفهوم إصلاح القطاع الأمني SSR Reform, Sector Security محلّ خلاف؛ إذ إنه يُطرح بمعانٍ متباينة، في سياقات متنوعة، ولجمهير مختلفة. تميل العديد من المؤسسات والمجموعات والدول المشاركة في إصلاح القطاع الأمني إلى فهم الإصلاح بناءً على سياساته ومبادئه وممرساته4. وقد ارتبط ظهور المفهوم في بداياته الأولى بسياسات العون التنموي في عهد وزيرة التنمية الدولية في بريطانيا كلير شورتClare Short التي شغلت المنصب في الفترة 2003-1997. ووظّف بمعنى يفيد العلاقة بين مؤسسات الدولة الديمقراطية من جهة، وبخاصة الأجهزة التشريعية ومنظمت المجتمع المدني، وبين المؤسسات العاملة في قطاع الأمن من

  1. لمزيد من التفاصيل حول التحوّل في النطاق، ينظر: Sarah A. Soule, "Diffusion and Scale Shift," in: David A. Snow et al. (eds.), The Wiley-Blackwell Encyclopedia of Social and Political Movements (Chichester / Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2013).
  2. Lis Gindarsah, Security Sector Reform: A Literature Review , NUPI Report (Oslo: Norwegian Institute of International Affairs, 2015), p. 2.

جهة أخرى، والتي تشمل القوات المسلحة والشرطة والتنظيمت شبه العسكرية وأجهزة الاستخبارات5. وقد استُخدم المفهوم ضمن أطر التعاون التي تسعى إلى تعزيز مجموعة من الأهداف، منها تعزيز الديمقراطية في الدول التي حكمتها أحزاب شيوعية سابقة في أوروبا الوسطى والشرقية، وتحقيق الاستقرار في دول البلقان وتوحيدها، ودعم عمليات إعادة الإعمر في بلدان ما بعد النزاع، ومنها أفغانستان والعراق، فضلًا عن تحقيق السلام وتعزيز قدرة الدولة في بلدان مثل ليبيا ومالي والصومال6. وقد قدّمت الأمم المتحدة تعريفًا واسعًا لعملية إصلاح القطاع الأمني يناسب بيئات وأطرًا مختلفة. فأشارت إلى أنها "عملية تنطوي على الرصد والاستعراض والتنفيذ، وكذلك المراقبة والتقييم بريادة السلطات الوطنية، يكون هدفها تعزيز الأمن الفعّال القابل للمساءلة للدولة ومواطنيها من دون تمييز وبمراعاة كاملة لحقوق الإنسان وسيادة القانون"7. وحددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المؤسسات التي يشملها النظام الأمني المراد إصلاحه في: الجهات الأمنية الأساسية (مثل القوات المسلحة، والشرطة، والدرك، وحرس الحدود، والجمرك، والهجرة، وأجهزة الاستخبارات والأمن)، وهيئات إدارة الأمن والرقابة (مثل وزارات الدفاع والشؤون الداخلية، وهيئات الإدارة المالية، ولجان الشكاوى العامة)، ومؤسسات العدالة وإنفاذ القانون (مثل القضاء، والسجون، ودوائر النيابة العامة، ونظم العدالة التقليدية)، وقوات الأمن غير النظامية (مثل شركات الأمن الخاصة، وجيوش العصابات، والميليشيات الخاصة)8. وُجّهت انتقادات إلى عملية إصلاح قطاع الأمن، بخاصة في نسختها التي ظهرت في بريطانيا، ركّزت على أنّها ممرسة إدارية وفنية في بناء المؤسسات ضمن هذا القطاع وحده. ومن ثم، ظهر نهجٌ يرى أولويةً في التعامل مع الحكومة بأكملها، وليس قطاع الأمن فقط. وجرى التشديد على ضرورة دمج جوانب الأمن والتنمية فيم أصبح يُعرف باسم إصلاح القطاع الأمني9. كان المفهوم، على الأقل في المرحلة الأولى من تطوره، يركز على مخاطبة صانعي السياسات، ويتناول المشكلات التي يُعنون بها على أرض الواقع، بينم غاب عنه أيّ بعد تحليلي أو إطار نظري، وظلت الأبحاث تسير على بوصلة السياسات القائمة التي وجّهت لإصلاح القطاع الأمني10. لاحقًا، صعدت موجة نقد للطريقة التي تنتج بها المعرفة في مجال بناء السلام؛ فبدلًا من التركيز على صناعة سياسات قائمة على أدلة وبراهين، ظل واقع الحال يشير إلى العكس من ذلك، إذ غدت الأدلة والبرراهين تص عن على أساس سياسي. وينطبق الأمر نفسه على سياقات واستصحاب تاريخ الصراع وديناميات التدخل التي يُنظر إليها على أنها عقبات أمام عرض البيانات "العلمية" (أي التي يمكن فهمها بسهولة)، والتي يمكن ترجمتها

  1. Ibid., pp. 2-3.
  2. Andreea - Roxana Olteanu, "The Concept of Security Sector Reform – Necessity, Limits and the Way for Further Improvements," Europolity , vol. 14, no. 1 (2020), p. 183.
  3. United Nations Secretary-General, "Securing Peace and Development: The Role of the United Nations in Supporting Security Sector Reform," Report of the Secretary-General , A/62/659–S/2008/39, 23/1/2008, para. 17, p. 8, accessed on 8/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPqt
  4. لمزيد من التفصيل، ينظر: OECD DAC (Organisation for Economic Co-operation and Development Assistance Committee), Handbook on Security System Reform: Supporting Security and Justice (Paris: OECD, 2007), p. 5.
  5. Paul Jackson, "Introduction: Second-Generation Security Sector Reform," Journal of Intervention and Statebuilding , vol. 12, no. 1 (2018) p. 2.
  6. Paul Jackson & Shivit Bakrania, "Is the Future of SSR non-linear?" Journal of Intervention and Statebuilding , vol. 12, no. 1 (2018), p. 12.

بسلاسة إلى توصيات وإجراءات سياسية على أرض الواقع11. وقد أسفرت هذه الانتقادات عن تيارين بحثيين في تناول إصلاح القطاع العسكري والأمني، هم: المداخل الخطية، والمداخل غير الخطية النقدية.

1. المداخل الخطية

تعكس الأدبيات المتعلقة بإصلاح القطاع الأمني وفقًا للمداخل الخطية فهمًا سابقًا للتدخل، يقوم على افتراض أن كل شخص هو ليبررالي - عقلاني ينتظر أن يتحرر12. لقد فُهمت مشكلات السلام فهمًا ضيقًا من حيث تصدير الديمقراطية والحكم الرشيد. ونُظر إلى العوائق أو الحدود التي تحول دون النجاح أساسًا من منظورين مترابطين: أول، ا فيم يتعلق بحدود الإرادة أو الموارد أو التنسيق الغربي؛ ثانيًا، العوائق التي تقوم بها النخب المحلية من أجل الحفاظ على سيطرتها على السلطة والمحسوبية والموارد. وقد عمل هذا النهج التكنوقراطي لتعزيز الديمقراطية وبناء السلام على أساس أنّ النخب المحلية لم تكن تمثل احتياجات مجتمعاتها أو مصالحها13. وهذا يعني أن الكثير من البررامج تهدف إلى اتباع أساليب فنية، يمكن أن تقوّض مواقف النخب الضيقة التي تهتم بمصلحتها الذاتية وتفسح المجال أمام المجتمع المدني للحراك والتفاعل. وهذا نهج خطّي يقوم على سلسلة من الافتراضات حول كيفية عمل الإصلاح، ومدى تأثر ذلك على نحو مباشر يمكن التنبؤ به. افترض النهج الخطي أنّ التقدم يمضي على مسار محدد نحو السلام الليبررالي الديمقراطي، وأنّ العقبات الوحيدة التي تقف في الطريق هي الافتقار إلى الموارد، والقدرات، والإرادة الدولية، جنبًا إلى جنب مع وجود النخب المحلية ذات المصالح الأنانية الضيقة14. لا تهدف أجندات إصلاح القطاع الأمني وبناء الدولة إلى إعادة بناء المؤسسات الأمنية فحسب، بل إلى الهندسة الاجتمعية من خلال إعادة تشكيل الهياكل المؤسسية الاجتمعية والسياسية15. وفقًا لهذا المنهج، يمكن مجابهة العوائق أمام المعايير الليبررالية الدولية، من خلال برنامج يستخدم سياسة العصا والجزرة الدولية من أعلى إلى أسفل16. وبناء عليه، إذا أُنشئت الهياكل الصحيحة، وهي المؤسسات الليبررالية بما في ذلك مؤسسات الأمن والعدالة، مع وجود الكفاءات والموارد اللازمة لإضفاء الطابع المهني والإدارة الديمقراطية والرقابة على مقدمي الخدمات الأمنية والحكم، ومن خلال ضوابط القانون، سيتبع ذلك توافر السلام والأمن والعدالة لمصلحة المواطنين17. تمثّل الافتراض في أنّ السكان المعنيين لديهم مصالح حقيقية في دعم التطلعات الغربية للإصلاح، ومن ثمّ، فإنّ هذه الإصلاحات ستعمل بسلاسة عند إزالة النخب المعرقلة أو تقويضها أو تقييدها بسياسات المشروطية18.

  1. Berit Bliesemann de Guevara & Roland Kosti ć , "Knowledge Production in/ about Conflict and Intervention: Finding 'Facts', Telling 'Truth'," Journal of Intervention and Statebuilding , vol. 11, no. 1 (2017), p. 9.
  2. Jackson & Bakrania, p. 16.
  3. David Chandler, "Peacebuilding and the Politics of Nonlinearity: Rethinking 'Hidden' Agency and 'Resistance'," Peacebuilding , vol. 1, no. 1 (2013), p. 17.
  4. Jackson & Bakrania, p. 17.
  5. Ibid., p. 16.
  6. Chandler, p. 19.
  7. Sonja Stojanovi ć Gaji ć & Dušan Pavlovi ć , "State Capture, Hybrid Regimes, and Security Sector Reform," Journal of Regional Security , vol. 16, no. 2 (2021), p. 101.
  8. Chandler, p. 17.

2. المداخل غير الخطية

قدّمت المقاربات غير الخطية النقدية نقدًا للمداخل الخطية، وذلك لأنها تركز على المؤسسات الرسمية. وقد شككت المقاربات النقدية في هذا الأمر، مشيرةً إلى أن العديد من مصادر الأمن المتنافسة قد تكون موجودة خارج نطاق الحكومة الرسمي، لا سيم على المستوى المحلي، بما في ذلك الأشكال المختلطة من التنظيم الأمني، وأنّ هذه الأبعاد ما زالت غير مفهومة جيدًا. يكتسي هذا البعد أهمية، عند إدراك أنّ ديناميات السياسة المحلية وحيَل السلطة قد تحدث خلف الواجهة المؤسسية، وتؤدي إلى تسييس الحوكمة الأمنية وإعادة توظيفها لأغراض ومكاسبَ خاصة19. وترى المقاربات النقدية أنّ تعويل المداخل الخطية على الهندسة الفوقية القائمة على بناء المؤسسات الليبررالية في التعامل بنجاح مع التحديات التي تجابه الدول التي تعاني نزاعات تقدّم برنامجًا يشبه منهج "الوصفات الطبية". يفترض هذا المنهج أنّ التدخلات ل "تصحيح" الدول الفاشلة يمكن أن تجعلها أعضاء فاعلين في شبكة دولية من الدول الليبررالية، وهذا سيؤدي إلى تحقيق الأمن20. ويضيف أنصار المدخل غير الخطي أنّ فشل تجارب إصلاح القطاع الأمني الخطية في تصدير الليبررالية أدى إلى تحوّل الاهتمم إلى المجال المجتمعي وانتقاد الافتراضات المؤسسية فيم يتعلق بالعلاقات بين الدولة والمجتمع وعالمية التوجهات الليبررالية21. عمل هذا الجيل الثاني على التركيز بعيدًا عن بناء المؤسسات، مهم كانت أهميتها، وإعادة توجيه الاهتمم إلى كيفية تفاعل المستخدمين النهائيين مع الخيارات المحتملة التي يواجهونها وإلى المؤسسات القابلة للحياة داخل تلك البيئات. وبّين أن نهج تفكيك الدولة برمّتها أدى إلى قيام دول مصطنعة، تعتمد على المساعدات الخارجية، وأفغانستان خير مثال في هذا الصدد22. لذلك، فالمداخل غير الخطية، تركّز على العلاقات والتفاعلات المجتمعية على المستوى المحلي- المحلي والمستوى المحلي – الدولي23. وهذا يعني العمل على المستوى المجتمعي، وفهم السياسات المحلية للمقاومة والتكيّف الذي أُهمل في المناهج الخطية التي تركّز على الإصلاح من أعلى إلى أسفل. ومن خلال التركيز على الممرسات والتفاعلات التي يقوم بها الفاعلون بدلًا من الاهتمم بالعوامل الهيكلية التي تركّز على تأثيرات البنية الاقتصادية والاجتمعية والسياسية، فإنّ ذلك يؤدي إلى العمل في المراحل المبكرة من التحوّل الديمقراطي وإصلاح قطاع الأمن بصفة أفضل. أضف إلى ذلك أنه يعكس كيفية التوسط من خلال علاقات القوة القائمة بين الجهات الفاعلة الرئيسة وغير الحكومية، وكيفية الوصول إلى الإجمع المحلي أو قبول الديمقراطية. لذلك، يعتمد المدخل غير الخطي كثيرًا على الشبكات والممرسات غير الرسمية24. ركّزت بعض الدراسات غير الخطية على ما سُمّي السياسة الخفية Politics Hidden. وتنتقد المقاربات العقلانية الليبررالية في السياسة، وهي الإطار المهيمن لفهم بناء السلام، والتي تنظر إلى المجال السياسي الرسمي القائم على المساومة بين النخب على أنه المجال الذي يمكن من خلاله فهم المشكلات والتغلب عليها، مثل إجبار النخبة على تغيير سلوكها غير المشروع عبرر الامتثال لشروط محددة. أما في المقاربات غير الخطية والهجينة، فهناك مقاربة

  1. Gaji ć & Pavlovi ć , p. 101.
  2. Jackson & Bakrania, p. 12.
  3. Chandler, p. 20.
  4. Jackson & Bakrania, pp. 18-20.
  5. Chandler, p. 21.
  6. Gaji ć & Pavlovi ć , p. 102.

مختلفة تمامًا للسياسة وفضاء عملها وآلياته. في هذه المداخل، تُفهم السياسة في المقام الأول من حيث العمليات المجتمعية التي يُنظر إليها على أنها تعيد الإنتاج ذاتيًا25. وتعمل السياسات "المحلية" في المجال غير الرسمي والمجتمعي، بعيدًا عن متناول أو رؤية صناع السياسة الغربيين والمنظّرين الاجتمعيين الخطيين؛ فالنشاط السياسي يعمل تحت السطح. والنقطة المهمة هنا هي أنّ استخدام البعد غير الرسمي يمكّن من إعادة تفسير التعبئة الاجتمعية والأنشطة الجمعية وإظهارها، على أنها عروض عامة لسياسة خفية لا تعكسها ممرسات السياسة الرسمية26. تبقى مسألة المستخدمين النهائيين للأمن والعدالة قضية مثيرة للجدل؛ حيث يرى باحثون نقديون أن الجيل الأول من إصلاح القطاع الأمني صُمّم لتوفير الأمن لدول خارجية بدلًا من السكان داخل تلك الدول الخاضعة لإصلاح القطاع الأمني وهذا أحد أشكال الإمبرريالية الجديدة27. انطلاقًا من التناول السابق، ستوضح هذه الدراسة كيفية استخدام مداخل خطية لإصلاح القطاع العسكري في السودان، وفشلها. وهذا يفسح المجال لتوظيف المداخل غير الخطية التي تُعنى بأهمية إدراج البعد المجتمعي وإعطاء عناية أكبرر لقيام عملية إصلاح عسكري تبدأ من أسفل إلى أعلى؛ حيث إن المتأثرين بهذه العملية هم المواطنون على المستوى المحلي. ويمكّننا هذا الاستخدام من نقل الاهتمم المكثف بدور النخب في عملية الإصلاح العسكري إلى فاعلين مجتمعيين، بحيث تتسع قاعدة المعنيين بالإصلاح. وتمكّننا المداخل غير الخطية من معرفة أساليب السياسة الخفيّة التي يمارسها فاعلون من داخل البلاد وخارجها، وتؤثر في عملية الإصلاح العسكري. من أجل الإحاطة بموضوع الإصلاح العسكري في السودان، تبدأ الدر اسة بتناول موضوع الهجنة العسكرية، وتشير إلى انقسام المكوّن العسكري إلى القوات المسلحة وقوات الدعم السريع التي تطوّرت من ميليشيا إلى تنظيم عسكري، ووجود حركات مسلحة مختلفة. وتركّز على تطوّر قوات الدعم السريع بحسبانها الأحدث في التكوين، وتمثّل عاملًا جديدًا شديد الأثر في الساحة العسكرية والسياسية في البلاد.

ثانيًا: الهجنة العسكرية يف السودان

مضت محاولات إصلاح القطاع الأمني في السودان عبرر مراحل ازداد تعقّدها مع تقلبات الحرب الداخلية في البلاد؛ فقد انتهت الحرب الأولى التي اندلعت بين الفرقاء السودانيين عام 1972 باتفاقية أديس أبابا، حيث توافق طرفاها، الحكومة السودانية وحركة الأنيانيا المسلحة التي مثلت المقاتلين من جنوب السودان. وبما أن القتال اقتصر على طرفين، فقد اتسمت إجراءات الدمج والتسريح بقدرٍ أقل من التعقيد مقارنة بحالة الدراسة. أما في المرحلة الثانية من الحرب، التي امتدت خلال الفترة 2005-1983، فبررزت أطراف جديدة في القتال أهمها الميليشيات28. لذلك كان على اتفاق السلام الشامل الموقّع عام 2005 أن ينص على م عن

  1. Chandler, p. 26.
  2. Ibid., p. 27.
  3. Jackson, p. 6.
  4. لمزيد من المعلومات حول ميليشيات من تلك الفترة، ينظر: Matthew B. Arnold & Chris Alden, "'This Gun Is Our Food': Demilitarising the White Army Militias of South Sudan," Conflict, Security and Development , vol. 7, no. 3 (2007), pp. 361-85; Matthew B. Arnold, "The South Sudan Defence Force: Patriots, Collaborators or Spoilers?" Journal of Modern African Studies , vol. 45, no. 4 (2007), pp. 489-516.

أيّ نشاط للميليشيات خارج القوتين، القوات المسلحة والجيش الشعبي لتحرير السودان، وأنه يتجه لدمج أعضائها في القوات النظامية، أو في بيروقراطية الدولة وجهاز الخدمة المدنية. لكنّ تنفيذ ذلك لم يكن سهل.ا رتّب الاتفاق أمر تكوين جيش واحد وعقيدة عسكرية واحدة29، لكن ظروف الحرب الداخلية في السودان دفعت إلى استخدام الميليشيات، بخاصة بعد حرب جنوب السودان. نصّت اتفاقية السلام في أبوجا التي وقّعتها الحكومة السودانية مع بعض حركات دارفور المسلحة في أيار/ مايو 2006 في مجال الترتيبات الأمنية على وجود قوات مسلحة سودانية قوية تعمل على أساس الاحتراف والشمولية، وتحييد ونزع سلاح الجنجويد/ الميليشيات المسلحة، ووضع آليات للتسريح وإعادة الدمج30. وهي المبادئ التي تكررت، بصيغ مختلفة، في اتفاقية الدوحة للسلام الموقّعة بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة في تموز/ يوليو 201131.

1. نشوء قوات الدعم السريع وتطوّرها

عرفت قوات الدعم السريع أربع مراحل رئيسة في تطورها: المرحلة الأولى هي مرحلة ميليشيا الجنجويد، التي ارتبطت بنشوء الحركات المسلحة في دارفور. كانت هذه الحركات قد بدأت مهاجمة قوات الحكومة عامَي 2002 و 2003، فلجأت الحكومة إلى تقريب الجنجويد إليها من أجل مجابهة هذه الحركات. واتسمت هذه الميليشيا في تلك الفترة بسيولة تنظيمية، وارتبطت بالحكومة بصورة غير رسمية، بخاصة أنها قد اتهمت بارتكاب انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان32. وبدءًا من النصف الثاني من عام 2003، دخلت الجنجويد في مرحلة ثانية، بعدما جرى إلحاق مجموعة موسى هلال - زعيم فخذ المحاميد في قبيلة الرزيقات - باستخبارات حرس الحدود، وتغّير اسمها من عام 2007 لتصبح قوات حرس الحدود. وعلى الرغم من أن هذه القوات قد أنشئت برعاية القوات المسلحة، فإنها لم تدمج فيها. وكان هدف الحكومة السودانية من ذلك إعطاء تلك الميليشيا حرية الحركة وجمع المعلومات في مناطق وجود الحركات المسلحة. وقُدّر عدد هذه القوات في تلك الفترة بنحو 11 ألف فرد33. ولم يكن مستغربًا أن يشوب التوتر علاقة حرس الحدود بالقوات المسلحة، من ذلك أنها واجهت هجومًا من القوات على مرافق عسكرية وأمنية تخصها في دارفور34.

  1. لمزيد من المعلومات حول الترتيبات الأمنية لاتفاق السلام الشامل 2005 ينظر: اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان (نيروبي: 2005/1/9)، شوهد في 2025/9/8، في: https://acr.ps/1L9GPa8
  2. لمزيد من المعلومات حول الترتيبات الأمنية لاتفاقية أبوجا، ينظر بروتوكول الترتيبات الأمنية: African Union, "Protocol between the Government of the Sudan, SLM/A and JEM on the Enhancement of the Security Situation in Darfur in accordance with the N'Djamena Agreement," UN , 9/11/2004, accessed on 28/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPIn
  3. للاطلاع على مزيد من التفاصيل عن الترتيبات الأمنية لاتفاقية الدوحة، ينظر: وثيقة الدوحة للسلام في دارفور (الدوحة: 14 تموز/ يوليو 2011، شوهد في 2024/9/30، في: https://2u.pw/KzVCtE
  4. Report of the International Commission of Inquiry on Darfur to the Secretary-General of the United Nations (Geneva: 25/1/2005), p. 3.
  5. Border Intelligence Brigade (Istikhbarat al Hudud) (AKA Border Guards)," Sudan Human Security Baseline Assessment (HSBA) Small Arms Survey (November 2010).
  6. قوات حرس الحدود تهاجم مقر الفرقة (16) مشاة بنيالا ويؤدي إلى هلع وفرار المواطنين وإغلاق السوق والمؤسسات الرسمية"، راديو دبنقا، 2012/9/7، شوهد في 2025/9/24، في: https://2u.pw/htiPpj

ومنذ عام 2013 عطيت الميليشيا اسم قوات الدعم السريع، ضمن إطار تغيير وجهة عملها وعلاقتها بالنظام؛، أ إذ إنها عكست رغبته في فرض حالة من الضبط على تلك القوات، وأُلحقت في تلك الفترة بجهاز الأمن الوطني والمخابرات35. وطرأت ظروف جديدة لتغير وجهة هذا التطور، بعد توتر العلاقة بين موسى هلال والحكومة السودانية، ووقتها عُّين محمد حمدان دقلو "حميدتي" قائدًا لهذه القوات ومُنح رتبة "عميد" بعد أن كان جنديًا يقاتل تحت إمرة هلال. وبعد هذا التعيين برز الخلاف بين الحكومة السودانية وهلال إلى العلن، فاعتكف الأخير في مقر إقامته بمنطقة "مستريحة"، وشهد مقعده في المجلس الوطني غيابًا طويل؛ ا إذ كان ممثلًا لدائرة "المالحة" في ولاية شمل دارفور36. وبدأت مرحلة ثالثة من تطور قوات الدعم السريع، عام 2017، بتقنين وضعيتها من خلال قانون أصدره المجلس الوطني - الجهاز التشريعي في ذلك الوقت – هو قانون قوات الدعم السريع، وجعلها تابعة للقوات المسلحة. وقد أضفى هذا القانون شرعية ومأسسة على هذه القوات. وقد تزامن هذا التغير مع تصاعد التوتر في علاقة الحكومة مع هلال الذي أنشأ عام 2014 تنظيم "مجلس الصحوة الثوري"، ليشكّل قاعدة سياسية واجتمعية له، وربما لتوظيفها عسكريًا. وقد عّبر هلال عن امتعاضه من تعيين حميدتي قائدًا لقوات الدعم السريع؛ فقد ذكر في مقابلة إذاعية أنه هو من قدّم للجيش مبادرة حرس الحدود وأسسها، وبعد أن تحقق ذلك واستقرت الأمور، يُؤتى بشخص آخر ليكون قائدًا للقوات37. اعتُقل هلال في 27 تشرين الثاني/ نوفمبرر 2017، بعد أن رفض خطة حكومية تقضي بدمج حرس الحدود في الدعم السريع، مع نزع أسلحة مختلف الجمعات والكيانات المسلحة في دارفور. وعدّ هلال ذلك محاولة لتحجيم قواته لفائدة قوات الدعم السريع، على الرغم من أن مؤسسات عسكرية في الخرطوم كانت ترى أنّ هلال في إمكانه أن يضطلع بدور مهٍّمٍ في توازنات الميليشيات الإثنية في دارفور. تشير هذه المراحل إلى تحوّل رؤى النظام إزاء التعامل مع زعمء الميليشيات الإثنية، وتوظيف الحكومة تضارب المصالح الشخصية والعشائرية لخدمة أهدافها. وقد ترتب على ذلك، بعد أن تمكنت قوات الدعم السريع من التحول إلى قوة عسكرية رسمية، أن رسخت وجودها في دارفور، في حين انحصر وجود الحركات المسلحة في مناطق محددة من الإقليم، غادر معظمها لاحقًا في اتجاه ليبيا. ودان قائد الدعم السريع حميدتي بولاء كبير للرئيس السوداني السابق البشير. جاءت المرحلة الرابعة مع انتفاضة 2018، واعتصام المتظاهرين أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث استُدعيت قوات من الدعم السريع للخرطوم، لكنها لم تواجه المتظاهرين. وحينم قررت اللجنة الأمنية خلع البشير، وافق قائد الدعم السريع على قرارها، وفي المقابل، عُّين نائبًا لقائد المجلس العسكري الانتقالي في

  1. Hassan Elhagali Ahmed, "Embedded Uniforms: The War in Darfur, Militias, Paramilitaries, and the Rise of the Rapid Support Forces" in: Jean-Nicolas Bach et al. (eds.), The Routledge Handbook on the Horn of Africa (London: Routledge, 2022), p. 195.
  2. دارفور 24 تسلط الضوء علي الزعيم القبلي المعتقل موسى هلال"، دارفور 24، 2017/11/29، شوهد في 2023/10/7، ف:ي https://acr.ps/1L9GPEy
  3. ذكر هلال في مقابلة إذاعية باللهجة السودانية ما يلي: "بعد ده كلو وبعد ما سخرتني في وقت الحارة وخلاص بعد ما الحلة نضجت في النار. ونزلوها بردت. ويجي وقت القسمة تقوم تمرقني وتقول أنت زول ما نافع. وتجيب زول تاني ما معروف تجاهو من وين ولا عندوا انتماء للوطن.. تبقي هو المسؤول الأول والأخير عن أمن السودان"، يشير هنا إلى حميدتي. ينظر: "الحكومة تتهم موسى هلال بتجنيد مواطنين لخليفة حفتر وتهدد باستخدام القوة لجمع السلاح"،، 2017/8/17، شوهد في 2025/9/8، في: https://acr.ps/1L9GP6x دبنقا

13 نيسان/ أبريل 201938. وقد مثّل هذا التعيين بدايةً لتطوّر سياسي وعسكري ضخم لقوات الدعم السريع. وتركّزت غايات الدعم السريع في هذه المرحلة في تحقيق استقلالية هياكله عن القوات المسلحة، مع تقويته ليكون قوة عسكرية ضاربة يصعب حلّها أو دمجها بسهولة في القوات المسلحة، وبما يعرقل مهمة ملاحقة قائدها قضائيًا وسياسيًا عن جرائم ارتكبت في السابق. ونجحت تلك المساعي بحدوث تعديَليَن لقانون قوات الدعم السريع39:. أ صدر أول تعديل على المرسوم الدستوري رقم 32 لعام 2019 بتاريخ 11 تموز/ يوليو من العام نفسه، ونصّ على تحويل تبعية قوات الدعم السريع، كم ورد في قانونها لعام 2017، من رئيس الجمهورية إلى القائد العام للقوات المسلحة، وفقًا لما جاء في المادة 3 من قانون القوات المسلحة لسنة 2007. جاء هذا التعديل خطوةً استباقية لأيّ تفاهم محتمل بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بشأن رئاسة مجلس السيادة الانتقالي. ولاحقًا، جرى إلغاء هذا التعديل. وأُلغيت الفقرة 9 (ب) من قانون قوات الدعم السريع، التي كانت تمنح مجلس القوات صلاحية إصدار اللوائح الإدارية والمالية واعتمدها، واستُبدلت بفقرة تمنح قائد القوات هذه الصلاحيات مباشرة. وبهذا، تمكّن حميدتي من تركيز سلطات واسعة في يده..ب أما التعديل الثاني الذي يعزز استقلالية الدعم السريع، فهو الأهم، فقد صدر في 30 تموز/ يوليو 2019، وبعد أقل من شهر من التعديل الأول. وفيه أُلغي تعديل المادة 5 من قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، التي كانت تنص على أمرين: الأول، "عند إعلان حالة الطوارئ أو عند الحرب بمناطق العمليات الحربية تخضع قوات الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007 وتكون تحت إمرتها"، والثاني "يجوز لرئيس الجمهورية في أيّ وقتٍ أن يدمج قوات الدعم السريع مع القوات المسلحة وفقًا للدستور والقانون وتخضع عندئذٍ لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة."2007 بهذين التعديلين، تمكّن حميدتي من تحقيق استقلالية كبيرة، واستبق التوافقات التي تشكّل في ضوئها الإطار الدستوري الحاكم للفترة الانتقالية، ليفرض استقلالية الدعم السريع أمرًا واقعًا على الجيش والقوى المدنية. وقد أكّدت الوثيقة الدستورية التي وقّعها، في 17 آب/ أغسطس 2019، هذا الواقع الجديد.

2. البنى التنظيمية وعلاقات القوة

في المرحلة الأخيرة، تحوّلت قوات الدعم السريع من ميليشيا وقوات شبه نظامية معنيّة تحديدًا بمحاربة الحركات المسلحة في دارفور إلى قوات عسكرية لا تعمل على المستوى القومي فحسب، بل قُيّض لها حضور إقليمي، وأصبح لها وجود في اليمن وارتباطات في ليبيا وعلاقات مع شركة فاغنر، وصار لها أيضًا استثمرات وأعمل تجارية واسعة. تعرف عمليات التحوّل التي يمرّ بها فاعلون، مثل قوات الدعم السريع، جوانب مختلفة تشمل طرائق العمل والتكتيك والتصورات التي تؤطر القضايا في ضوء الجديد الذي يمرون به. وقد أطلق دارسو الحركات

  1. لمزيد من المعلومات حول تطورات الفترة الانتقالية، ينظر: تجربة الانتقال الديمقراطي في السودان   (2012-2019): مشكلات الراهن وتحديات المستقبل، أحمد أبو شوك (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024
  2. لمزيد من المعلومات حول التعديلات التي طرأت على قانون الدعم السريع، ينظر: سلمان محمد أحمد سلمان، "قوات الدعم السريع: قراءة في الإطار السياسي والقانوني (4/2)"، سودانايل، 2023/5/24، شوهد في 2025/4/17، في: https://acr.ps/1L9GPsd

الاجتمعية على هذا النوع من التحول اسم "تحوّل في النطاقShift " Scale، وعرّف بأنه "تحوّل يطرأ على طبيعة الأفعال النزاعية من حيث انتقالها إلى مركز اهتمم جديد ومستواها. ويشمل انخراط طيف أوسع من الفاعلين، مع استخدام أدوات جديدة وتوسيع دائرة المطالب"40. وقد برز الاهتمم في هذا السياق بالتحولات التي تطرأ من أسفل إلى أعلى، أي على عمل الحركات التي تنتقل من المحلية إلى المستوى الوطني. لذلك فالتحوّل في النطاق هو تحوّل رأسي وليس أفقيًا41. على الرغم من أنّ مفهوم التحوّل في النطاق يُستخدم أكثر في دراسة الحركات الاجتمعية، فإنّه يمكن توظيفه في حقل الدراسات الأمنية والدفاعية، بما يخدم الحالة قيد الدراسة. ومسوغ تطبيق المفهوم في تحليل التحولات التي طرأت على فاعلين، مثل قوات الدعم السريع، ينطلق من أنّ هذه القوات قد شهدت تحوّلًا جوهريًا في نطاق عملها بعد انتفاضة 2018؛ فقد كان اهتممها قبل الانتفاضة ينحصر في مواجهة الحركات المسلحة في دارفور، من دون أن يكون لها وجود عسكري أو مقارّ خارج الإقليم. وحدث التحوّل في نطاق أهدافها وهويتها وطرائق عملها وانتشارها في إثر اندلاع تلك الانتفاضة، فخصصت السلطة لها معسكرات في عدة مناطق من البلاد. وكان هذا الانتشار الواسع عاملًا مؤثرًا في مستقبل السودان، والعملية السياسية التي أعقبت خلع البشير. لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد أفراد قوات الدعم السريع بعد اندلاع الحرب، لكنّ الناطق الرسمي باسمها صرّح عام 2017 بأنّ عدد أفرادها يناهز 30 ألفًا42. وقد زاد هذا العدد منذ تلك الفترة، حيث قدّر عام 2023 بنحو 100 ألف، أي ما يعادل 40 في المئة من حجم الجيش السوداني الذي يقَّدَر بنحو 250 ألف جندي43. وتشير تقارير حول تجهيزها إلى أنّ قوات الدعم تملك نحو 10 آلاف سيارة رباعية الدفع، بعضها مصفح ومزود بأسلحة رشاشة خفيفة ومتوسطة. وأُعلن في حزيران/ يونيو 2022 أنها تملك وحدة مدرعات خفيفة من طراز "بي تي آر" BTR، وتجهيزات مدفعية ومسّيارت ودروعًا ومضادات طيران44. كان التحوّل في نطاق عمل الدعم السريع يتوازى مع تغييرات في بنيتها التنظيمية، وقد لجأت إليها بغية التكيّف مع توسّع مهمتها؛ من ذلك أنها أسست خدماتها الطبية المنفصلة، وشبكة اتصالات خاصة بها، ووحدة تنصت، وخدمات دفاع مدني مرتبطة بها، وذلك على الرغم من وجود هذه الخدمة في وزارة الداخلية. وامتلكت قوات الدعم السريع، أيضًا، إدارة للأراضي التي تخضع لسيطرتها، وإدارة للإعلام تُصدر صحيفة يومية. وثمة مؤشرات تفيد أنها كانت تخطط لإنشاء جامعة45.

  1. Doug McAdam, Sidney Tarrow & Charles Tilly, Dynamics of Contention (Cambridge / New York: Cambridge University Press, 2001), p. 331.
  2. Soule, p. 2.
  3. البررلمان يجيز قانون لجيشه.. حميدتي: نأمل إنشاء قوة جوية.. نحن لسنا ملائكة.. قواتنا قائمة بذاتها وشبه مستقلة"، الراكوبة، 2017/1/17، شوهد في 2023/10/8، في: https://acr.ps/1L9GPvX
  4. الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.. أرقام ومعطيات عن ميزان القوى بين الخصمين"، الجزيرة نت، 2023/4/15، شوهد في 2023/10/13، في: https://acr.ps/1L9GPgK
  5. سودان تربيون' تتحصل على معلومات دقيقة بشأن مصادر وحجم تسليح 'الدعم السريع'"، سودان تربيون، 2023/11/11، شوهد في 2023/11/11، في: https://acr.ps/1L9GPP0
  6. لمزيد من المعلومات حول الإدارة الخاصة بأراضي الدعم السريع، ينظر: "ما مشروعية وأهداف إنشاء مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع؟"، بيم بيبورتس، 2022/4/21، شوهد في 2025/8/16، في: https://acr.ps/1L9GPN8؛ وحول ملكية صحيفة الصيحة للدعم السريع، ينظر: "'حميدتي' يمنح الحكومة صحيفة 'الصيحة' وحمدوك يتردد في قبولها"، ألترا سودان، 2019/12/9، شوهد في 2025/8/16، ف:ي https://acr.ps/1L9GP9X

حرصت قوات الدعم السريع خلال توسّعها على توسيع قاعدتها الاجتمعية، فعمدت إلى إقامة علاقات مع المجتمع الأهلي، لا سيم القيادات القبلية ورؤوس الطوائف الدينية والطرق الصوفية، وأجزلت لهم العطاء؛ فعلى سبيل المثال سلّمت 24 سيارة لقادة الإدارة الأهلية في جنوب دارفور عام 201746. ووزعت عام 2022 عربات للإدارات الأهلية في جنوب كردفان. ونشطت في تقديم خدمات المقاولات، حيث كشف ضابط في الدعم السريع عن إعداد خطة لصيانة جامعة الدلنج ومدرستَي تلو الثانوية والصناعية، إضافة إلى بناء قاعة للمؤتمرات47. وقد تعزّزت هذه السياسة الرامية إلى تعزيز العلاقة بالمجتمع الأهلي بإنشاء أكثر من 29 قرية نموذجية48. ظهرت أهمية هذا البُعد في توطيد نفوذ الدعم السريع من خلال حدثين بارزين: الأول، حينم وضحت قدرة حميدتي القائمة على إجزال المنح والعطايا، في استملة العديد من القيادات الوسيطة والدنيا في الإدارة الأهلية إلى جانبه، في مواجهة القيادة التقليدية التي يمثلها نظار القبائل49. وقد اضطر ناظر عموم قبيلة الرزيقات إلى أن يُظهر تأييده لحميدتي، حيث أكّد في تصريح له عقب وصوله إلى الخرطوم على وحدة القبيلة وتماسكها في مواجهة أيّ استهداف يتعرّض له أبناؤها خاصّة الفريق أول محمد حمدان دقلو. وأعلن رفض أيّ استهداف يتعرّض له. وأضاف: "هو ابن السودان وقبل ذلك هو ابن القبيلة وهو في موقع حسّاس لذلك نحن حريصون عليه كل الحرص وهو خط أحمر لن نجامل به"50. وتجسّد الثاني حينم أيّد زعمء مكونات قبلية في جنوب دارفور الدعم السريع في حربه ضد القوات المسلحة. على الجانب الآخر، كانت القوات المسلحة قد تمددت في المجال الاقتصادي، وامتلكت شركات تعمل في مجالات الاقتصاد المدني، فضلًا عن انخراطها في التصنيع العسكري. وشملت "منظومة الصناعات الدفاعية" شركات تعمل في مجال الكابلات والآليات والإنتاج الزراعي، علاوة على شركات تعمل في مجال التجارة والتصدير. وامتلكت هذه القوات شبكة من الأعمل الاقتصادية الواسعة في مجال التنقيب عن الذهب ومجالات التجارة المختلفة، تشمل شركات تعمل في عدد من الدول51. ونظرًا إلى ما كان يواجه البلاد من تمردات وحروب تفاوتت حدتها، تنامت قدرات القوات المسلحة ودورها السياسي، وتمكنت من حشد موارد مادية وبشرية لتسخيرها للمجهود الحربي. فمكّنها هذا الوضع من أن تصبح عمليًا أكبرر القوى السياسية في البلاد، خاصة في أثناء الفترة الانتقالية بعد انتفاضة 2019، حيث سعت القوى المدنية إلى التحالف معها.

  1. محمد سوار المصري، "الدعم السريع تسلّم الإدارة الأهلية سيارات وتؤكد انتهاء التمرد بوسط دارفور"، الوطن، 2017/4/3، شوهد في 2024/10/22، في: https://acr.ps/1L9GPyE
  2. سيّارات من الدعم السريع لأمراء الإدارة الأهلية بجنوب كردفان"، اليوم التاليي، 2022/12/30، شوهد في 2023/10/22، ف:ي https://acr.ps/1L9GPQW
  3. الدعم السريع على رأس مبادرات المسؤولية المجتمعية"، الصيحة، 2021/11/21، شوهد في 2023/10/23، في: https://acr.ps/1L9GPPb
  4. يرجع نظام الإدارة الأهلية في السودان إلى نظام الحكم غير المباشر الذي لجأت إليه الإدارة البرريطانية عندما خولت بعضًا من سلطاتها الإدارية والقضائية لزعماء القبائل والشيوخ عبرر قوانين صدرت في عشرينيات القرن العشرين، لكن نظام الإدارة الأهلية أُلغي عام 1971، وأُعيد بطريقة رمزية في بداية تسعينيات ذلك القرن، لمزيد من التفاصيل ينظر: السني بانقا، أضواء على النظام القبلي والإدارة في السودان ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]).
  5. إنّه ابن الُّسُودان قبيلة الرزيقات: حميدتي خط أحمر"، اليوم التاليي، 2022/10/11، شوهد في 2025/8/9، في: https://acr.ps/1L9GPBQ
  6. لمزيد من المعلومات عن نشاط الشركات التابعة للقوات المسلحة والدعم السريع، ينظر: Jean-Baptiste Gallopin, "Bad Company: How Dark Money Threatens Sudan's Transition," Brief , European Council on Foreign Relations Policy, 9/6/2020, accessed on 11/11/2023, at: https://acr.ps/1L9GP9K

يعكس واقع المؤسسة العسكرية والدعم السريع تمددهم التنظيمي والمؤسساتي الذي مكّنهم من امتلاك قدرٍ كبير من القوة في الفترة الانتقالية، وسعي العديد من القوى إلى التحالف معهم. يفسر هذا اعتمد الفاعلين في الأنظمة الاجتمعية الهرمية الكبيرة على موارد القوة التي يمتلكونها، ولهذا فإن العلاقات التي يقيمونها هي علاقات قوة. والمؤسسات العسكرية ذات طبيعة مزدوجة؛ لأنّها في جزء منها مصدر للقوة، وفي جزء آخر هيكل له قانون وإجراءات وثقافة داخلية وممرسات قد تحدّ من سلوك المؤسسة في ممرسة القوة، ويعتمد ذلك على الشفافية المتاحة التي تعكسها تلك المؤسسات في البلد المعني. وتتيح السيطرة على المؤسسة العسكرية الوصول إلى موارد أخرى للسلطة52.

ثالثًا: خطاب الإصلاح العسكري يف أثناء الفترة الانتقالية

حظي موضوع الإصلاح العسكري، خلال الفترة الانتقالية، باهتمم متفاوت الشدة على مدى هذه الفترة. وكان من بين التنازلات التي قدّمها المدنيون، في مفاوضات ترتيب الفترة الانتقالية، أنهم تركوا أمر إصلاح المؤسسة العسكرية للعسكريين. وافترضت الوثيقة الدستورية التي وقّعتها الأطراف المدنية والعسكرية، في آب/ أغسطس 2019، أنّ أمر إصلاح المؤسسة العسكرية شأن داخلي تقوم به المؤسسة وحدها. فقد نصّت المادة 35 (1) على أنّ "القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية للوطن ولسيادته تتبع للقائد العام للقوات المسلحة وخاضعة للسلطة السيادية". وحددت المادة 8 من الوثيقة الدستورية مهمت الفترة الانتقالية، ونصّت الفقرة 12 منها على "وضع برامج لإصلاح أجهزة الدولة خلال الفترة الانتقالية بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها وعدالة توزيع الفرص فيها دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة على أن تسند مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية وفق القانون"53. تغّير هذا الوضع في أثناء الفترة الانتقالية، فقد قَوِيت قوات الدعم السريع وتوسّعت، وعزز توسّعها أنّ ولاءات الفترة الانتقالية وتحالفاتها السياسية قد تبدلت كثيرًا. ففي 7 آذار/ مارس 2020، طرح رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البررهان، مشروعًا لإعادة هيكلة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وأجرت القوات المسلحة تغييرات هيكلية، بأن أصدر البررهان قرارًا، في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بحلّ رئاسة الأركان المشتركة، واعتمد العمل بنظام هيئة الأركان، وتعيين قيادات جديدة. وأجرى الجيش تعديلات هيكلية في منظومة الصناعات الدفاعية من دون تحديد هذه التعديلات. فقد ذكر الناطق باسم القوات المسلحة أنّ "منظومة الصناعات الدفاعية قامت بإجراء إعادة هيكلة شاملة استندت فيها على متطلبات المرحلة القادمة"54. واستمر التجانس الظاهري بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، حتى 7 آذار/ مارس 2020، حيث وصف حميدتي قواته بأنها مساندة للقوات المسلحة، وتشكلان معًا وجهين لعملة واحدة55.

  1. Blanca Camps-Febrer & Guillem Fare's-Fernanndez, "Power and the Security Sector: Thoughts from the Sociology of Power," Contemporary Arab Affairs , vol. 12, no. 1 (2019), pp. 9 -10.
  2. لمزيد من المعلومات ينظر: الوثيقة الدستورية، شوهد في 2025/8/9، فيhttps://acr.ps/1L9GPAa:
  3. الجيش السوداني يعلن إعادة هيكلة منظومة الصناعات الدفاعية"، وكالة الأناضول، 2020/1/27، شوهد في 2023/8/3، ف:ي https://acr.ps/1L9GPC3
  4. حميدتي: الدعم السريع والقوات المسلحة وجهان لعملة واحدة"، السوداني، 2020/3/7 شوهد في 2025/9/24، في: https://acr.ps/1L9BPJb

عملت قيادة الدعم السريع مع حلفاء من الخليج على تسريع الخطى لتصبح قوة عسكرية، لا يمكن تجاوزها بسهولة. وقد أدركت الحكومة الانتقالية نفسها هذا التحول في قوة الدعم، وتغّير خطابها، في محاولة لكسب ودّها. فقد قال رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، في أيلول/ سبتمبرر 2021، إن إصلاح القطاع العسكري أمر مهم لبناء الدولة المدنية وتكوين الجيش الموحد. وذكر أن قوات الدعم السريع "بتحمّلها جزءًا كبيرًا من المسؤولية تجاه الوطن وممتلكاته تستحق التقدير، خاصة المساهمة في م عن حدوث النزاعات وحمية المواطنين في المناطق الحدودية"56. شكّل الاتفاق الإطاري الذي وقّعته قوى مدنية والمكوّن العسكري وحركات مسلحة، في 5 كانون الأول/ ديسمبرر 2022، اصطفافًا مهّمًا في الساحة السياسية. فقد جاء تأييد الدعم السريع للاتفاق الإطاري ليمثّل نقطة تحوّل أساسية في تحالفاته مع قوى مدنية، على رأسها مجموعة المجلس المركزي للحرية والتغيير. وتغّيتر تبعًا لذلك هوية الدعم السريع وخطابه، كم تحوّل خطاب حلفائه الجدد. فقد أصبح حميدتي يهاجم أعضاء النظام السابق، بقوله على سبيل المثال: "لن نسمح لعناصر النظام البائد بالوقيعة بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وأقول لهم إنهم لن يستطيعوا بلوغ ذلك أبدًا، إننا في قوات الدعم السريع ملتزمون بما ورد في الاتفاق الإطاري بخصوص مبدأ الجيش الواحد وفق جداول زمنية يتفق عليها"57. ومن القضايا التي تقرر مناقشتها، وفق الاتفاق الإطاري، موضوع الإصلاح العسكري والأمني. وقد خصصت له جلسات منفصلة، شارك فيها المكوّن العسكري وحركات مسلحة وأحزاب سياسية. في مستهل الجلسات التي كانت بعنوان "ورشة الإصلاح العسكري والأمني"، وبدأت في 26 آذار/ مارس 2023، قال البررهان إن للقوات المسلحة تجارب في الإصلاح يمكن البناء عليها، وطالب بضرورة الإلمام بقانون القوات المسلحة وكيفية استنباط العقيدة العسكرية. أما حميدتي، فقال إن قوات الدعم السريع أنشئت، وفق قانون نظّم عملها وحدّد مهمتها، مؤكدًا أن عملية الإصلاح الأمني والعسكري تحتاج إلى تطوير ومواكبة في التشريعات والقوانين، وأن يخرج هذا البند من الِّسِجال السياسي58. وأظهرت النقاشات أن كل الأطراف قد اتفقت على أهمية وجود جيش واحد. وأشارت مسودة بروتوكول مبادئ إصلاح القطاع العسكري والأمني وأسسه المضمنة في وثيقة الاتفاق النهائي - وكان من المفترض تعديلها بعد صدور توصيات ورشة الإصلاح العسكري والأمني - إلى تكليف اللجان الفنية المشتركة بمهمة وضع توقيتات وضوابط عملية دمج القوات وإصلاح الأجهزة النظامية في مدة لا تتجاوز عشر سنوات. وقسم الاتفاق العملية إلى مراحل تبدأ بالاتفاق على الإصلاحات المطلوبة والجداول الزمنية لتنفيذها، ثم تشرع أولًا في توحيد هيئات القيادة والأركان، تليها المستويات الأخرى، وتنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام الموقّع مع الفصائل المسلحة. وحدد آليات لإدارة عمليات الدمج والإصلاح والتحديث، وهي مجلس الأمن والدفاع الذي يشرف على خطط الدمج، واللجنة الوطنية لمتابعة

  1. السودان يشدد على ضرورة إصلاح القطاع العسكري"، المشهد العربي، 2021/9/15، شوهد في 2025/9/24، في: https://acr.ps/1L9BP2X
  2. نص خطاب نائب رئيس مجلس السيادة قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو في حفل التوقيع على المصفوفة المحدثة"، اليوم التاليي، 2023/2/5، شوهد في 2025/8/9، في: https://acr.ps/1L9GPl0
  3. محجوب عيسى، "ورشة الإصلاح العسكري... هل يتحقق حلم الجيش الواحد"، اليوم التاليي، 2023/3/27، شوهد في 2023/7/20، ف:ي https://acr.ps/1L9GPbU

هذه العمليات، وتطهير القوات المسلحة من عناصر النظام السابق وحلّ الدفاع الشعبي، واعتمد عقيدة وطنية مهنية تنفيذًا لشعار جيش واحد وشعب واحد، والخروج من الاقتصاد المدني59. لم تسر أعمل الورشة كم كان يأمل منظّموها؛ فقد انسحب الجيش منها، في 29 آذار/ مارس 2023، احتجاجًا على المدى الزمني المحدد والطريقة المقترحة لعملية الدمج. وذكر في بيان أنه "ينتظر عمل اللجان الفنية التي تعمل على إكمل التفاصيل المتعلقة بعمليات الدمج والتحديث وصولًا لجيش وطني واحد يحمي التحول الديمقراطي، وذلك تمهيدًا لأن تكون هذه التفاصيل جزءًا من الاتفاق النهائي"60. وكان الاتفاق الإطاري قد أعطى الدعم السريع استقلالية عن القوات المسلحة، على أن يكون البررهان قائدًا للقوات المسلحة، وحميدتي قائدًا للدعم السريع، وأن يخضع كلاهم للرئيس المدني الذي سيُعَّين بمقتضى الاتفاق السياسي النهائي. ولهذا السبب، رهن البررهان تقدّم القوات المسلحة في تنفيذ الاتفاق الإطاري، بوجود رؤية واضحة لدمج الدعم السريع في القوات المسلحة61. وكان الخلاف بين الطرفين قد تركّز في تشكيل هيئة القيادة، والمدة الزمنية المقررة لدمج الدعم السريع في الجيش الواحد. مثّل تأييد الدعم السريع لمخرجات ورشة الإصلاح العسكري والأمني تتويجًا لتوتر مع القوات المسلحة، بدأ خفيًا ثم ظهر إلى العلن بعد ذلك. وظهرت أول إشارة على وجود توتر بين القوات المسلحة والدعم السريع في بداية حزيران/ يونيو 2021، غير أن الطرفين نفيا ذلك. وقد أدرك حمدوك خطورة هذا التوتر وأعرب عن قلقه الشديد بقوله "التشظي العسكري وداخل المؤسسة العسكرية أمر مقلق جدًا"62. وانعكس هذا التوتر في بناء القوات المسلحة لسور خرساني حول مباني القيادة العامة، تحسّبًا لصدام محتمل. وشملت خطوة أخرى استهداف امتيازات قوات الدعم السريع، حين صدر قرار بإلغاء البند الخاص بامتيازاتها ومرتباتها، وجعلها وفقًا لهيكل الأجور الموحد للعاملين في الدولة، الذي يصدره مجلس الوزراء، وشمل القرار جميع أجهزة الدولة التي كانت نظم أجورها خارج سلطة وزارة المالية، على رأسها الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن63. وفي محاولة لإنقاذ عملية دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، طرحت وساطة أميركية مبادرة تقوم على تشكيل هيئة قيادة موحدة، تضم رئيسًا يكون في الوقت نفسه القائد العام للقوات المسلحة السودانية، وقائد قوات الدعم السريع، إضافة إلى ثلاثة ضباط من القوات المسلحة السودانية، وضابط واحد من الدعم السريع. لكنها حجبت حق التصويت عن رئيس هيئة القيادة. وألزمته بإبلاغ رئيس الدولة بالقرارات التي توصلت إليها هيئة القيادة. ووضعت قاعدة بأن تتخذ القرارات بنسبة /4 5 من الأعضاء الذين يحق لهم التصويت.

  1. للاطّلاع على ما ورد في نص الاتفاق، ينظر: مسوّدة وثيقة الاتفاق السياسي، البرروتوكول الخامس: مبادئ وأسس إصلاح القطاع العسكري والأمني؛ ينظر: أحمد يونس، "دمج 'الدعم السريع' في الجيش السوداني عالق عند تشكيل هيئة القيادة والمدة"، الشرق الأوسط، 2023/4/3، شوهد في 2023/7/23، في: https://acr.ps/1L9GPTl
  2. عبد المجيد عوض، "السودان: انسحاب الجيش من ورشة الإصلاح الأمني والعسكري"، العربي الجديد، 2023/3/29، شوهد في 2023/7/23، ف:ي https://acr.ps/1L9GPif
  3. فاطمة مبارك، "جدلية الدمج والاستقلالية.. هل يدمج الدعم السريع في القوات المسلحة؟"، اليوم التاليي، 2023/2/19، شوهد في 2023/7/25، في: https://acr.ps/1L9GQ4J
  4. حسين قايد، "'نار تحت الرماد'.. صراع الجيش وقوات الدعم يهدد السودان" الراكوبة، 2021/6/25، شوهد في 2023/12/20، ف:ي https://acr.ps/1L9GPEM
  5. الخواض عبد الفضيل، "الدعم السريع: إلغاء الامتيازات…هل بداية الدمج؟" اليوم التاليي، 2023/2/27، شوهد في 2025/9/8، ف:ي https://acr.ps/1L9GPmo

وأما القضايا التي لا يمكن حلّها بواسطة الرئيس، فإنها تُحال إلى مجلس الأمن والدفاع برئاسة رئيس الوزراء لاتخاذ القرارات اللازمة. وتتطلب موافقة رئيس الدولة على هذه القرارات، وفقًا للاتفاق السياسي النهائي أو الدستور الانتقالي والقوانين ذات الصلة. وسيحتفظ الفريقان البررهان وحميدتي بمنصبيهم حتى نهاية الدمج. وقدّم المقترح جدولًا زمنيًا حتى يتحقق الدمج خلال عشر سنوات64. وعلى خلفية التوترات والفشل المتكرر في تحقيق توافق على موضوع الإصلاح، تسارع التصعيد بين القوات المسلحة والدعم السريع؛ إذ أعلنت القوات المسلحة السودانية في بيان لها، يوم 13 نيسان/ أبريل 2023، أن قوات الدعم السريع تحركت وانتشرت في مناطقَ من العاصمة والولايات، مخالفة لمهمتها ونظام عملها، ومن دون موافقة القوات المسلحة أو حتى التنسيق معها65. وتواصل التصعيد حتى اندلعت الحرب بين الجانبين في 15 نيسان/ أبريل 2023؛ نتيجة فشل عملية الإصلاح العسكري، ودشّن قيامها مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. عمد البررهان إلى تحجيم الدعم السريع تنظيميًا وقانونيًا بعد اندلاع الحرب، فأصدر قرارًا، في 20 نيسان/ أبريل 2023، ألغى بموجبه تبعية قوات حرس الحدود للدعم السريع. وألحقه بمرسوم دستوري بحلّ قوات الدعم السريع، في 6 أيلول/ سبتمبرر 2023، وإلغاء قانون الدعم السريع لعام 2017 وتعديلاته لعام.2019

رابعًا: قضايا الإصلاح العسكري

تشير الحالة السودانية إلى أن بعض قضايا الإصلاح العسكري تنال أهمية خاصة، إمّا بسبب ثقل تأثيرها في عموم عملية الإصلاح وإمّا لقدرتها على تعقيده. ويظهر تحليل هذه القضايا بعضًا من إشكاليات الإصلاح وتفاصيله المعقدة.

1. النشاط الاقتصادي والإصلاح العسكري

على الرغم من الإشارة إلى خروج المؤسسات العسكرية من العمل الاقتصادي المدني في وثائق الفترة الانتقالية، وقبول الأطراف العسكرية والمسلحة بذلك، فإنّ فكّ الارتباط بين بعض هذه المؤسسات والعمل الاقتصادي المدني ظل مسألة شائكة. يضاف إلى ذلك أنّ هذا الاقتصاد ملف يحيطه الغموض وغياب الشفافية في حالة الدعم السريع. وتبررز حالة النشاط الاقتصادي لعائلة دقلو (عائلة حميدتي)، والذي لا يمارَس باسم الدعم السريع، بل بأسمء شركات تملكها هذه العائلة، أبعادًا مهمة في هذا الخصوص. فقد وظفت سيطرة حميدتي على القوات في تسهيل أعملها التجارية والاقتصادية وإثرائها، فيم يمكن اعتباره استحواذًا على الدولة Capture State، بغية تحقيق مصالحها في التوسع الاقتصادي66. والمثال البارز على توسع الاقتصاد المدني لقوات الدعم السريع هو الخاص بالهيمنة على نشاط استخراج الذهب في جبل عامر ومناطق أخرى، وتكوين إدارة خاصة لأراضي الدعم السريع.

  1. مقترح أمريكي لهيئة القيادة الموحدة للجيش"، اليوم التاليي، 2023/4/13، شوهد في 2023/9/1، في: https://acr.ps/1L9GPm8
  2. الجيش السوداني يتهم 'الدعم السريع' بتحريك قوات في العاصمة والولايات دون إخطاره"، الجزيرة نت، 2023/4/13، شوهد في 2023/9/1، في: https://acr.ps/1L9GPdp
  3. يشير مصطلح "الاستحواذ على الدولة" استغلال السلطة لبيع الامتيازات على المدى الطويل وتسخير موارد الدولة للمصلحة الخاصة، لمزيد من التفاصيل ينظر: Alexander Stoyanov, Alexander Gerganov & Todor Yalamov, State Capture: Assessment Diagnostics (Sofia: Center for the Study of Democracy, 2019), p. 15.

وربما يكون الوضع أسهل لدى الحركات المسلحة التي لم توقّع اتفاق سلام، والتي تستغل مناجم تعدين الذهب في المناطق التي تسيطر عليها، في انتظار استكمل العملية السلمية. يعيق مثل هذا النشاط الاقتصادي المستقل عن سيطرة القانون، والمعتمد على الفساد، مسار الإصلاح العسكري والأمني، وبما يعكس ما حذر منه غاديتش وبافلوفيتش من "أن آليات الاستيلاء على المؤسسات الأمنية قد تكون متخفية في صورة محاولات للتحديث أو الدمقرطة أو إضفاء الطابع الأوروبي على الحوكمة الأمنية، في حين أنها في الواقع تؤدي إلى استغلال المؤسسات الأمنية والعدالة لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة"67. وهو ما يدفع إلى القول بضرورة فك هذا الارتباط بين النشاط الاقتصادي والنفوذ السياسي للمكونات العسكرية، شرطًا لتيسير عمليات الإصلاح الأمني والعسكري. أما القوات المسلحة فإن شركاتها التي تعمل في الشّقيّن العسكري والمدني يفوق عددها المئتين، وجزء كبير منها يقع تحت مظلة "منظومة الصناعات الدفاعية" التي تمتلك مجمعات للصناعات العسكرية في مناطق مختلفة68. وكانت وزارة المالية قد أصدرت في نيسان/ أبريل 2021 قائمة أولية بالشركات المملوكة لمؤسسات حكومية. وظهرت في تلك القائمة 10 شركات مملوكة لوزارة الداخلية والشرطة، و 26 شركة تتبع لمجموعة جياد الصناعية - وهي واحدة من بين 34 شركة قابضة تتبع لوزارة الدفاع - إضافة إلى 18 شركة أخرى تعمل في مجال الاقتصاد تتبع لها 24 شركة فرعية69. واجهت القوات المسلحة ضغوطًا من الحكومة المدنية الانتقالية، ومن الخارج، لنقل ملكية الشركات التي تعمل في المجالات غير العسكرية لتكون تحت سيطرة الحكومة المدنية. وكان وزير المالية قد صرّح، في آذار/ مارس 2021، باتفاق جرى مع وزارة الدفاع وجهاز المخابرات العامة بنقل ملكية شركاتهم لوزارة المالية71، لكن التحدي يكمن في التنفيذ.

2 ي. الإصلاح العسكري ف إطار الأمن الإقليمي

ظل السودان يضطلع بأدوار متعددة في المنطقة، ضمن بيئة إقليمية أمنية معقّدة، تمتد من جواره الجغرافي الغربي والشرقي، وترتبط أيضًا بمنطقة الخليج العربي. ومن الصعب تناول قضايا الأمن السوداني، بمعزل عن تفاعلات الأمن الإقليمية المعقّدة، بما في ذلك قضية الإصلاح. ويظهر التحدي في الوجود العسكري المباشر لقوات عسكرية أو مسلحة عبرر الحدود، وفي الارتباطات مع فاعلين مسلحين مثل فاغنر وغيرها، وغالبهم له ثقل دولي وعلاقات معقدة مع القوى الدولية. وفي هذا الخصوص، تتجلى في زيارة حميدتي لموسكو، في شباط/ فبرراير 2022، التي التقى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرجي لافروف. وقد أثارت اهتممًا أميركيًا وعلّق عليها البررهان، ردًا على استفسارات أميركية، مؤكدًا أن حميدتي لم يزر موسكو بصفته نائبًا لرئيس مجلس السيادة، بل بصفته قائدًا لقوات الدعم السريع72.

  1. Gaji ć & Pavlovi ć , p. 99.
  2. يزيد صايغ، "تحويل الشركات العسكرية السودانية إلى مدنية: كيف يمكن لاتفاق نقلها إلى السيطرة المدنية أن ينجح"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2021/4/23، شوهد في 2025/8/15، في: https://acr.ps/1L9GPAb
  3. سليمان بلدو، "السودان يكافح من أجل السيطرة على المؤسسات والشركات الحكومية"، مداميك، 2021/5/22، شوهد في 2025/8/15، ف:ي https://acr.ps/1L9GP36 70 المرجع نفسه.
  4. مها التلب، "السودان.. 'الشرق' تشرح تفاصيل الخلاف بين البررهان وحميدتي"، الشرق، 2023/3/9، شوهد في 2025/9/24، ف:ي https://2u.pw/8vaKiY

ومثّل دعم مجموعة فاغنر لقوات الدعم السريع بالأسلحة مصدر القلق الأكبرر؛ نظرًا إلى النشاط الكبير والمتسع للمجموعة، في أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل الأفريقي73. وتفاقمت المخاوف، نتيجة تشكّل علاقات قوية بين قوات الدعم السريع والإمارات العربية المتحدة، إضافةً إلى أنها تتلقى دعمًا عبرر تشاد، وإمدادات من اللواء خليفة حفتر في ليبيا74. ومن هذا المنظور، يمكن فهم طبيعة الخلاف بين البررهان وحميدتي، حينم رفض الأول نشر قوات الدعم السريع على الحدود مع أفريقيا الوسطى، وهو ما أيّده الرئيس التشادي محمد ديبي، الذي أبدى قلقه، في ذلك الوقت، من نشاط هذه القوات على حدود البلدين. يبررز اختلاف دول الإقليم المؤثرة في السودان حول هدف عملية الإصلاح العسكري في أمرين. يتصل الأول بدعم مصر للقوات المسلحة، فقد صرّح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أنّ بلاده ترفض وجود الميليشيات والمرتزقة في المنطقة75؛ لذلك فهي تؤيد الإصلاح الذي يؤدي إلى دمج قوات الدعم السريع ضمن القوات المسلحة، وفق رؤية الجيش السوداني. ويتعارض هذا الموقف مع موقف الإمارات التي تتوافق مصالحها مع تنظيمت سياسية محلية وقوى دولية تهدف إلى تصفية وجود الإسلاميين في القوات المسلحة، ودمج ما تبقّى منهم في الدعم السريع لتشكيل القوات المسلحة الوطنية الجديدة. أما الأمر الثاني، فهو تأثير التنافس السعودي - الإماراتي في عملية الإصلاح، فعلى الرغم من أن البلدين يشتركان مع الولايات المتحدة وبريطانيا في مجموعة الرباعية المعنية بالسودان، وأن الدعم السريع تشارك ضمن عملية "عاصفة الحزم" في اليمن والمملكة العربية السعودية76، فإنّ تباينًا في مصالح البلدين في السودان، دفع إلى القول بوجود حرب بالوكالة بينهم في البلاد77. وينعكس هذا التباين بوضوح على التنافس الاقتصادي؛ فالإمارات تسعى إلى إنشاء ميناء على الساحل السوداني للبحر الأحمر، بينم تعمل السعودية، وفق "رؤية 2030"، على تحويل موانئها على البحر الأحمر إلى مراكزَ تجارية ولوجستية، تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، مع مراعاة تأثير ما يحدث في شرق السودان في الأمن الوطني السعودي. وإذ يمكن تحقيق مصالح السعودية عبرر الطرفين، فإنّ الإصلاح العسكري الذي يدمج قوات الدعم السريع بما يضمن لها وجودًا مقدّرًا في المستويات العليا هو ما تقبله السعودية، أما الإمارات فتعويلها على الدور المحوري لهذه القوات، كم أشيرَ إليه، هو ما يحدد رؤيتها.

3 ي. تأثير الحرب ف عملية الإصلاح العسكري في المستقبل

يرتبط أيّ مشروع للإصلاح بما تفضي إليه نهاية الحرب في السودان؛ وهي حرب دفعت صوب عسكرة قطاع كبير من المجتمع، كم أنّ ما قامت به قوات الدعم السريع من نهب وتجاوزات جسيمة في مدن العاصمة الثلاث، وكذا دارفور وولاية الجزيرة، سيكون له تأثير في قبولها فاعلًا في الساحة السياسية بعد انتهاء الحرب.

  1. Nima Elbagir et al., "Exclusive: Evidence Emerges of Russia's Wagner Arming Militia Leader Battling Sudan's Army," CNN , 21/4/2023, accessed on 8/9/2023, at: https://acr.ps/1L9GPe0
  2. Samira Elsaidi, "Libya's Haftar 'Rerouting' Supplies to Sudan's Rapid Support Forces," Middle East Eye , 10/7/2023, accessed on 21/10/2023, at: https://acr.ps/1L9GPIv
  3. السيسي: لا مكان للمليشيات والمرتزقة بالمنطقة"، التغيير، 2022/7/16، شوهد في 2023/9/4، في: https://acr.ps/1L9GPFL
  4. لمزيد من المعلومات حول المشاركة في اليمن، ينظر.Kirkpatrick:
  5. Talal Mohammad, "How Sudan Became a Saudi-UAE Proxy War," Foreign Policy , 12/7/2023, accessed on 8/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPVJ

وعلى الرغم مم تشهده الحرب الآن من كرّ وفرّ، فإنّ مآلاتها النهائية، ستقود، وفقًا للمصالح المؤسسية لأطراف الحرب ومصالح حلفائهم في الداخل والخارج، إلى أحد احتملين: الأول، الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، تضمن لقوات الدعم السريع دمجًا بوتيرة أسرع مم كان يريد هو وحلفاؤه الخارجيون، إضافة إلى ضمن دور سياسي له ولحلفائه. وتظل العقبة أمام هذا الاحتمل متمثلة في رفض قطاع واسع من المواطنين لأيّ دور مستقبلي للدعم السريع؛ نظرًا إلى الانتهاكات التي اقترفتها. وربما تؤدي العدالة الانتقالية، التي يُفترض تنفيذها بعد الحرب، دورًا مهمًا في معالجة تجاوزات الماضي. غير أنّ نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بعملية تفاوض جادّة، تتطلب وسيطًا قادرًا على جمع الفاعلين السودانيين إلى مائدة حوار ناجز، وحسم الخلاف حول موضوعات التفاوض. ومن أجل أن يكون الحوار سودانيًا، تقترح الدراسة الاعتمد على المكوّن الأهلي، من زعمء إدارات أهلية، وعلمء دين، وشخصيات عامة، وقيادات سياسية. أمّا الاحتمل الثاني، فهو أن تكون للقوات المسلحة اليد العليا، وفي هذا ترجح الدراسة أنّ قوات الدعم السريع لن تتمكن من تحقيق الانتصار، نظرًا إلى حالة العسكرة في ولايات مختلفة، وعجز هذه القوات عن الحفاظ على تمددها الجغرافي، إلى جانب تنامي الحشد الشعبي والعسكرة المضادة في مناطق مختلفة. وفقًا لهذا الاحتمل ربما تُستوعب أعداد من قوات الدعم في القوات المسلحة بوتيرة أسرع، بالتوازي مع استكمل عمليات الدمج والتسريح لقوات الحركات المسلحة الموقعة لاتفاق جوبا للسلام. يتطلب تحقق هذا الاحتمل إطلاق عملية سياسية مغايرة، تتسم بالشمولية، وتشمل استكمل مسار السلام مع الحركات المسلحة التي لم توقّع بعد أيّ اتفاق سلام.

4. ملكية عملية الإصلاح العسكري

تتجلى أهمية أن تكون عملية الإصلاح العسكري في السودان عملية وطنية خالصة، نظرًا إلى الطبيعة الهجينة للمكوّن العسكري، وبدرجة أكبرر بسبب التأثير البالغ للمصالح الخارجية المرتبطة بهذه العملية. وتتفاوت معاني ملكية إصلاح القطاع الأمني في الأدبيات؛ فهناك تيار يرى أنّ ذلك يشير إلى التعبير المحلي الأقرب للامتنان وتلبية متطلبات الإصلاح العسكري الخارجية، وبذلك تتشكّل الملكية. ويرى تيار آخر أنّ الملكية تتحقق عندما يقتصر دور الفاعلين الخارجيين على دعم مشاريع إصلاح القطاع الأمني التي تُنشأ محليًا بدلًا من ابتدارها من الخارج، مع التأكيد على ضرورة تبنّي نهج يراعي السياق78. واستنادًا إلى هذا التيار الذي يُعلي من شأن المبادرة المحلية، بوصفها أساسًا للملكية الوطنية للإصلاح العسكري، ترى الدراسة أولوية الاعتمد على المكوّن الأهلي، عبرر إشراك فئات من تنظيمته وإداراته وشخصياته العاملة على المستوى المحلي، إلى جانب تمثيلٍ للأحزاب والتنظيمت السياسية والحركات المسلحة. وقد مثّلت ورشة الإصلاح العسكري والأمني، التي عُقدت في أواخر آذار/ مارس 2023، آخر محاولة للإصلاح؛ غير أن انسحاب القوات المسلحة منها وما أعقبه من اندلاع الحرب جعلاها تنتهي إلى الفشل. وقد اتسمت هذه المحاولة بأنها نخبوية الطابع ومدعومة من الخارج، فضلًا عن استنادها إلى النموذج الخطي في الإصلاح، وهو ما أسهم بدرجة كبيرة في تعثرها. وكم أشار دي وال في تناوله تجارب إصلاح القطاع العسكري السابقة التي أفرزتها اتفاقية السلام الشامل 2005 وما بعدها من اتفاقيات، فقد افترض الوسطاء أنّ المتحاربين الرئيسين ح (كومة السودان والحركة الشعبية والجيش الشعبي

  1. Daniel Bendix & Ruth Stanley, "Deconstructing Local Ownership of Security Sector Reform: A Review of the Literature," African Security Review , vol. 17, no. 2 (2008), p. 95.

لتحرير السودان؛ وحكومة السودان والحركات الدارفورية الرئيسة) هم الفاعلون السياسيون والعسكريون الشرعيون الذين يمكنهم التوصل إلى التسوية. لكن في كل حالة، كانت القوة السياسية والعسكرية للفاعل الرئيس محل نزاع داخلي. وحتى لا تتكرر التجارب السابقة غير الناجحة، ولكيلا تكون عملية الإصلاح مطيّة لتنفيذ مصالح خارجية، ينبغي التعويل على آليات للعمل من أسفل إلى أعلى بدلًا من المبادرات العلوية، والاعتمد المكثّف على البُعد الأهلي.

خاتمة

مثّلت عملية الإصلاح العسكري أكبرر التحديات أمام الفترة الانتقالية في السودان. وقد أسهم فشل مقترح الإصلاح الذي طرحتْه ورشة الإصلاح العسكري والأمني، في آذار/ مارس 2023، في اندلاع الحرب التي ما تزال رحاها دائرة حتى كتابة هذه السطور. وبرزت عدة مصالح متضاربة، أسهمت في وأد محاولات الإصلاح العسكري، ويأتي في مقدمتها مصالح المؤسسة العسكرية التي ترفض وجود أيّ منافس عسكري لها. وقد تحفّظت على مقترحات مختلفة لدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، اعتراضًا على طول الآجال وطريقة الدمج المقترَحة. تأتي بعد ذلك مصالح الدعم السريع الرافضة لسيناريوهات الدمج السريع؛ إذ ترى أنّ الأجل المطوّل يتيح لها فرصة لتعقيد إتمام العملية. وفي هذا المسار، يسندها حلفاؤها الخارجيون والداخليون. لقد كان للمداخل الخطية تأثيرٌ كبير في صياغة خطة الإصلاح العسكري التي قُدمت، في آذار/ مارس 2023، حيث أدى "خبرراء" وفدوا من الخارج بتمويل خارجي دورًا مهمًا في إعدادها، وقدّموا آراءهم في جلسة خصصت لذلك. وبالتعاون مع سياسيين محليين ودبلوماسيين، قدّم هؤلاء "الخبرراء"، وصفة مستوحاة من تجارب خارجية ركّزت على المسار الخطّي للإصلاح، بحيث يؤدي اتباعها إلى الإصلاح ومن ثم إلى الانتقال الديمقراطي. لكنها رضخت للأمر الواقع، آخذة في الاعتبار المصالح المؤسسية للدعم السريع، بحيث يكتمل دمجه بعد عشر سنوات. ويؤكد هذا الفشل على أهمية النظر في نموذج إصلاحي مختلف غير خطي، يرتكز على إشراك المجتمع المحلي وقواعده المتنوعة في العملية. يتوقف نجاح أيّ برنامج للإصلاح العسكري على إعطاء تحقيق السلام في البلاد أولوية قصوى؛ لأنّ إحلال السلام سينفي الحاجة إلى التحشيد العسكري. وقد أدى اندلاع الحرب إلى بروز عوامل جديدة، من بينها تجنيد قطاعات شعبية مختلفة، والمطالبة بتعويضات، وضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ومن المرجح أن تعقّد هذه العوامل عملية الإصلاح العسكري المستقبلية بعد انتهاء الحرب؛ إذ سيكون من الضروري ربط تسريح المدنيين الذين شاركوا في التجييش بقضايا العدالة الانتقالية، لتصبح جزءًا أساسيًا من مسار الإصلاح.

  1. Alex de Waal, "Peace and the Security Sector in Sudan, 2002–11," African Security Review , vol. 26, no. 2 (2017), p. 182.

المراجع

العربية

اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان. (نيروبي: 2005/1/9:). في https://acr.ps/1L9GPa8

بانقا، السني. أضواء على النظام القبلي والإدارة في السودان. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.].

تجربة الانتقال الديمقراطي في السودان (2012-2019): مشكلات الراهن وتحديات المستقبل. أحمد أبو شوك (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024

صايغ، يزيد. "تحويل الشركات العسكرية السودانية إلى مدنية: كيف يمكن لاتفاق نقلها إلى السيطرة المدنية أن ينجح". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 2021/4/25:. في https://acr.ps/1L9GPAb

الأجنبية

Arnold, Matthew B. & Chris Alden. "'This Gun Is Our Food': Demilitarising the White Army Militias of South Sudan." Conflict, Security and Development. vol. 7, no. 3 (2007).

Arnold, Matthew B. "The South Sudan Defence Force: Patriots, Collaborators or Spoilers?" Journal of Modern African Studies. vol. 45, no. 4 (2007).

Bach, Jean-Nicolas et al. (eds.). The Routledge Handbook on the Horn of Africa. London: Routledge, 2022.

Bendix, Daniel & Ruth Stanley. "Deconstructing Local Ownership of Security Sector Reform: A Review of the Literature." African Security Review. vol. 17, no. 2 (2008).

Bliesemann de Guevara, Berit & Roland Kosti ć. "Knowledge Production in/about Conflict and Intervention: Finding 'Facts', Telling 'Truth'." Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 11, no. 1 (2017).

Border Intelligence Brigade (Istikhbarat al Hudud) (also known as Border Guards). Sudan Human Security Baseline Assessment (HSBA). Small Arms Survey, November 2010.

Camps-Febrer, Blanca & Guillem Fare's-Fernanndez. "Power and the Security Sector: Thoughts from the Sociology of Power." Contemporary Arab Affairs. vol. 12, no. 1 (2019).

Chandler, David. "Peacebuilding and the Politics of Nonlinearity: Rethinking 'Hidden' Agency and 'Resistance'." Peacebuilding. vol. 1, no. 1 (2013).

De Waal, Alex. "Peace and the Security Sector in Sudan, 2002–11." African Security Review. vol. 26, no. 2 (2017).

Gallopin, Jean-Baptiste. "Bad Company: How Dark Money Threatens Sudan's Transition." Brief, European Council on Foreign Relations Policy. 9/6/2020. at: https://acr.ps/1L9GP9K

Gindarsah, Lis. Security Sector Reform: A Literature Review. NUPI Report. Oslo: Norwegian Institute of International Affairs, 2015.

International Commission of Inquiry on Darfur. Report to the Secretary-General of the United Nations. Geneva, 25/1/2005.

Jackson, Paul & Shivit Bakrania. "Is the Future of SSR Non-Linear?" Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 12, no. 1 (2018).

Jackson, Paul. "Introduction: Second-Generation Security Sector Reform." Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 12, no. 1 (2018).

McAdam, Doug, Sidney Tarrow & Charles Tilly. Dynamics of Contention. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2001.

OECD DAC (Organisation for Economic Co-operation and Development Assistance Committee). Handbook on Security System Reform: Supporting Security and Justice. Paris: OECD, 2007.

Olteanu, Andreea-Roxana. "The Concept of Security Sector Reform – Necessity, Limits and the Way for Further Improvements." Europolity. vol. 14, no. 1 (2020).

Snow, David A. et al. (eds.). The Wiley-Blackwell Encyclopedia of Social and Political Movements. Chichester/ Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2013.

Stojanovi ć Gaji ć , Sonja & Dušan Pavlovi ć. "State Capture, Hybrid Regimes, and Security Sector Reform." Journal of Regional Security. vol. 16, no. 2 (2021).

Stoyanov, Alexander, Alexander Gerganov & Todor Yalamov. State Capture: Assessment Diagnostics. Sofia: Center for the Study of Democracy, 2019.

United Nations Secretary-General. "Securing Peace and Development: The Role of the United Nations in Supporting Security Sector Reform." Report of the Secretary- General. A/62/659–S/2008/39. 23/1/2008. at: https://acr.ps/1L9GPqt