الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي: تشخيص العلاقة وضوابط الحوكمة الديمقراطية
Intelligence and Decision-Makers in the Arab World: Diagnosing the Relationship and Democratic Governance
الملخّص
ملخص: تعالج الدراسة مسألة العلاقة المعقّدة بين صنّاع القرار في العالم العربي وأجهزة الاستخبارات التي طالما نُظر إليها على أنها أداة سلطوية للتحكّم والضبط والقمع، وتهدف أساسًا إلى استجلاء جوانب من محددات هذه العلاقة، وما عرفته من تطوّرات بعد "الربيع العربي" في اختبار النواظم الديمقراطية والممارسات الفضلى في الحوكمة الأمنية. ومن خلال فحص الخصائص العامّة للاستخبارات العربية، من منظور قواعد العمل الاستخباراتي المتعارف عليها ديمقراطًّيًا، وظيفًّيًا وسلوكيّا، وباعتماد تشخيصٍ موجز لتصنيفات وأمثلة تطبيقية عربية من المغرب ومصر وتونس والجزائر، توصّلت الدراسة إلى أنّ تلك العلاقة، نظرًا إلى عدة عوامل موضوعية، تظلّ موصومة بكثير من التشويه، وذلك غالبًا بسبب تسييس الاستخبارات، فضلًا عن افتقادها شروط الاستقلالية والحيادية، إلى جانب عدم خضوعها لرقابة مؤسساتية جدّية توضّح حدود تدّخلّاتها. إنها في الواقع متماهية، بدرجات متفاوتة، مع الرغبات السياسية لصانع القرار؛ وهو ما يشير إلى عدم حدوث تغيرات جوهرية لديها في المرحلة التي تلت الانتفاضات العربية.
Abstract
Abstract: This paper examines the evolving relationship between political decision-makers and intelligence services in the Arab world, historically regarded as tools of authoritarian control. Focusing on the post–Arab Spring period, it assesses whether democratic norms and principles of security sector governance have influenced this dynamic. Analyzing cases from Morocco, Egypt, Tunisia, and Algeria, the study reveals that intelligence agencies remain largely politicized, lacking independence, impartiality, and effective institutional oversight. These conditions hinder meaningful reform and perpetuate a model in which intelligence services serve the interests of ruling elites rather than democratic accountability. Despite the promises of transformation following the uprisings, the findings indicate that structural and behavioral changes within intelligence institutions have been minimal. As a result, intelligence governance in the region continues to reflect authoritarian legacies, with limited progress toward aligning with democratic standards and best practices.
- الاستخبارات
- تسييس الاستخبارات
- الحوكمة الأمنية
- العلاقات بين السلطة والاستخبارات
- صناع القرار
- السيطرة والتحكم
- التكامل الوظيفي
- العالم العربي
- Intelligence
- Politicization of Intelligence
- Security Governance
- Authority - Intelligence Relations
- Decision Makers
- Control and Domination
- Functional Integration
- Arab World
مقدمة
لا ريب في أنّ الاعتبارات الأمنية بمختلف أبعادها ومستوياتها، الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، هي بالنسبة إلى الدولة الحديثة من أكثر القضايا أهمية وحساسية، وعلى أساسها تسعى الحكومات جاهدة لتعزيز دور منظومات أجهزتها ومصالحها الأمنية وفاعليتها بما فيها قوّاتها العسكرية. ولأن النشاط الاستخباري أضحى من أبرز المهّما ت الأمنية وأهمّها، بدايةً من تطوّره قديمًا إلى انتظامه في مؤسسات رسمية شرعية الوجود في الدولة1، فإنه غالبًا ما يتموقع في صلب المحددات المختلفة التي تشكّل مفهوم الأمن الوطني لكيان الدولة ومصالحها الحيوية داخليّا وخارجيّا، سياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا وعسكريّا. وتستفيد أجهزة الاستخبارات، عادةً، من أكثر كفاءات المجتمع وأفضلها، وتحظى بوسائل وأساليب عمل خاصة ومتميزة، وغالبًا ما تؤدي مهّما تها في إطارٍ من السرية والخصوصية؛ وهذا ما يجعلها مؤسسات خاصة تطبعها القتامة، متوسّلةً بأساليب يحيق بها ارتياب عام في مدى مشروعية أنشطتها وأخلاقياتها2. وذلك لأنه يسهل عليها عملًّيًا التصرّف بمنأى عن أيّ سيطرة، وفي الآن نفسه يصعب إخضاعها لرقابة مؤسسية وفاعلة؛ خشية التأثير في فاعلية أدائها أو المساس بمتطلباتها السرية الضرورية. توجد أجهزة الاستخبارات مع غيرها من أجهزة الأمن والدفاع أو مندمجة معها3 ضمن المنظومة المركزية للحكم في الدولة عادةً، وهي ترتبط، على نحوٍ مباشر، بأعلى مستويات صناعة القرار من الحكّام؛ باعتبارها الممِّوِن الرئيس للمقرّرين بالمعطيات الخاصة بتقييم التهديدات والمخاطر والأوضاع وبالمعلومات الاستخبارية وبالتقديرات السياسية. وتؤدي هذه الأجهزة دورًا مهّمًا في توزيع الموارد والإمكانات المخصصة لمواجهة التهديدات وتحقيق المصالح ذات الأولوية، على النحو الفعّال والمتناسب. لذلك، فإن مسألة العلاقة بين الاستخبارات وصنّاع القرار السياسي، باعتبار تميّز النشاط الاستخباري وخصوصيته، تثير إشكاليات عديدة، تتّصل بحدود تلك العلاقة وبالطرف المسيطر فيها والأدوار، وبمدى كفاءتها وجدارتها قانونيّا وسلوكيّا وأخلاقيّا، وبطبيعة القواعد والنظم التي من شأنها خلق علاقة ناجحة بين الطرفين تستجيب للمعايير الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، على الرغم من أنّ هذا الجانب الأخير يثير مشكلات حتى في النظم الديمقراطية ذاتها. أمّا في البلدان العربية (غير الديمقراطية أو التي تشهد محاولات انتقال ديمقراطي)، فللمسألة روابط كثيرة، تتعلق بطبيعة النظام السياسي وجوهر الحكم وأنماط توجهاته وروابطه بالمواطنين، وبمدى حضور الفصل المؤسساتي في دواليبه، وطبيعة صنّاع القرار الرئيسين في الدولة ومرجعياتهم المختلفة، وبفرضية كون الاستخبارات أجهزة فنية يجب أن تكون في خدمة صانع القرار. وتتعلق بالأخص بمعضلة "التسيس" و"التسييس" التي قد تقع فيها الاستخبارات، لتضْحي هنا مصالح منحرفة عن مهّما تها وأهدافها المفترضة، متوغّلةً في قضايا سياسية.
تسعى هذه الدراسة، استنادًا إلى ما سبق، لتقديم إطار تشخيصي للعلاقة بين الاستخبارات وصنّاع القرار من السياسيين والحكّام في العالم العربي، محاوِلةً التوصّل إلى فهم أفضل لها، وذلك من خلال استعراض بعض النمذج التطبيقية، ومحاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: إلى أيّ حدّ تستجيب العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي للشروط والمحددات الملائمة للنواظم الديمقراطية والممرسات الفضلى ذات الصلة؟ وما الذي يطبع هذه العلاقة بعد ما عُرف بالربيع العربي خاصةً، بحيث يمكن البحث في سبل الارتقاء بأدائها ديمقراطيّا؟ ومع أنه قد لا يجوز الجزم دائمًا بأن المعايير الديمقراطية يمكنها أن تقدّم النموذج الأمثل، فإن قيامها على أساس سيادة القانون وفصل السلطات واحترام حقوق الإنسان - علاوة على وجود تراكم أكاديمي مهمّ في الموضوع - ينشئ افتراضًا مبدئيّا بأهلية تلك النواظم والمعايير وأفضليتها من مناحٍ مؤسساتية وعملية كثيرة ومهمّة. وتقوم الدراسة على محورَين رئيَسيَن؛ يتعلق أولهم بتحليل البعد الشكلي لعلاقة الاستخبارات بصنّاع القرار ومعالمها العامّة في العالم العربي، في حين يتعلق ثانيهم، إلى حدّ ما، بجانب من البعد العملي، وصولًا إلى أهم متطلبات الحوكمة الأمنية، من أجل تجويد علاقة الاستخبارات بصنّاع القرار ودمقرطتها. وتعتمد الدراسة في معالجتها أسلوب الدراسة الوصفية - التحليلية لوضعية علاقة الاستخبارات بصنّاع القرار في أمثلة وأنماط علائقية ووقائع بارزة في المنطقة العربية، قد يستدعيها السياق المطروق، مع محاولة رصد بعض المظاهر ذات الصلة بحالات كل من المغرب وتونس والجزائر ومصر. في الواقع، توجد تفاوتات وخصوصيات تطبع مختلف النظم العربية في مناسيب الدمقرطة وفي طبيعة السلطة السياسية، وهي منعكسة على نظم الاستخبارات وعلاقاتها بالحكّام. وقد جرى الاعتمد في هذا الاختيار على واقع أنّ هذه الدول عرفت، أو تعرف، مسارات للدمقرطة وتعددية حزبية وهوامش معيّنة من ممرسة الحريات العامّة وحرية الإعلام في فترة زمنية ما؛ وهو ما قد يجعل مواضيع الحكامة الأمنية تُطرح فيها أكثر. ويحضر هنا اعتبار التقارب الجغرافي لتلك الدول في الجناح الغربي من المنطقة العربية، علاوةً على اعتبارات تتّصل ببعض التباين بينها من حيث آثار ثورات الربيع العربي في كل منها، واختلاف نظمها السياسية وطبيعة نخبها الحاكمة؛ وهي عوامل ذات أثر في العلاقة المدروسة.
أولًا: يف شكل العلاقة بين الاستخبارات وصنّاع القرار
ترتكز فكرة أجهزة الاستخبارات على وجود هياكل مؤسسية في الدولة شرعية الوجود، مرتبطة عادةً بجهازها التنفيذي أو الحكومي ارتباطات مختلفة، ومهمّتها الأساسية هي جمع المعلومات ومعالجتها لتكون مرجعية صلبة لصانع القرار من أجل انتهاج السلوك أو التصرّف السياسي4. وتكون الاستخبارات كذلك، وفي أحيان كثيرة، منفّذة القرار أيضًا أو متّخذة قرارات تكون ملائمة لنهج النظام السياسي العام، ومؤَّطَرة بالصلاحيات الممنوحة لها قانونًا أو بموجب التوجيهات المعطاة لها. وفي العالم العربي، تشترك أجهزة الاستخبارات في عدد من الخصائص الراجعة أساسًا إلى ضعف العامل الديمقراطي.
1 ي. البعدان الفني والسياس في علاقة الاستخبارات بصنّاع القرار
تتجّلى العلاقة بين الاستخبارات والسياسيين من صنّاع القرار، في شكلها الأّولّي، في روابط تجمع أحيانًا بين المستوى المختص برسم السياسات واتخاذ القرارات كرئيس الدولة والحكومة والبررلمان من جهةٍ، وفي أجهزةٍ ذات طابع فنّي يُفترض أن تعمل بموضوعية وتجرّد من جهة أخرى، وهي تختصّ عادة بجمع المعلومات والمعطيات وتحليلها وإنتاج "المعلومات الاستخبارية"، وتزويد القادة السياسيين بها من أجل إطلاعهم على حقائق الأوضاع والمشكلات القائمة، وتزويدهم بالتقديرات وحتى بخيارات التقرير الممكنة، علاوة على تنفيذ قرارات محددة مثل تنفيذ عمليات سرّية وخاصة، كثيرًا ما تثير شكوكًا في مشروعيتها وأخلاقيتها. في الأدبيات ذات العلاقة، يُطلق على ما تبلوره الاستخبارات من معلومات، وتقديرات استخبارية وتدابير قد تقوم بتنفيذها، تعبير "المنتج الاستخباراتي" Outputs Intelligence Production, Intelligence، أمّا صنّاع القرار Intelligence Consumers, Intelligence Clients "من "مستهلكي" ذلك الإنتاج فيطلق عليهم "الزبائن الذين يعّبورن عن "احتياجاتهم أو مطالبهم الاستخبارية" Requirements Intelligence. وهم يتدرجون من صانع القرار الرئيس في الدولة إلى رؤساء الحكومات والوزارات المختلفة ومديري المؤسسات الاستراتيجية في الدولة وقادتها، وصولًا إلى المقاولات الخاصة المهمّة لاقتصاد الدولة ومصالحها التجارية والاقتصادية الحيوية5. بيد أنّ العلاقة المباشرة المؤطرة قانونيًا تكمن في تلك القائمة بين أجهزة الاستخبارات، ومن تقع تحت حكمهم ممن تتبعهم مؤسساتيًا، لتكون تحت تصرّفهم من القادة السياسيين الرئيسين في الدولة. وفي إسقاطٍ غير مخٍّلٍ بالعلاقات المدنية - العسكرية على حالة الاستخبارات، يمكن تصوّر العلاقة هنا على أنها "يدان على سيف واحد"6؛ تمثّل اليدان كّلًا من السياسي أو صانع القرار؛ أي السلطة السياسية المدنية من جهة، وأجهزة الاستخبارات وغيرها من المؤسسات الأمنية من جهة أخرى، أمّا السيف فيمثّل الدولة وقوّتها الكامنة. وتحدد اليد المدنية: متى يُشهر السيف؟ وكيف؟ أمّا اليد الأخرى، فدورها هو إبقاء السيف حادّا، بأن تعمل الاستخبارات باستدامة على تطوير قدراتها وكفاءتها المهنية حتى تكون مستعدة د ائمًا لتلبية احتياجات الدولة في الحفاظ على أمنها وتحقيق مصالحها7، وذلك وفقًا للمنظورات السياسية للسلطة المدنية. من الناحية النظرية، يُتصوّر أنّ المنتج الاستخباري يعّبر عن استجابة ل "طلبات" صنّاع القرار، كأن تقدّم تقارير تفصيلية عن تطوّر أزمة ما وتقدير انعكاساتها على الأمن الوطني أو الاقتصاد أو على مناسيب الاستقرار في المحيط الإقليمي، أو اقتراح خيارات سياسية للتصرّف، أو وضع تقديرات لموقف دولي معّين وتوقّع تحّولّاته وانعكاساته، أو حتى طلب تدخّل الاستخبارات في إطار عملية خاصة في إقليم الدولة أو خارجها. ولا يعني ذلك بالطبع أنّ الاستخبارات تبقى في مهّما تها رهينة انتظار طلبات القادة، بل هي في نشاط غير منقطع زمنيّا قد يشمل مناطق العالم كلّها، من أجل أن تكون جاهزة لإجابة طلبات الزبائن في الوقت المناسب، وتقديم مختلف أنواع المعطيات من مصادرها المفتوحة والمغلقة والاستعلام التقني8. ولتكون أيضًا مستعدة لوضع
التقديرات، لا سيم في أوقات الأزمات والحالات الطارئة، وما قد تتطلبه من توفير إنذار استخباري9. أمّا علاقة تلك المنظومة بالإطار السياسي "المدني" في الدولة من صنّاع القرار الرئيسين (رئيس الدولة، والحكومة)، فإنّ طبيعتها وامتداداتها تتأثر بعدد من العوامل المعقدة، ذات البعد القانوني والمؤسساتي والسلوكي البالغة التشابك، على نحو مثير لعدة إشكاليات حتى في النظم الديمقراطية الليبررالية10:
أ. طبيعة النظام السيايس
النظام السياسي هو محدّد رئيس في إضفاء البعد المؤسساتي على تلك العلاقة؛ أي وجود الفصل المؤسساتي والوظيفي الفعلي أو انعدامه، بحيث تتمكن الاستخبارات من العمل بقدر مهمّ من التجرّد والموضوعية، ومن دون أن تتورّط في التدخّل في شؤون السياسيين أو التأثير فيها. ففي النظم الديمقراطية، ترسم المقتضيات الدستورية والنظم القانونية حدودًا واضحة لصلاحيات المؤسسات الرسمية بمختلف أصنافها واختصاصاتها، ويساهم الاستقرار السياسي والاقتصادي، عمومًا، في تجسيد فصلٍ مؤسساتي مقبول تحترمه الأطراف كلّها ضمن حكم القانون، بحيث تعمل الاستخبارات لمصلحة الدولة والمجتمع وليس لخدمة النظام السياسي أو "شخص" الحاكم. وهذا لا يتوافر عادة في كثير من دول العالم الثالث والدول العربية، حيث تتلاشى الفواصل بين الحكّام والأجهزة الأمنية، لتكون الأخيرة معبّأة لتحقيق أهداف "الأمن السياسي" للنظام بالدرجة الأولى. ولا يختلف الوضع هنا بين أن تكون مطيعة جيّدة لرغبات صانع القرار وطلباته، وأن تكون مجسّدة لمركز السلطة في النظام، تمتلك فيه اليد الطولى متمهية هي ذاتها، كلًّيًا، مع طابع الحكم ومسيطرة عليه. وللمسألة بالضرورة ارتباط بمدى وجود الفصل بين السلطات في الدولة، على نحوٍ يوفّر وجود اعتبار لدور البررلمان والقضاء في مراقبة أعمل الحكومة وقراراتها، شاملةً الشأن الأمني وتكريس سيادة القانون في إطار استقلالية مختلف السلطات وتبادل التأثير فيم بينها، مع التكريس المفترض للحريات العامّة ولأدوار الإعلام والمجتمع المدني، بما يمكّن من لجم ممرسات الاستخبارات وسياسات الحكّام وقراراتهم وإيقافها عند حدود معيّنة. وفي النظم العربية، التي غالبًا ما تُصنّف على أنها سلطوية، فإن علاقة الاستخبارات بالمقرّرين تواجه أوضاعًا تؤدي غالبًا إلى توجيه المنتج الاستخباري توجيهًا سياسيّا. في حقيقة الأمر، ومن حيث العلاقة بالشأن السياسي، لا توجد ضمنات واضحة لإرساء حدود فاصلة بين الاستخبارات والسياسة ومقدار ما يصبغ تلك الأجهزة من تجرّد وموضوعية، حتى في أكثر الدول ديمقراطية. فإذا كانت العلاقات الشكلية والهيكلية مهمّة، فإن العلاقات غير الشكلية أو السلوكية تبقى ذات تأثير حاسم. فالارتباط بين الأشخاص ذوي العلاقة، من حكّامٍ ورجالِ استخبارات، يتصف بكثير من التعقيد؛ إنه يتعلق بشخصياتهم ومستوياتهم العلمية والفكرية ومرجعياتهم ومستوى العلاقات الشخصية بينهم. فالحياد
الكامل في السياسة، أو الاستقلالية المطلقة للأجهزة، قد لا يكونان ممكَنيَن على أرض الواقع. وحتى إن حرصت الاستخبارات على أن تنأى بنفسها عن أيّ مؤثرات سياسية، فسيصعب عليها التزام الحياد الكامل تجاهها. وقد يوجد بعض الخطورة في أن يؤدّي التزام الحياد الكامل إلى الانتقال من عدم الاكتراث بالسياسة إلى عدم الاكتراث بالمعلومات. لذلك، يجب أن تكون إدارات الاستخبارات واعية بهذه الصعوبة، بحيث تكون مهتمّة بالسياسة مع محاولة عدم التدخل فيها وعدم تأثّر العاملين فيها بوجهات نظر سياسية في إخراج المعلومات ووضع التقديرات إلا في الحدود الضرورية11، أو عندما توجد حاجة ملحّة إلى ذلك على نحو متوافق مع الأهداف والسياسات الوطنية12.
ب. بيئة القرار وخلفياته
تخضع صناعة القرار لمجموعة كبيرة من المؤثرات النابعة من المحيطَين الداخلي والخارجي للنظام. فصانع القرار رهين خلفياته السياسية والنفسية13، ثم إنه لا يمكنه أن يتجاهل عوامل من قبيل القيم الاجتمعية السائدة، ومواقف القوى السياسية وجمعات المصالح والرأي العام، وتوجّهات السياسة العامّة للدولة، وطبيعة المصالح الوطنية، والوضع الإقليمي والدولي، وطبيعة المشكلة التي تستلزم اتخاذ قرار: أهي سياسية، أم اقتصادية، أم عسكرية... إلخ؟ أهي طارئة، أم مفاجئة، أم خطيرة؟ ثم إنّ القرار نفسه هو نتيجة عملية يساهم فيها أشخاص آخرون كثيرون، وهم يتركون بصمتهم في القرار. تؤثّر كل تلك العوامل وغيرها كثيرًا في عملية اتخاذ القرار، مشِّكِلةً ما يُعرف ببيئة القرار؛ أي الوضعية الداخلية والخارجية التي يتّخذ القرار في نطاقها14. وتمثّل هذه البيئة ع نصرًا ذا أهمية بالغة في تشكيل خصائص علاقة الاستخبارات بالإطار السياسي؛ فروابط صنّاع القرار بمختلف هياكل السلطة ومؤسساتها، ونظرتهم الخاصة إلى المصلحة العامّة وسبل تحقيقها، خاضعة بالضرورة لعدة معايير وقواعد موضوعية15. وكثيرًا ما تؤثّر هذه الأمور سلبيّا في العلاقة بين صنّاع القرار والاستخبارات. من ذلك، مثل، ا أّلا يلقي السياسي ب لًا لتقديرات الاستخبارات، أو أن يعمل على تحديد مضامين تلك التقديرات، أو أن يطلب إليها تنفيذ مهّما ت غير مشروعة، أو أن يكون رهين توجيهاتها لقراره توجيهًا سياسيًا، أو أن تعمل على إخفاء الحقائق عنه، أو حتى أن تتسبب في قرار خاطئ أو كارثي نتيجة تقديرات خاطئة قد تنتج من محدودية الكفاءة16.
تقتضي القاعدة العامّة أن تحدد السلطات الحاكمة، أو صنّاع القرار السياسي، أولويات الأجهزة الأمنية وأهدافها، كم أنها هي التي تتبنى الموافقة على العمليات أو الأفعال المتصلة بتحقيق تلك الأهداف أو ترفضها17. معنى ذلك أنّ القرار الأمني في مضمونه الأعمّ يبقى من اختصاص السياسي، بينم تنتقل عملية اتخاذ قرارات تنفيذية فرعية إلى مستوى قيادات الأجهزة الأمنية، هذا إن لم تكن الأخيرة متحكّمة فعلًا في موقع صانع القرار الرئيس في الدولة، كم هو شأن النظم العسكرية أو التوتاليتارية الأمنية. إضافة إلى ذلك، يكون لبيئة صانع القرار مم يتّصل بخلفيته المهنية والثقافية تداعيات حاسمة في علاقاته بالجهاز الأمني - العسكري شاملًا الاستخبارات. فعلى سبيل المثال، يكون صانع القرار القادم من المجال العسكري أو الأمني أكثر ميلًا عادةً إلى الاعتمد على الاستخبارات في تشكيل خياراته السياسية وقراراته18، كم يلجأ إليها للتشاور وحتى في تنفيذ بعض مناحي توجهاته أو في أنشطته الدبلوماسية19؛ وهذا ما قد يجعلها تستشعر أهمية تأثيرها، ويدفعها إلى أن تجنح إلى السيطرة على القرار. أمّا صانع القرار القادم من البيئة المدنية، فقد يكون أقل ميلًا من سابقه في الاعتمد عليه، بل قد يكون ذا توجّس من الاستخبارات والهيئات الأمنية والعسكرية الأخرى؛ ما قد يدفعه أحيانًا إلى محاولة إضعافها من خلال الزيادة في تفريعاتها وتنويع تبعياتها المؤسساتية، وهذا قد يؤدّي إلى خلق مناخ تنافسي بينها وبين مديريها الذين قد يطمحون إلى تحقيق مكاسب سياسية أو تنويه القائد بجهودهم "المتميزة"، وهو وضعٌ كثير الشيوع في النظم العربية.
ج. العامل الأخلاقي
للعامل الأخلاقي حضور ذو أثر بالغ في ترسيم أسس العلاقة بين صنّاع القرار والاستخبارات، وهو جانب عام يُطرح في النظم السياسية كلّها، سواء أكانت ديمقراطية أم سلطوية. في النظم الديمقراطية، تُطرح المسألة الأخلاقية من خلال سلوك كل طرف تجاه الآخر، من حيث الالتزام بالقانون وتمثّل العناصر الأخلاقية بمختلف تعقيداتها إضافة إلى أخلاقيات العمل الأمني والاستخباراتي20. وفي النظم التي تغيب فيها الحدود الواضحة بين السلطات العامّة في الدولة، أو تضمحّل فيها الفوارق بين "السياسي" والأمني، يكون من الصعب إثارة المسألة الأخلاقية استنادًا إلى علاقة مفترضة بين الأمني والسياسي بسبب التداخل، فيصبح الموضوع متصلًا على نحوٍ شبه مباشر بأخلاقيات النظام السياسي وطبيعة سلوكيات عناصره الوظيفية. بيد أنه يمكن طرح المسألة
في جميع الأحوال، باعتمد الفصل الوظيفي المفترض بين السلطة السياسية المدنية الحاكمة والأجهزة التي تؤدي وظائف أمنية وعسكرية شاملة الاستخبارات. إن المسألة الأخلاقية تتّصل، في واقع الأمر، بطرَفي العلاقة معًا. فمن ناحية، قد يدفع السياسي الاستخبارات إلى أن تحقّق له مصالح سياسية؛ كأن يطلب منها تزويده بمعلومات استخبارية محدّدة المضمون سلفًا، أو يطلب منها تنفيذ تدابير غير قانونية بطريقة سرية، من قبيل التأثير في مجموعات بعينها أو احتواء قوى سياسية معارضة مثل.ا ومن ناحية أخرى، ترفع مسألة "قول الحقيقة للسلطة" القضية الأخلاقية إلى مستوى سياسات العمل الاستخباري؛ فبعد أن يجري تجميع المعلومات الاستخبارية وتحليلها ووضع تقييمت وتقديرات واضحة للموقف، ستتمثل إحدى القضايا الأساسية في افتراض هو: أيحسن إخبار القيادة السياسية بالحقيقة، أو بنصف الحقيقة، أو ب "الحقيقة" المضللة، أو بأي شيء يبرّر التوجهات "السياسية" للاستخبارات، أو يبرّر سياسات صانع القرار المحدّدة سلفًا ورغباته الخاصة؟21 وفي حال افتراض توخّي الحقيقة في التحليلات والتقديرات الأمنية، باعتبار ضرورة أن تتقيد تلك التقديرات بأخلاقيات الصدق المهنية، فإن طريقة تصرّف صانع القرار إزاءها تبقى على المحكّ، فيكون إطاره هنا هو "خطاب القوّة والسلطة إلى الحقيقة"، في حين يكون سلوك الأجهزة في سياق "خطاب الحقيقة إلى السلطة"22. وفي هذه المعادلة، تكمن مشكلات أخلاقية وقيمية على درجة عالية من الأهمية والتأثير. قد يكون كلّ من حضور الساسة ودورهم الأخلاقي في التوجيه الجيّد للاستخبارات، أو انعدامه، كفيلًا بأنْ يؤثّر، بناءً على الأثر المباشر في حالتَي حضورهم أو انعدامه، في أخلاقيات الأجهزة خلال سعيها لتنفيذ مهّما تها وواجباتها التي أفردها لها القانون. وبالقدر الذي تكون فيه تلك الأجهزة الاستخباراتية متأثرة بالفعل بتوجّهات السلطة العامّة وبأشخاص صنّاع القرار، يكون أداؤها مستجيبًا للمحددات الأخلاقية أو غير مستجيب لها. بيد أنّ ذلك لا ينفي عنها ذاتها المسؤولية الأخلاقية في بعض مساحات علاقاتها بصنّاع القرار؛ فكم يمكنها أن تأتي على أشكال متنوّعة من التصرّفات اللاأخلاقية نتيجة لما تمتلكه من وسائل متميزة وإمكانات في العمل، يمكنها أن تمثّل ع نصرًا ضاغطًا على هؤلاء أو حتى مستشارًا سيّئًا لهم.
2 ي. معالم العلاقة بين الاستخبارات والسياس في العالم العربي
في الدول العربية التي توصف عادة بكونها سلطوية، أو على أقصى تقدير تسودها بعض المظاهر الديمقراطية، مثل وجود انتخابات أو مسارات انتقالٍ ديمقراطي في ظل مساحات معيّنة من حرية التعبير والتعاقب على السلطة، تؤدي الاستخبارات أدوارًا سياسية قد تتّسع أو تضيق بحسب الحالات، لكنها تكون في الغالب أدوارًا مهمّة بسبب منحها صلاحيات واسعة للتصرّف وفقًا لمنطق حمية النظام السياسي والتأثير في "المعارضة السياسية" داخليًا وخارجيًا إن كان لها وجود. وقد سلطت أحداث ما سُمّي الربيع العربي، وما لحقها، الضوء على المكانة الأمنية التي تحتلها الاستخبارات، وعلى المكانة السياسية والاجتمعية التي تشكّلها في تلك الدول أيضًا. ومهم كان موقع هذه الأجهزة في الدولة
العربية أو مدى قوتها وسيطرتها السياسية، فهي مع خلفيات علاقاتها بصنّاع القرار وعمقها تشترك في عدة أمور تتعلق أساسًا بطبيعة المهّما ت والأساليب المستخدمة. تشمل مهّما ت الاستخبارات الرئيسة ضمن استدامة النظام في مواجهة الخطر الداخلي باعتمد المراقبة والسيطرة على المجتمعات والسكان والخطر الخارجي، من خلال مراقبة الجاليات في الدول الأجنبية ونشاط المعارضين الموجودين في الخارج، والعمل خارجيّا على تعزيز سمعة الدولة بدعم أهداف أممية، أو عالمية، ح (الة ليبيا في عهد معمر القذافي (2011-1969) والعراق في عهد صدام حسين (2003-1979) وبعض دول الخليج)، وأخيرًا دعم طموحات سياسية إقليمية تشكّل في الغالب أهم رهانات السياسة الخارجية للدولة، وهي تطمح من خلالها إلى تكريس نوع من الزعامة تحت شعارات العروبة والإسلام والوحدة الأفريقية وقضاياها المشتركة. ومن مظاهر ذلك دعم الجزائر للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "البوليساريو"، وتدبير المسألة الكردية من لدن الأطراف ذوي العلاقة، وتقديم المساعدة الأمنية للدول الجارة الحليفة. وتكون الاستخبارات في هذه الحالات فاعلًا أساسيًا لمصلحة النظام وصنّاع القرار فيه. أمّا وسائل عمل الاستخبارات، التي تنتج عمليّا من "ترك الحبل على الغارب" لها في التصرّف بحكم الأسس المرسومة، ولو ضمنيّا، بسبب طبيعة علاقتها بالحاكم، فتتلخص في الزبائنية والمحسوبية الناجمتين عن أنّ عامة المجتمعات العربية تظلّ مجتمعات تقليدية يسودها كثيرًا الفساد الإداري، لتكون "الخدمات المقدمة" طريقةً ووسيلة في ممرسة السلطة23. إضافةً إلى ذلك، يشكّل استخدام العنف أسلوبًا شائعًا مع حرية التصرّف؛ فيفضي إلى انحرافات قانونية وأخلاقية قد تحرج صانع القرار في أحايين كثيرة، لكن ممرسة مستوى معّين من العنف هو جزء من تصوّر "فاعلية القوّة"؛ ومن ثمّ، فهو يمثّل أسلوب عمل وليس مجرّد انحراف لمستويات ثانوية تفتقر إلى الكفاءة في الاستخبارات. ثمّ إنّ تأثير استخدام العنف بمظاهر مختلفة سرعان ما ظهرت أهميته في سياق محاربة الإرهاب التي مثّلت بالنسبة إلى بعض الدول العربية مرًا لمواجهة المظاهر "المزعجة" داخليّا والجمعات المتطرّفة، ولتحقيق إشعاع عالمي بوصفه قيمة قد تجليها مناسيب تعاونها وفاعليتها الاستخبارية دوليّا. وتعمل الاستخبارات العربية، بدرجات متفاوتة، في غياب رقابةٍ فعلية عليها، وإفلاتٍ شبه مطلق من العقاب تؤطره حصانة موضوعية تفرضها هي ذاتها، سواء من خلال ارتباطها الوثيق بالقادة السياسيين وتماهيها مع النظام، أو من خلال سيطرتها الفعلية على السلطة السياسية أو جوانب منها24، بحيث تكون في الحالتين "معفاة" من الخضوع للقانون. وتتّخذ مصالح الاستخبارات في الدول العربية على العموم موقعًا مركزيًا في السلطة السياسية. وتتمتع هذه الأجهزة بهوامش واسعة للحركة والتصرّف وباستقلالية كبيرة. وبقدر ما يكون النظام السياسي القائم عربيًا مفتقدًا للشعبية أو للشرعية، تكون أجهزة الاستخبارات "قوية" بمعنى التمتّع بحرية التصرّف في إطار حمية النظام السياسي أو المجموعة الحاكمة، وتعويض النقص في الشرعية وفاعلية الأداء في مجالات السياسة الاقتصادية والاجتمعية والتنموية. وتتحوّل المصالح، والحالة هذه، إلى التركيز على المهمّة الأمنية أكثر من الوظيفة الاستخباراتية التي تتمثّل في تجميع المعطيات وتحليلها وتفسيرها وتقديم بدائل وخيارات
التقرير للسياسيين، وتضحي فاعلة ومنفّذة لتدابير الأمن التي تمتدّ في الغالب إلى استخدام القوّة والعنف والضبط والاعتقال... إلخ. إضافةً إلى ذلك، تؤدّي الاستخبارات في الدول العربية دورًا دبلوماسيًا قد يتجاوز الدور الذي تقوم به مثيلاتها في الدول الديمقراطية، انطلاقًا من هيمنتها على الشأن الأمني وقلة ثقتها بالدبلوماسيين25؛ فيؤدي ذلك في أحيان كثيرة إلى أن يكون لها تعيين كبار المسؤولين الدبلوماسيين، كم هو الشأن في مناصب مدنية أخرى كثيرة. وحيث تشكّل القيم التنظيمية والفردية السائدة في العادة داخل هياكل الأمن والاستخبارات موِّجِهًا رئيسًا لسلوكياتها، فإنه يمكن تفسير تصرّفات الاستخبارات العربية وانحرافات قياداتها ومسؤوليها في تلك العلاقة أحيانًا بالثقافة الخاصة السائدة لديها، وهي تنطوي على خصائص من شأنها أن تعزّز سوء السلوك، ومن ذلك الولاء الداخلي وطبيعته، والتستر بجدار الصمت ومسلك التحفظ الذي جُبل عليه العاملون فيها، علاوةً على عقلية "التكوين الخاص" لضباطها ومستخدميها ومسؤوليها، وهو يختلف عن سواه مم لدى السياسيين أو الإعلاميين وغيرهم26. ويقود ذلك العاملين والقيادات الاستخباراتية كثيرًا إلى مجافاة القواعد والحدود التي يُفترض احترامها؛ فهم يفهمون أنفسهم على أنهم عاملون معنويّون أسمى من القواعد العادية المتعلقة بالسلوك السياسي والاجتمعي، وأكثر اطّلاعًا وفهمًا من السياسيين، لتصبح الغايات الأمنية، بطبيعتها المهمّة والحساسة، مِبّرِرةً للوسائل والأساليب المستخدمة27. ويصنّف لوك باتينغ وآنييس لوفالوا أجهزة الاستخبارات في الدول العربية، من حيث علاقتها بالسلطة السياسية والقرار، إلى ثلاثة أنواع رئيسة28، مع وجود بعض الاختلاف الناتج من التباينات السياسية والتاريخية الموجودة في الدول ضمن الصنف نفسه؛ إذ تمثّل أجهزة الاستخبارات في النوع الأول من الدول العربية "أداة بيد السلطة"، ويكون النوع الثاني متمركزًا داخل السلطة، في حين يكون النوع الثالث مركز السلطة ذاتها وجوهر السلطة السياسية. في النوع الأول، تكون الأجهزة خاضعة للسياسي وتأتمر بأوامره وتوجيهاته وتلبّي "الاحتياجات الاستخبارية"، وفقًا لما يتطلّبه الأمن السياسي للنظام إلى جانب المتطلبات الأمنية الأخرى. ومن ثمّ، يجري إقحام الاستخبارات في الشأن السياسي لتؤدي مهّما ت وأدوارًا سياسية كم سلف بيانه، مع السعي لتحقيق أهداف النظام القائم السياسية؛ فتفتقد بذلك، إلى حدّ ما، الاستقلالية المؤسساتية والعمل باعتبارها أجهزة تكنوقراطية. وتندرج ضمن هذا التصنيف النظم الملكية العربية من دول الخليج العربية، إضافة إلى الأردن والمغرب، وذلك لأن الملكيات تحظى بنصيب مقبول من الشرعية لدى مجتمعات تلك الدول، وتكون الاستخبارات خاضعة للإشراف السياسي ولقيود معيّنة في التصرّف، كم أنها لا تتمتّع بإفلات مطلق من العقاب. أمّا في الاستخبارات المتمركزة داخل السلطة، فتكون الأجهزة ممتلكة لجانب من السلطة، أو جزء منها، في إطار النظام السياسي، وذلك نتيجة لحرية التصرّف التي تتمتع بها في إطار التوجهات العامّة لسياسة النظام
وقادته السياسيين، وهو ما يعني أن توجّه السلطة السياسي العام يمثّل إجملًا إطارًا توجيهيّا عامّا لما يمكنها القيام به، بحيث يمكنها اتخاذ قرارات وتنفيذ مهّما ت وعمليات من دون أن تشكّل تلك السلوكيات استجابات لتوجيهات أو مطالب خاصة لصنّاع القرار، فيم يمثّل تركًا ل "الحبل على الغارب" لها لتفعل ما تريده ضمن المرجعية العامّة المشِّكِلة لمنظور "القائد أو الزعيم". ولتفادي "تغوّل" هذه الأجهزة، يلجأ صانع القرار الرئيس في الدولة إلى آلية تعدّد الأجهزة الاستخبارية وإدخالها في أمرٍ يشبه المنافسة بينها، وعدم ترك فرصة لأحدها في أن يكون "الأهم" خلال فترة قد تطول، بحيث يبقى "القائد" السياسي متحكّمًا رئيسًا في اللعبة، على الرغم من هوامش الفعل الواسعة الممنوحة للاستخبارات. ويدخل ضمن هذا النوع من التصنيف سورية في عهد حافظ وبشار الأسد (2024-1970)، وليبيا في عهد القذافي، والعراق في عهد صدام حسين، واليمن إبّان حكم على عبد الله صالح (2011-1978)، والسودان في أثناء حكم عمر البشير (2019-1989)، وتونس قبل ثورة عام 2011، ومصر وموريتانيا في معظم الفترات. وفي نمط الاستخبارات، بصفتها مراكز للسلطة، تحلّ هذه الأجهزة في موقع صاحب القرار السياسي وإن بصفة غير مباشرة، لتكون بمعية القيادات العسكرية المتحكّم الفعلي في القرار الاستراتيجي، وفي القرار السياسي الروتيني، في أغلب الأحيان. وتكون علاقتها بالقيادة المدنية للدولة علاقة تحكّم وسيطرة شبه مطلقة. وتدخل الاستخبارات، في هذه الحالة، في الحقل السياسي على نحوٍ طاغٍ، وترسم خيوط اللعبة السياسية الداخلية، وفي الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني والاقتصاد وغير ذلك، في إطارٍ لامحدود من حرية التصرّف والإفلات من العقاب. وينطبق هذا الوضع خاصةً على الحالة الجزائرية29، وإلى حد ما، على حالة سورية في عهد الأسد، مع فارق أن رئيس الدولة (قبل سقوط النظام البعثي في أواخر عام 2024) هو المتحكّم في السلطة في سورية وليس الاستخبارات30. ويمكن إدراج مصر في هذه الفئة؛ نظرًا إلى السيطرة المطلقة للعسكريين على منصب رئيس الدولة منذ ثورة تموز/ يوليو 1952 (باستثناء العام الذي حكم فيه الرئيس محمد مرسي)، إضافة إلى تغلغل الشبكات العسكرية والأمنية في مختلف مستويات إدارات الدولة وفروعها والقطاعات الاقتصادية، وهو ما يجعل حضورها وأدوارها مركزيةً في مستوى صناعة القرار ورسم السياسات الاستراتيجية للدولة31. يجدر بنا ملاحظة أن موقع الاستخبارات في النظم العربية، وطبائع علاقاتها بصنّاع القرار، أدّيا في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرارات استراتيجية كارثية، وذلك لأن إشكال الفشل يمكن أن يحدث في مختلف مراحل العمل الاستخباري واتخاذ القرار؛ في مرحلة تجميع المعطيات وتحليلها، وصولًا إلى تفاعل الاستخبارات مع القادة السياسيين. ويميز الباحثون في مجال الاستخبارات بين فشلها في إمداد صانع القرار بتقديرات غير دقيقة، مغلوطة أو حتى مضلّلة، والفشل السياسي حين يتّخذ صانع القرار قرارًا سيّئًا على الرغم من توفره على تقديرات جيّدة، ويمكن أن تجتمع الحالتان في سياق واحد32. وفي النظم العربية، تسود حالاتٌ يتجاهل فيها
القائد معلومات موضوعية قد توافيه بها الاستخبارات، وفي كثير من الحالات لا يُتجَّرَأ على إخباره بحقيقة الوضع؛ لأن ذلك قد لا يروقه، بحيث يؤدّي الأمر إلى معاقبة مديريها أو مسؤوليها الآخرين33. قد يجوز التساؤل في مثل هذه السياقات، مثل:ا أكان قرار الرئيس العراقي السابق صدام حسين بغزو الكويت، في آب/ أغسطس 1990، نتيجة فشل استخباري أم فشل سياسي؟ يتعلق الأمر بإمكان تصوّر لدور الاستخبارات العراقية في تقديم تقدير موضوعي للوضع السياسي العام، وإن كان في إمكانها بالفعل نُصح الرئيس ب "عدم غزو الكويت لأن ردّ الفعل الدولي يمكن أن يورّط العراق في حرب كبررى هو في غنى عنها". تنطبق مثل هذه الحالات على كثير من القرارات والأوضاع التي آلت إليها المنطقة العربية؛ من حرب حزيران/ يونيو 1967 إلى فشل الاستخبارات في إنذار القادة السياسيين، على الرغم من قوتها ومراقبتها الصارمة للمجتمع، في تونس ومصر وسورية وليبيا واليمن ولاحقًا في الجزائر والسودان، بشأن الأوضاع الاجتمعية والمشهد السياسي العام وتقدير إمكانية حدوث ثورات شعبية عارمة، وصولًا إلى بعض حالات الفشل التي تؤدي إلى إحراج السلطة السياسية، مثل حالة اغتيال الزعيم العالمي المغربي المهدي بن بركة (1965-1920) في مطلع الستينيات من القرن العشرين34، واغتيال الصحافي السعودي جمل خاشقجي (2018-1958) في قنصلية بلاده بإسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر 201835، أو حتى جنوح المنظومة العسكرية والاستخباراتية بالجزائر إلى تبنّي خيارِ ترشيح رئيسٍ معتلّ، وغير قادر عمليّا على إدارة دولة، لخوض الانتخابات الرئاسية والتخطيط لإعادة انتخابه؛ ما أنتج سخطًا عامّا وحراكًا شعبيّا عارمًا36.
ثانيًا: العلاقة المشوهة ومتطلبات الحوكمة
تؤدّي طبيعة الروابط بين الحاكم والرعية فيم يتصل بالتدبير الأمني في الدول العربية، وما تنعكس به على خصائص النظام السياسي عمومًا؛ من حيث إنتاج تلك النخب الاقتصادية والأمنية المتمتعة بالمنافع والامتيازات والعاملة في ظل مناسيب عالية من الفساد وانتشار المحسوبية والزبائنية37... إلخ، دورًا مركزيّا في تحديد طبيعة العلاقة بين مؤسسات الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي، على أنه قد لا يناسب النظر إلى الأمر باعتباره شديد التشابه بين مختلف النظم العربية؛ فلكل منها خصوصياته، كم أن النظم السياسية ذاتها متباينة وتعيش بيئاتها السياسية والجيوسياسية الخاصة، علاوة على أنها متفاوتة في مناسيب الدمقرطة. وفي هذا الجانب، سيجري التطرق، بشيء من الإيجاز الموِّضِح، إلى بعض مظاهر علاقة الاستخبارات بالحكّام، مع محاولة استشفاف أبرز تمظهرات تلك العلاقة، في حالات كل من المغرب والجزائر ومصر وتونس، وصولًا إلى
بعض أهم الشروط اللازمة، من حيث المبدأ، لتأسيس حكامةٍ للاستخبارات في العالم العربي، مستلهمة أساسًا من الممرسات الديمقراطية.
1 ي. الاستخبارات العربية: "تفاوت" في الانغمس ف السياسة
في العالم العربي، كثيرًا ما يصعب تحديد إن كانت تجاوزات الاستخبارات وانحرافاتها ناجمة عن استغلالٍ سيئ لها من "السياسي" أو أنها من صميم فعلها الذاتي ومسؤوليتها؛ مقتنعة موضوعيًا بأن ما تقوم به هو من صميم مهّما تها الأساسية في حمية مصلحة النظام. وحين يكون لبعض أفعالها تداعيات سلبية أو إحراج للنظام نتيجةً لانكشاف الفعل أو العملية، فإن صانع القرار غالبًا ما يميل إلى إلقاء المسؤولية عليها. وتبقى مثل تلك المسائل مظهرًا لانحراف العلاقة بين الجانبين، لعدم الوضوح والدقة في شروط عملها لمصلحة الدولة والمجتمع وضمن متطلبات المسؤولية القانونية والأخلاقية. لكن النمذج التالية تبررز ذلك التفاوت والاختلاف القائم في توصيف الخصائص العامّة لعلاقة الاستخبارات بالإطار السياسي للسلطة.
أ. الاستخبارات المغربية: المهنية الموجهة
انتقل المغرب في مجال العمل الاستخباري، إبّان العقود الثلاثة الأخيرة، إلى وضع أسس أجهزة استخبارات تعمل بوسائل أكثر احترافية، وذلك باستقطاب العديد من الكفاءات وإدماج طرائق العمل المهنية بعيدًا عن الأساليب الموروثة من الاستعمر الفرنسي، والتي كان يتعامل بها أساسًا مع الشعوب المستعمَرة. وكان ذلك التوجّه سببًا لاشتمل المغرب على إحدى أقوى منظومات الاستخبارات ذات المكانة العالمية والأولى عربيًا وأعلاها كفاءة38. وساهمت التعددية البيروقراطية ورفع كفاءة الأداء والتنسيق ومعالجة المعلومات واستخدام الوسائل المتقدمة، فضلًا عن نجاح المكتب المركزي للأبحاث القضائية، في استباق عشرات العمليات الإرهابية وإحباطها في المغرب وأوروبا، وتعزيز الثقة بكفاية النظام الاستخباري على صعيد تحديد أشكال التهديد الكبررى ومواجهتها، وتوجّه نحو تعبيرات مغايرة تنفصل تدريجيًا عن تلك التي كانت سائدة إبّان فترة ما عرف ب "سنوات الجمر والرصاص". وقد يكون من أهم نتائج ذلك حدوث نوع من الاستقرار في حدود ونواظم علاقاتها بالقرار ومتّخذيه في ظلّ ارتباط قوي بالمؤسسة الملكية39. ومع ذلك، بقيت الاستخبارات، مع بعض الاستثناءات، محافظة على طابعها المبالغ في السرية، في أثناء غياب التنويع في تبعياتها المؤسساتية، وخروجها الفعلي عن مجال السيطرة الحكومية، وعن أيّ مراقبة برلمانية جدّية عمليّا. بالتوازي مع كل ذلك، ثمة مؤشرات كثيرة تدلّ على أن هاجس الأمن السياسي لا يزال ساريًا، وإن بدرجات أقل كثيرًا مم كان في السابق، ذلك أن يد الاستخبارات الخفية مستشعَرة في الإعلام، والعمل السياسي، والانتخابات، والحركات الاحتجاجية، وغير ذلك. وهي وإن عملت بكفاءة عالية، فإنها تظلّ خاضعة للنظام، وظلت تعمل في
القضايا المهمّة - وفقًا لتوجيهاته وأهدافه - التي قد لا تخلو من استغلال الاستخبارات استغلالًا سياسيًا يبقى في مجمله متعلقًا بقضايا تكتيكية في السياسة، وليست ذات مضامين صدامية كم كان الشأن في السابق40. وقد اعتمدت إعادة هيكلة النظام الاستخباراتي في المغرب التي اتخذت منحى تدريجيّا، منذ عام 2003، على منظومة متراصة تعتمد على عناصر الاحترافية والمهنية العالية، يدير أهمها مدنيون من ذوي الخبررة والتجربة، ويقدّمون الإنتاج الاستخباري أساسًا إلى المؤسسة الملكية41 التي تبقى صاحبة السلطة في المسائل السيادية والمنشِئة للمؤسسات الأمنية بمختلف أنواعها والمشرفة الفعلية عليها42. وقد نصّ الدستور المعتمد في تموز/ يوليو 2011 على إنشاء المجلس الأعلى للأمن الوطني، باعتباره هيئة تشاورية يرأسها الملك منوطًا بها تنسيق العمل الأمني وتعزيز الحكامة الأمنية، وفي عضويته مدنيون وأمنيون من مديري المؤسسات الأمنية - العسكرية والاستخبارات. بيد أن المجلس لم ينشأ عمليّا حتّى الوقت الراهن ولم يعقد أيّ اجتمعات، على الرغم من أن نصوصًا قانونية تتعلق باشتغاله قد صيغت في إطار وزارة الداخلية. ووفقًا لبعض التفسيرات، يبدو أن الأجهزة الأمنية، وخاصة الاستخبارات، لا ترغب في تقاسم معلوماتها وأفكارها أو مناقشتها مع "المدنيين" مثل رئيس الحكومة ورؤساء غرفتَي البررلمان وغيرهم ممن هم أعضاء مفترضون في المجلس. ويبدي هذا الموقف ذاك التحفّز والاحتراس الذي كثيرًا ما يسود طرَفي العلاقات المدنية – الأمنية - العسكرية. وبسبب ذلك، وخصوصًا، لعدم تبعية الاستخبارات على نحوٍ واضح للسلطة الحكومية43، يلُا ظح قصورٌ شديد في دور البررلمان في إجراء أيّ مساءلةٍ أو مراقبةٍ أو تتبّعٍ لشؤون الاستخبارات وأنشطتها بصفة خاصة. وفي مستوى العلاقة مع المقرّرين، ليس من المتاح عمليّا الحسم إن كان ما قد حدث سابقًا من تورّطٍ لأجهزة الأمن والاستخبارات في المغرب، ولا سيم مديرية مراقبة التراب أو الاستعلامات العامّة التابعة لجهاز الشرطة وغيرها، في انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان أحيانًا44، هو من صميم قرار الاستخبارات الذاتي أو نتيجة لتمتعها بهوامش زائدة من حرية الحركة والتصرّف أو توجيه أو طلبات خاصة تقدّم بها "الإطار السياسي" للاستخبارات وأمرها بتنفيذه على ذلك النحو. وعلى كل حال، فقد عمل المغرب لاحقًا على القطع مع تلك الفترة، بتدشينه مسارًا للعدالة
الانتقالية وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، التي مالت - على ما يبدو - إلى تفسير ما حدث على أنه تجاوزات من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية45، مدعومة في ذلك بتوسّع مجال التصرّف لديها في التعامل مع التحديات التي واجهت الأمن السياسي للنظام في تلك الحقبة46. وقد ينطبق الأمر نفسه على التوجّه المتداول حديثًا عن الأجهزة الاستخباراتية، نحو مراقبتها للأحزاب والحركات الإسلامية مثل حزب العدالة والتنمية وطريقة التناول الإعلامي لبعض فضائح مسؤوليه، على الرغم من أنه كان مشكّلًا للحكومة، وجمعة العدل والإحسان وبعض الصحراويين ممن لهم ميول انفصالية، إضافة إلى مراقبة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتمعي وغير ذلك47. تجدر الإشارة، أخيرًا، إلى أن النقاش العام والإعلامي، حول أنشطة قطاعات الأمن بالمغرب وأدائها، أضحى ملحوظًا؛ فكثيرًا ما يجري تداول بعض قضايا الاستخبارات، والاستفادة من بعض انفتاح تلك الأجهزة على المجتمع، ولا سيم المديرية العامّة للأمن الوطني والمكتب المركزي للتحقيقات القضائية BCIJ الذي كثيرًا ما يصدر بيانات للرأي العام عن أنشطته وإنجازاته في مكافحة الخلايا الإرهابية.
ب. مصر: احترافية بتوجيه سيايس
بسبب تداعيات الصراع العربي - الإسرائيلي الذي كان لمصر فيه دور مركزي على نحوٍ خاص، تميزت منظومة الاستخبارات المصرية بكثير من الاحترافية والمهنية في العمل؛ فهي من الاستخبارات العربية الأولى التي اهتمت بالاستعلام الصناعي والتجسس التكنولوجي48، كم يعرف عنها صيتها في مقارعة الاستخبارات الإسرائيلية منذ ثورة تموز/ يوليو. وبعد نكسة عام 1967 خاصة، اهتم الرئيس جمل عبد الناصر (1970-1954) بزيادة الكفاءة المهنية للمخابرات، بعد أن فُصلت اختصاصات المخابرات العامّة عن المخابرات الحربية، واستبدلت قياداتها وجرى التركيز أكثر فأكثر على المخابرات الخارجية. بيد أن انغمس الاستخبارات في مجمل الفترات في شؤون السياسة، والتحامها المفرط بالسلطة السياسية، وأداءَها دور "البوليس السياسي"، ومراقبتها للمجتمع، كلها عوامل أثّرت في أدوارها الفنية وفي طبيعة المصالح التي عليها تحقيقها وحميتها. وقد عمل الرئيس الأسبق، محمد أنور السادات (1981-1970)، على التقليل نسبيّا، من تدخل المخابرات في شؤون الأمن الداخلي المدني، ومراقبة المعارضة ولا سيم الليبررالية منها. لكن الفشل في توقّع عملية اغتياله في عام 1981 أعاد لها سطوتها في الشأن السياسي الداخلي، وهي لا تزال قائمة إلى اليوم. ويقوم نظام الاستخبارات المصري على ثلاثة أفرع رئيسة، هي: المخابرات العامّة التابعة لرئيس الدولة، والمخابرات الحربية الملحقة بوزارة الدفاع، والإدارة العامّة لأمن الدولة المعروفة بمباحث أمن الدولة، وهي تتبع وزارة الداخلية. وللاستخبارات في مصر، حتى الوقت الراهن، محاكمها الخاصة ومشاريعها الاقتصادية في مجال الاستيراد والتصدير والبنية التحتية السياحية والطيران والمقاولات والإعلام أيضًا49، وكانت شهدت
أوجها وتنوعها في مرحلة الانفتاح الاقتصادي بعد عام 1974، وخصوصًا في فترة الرئيس مبارك. وقد أدى الجيش والجهاز الأمني، شاملًا المخابرات العامّة والمخابرات الحربية، أدوارًا مركزية في دوائر السلطة والحكم خلال عقود طويلة، لم تؤثر في جوهرها الفترة القصيرة للحكم المدني غداة ثورة 25 يناير 2011، بل كانت المخابرات والجيش سبب إنهاء المسار الجديد بالسرعة نفسها التي قام بها، بسبب المركزية الكبررى لموقع المنظومة الأمنية - العسكرية في السابق50، والتي يبدو أنها قد تعززت بعد اعتمد دستور عام 2014، مكِّرِسة تحكّمها وسيطرتها على مراكز صناعة القرار51، فضلًا عن تغلغلها وتحكّمها في جانب كبير من القطاعات الإدارية والاقتصادية52. من ناحية أخرى، لا تخفى حقيقة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي (-2014)، الذي كان قد عيّنه الرئيس المنتخب محمد مرسي وزيرًا للدفاع قبل استعادة الجيش للسلطة، كان مديرًا للمخابرات الحربية. وهذه الوضعية مؤشر داٌّلٌ على طبيعة المفهوم الذي اعتمدته القوى الأمنية في علاقتها بالإطار السياسي الحاكم، لا سيم حين يضحي عامل تهديد لمراكز الأجهزة الأمنية في دواليب السلطة السياسية. وتزّكي هذه الحالة ذاك التمهي القائم بين الاستخبارات والسياسة، وأن تلك الأجهزة حامية للنظام السياسي لأنها تمثّل في واقع الأمر كنهه وجوهره، في وقت تعمل فيه، في الآن نفسه، بمنأى عن كل مراقبة أو إشراف مدني، إلا ذلك النوع من الإشراف الذي يكون فيه صانع القرار الرئيس، الذي هو في واقع الأمر إحدى دعائم المنظومة؛ ومن ثم يكون في إمكانه التأمين على الإنتاج الاستخباري وتوجيهه لبقاء المنظومة وتكريس سيطرتها، بما في ذلك توجيهه إلى الانغمس في التدخل في الشأن السياسي تجاه القوى المعارضة كلّها من دون روادع أو حدود53. ينجم عن ذلك تلك الممرسات المتصلة بتعيين الإطارات العليا والمتوسطة في الأجهزة الأمنية - العسكرية وترقيتها؛ وهي ممرسات قائمة على المحسوبية والزبائنية والولاء للقيادة قبل الكفاءة المهنية، والسرية المبالغ فيها، وتستبعد أيّ متابعة أو إشراك للرأي العام أو حتى البررلمان في مناقشة الشأن الأمني، فضلًا عن الانتهاكات وقمع الحريات. ونتيجة لذلك، يضحي من النادر أن تكشف، أو تناقش، وسائل الإعلام والمجتمع المدني السياسات الأمنية من خلال تناول انحرافاتها أو أخطائها؛ فمن وجهة نظر السلطة، ومن ورائها الاستخبارات والجيش، تُعتبرر مناقشة الأداء والسياسة الأمنية للدولة مرادفًا للإضرار بالأمن القومي. وللمخابرات العامّة إلى جانب مباحث أمن الدولة، بتوجيه سياسي وبموجب قانون الطوارئ الذي ساد فترات طويلة54، اليد الطولى في مراقبة المعارضة والأحزاب والإسلاميين والنقابات والإعلام، مستخدمةً مختلف أساليب التوجيه السياسي والمساومة والابتزاز والقمع، من دون محاسبات قانونية ذات بال55. ومع أن
مطالبات كثيرة، بعد ثورة 25 يناير، نحت إلى جعلها تخضع للسلطة القضائية ورقابتها، فإن "مباحث أمن الدولة" لم تعرف أكثر من تغيير اسمها إلى "الأمن الوطني"، وظلت في القضايا ذات البعد السياسي متأثرة بتوجّهات السلطات وتوجيهها وخاضعة لها56.
ج. الجزائر: قبضة الاستخبارات
أدى الجيش، ومعه الاستخبارات العسكرية والأفرع الأخرى من الاستخبارات في الجزائر أدوارًا طلائعية في السياسة الجزائرية منذ الاستقلال؛ إذ ارتبطت شرعية النظام منذ البداية بإرث حرب التحرير وما فرضه من حضور مهيمن للمؤسسة العسكرية في القرار السياسي57. وقد تجسّد ذلك في قدرة المؤسسة العسكرية والأمنية على التحكّم في المسار السياسي منذ اللحظات الأولى لبناء الدولة، وذلك بإعادة تشكيل موازين السلطة، أو بالتدخل المباشر في رسم السياسات العامّة. وكان أن ظهر جليّا حضور إدارة المخابرات والأمن DRS وتغلغلها في دواليب السلطة وشؤون السياسة مع بدايات القرن الحادي والعشرين، في وقت عرف فيه دور هيئة أركان الجيش بعض التراجع لمصلحة الجهاز الاستخباري58. ولم يكن هذا الحضور محصورًا في البعد الأمني، بل شمل التدخل في صياغة السياسات الحكومية والتأثير في تعيين الوزراء ورسم حدود الحقل الحزبي والإعلامي. لقد باتت الاستخبارات في قلب آليات صناعة القرار، إلى جانب مؤسسة الرئاسة؛ وهو ما جعلها ع نصرًا لا غنى عنه في تسيير الشأن السياسي الجزائري59. وخلال ما عُرف ب "العشرية السوداء" (2002-1992)، تعاظم هذا الدور أكثر فأكثر؛ إذ لم يقتصر نشاط الاستخبارات على مواجهة التمرّد المسلّح، بل امتد إلى التأثير المباشر في القرارات السياسية الكبررى. فقرار تعليق المسار الانتخابي عام 1992، مثل، ا عكس قدرة هذا الجهاز على ممرسة وصايةٍ غير معلنة على مؤسسة الرئاسة والحكومة60. ولأن الجهاز راكم خبررة طويلة في إدارة ملفات العنف السياسي والتمرّد، فقد فرض نفسه باعتباره المرجع الأساسي في الخيارات الأمنية والسياسية. ومع بدايات تحرير الاقتصاد الجزائري مطلع التسعينيات، أضحت قيادات الاستخبارات والجيش قادرة على احتكار الكثير من القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، وخاصة المرتبطة بعقود البترول والغاز61. ورسّخ هذا الامتداد الاقتصادي صورة "الأوليغارشية الأمنية – الاقتصادية"؛ إذ لم يعد في الإمكان الفصل بين القرار السياسي والمصالح الاقتصادية للمؤسسة الأمنية والعسكرية62.
وفي عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (2019-1999)، ظل النفوذ السياسي للأجهزة الأمنية قائمًا، على الرغم من أنه حاول إعادة موازنة العلاقة بين الرئاسة وقيادة الأركان. فقد استمرت الاستخبارات في تحديد ملامح الحكومات، والتأثير في ملفات حسّاسة مثل العلاقات الخارجية، والسيطرة على مسارات الإصلاحات المعلنة، بل إن الاستخبارات شكّلت أحيانًا طرفًا مرجّحًا في موازين القوّة بين الرئاسة وقيادة الأركان؛ وذلك لأنها استفادت من قدراتها في جمع المعلومات وبسط شبكاتها على جميع مؤسسات الدولة، لتفرض نفسها قوّةً لا تقلّ وزنًا عن الرئاسة ذاتها إن لم تتجاوزها بالفعل63. وعلى الرغم من أن الاستخبارات الجزائرية شهدت خلال السنوات الأخيرة إعادة هيكلة، مع إحالة بعض كبار مسؤوليها من الجيل القديم إلى التقاعد، وإعفاء بوتفليقة للواء محمد مدين المعروف باسم "الجنرال توفيق" من مهمته قائدًا للاستخبارات العسكرية في عام 2015، فإنه لا يوجد ما يشير بالفعل إلى تراجع دورها السياسي المهيمن64. فقد بدا حلّ مديرية الاستخبارات والأمن في عام 2015 شكليّا فحسب، نظرًا إلى عدم ارتباطه بتحّولّاتٍ فارقة لجهازٍ لطالما عُرف خلال عقود بقتامته الهيكلية وجبرروته، بل جرى استحداث صيغ تنظيمية جديدة، تمَّثَلت في إنشاء "مديرية المصالح الأمنية"، التي حافظت على مركزية الجهاز، مع إضفاء لمسة إصلاحية سطحية65. علاوة على ذلك، شهدت الاستخبارات الجزائرية منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جهودًا لتعزيز أدائها تقنًّيًا وفنيّا؛ فاعتمد وسائل المراقبة الرقمية، وتطوير آليات جمع المعلومات بالوسائط الإلكترونية، وتوسيع التعاون مع أجهزة أمنية دولية، عوامل ساهمت في رفع كفاءتها العملياتية. غير أن هذه التحديثات لم تتزامن مع إعادة صياغةٍ لدورها السياسي أو مراجعة لمكانتها المركزية في بنية النظام. وهكذا، ظلّ الجهاز محتكِرًا للقرار، يزاوج بين تحديث الأدوات التقنية واستمرار الدور التقليدي المهيمن على القرار السياسي66. وجاء الحراك الشعبي في شباط/ فبرراير 2019، الذي قام احتجاجًا على إعادة ترشيح بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة على الرغم من عجزه الصحي، ليختبرر من جديد وزن المؤسسة الأمنية – العسكرية. وعلى الرغم من تنحّي بوتفليقة في نيسان/ أبريل 2019، فإن ذلك لم يؤِّدِ إلى إضعاف دور الاستخبارات أو تقليل هيمنتها، بل برزت المؤسسة العسكرية – الاستخباراتية بصفتها صانعَ القرار الأول في المرحلة الانتقالية، حيث تولّت ضبط مسار المشاورات وصياغة ترتيبات السلطة الجديدة، مؤكّدة أن العلاقة العضوية بين الاستخبارات وصنّاع القرار السياسي ما تزال بنيوية في النظام الجزائري67. وهكذا، تُبرِز هذه التجربة خصوصية الدولة الأمنية في شمل أفريقيا بوصفها مؤسسة عسكرية – استخباراتية متجذّرة في القرار السياسي ومتغلغلة في الاقتصاد
ومتحكّمة في عملية الانتقال السياسي؛ وهو ما يجعل أيّ تحوّل ديمقراطي فعلي رهينًا بقدرة المجتمع على إعادة تعريف العلاقة بين السلطة المدنية والأجهزة الأمنية، وهي معادلة ما تزال غامضة وملتبسة حتى اليوم.
د. تونس: الفرصة الضائعة
تبدو الحالة التونسية مثيرة للاهتمم، من حيث موقع الاستخبارات في الدولة وعلاقاتها بالسلطة السياسية؛ فهي، منذ عهدَي الرئيَسيَن الحبيب بورقيبة (1987-1957) وزين العابدين بن علي (2011-1987)، لم تمثّل جوهر السلطة ولم تمارسها بصفة مباشرة، أو حتى من خلال الجيش، بحيث حافظت على استقلاليتها الوظيفية وإن اتجهت آنئذٍ، بحكم الطبيعة السلطوية للنظام، إلى الانغمس الواضح في قضايا الأمن السياسي: مراقبة المجتمع وضبطه، وتتبع المعارضة ومراقبة قياداتها بالخارج والتنكيل داخليّا بكل معارضة جدّية للنظام، علاوة على ضبط الممرسة الإعلامية والحريات العامّة ونشاط المجتمع المدني، مؤدية في كل ذلك مهّما ت البوليس السياسي. ولم تكن هي ذاتها مسيّسة؛ لكونها كانت عمليّا، على غرار الجيش، مقصاة من ممرسة السلطة السياسية وتحقيق المنافع الاقتصادية؛ فجنّبها ذلك كثيرًا من مظاهر الفساد والمحسوبية68. لكن قد تجدر الإشارة إلى أنّ بن علي، الذي قاد انقلابًا "أبيض" على بورقيبة، أتى من قطاع استخباراتي؛ إذ كان خلال عشر سنوات يترّأس المديرية العامّة للأمن العسكري، منذ إنشائها في عامّ 1964، كم توّلى في عام 1984 منصبًا استراتيجيّا هو منصب الأمين العام للدولة والأمن الوطني الذي أنشئ في حينه، والذي جمع مختلف دوائر الاستخبارات وألحقها كلّها بوزارة الداخلية69. وكان ذلك، على ما يبدو، سبب تعزيز القبضة الأمنية لأجهزة الأمن والاستخبارات على المجال السياسي في عهده، مع إبقاء تلك الأجهزة ومعها الجيش دائمًا بعيدًا عن الممرسة السياسية والتدخّل الفعلي في القرار السياسي. وبعد "ثورة الياسمين"، وفي الأجواء الديمقراطية التي سادت، والتي نأت المؤسسات الأمنية والاستخبارية ومعها الجيش التونسي بنفسها عن التأثير أو التدخل العنيف في مآلاتها70، تعززت الآمال في تحوّل حقيقي للعمل الاستخباري ليكون في خدمة الدولة وخاضعًا لمأسسةٍ أكثر عمقًا ولرقابةٍ وإشرافٍ تشاركي، يؤدي فيه البررلمان دورًا مهّمًا بالنظر إلى جميع التوجّهات الدستورية والسياسية نحو تكريس مبادئ الحكامة الديمقراطية لقطاع الأمن71. وهكذا، حَُّلَت، في مظهرٍ اعُتبُرر شكلًّيًا72، مديرية أمن الدولة في آذار/ مارس 2011؛ من أجل تأسيس توجّه جديد يقطع مع الأساليب والأهداف والعقليات السالفة. ونشط البررلمان من خلال لجانه المختصة في تنظيم جلسات الاستمع والمساءلة للمسؤولين الأمنيين في إطار صلاحياته في مراقبة تنفيذ استراتيجيات الأمن
والدفاع73. وازداد دور الإعلام وهيئات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان، بصفة ملحوظة، في متابعة الأجهزة الأمنية والعسكرية وإخضاع قضاياها وأنشطتها للنقاش العام، فضلًا عن المنحى المنفتح إزاء المجتمع لأجهزة الأمن والجيش وتنظيم الحوار وتظاهرات التواصل مع مختلف الفاعلين المدنيين، وإن بدت الاستخبارات غير منخرطة في ذلك بمستوى الأجهزة الأمنية الأخرى نفسه، ربما بسبب حساسيات النشاط الاستخباري واعتمده الضروري على السرية. بيد أن تلك الآمال عرفت انحسارًا ذا أهمية، بعد التراجعات الدراماتيكية التي وصمت عهد الرئيس قيس سعيّد (-2019)، الذي أودى بما يسمّيه البعض "الجمهورية التونسية الثانية"74، حينم أنهى التوافقات السياسية التي قامت بين عامَي 2014 و 2019، وصولًا إلى تهميش سلطة الحكومة والبررلمان وإعلان حالة الاستثناء، ثم الاستفتاء على دستور جديد في تموز/ يوليو 2022 يوسّع صلاحيات الرئيس الذي دخل في صراع مع البررلمانيين والقضاة ومعظم القوى السياسية، مستخدمًا "القبضة الأمنية". يعني ذلك إعادة تسييس الأجهزة الأمنية وإقحامها في عمليات سياسية وفي الصراع السياسي لخدمة "نظام قيس سعيّد"، لتعود تونس، مثل غيرها من دول الربيع العربي، إلى "المربع الأول". إنّ الاستخبارات العربية في هذه النظم السياسية (المغرب، ومصر، والجزائر، وتونس)، اضطلعت عمومًا، في العقود التي تلت الاستقلال، بدور البوليس السياسي الذي يحافظ على الأمن العام من منظور النظام القائم وفئات المصالح التي يعمل على تأمينها وحميتها وتعزيز سطوتها، وذلك ضمن توجّه تسيطر فيه تلك الفئات على الاستخبارات وغيرها من المصالح الأمنية، باعتبارها القوّة الضاربة الممكّنة من ضمن استمرار امتلاك القوّة والقدرة. يقوم ذلك في إطار "شبه خصخصة" لقطاع الأمن لحساب النظام والمستفيدين منه؛ النظام الذي يبقى أكثر ما يتصف به هو تجاهله لمتطلبات الأمن الفردي الشامل الذي يقوم على الأمن الاقتصادي والاجتمعي والثقافي والهوياتي المشترك، وعلى الحرية والمساواة وسيادة القانون وسموّه75. ولأسباب موضوعية كثيرة، لم تؤِّدّ ثورات الربيع العربي إلى إحداث تغييرات جوهرية في هذا الوضع. لقد استفادت الاستخبارات العربية فحسب، من سياقات مكافحة الإرهاب ومم حدث من ثورات، في إعادة تكييف إمكانياتها ووسائل عملها وإحداث تغييرات هيكلية، في اتجاه مزيد من الكفاءة العملياتية التي يتطلبها سياق إقليمي ودولي يزداد اضطرابًا76.
2 ي. بين الاندماج في الشأن السياس ومتطلبات الأداء الديمقراطي
إن استحضار مقاربة جيّدة فيم يتصل بالسياسات العمومية الأمنية، بحيث يمكنها أن تنعكس إيجابيّا في أداء أجهزة الأمن والاستخبارات وفي علاقاتها بالسلطة السياسية، يفترض أن يحدث مبدئيّا، في إطارٍ من توخي تحقيق مناسيب مقبولة من الرضا المجتمعي وتعزيز الأمن الفردي بمضامينه الشاملة، بحيث يستشعره المواطنون كافة والمجتمع كله، ليكون في إمكانهم التخلّص من كل نوازع نفسية سلبية تجاه مصالح الأمن، وفي مقدّمتها
الاستخبارات. ثمّ إن إعادة تشكيل علاقة الاستخبارات بالقادة السياسيين ستستدعي حدوث تغّير جوهري في "العقليات" الأمنية لدى النظم العربية، باستحضار كفاية النظام الأمني وتحّولّاته وطبيعة أهدافه المفترضة. يمكن الارتقاء بطبيعة وضع الاستخبارات وأدائها، باستلهام متطلبات "دمقرطة العمل الأمني والاستخباري"، ضمن برامج أعم من حوكمة قطاع الأمن77. وسيتطلب ذلك مبدئًّيًا أن تشتغل تلك الأجهزة تحت سلطة صانع القرار والحكومة وإشرافهم، وأن تخضع في أنشطتها لرقابةٍ وتتبعٍ من الإعلام والمجتمع المدني والمفتشيات المستقلة، وخصوصًا المجالس التمثيلية من البررلمانات التي سيكون عليها واجب "التعامل الفعّال"، على نحوٍ أكثر جرأة ومضيّا، مع متابعة الشأن الأمني78، وبصفة خاصة، أن تكفّ عن التعامل مع شؤون الاستخبارات على أنه موضوع غير مفكّر فيه أو خارج عن المهمّة البررلمانية وصلاحياتها79. ويبقى من الضروري، في هذا السياق، أن يكون البررلمان متمتعًا بالسيادة، وأن يمثّل أساس السلطة الحكومية التي من المفترض أن تكون الاستخبارات تابعة لها، وأّلا تشكّل سلطات أو هياكل موازية لسلطة الحكومة أو تسمو عليها، كم هي الحال. ومن النواظم الديمقراطية للعمل الأمني أن يكون ثمة توافق سياسي ومجتمعي على طبيعة المؤسسة الأمنية شاملة الاستخبارات، وعلى الأدوار المنوطة بها وطنًّيًا. ولذلك، يُفترض أن يحظى النظام السياسي بمناسيب مقبولة من الشرعية والاستقرار والرضا الاجتمعي. ويجب أن تكون الاستخبارات مستشعرة لتلك الأدوار ومتمثلة لها تمثّلًا واضحًا، كي تتمكن من العمل بموجب سياسات ونظم قانونية وأخلاقية واضحة تكفل احترام الحدود المرسومة لها مع اعتمد الشفافية والتشارك، والانفتاح على الإعلام والمجتمع المدني في إطار حق الجمهور في الولوج إلى المعلومات ذات الطبيعة الأمنية من دون مغالاة في تصنيفها80؛ ما يؤهلها لكسب ثقة المجتمع والمواطن وتعزيز الاقتناع العامّ بكفاية النظام الاستخباري والأمني. من جانب آخر متعلق بالأداء الاستخباري وترشيد القرارات، ستدعم مثل تلك التدابير وجود الاستخبارات العربية في بيئة مواتية تسمح لها بالعمل وفقًا لمناسيب عالية من الموضوعية والتجرّد، وأن تدفع بقوتها وبقدراتها إلى مزيد من عقلنة القرار وترشيده ومساعدة "السياسي" على اتخاذه على أسس علمية تعتمد الموضوعية وتبعده عن مخاطر الارتجال والمغامرة، ولا سيم في القرارات الاستراتيجية. إن الاستخبارات الناجحة، كم يُفترض أن تكون، يجدر أن تجد المناخ العام الذي يخوّلها مقدرةً واستعدادًا لأنْ ترى وجه السياسي وهو يصفرّ وهي تبلغه معلومات أو تقديرات لا تروقه، أو أن تراه وهو يمتعض حين ترفض الاستجابة لطلبه منها أن تنفذ مهمة تجاوز حدود شرعيات عملها ومشروعياته وأخلاقياته81، وذلك، من دون
أن تخشى تحمّل مسؤولية مثل تلك المواجهة. وعلى صانع القرار أن يكون متفهّمًا جيّدًا لمثل هذه الطبيعة في العمل الاستخباري ومستفيدًا منها في قراراته. على العموم، يمكن القول إن الاستخبارات العربية، في أدائها العام وفي علاقاتها بصنّاع القرار، هي ضحية الطابع غير الديمقراطي للنظم العربية، والتي غالبًا ما تضعها في غير مكانتها وأدوارها وحدودها المفترضة نتيجةً لنظام الولاءات السياسية وتفشي الفساد. وإذا كانت النواظم الديمقراطية والممرسات الفضلى للاستخبارات مهمة ومأمولة دائمًا، فإنها تحتاج إلى نظام ديمقراطي. إلا أن الغياب النسبي للديمقراطية قد لا يم عن تأسيس علاقة صحية نوعًا ما بين الاستخبارات والإطار السياسي؛ إذ يكفي أن تتوافر الإرادة السياسية لبلورة نظام استخباراتي حقيقي يقوم على استقلالية مؤسساتية فعلية وتجرّدٍ إزاء المصالح الفئوية ومهنيةٍ في العمل، وعلى موضوعية وجرأة في التقديرات ووضع الخيارات وتقديمها لصنّاع القرار. قد تتمكن نظم سلطوية أو شبه سلطوية من نظم علاقة طبيعية وناجحة نسبيّا بين الجانبين (مثل:ا الصين، وروسيا، وكوبا، وإيران... إلخ) تعمل فيها الاستخبارات بصفتها أجهزة منتجة للمعلومات والتوقعات والبدائل في إطار المصلحة الوطنية، وليس أيّ شيء آخر، لتظلّ النظم العربية، في العموم، إزاء تحدي معالجة هذه المفارقة، من حيث المبدأ على أقل تقدير.
خاتمة
إن العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي تتشارك خصائص أساسية، وإن بدرجات متفاوتة، إنها على الأرجح علاقة غير مسطّرة؛ فهي تفتقر في الغالب إلى قواعد سلوكية ممأسسة واضحة المعالم من شأنها أن ترسم لهذه العلاقة حدودًا معيّنة. وإنّ ولاء الاستخبارات للقائد هو ولاء يسبق الولاء للوطن أو يتمهى معه، وحين تكون الاستخبارات حاكمة بالفعل، فهي تسخّر قدراتها للنظام الذي تقيمه وتحمي نخبه العليا. صحيح أنّ هنالك تحديات أمنية مدنية وعسكرية تعمل فيها الاستخبارات لمصلحة الدولة، إلا أنّ هواجس الأمن السياسي تبقى هي المسيطرة، وإنما تمرّ المهّما ت الأمنية الروتينية أو العادية عبرره وخلاله. وهكذا، يجري تشويه النمذج النظرية التي ترسم علاقة صنّاع القرار في العالم العربي بالاستخبارات، فتغدو قناتا المطالب والاحتياجات الاستخبارية، وتقديم المنتج الاستخباري، غير ذات معنى حينم يتحوّل المنتج الاستخباري إلى "يد الاستخبارات المطلقة" التي لا حدود لتصرّفها، وحينم تكون مطالب السياسي متطلّباتٍ للنظام أو حتى توجيهاتٍ عامة للأجهزة. وتضحي مساعدة صانع القرار على اتخاذ قرارات عقلانية سلطةً تقريرية فعلية في مستويات أمنية معيّنة، وخلاف ذلك، هو عدم الجرأة في نقل الواقع كم هو إلى القائد أو محاباته بتقديم ما يلزمه من حجج تؤسس لما يعتزم اتخاذه من قرارات. لكنّ المقارنة بين بعض الحالات المدروسة تبررز تمايزات دالة. ففي المغرب، برز توجّه نحو إضفاء قدر من الاحترافية على الفعل الاستخباراتي، وذلك باستقطاب الكفاءات وإعادة تنظيم الهياكل، وإن ظل الارتباط بالنظام السياسي محدِدًا أساسيّا لمسار الأجهزة. أمّا في مصر، فقد ظلت الاستخبارات متمهية مع البنية العسكرية – الأمنية للنظام؛ فتحوّلت إلى ركيزة من ركائز السلطة نفسها، بل إلى أداة رئيسة للتأثير في المجاَليَن الاقتصادي والاجتمعي. وفي الجزائر، على الرغم من الإصلاحات التي شملت أجهزة الاستخبارات بعد عام 2015، فإن مركزيتها بقيت قوية في صناعة القرار، في أثناء هيمنة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية على المجال العام. أمّا في تونس، فقد كشفت أحداث الثورة وما بعدها عن هشاشة العلاقة بين الاستخبارات والسلطة السياسية؛ إذ برزت محاولات لإعادة هيكلتها ضمن مسار ديمقراطي، لكن تلك الجهود واجهت حدودًا عملية
نتيجة التوترات السياسية والمؤسساتية المتواصلة. قد تبُررز مظاهر العلاقة في الحالات الأربع تباينًا فيم بينها، لكنها تتقاطع في كونها، إجمل، ا مطبوعة بتلاشي الحدود بين الوظيفة الأمنية والاستخباراتية وبين الوظيفة السياسية للحكام، معرّبةً عن انحسار قد يتفاوت لدورها المحايد في حمية المصالح العليا للدولة والمجتمع. تستفيد أجهزة الاستخبارات العربية مهنيّا وعملياتيّا مم تفرضه عليها التحديات الأمنية المعولمة، ومم مرّ بها وبديناميات السلطة والحكم من تجارب "الربيع العربي". لكن عقائدها لا تتغير؛ لأن منظومات الحكم التي تكرّست معها نظُم مُحكَمة من الممرسات والقواعد، والتي ترسّخ عقلية الأجهزة الأمنية بما فيها الاستخبارات، تجعل الأخيرة تنغمس في بوتقة المصالح والامتيازات التي تحميها؛ إذ إنها تتمهى مع نظام الأجهزة ذاك، ومع السياسات العامّة التي تدعمه وتضمن استمراريته. ومع ذلك، لا جدال في أنّ تشكّل منصات التعبير العمومي، نتيجة التطورات التكنولوجية والرقمية، قد يفتح آفاقًا يمكن أن تؤثر في البنى الفكرية التقليدية الحاكمة للنشاط الاستخباري في العالم العربي ليمس جانب علاقاتها بالإطار السياسي. فالضغط في اتجاه تعزيز الشفافية وإقرار تضييق نطاقات الإفلات من العقاب ولو تدريجيّا، فضلًا عن الضرورات التي تتطلب الرفع من مستويات المهنية والكفاءة العملياتية، من العوامل التي تساهم في اقتناع السياسيين بتبني مقاربات قد تأخذ في الاعتبار متطلبات الأمن العام الشامل، لأنها ستساهم بدورها في ضمن الاستقرار وتلافي الاضطرابات، ولأن دور الفرد ضمن المجتمع الذي يتطلع أفراده إلى "الأمن الفردي" هو دور يتزايد باطراد. إنّ الحكم المستدام والأمن العام ما عادا يعتمدان على القدرة القسرية للأنظمة الخاصة، بل على "قدرة الرعاة (الساسة) على تلبية احتياجات المجتمعات"82، وعلى تحقيق تنميتها السياسية والاجتمعية أيضًا. إنّ مثل هذه الطروحات تساهم مع الوقت نفسه في إخراج الاستخبارات من دائرة التسييس، بما قد يضفي طابًَعًا من الرشد على علاقتها بصنّاع القرار؛ لأن ثمة ضرورة لذلك، ولأن الأمن هو مطلب الجميع، والقرار السياسي الجيد هو الذي يمكنه أن يحقق الأمن الشامل بالاعتمد على الحقائق المجرّدة، التي قد يكون لأجهزة استخبارات مستعيدة لطابعها التكنوقراطي، معتمدة على كفاية نظامها ومهنيتها العالية، دور مهمّ في توفيرها وتقديمها للسياسي من دون أن تتعرض للتوجيه والتشويه. قد يجدر التنبيه، أخيرًا، إلى حدود هذه الدراسة؛ إذ إنّ تناول موضوعٍ على درجة عالية من الحساسية، على غرار علاقة الاستخبارات بالسلطة في العالم العربي، يواجه صعوبات كبيرة. فشُحّ المعطيات الموثوقة، وغياب الشفافية، والولوج إلى المعطيات الأمنية، وغلبة الطابع السرّي على أنشطة الأجهزة، كلها عوامل تحدّ من إمكانية الوصول إلى معلومات دقيقة أو بناء مقارنات كمّية نوعية. يضاف إلى ذلك أنّ الأدبيات المتوافرة، هي إمّا وصفية أو متأثرة بخلفيات سياسية وأمنية؛ وهو ما يزيد مهمّة التحليل العلمي الرصين تعقيدًا. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، فإن البحث في هذا الموضوع يظلّ ضرورة علمية وسياسية في آن واحد؛ لأنه يكشف عن عمق الإشكاليات التي تحكم العلاقة بين الأمن والسياسة في المنطقة العربية، ويسلّط الضوء على الحاجة الملحّة إلى إصلاحات مؤسساتية تعيد رسم الحدود بين الاستخبارات والسلطة، وتضمن خضوعها للرقابة، على نحو ينسجم مع متطلبات سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات، وهو ما سيستجيب أيضًا لمتطلبات رفع مستوى الأداء الاستخباري ذاته.
المراجع
العربية
الاستخبارات والأمن القومي. تسفي عوفر وإيفي كوبر (محرران). ترجمة دار الجليل. عمن: دار الجليل للدراسات والأبحاث الفلسطينية،.1988
"الحراك الشعبي بالجزائر: الدوافع والمآلات". تقدير موقف. مركز الجزيرة للدراسات.2019/3/14. ف:ي https://acr.ps/1L9BPM9 الحسن الثاني. ذاكرة ملك: حوارات مع الصحفي إيريك لوران. ط 2. الرياض: الشركة السعودية للأبحاث والنشر،.1993
الحكامة الأمنية بالمغرب: مقاربات في ثنائية الأمن والحرية. الرباط: مطبعة أمنية،.2019
دورتي، جيمس وروبرت بالستغراف. النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية. ترجمة وليد عبد الحي. بيروت: كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1985
ساعاتي، توماس. صناعة القرار للقادة، عملية التحليل الهرمي لقرارات في عالم معقد. الرياض: معهد الإدارة العامة للطباعة والنشر،.2000
شقير، محمد. المؤسسة الأمنية بالمغرب بين حمية النظام وسلامة المواطن. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2016
صايغ، يزيد. "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر". مركز كارنيغي للشرق الأوسط..2012/8/1 ف:ي http://ceip.org/2iDLuj العوني، عبد الحميد. الاستعلامات العامة أو الأجهزة السرية وحكومة اليوسفي. سلسلة منشورات عربية. 12 الرباط: مطابع التكتل الوطني،.1999
غانم- يزبك، دالية. "الحراس المتفانون للسلطة الجزائرية". صدى. مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 2014/4/16. ف:ي https://acr.ps/1L9BPBe غريوال، شاران. "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي". دراسة. مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 2016/2/24:. في https://acr.ps/1L9BPav
الأجنبية
Addi, La houari. L'Algérie et la démocratie: Pouvoir et crise du politique dans l'Algérie contemporaine. Paris: La Découverte, 1995.
Arboit, Gérald. "Affaire B en Barka: Le point de vue des services de renseignement." Centre f rançais de recherches sur le renseignement. Hal. 2015. at: https://acr.ps/1L9BP7U
Batigne, Luc & Agnès Levallois. "Les services de renseignement: La colonne vertébrale des régimes arabes." Moyen-Orient. no. 36 (Octobre–Décembre 2017).
Baud, Jacques. Encyclopédie du renseignement et des services secrets. 2 ème ed. Paris: Lavauzelle, 1998.
Berthelot, Pierre & Stéphane Valter. "Les services secrets syriens et égyptiens: Points communs et spécificités. " Moyen-Orient. no. 36 (Octobre 2017).
Born, Hans, Philipp Fluri & Simon Lunn. Contrôle et orientation: La pertinence du contrôle parlementaire pour le secteur de la sécurité. Genève: DCAF, 2014.
Bourrat, Flavien. "Le renseignement tunisien: Comment passer d'un état policier à un état de droit?" Moyen-Orient. no. 36 (Octobre 2017).
_______. "Les services de renseignement au Maghreb: Un processus de normalisation complexe et inachevé." Confluences Méditerranée. no. 114 (Automne 2020).
_______. "Repères services secrets: La reprise en main des services de sécurité algériens: Rupture ou réajustement?" Moyen-Orient. no. 40 (Octobre 2020).
Cembrero, Ignacio. "Au Maroc, les autorités surveillent tout le monde." (Entretien). Moyen-Orient. no. 36 (Octobre 2017).
Centre pour le Contrôle Démocratique des Forces Armées (DCAF). Les services de renseignement: Rôles et responsabilités dans la bonne gouvernance du secteur de la sécurité. Genève: Document d'information DCAF, 2011.
Irondelle, Bastien, Amélie Malissard & Olivier Chopin (dir.). Étudier le renseignement: État de l'art et perspectives de recherche. Étude de l'IRSEM 9 (2011).
Cousseran, Jean-Claude & Philippe Hayez. Renseigner les démocraties, renseigner en démocratie. Paris: Odile Jacob, 2015.
DCAF. "Compilation de bonnes pratiques pour le contrôle des services de renseignement: Rapport du Rapporteur spécial sur la promotion et la protection des droits de l'homme et des libertés fondamentales dans la lutte antiterroriste." Genève: Centre pour le Contrôle Démocratique des Forces Armées, 2011.
De Smet, Brecht. Gramsci on Tahrir: Revolution and Counter-revolution in Egypt. London: Pluto Press, 2016.
Étienne, Genovefa & Claude Moniquet. Histoire de l'espionnage mondial: Les services secrets de Ramsis II à nos jours. Paris: Éditions du Félin, 1998.
Forster, Anthony. Armed Forces and Society in Europe. Basingstoke: Palgrave, 2006.
Jaldi, Abdessalam & Yasmine Akrimi. "Tunisie: De la révolution de 2011 à la chute de la IIème République." Policy Paper. Policy Center for the New South (PCNS), 2022.
Kaki, Aït. "Armée, pouvoir et processus de décision en Algérie." Politique étrangère. vol. 69, no. 2 (2004).
Klaousen, Patrick & Thierry Pichevin (dir.). Renseignement et éthique: Le moindre mal nécessaire. Paris: Lavauzelle, 2014.
Krieg, Andreas. Socio-Political Order and Security in the Arab World: From Regime Security to Public Security. London: Palgrave Macmillan, 2017.
Laribi, Lyes. Histoire des services secrets algériens: Du MALG au DRS. Paris: Érick Bonnier, 2016. Lawson, Fred H. "Crisis and Transformation in Post-Bouteflika Algeria." Mediterranean Politics. vol. 29, no. 3 (July 2024).
Leslau, Ohad. "The Effect of Intelligence on the Decision-making Process." International Journal of Intelligence and Counter-Intelligence. no. 23 (June 2010).
Lowi, Miriam. Oil Wealth and the Poverty of Politics: Algeria Compared. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.
Martinez, Luis. La guerre civile en Algérie, 1990–1998. Paris: Karthala, 1998.
Open Society Justice Initiative. "De nouveaux principes pour un juste équilibre entre sécurité nationale et droit du public à l'information (Principes de Tshwane)." OSJI.
Owens, Mackubin Thomas. "What Military Officers Need to Know about Civil-Military Relations." Naval War College Review. vol. 65, no. 2 (Spring 2012).
Siems, Larry. "Intelligence, Ethics and Bureaucracy: The Duty to Warn Jamal Khashoggi." Just Security (May 2019). at: https://acr.ps/1L9BPaq
Van Buuren, Jelle & Monica den Boer. Value Dilemmas of Security Professionalism: Draft Product – State of the Art Literature Review on the Ethics Research and Knowledge among Security Professionals. Oslo: Research Institute, 2009.