العلاقات المدنية - العسكرية وتجدد الحروب الأهلية: القوات الأمنية في سياسة ما بعد الحرب
Civil–Military Relations and Civil War Recurrence: Security Forces in Postwar Politics
الملخّص
ملخص: هل تسهم إعادة هيكلة القوات الأمنية في الحدّ من احتمالات تجدّد الحرب الأهلية؟ لقد ركّزت الدراسات السابقة بصورة أساسية على الأثر الذي يحدثه الدمج العسكري في التخفيف من معضلة إلزام الأطراف المتنازعة بالحفاظ على السلم، غير أنّ الأدلة المتاحة في هذا المجال ما زالت متباينة وغير حاسمة. إلى جانب ذلك، لم تنل أبعاد أخرى من العلاقات المدنية – العسكرية ما تستحقه من عناية بحثية وتدقيق نظري. تنطلق هذه الدراسة من محاولة استجلاء دور العلاقات المدنية – العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب، باعتبارها أداة أساسية لترسيخ السلطة وإعادة تشكيل موازين القوة. ويُظهر التحليل أنّ لقوات الأمن ثلاثة مسارات رئيسة قد تفضي إلى تجدّد الصراع الأهلي: أوّلها إقصاء الفصائل المناوئة، مع تيسير تعبئة جديدة لقوى التمرد؛ وثانيها توظيف السيطرة على الموارد لمنازعة النظام القائم؛ وثالثها تصعيد التمرّد الناشئ عن حملات القمع. وتشير نتائج التحليل المقارن لبيانات أصلية عابرة للبلدان إلى أنّ تقليص فرص الإقصاء والاستغلال، من خلال تنويع التعيينات القيادية وتعزيز آليات الرقابة المدنية الفعّالة، يسهم في خفض احتمالية اندلاع جولات جديدة من الحرب الأهلية. وتُبرز النتائج، أيضًا، الآثار التوزيعية لإعادة هيكلة القوات الأمنية، مؤكّدةً في الوقت ذاته ضرورة فهم ديناميات التنافس السياسي حول مؤسسات الدولة بوصفها مدخلًا رئيسًا لتفسير أسباب تجدّد الحروب الأهلية.
Abstract
Abstract: Does restructuring security forces reduce the risk of civil war recurrence? Prior research has examined effects of military integration in alleviating commitment problems, but the evidence has been inconclusive. Other aspects of civil–military relations have received less attention. This article examines the effects of civil–military relations in the context of postwar struggles to consolidate authority. It outlines three pathways through which security forces contribute to renewed civil war: by excluding rival factions and facilitating insurgent mobilization, by exploiting control over resources to challenge the regime, or by escalating incipient insurgency through repression. Analysis of original, cross-national data on postwar civil–military relations shows that reducing the potential for exclusion and exploitation through diverse officer appointments and robust civilian oversight lowers the risk of civil war. These findings emphasize the distributive effects of restructuring security forces and highlight the value of examining political contests around state institutions to understand why civil wars restart.
- الحروب الأهلية
- العلاقات المدنية - العسكرية
- الصراعات المسلحة الداخلية
- الأمن الدولي
- تجدد الصراع
- تسوية الصراعات
- Civil Wars
- Civil - Military Relations
- Internal Armed Conflict
- International Security
- Conflict Recurrence
- Conflict Resolution
كلمت مفتاحية: الحروب الأهلية، العلاقات المدنية – العسكرية، الصراعات المسلحة الداخلية، الأمن الدولي، تجدد الصراع، تسوية الصراعات.
تُعدّ إدارة القوات المسلحة1 أحد أشد التحديات تعقيدًا في مراحل الانتقال من الحرب الأهلية إلى السلم. ومن أجل الحد من مخاطر العنف الذي قد تمارسه قوات مسلّحة مسيّسة أو متورطة في انتهاكات، تلجأ الحكومات غالبًا، في مرحلة ما بعد الحرب، إلى اعتمد هياكل جديدة وقواعد وإجراءات تعيد صياغة علاقتها بالسلطة المدنية والمجتمع. وفي هذا السياق، تسعى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والأطراف المانحة إلى دعم "بناء مؤسسات أمنية فعّالة، شاملة، وخاضعة للمساءلة"2. ومع ذلك، يظل من غير المؤكد إذا ما كانت هذه الجهود توازي التكلفة التي تتطلبها. ففي حالات عديدة، أسهمت القوات الأمنية في تجدد الحرب الأهلية رغم خضوعها لإعادة هيكلة. فقد اندلعت الحرب الأهلية في ليبيا عام 2014 إثر انشقاق فصيل من الجيش بعد دمج الميليشيات المتمردة في هياكل قيادية جديدة. وفي جنوب السودان، تجددت الحرب الأهلية عندما انقسمت فصائل داخل الجيش الذي أُعيدت هيكلته حديثًا. أما في العراق، فقد أدى استبعاد بعض الفئات من القوات الأمنية المعاد هيكلتها إلى تصاعد التمرد بعد عام 2003. وحتى في الحالات التي تمكنت فيها بعض الدول من الحفاظ على السلام عقب إعادة هيكلة جيوشها، يبقى الغموض قائمًا بشأن إسهام القوات المسلحة فعلًا في تحقيق هذا الاستقرار، وطبيعة الدور الذي اضطلعت به في ذلك. انصبّ اهتمم الأدبيات السابقة المعنية بالعلاقة بين القوات الأمنية وتجدد الحروب الأهلية على محورين رئيسين: نزع سلاح المقاتلين، ودمج المتمرّدين في القوات المسلحة النظامية. وقد رأى بعض الباحثين أنّ هاتين العمليتين تمّثلّان إشارات موثوقة على التزام الأطراف بالتخّلي عن العنف3، بينم أشارت دراسات أخرى إلى أنّ إعادة هيكلة القوات الأمنية قد تعزّز قدرتها على ردع محاولات التمرّد المتجدّدة4. غير أنّ الأدلة التجريبية المتاحة ما تزال غير حاسمة بشأن الأثر الفعلي للدمج والقدرة العسكرية في استدامة السلام5. وأغفلت الأدبيات دراسة التحّولّات المتعلّقة بالقوانين والإجراءات والهياكل المؤسسية الناظمة للعلاقات المدنية – العسكرية، وهي تحّولّات يستغرق ترسيخها فترة زمنية طويلة نسبيًا6. وتتجّلى أهمية هذه
التحّولّات المؤسسية في قدرتها على تفسير ظاهرة تجدد الحروب الأهلية بعد فترة من توقّفها. فالبيانات الخاصة بالحروب الأهلية التي انتهت ثم تجدّدت خلال الفترة 2012–1960 تكشف أنّ ما يقارب ثلثَي هذه الحروب قد اندلع بعد مرور ثلاث سنوات على الأقل من انتهائها، في حين بلغ متوسّط الفاصل الزمني بين نهايتها وتجددها حوالى أربع سنوات ونصف السنة7. وتشير هذه الفجوة الزمنية إلى انتقال التركيز من الالتزام باتفاقيات التسوية إلى الانخراط في الديناميات اليومية لبناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، بما يتضمّن المفاوضات السياسية، والصراع على الموازنات العامة، والتعيينات في المناصب، وصياغة القوانين والسياسات التي ترسم حدود الوصول إلى الموارد والسلطة. وضمن هذه العمليات، تشغل القوات الأمنية غالبًا موقعًا محوريًا باعتبارها أحد أبرز الفاعلين المؤسسّييّن القادرين على التأثير المباشر في نتائجها. تتناول هذه الدراسة أثر القوات الأمنية في تجدد الحروب الأهلية من خلال تحليل دورها في سياسات ما بعد الحرب. فقد أبرزت دراسات لباربرا والتر وهفارد هيغري وهفارد موكليف نيغارد أهمية المؤسسات في تفسير عودة الصراعات الأهلية8، وذلك من خلال دورها في تحديد أنماط توزيع السلطة بين الفصائل، وإعادة إنتاج المظالم، وطرائق معالجتها. وناقشت الأدبيات المعنية بتشكّل الدولة في مرحلة ما بعد الحرب كيفية تجسيد المؤسسات لعمليات التنافس السياسي والمساومة بين النخب في إطار سعيها لترسيخ سلطتها9. ومع ذلك، لم تولِ هذه الأدبيات اهتممًا كافيًا بدور مؤسسات الدولة الأخرى، التي تعمل خارج نطاق الانتخابات أو ترتيبات تقاسم السلطة، في التأثير في احتملية تجدد الحروب الأهلية10. وأظهرت دراسات العلاقات المدنية – العسكرية في الدول الهشّة أن السياسيين يلجؤون إلى توظيف القوات الأمنية ليضمنوا بقاءهم في السلطة؛ ما يُفضي إلى نشوء قوات إقصائية أو قمعية أو تعسفية تزيد من احتملات الانقلابات العسكرية والحروب بين الدول11. ومع ذلك، لم تولِ هذه الأدبيات تداعيات هذه الممرسات على مسار الحروب الأهلية قدرًا كافيًا من الاهتمم12.
أجادل في هذا السياق بأن انخراط القوات الأمنية في دعم السلطة السياسية يؤثر بصورة مباشرة في مستوى خطر تجدد الحروب الأهلية. فغالبًا ما تميل أوضاع ما بعد الحرب إلى إنتاج قوات أمنية مسيّسة، نتيجة اعتمد النخب على شبكات المقاتلين في ترسيخ سلطتها. وأطرح ثلاثة مسارات رئيسة تسهم من خلالها هذه القوات المسيّسة في إعادة إشعال الصراع الأهلي؛ أولها: إقصاء الفصائل المنافسة من سلك الضباط، وثانيها: توظيف فصائل محددة مواردها لمواجهة النظام، وثالثها: تصعيد النزاع المسلح عبرر جيوش ذات استقلالية واسعة. وتُظهر هذه المسارات كيفية تأثير عناصر محدّدة من العلاقات المدنية – العسكرية، بما في ذلك تركيبة الجيش ومستوى الرقابة المدنية وآليات السيطرة، في احتملية تجدّد الحروب الأهلية. يجري تقييم هذه الآثار عبرر تحليل إحصائي يستند إلى بيانات أصلية عن العلاقات المدنية – العسكرية في سياقات ما بعد الحرب الأهلية. وتغطي هذه البيانات مؤشرات أساسية تتعلق بتركيبة الجيش، ومستويات الرقابة المدنية، وآليات السيطرة في الدول التي عرفت فتراتٍ للسلم عقب الحروب الأهلية خلال الفترة 2012–1960. ويكشف التحليل عن ارتباطٍ وثيق بين احتملية تجدّد الحرب الأهلية وطبيعة العلاقات المدنية – العسكرية، خصوصًا ما يتصل بتنوّع سلك الضباط ومستوى الرقابة المدنية على الموازنات العسكرية. وتشير التحليلات الإضافية إلى أنّ هذه الآثار لا يمكن تفسيرها حصرًا بمنطق مشكلة التزام الأطراف بالسلم أو بقدراتها العسكرية، كم أنها تختلف عن الآثار المرتبطة بعمليات الدمقرطة الأوسع نطاقًا. وتؤكّد النتائج على الأبعاد التوزيعية، سواء ما يتعلّق بتوزيع الموارد العامة أو بالحصول على المناصب السياسية، في إدارة العلاقات المدنية – العسكرية خلال مرحلة ما بعد الحرب. وبناءً على ذلك، تكشف هذه الدراسة عن آليات سببية جديدة لتجدّد الحروب الأهلية تنبع من ديناميات التنافس على مؤسسات الدولة في أثناء ترسيخ السلطة السياسية، مؤكّدةً في الوقت ذاته ضرورة تعميق البحث في الدور الذي تؤدّيه سياسة بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب في تفسير عودة اندلاع الحروب الأهلية.
القوات الأمنية والسلام يف مرحلة ما بعد الحرب
تُظهر الدراسات السابقة مسارَين رئيَسيَن تؤثر من خلالهم القوات الأمنية في مستوى خطر اندلاع الحروب الأهلية؛ إذ تركز أبحاث نشوء النزاعات على قدرة هذه القوات على ردع التمرّد، وعلى ميل القوات الضعيفة إلى تأجيج الصراع في أثناء محاولاتها قمعه13. وعلى المنوال ذاته، يمكن أن تفضي هشاشة القوات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية إلى تأجيج النزاع وتعميق حدّته. وبناءً على هذا المنطق، فإنّ تعزيز القدرات العسكرية، من خلال الاستثمر في الكوادر والتدريب والتجهيزات، يُفترض أن يساهم في الحد من احتملية تجدّد الحرب الأهلية. غير أنّ تعزيز القدرات العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب قد يفضي إلى نتائج عكسية؛ إذ يمكن أن يثير شعورًا بالتهديد لدى الفصائل المتضرّرة التي تخشى عودة القمع. وقد يتمّ الاستثمر في المؤسسة العسكرية على حساب تخصيص الموارد لمهمت أخرى في عملية إعادة الإعمر. ولهذا السبب، عمدت العديد من الدول في مرحلة ما بعد الصراع إلى تقليص ميزانيات قواتها الأمنية وأعداد أفرادها بدلًا من توسيعها.
تركز دراسات تجدد الحروب الأهلية على أثر عمليتَي نزع السلاح ودمج المقاتلين في القوات النظامية. ففي ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بنيّات الأطراف المتنازعة، يُنظر إلى اتفاقيات نزع السلاح وإدماج المتمرّدين في أجهزة الأمن التابعة للدولة باعتبارها مؤشرات موثوقة على التزام هذه الأطراف بالسلام14. فدمج المتمرّدين يمنحهم فرصًا للاستفادة من المنافع الاقتصادية، ويرفع تكلفة الفرصة البديلة للانخراط في تمرّد جديد15. ومع ذلك، ما زالت الأدلة بشأن آثار برامج نزع السلاح والدمج في تجدّد الحروب الأهلية غير حاسمة، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى ضعف تصميم هذه البررامج وسوء تنفيذها16. ويذهب رونالد كريبس وروي ليكلايدر إلى أنّ الارتباط بين الدمج العسكري واستدامة السلام قد يكون ارتباطًا زائفًا؛ إذ إن تحقق الأمرين معًا يعكس في الأساس طبيعة التوازنات السياسية القائمة17. وبالرغم من ذلك، ما زال وجود دور للقوات المسلحة في السياسة خلال مرحلة ما بعد الحرب يفتقر إلى الدراسة الكافية. فحتى مع توافر الظروف السياسية التي تسمح بدمج المقاتلين، يمكن أن تظلّ المؤسسة العسكرية مصدرًا محفّزًا لتجدّد النزاع. ففي الحالة الليبية مثل، ا عمدت الحكومة بعد عام 2011 إلى دمج الميليشيات المتمرّدة ضمن جهاز الأمن، غير أنّ الصراع ما لبث أن اندلع مجددًا حينم شرعت فصائل داخل الجيش في التعبئة ضد الحكومة الوطنية18. ولا تقتصر برامج إعادة الهيكلة بعد الحروب على نزع السلاح أو الدمج العسكري أو تنمية القدرات، بل تشمل، أيضًا، عمليات تطهير داخل سلك الضباط، وإصلاح أنظمة التعيين والترقية والتوظيف، وتعزيز الرقابة المؤسسية من جانب الوزارات والهيئات التشريعية، إضافة إلى إصلاحات إدارية وتنظيمية أوسع. تستمر هذه البررامج سنوات عديدة، وتتجاوز مرحلة تفاوض أطراف النزاع حول اتفاق السلام إلى مرحلة المساومة على القوانين والسياسات والتعيين في المناصب. ومن ثمّ، فإن إعادة هيكلة قوات الأمن لا تقتصر على توضيح نيّات الأطراف وقدراتها، بل تخلّف أيضًا آثارًا طويلة الأمد في تقاسم السلطة وتوزيع موارد الدولة. وبالرغم من أن أدبيات العلاقات المدنية – العسكرية اهتمت اهتممًا كبيرًا بالعواقب السياسية المترتبة على هذه العلاقات، فلا يزال تأثيرها المباشر في الحروب الأهلية أقلّ وضوحًا؛ ففي السياقات التي تتسم بضعف المؤسّسات، تميل النخب الحاكمة إلى توظيف القوات الأمنية أداةً للبقاء في السلطة، من خلال تفضيل شبكاتها في التعيينات العسكرية، وإنشاء تشكيلات أمنية متعددة ذات مهمت متداخلة، واستخدام الجيش في إدارة الشأن الداخلي19. إنّ مثل هذه الممرسات تضعف كفاءة الجيش، وتزيد احتملية وقوع الانقلابات
العسكرية، وقد تشّك ل عاملًا محفّزًا لاندلاع الحروب الأهلية20. لذلك، تسعى برامج إعادة الهيكلة بعد الحرب إلى معالجتها عبرر تعزيز الاحترافية ورفع مستوى الفاعلية. ومع ذلك، فإنّ هذه البررامج قد تمسّ أيضًا بالآليات التي تعتمدها النخب الحاكمة لترسيخ سلطتها. ويقتضي استيعاب تداعيات ذلك على تجدّد الحروب الأهلية تحليل دور القوات الأمنية في السياسة خلال مرحلة ما بعد الحرب.
القوات الأمنية يف عملية بناء الدولة بعد الحرب
منذ نشوء الدول الحديثة، مثّلت القوات الأمنية ركيزة أساسية في بنية السلطة السياسية. فبحسب تشارلز تيلي، لم يكن تشكّل "هيكل الدولة إلا نتاجًا ثانويًا لمساعي الحكّام إلى تأمين أدوات الحرب"21. وفي بدايات أوروبا الحديثة، فرضت الحاجة إلى زيادة الإيرادات لتمويل القوات المسلحة توسيع البيروقراطيات الحكومية، وولّدت طلبًا متزايدًا على المشاركة العامة والمساءلة. وأسفرت الترتيبات التفاوضية بين النخب السياسية والتجارية عن ظهور أنماط مؤسسية محدّدة، شملت الجيوش الوطنية القائمة على التجنيد الإجباري، وإرساء الرقابة والسيطرة المدنية، وفرض قيود على استخدام القوة في الداخل22. وفي المقابل، واجه الحكّام في دول ما بعد الاستعمر تهديدات خارجية أقل حدّة؛ ما قلّل من الضغوط الواقعة عليهم لبناء جيوش فعّالة أو لتطوير بيروقراطيات قادرة على تمويلها وإدارتها23. وفي هذه السياقات، جرى توظيف القوات المسلحة أساسًا في خدمة أهداف سياسية داخلية تمثّلت في قمع المعارضة، وحمية الأنصار، وصيانة شبكات الزبائنية والمحسوبية24. وقد أدّت هذه الممرسات في بعض الحالات إلى المساهمة المباشرة في إشعال الحروب الأهلية25. تغدو الوظائف السياسية للقوات الأمنية أشد بروزًا في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية؛ إذ تواجه النخب الحاكمة، سواء بعد أن جرى تحدّي سلطتها من جانب المتمرّدين أو مع توّلي نخب جديدة الحكم، ضرورة ترسيخ سلطتها عبرر توسيع قاعدة التأييد، أو الدخول في تسويات مع الفصائل المنافسة، أو حشد دعم أشمل26. وبما أنّ المقاتلين السابقين يشكّلون في الغالب النواة الصلبة لشبكات النخب في مرحلة ما بعد الحرب، فإنهم يؤدّون دورًا محوريًا في جهود ترسيخ السلطة. وتضطلع القوات المسلحة الموالية بحمية أنصار
النظام وتوزيع الريع وحشد الناخبين وترهيب الخصوم27. ومن خلال التلاعب بالمالية العسكرية وشؤون الأفراد والعمليات، تسعى النخب الحاكمة إلى تعزيز الدعم داخل شبكاتها واستيعاب المنافسين المحتمَلين. غير أنّ الارتكان إلى القوات الأمنية لترسيخ السلطة ينطوي على مخاطر جمّة؛ إذ إن انخراط القوات المسلحة في السياسة قد يرفع من احتملات الانقلابات، ويقوّض في الوقت ذاته قدراتها القتالية28. وربما تسهم القوات المسلحة المسيّسة في تجدد الحرب الأهلية؛ إذ إن دورها في ترسيخ السلطة قد يغذي المظالم ويؤجّج التوترات الكامنة، بل قد يتحدى النظام القائم في مرحلة ما بعد الحرب. وفي السياقات الهشّة لمرحلة ما بعد النزاع، حيث تبقى الجمعات المسلحة قابلة للتعبئة بسهولة، تتصاعد حدّة التوترات على نحو متسارع، لا سيم عندما تتمحور حول القوات الأمنية. غير أنّ هذه المخاطر تظل رهينة بسياقات ما بعد الحرب؛ ففي الدول التي استقرّت فيها تقاليد الرقابة والسيطرة المدنية، قد تكون تداعيات تسييس القوات الأمنية أقل حدّة. وفي مرحلة ما بعد الحرب، قد تلجأ الحكومات إلى إجراء تغييرات مؤسسية تؤثّر في العلاقات المدنية – العسكرية، سواء لتنفيذ اتفاقات السلام، أو في إطار الانتقال نحو الديمقراطية، أو استجابة لتوصيات المانحين الخارجيين. وإذا كان تسييس القوات الأمنية يزيد من خطر تجدّد الحرب الأهلية، فإن التدابير الرامية إلى الحد من هذا التسييس يُفترض أن تسهم في تقليص تلك المخاطر. يستعرض ما تبقّى من هذا القسم ثلاثة مسارات تسهم من خلالها القوات الأمنية في تجدّد الحرب الأهلية عبرر دورها في السياسة ما بعد الحرب. وتبّين هذه المسارات أن تقليص أبعاد معيّنة من العلاقات المدنية – العسكرية يمكن أن يحدّ من خطر تكرار الحرب الأهلية.
الإقصاءExclusion
تلجأ النخب الحاكمة في بعض دول ما بعد الحرب إلى استخدام التعيينات العسكرية وسيلةً لترسيخ سلطتها ضمن شبكات سياسية حصرية؛ إذ يؤدّي "تكديس" Stacking هذه التعيينات على أسس هوياتية إلى تعزيز الولاء الداخلي والتمسك المؤسسي، وبما يسهّل أيضًا توظيف المؤسسة العسكرية أداةً حزبية في قمع الخصوم السياسيين29. ثمّ إن تفضيل فئة بعينها داخل القوات المسلحة يعمّق ولاءها السياسي؛ إذ يصبح المستفيدون من الامتيازات الأمنية أشد تمسّكًا ببقاء تلك الشبكة في السلطة30، وقد ينظرون إلى القوى المنافسة باعتبارها تهديدًا وجوديًا31. وبهذا، فإن هيمنة فئات محددة على سلك الضباط تسهم في ترسيخ القاعدة الأساسية الداعمة للنخب الحاكمة.
غير أنّ الاكتفاء ببناء السيطرة على القوات المسلحة من خلال الروابط الاجتمعية الإقصائية قد تكون له تداعيات عكسية؛ فتمييز فئة بعينها ينطوي على إقصاء فئات أخرى، قد ترى في المؤسسة العسكرية تهديدًا وجوديًا؛ ما يدفعها إلى إنشاء ميليشيات موازية للدفاع عن مصالحها. ويشير فيليب روسلر إلى أن "الإقصاء [...] ينقل الصراع من داخل النظام إلى المجتمع"32. ويكون خطر تفاقم هذه التوترات مرتفعًا على نحو خاص في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية؛ إذ إن الجمعات المستبعَدة تكون قد نظّمت صفوفها مسبقًا وتلقّت التدريب، وتوافرت لها الأسلحة33. فعلى سبيل المثال، كان التمرّد في العراق بعد عام 2003 مدفوعًا إلى حدّ بعيد بسياسة استبعاد الضباط السنّة السابقين من القوات الأمنية التي أُعيدت هيكلتها34. يقلّ احتمل الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة عندما يتضمن سلك الضباط تمثيلًا متوازنًا لجميع المجموعات السياسية البارزة. وقد يتأّتى هذا التنوع من خلال إجراءات راسخة تقوم على تعيين الضباط وفق معايير الجدارة، أو عبرر خطوات أُقرّت بعد الحرب الأهلية لتنفيذ اتفاقات السلام، أو من خلال مبادرة النخب الحاكمة إلى تعيين أعضاء من الأحزاب المتنافسة بغية بناء ائتلاف سياسي. وفي بعض الحالات، يتحقق هذا التنوع عبرر برامج دمج المقاتلين، على الرغم من أنّ هذه البررامج تركّز في الغالب على الجنود العاديين دون الضباط. غير أنّ تعيينات الضباط تظل أشد تأثيرًا في إعادة توزيع السلطة السياسية؛ إذ إنها تتيح للفصائل المنافسة الوصول إلى مواقع النفوذ والموارد والمناصب. وتُسهم هذه التعيينات في استيعاب قادة المتمرّدين السابقين الذين يمتلكون القدرة على إشعال تمرّد جديد. وحتى في أعقاب تحقيق نصر عسكري أو في الحالات التي تُقصي فيها النخب الحاكمة خصومها من السلطة، غالبًا ما يُدمج قادة المتمرّدين في سلك الضباط. فعلى سبيل المثال، نجد أنّ الأحزاب الحاكمة المهيمنة في أنغولا ورواندا بعد الحرب الأهلية، قد لجأت إلى تعيين كبار قادة المتمرّدين وأعضاء من جمعات إثنية منافسة في سلك الضباط؛ وذلك بغية تقويض المعارضة35. ومن ثمّ، فإنّ التنوع في التعيينات قد يسهم في تقليل خطر تجدّد الحرب الأهلية حتى ضمن بيئات سياسية يغلب عليها الطابع الإقصائي. تبررز تجربة الحرب الأهلية في ليبيريا أثر التعيينات الإقصائية والتعيينات المتنوعة. فقد اندلعت الحرب عندما عمل الرئيس صامويل دو (1990–1980) على إعادة تشكيل الجيش بأفرادٍ ينتمون إلى جمعته الإثنية كراهن Krahn، وأقصى أعضاء من جمعتَي المانو وجيو Gio and Mano عقب محاولة انقلابية، ليشكّل الجنودُ المستبعَدون النواة الأساسية لجمعة المتمردين المعروفة ب "الجبهة. وتجدد القتال36الوطنية لتحرير ليبيريا The National Patriotic Front of Liberia, NPFL " لاحقًا عندما حاول الرئيس تشارلز تايلور (1997–2003) إقصاء المقاتلين الكراهن من الجيش، واستعانَ بمقاتلي الجبهة الوطنية، بينم اعتبررت جمعة الليبيريين المتحدين للمصالحة والديمقراطية The Liberians United for Reconciliation and Democracy, LURDأنّ استبعادها من القوات
المسلحة يمثّل مظلمة جوهرية37. وعلى النقيض من ذلك، ساهم التجنيد المتوازن إثنيًا، بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2003، في إعادة تشكيل صورة الجيش من كونه تهديدًا رئيسًا للأمن العام إلى واحدة من أكثر المؤسسات العامة التي تحظى بثقة المواطنين38. الفرضية الأولى: يقلّ خطر تجدّد الحرب الأهلية عندما يتضمن سلك الضباط تمثيلًا لمختلف الفصائل السياسية.
الاستغلالExploitation
يمكن أن يقود مسار ثانٍ إلى تجدّد الحرب الأهلية، يتمثّل في توظيف القوات المسلحة أداةً لتوزيع الريع. فالمناصب العسكرية توفّر مزايا اقتصادية عديدة، بدءًا بالتحكّم في الحصص الغذائية، مرورًا بالحصول على عقود توريد المعدّات المربحة، وصولًا إلى أنشطة التعدين والتهريب وغيرها من المشاريع التجارية التي تديرها المؤسسة العسكرية. ولا تقتصر هذه المنافع على الجنود أنفسهم، بل تتدفق أيضًا إلى شبكات أوسع تشمل عائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية39. ويتيح توزيع الريع عبرر المؤسسة العسكرية على النخب الحاكمة توسيع قاعدة دعمها بين الفصائل السياسية ذات الثقل، واستيعاب الخصوم المحتملين، وتعزيز ولاء شبكتها الأساسية. غير أنّ الاعتمد على توزيع الريع عبرر المؤسسة العسكرية ينطوي على مخاطر جسيمة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية؛ إذ إنه يمنح الضباط هامشًا واسعًا من الحرية في إدارة الموارد العسكرية؛ ما يتيح لهم بناء قواعد نفوذ خاصة داخل الجيش وتوطيد صلاتهم بالسياسيين. وربما يؤدّي التنافس على الريع بين الضباط إلى تفاقم الانقسامات الفئوية حتى داخل القوات المسلحة المتجانسة. ويمكن أن تتصاعد التوترات سريعًا إذا ما تحدّى الضباط النظام سعيًا وراء حصة أكبرر من الريع، أو إذا ما حشدت الفصائل المتنافسة أنصارها استجابةً للنزاعات بين رعاتها السياسيين. فعقب اتفاق السلام عام 2005 في جنوب السودان، حافظت الحكومة على ولاء الجيش الشعبي لتحرير السودان، أساسًا، عبرر توزيع ريع النفط في شكل "هبات" للجنود وعائلاتهم40. غير أنّ هذا النهج غذّى ما عُرف ب "التمردات الريعية" Rebellions Rent-seeking، التي شنّها قادة محليون في الجيش وساسة سعوا إلى الحصول على حصة أكبرر من الموارد التي توزعها الحكومة41. وسرعان ما تحوّلت الأزمة السياسية بين النخب إلى حرب أهلية، بعدما انشقّت الفصائل المتنافسة عن الجيش وحشدت قواتها لمواجهة متبادلة. يمكن أن تحول القيود المفروضة على السلطة التقديرية للضباط العسكريين في الشؤون المالية دون تجدّد الحرب الأهلية؛ إذ إن غياب هذه السلطة يقلّل من قدرة الضباط على الحفاظ على شبكاتهم الداخلية، أو تعزيز علاقاتهم بالسياسيين، أو حشد القوى ضد الحكومة. وغالبًا ما تتضمّن إعادة هيكلة قطاع الدفاع في مرحلة ما بعد الحرب تعزيز الرقابة المدنية والتشريعية من خلال إصلاح إجراءات الموازنة، وإدارة الموارد
المالية وتلك المتعلقة بالمشتريات. وتسهم هذه التدابير في تقليص خطر اندلاع حرب أهلية جديدة من داخل القوات المسلحة ذاتها. فخلال الحرب الأهلية في سيراليون، أقدم ضباط عسكريون على تنفيذ عدة انقلابات وانشقاقات، حتى بعد أن حاولت الحكومة تقييد سيطرتهم على الحصص الغذائية التي كانوا يستخدمونها للحفاظ على شبكات الزبائنية. غير أنّ الحكومة بعد الحرب، وبدعم من المملكة المتحدة، تبنّت إصلاحات عززت الرقابة المدنية وقيّدت فرص الاستغلال مجددًا42. الفرضية الثانية: كلم تعزّزت الرقابة المدنية على إدارة القوات المسلحة وشؤونها المالية تراجعَ خطر تجدّد الحرب الأهلية.
التصعيدEscalation
ثمة خطر ثالث ينبع من احتفاظ المؤسسة العسكرية بمستويات من الاستقلالية عن السلطة المدنية على نحو يمكّنها من تصعيد الحروب الأهلية. ففي أعقاب الانتصارات العسكرية، أو في الأنظمة التي يسيطر عليها الجيش، غالبًا ما يتسع هامش استقلاليته، الذي يتيح له السعي وراء مصالحه الخاصة على حساب مصالح المدنيين. وحتى في الأنظمة المدنية التي ترتكز في بقائها على دعم الجيش، فإنّ النخب الحاكمة عادة ما تُحجم عن تحدّي هذه الاستقلالية أو التدخّل في إدارة عملياته43. قد تفضي استقلالية الجيش عن السيطرة المدنية إلى زيادة خطر تصعيد النزاعات الناشئة إلى مستوى يجدد الحرب الأهلية. فضعف الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية يرتبط بارتفاع احتملية اندلاع الحروب؛ إذ تميل الجيوش، في ظل غياب القيود الكابحة، إلى تفضيل الردّ العنيف على التهديدات44. أضف إلى ذلك أنّ الأنظمة العسكرية أكثر عرضة لاندلاع الحروب الأهلية؛ إذ إنها تميل بدرجة أقل من الأنظمة المدنية إلى التوصّل إلى تسويات مع المتمرّدين، وتُظهر استعدادًا أكبرر للّجوء إلى القوة45. وترتبط هذه الأنظمة أيضًا بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق السلامة الجسدية، مثل التعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، وهي ممرسات تسهم في تأجيج التمرّد وتصعيده46. وعندما يكون المدنيون في موقع السلطة من دون سيطرة حقيقية على الجيش، فإنهم قد يتسامحون مع مستويات عالية من القمع. ويفتح ضعف
السيطرة المدنية المجال أمام تقديم دعم عسكري لجمعات مسلّحة غير حكومية تمارس انتهاكات جسيمة47. وإذا ما أعادت إحدى الجمعات المتمرّدة تنظيم صفوفها بعد الحرب الأهلية، فإنّ إحجام الجيش عن الدخول في تسوية معها واستعداده لانتهاج ردود عنيفة قد يسرّعان اندلاع جولة جديدة من القتال48. صحيح أنّ الردود العنيفة قد تُنهي التمرد في المدى القصير، لكنها غالبًا ما تنطوي على فظائع تغذي المظالم وتعيد إنتاج التمرد لاحقًا49. ففي إندونيسيا، أخمد الجيش التمرد في تيمور الشرقية خلال الثمنينيات، غير أن أساليبه القمعية العنيفة، وخاصة عملية قتل مئات المتظاهرين عام 1991، أسهمت في إشعال الحرب الأهلية مجددًا. إنّ السيطرة المدنية الفعّالة على العمليات العسكرية تسهم في تقليص احتملية انزلاق الأوضاع نحو تجدّد الحرب الأهلية. ففي حين تستند بعض حكومات ما بعد الحرب إلى تقاليد راسخة في ممرسة الرقابة المدنية، تعمد حكومات أخرى إلى سنّ تشريعات وإدخال تغييرات هيكلية تحدّ من نطاق العمليات العسكرية، وتفصل بين مهمت الأمن الداخلي ووظائف المؤسسة العسكرية، أو تعزّز صلاحيات المسؤولين المدنيين في وزارَتي الدفاع والداخلية. وغالبًا ما تنَّفَذ هذه التغييرات في سياق التحّولّات الديمقراطية أو باعتبارها جزءًا من تنفيذ اتفاقيات السلام. ويُفترض أن تسهم في الحدّ من خطر التصعيد العسكري عبرر تمكين المدنيين من ضبط استخدام القوة، وتبنّي بدائل أخرى للتعامل مع تمرّد متجدّد. ففي إندونيسيا، على سبيل المثال، أتاح الانتقال الديمقراطي المجال لإجراء الاستفتاء في تيمور الشرقية، على النحو الذي أنهى الحرب الأهلية على الرغم من معارضة الجيش. ومع ذلك، لا يُستبعَد أن تلجأ حكومات تتمتّع بسيطرة مدنية فعّالة إلى استخدام أساليب قمعية مفرطة، في حين قد تُبدي بعض الأنظمة العسكرية قدرًا أكبرر من ضبط النفس. غير أنّ الاتجاه العام يؤكّد أنّ السيطرة المدنية تسهم في تقليص احتملية تجدّد الحروب الأهلية. الفرضية الثالثة: كلم تعزّزت السيطرة المدنية على العمليات العسكرية، انخفضَ خطر تجدّد الحرب الأهلية. يبّين كلّ مسار من هذه المسارات آلية سببية خاصة توضّح الكيفية التي يمكن من خلالها أن تؤدي مشاركة القوات الأمنية في السياسة بعد الحروب إلى زيادة احتملية تجدّد الصراع الأهلي، وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على إجراءات تقلّص هذا الخطر. ومع ذلك، لا تمثّل هذه المسارات بالضرورة جميع الأوجه التي يمكن أن تسهم بها القوات الأمنية في تجدد الحرب الأهلية، وقد تتقاطع أكثر من آلية في البلد الواحد. ومع ذلك، فإنها تكشف ثلاث صور رئيسة لدور القوات الأمنية في إعادة إنتاج النزاع من خلال ترسيخ السلطة: الأولى، بتهيئة الظروف لتمرّدٍ جديد من جانب الفصائل المستبعَدة من القوات المسلحة؛ والثانية، بتمكين بعض الفصائل داخل الجيش من توظيف العنف في مواجهة النظام؛ والثالثة، بفسح المجال أمام المؤسسة العسكرية لتصعيد النزاعات الناشئة دعمًا للنظام. وبينم تكشف هذه المسارات عن أدوار القوات الأمنية في إسناد السلطة السياسية، فإنها تعكس في الوقت ذاته عمليات أوسع تتعلق بترسيخ السلطة وإعادة التنافس عليها في أعقاب الحروب الأهلية. وتبررز أن خصائص معيّنة في العلاقات المدنية – العسكرية يمكنها أن تسهم في تقليص احتملات تجدّد الحرب الأهلية أو في زيادتها. وسأتناول هذه الدلالات في القسم التالي من خلال تحليل تجريبي.
البيانات وتصميم البحث
تتناول الدراسة أثر العلاقات المدنية – العسكرية في احتملية تجدّد الحروب الأهلية، بالاعتمد على تحليل فترات السلام التي أعقبت النزاعات خلال الفترة 2012-1960. وقد جرى اختيار الحالات بالاستناد إلى قاعدة بيانات النزاعات المسلحة ACD Dataset, Conflict Armed التابعة لبررنامج بيانات النزاعات بجامعة أوبسالا Program Data Conflict Uppsala، والتي تضمّ جميع الحروب الأهلية الكبررى التي انتهت خلال هذه المدة50. وتعَّرَف الحرب الأهلية الكبررى بأنها صراع مسلّح بين الحكومة وأطراف غير حكومية يتسبّب في مقتل ما لا يقل عن ألف شخص في المعارك خلال عام واحد. وتشمل قاعدة البيانات أيضًا حروبًا أهلية محدودة لم تبلغ هذه العتبة، غير أنّ هذه النزاعات أقل احتملًا لاحتواء الديناميات المؤسسية والسياسية المرتبطة بترسيخ السلطة في مرحلة ما بعد الحرب، وهي الديناميات التي تركّز عليها الدراسة، التي تعتمد "الدولة – السلام – السنة" Country–Peace–Year، وحدةً للتحليل، بدءًا من العام الذي يلي نهاية الحرب الأهلية حتى تجدّدها أو انتهاء فترة البيانات عام 201251. وبما أنّ التحليل يركّز على التغيرات على المستوى الوطني، لم يتمّ التمييز بين فترات السلام المتزامنة التي أعقبت حروبًا أهلية متعدّدة داخل الدولة ذاتها. وبناءً عليه، جرى تعريف سنوات السلام بأنّها الفترات التي لم تشهد خلالها الدولة حربًا أهلية كبررى52. واقتصرت العيّنة على فترات السلام التي انقطعت فيها جميع الحروب الأهلية الكبررى مدة عامين على الأقل، وذلك لتفادي احتساب فترات وقف إطلاق النار القصيرة، وإتاحة الفرصة أمام عمليات ترسيخ السلطة السياسية. ووفق هذه المعايير، يتكوّن ملف البيانات من 855 حالة "الدولة – السلام – السنة"، تشمل أكثر من 63 فترة سلام في 44 دولة. يستند التحليل إلى نموذج كوكس للمخاطر النسبية لتحليل البيانات Model Hazard Proportional Cox. صحيح أنّ نموذج ويبل Weibull ونماذج أخرى بارامترية للبقاء قد تُظهر كفاءة أعلى، إلا أنّها تفترض مسارًا منتظمًا لاحتمل اندلاع الحرب الأهلية على مر الزمن، سواء كان هذا المسار تصاعديًا أو تنازليًا53. ونظرًا إلى غياب افتراض نظري أو تجريبي واضح بشأن توزيع احتملية تجدّد الحرب الأهلية عبرر الزمن، فقد وقع الاختيار على نموذج كوكس شبه البارامتري؛ لأنه لا يفرض أيّ افتراضات مسبقة حول هذا التوزيع54. أمّا المتغّير التابع فهو تجدّد النزاع، ويُرمز له ب (0) لكل سنة يبقى فيها البلد في حالة سلم، وب (1) للسنة التي تبدأ فيها حرب أهلية كبررى جديدة أو تُستأنف فيها حرب سابقة داخل البلد نفسه. وتُظهر البيانات أنّ خطر تجدد الحرب الأهلية مرتفع نسبيًا؛ إذ إن 48 في المئة من فترات السلام التي أعقبت النزاعات في مجموعة
البيانات انتهت بتجدّد الحرب الأهلية. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا التعريف لتجدّد النزاع يستثني الجولات القصيرة أو المحدودة من القتال التي لم تبلغ عتبة الألف قتيل في المعارك. وبحسب تعريفٍ بديل يشمل الحروب الأهلية الصغرى، فإّن 51 في المئة من فترات السلام تنتهي بتجدّد الحرب الأهلية.
قياس العلاقات المدنية – العسكرية يف مرحلة ما بعد الحرب
لقياس المتغّيارت المستقلّة، اعتمدت الدراسة على مجموعة بيانات أصلية تتعلّق بالعلاقات المدنية – العسكرية في سياقات ما بعد الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أنّ الدراسات الكمّية السابقة حول تجدّد الحروب الأهلية تركّزت على تقييم آثار نزع السلاح أو الدمج العسكري، فإنها لم تتناول بالقدر الكافي الأبعاد البنيوية للقوات المسلحة، ولا طبيعة السيطرة المدنية وآليات الرقابة55. أضف إلى ذلك أنّ معظم الدراسات الكمّية في مجال العلاقات المدنية – العسكرية اعتمدت على مقاييس عامة لهيمنة المؤسسة العسكرية أو على مؤشرات وقوع الانقلابات العسكرية، من دون أن تعمل على تفكيك أبعاد هذه العلاقات إلى عناصرها التفصيلية56. وقد طوّر باحثون مقاييس أكثر تفصيل، ا ركزت على القوات شبه العسكرية57، والتكوين الإثني للقوات المسلحة58، والسيطرة المدنية59. غير أنّ هذه الدراسات اقتصرت على الحروب بين الدول أو في مناطق محددة، ولم تشمل جميع الدول التي شهدت حروبًا أهلية في مرحلة ما بعد النزاع. تتضمن مجموعة بيانات الحوكمة الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب ثمانية متغيرات مرتبطة بالعلاقات المدنية – العسكرية60. وتتولى هذه المجموعة ترميز كل سنة من سنوات السلام في الدول التي شهدت حروبًا أهلية كبررى أعقبتها فترات سلام خلال العقود الخمسة الماضية. وقد استخدمتُ ثلاثة متغيرات رئيسة لاختبار الفرضيات الأساسية لهذا البحث؛ إذ يعكس متغّير تعيين الضباط في المناصب Appointment Officer مدى استبعاد بعض الأفراد من المناصب العليا في القوات المسلحة استنادًا إلى انتمءاتهم الإثنية أو العِرقية أو الطائفية أو الحزبية. وقد جرى ترميز هذا المتغّير استنادًا إلى القوانين والسياسات المكتوبة والتقارير الفنية والدراسات الأكاديمية. أما المتغّير المرتبط بالفرضية الثانية، وهو الولوج المدني Access Civilian، فيقيس إذا ما كانت المؤسسة العسكرية تنشر بيانات كافية عن الموازنة تتيح ممرسة الرقابة المدنية. ويستند هذا المتغّير إلى الجداول السنوية للإنفاق العسكري الواردة في الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم الدوليي لأبحاث السلام. وقد رُِّمِزت الأعوام التي نشُرت Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI Yearbook
فيها بيانات موثوقة عن الإنفاق العسكري بالقيمة (1)، في حين رُِّمِزت الأعوام التي لم تُنشر فيها بيانات موثوقة بالقيمة (0). وعلى الرغم من أنّ هذا المتغّير لا يقيس فاعلية الرقابة المدنية بصورة مباشرة، فإنّ نشر بيانات الإنفاق العسكري يُعدّ شرطًا لازمًا لممرستها، ومن ثم يشكّل مؤشرًا بديلًا مناسبًا61. أما المتغّير المرتبط بالفرضية الثالثة، فهو السيطرة المدنية Control Civilian، ويقيس ما إذا كان المدنيون يمارسون السيطرة على العمليات العسكرية عبرر هرمية واضحة ومنظمة. ويُرَمَّز هذا المتغّير بالقيمة (0) إذا كان رئيس الدولة أو وزير الدفاع ضابطًا في الخدمة الفعلية، وذلك استنادًا إلى الكتاب السنوي لأوروبا Europa World Yearbook62. وعلى الرغم من أنّ أًّيًا من هذه المتغّيارت ليس مثاليًا، فإنها تعكس ممرسات محدّدة وقابلة للقياس تعّبر عن حالة تكوين المؤسسة العسكرية، ومستوى الرقابة المدنية، ودرجة السيطرة المدنية. وتشمل هذه المتغّيارت القوانين المكتوبة وآليات التنفيذ، وتمتد إلى ما يتجاوز نطاق نزع السلاح والدمج العسكري لتشير إلى كيفية حوكمة القوات المسلحة في السنوات التي تعقب الحروب الأهلية. ويتضمن الملحق الإضافي وصفًا أكثر تفصيلًا للمتغّيارت وقواعد الترميز ومصادر المعلومات، فضلًا عن قائمة بفترات السلام مع ترميز كل متغّير في سنتها الأخيرة. تُظهر البيانات أن العلاقات المدنية – العسكرية تتباين على نحو واسع بين الدول في مرحلة ما بعد النزاع. ويعرض الشكل (1) نسبة فترات السلام التي حققت درجات إيجابية في كل متغّير خلال عامها الأخير، سواء عند تجدد الحرب الأهلية أو عند انتهاء العيّنة. فقد انتهت نحو 51 في المئة من فترات السلام بوجود سلك ضبّاط متنوّع، و 45 في المئة بوجود وصول مدني إلى الموازنات العسكرية، و 46 في المئة بوجود سيطرة مدنية.
الشكل (الشكل (1)) نسبة فترات السلام ما بعد النزاع التي تنتهي بتعيين ضباط من خلفيات متنوعة، وتمكين المدنيين من نسبة فترات السلام ما بعد النزاع التي تنتهي بتعيين ضباط من خلفيات متنوعة، وتمكين المدنيين من الوصول إلى معلومات الموازنات العسكرية، وترسيخ السيطرة المدنية الوصول إلى معلومات الموازنات العسكرية، وترسيخ السيطرة المدنية
يختبرر هذا البحث طرَحيَن بديَليَن حول كيفية تأثير القوات الأمنية في خطر تجدد الحروب الأهلية. يتمثّل الطرح الأول في أنّ الأثر قد يكون مرتبطًا بتخفيف مشكلات الالتزام في المرحلة المباشرة التي تعقب الحرب الأهلية، لا بدورها الطويل الأمد في المشهد السياسي. ووفقًا لهذا المنطق، تُعدّ اتفاقيات الدمج بمنزلة إشارات على التزام الأطراف بالسلام. أمّا الطرح الثاني الذي أقدّمه، فيفترض أنّ التنفيذ الفعلي أهم من الاتفاق في حد ذاته، وأنّ التدابير التي تتطلب وقتًا أطول للتنفيذ، مثل تعيين الضباط والرقابة المدنية وإتاحة الوصول إلى المعلومات، ينبغي أن تكون أشد أثرًا. ويشير متغّير الدمج العسكري Integration Military إلى ما إذا كانت ارلأطراف المتحاربة قد توصّلت إلى اتفاق بشأن الدمج العسكري، في حين يشير متغّي Milint_Full إلى الدمج العسكري الذي نُفّذ بصورة كاملة. وقد استُمدّ هذان المتغّيارن من دراسة آنا ك. آرستاد ودزيريه نيلسون63، مع الاستعانة ببيانات إضافية من دراسات كاثرين غلاسمير ونيكولاس سامبانيس. أمّا الطرح الثاني فيفترض أنّ أثر القوات الأمنية قد يستند إلى قدرتها على ردع التمرد المتجدّد أو هزيمته. ولقياس هذه القدرة اعتمدًا على معيار بديل، استخدمتُ متغِّيِري الإنفاق العسكري للفرد Milexp، والتغّير في حجم الإنفاق العسكري مقارنة بالعام السابق Milexp_Chng، وذلك استنادًا إلى قاعدة بيانات الإنفاق العسكري الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
المتغيرات الضابطةControl Variables
يتحكّم التحليل في مجموعة من المتغّيارت الضابطة لتجدّد الحروب الأهلية. وتتعلق المجموعة الأولى بالظروف الاجتمعية – الاقتصادية التي تغذّي المظالم وتتيح فرصًا لتعبئة المتمرّدين64. فارتفاع مستوى الدخل - ويقاس باللوغاريتم الطبيعي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجملي - قد يقلّل من خطر تجدّد الحرب الأهلية. في المقابل، قد يؤدّي ارتفاع عدد السكان - ويقاس باللوغاريتم الطبيعي لعدد السكان - إلى زيادة هذا الخطر من خلال تسهيل تعبئة المتمرّدين أو تعقيد جهود بناء السلام بعد الحرب. أمّا الريع المتأتي من الموارد الطبيعية فيتيح فرصًا لتمويل التمرّد، وقد يُضعف في الوقت نفسه قدرة الدولة. ويُرمّز المتغّير الثنائي الخاص بريع الموارد بالقيمة (1) إذا حصلت الدولة على ريع من معادن كالنفط أو الألماس بما لا يقلّ عن 10 في المئة من ناتجها المحّلي الإجملي66. وقد يؤدّي التفتت الإثني Ethnic Fractionalization إلى تفاقم حدّة العداء وتسهيل عمليات التعبئة للتمرّد. تتمحور المجموعة الثانية من المتغّيارت الضابطة حول خصائص الحروب الأهلية ونتائجها67. فالنصر العسكري يسهم في الحدّ من مشكلات الالتزام عبرر توضيح موازين القوى، في حين قد تؤدي اتفاقيات السلام
إلى تفاقم هذه المشكلات بزيادة احتملات الانشقاق68. وتضطلع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بدورٍ مهم في التخفيف من هذه المشكلات من خلال تقديم ضمنات موثوقة وتعزيز الثقة بين الأطراف69. أمّا طول أمد الحرب - ويقاس بعدد سنواتها - فقد يفاقم حدّة العداء ويعقّد جهود بناء السلام، غير أنّه قد يساهم، في المقابل، في تقليص مشكلات الالتزام عبرر إظهار القدرات الحقيقية للأطراف المتحاربة70. أضف إلى ذلك أنّ تعدّد الفصائل المتحاربة يرفع من خطر تجدّد النزاع؛ نظرًا إلى زيادة احتملات انشقاق أحدها71. أخيرًا، قد تكون العلاقات المدنية – العسكرية نتائج فرعية لعمليات الدمقرطة. فكثيرًا ما تعتمد الدول في مرحلة ما بعد الحرب آليات للسيطرة المدنية والرقابة ضمن مسار انتقالها نحو الديمقراطية. ومن ثم، قد تعكس آثار العلاقات المدنية – العسكرية المرصودة جوانب أخرى من الديمقراطية، مثل القيود المفروضة على السلطة التنفيذية أو مستويات المشاركة العامة. ولقياس مستوى الديمقراطية، أستخدم مؤشر Polity المستمد من قاعدة بيانات Polity IV72. وأدرج متغِّيِرا ثنائيًا خاصًا بالحرب الباردة لأخذ التحولات في بنية النظام الدولي في الحسبان. وترد الإحصاءات الوصفية الخاصة بالمتغّيارت المستقلة والضابطة في الملحق الإضافي (الجدول 3.)A.
النتائج
يعرض الجدول (1) نتائج نماذج كوكس للمخاطر النسبية فيم يتعلّق بالمتغّيارت المستقلة الثلاثة الرئيسة. وتقدّر هذه النمذج أثر كل متغّير تفسيري في احتمل عودة اندلاع الحرب الأهلية في سنة معينة، بافتراض استمرار حالة السلم حتى تلك السنة. ويُظهر الجدول معدلات المخاطر Ratios Hazard، والانحرافات المعيارية القوية المجمّعة بحسب كل دولة73. ويشير معدل المخاطر أقل من (1) إلى أنّ القيمة الإيجابية أو المتزايدة للمتغّير ترتبط بانخفاض خطر تجدّد الحرب الأهلية، في حين يدلّ معدل المخاطر أكثر من (1) على ارتفاع مستوى هذا الخطر.
هذا الاحتمل بنسبة 74 في المئة، مع ثبات بقية المتغّيارت الأخرى.
الجدول (الجدول (1)) نماذج كوكس للمخاطر النسبية: تجدد النزاع نماذج كوكس للمخاطر النسبية: تجدد النزاع
تُظهر النتائج أدلّة قوية تدعم الفرضيَتيَن الأولى والثانية، ومؤدّاهم أنّ تنويع التعيينات في سلك الضباط وإخضاع الجيش لإشراف مدني يسهمن في تقليص خطر تجدّد الحرب الأهلية. فقد أظهر النموذجان (1) و (3) انخفاضًا ملموسًا في احتملية عودة الحرب مرتبطًا بالقيم الإيجابية لمتغِّيِري تعيينات الضباط وإمكانية الإشراف المدني. وظلّت النتائج ذات دلالة إحصائية وثابتة حتى بعد إدخال المتغّيارت الضابطة في النموذَجيَن ((24) و). وتشير نسب المخاطر إلى أنّ تنويع تعيينات الضباط يقلّل من احتمل اندلاع حرب أهلية جديدة بما يصل إلى 79 في المئة خلال فترة السلم، في حين أنّ تمكين المدنيين من الاّط لاع على الموازنات العسكرية يخفض
تبدو آثار الرقابة المدنية أقلّ وضوحًا؛ إذ يُظهر النموذج (5) انخفاضًا ذا دلالة إحصائية في خطر تكرار النزاع بنسبة 63 في المئة في الحالات التي تُرَسَّخ فيها الرقابة المدنية رسميًا. غير أنّ هذا الأثر يتراجع ولا يكون ذا دلالة إحصائية عند إدخال المتغّيارت الضابطة في النموذج (6). وعند إدخال المتغّيارت المستقلة الثلاثة مجتمعة في النموذج (8)، يتبّين أنّ معامل الرقابة المدنية هو الأضعف أثرًا74. ويُظهر التحليل الإضافي أنّ هذا الضعف قد يعود إلى الارتباط الوثيق بين الرقابة المدنية الرسمية ونوع النظام السياسي. فمن بين المتغّيارت الثلاثة، يُرَجَّح أن تُعتمَد الرقابة المدنية أكثر من غيرها بوصفها أحد المظاهر الشكلية للديمقراطية، وهو ما يجعل التمييز بدقة بين آثارها صعبًا. غير أنّه عند حذف مؤشر Polity من النموذج (7)، تستعيد الرقابة المدنية دلالتها الإحصائية. وقد يعكس الأثر الأضعف للرقابة المدنية اعتمدها على الجوانب الشكلية أكثر من استنادها إلى الممرسة الفعلية. فعلى سبيل المثال، حين أعلن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني تقاعده رسميًا من الجيش عام 2004 بعد ما يقارب عقدين في الحكم، لم يترتّب على ذلك أيّ تحوّل ملموس في سلطة المؤسسة العسكرية. في المقابل، فإن تنويع تعيين الضباط وإتاحة الاطلاع المدني على الموازنات العسكرية يمّثلّان تغييرات أعمق على مستوى الممرسة؛ ما يجعلها أشد قدرة على إعادة تشكيل توزيع القوة السياسية بطرائق تؤثّر فعليًا في خطر تجدّد النزاع. تشير النتائج إلى أنّ آثار بعض جوانب العلاقات المدنية – العسكرية تختلف عن آثار نوع النظام السياسي. فمع أنّ مؤشر Polity يُظهر بمفرده أثرًا سلبيًا محدودًا لكنه ذو دلالة إحصائية في خطر تجدّد النزاع، فإنّ آثار تعيينات الضباط وإمكانية الإشراف المدني تبقى ثابتة وراسخة عبرر مختلف مستويات الديمقراطية. وتتّسق هذه النتائج مع ما توصّل إليه كٌّلٌ من هوفارد هيغره وهوفارد موكليف نيغورد75، إذ إنهم خلصوا إلى أنّ بعض المؤسسات المحدّدة تُسهم مباشرة في تقليص خطر النزاع، بما يفوق تبنّي المظاهر الشكلية للديمقراطية. ويبدو أنّ تعيينات الضباط في المؤسسة العسكرية والرقابة المدنية هم العاملان الأشد تأثيرًا في هذا الصدد. تشير هذه النتائج، أيضًا، إلى وجود مخاطر تنبع من الصراعات الفئوية حول توزيع السلطة في مرحلة ما بعد الحرب، وهي صراعات تتمحور بدرجة كبيرة حول القوات المسلحة. وتعكس المتغّيارت الثلاثة ديناميات متميّزة، على الرغم من ترابطها، تتباين بوضوح عبرر أبعادها الثلاثة76. ويكشف الأثر الأقوى لتنويع تعيينات الضباط والرقابة المدنية أنّ أهميته تكمن في تخفيف التوتّرات بين الفصائل مقارنة بالتوترات القائمة بين الجيش والمدنيين. وتنبع المخاطر أساسًا من ديناميات الإقصاء، حيث تتنافس الفصائل على مواقع الضباط، أو من ديناميات الاستغلال، وتسعى الفصائل الممَّثَلة داخل القوات المسلحة إلى الاستحواذ على الموارد وتعزيز نفوذها. وغالبًا ما تبررز هذه النزاعات بعد انتقال الأطراف من مرحلة التفاوض على شروط الاتفاق إلى مرحلة التنافس على السلطة والموارد داخل الدولة في أعقاب الحرب. أضف إلى ذلك أنّ تزايد التأثيرات مع مرور الوقت ينسجم مع هذا التفسير. وتبّين منحنيات البقاء في الشكل (2) احتملية استمرار حالة السلم في سنة
معيّنة لدى الدول التي تتميّز بتنويع التعيينات، أو بوجود رقابة مدنية، أو بتمكين المدنيين من الوصول إلى الموازنات العسكرية، مقارنةً بنظيراتها التي تفتقر إلى هذه الخصائص77. وفيم يتعلّق بالمتغّيارت الثلاثة، لا يظهر فارق يُذكر خلال العاَميَن الأوَّليَن، غير أنّ الدول التي اعتمدت تنويع التعيينات وإتاحة الولوج المدني إلى الموازنات العسكرية كانت أقلّ عرضة لتجدّد الحرب الأهلية بنسبة تقارب 15 في المئة في السنة الثالثة من السلم، وبنسبة تقارب 20 في المئة في السنة الخامسة، في حين تتزايد آثار الرقابة المدنية بوتيرة أبطأ. وتشير الفجوات المتّسعة بمرور الزمن إلى أنّ هذه النتائج تعكس تحّولّات تدريجية في العلاقات المدنية – العسكرية، ترتبط بصراعات سياسية حول تثبيت أركان الدولة وتستمرّ فترة طويلة بعد انتهاء الحرب الأهلية. وعلى الرغم من قوة آثار العلاقات المدنية – العسكرية، فإنّ تفسيرات أخرى لعودة النزاع تحظى أيضًا ببعض الدعم؛ إذ يرتبط ارتفاع مستوى الدخل بعلاقة سلبية مع خطر تجدّد الحرب الأهلية، بينم يرتبط حجم السكان بعلاقة إيجابية معه، غير أنّ الدلالة الإحصائية لهاتين العلاقتين تتفاوت تبعًا لاختلاف مواصفات النمذج. كم أنّ العوائد المتأتية من الموارد الطبيعية تقترن بزيادة خطر اندلاع حرب أهلية جديدة، في حين تواجه المجتمعات الأكثر تنوّعًا إثنيًا خطرًا أقل. وتشكّل هذه النتيجة الأخيرة تحدّيًا لأطروحات "المظلومية الإثنية"، لكنها تنسجم مع ما خلصت إليه أبحاثٌ سابقة من أنّ حجم المجموعات الإثنية وهيمنتها النسبية أهم أثرًا من عددها78. تُظهر المتغّيارت المرتبطة بمشكلات الالتزام آثارًا متباينة؛ إذ يبدو أنّ الانتصارات العسكرية تقلّل من خطر تجدّد النزاع، في حين أنّ كثرة الفصائل تزيد من هذا الخطر، وهو ما ينسجم مع ما توصّلت إليه الأبحاث السابقة. ومع ذلك، لا تؤثّر مدة الحرب الأهلية معنويًا في هذا الخطر، كم أنّ أثر وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة كان إيجابيًا لكن من دون دلالة إحصائية79. وترتبط اتفاقيات السلام بانخفاض احتمل اندلاع حرب أهلية جديدة مقارنة بالحروب التي تنتهي من دون نتيجة حاسمة، غير أنّ هذا المتغّير يفقد دلالته الإحصائية عند إدخال متغّير تعيينات الضباط في النموذج. ويبدو أنّ آثار اتفاقيات السلام تعتمد بدرجة أكبرر على بنودها التفصيلية، وخاصة تلك المتصلة بالمؤسسة العسكرية، أكثر من اعتمدها على الاتفاق في حدّ ذاته.
حجج بديلة
على الرغم من اتساق النتائج مع أطروحتي، يظلّ من الممكن أن تعكس هذه الارتباطات آثارًا أخرى غير الإقصاء أو الاستغلال أو التصعيد من جانب القوات المسلحة. فقد ركّزت دراسات سابقة على أثر إدماج القوات العسكرية في التخفيف من مشكلات الالتزام خلال المراحل المباشرة التي تعقب الحرب الأهلية. وبالمثل، قد يمثّل تنويع تعيينات الضباط وتمكين المدنيين من الوصول إلى الموازنات العسكرية إشارات موثوقة
الشكل (الشكل (2)) نموذج كوكس للمخاطر النسبية: دوالّ البقاء المتوقّعة نموذج كوكس للمخاطر النسبية: دوالّ البقاء المتوقّعة جميع المتغيرات الضابطة مدرجة، استنادًا إلى النمذج 2 و جميع المتغيرات الضابطة مدرجة، استنادًا إلى النمذج و 4 و و 6 في الجدول (1) في الجدول (
على التزام الأطراف المتحاربة بالسلام، بما يُسهم في تقليص حالة عدم اليقين بشأن القدرات العسكرية. وتكون هذه الآثار أضعف خلال العامين الأوّلين من فترة السلم - وهي المرحلة التي يُرَجَّح أن تكون فيها مشكلات الالتزام أكثر بروزًا - وهي تعكس ديناميات سياسية بعيدة المدى. ومع ذلك، أختبرر هذا التفسير من خلال تحليل آثار اتفاقيات إدماج القوات العسكرية. تشير النتائج الواردة في الجدول (2) إلى التشكيك في الافتراض القائل إن آثار العلاقات المدنية – العسكرية تعكس حصرًا مشكلات الالتزام في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ يُظهر النموذج (9) غياب أيّ أثر ملموس لاتفاقيات إدماج القوات العسكرية؛ ما يوحي بأن توقيع الاتفاقيات لا يكفي وحده لتقليص خطر تجدّد الحرب الأهلية. أمّا النموذج (10) فيُظهر أنّ الاتفاقيات المنَّفَذة بالكامل Milint_Full تسهم فعلًا في الحدّ من هذا الخطر، غير أنّ أثرها يظلّ حسّاسًا لطريقة بناء النموذج، إضافةً إلى أنه أضعف من أثر تعيينات الضباط والولوج المدني إلى الموازنات العسكرية، كم يتضح في النموذج (11). ولتوضيح هذا التباين، تُقارن النتائج بين آثار تنويع تعيينات الضباط وآثار التنفيذ الكامل لإدماج القوات العسكرية. ففي اللوَحيَن الأوَّليَن من الشكل (3)، تبدو آثار تعيينات الضباط أكبرر قليل - وإن لم تبلغ حدّ الدلالة الإحصائية - من آثار الإدماج العسكري الناجح خلال العاَميَن الأوَّليَن، لكنّ الفارق يصبح أشد وضوحًا خلال العقد اللاحق. وعند الجمع بين إدماج الرتب الدنيا وتنويع تعيينات الضباط، كم يظهر في اللوح السفلي من الشكل ذاته، يتقلّص خطر تجدّد الحرب الأهلية بدرجة ملحوظة. ويبدو أنّ وجود سلك ضباط متنوّع يمثّل إشارة أوضح على الالتزام بالسلام مقارنةً بإدماج الجنود في الرتب الدنيا. ومع ذلك، فإنّ تزايد آثار تعيينات الضباط بمرور الوقت يشير إلى ارتباطها بديناميات سياسية طويلة الأمد في مرحلة ما بعد الحرب. لا يبدو أنّ آثار العلاقات المدنية – العسكرية تعكس استثمرات في القدرات العسكرية، فعند فحص أثر الإنفاق العسكري، يُظهر النموذج (12) انخفاضًا في احتملية الخطر مرتبطًا بارتفاع الإنفاق العسكري للفرد، في حين يُظهر النموذج (13) زيادة في احتملية الخطر عند رفع الإنفاق في سنة معيّنة، غير أنّ كَلا الأثرين لا يتمتّعان بدلالة إحصائية. وبما أنّ الإنفاق العسكري قد يرتفع استجابةً لحالة التمرّد لا العكس، فقد عملت على تأخير Lagging كل متغّير من متغّيارت الإنفاق العسكري سنة واحدة وسنَتيَن، فجاءت النتائج مشابهة. واختبررت أثر الإنفاق العسكري بوصفه نسبة من الناتج المحّلي الإجملي، فكانت النتيجة زيادة في معدل الخطر، لكن من دون دلالة إحصائية. ويتضمّن النموذج (14) أيضًا المتغّيارت المستقلة الرئيسة، غير أنّه نظرًا إلى احتمل تأثّر آثار الولوج المدني بانحياز ناجم عن استبعاد الحالات التي تفتقر إلى بيانات من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد جرى استبداله بمتغّير بديل هو الرقابة الرسمية، الذي لا يعتمد على هذه البيانات80. وقد تبّين أنّ آثار تعيينات الضباط والرقابة تظل ثابتة في مواجهة متغّير الإنفاق العسكري. ومع ذلك، أتعامل مع هذه النتائج بحذر بسبب كثرة الملاحظات المفقودة في البيانات. واستنادًا إلى ما هو متاح من بيانات، لا يوجد دليل على أنّ الاستثمر في القدرات العسكرية في حدّ ذاته يقلّل من خطر تجدّد الحرب الأهلية.
الجدول (الجدول (2)) نماذج كوكس للمخاطر النسبية: تجدد النزاع نماذج كوكس للمخاطر النسبية: تجدد النزاع
الشكل (الشكل (3) تقديرات البقاء بحسب طريقة كابلان – ماير بناءً على تعيين الضباط والتكامل العسكري الكامل معتقديرات البقاء بحسب طريقة كابلان – ماير بناءً على تعيين الضباط والتكامل العسكري الكامل مع في المئة فواصل ثقة بنسبة فواصل ثقة بنسبة 90 90 في المئة
تعكس هذه النتائج أيضًا سمت أخرى لبيئة ما بعد الحرب، بما يؤدّي إلى ارتباط زائف. فقد جادل كريبس وليكلايدر81بأنّ العلاقة الملحوظة بين إدماج المتمرّدين واستمرار السلام تعكس ظروفًا سياسية تدفع في اتجاه كلتا النتيجتين معًا. وبالمثل، قد يعتمد كٌّلٌ من تنويع تعيينات الضباط والرقابة المدنية والإشراف المدني على عوامل أخرى تهيّئ لتسوية سلمية. فعلى سبيل المثال، قد تكون الحكومات التي تتشكّل بعد الحرب عبرر تحالفات واسعة أكثر ميلًا من الأحزاب الحاكمة الحصرية إلى تنويع التعيينات وم عن أشكال الإقصاء الأخرى التي تغذّي خطر تجدّد الحرب. في المقابل، فإنّ الأنظمة التي تواصل الحكم عبرر توزيع الرّيع قد تكون أقلّ ميلًا إلى نشر الموازنات العسكرية، وأكثر عرضة للعودة إلى الحرب الأهلية بفعل ضعف الحوكمة أو انتشار الفساد، بصرف النظر عن طبيعة العلاقات المدنية – العسكرية. وعلى النقيض من ذلك، تفترض أطروحتي أنّ كيفية حوكمة القوات المسلحة هي التي تفاقم هذه النزعات أو تحدّ منها. ففي أنغولا ورواندا بعد الحرب، هيمنت شبكات حصرية على النظام السياسي، غير أنّ تعيينات الضباط التي شملت خطوطًا حزبية وإثنية متقاطعة حرمت المتمرّدين من القيادة اللازمة لإعادة التعبئة. أمّا في سيراليون وليبيريا بعد الحرب، فقد عارض ضباط الجيش إعادة هيكلة قطاع الدفاع، إّلا أنّ تعزيز الرقابة حال دون قدرتهم على التعبئة ضد الحكومة، حتى مع انتشار الفساد واستغلال الموارد في قطاعات أخرى من الدولة. إنّ إقامة روابط سببية قاطعة في هذا الصدد تتطلّب أدلة نوعية تتجاوز نطاق هذه الدراسة، غير أنّ الأدلة الكمّية تظل منسجمة مع حجّتي. فقد أظهرت النتائج أنّ آثار المتغّيارت الثلاثة جميعها تبقى ثابتة حتى بعد ضبطها لعدد من العوامل، بما في ذلك الانتصار العسكري والتنوّع الإثني وعوائد الموارد الطبيعية، وهي عوامل ترتبط بأنماط مختلفة من التسويات السياسية. كم أنّ التحكّم في متغّيارت تعكس طبيعة التسويات السياسية عى نحو مباشر، مثل الهيمنة الإثنية وعوائد النفط، أسفر عن نتائج متمسكة تُظهر استمرار قوة المتغّيارت المستقلة. علاوة على ذلك، فإنّ اتساق النتائج المستخرجة من نماذج التأثيرات العشوائيةRandom Effects Models يبدّد المخاوف من احتمل أن تكون خصائص أخرى خاصة بالدول هي التي تفّسر هذه النتائج (ينظر الملحق التكميلي، الجدولان 7 A. و 8.)A. يطرح منظورٌ موازٍ أنّ تنويع تعيينات الضباط والرقابة والسيطرة المدنية قد يكون نتيجة للتسويات السلمية أكثر من أنه سبب لها. فإذا كانت العلاقات المدنية – العسكرية خاضعة لاندماج داخلي مع حالة السلم بعد الحرب، لكان المتوَّقَع أن تظهر آثار أقوى في فترات السلم الأطول، وأثر محدود في الفترات الأقصر. ولاختبار هذه الفرضية، أجريتُ نماذج Logit تفاعلَ فيها كل متغّير مستقل مع عدد سنوات السلم، مع ضبط التداخل الزمني. وقد أظهرت النتائج، كم ورد في الملحق التكميلي، تراجع الأثر الهامشي لتعيينات الضباط والولوج المدني في امتداد سنوات السلم، وهو ما لا ينسجم مع الفرضية القائلة إنّ فترات السلم الأطول تفّسر طبيعة العلاقات المدنية – العسكرية. وقسمت العيّنة إلى فترات سلم أقصر من خمس سنوات وأطول منها، فوجدت آثارًا معنوية لتعيينات الضباط والسيطرة المدنية حتى في الفترات الأقصر. وليس من المستغرَب أنّ الولوج المدني لم يكن ذا دلالة إحصائية في الفترات الأقصر، نظرًا إلى أنّ هذه التغييرات تتطلّب وقتًا أطول للتنفيذ. وعلى الرغم من أنّ هذه الاختبارات لا تستبعد بصورة قاطعة احتمل وجود الداخليّة Endogeneity، فإنّها تشير بقوة إلى أنّ النتائج لا تعكس أثر السلام المستقر في العلاقات المدنية – العسكرية، فحسب.
اختبارات ثبات النتائجRobustness Checks
تبّين أنّ نتائج التحليل ثابتة إزاء عدد من المواصفات البديلة للنموذج82. فقد أشارت الأدبيات83 إلى أنّ بعض نماذج البقاء قد توفّر تقديرات أكثر كفاءة إذا ما توافرت افتراضاتها المتعلقة بتوزيع الفشل، إّلا أنّ استخدام نموذج ويبل أعطى نتائج مشابهة. وبالنظر إلى أنّ بعض المتغّيارت تتغّير بمرور الزمن، قد يكون نموذج Logit أكثر ملاءمة؛ فقد أسفر نموذج Logit للسلاسل الزمنية المقطعية، مع ضبط الترابط بين سنوات السلم – الدول باستخدام تقريب متعدّد الحدود التكعيبي للزمن (وفقًا لديفيد ب. كارتر و كورتس س. سينيورينو)84، عن نتائج متسقة. ولمعالجة احتملية التعدّد الخطي Multicollinearity بين المتغّيارت، جرى إسقاط كل توليفة ممكنة من المتغّيارت من النموذج، فضلًا عن التعامل مع القيم المتطرّفة المحتملة. وأُعيد تنفيذ التحليل باستخدام نموذج التأثيرات العشوائية على مستوى الدول لأخذ خصائص إضافية خاصة بالدول أو الأقاليم في الاعتبار. وأُضيفت كذلك تأثيرات ثابتة للمناطق الجغرافية والعقود الزمنية لضبط آثار الانتشار الإقليمي أو الزمني. وقد أظهرت النتائج أنّ آثار تعيينات الضباط والولوج المدني ظلّت ثابتة، في حين بدت آثار السيطرة المدنية أكثر حساسية لبعض المواصفات. افترضَ تحليلي تعريفًا مقِّيِدًا لعودة النزاع؛ إذ إنه اشترط أن تبلغ الحرب الأهلية الجديدة عتبة ألف قتيل في المعارك سنويًا. غير أنّ هذا التعريف قد يُغفل التمرّدات الصغيرة النطاق التي تغذّيها القوات الأمنية. وعند اعتمد عتبة أدنى لاعتبار النزاع متجدّدًا، أي خمسة وعشرين قتيلًا في المعارك خلال سنة واحدة على الأقل، ينتج من ذلك حجم عيّنة أصغر وعدد من فترات السلم الإضافية. وقد خلص التحليل إلى نتائج متسقة في المجمل، باستثناء أنّ دلالة متغّير الولوج المدني بدت حسّاسة لمتغّير عوائد الموارد الطبيعية. ويُحتمل أنّ آثار شفافية الموازنة العسكرية قد تلاشت أمام قوة تأثير الرّيع الطبيعي، في حالات الحروب الأهلية المحدودة النطاق فقط. وتظلّ هذه العلاقة في حاجة إلى مزيد من البحث والتقّصي.
خاتمة
تُعدّ القوات الأمنية ع نصرًا حاسمًا في إقرار السلم عقب الحروب الأهلية. وقد جادلتُ في هذه الدراسة بأنّ دورها في تجدّد الحرب الأهلية يعكس، في جوهره، عمليات ترسيخ السلطة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب. فمن خلال تسييس تعيينات الضباط في المناصب، أو توزيع الريع عبرر المؤسسة العسكرية، أو منح الجيش هامشًا واسعًا من الاستقلالية في استخدام القوة بعيدًا عن القيود، تعمد النخب الحاكمة إلى حشد الدعم السياسي وتحييد التهديدات الموجّهة لسلطتها. غير أنّ هذه الممرسات قد تؤدّي، في المقابل، إلى زيادة خطر تجدّد القتال، عبرر تسهيل إعادة تعبئة المتمرّدين من بين الجنود الذين جرى إقصاؤهم، أو توظيف فصائل محددة قوّتها داخل القوات المسلحة، أو تصعيد التمرّدات المنخفضة الحدة. وبناء عليه، فإنّ المؤسسات القادرة على كبح العلاقات المدنية – العسكرية المسيّسة، مثل تعيينات الضباط المتنوّعة القائمة
على الجدارة، والإشراف المدني، والسيطرة المدنية، يمكن أن تسهم في تقليص خطر تجدد الحرب الأهلية. وتشير النتائج التجريبية بوضوح إلى أنّ تنويع تعيينات الضباط والإشراف المدني يمّثلّان عاملين على قدر كبير من الأهمية، على وجه الخصوص. ومن ثمّ، فإنّ هذه الدراسة تسلّط الضوء على مسارات محدّدة لتجدّد الحرب الأهلية، أو لاستمرار السلم، تدور جميعها حول المؤسسة الأمنية. تشير النتائج إلى أنّ الصراعات السياسية حول مؤسّسات ما بعد الحرب لم تحظَ بما يكفي من الاهتمم في دراسات تجدد الحروب الأهلية. فالمؤسّسات التي تنظّم عمل القوات المسلحة تؤثّر بصورة مباشرة في توزيع السلطة بين الفصائل السياسية؛ إذ يمكن أن تُفاقم تركيبة سلك الضباط الإقصاء أو تخفّف منه، في حين يمكن أن تحدّ الرقابة المدنية من حدّة الصراعات الفئوية. أمّا الأثر الأضعف للسيطرة المدنية فيوحي بأنّ المخاطر الأبرز تنبع من الصراعات الفئوية داخل المؤسّسة العسكرية وحولها، أكثر من ارتباطها باستقلالية الجيش. وفي جميع الأحوال، فإنّ هذه الآثار تتجاوز مشكلات الالتزام بين الأطراف المتحاربة، التي حظيت بالاهتمم الأكبرر في أبحاث تجدد الحروب الأهلية85. كم أنّ النتيجة التي توصّلتُ إليها - ومفادها أنّ إدماج القوات المسلحة يقلّل على الأرجح من خطر تجدّد الحرب الأهلية عندما يقترن بوجود سلك ضباط متنوّع - تشير إلى أنّ المؤسّسة العسكرية تؤدّي دورًا في التخفيف من مشكلات الالتزام، وقد تُسهم في تفسير النتائج المتباينة التي انتهت إليها الدراسات السابقة. ومع ذلك، تسلّط نتائج هذه الدراسة الضوء أيضًا على عمليات طويلة الأمد؛ فتنويع سلك الضباط وتوسيع الرقابة المدنية يحتاجان إلى فترات أطول للتنفيذ، ولا تتبلور آثارهم إّلا عبرر الزمن. ومن ثمّ، فإنّ تركيبة سلك الضباط والرقابة المدنية تبررزان المخاطر الناجمة عن صراعات توزيع السلطة والموارد داخل المؤسّسة الأمنية وحولها، وهي صراعات تستمر طويلًا بعد انتهاء الحرب الأهلية. علاوة على ذلك، تُظهر الأدلة أنّ للترتيبات المؤسّسية أهمية بالغة. فقد جادل كريبس وليكلايدر86بأنّ نجاح إدماج القوات المسلحة لا يمكن فصله عن العوامل السياسية الأوسع التي تؤثّر في خطر تجدّد الحرب الأهلية. وتشير النتائج التي توصلتُ إليها إلى أنّ الترتيبات المؤسّسية قد تخفّف هذا الخطر أو تفاقمه. فطريقة إدارة النخب للعلاقات المدنية – العسكرية تعكس استراتيجيات أشمل لترسيخ السلطة، غير أنّ أسلوب تطبيق هذه الاستراتيجيات داخل المؤسّسة العسكرية قد يسهم مباشرة في إذكاء احتملية اندلاع حرب أهلية جديدة. إنّ إقصاء الفصائل من سلك الضباط يفاقم المظالم ويسهّل إعادة تعبئة المتمرّدين، في حين أنّ إضفاء الطابع المؤّسسّي على سلك ضباط متنوّع يؤدّي إلى إعادة توزيع السلطة واحتواء قادة متمرّدين محتملين. كم أنّ التحكّم المطلق في الموارد يعمّق التنافس الفئوي، بينم تحدّ الشفافية والرقابة من قدرة الفصائل داخل المؤسّسة العسكرية على استغلال سلطتها. ويبدو أنّ بعض النخب الحاكمة أدركت ذلك؛ ففي رواندا وأنغولا، عيّنت هذه النخب أعضاء من المعارضة في مناصب الضباط رغم هيمنة شبكاتها على الدولة، بينم استعانت النخب في سيراليون وليبيريا بالمساعدة الخارجية للحدّ من استغلال القوات المسلحة. وعلى النقيض من ذلك، أعادت النخب في العراق وليبيا وجنوب السودان هيكلة قواتها المسلحة، لكنّها اتخذت خيارات أفضت إلى تسييسها. وبناء عليه، فإنّ المؤسّسات التي تشُرك أو تُقصي، والتي توسّع الرقابة أو تقيّدها، تجسّد خيارات سياسية محدّدة. وتشير هذه الدراسة إلى أنّ هذه الخيارات تؤثّر بصورة مباشرة في استدامة السلم.
يمكن أن تتناول الأبحاث المستقبلية آثار المنافسات السياسية على مؤسّسات أخرى في استدامة السلم بعد الحروب الأهلية. فالكثير من هذه الحروب يُستأنف بعد فترات زمنية طويلة، حين تعود المظالم إلى السطح، وتُعاد صياغة الفصائل، وتبررز فرص جديدة لتعبئة التمرّد. ويشير هذا الإطار الزمني إلى عمليات تعبئة سياسية وصراع على السلطة والموارد. ومن خلال دراسة هذه العمليات، تبني هذه الدراسة على أبحاث حديثة ركّزت على الصراعات السياسية الداخلية لتفسير مآلات ما بعد الحرب87. وهي تبُررز أهمية تجاوز المخرجات العامة، مثل الديمقراطية أو الحوكمة الرشيدة، والتركيز بدلًا من ذلك على المؤسّسات المحدّدة. فالمؤسّسات التي جرى تحليلها هنا؛ تعيينات الضباط والإشراف المدني والتحكّم في القوات المسلحة، تؤدّي أدوارًا محورية في سياسات ما بعد الحرب. وقد تُولّد ساحات مؤسّسية أخرى، مثل النظام القضائي أو إدارة الموارد الاقتصادية، مخاطر إضافية لاندلاع حرب أهلية جديدة. ومن منظور السياسات، تبُررز هذه الدراسة الفرص والتحديات المرتبطة بتقليص خطر تجدّد الحرب الأهلية. فتنويع تعيينات الضباط وتوسيع نطاق الرقابة المدنية قد يسهمن في الحدّ من احتملية عودة الحرب، غير أنّ تحقيق مثل هذه التحّولّات ليس بالأمر الهّين؛ إذ حاول الفاعلون الدوليون مرارًا إعادة هيكلة القوات الأمنية وفشلوا، بل إنّ محاولاتهم أدّت أحيانًا إلى نتائج عكسية. ومن ثمّ، فإنّ إجراء المزيد من البحث حول كيفية تطوّر العلاقات المدنية – العسكرية استجابةً لسياسات ما بعد الحرب، وحول الظروف التي تؤثّر فيها المساعدة الأمنية الخارجية في المخرجات المؤسّسية، يمكن أن يوضح السبل التي تمكّن الفاعلين الدوليين من الإسهام بفاعلية أكبرر في م عن تجدّد الحروب الأهلية. شكر وتقدير أتوجه بالشكر إلى روي ليكلايدر، وبيتر وايت، وريتشارد نيلسن، وريتشارد لاكويمنت، وميغ غوليفورد، وزاكاري ريتر، ونعومي ليفي، إضافةً إلى اثنين من المحكّمين المجهولين، وهيئة التحرير، على ما قدّموه من ملاحظات واقتراحات بنّاءة. وأشكر داريغا أبيلوفا، وكلارك ديماس، ومايكل جابلونسكي، وسعد خان، وأونور شين، وممدوح شومان، وهشام سليمن، على مساعدتهم البحثية. إقرار بعدم تضارب المصالح: يُقرّ المؤلف/ المؤلفون بأنه لا يوجد أيّ تضارب محتمل في المصالح فيم يتعلق بالبحث أو التأليف أو نشر هذه الدراسة. التمويل: لم يتلَّقَ المؤلف/ المؤلفون أيّ دعم مالي مرتبط بالبحث أو التأليف أو نشر هذه الدراسة. الملاحق التكميلية: ينظر https://doi.org/10.1177/0022002720903356:
المراجع
Afrobarometer. Summary of Results for Liberia, 2015 (Afrobarometer Round 6). Monrovia: 2015. at: https://acr.ps/1L9BP91
Barma, Naazneen. The Peacebuilding Puzzle: Political Order in Post-conflict Societies. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2017.
Barnett, Michael, Songying Fang & Christoph Zürcher. "Compromised Peacebuilding." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 3 (2014).
Bates, Robert H. When Things Fell Apart: State Failure in Late-century Africa. New York: Cambridge University Press, 2008.
Biddle, Stephen & Robert Zirkle. "Technology, Civil-Military Relations, and Warfare in the Developing World." The Journal of Strategic Studies. vol. 19, no. 2 (1996).
Biddle, Stephen, Jeffrey A. Friedman. & Jacob N. Shapiro. "Testing the Surge: Why Did Violence Decline in Iraq in 2007?" International Security. vol. 37, no. 1 (2012).
Box-Steffensmeier, Janet M. & Bradford S. Jones. Event History Modeling: A Guide for Social Scientists. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2004.
Brooks, Risa. Political-Military Relations and the Stability of Arab Regimes. New York: Routledge, 2013.
Brzoska, Michael. Development Donors and the Concept of Security Sector Reform. Geneva: Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces, 2003.
Call, Charles T. Why Peace Fails: The Causes and Prevention of Civil War Recurrence. Washington, DC: Georgetown University Press, 2012.
Carey, Sabine C., Neil J. Mitchell & Will Lowe. "States, the Security Sector, and the Monopoly of Violence: A New Database on Pro-government Militias." Journal of Peace Research. vol. 50, no. 2 (2013).
Carter, David B. & Curtis S. Signorino. "Back to the Future: Modeling Time Dependence in Binary Data." Political Analysis. vol. 18, no. 3 (2010).
Cederman, Lars-Erik, Andreas Wimmer & Brian Min. "Why Do Ethnic Groups Rebel? New Data and Analysis." World Politics. vol. 62, no. 1 (2010).
Centeno, Miguel Angel. Blood and Debt: War and the Nation-State in Latin America. University Park, PA: Penn State Press, 2002.
Collier, Paul & Nicholas Sambanis. "Understanding Civil War: A New Agenda." Journal of Conflict Resolution. vol. 46, no. 1 (2002).
Collier, Paul, Anke Hoeffler & Måns Söderbom. "Post-conflict Risks." Journal of Peace Research. vol. 45, no. 4 (2008).
Davenport, Christian. "State Repression and the Tyrannical Peace." Journal of Peace Research. vol. 44, no. 4 (2007).
De Bruin, Erica. "Preventing Coups d'État: How Counterbalancing Works." Journal of Conflict Resolution. vol. 62, no. 7 (2017).
De Waal, Alex. "When Kleptocracy Becomes Insolvent: Brute Causes of the Civil War in South Sudan." African Affairs. vol. 113, no. 452 (2014).
Dube, Oeindrila & Suresh Naidu. "Bases, Bullets, and Ballots: The Effect of US Military Aid on Political Conflict in Colombia." Journal of Politics. vol. 77, no. 1 (2015).
Ellis, Stephen. The Mask of Anarchy: The Destruction of Liberia and the Religious Dimension of an African Civil War. New York: New York University Press, 1999.
Enloe, Cynthia H. Ethnic Soldiers: State Security in Divided Societies. Athens, GA: University of Georgia Press, 1980.
Ertman, Thomas. Birth of the Leviathan: Building States and Regimes in Medieval and Early Modern Europe. Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1997.
Fearon, James D. & David D. Laitin. "Ethnicity, Insurgency, and Civil War." American Political Science Review. vol. 97, no. 1 (2003).
Fjelde, Hanne. "Generals, Dictators, and Kings: Authoritarian Regimes and Civil Conflict, 1973–2004." Conflict Management and Peace Science. vol. 27, no. 3 (2010).
Fortna, Virginia Page. Does Peacekeeping Work? Shaping Belligerents' Choices after Civil War. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.
Gaub, Florence. Military Integration after Civil Wars: Multiethnic Armies, Identity and Post-conflict Reconstruction. New York: Routledge, 2010.
Girod, Desha M. Explaining Post-conflict Reconstruction. Oxford: Oxford University Press, 2015. Glassmyer, Katherine & Nicholas Sambanis. "Rebel–Military Integration and Civil War Termination." Journal of Peace Research. vol. 45, no. 3 (2008).
Gleditsch, Nils Petter, et al. "Armed Conflict 1946–2001: A New Dataset." Journal of Peace Research. vol. 39, no. 5 (2002).
Harkness, Kristen A. "The Ethnic Army and the State: Explaining Coup Traps and the Difficulties of Democratization in Africa." Journal of Conflict Resolution. vol. 60, no. 4 (2016).
Heger, Lindsay & Idean Salehyan. "Ruthless Rulers: Coalition Size and the Severity of Civil Conflict." International Studies Quarterly. vol. 51, no. 2 (2007).
Hegre, Håvard & Håvard Mokleiv Nygård. "Governance and Conflict Relapse." Journal of Conflict Resolution. vol. 59, no. 6 (2015).
Herbst, Jeffrey Ira. States and Power in Africa: Comparative Lessons in Authority and Control. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.
Heydemann, Steven. War, Institutions, and Social Change in the Middle East. Berkeley: University of California Press, 2000.
Hoddie, Matthew & Caroline Hartzell. "Civil War Settlements and the Implementation of Military Power-sharing Arrangements." Journal of Peace Research. vol. 40, no. 3 (2003).
Huang, Reyko. The Wartime Origins of Democratization: Civil War, Rebel Governance, and Political Regimes. Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2016.
Jackson, Paul & Peter Albrecht. Reconstructing Security after Conflict: Security Sector Reform in Sierra Leone. New York: Springer, 2010.
Jackson, Paul. "Security Sector Reform and State Building." Third World Quarterly. vol. 32, no. 10 (2011).
Jarstad, Anna K. & Desirée Nilsson. "From Words to Deeds: The Implementation of Power-sharing Pacts in Peace Accords." Conflict Management and Peace Science. vol. 25, no. 3 (2008).
Johnson, Paul Lorenzo & Ches Thurber. "The Security-Force Ethnicity (SFE) Project:
Introducing a New Dataset." Conflict Management and Peace Science. vol. 37, no. 1 (2017).
Krebs, Ronald R. & Roy Licklider. "United They Fall: Why the International Community Should Not Promote Military Integration after Civil War." International Security. vol. 40, no. 3 (2016).
LeBas, Adrienne. "Polarization as Craft: Party Formation and State Violence in Zimbabwe." Comparative Politics. vol. 38, no. 4 (2006).
Licklider, Roy. "The Consequences of Negotiated Settlements in Civil Wars, 1945–1993." American Political Science Review. vol. 89, no. 3 (1995).
Marshall, Monty G., Keith Jaggers & Ted Robert Gurr. Polity IV Project. College Park, MD: Center for International Development and Conflict Management, 2015.
Matanock, Aila M. Electing Peace: From Civil Conflict to Political Participation. Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2017.
Mattes, Michaela & Burcu Savun. "Information, Agreement Design, and the Durability of Civil War Settlements." American Journal of Political Science. vol. 54, no. 2 (2010). McLauchlin, Theodore. "Desertion and Collective Action in Civil Wars." International Studies Quarterly. vol. 59, no. 4 (2015).
Narang, Vipin & Caitlin Talmadge. "Civil-Military Pathologies and Defeat in War: Tests Using New Data." Journal of Conflict Resolution. vol. 62, no. 7 (2018).
Ottmann, Martin & Johannes Vüllers. "The Power-sharing Event Dataset (PSED): A New Dataset on the Promises and Practices of Power-sharing in Post-conflict Countries." Conflict Management and Peace Science. vol. 32, no. 3 (2015).
Pilster, Ulrich & Tobias Böhmelt. "Coup-proofing and Military Effectiveness in Interstate Wars, 1967–99." Conflict Management and Peace Science. vol. 28, no. 4 (2011).
Pinaud, Clémence. "South Sudan: Civil War, Predation and the Making of a Military Aristocracy." African Affairs. vol. 113, no. 451 (2014).
Poe, Steven C., C. Neal Tate & Linda Camp Keith. "Repression of the Human Right to Personal Integrity Revisited: A Global Cross-national Study Covering the Years 1976–1993." International Studies Quarterly. vol. 43, no. 2 (1999).
Powell, Jonathan & Clayton L. Thyne. "Global Instances of Coups from 1950 to 2010: A New Dataset." Journal of Peace Research. vol. 48, no. 2 (2011).
Powell, Jonathan. "Trading Coups for Civil War." African Security Review. vol. 23, no. 4 (2014).
Quinlivan, James T. "Coup-proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East." International Security. vol. 24, no. 2 (1999).
Quinn, J. Michael, David Mason T. & Mehmet Gurses. "Sustaining the Peace: Determinants of Civil War Recurrence." International Interactions. vol. 33, no. 2 (2007).
Reno, William. Warlord Politics and African States. Boulder, CO: Lynne Rienner, 1998.
Roessler, Philip. "The Enemy Within: Personal Rule, Coups, and Civil War in Africa." World Politics. vol. 63, no. 2 (2011).
Rudloff, Peter & Michael G. Findley. "The Downstream Effects of Combatant Fragmentation on Civil War Recurrence." Journal of Peace Research. vol. 53, no. 1 (2016).
Sayigh, Yezid. "Crumbling States: Security Sector Reform in Libya and Yemen." Carnegie Middle East Center Paper. no. 18 (2015).
Scheye, Eric & Gordon Peake. "To Arrest Insecurity: Time for a Revised Security Sector Reform Agenda." Conflict, Security & Development. vol. 5, no. 3 (2005).
Schroeder, Ursula C., Fairlie Chappuis & Deniz Kocak. "Security Sector Reform and the Emergence of Hybrid Security Governance." International Peacekeeping. vol. 21, no. 2 (2014).
Sechser, Todd S. "Are Soldiers Less War-prone than Statesmen?" Journal of Conflict Resolution. vol. 48, no. 5 (2004).
Sedra, Mark (ed.). The Future of Security Sector Reform. Waterloo, Ontario: Centre for International Governance Innovation, 2010.
Slater, Dan. Ordering Power: Contentious Politics and Authoritarian Leviathans in Southeast Asia. Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2010.
Snyder, Richard. "Explaining Transitions from Neopatrimonial Dictatorships." Comparative Politics. vol. 24, no. 4 (1992).
Staniland, Paul. Networks of Rebellion. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014.
Talmadge, Caitlin. The Dictator's Army: Battlefield Effectiveness in Authoritarian Regimes. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015.
Tilly, Charles. Coercion, Capital and European States, AD 990-1992. Cambridge, MA: Blackwell, 1990.
Toft, Monica Duffy. Securing the Peace: The Durable Settlement of Civil Wars. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2009.
United Nations. Security, Peace and Development: The Role of the United Nations in Supporting Security Sector Reform. Report of the Secretary-General to the General Assembly, A/62/659–S/2008/39. New York: United Nations, 2008.
Vines, Alex & Bereni Oruitemeka. "Bullets to Ballots: The Reintegration of UNITA in Angola." Conflict, Security & Development. vol. 8, no. 2 (2008).
Walter, Barbara F. Committing to Peace: The Successful Settlement of Civil Wars. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2002.
________. "Does Conflict Beget Conflict? Explaining Recurring Civil War." Journal of Peace Research. vol. 41, no. 3 (2004).
________. "Why Bad Governance Leads to Repeat Civil War." Journal of Conflict Resolution. vol. 59, no. 7 (2015).
Wantchekon, Leonard. "The Paradox of 'Warlord' Democracy: A Theoretical Investigation." American Political Science Review. vol. 98, no. 1 (2004).
Weeks, Jessica L. "Strongmen and Straw Men: Authoritarian Regimes and the Initiation of International Conflict." American Political Science Review. vol. 106, no. 2 (2012).
White, Peter B. "Crises and Crisis Generations: The Long-term Impact of International Crises on Military Political Participation." Security Studies. vol. 26, no. 4 (2017).