العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمّع العسكري التقني

الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمّع العسكري التقني

AI, Automation, and War: The Rise of a Military-Tech Complex

مهند سلوم

الملخّص

* أستاذ مساعد في الدراسات الأمنية النقدية, معهد الدوحة للدراسات العليا.

Abstract

Assistant professor of Critical Security Studies, Doha Institute for Graduate Studies. Email: muhanad.seloom@dohainstitute.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • الذكاء الاصطناعي
  • المجمع العسكري التقني
  • الحرب
Keywords:
  • Artificial Intelligence
  • Military-Tech Complex
  • War

يشهد المجال العسكري تحّولّات جوهرية نتيجة التطوّرات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. لذلك، يقدّم أنتوني كينغ - وهو أحد أبرز الباحثين في علم الاجتمع العسكري ودراسات الحرب - في كتابه الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمّع العسكري AI, Automation, and War: The Rise of a التقني Military-Tech Complex قراءة نقدية للتصورات الشائعة حول دور الذكاء الاصطناعي في الحروب المعاصرة؛ منطلقًا من تساؤل محوري: هل ستُفضي تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى تغيير طبيعة الحرب بحيث تحُّلُ الأنظمة ذاتية التشغيل محلّ القادة والجنود، أو أنّ الواقع أكثر تعقيدًا؟ انطلاقًا من هذا التساؤل، يعكف كينغ على تفنيد السردية "الخيالية" التي تفترض هيمنة الروبوتات القاتلة والأسراب الذاتية على ساحات المعركة، محاول، ا بدلًا من ذلك، استكشاف التطبيقات الفعلية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات العسكرية خلال العقد الأخير. يتمحور الكتاب حول أطروحة أساسية مفادها أنّ الذكاء الاصطناعي لن يستبدل العقل البشري في القيادة الاستراتيجية، بل سيُستخدم تحديدًا لمعالجة البيانات في نطاقٍ وسرعةٍ غير مسبوَقيَن؛ بهدف تعزيز الفهم العسكري والاستخبارات. ومن هذا المنطلق، يستكشف كينغ كيفية توظيف الجيش التقنيات الذكية لتحسين التخطيط والعمليات السيبررانية

وتحديد الأهداف بسرعة وفاعلية أكبرر. لكن الأهم من ذلك، يبّين أنّ استثمر الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري يستلزم تحوّلًا تنظيميًا جذريًا في الجيوش الحديثة، ويرى أنّ القوات المسلحة بدأت في دمج التقنيين المدنيين في مقارّ القيادة والعمليات، للعمل جنبًا إلى جنب مع الضباط العسكريين، ما أدّى إلى نشوء شراكة مؤسسية بين المؤسسة العسكرية وقطاع التكنولوجيا، توصف بأنها "مجمّع عسكري تقني" جديد لا يقلّ نفوذًا في القرن الحادي والعشرين عّما كان عليه المجمع العسكري الصناعي في القرن العشرين.

في هذه المراجعة النقدية، نعرض أبرز مضامين كتاب كينغ ومنهجيته البحثية، ونقيّم أمثلة التحليل التي يطرحها ليدعم أطروحته. وسنركّز على بُعدين تحليلَييَن مهَّميَن: الأول، العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلاقات المدنية - العسكرية كم يناقشها الكتاب، وتأثير صعود "المجمّع العسكري التقني" في تسوية ماكس فيبرر المتعلقة باحتكار الدولة العنفَ المشروع. والثاني، نناقش فيه مسألة التحيّز الغربي في حالات الدراسة التي يركّز عليها كينغ (الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل)، وإغفاله النسبي للسياقات غير الغربية، ومدى تأثير ذلك في استنتاجاته. وتهدف هذه المراجعة إلى تقديم تقييم متوازن؛ فمن جهة، ستُنصف إسهامات الكتاب التحليلية وعمق بحثه، ومن جهة أخرى، ستقدّم نقدًا منهجيًا صريحًا لمحدوديّاته، بالاستناد إلى نص الكتاب والأدبيات المقارنة ذات الصلة.

أطروحة الكتاب ومنهجه

يستهل كينغ كتابه بتوضيح أطروحته المركزية القائلة إن الذكاء الاصطناعي لن يفضي إلى أتمتة الحرب بصورة تامة، حيث يُقصي الدور البشري في القيادة والقرار، بل سيبقى العاملُ البشري جوهريًا في الاستراتيجية وص عن القرار. فالآلات لن "تتوّلى زمام الأمور" بصورة مطلقة، بل ستُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بالدرجة الأولى لمعالجة الكمّ الهائل من البيانات واستنتاج المعلومات لتعزيز إدراك القادة لما يجري في ساحة المعركة. بعبارة أخرى، يرى المؤلف أنّ قيمة الذكاء الاصطناعي تكمن في تمكين القادة من رؤية ميدان المعركة بدرجة غير مسبوقة من العمق والسرعة والدقة، ما يتيح تخطيطًا أسرع وأشد فاعلية، وتحسينًا لعمليات الاستطلاع والاستخبارات والهجمت السيبررانية. يستند كينغ، على الصعيد المنهجي، إلى مقاربة بحثية نوعية مقارنة. فهو يعتمد على عدد كبير من المقابلات الميدانية مع ضباط عسكريين وخبرراء تقنيين ومسؤولين في وزارات الدفاع وشركات التكنولوجيا الدفاعية، ما أكسب دراسته مادة إمبرريقية قوية وموثوقة. ويستخدم تحليلًا وثائقيًا لسياسات الدفاع الحديثة وبرامج الذكاء الاصطناعي العسكرية (مثل مشروع Maven الأميركي واستراتيجية التعويض "الأوفست الثالثة"، وغيرهم). ولتعزيز الطابع التحليلي المقارن، يركز الكاتب على دراسة ثلاث حالات رئيسة، هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل. ويوضح صراحةً أنه تعَّمَد تضييق النطاق الجغرافي؛ بغية تحقيق مستوى كافٍ من العمق الأداتي، نظرًا إلى أن مسح القوى الكبررى كلها أمر غير عملي. ويرجع اختياره هذه الحالات إلى أسباب موضوعية ومنهجية؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل تُعَّدّان في طليعة الدول التي تطبّق الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، ما يجعلهم مصادر ثرية بالأمثلة والدروس. أما بريطانيا، فعلى الرغم من محدودية قوّاتها نسبيًا، فإنها قوة أوروبية رئيسة وحليف وثيق للولايات المتحدة، وتمثّل نموذجًا يوضح كيفية تبنّي عضو متوسط الحجم في حلف الناتو لهذه التكنولوجيا. ويشير المؤلف أيضًا إلى اعتبارات عملية، منها سهولة الوصول إلى المعلومات وإجراء المقابلات في هذه الدول الغربية أو "المتغرّبة"، مقارنةً بصعوبة الحصول على معطيات موثوقة من روسيا أو الصين.

من حيث هيكلية الكتاب، يقدّم كينغ تحليله عبرر فصول متسلسلة، تعالج جوانب مختلفة من الموضوع. فبعد المقدمة التأطيرية، يناقش حدود ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه فعليًا، في مقابل ما يُشاع عنه، ثم يتناول استراتيجيات الذكاء الاصطناعي لدى الجيوش، وينتقل إلى شرح نشوء المجمّع العسكري التقني وعلاقات الشراكة الجديدة بين الجيش وقطاع التكنولوجيا. ويخصّص فصولًا لدراسة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات، مثل التخطيط العسكري وتحديد الأهداف (مثل استخدام الخوارزميات لتحليل صور الاستطلاع ورصد العدوّ) والعمليات السيبررانية. يتبع ذلك فصلٌ عن فريق الإنسان - الآلة، يستشرف فيه المؤلف أطر التعاون المُثلى بين الذكاء الاصطناعي والعنصر البشري في الميدان. وفي فصل "حرب بسرعة الضوء"، يناقش كينغ مسألة تسريع دورة القرار العسكري بفضل التقنيات الجديدة وتبِعات ذلك على طبيعة الصراع. ويُختم الكتاب بخلاصة تربط خيوط التحليل وُتبُررز تحّولّات العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والصناعة التقنية في ضوء النتائج التي توصّل إليها.

تحليل محتوى الكتاب والأمثلة الرئيسة

يستخدم كينغ منهجًا وصفيًا تحليليًا غنيًا بالأمثلة لدعم رؤاه. فهو لا يكتفي بالتنظير، بل يستشهد بعدد من الحالات الواقعية التي توضح كيفية دمج الذكاء الاصطناعي فعليًا في العمليات العسكرية ومدى فاعليته وحدوده. على سبيل المثال، يتناول المؤلف مشروع "ميفن" Maven Project الذي أطلقته وزارة الدفاع الأميركية عام 2017 لتحليل لقطات الفيديو الجوية، باستخدام خوارزميات تعلّم آلي متطورة. تمكّن هذا المشروع من تطوير نظام تصنيف آلي للصور قادر على تمييز 38 فئة من الأهداف (مثل الأشخاص والمركبات)، ورصد تحركات تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عبرر طائرات مسّيةر في العراق وسورية. ونجح ميفن خلال ثمانية شهور فقط في تقديم نتائج عملياتية، ما أبرز "الإمكانات العظيمة" للذكاء الاصطناعي في ميدان الاستطلاع والاستهداف. ويشدد كينغ أيضًا على حدود هذه التقنية؛ فالبررنامج لم يكن عصا سحرية أو "حاسوبًا خارقًا متكاملَ الرؤية"؛ إذ إنه على الرغم من قدرته على التعرّف التلقائي إلى بعض الأنماط، فإنّ أداءه بقي مشروطًا بتوافر بيانات عالية الجودة وجهود بشرية مساندة لإعداد البيانات وتفسير النتائج. ويوضح هذا المثال منطق الكتاب في نقد التهويل: نعم، في إمكان الذكاء الاصطناعي دعم عملية تحديد الأهداف وتعزيز سرعة الاستجابة، لكنه يعمل ضمن نطاقات محددة، ولا يُغني عن العقل التحليلي البشري. يعرض الكتاب أيضًا تجربة إسرائيل في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها العسكرية، فهو يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي وصف حربه على غزة عام 2021 (عملية حارس الأسوار) بأنها "أول حرب للذكاء الاصطناعي"، حيث جرى توظيف منظومات خوارزمية على نطاق واسع. ويبررز نظام "غوسبل" Gospel الذي طوّرته وحدة السايبرر الإسرائيلية، وهو قادر على معالجة قواعد بيانات ضخمة تتعلق بعناصر حركة المقاومة الإسلامية "حمس" وسكان غزة؛ بغية تحديد الأهداف العسكرية بدقة. وينقل الكتاب، عن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أفيف كوخافي، معلومات تفيد أنّ تشغيل هذا النظام أتاح توليد 100" هدف جديد يوميًا"، مقارنةً بمعدل سابق لا يتجاوز 50 هدفًا في السنة، وهي قفزة نوعية هائلة. تبّين هذه الأمثلة أنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يضخّم قدرة الجيوش على تحليل المعطيات وتسريع دورة الاستخبارات والاستهداف. ومع ذلك، ينبّه كينغ إلى أن هذه التقنيات ليست بمنأى عن الخطأ أو الإخفاق؛ فعلى الرغم من التقدم الإسرائيلي في مجال "الحرب الرقمية"، عام 2021، فإن منظومات المراقبة المؤتمتة لم تُجَّنَب من

التعرّض لمفاجأة استراتيجية في هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ ما يؤكد أنّ الاعتمد المفرط على التقنية قد ينطوي على ثغرات. ويتطرّق كينغ، إلى جانب تحسين قدرات الاستطلاع والهجوم، إلى جهود تحديث القيادة والسيطرة عبرر دمج الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، في الجيش البرريطاني، شُِّكّل فريق ابتكاري يسمّى "رأس الحربة" لاختبار إدماج التقنيات الذكية في عمل مقارّ القيادة. وأدرك هذا الفريق منذ البداية أنّ البيانات وتنظيمها هي عمد النجاح ح (تى إنهم رفعوا شعار "البيانات هي الملك")، فبنوا بيئة رقمية تُدعى "العالم المصغر" لدمج البيانات المتاحة من مختلف المستشعرات والمصادر وتقديم صورة موحدة للقادة تساعدهم في اتخاذ القرار بصورة أسرع. يؤكد هذا المثال ما يشدد عليه المؤلف مرارًا: أن الابتكار التنظيمي في كيفية استخدام التقنيات لا يقل أهميةً عن التطور التقني ذاته في تحقيق الفائدة المرجوّة. من الأمثلة اللافتة التي يناقشها الكتاب، أيضًا، الدور الحاسم الذي أصبحت الشركات التكنولوجية الخاصة تضطلع به في ساحات القتال الحديثة. ويوضح كينغ أن أوكرانيا في حربها الدفاعية مع روسيا، عام 2022، اعتمدت على خدمة الإنترنت عبرر الأقمر الصناعية "ستارلينك" التي يملكها الملياردير إيلون ماسك؛ لضمن الاتصالات الحيوية في الجبهة العسكرية. فقد وفّرت شركة سباس إكس SpaceX آلاف المحطات الطرفية لأوكرانيا، وأقرّ مسؤولون أوكرانيون بأنه "لولا ستارلينك لخسرنا الحرب". غير أنّ المؤلّف يبررز جانبًا آخر لهذه القصة: فعندما تبّين لماسك أن القوات الأوكرانية تنوي استخدام شبكته لشنّ هجوم على القوات الروسية في شبه جزيرة القرم، اتخذ خطوة أحادية الجانب، بم عن الوصول إلى ستارلينك في تلك المنطقة، ما أحبط الهجوم المخطط وأثار قلقًا بالغًا في أوساط البنتاغون. يوضح هذا المثال الدراماتيكي مخاطر الاعتمد على جهات غير حكومية في توفير القدرات العسكرية الأساسية، لقد بات في إمكان شركة خاصة أن تؤثر مباشرةً في مسار حرب عبرر قرار فردي، وهو ما اعتبررته وزارة الدفاع الأميركية تطورًا "مقلقًا"، يعكس تحوّل ميزان السيطرة التقليدي. سيعود النقاش إلى مدلولات هذه الحادثة على العلاقة بين الدولة والشركات التقنية في مبحث لاحق من هذه المراجعة.

الذكاء الاصطناعي والعلاقات المدنية – العسكرية: أطروحة كينغ حول احتكار العنف المرشوع

يخصص كينغ قدرًا كبيرًا من التحليل لتأثير الذكاء الاصطناعي في العلاقات المدنية - العسكرية التقليدية، مستحضرًا في هذا السياق رؤية عالم الاجتمع ماكس فيبرر حول احتكار الدولة العنفَ المشروع. وفقًا لفيبرر، فإن الدولة الحديثة تميّزت تاريخيًا بقدرتها على بسط سيطرتها الحصرية على وسائل القوة المسلحة وتنظيمها. وقد تحقق ذلك بحلول منتصف القرن العشرين، حين أصبحت الجيوش الوطنية ملكًا تاًّمًا للدولة، ومموّلة من خزينتها، بينم وُضع قطاع الصناعات الدفاعية الخاص تحت إشراف الدولة وتوجيهها. تلك كانت "تسوية فيبررية" استقرت بموجبها العلاقة بين الدولة وجيشها وصناعتها العسكرية على أساس هيمنة حكومية واضحة. ويجادل أيضًا في أنّ ظهور المجمّع العسكري التقني في عصر الذكاء الاصطناعي يمثل مراجعة جذرية لهذه التسوية التاريخية. وأصبحت شركات التكنولوجيا الخاصة تحتكر عناصر حيوية من القوة العسكرية وتمتلكها، نيابةً عن الدولة، من الأقمر الاصطناعية للاتصالات، إلى البنية التحتية السحابية للبيانات، وصولًا إلى أنظمة

الذكاء الاصطناعي وبرمجياته وخوارزمياته. لم تعد كلّ هذه القدرات التقنية في قبضة الدولة المباشرة، بل أصبحت الجيوش تعتمد على ما يطوّره القطاع الخاص لتفعيل قدراتها العملياتية. ويلا ظح كينغ أن الشركات التكنولوجية (لا سيم عملقة وادي السيليكون) قد جرى دمجها فعليًا في صلب المؤسسات العسكرية؛ فمهندسو البيانات والمبررمجون المدنيون يعملون جنبًا إلى جنب مع الضباط في مراكز القيادة الميدانية، حتى إن تلك الشركات أصبحت "تشارك في المهمت نفسها"، بحسب تعبيره. بهذا المعنى، نشأ "نظام" جديد أو تسوية مدنية - عسكرية مستحدثة تسمح للقطاع الخاص بأن يعمل "داخل" المؤسسة العسكرية باعتباره جزءًا من قوّتها التنفيذية. ويرى المؤلّف أنّ هذا التحوّل يضاهي ما كان قائمًا في عصور ما قبل الدولة الحديثة، حين استعانت القوى الأوروبية بجيشٍ من المرتزقة والشركات التجارية لدعم حملاتها العسكرية، مثل شركة الهند الشرقية البرريطانية وشركة خليج هدسون في القرن التاسع عشر. فكم اعتمدت الإمبرراطوريات حينذاك على موارد خاصة لتحقيق غاياتها الحربية، يعتمد عالم اليوم على شركات التقنية الكبررى لتحقيق التفوّق في مجال البيانات والمعلومات. وهذه الاستعانة الحديثة ليست بلا ثمن أو أخطار. ويحذّر المؤلف من أنّ هذا المستوى غير المسبوق من خصخصة عناصر القوة يحمل في طيّاته تهديدات للاستقرار السياسي والعسكري. فدخول أطراف خاصة إلى "نواة" عملية ص عن القرار الاستراتيجي يهدد بحدوث تأكّل محتمل في قدرة الدولة على التحكم الحصري في قرارات الحرب والسلم. ويشير كينغ إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لم يؤِّدِ إلى أتمتة الاستراتيجية، بقدر ما أدّى إلى تسييسها؛ فقد أصبحت الشركات الخاصة لاعبًا مشاركًا في صياغة الاستراتيجية العسكرية، وهو تطوّر "مفارق" للتوقعات. بعبارة أخرى، لم تعد الدولة وحدها هي التي تحدّد توقيت استخدام العنف المشروع وأساليبه، بل إن القرارات أصبحت خاضعة لتأثير مصالح شركات تقنية عملاقة، لديها مفاتيح حاسمة للاتصالات والمعلومات. مثال ستارلينك الذي ذكرناه سلفًا هو تجسيد حيّ لهذه الإشكالية. فعندما يستطيع رئيس شركة خاصة (إيلون ماسك) وقف عملية عسكرية لدولة ذات سيادة، عبرر م عن خدمات الاتصال عنها في لحظة حرجة، فإن ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول معنى احتكار الدولة أدوات الحرب. لقد أبرز كينغ أنّ شركة مثل سباس إكس ليست "متعهدًا" تابعًا للدولة، بل هي فاعل في حد ذاتها، لها حرية قرار يمكن أن يتعارض مع رغبات الحكومة. وتبررهن مثل هذه الحالة على أنّ احتكار الدولة العنفَ في القرن الحادي والعشرين أضحى مشروطًا بمدى توافق مصالحها أو تضاربها مع مصالح كيانات خاصة تمتلك تقنيات حاسمة. صحيح أن الدولة تبقى الجهة التي تملك شرعية إصدار الأمر باستخدام القوة، إّلا أنّ فقدانها السيطرة على وسائل اتّصال هذه القوة أو تمويلها أو دعمها التقني يُضعف عمليًا احتكارها لها. وقد عّبر أحد قيادات سلاح الجو الأميركي عن قلقه من هذا الأمر صراحةً، بقوله إنه إذا كان الاعتمد على بنى تحتية تجارية إلى هذه الدرجة، فعلينا أن نتوقع "اضطرابات في زمن الحرب"، نتيجة ذلك. جدير بالذكر أنّ كينغ يناقش أيضًا فروقًا نوعية بين النمذج الغربية وغيرها في العلاقة بين العسكري والتقني. فهو يلحظ، مثل، ا أن إسرائيل بفضل التجنيد الإجباري الشامل وترابط مجتمع التقنية بخدمة الجيش قد حققت دمجًا وثيقًا بين القطاعين المدني والعسكري يفوق نظائره الغربية؛ إذ "لا يوجد فاصل مطلق" بين المجالين بحسب أحد مخبرريه الإسرائيليين، حيث إن "بعض المدنيين ليس مدنيًا حقًا، وبعض صناعات التكنولوجيا ليس صناعات بالفعل". وتبّين هذه الحالة إمكانية تحقيق اندماج عضوي بين الجيش والتكنولوجيا في سياق غير غربي، ما يطرح تساؤلات عن مدى عمومية استنتاجات كينغ. فإذا كان تركيزه على النموذج الغربي يُظهر

تصدّع احتكار الدولة بفعل قوة الشركات الخاصة، فإنّ نموذجًا آخر، مثل الصين (الذي لم يتناوله مباشرةً)، قد يسعى إلى دمج التكنولوجيا تحت إشراف الدولة الحزبي، في ما يُعرف ب "الاندماج المدني - العسكري"، محاولًا بذلك الحفاظ على سيطرة مركزية أقوى. بيد أنّ الإطار التحليلي الذي يقدّمه كينغ بشأن "التسوية الجديدة"، يظل مفيدًا لفهم التحوّل الجاري: لقد تغّير ميزان القوى بين أطراف ثلاثية (الدولة - الجيش - الشركات التقنية) بصورة تعيد تعريف حدود السلطة في التحكم في أدوات الحرب المشروعة.

التحيّز الغريب وتغطية السياقات غير الغربية

من النقاط التي تستدعي النقد المنهجي في عمل كينغ هي نطاق الحالات الدراسية المحدود جغرافيًا. فالكتاب يركّز تركيزًا شبه حصري على التجارب الغربية (الولايات المتحدة وبريطانيا إضافةً إلى إسرائيل) في تحليل دمج الذكاء الاصطناعي بالجيوش. ولا شك في أن المؤلف يبرّر هذا التركيز باعتبارات عملية ومنهجية، كم أسلفنا؛ إذ إنه سعى إلى ضمن عمق التحليل وإمكانية إجراء مقابلات مباشرة، فضلًا عن أن هذه الدول سبّاقةً في تبنّي التقنية. وقد نجح الكتاب بالفعل في تقديم صورة مفصّلة عن التحّولّات داخل مؤسسات عسكرية غربية رائدة. إّلا أن هذا الاقتصار على السياق الغربي يأتي على حساب إغفال حالات دولية أخرى، ربما كانت سُتثُري الصورة، أو تقدم زوايا مغايرة. على سبيل المثال، الصين وروسيا، وهم قوتان عسكريتان بارزتان، لا تحظيان إّلا بذكرٍ عابر في خلفية التحليل، على الرغم من أن الصين، خصوصًا، أعلنت صراحةً نيّتها اعتلاء الصدارة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. ويُقرّ كينغ بأن صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيجين وموسكو كان دافعًا رئيسًا لإطلاق استراتيجية التعويض "الأوفست الثالثة" في واشنطن، عام 2014، بمعنى أنه واعٍ بأهمية السياق غير الغربي باعتباره محفزًا للحراك الغربي. ولا يدرس الكتاب بالتفصيل كيف توظف هذه الدول (الصين وروسيا مثل)ا الذكاء الاصطناعي في عمل جيوشها، أو كيف تتعامل مؤسساتها مع العلاقة بين الجيش وشركات التكنولوجيا المحلية. إن إغفال هذه الزاوية يحرم القارئ من مقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة للغاية: فالنموذج الصيني في "الاندماج المدني - العسكري" المبني على مركزية التخطيط قد يُنتج ديناميات تختلف جوهريًا عن النموذج الأميركي القائم على السوق الحرة والشركات المستقلّة. وكذلك الحال في روسيا التي ربما تتبنّى مقاربة مختلطة، أو تعاني نقصًا في القطاع التقني المدني المتقدم، ما ينعكس على قدراتها في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي. إنّ التركيز المكثف على الولايات المتحدة وحلفائها يجعل الاستنتاجات منحازة إلى السياق الغربي، وقد لا تنطبق بالدرجة نفسها على أنماط أخرى من الدول. وحتى ضمن الاختيار الغربي الضيّق، يغلب على الحالات طابع الأنظمة الديمقراطية الرأسملية (باستثناء إسرائيل التي تُعدّ غربية سياسيًا وثقافيًا، على الرغم من خصوصيتها الإقليمية). ويعني هذا أنّ قضايا، مثل معارضة الرأي العام أو العامل الأخلاقي في دمج التقنيات (كم في احتجاج موظّفي غوغل على مشروع Maven)، حاضرة في التحليل. وفي دول غير ديمقراطية، قد تغيب مثل هذه الاعتبارات، أو تأخذ شكلًا مختلفًا، ما يؤثر في سرعة الدمج التقني ونمطه. علاوة على ذلك، لم يتطرّق الكتاب إلى تجارب دول "الجنوب العالمي" أو الدول النامية التي قد تكون متلقية أو مستخدمة لهذه التقنيات بطرائق مغايرة، ربما عبرر استيرادها من قوى كبررى، وما يثيره ذلك من تبعية تكنولوجية. بطبيعة الحال، لا يمكن أن يتناول مؤلف واحد كل شيء، وكينغ نفسه يؤكد أن الأدلّة التي يقدمها "ليست شاملة"، وأن دراسته محدودة في نطاقها. ومع ذلك، كان

في الإمكان تعزيز قيمة البحث بمزيد من المقارنة مع نماذج غير غربية، أو على الأقل الاعتراف صراحة بأن خلاصاته الرئيسة تعكس أساسًا خصائص البيئات العسكرية الغربية. إن الانحياز الغربي هنا لا ينتقص من جودة التحليل في نطاقه المحدد، لكنه يقيّد قدرة القارئ على تعميم النتائج أو اختبارها خارج تلك الدائرة الحضارية. ربما سيكون على الباحثين مستقبلًا توسيع هذا النقاش ليشمل دراسات حالة من الشرق وآسيا وأميركا الجنوبية؛ بهدف تأكيد ما توصّل إليه كينغ أو تعديله.

التقييم العام: المساهمت والحدود المنهجية

يمثّل كتاب كينغ إسهامًا مهمًا في أدبيات الدراسات الاستراتيجية وعلم الاجتمع العسكري المعاصر. فمن ناحية المساهمت، نجح المؤلف في تقديم طرح جديد ومق عن يتعلق بدور الذكاء الاصطناعي في الحروب، متجنّبًا الفخاخ الشائعة بين التفاؤل التكنولوجي المفرط والتشاؤم الكارثي. ويقدّم تصحيحًا للسرديات التبسيطية، عبرر إظهار أنّ الحرب لن تصبح مواجهة بين آلات مستقلة خارج السيطرة البشرية فحسب، بل ستبقى عملية معقدة يؤدي فيها الذكاء الاصطناعي دور الداعم لتعزيز الإدراك وص عن القرار. كم أن مفهوم "المجمّع العسكري التقني" الذي يطرحه كينغ يوفّر إطارًا نظريًا جديدًا لفهم العلاقة الثلاثية بين الجيش والدولة والشركات التقنية في القرن الحادي والعشرين. وهذا الإطار ذو قيمة تحليلية عالية؛ إذ إنه يربط بين وقائع معاصرة (مثل إدماج التقنيين في مقارّ القيادة، ومثال ستارلينك الذي ناقشناه) ونماذج تاريخية (مثل المرتزقة والدولة ما قبل الحديثة)، ضمن سياق نظري أوسع يتعلق باحتكار العنف المشروع. من مزايا العمل أيضًا غزارة المادة الإمبرريقية فيه؛ فقد اعتمد المؤلف على عشرات المقابلات والوثائق الرسمية، ما أكسب تحليله صدقية وعمقًا ملموسًا. واستطاع كينغ بفضل ذلك أن يقدّم للقراء لمحة من داخل غرف القيادة ومختبررات التكنولوجيا، موضحًا بالتفصيل كيفية اتخاذ القرارات التقنية وتنفيذها فعليًا في ميادين القتال. يُعدّ هذا الكتاب مرجعًا مبكرًا لفهم تأثير الذكاء الاصطناعي في تكتيكات الحرب واستراتيجياتها في عشرينيات القرن الحادي والعشرين. أما من ناحية الحدود المنهجية، فقد ناقشنا أبرزها، وأهمها التحيّز الجغرافي نحو الغرب، ما يقيّد شمولية النتائج ويحدّ من قابليتها للتعميم على نطاق عالمي. إضافة إلى ذلك، يمكن الإشارة إلى أن تركيز الكتاب على التطبيقات القائمة حاليًا، ربما جعله حذِرًا في تناول ما قد يحمله المستقبل القريب من طفرات تكنولوجية. فهو ينفي بوضوح احتمل هيمنة الذكاء الاصطناعي كلّيًا على القرار العسكري، في الوقت الراهن، استنادًا إلى معطيات واقعية، إّلا أن هناك من قد يجادل في أن تطورات الذكاء الاصطناعي المتسارعة (مثل ظهور نماذج لغوية أكثر تطورًا، أو تقدم الروبوتات الذاتية) قد تغّير المعادلة خلال سنوات قليلة. صحيح أن كينغ ينبّه إلى أن صورة الذكاء الاصطناعي قد تتغير إن طرأت قفزات غير متوقعة، لكن محدودية القدرة على التنبؤ المستقبلي تظل نقطة يمكن أن تُطرح. كم أن التركيز على الجوانب العملياتية والتقنية كان على حساب نقاش أوسع للجوانب الأخلاقية والقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب (مثل شرعية الأسلحة الذاتية القاتلة ومسؤولية المحاسبة عن الأخطاء في دراسة حالة حرب إسرائيل على غزة)، وإن كان المرء قد يجادل في أن هذه الموضوعات ربما تتجاوز نطاق تركيز الكتاب الذي أراد فحص الواقع القائم أكثر من الأسئلة المعيارية. على الرغم من هذه التحفظات، فإن هذا الكتاب يبقى عملًا رصينًا ومتوازنًا. فقد وازن كينغ بين التحليل النظري والملاحظات الإمبرريقية بنجاح، وخرج بأطروحات واضحة مدعومة بالأدلّة. وجمع أسلوبه بين العمق

الأكاديمي والسلاسة في العرض، ما يجعله مقروءًا ليس من الباحثين والمتخصصين فحسب، بل من كل من يهتم بفهم كيف تعيد التقنيات الذكية تشكيل ملامح الصراع المسلح. وعلى الرغم من محدودياته، فإنّ الكتاب يفتح الباب لنقاشٍ أوسع حول مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في عصر التقنية الفائقة، ويقدّم أرضية صلبة يستطيع الباحثون البناء عليها، سواء لتعزيز استنتاجاته ضمن سياقات أخرى أو لمساءلتها. وفي المحصّلة، يُعدّ الكتاب إضافة قيّمة إلى الأدبيات الأكاديمية؛ تكمن قوّته في رؤيته التحليلية ومنهجه الواقعي المتّزن، وتتجلى محدودياته في نطاقه الغربي الضيّق وبعض المسائل التي يتركها مفتوحة. وحاولت هذه المراجعة أن تجلي تلك الموازنة بين الإسهام والقيد بإنصاف وموضوعية.

خاتمة

قدّم كينغ في هذا الكتاب تحليلًا معمّقًا ومبتكرًا لتأثير الذكاء الاصطناعي في الحرب المعاصرة، مبيّنًا أن الحقيقة أشدّ تعقيدًا من سرديات الخيال العلمي أو التخوّفات الشعبية. فعوضًا عن صورة روبوتات قاتلة تهيمن على ساحة المعركة، نرى صورة أكثر توازنًا تعكس شراكة بين العقول البشرية والخوارزميات، وتحوّلًا في بنيان المؤسسة العسكرية، يجعلها أكثر تداخلًا مع قطاع التكنولوجيا المدني. لقد أثبت بالأمثلة الواقعية أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا تمكينيًا يُحسن جمع المعلومات واتخاذ القرارات، وفي الوقت ذاته كشف عن التحديات السياسية والأخلاقية التي ترافق دمج القطاع الخاص في صلب عملية الدفاع. ومن منظور العلاقات الدولية ونظرية الدولة، يثير هذا العمل أسئلة حول مستقبل سيادة الدولة على العنف المشروع عندما يصبح الاعتمد على التكنولوجيا الخاصة ضرورة لا غنى عنها. في النهاية، يُقَّيّم الكتاب بإيجابية عالية بوصفه دراسة سبّاقة في موضوعها، فهو يوازن بين الإشادة بإمكانات الذكاء الاصطناعي العسكرية والتحذير من مغبّة المبالغة في الاعتمد عليها أو انزلاق التحكم خارج الإطار الحكومي التقليدي. إن هذه المراجعة النقدية، التي سعت إلى إبراز نقاط القوة والضعف في عمل كينغ، تؤكد أن الكتاب يستحق مكانته بوصفه مرجعًا أساسيًا لفهم إحدى أهم قضايا الأمن القومي والتكنولوجيا في عصرنا الراهن.