ما بعد كوفيد-19 والمخاطر الصحية المستجدة المرتبطة بالتغيرات المناخية في تونس: موجبات تعديل السياسات
Post
الملخّص
ملخص: تتناول هذه الدراسة تعدّد المخاطر الصحية ومصادرها التي تهدّد صحة الأفراد في تونس، مع تفاقم الأمراض المتواترة واحتمال ظهور أمراض جديدة بفعل التغيرات المناخية. وتبحث في أبعاد الاستراتيجية الصحية الوطنية التي وضعتها الحكومة للتأقلم مع هذه التحّولّات، ومستوى تفاعلها مع الضغوط المناخية، خصوصًا في مجالات إدارة المخاطر الصحية وتعزيز جاهزية المنظومة الصحية. كما تقيّم فاعلية التدابير المتخذة، ولا سيّما في مجالَي المراقبة الوبائية وأداء المنظومة الصحية العمومية، مع إبراز ما يعتريها من معوقات. وتستخلص، بالاستناد إلى تجارب سابقة من بينها حمى غرب النيل وأزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، وجود قصور في الرصد الوبائي وبطء في الاستجابة الحكومية، إضافة إلى اختلاالات هيكلية وارتفاع في الطلب على الخدمات الصحية. وتُبرز الدراسة محدودية دور القطاع الصحي الخاص خلاال الأزمات، وتخلص إلى ضرورة تعديل السياسات لدعم المنظومة الصحية العمومية بشريًا ولوجستيًا، وتطوير أنظمة الرصد بما يعزز القدرة على الصمود ويخفض كتلفة التأقلم مع المخاطر الصحية.
Abstract
Abstract: This study examines the range of health risks facing individuals in Tunisia, focusing on the worsening burden of recurrent diseases and the potential emergence of new ones driven by climate change. It explores the dimensions of the national health strategy adopted by the government to adapt to these transformations and assesses the extent to which it responds to climate pressures, particularly in the areas of health risk management and strengthening the preparedness of the health system. The study also evaluates the effectiveness of the measures taken, especially in the fields of epidemiological surveillance and the performance of the public health system, highlighting the obstacles they face. Drawing on previous experiences, including the West Nile fever outbreak and the COVID-19 crisis, it identifies shortcomings in epidemiological monitoring, delays in governmental response, structural imbalances, and rising demand for health services. The study further underscores the limited role of the private health sector during crises and concludes with the need to revise policies to better support the public health system both in human and logistical capacities and to develop surveillance systems in ways that enhance resilience and reduce the costs of adapting to health risks.
- المخاطر الصحية
- الاستراتيجية الصحية الوطنية
- التغيرات المناخية
- تعديل السياسات
- تونس
- Health Risks
- National Health Strategy
- Climate Change
- Policy Reform
- Tunisia
Assistant Professor of Higher Education, University of Sfax, Tunisia. Email: jarrayamounir@gmail.com
مقدمة
يُعدّ تأثّر الإنسان بالأوضاع المناخية مسألة محسومة لا جدال فيها، إذ تترتّب عليها مخاطر تمسّ صحته وحياته، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر. ويبررز النظام الفصلي للأمراض، إلى جانب تغّير المشهد الوبائي على مدار السنة، أهمية النظر في هذه المخاطر وسبرر تأثيراتها المتعدّدة الأوجه في صحة البشر وحياتهم. وقد دفع تواتر الظواهر المناخية المتطرفة، وحصيلتها من حيث مستويات الإصابة بالأمراض، وحتى تسجيل حالات الوفاة، إلى التفكير في سيناريوهات التطوّر المستقبلي للمناخ وتأثيراته المحتملة من تفاقم في المخاطر الصحية. إنّ التغيرات المناخية، التي تعدّ ظاهرة احترار المناخ العالمي أبرز مظاهرها، وما يتبعها من احتمل استفحال موجات الجفاف والفيضانات والتطرفات الحرارية، تضع حياة الإنسان على سطح هذا الكوكب على المحك. ويتوقّع التقرير الخامس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الصادر سنة 2014، تصاعد مستوى الاحترار في أواخر القرن الحادي والعشرين مقارنة بما كان عليه في الفترة 2005-1986، ليراوح بين 0.3 و 1.7 درجة مئوية وفق سيناريو توقّعات ذي منحى تفاؤلي، بينم قد يتفاقم إلى ما بين 2.6 و 4.8 درجات مئوية في السيناريو ذي المنحى التشاؤمي. ودفعت التبعاتُ المحتملة لهذه التغيرات المناخية البلادَ التونسية إلى تبنّي سياسات عامة تهدف إلى مجابهتها، عبرر إعداد استراتيجيات وطنية تتضمّن التدابير الواجب اعتمدها في مختلف القطاعات، بغية خفض مستويات انبعاث الملوثات، ولا سيّم الغازات الدفيئة، إضافة إلى البحث في آليات التكيّف مع ما تفرضه هذه التغيرات
من تحديات مستقبلية. وقد مثّلت جائحة كوفيد 19- حدثًا كونيًا استثنائيًا، سواء بما أحدثته من تعطل في سلاسل التوريد على الصعيد الدولي، أو من حيث ما أسفرت عنه من تبعات اجتمعية واقتصادية، ما تزال آثارها قائمة إلى اليوم في مختلف بلدان العالم، ومنها تونس. لكن الأهم هو ما أظهرته هذه الجائحة من هشاشة المنظومة الصحية العمومية وضعف جاهزيتها، ما أعاد مسألة المخاطر الصحية إلى صدارة النقاش العام، بعد أن ظلت حكرًا على الباحثين في علوم الصحة والحقول العلمية المرتبطة بها. وقد سلّطت الجائحة الضوء على مقاربات شتّى، فتعدّدت زوايا النظر إليها بغية استخلاص الدروس والاستعداد الأمثل لمجابهة أحداث وبائية ممثلة في المستقبل، وهي أحداث مرشّحة للتفاقم بفعل تأثير التغيرات المناخية.
Jean-Pierre Besancenot, Climat et Santé (Paris: Publication Universitaire Française, 2001), p. 4. منير الجراية، "التغيرات المناخية والأخطار الصحية الناجمة عنها في جهة صفاقس (الوسط الشرقي التونسي)"، المجلة الجغرافية السورية، العدد 30 (2018)، ص.85 Mounir Jarraya, "Biométéorologie de la morbidité respiratoire dans le secteur public de la santé à Sfax (Tunisie)," Thèse de doctorat, Université Paris Diderot (Paris VII), Paris, 2009, p. 65. Caroline Norrant-Romand, "Quand les scientifiques donnent l'alerte," in: Helga-Jane Scarwell & Isabelle Roussel (eds.), Le changement climatique, quand le climat nous pousse à changer d'ère (Lille: Septentrion, 2010), p. 51. Christopher B. Field et al. (eds.), Climate Change 2014: Impacts, Adaptation, and Vulnerability. Part A: Global and Sectoral Aspects. Contribution of Working Group II to the Fifth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (New York, NY: Cambridge University Press, 2014), p. 63, accessed on 24/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Lf Mounir Jarraya, "Temporalité de Covid-19 en Tunisie: Aspects d'éventuelle saisonnalité et retombés sur le tourisme en été 2020," in: Mourad Ben Jelloul & Mohamed Hellal (eds.), Gouvernance, communication et développement des territoires touristiques (Tunis: GTD, 2023), p. 402. Abdelala Bounouh, "The devastating impact of covid-19 on the health system in Tunisia," Moroccan Journal of Public Health , vol. 2, no. 1 (2021), p. 32. عبد الرحمن محمد الحسن، الجغرافيا الطبية (الدويم، السودان: جامعة بخت الرضا، 2013)، ص.46
وفي هذا الإطار، شرعت البلاد التونسية منذ سنة 2006 في إعداد استراتيجيات قطاعية في مجالات الفلاحة والموارد الطبيعية والنظم البيئية والسواحل، بهدف التأقلم مع التغيرات المناخية، ومن بينها وثيقة صدرت بعنوان "استراتيجية تكيّف القطاع الصحي مع التغّير المناخي". وتهدف هذه الاستراتيجية إلى اعتمد آليات عملية للتأقلم مع تغّير المناخ، من خلال تحديد الأولويات وفق درجة حساسية كل بُعد من أبعاد الرعاية
الصحية ومستوى هشاشته تجاه التحّولّات المناخية. وقد أُنجزت هذه الاستراتيجية في حدود الإمكانيات الداخلية للبلاد، مع السعي إلى الاستفادة من التعاون الدولي من أجل تعزيز المنظومة الصحية إزاء المخاطر الصحية المتفاقمة بفعل تأثير التغيرات المناخية. وعلى الرغم من شمولية هذه الاستراتيجية الوطنية في تحديد المخاطر الصحية وتحيين مفهوم الصحة وتبيان مرتكزاتها المتعددة الأبعاد، فإنّها لم تخلُ من نقائص عديدة، ولا سيّم ما يتصل بإشكالات هيكلية تعانيها المنظومة الصحية العمومية ونظام المراقبة الوبائية، وهو ما برز بوضوح في أدائهم خلال أزمة كوفيد 19-، التي تُعدّ حصيلتها شاهدًا د لًا على هذه الاختلالات. في ضوء ما تقدم، تبحث هذه الدراسة في مستوى التأقلم الذي أحدثته الاستراتيجية الصحية الوطنية داخل القطاع الصحي، ومدى استيعابها المخاطر الصحية المتفاقمة بفعل تأثير التغيرات المناخية في البلاد التونسية، محاوِلةً من خلال ذلك تقييم مشكلات هذه الاستراتيجية وبيان ما قد يطرأ من المعوقات التي تحول دون تحقيق أهدافها. وتعتمد الدراسة مقاربة منهجية تجمع بين تحليل المعطيات التي تعمل ضمنها الاستراتيجية، ودراسة أوجه تفاعلها وتأقلمها مع المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية. وتنطلق المقاربة على الصعيد الوصفي من إبراز أوجه تأثّر صحة البشر بالتغيرات الفصلية للمناخ، بالاستناد إلى نتائج دراسات سابقة، يتمحور أغلبها حول جهة صفاقس في الوسط الشرقي التونسي. ودعمًا لهذا التوجّه، اعتمدت منهجية الدراسة على معالجة إحصائية لمختلف المعطيات الكمية، مع تمثيل عدد من النتائج بيانيًا وخرائطيًا، من أجل توظيفها في تحليل أداء الاستراتيجية الوطنية في تعاملها مع المخاطر الصحية المرتبطة بتغّير المناخ في البلاد التونسية. وقد وُظّفت في ذلك بيانات تتعلّق بسيناريوهات التطوّر المستقبلي للحرارة، والبنية التحتية الصحية، والإطار الطبي، والتجهيزات، ومستوى الانتفاع ببعض الخدمات الأساسية، وعدد المرضى، والتأمين على المرض،... إلخ. وهي البيانات التي أُخذت من مصادر رسمية متنوعة، من بينها وزارة الصحة العمومية، والمعهد الوطني للرصد الجوي، والمعهد الوطني للإحصاء.
أولًا: المخاطر الصحية القائمة وإمكانيات تفاقمها مستقبلًا يف سياق التغيرات المناخية
للمناخ تأثيرات متعددة الأوجه في الصحة البشرية، إذ يُعدّ مصدرًا لمخاطر متفاوتة يتحدّد وقعها وفق طبيعة تفاعل الجسم البشري معها، فتتواتر بعض الأمراض وتتفاقم أخرى بما يجعلها تمثّل تهديدًا للحياة.
Ministère de la santé publique, Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique (Tunis: 2010), p. 12. 10 Alexandra Schneider & Susanne Breitner, "Temperature Effects on Health – Current Findings and Future Implications," EBioMedicine , no. 6 (2016), p. 30.
ويعدّ استفحال المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ من أبرز التبعات المتوقّعة للتغيرات المناخية، إذ يرجّح أن يشهد المشهد الوبائي الموسمي تفاقمًا في وتيرة تواتر الأمراض وحدّة تأثيرها في الأفراد.
1. أوجه تأثّر صحة البشر بالظروف المناخية
يمكن تناول علاقة المناخ بالصحة، والمخاطر الناجمة عنها، من خلال التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للأوضاع والظواهر المناخية في الصحة الجسدية للأفراد وفي بيئة عيشهم ومقدّراتها. وتشمل هذه التأثيرات الأوضاع المناخية الفصلية الاعتيادية، إلى جانب الظواهر المناخية المتطرّفة أو القصوى، التي تُعدّ محددات رئيسة لصحة الأفراد وسلامتهم خلال فترة زمنية معيّنة وفي حيز جغرافي محدد. ولا يسمح المقام بتعداد شامل لمختلف هذه التأثيرات، غير أنّ التطرّق إليها بالقدر الضروري يتيح تبيان جدية المخاطر الصحية ذات العلاقة بالمناخ، وهشاشة الأفراد إزاءها. ويؤثر المناخ بصورة مباشرة في الصحة من خلال تفاعل عناصره، من حرارة ورطوبة ورياح، وهو تفاعل يحدّد مستوى رفاهية البيئة الخارجية المحيطة أو ضغطها على جسم الإنسان، بمثل ما يمهّد الأرضية الملائمة لنشاط عناصر بيولوجية ضارة تتسبب في إصابته بأمراض متعددة. وقد تعدّدت الدراسات التي تناولت تأثير الأوضاع الجوية الفصلية في تواتر الأمراض، وخلصت إلى وجود تباين في درجة حساسية هذه الأمراض تجاه عناصر بيئتها، ولا سيم العوامل المناخية. إذ تؤثر التغيرات الجوية الفصلية في تواتر الأمراض، وترتبط هشاشة السكان إزاءها بالعوامل المناخية؛ ففي المناطق المعتدلة، تؤدي التغيرات الفصلية في الحرارة والرطوبة إلى بروز أنماط مرضية موسمية. وأظهرت دراسات سابقة تناولت أمراض فصل الشتاء وانتشارها في مدينة صفاقس، ومن بينها الإنفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي والقلب والربو، أنّ معّدلّات الإصابة بها ترتفع خلال فترات البررد الشديد. ففي مثل هذه الأوضاع، تنشط الفيروسات وتتراجع بعض الوظائف المناعية لدى الإنسان، إلى جانب تأثير عوامل فيزيولوجية خاصة بجسمه في تفاعله مع البررودة الشديدة، من بينها انسداد الشرايين وحدوث الجلطات القلبية أو الدماغية، وهو ما يفضي إلى ارتفاع مخاطر هذه الأمراض وتسجيل حالات وفاة. ولا يختلف الوضع في فصل الصيف كثيرًا، إذ تسهم درجات الحرارة المرتفعة ونِسَب الرطوبة العالية في تفشي الأمراض
11 Besancenot, p. 35. 12 منير الجراية، "المقاربات التطبيقية لعلم المناخ في سياق انفتاح العلوم وتعدد رهاناتها: إسهاماتها في دراسة الأخطار الصحية والحدّ من تأثيراتها أنموذجًا من خلال حالة جهة صفاقس (الوسط الشرقي التونسي)"، مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 76 ح (زيران/ يونيو 2021)، ص.68 13 Habib Ben Boubaker & Mohamed-Kouni Chahed, "Changement climatique et maladies réémergentes en Tunisie: Cas de la leishmaniose cutanée zoonotique (LCZ)," in: Massimiliano Fazzini & Gérard Beltrando (eds.), Actes du 24 ème colloque de l'association internationale de climatologie (Rovereto: AIC, 2011), p. 84. 14 Ogone Motlogeloa & Jennifer M. Fitchett, "Climate and Human Health: A Review of Publication Trends in the International Journal of Biometeorology," International Journal of Biometeorology , vol. 67 (2023), pp. 933-955, accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2d1 15 Karine Wolf et al., "Air Temperature and the Occurrence of Myocardial Infarction in Augsburg, Germany," Journal of the American Heart Association , no. 120 (2009), p. 738.
الجلدية والمعوية، إضافة إلى بعض أنواع الفطريات والفيروسات، والتي تكثر مع تلوث المياه. ولظواهر تغّير المناخ القصوى، وما ينجم عنها من كوارث، ولا سيّم الفيضانات والجفاف، تأثير بالغ في سلامة الأفراد وصحتهم وممتلكاتهم، وكذا في أمنهم الغذائي. ويتأثّر بُعدا الأمن الغذائي الأساسيان، وهم توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه، بتبعات الجفاف الذي يمكن أن يضرب مجالات جغرافية شاسعة على خلاف الفيضانات، إذ إنّ نقص المياه يؤدي إلى آثار بالغة في الإنتاج الزراعي، ويحدّ من توافر المواد الغذائية الأساسية، ولا سيّم الحبوب، بما يهدّد الأمن الغذائي للسكان. وتنعكس هذه الأوضاع سلبيًا على صحتهم ومستوى نشاطهم، وقد تدفع بهم إلى النزوح من الأرياف إلى المدن، ما يفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتمعية في الحواضر، إضافة إلى الهجرة الخارجية التي تُصَنَّف ضمن "الهجرة لأسباب مناخية".
2. أيّ تأثير للتغيرات المناخية؟
استنادًا إلى الدراسات الاستشرافية التي أعدّها المعهد الوطني للرصد الجوي في البلاد التونسية، يتبّين أنّ ارتفاع درجات الحرارة يختلف باختلاف السيناريوهات المستقبلية التي أعدّها المعهد؛ إذ يتوقّع السيناريو الأول (4.5 RCP) ارتفاعًا في معدلات الحرارة يراوح بين 1 و 1.8 درجة مئويّة في أفق سنة 2050، وبين 2 و 3 درجات مئوية في أفق سنة 2100. بينم يتوقع السيناريو الثاني (8.5 RCP) ارتفاعًا يراوح بين 2 و 2.3 درجة مئوية في أفق سنة 2050، وبين 4.1 و 5.2 درجة مئوية في أفق سنة 2100. تتعدّد مظاهر التغيرات المناخية التي باتت المجتمعات تعيش على وقعها، وقد أضحت مصدرًا للقلق والمخاوف لدى الأفراد، بوصفها مرشّحة للتفاقم في المستقبل. ومن المتوقّع أن تسهم التغيرات المناخية في
16 للمزيد حول الأوضاع المرضية الموسمية في صفاقس وتأثّرها بالعوامل المناخية، ينظر: Mounir Jarraya & Gérard Beltrando, "Hospitalisation cardiovasculaire hivernale à Sfax (Centre-Est de la Tunisie): Population vulnérable et aspects climato-pathologiques," in: Michel Erpicum (ed.), Actes du 28 ème colloque de l'association internationale de climatologie (Liège: AIC, 2015); Mounir Jarraya & Gérard Beltrando, "Poussés d'asthmes à Sfax (Tunisie): Aspects multiples de vulnérabilité accrue par le contexte climatique," in: Jean Michel Fallot, Daniel Joly & Nadine Bernard (eds.), Actes du 29 ème colloque de l'association internationale de climatologie (Besançon-Lausanne: AIC, 2016); Mounir Jarraya, "Bioclimatologie des infections cutanées mycosiques à Sfax (Centre-Est de la Tunisie)," EchoGéo , no. 38 (2016), accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2vl; Mounir Jarraya, "Froid hivernal et fréquence de la grippe à Sfax (Centre-Est de la Tunisie)," Territoires en Mouvement , no. 38 (Janvier 2018), accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2EZ; Mounir Jarraya, "La vulnérabilité de la population aux parasitoses intestinales à Sfax: Quelle implication de l'eau?" Cahiers Géographiques de l'Ouest , vol. 10, no. 1 (2022), pp. 71-92, accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2gL 17 لطيفة هنية وآخرون، مناخ تونس (تونس: جامعتا صفاقس ومنوبة، 2024)، ص.371 18 المرجع نفسه، ص.181 19 منير الجراية، "أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب بالبلاد التونسية: التبعات والتحديات المستجدة"، حكامة، مج 5، العدد 9 (خريف 2024)، ص.23 20 Denis Lamarre & Pierre Pagney, Climats et Sociétés (Paris: Armand Colin, 1999), p. 126. 21 الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون المحلّية والبيئة، التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة لسنة 2017 (تونس: المرصد التونسي للبيئة والتنمية المستديمة، 2017)، ص.40 22 لطيفة هنية [وآخرون]، المناخ والمنظومة المناخية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2021)، ص.594
تفاقم التأثيرات السلبية السالفة الذكر للمناخ في الصحة، من خلال ارتفاع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة وحدّة تأثيرها في الأفراد، وما يستتبع ذلك من ارتفاع في معّدلّات الإصابة بالأمراض المعدية والمزمنة، والوفيات الناجمة عنها. ويترجم ذلك على المستوى الصحي بازدياد الطلب على الخدمات العلاجية، وهو ما يطرح عدة إشكالات في مستوى جاهزية المنظومة الصحية وأنظمة التأمين على المرض لمجابهة هذه التحديات في المستقبل. ولو أخذنا مث لًا من واقع الإصابة بمرض اللشمنيا الجلدية في البلاد التونسية، فقد بيّنت بعض الدراسات تأثّر انتشاره بالمناخ وتداعيات التغيرات المناخية. ومن بين هذه الدراسات دراسة تناولت جهة صفاقس، وخلصت إلى أنّ بداية الموسم الوبائي تتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الرطوبة خلال فصل الخريف، الذي يؤثر في تحفيز نشاط المستودع الطبيعي للمرض (اليرابيع) والناقل (البعوض) والطفيليات المسبّبة للمرض. ويطرح تفاقم الاحترار وطول أمد الفصل الحار في جهة صفاقس، وهي من تمظهرات التغّير المناخي، إشك لًا حقيقيًا لا يقتصر على انتشار اللشمنيا الجلدية بل يمتدّ إلى التعفّنات الجلدية والمعوية، والتي ليس من المستبعد أن تشهد تفاقمًا. ويعكس تغّير المشهد الوبائي الموسمي والوفيات المسجّلة مستوى المخاطر التي يمكن أن تحدق بالأفراد. وللتغيرات المناخية آثار مباشرة في هذه المخاطر الصحية، سواء من حيث تواتر الأمراض، أم إمكانية اتّساع نطاقها الجغرافي، أم تفاقم الهشاشة إزاءها. وفي ضوء ذلك، سعت الدولة التونسية إلى البحث في سبل التصدي لهذه المخاطر والاستعداد لاحتملات تفاقمها في المستقبل، ولا سيّم أنّ جائحة كوفيد 19- والدروس المستخلصة منها قد شكّ نكيم الم ايّح لا ثم تل أن تؤول إليه الأوضاع الصحيّة مستقبلًا.
ثانيًا: أوجه تفاعل الاستراتيجية الصحية الوطنية مع التغيرات المناخية
تتأسّس الاستراتيجية الوطنية لتأقلم قطاع الصحة مع التغيرات المناخية في البلاد التونسية على عدّة محاور تستجيب لمعطيات هذه الظاهرة، وهدفها تعديل السياسات الصحية التي تكفل التعامل معها.
23 Jean-Pierre Besancenot, Notre santé à l'épreuve de changement climatique (Paris: Delachaux et Niestlé, 2007), p. 78. 24 Emna Fourati, "Enquête entomologique dans un foyer de leishmaniose cutanée zoonotique du centre tunisien," Projet de fin d'études, Institut Supérieur des Sciences et techniques de l'Environnement de Borj-Cédria, Université de Carthage, Tunis, 2010, p. 11; Habib Ben Boubaker & Mohamed-Kouni Chahed, "Changement climatique et maladies réémergentes en Tunisie: Cas de la leishmaniose cutanée zoonotique (LCZ)," p. 84; Mohamed-Kouni Chahed, Analyse des modalités d'adaptation aux effets sur la santé des changements climatiques: Cas de la leishmaniose cutanée zoonotique à leishmania major (Tunis: Agence Tunisienne de Coopération Technique (ACTC), 2012), p. 45. 25 منير الجراية، "هشاشة السكان إزاء مرض اللشمانيا الجلدية بظهير مدينة صفاقس: العلاقة بالتحولات السوسيومجالية والتغيرات البيئية"، في: مهدي مبرروك ويوسف بن عثمان، تحولات الأرياف المغاربية: الممارسات والفاعلون والرهانات (تونس: منشورات سوتيميديا، 2024)، ص.475 26 Mounir Jarraya, "Risques climato-pathologiques des maladies hydriques à Sfax (Tunisie): Perception de vulnérabilité par la population et modalités de gouvernance," in: Salem Dahech & Sami Charfi (eds.), Actes du 30 ème colloque de l'association internationale de climatologie, Sfax (Sfax: AIC, 2017), p. 124.
1. صحة متعددة الأبعاد
تُعدّ تعددية أبعاد مفهوم الصحة مبدأ أساسيًا في الاستراتيجية الصحية الوطنية للتأقلم مع التغيرات المناخية؛ وهذه التعددية منصوص عليها في تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة، الذي يجملها في أنّها "حالة اكتمل السلامة بدنيًا وعقليًا واجتمعيًا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز". ومن الضروري أّلا يُحَصر مفهوم الصحة في إطاره الطبي المحض، ويجب أن يُربَط بمختلف المؤثّرات الاجتمعية والسلوكية والبيئية والاقتصادية والسياسية، وهو ما نعنيه بالمقاربة المتعددة الأبعاد، التي تيّسر تناول مختلف التهديدات المحدقة بصحة الأفراد. وهي ترتبط بالمناهج العابرة للاختصاصات، وبالبحث في السياسات العامة التي يضطلع بها نظام الصحة في مفهومه الشامل، وبما لا يقتصر على الجهود الطبية وخدمات الرعاية الصحية التي يوفرها القطاع الصحي، بل يتعداها إلى مختلف الأنشطة التي تُسهم في المحافظة على صحة الأفراد وتنميتها. ومن خلال هذا الطرح، تغدو جميع الأنشطة البشرية في مجال إنتاج الغذاء وتوفيره، ومن بينها التصرّف في الموارد المائية، مندمجة ضمن نظام الصحة العمومية، وهو فهم يتجاوز حدود المقاربة القطاعية الضيقة التي تقتصر على الجوانب الفنية لعمليتَي إنتاج الغذاء وتوفيره. ولهذا الطرح مزايا عديدة في مواجهة تداعيات تغير المناخ على الصحة، إذ يراهن على الأثر الكبير لتنسيق التحركات العملية بين مختلف القطاعات المتدخلة في قضايا الغذاء وأمنه من جهة، والصحة ورعايتها من جهة أخرى. ويسهم هذا التنسيق في بلورة رؤية مزدوجة، في إطار المقاربة المتعدّدة الأبعاد، لتوفّر المياه والأمن الغذائي في سياق تفاقم التغيرات المناخية. ويوضح الشكل (1) هذه الارتباطات. يجدر، في هذا السياق، بيان أنّ تدهور الوضعية المائية في البلاد التونسية خلال السنوات الأخيرة يُعزى، بالدرجة الأولى، إلى الجفاف الذي شهدته خلال الفترة 2023-2020. ذلك أن نصيب الفرد من المياه لم يتجاوز 400 م 3 سنويًا سنة 2022، وهو مستوى يضع البلاد تحت خط الشحّ المائي المحدد بمقدار 1000 م 3 سنويًا، وفق تصنيف منظمة الأمم المتحدة لسنة 2021، الذي تُدرَج ضمنه الدول التي يقلّ فيها النصيب السنوي للفرد من الموارد المائية عن 500 م 3. ويُفَّسر هذا التراجع بتدّني مخزون المياه في السدود وتراجع نسب امتلائها، إذ انخفض المخزون من نحو 2575 مليون متر مكعّب بنسبة امتلاء 146 في المئة سنة 2019، إلى 694.2 مليون متر مكعّب بنسبة امتلاء 30 في المئة سنة 2023.
27 Isabel Roussel, "Climat et santé: Une histoire d'adaptation?" in: Scarwell & Roussel (eds.), p. 132. 28 "ديباجة دستور منظمة الصحة العالمية"، منظمة الصحة العالمية، شوهد في 2024/5/27، في: https://acr.ps/1L9F2SH 29 Olivier Grimaud & Alain Jourdain, "Le rapport d'objectifs de santé publique. Une réelle ambition sans stratégie de mise en œuvre?" Santé Publique , vol. 16, no. 4 (2004), p. 674. 30 Gérard Salem, "Géographie de la santé, santé de la géographie," Espace, populations, sociétés , no. 1 (1995), p. 27. 31 نعيمة البالي ومحمد الخمسي، "التغير المناخي وطموح تحقيق السيادة الغذائية في المغرب"، في: الحبيب استاتي زين الدين والعربي بلا، الأمن الغذائي والطاقي في البلدان العربية والإفريقية في ظلّ التغيرات المناخية والجيوستراتيجية (مراكش: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2024)، ص 138. 32 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport national du secteur de l'eau (Tunis: 2021), p. 39. 33 République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport annuel: Secteur de l'eau 2023 (Tunis: 2023), p. 25.
ا ثار الصحية
امراض والوفيات ا تصلة بدرجة الحرارة اثار الصحية اتصلة بالظواهر اناخية القاسية اثار الصحية اتصلة بتلوث اناخ امراض انقولة باياه واغذية امراض انقولة بالنواقل والقوارض اثار الناجمة عن نقص اغذية واياه اثار النفسية والتغذوية واعدية وغها من اثار الصحية
التقييم والتكيّف
الشكل (1) أوجه تأثير تغّير المناخ في الصحة
التأثات اغ ة
تغ ات الطقس
مسارات التلوُث
اقليمية
الجرثومي موجات الحر
ديناميكيات ال اية
تغ
الظواهر ا ناخية
ا ناخ
النُظم ايكولوجية
القاسية
الزراعية، الهيدرولوجيا درجة الحرارة العلوم ا جت¢عية ا قتصادية، العلوم
تهاطل امطار الد¤غرافية
تداب التكيّف الصحي
ا حتياجات البحثية
المصدر: لطيفة هنية وآخرون، المناخ والمنظومة المناخية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2021)، ص.615
لئن عّبتر هذه الوضعية عن التأثيرات الكارثية للجفاف، فإنّها تندرج ضمن سياق التغيرات المناخية، التي ستكون لها انعكاسات على الأمن الغذائي وعلى احتياجات مختلف الأنشطة الاقتصادية والأفراد من المياه. وفي عديد الحالات، أدّى الانقطاع المتواتر للمياه إلى دفع فئات من السكان إلى تأمين حاجياتها من مصادر أخرى
غير آمنة، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر الإصابة ببعض الأمراض السارية (المعدية)، في حين اتّجهت فئات أخرى إلى حفر الآبار واستغلال مياه الموائد الجوفية، التي تواجه خطر الاستنزاف والتملّح. واستنادًا إلى مخرجات المؤتمر العالمي للأغذية لسنة 1996، يُعَرَّف الأمن الغذائي بوصفه "وضعية كاملة التحقّق عند تمتّع جميع الناس في أيّ وقت بإمكانية الحصول مادّيًا واقتصاديًا على الغذاء الكافي والسليم، لتلبية احتياجاتهم الغذائية كًّما وكيفًا، من أجل حياة نشطة وصحية". وقد أسفر النقص في المياه عن تراجع ملموس في إنتاج المواد الزراعية الأساسية، وهو ما أدّى إلى تقلّص تزويد الأسواق بهذه المنتجات وارتفاع أسعارها، الأمر الذي أثّر سلبيّا في إمكانية حصول السكان عليها. ومن الأمثلة على حساسية وضعية الأمن الغذائي في البلاد التونسية أن إنتاج الحبوب شهد تراجعًا حاًّدًا من 7.5 ملايين قنطار سنة 2022 إلى 2.9 مليون قنطار سنة 2023. يتبّين جلًّيًا أنّ مقاربة الصحة من زوايا متعددة تسهم في معرفة التداعيات الكارثية للتغيرات المناخية، إذ يُعدّ العطش وسوء التغذية من أبرز التهديدات التي تسعى الدول النامية، لا سيّم البلدان ذات المناخ شبه الجاف، إلى إيجاد حلول لمواجهتها.
2. تحديد المخاطر الصحية الممكنة ومصادرها
استنادًا إلى خصائص المشهد الوبائي وتحّولّاته الفصلية وتبايناته المجالية، حددت الاستراتيجية الوطنية مجموعة من المخاطر الصحية المرشحة للتفاقم بفعل تغّير الظروف المناخية أو تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، وذلك بغية اتخاذ التدابير الضرورية للحدّ من تبعاتها على صحة الأفراد. وترتبط هذه المخاطر بأصناف من الأمراض، تختلف معها درجة هشاشة الأفراد، وتتنوع تبعًا لذلك آليات المراقبة وسبل المجابهة. تتمثّل أوّل هذه المخاطر الصحية في تلك المرتبطة بموجات الحر، لما لها من تأثيرات مباشرة في الجسم البشري، من حيث مستوى رطوبته أو جفافه، والتي تسفر أيضًا عن إثارة بعض الأمراض المزمنة (القلب والربو) وحدوث وفيات. أما المجموعة الثانية من المخاطر الصحية، فتنتج من الفيضانات المرشّحة للتواتر تحت تأثير تغّير المناخ. وتنقسم هذه المخاطر إلى صنف مباشر يشمل حالات الوفاة والإصابة بجروح متفاوتة، وصنف غير مباشر يتعلّق بانتشار الأوبئة الناتجة من تفّشي أمراض معدية مرتبطة بتدهور نوعية المياه نتيجة تلوّثها، وتضرر منشآت المعالجة والتعقيم، إضافة إلى الصعوبات التي تعترض النفاذ إلى الخدمات الصحية الضرورية. وترتبط المجموعة الثالثة من المخاطر الصحية بالأمراض الناتجة من التلوّث الجوي، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة الناتج من تغّير المناخ إلى تسجيل مستويات مرتفعة من تركّز الملوثات في الهواء، على غرار الأوزون، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الأعراض التحسّسية التي تصيب الجهاز التنفسي والعينين، وتواتر الأمراض التنفّسية المزمنة مثل الربو. أما المجموعة الرابعة من المخاطر الصحية، فتهمّ الأمراض السارية المرتبطة بالمياه والنواقل،
34 Ibid., p. 32. 35 Food and Agriculture Organization, "An Introduction to the Basic Concepts of Food Security," EC - FAO Food Security Programme, Rome, 2008, p. 1. 36 ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، ديوان الحبوب، شوهد في 2026/1/18، في: https://acr.ps/1L9F2zW 37 République Tunisienne, Ministère de l'agriculture et de l'environnement, Elaboration de la stratégie nationale sur le changement climatique de la Tunisie (Tunis: 2011), p. 64.
في ارتباط مباشر بارتفاع درجات الحرارة ومستويات الرطوبة، لما لهم من أثر في تكاثر العناصر الوبائية ونشاطها (الفيروسات، والبكتيريات، والطفيليات) ونواقله (البعوض). من بين الأمراض المرشّحة للظهور أو التفاقم، والتي أُدرجت ضمن دائرة التقّصي والمتابعة، تُذكر المالاريا، واللشمنيا الجلدية والحشوية، وحمّى الوادي المتصدّع، وحمّى غرب النيل، وحمّى الضنك. وأحاطت هذه التصنيفات بكافة الأمراض التي أظهرت تفاعلًا مع الأوضاع المناخية، ما يعكس درجة من الوعي بخطورة تعدّد مصادر المخاطر الصحية المحدقة بصحة الأفراد، ويستوجب، في مرحلة لاحقة، دعم منظومة الرصد والمراقبة.
3. إدارة المخاطر الصحية
تقوم إدارة المخاطر الصحية على إرساء منظومة لرصد عناصرها ومصادرها ومراقبتها بهدف الحد منها والتحكم فيها. وتضطلع بهذه المسؤولية إدارة نظافة الوسط وحمية المحيط وإدارة الرعاية الصحية الأساسية في وزارة الصحة العمومية. ويغلب على نشاط هاتين الإدارتين الطابع الوقائي، إذ يتمحور حول مراقبة المياه (الشرب، والريّ، والسباحة، والمياه المستخدَمة)، والغذاء (من الإنتاج إلى التوزيع والاستهلاك)، والهواء (مستوى تركّز الملوثات)، واستعمل المبيدات لا سيّم في المجال الزراعي، إضافة إلى التعمير والنظافة والتصرف في النفايات المنزلية والطبية، وغيرها. وفي ما يتعلّق بإدارة المخاطر الصحية المرتبطة بالنواقل، لا سيّم البعوض، ترتكز مواجهته على تعداد أماكن تكاثره وتوجيه أنشطة مجابهته، مع اقتراح الوسائل الفعّالة، التي تخضع للمراجعة الدورية في ضوء المقاومة التي تبديها بعض أصناف البعوض للمبيدات. ويواكب ذلك العمل توعية السكان لضمن مشاركتهم في هذا الجهد الوقائي. وإلى جانب المعالجة الكيميائية، تُستخدَم طرائق بيولوجية، ولا سيم على مستوى السدود، من خلال تربية أصناف سمكية تتغذى بيرقات البعوض، بما يسهم في الحدّ من تكاثره. وتخضع تدخلات مكافحة البعوض إلى تقييم مستمرّ لمدى فاعليتها بغية تعديلها. أمّا في ما يخصّ المراقبة الوبائية للأمراض المنقولة، فتعدّ مراكز الصحة الأساسية أو المستوصفات، التي تمثّل خط الوقاية الأول داخل المنظومة الصحية العمومية، هياكل استكشاف وإنذار مبكّر عند ظهور أولى الحالات لنتفّشي وباء معّي. وتتولى الهياكل الاستشفائية الجامعية المتمركزة في المدن الساحلية الكبررى، مثل تونس وسوسة وصفاقس، إلى جانب المستشفيات الجهوية في باقي الولايات، تأكيد الحالات الوبائية للمرضى عبرر التحاليل البيولوجية، وتوفير الخدمات العلاجية، من إقامة استشفائية ومتابعة طبية منتظمة. وقد أسهم وضع برامج وطنية لمقاومة الأمراض المنقولة منذ ثمانينيات القرن العشرين، من بينها السلّ والمالاريا والبلهارسيا واللشمنيا، وغيرها، في جعل مجابهة هذه الأمراض أكثر تنظيمًا وفاعلية، لا سيّم أنّ وتيرة أغلبها مرشّحة للتسارع بفعل التغيرات المناخية.
38 Ministère de la santé publique, Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique , p. 14. 39 Ibid., p. 32. 40 الجراية، "هشاشة السكان إزاء مرض اللشمانيا الجلدية بظهير مدينة صفاقس: العلاقة بالتحولات السوسيومجالية والتغيرات البيئية"، ص.490
وتستند إدارة المخاطر الصحية المرتبطة بالأمراض، لا سيّم المعدية منها، إلى مكانة البحث العلمي، أي إلى مدى تطوّر البحوث في مجال الصحة من قبل فِرق بحث تنشط داخل مخابر المعاهد المختصّة، مثال معهد باستور، أو في المؤسسات الجامعية، لا سيّم كليات الطب. واستفاد البحث العلمي من التعاون الدولي، حيث حظي بالتمويل والدعم التقني، خصوصًا في دراسة الأمراض الجديدة والمستجدّة، من خلال عدة مشاريع، نذكر منها مشروع مبادرة الصحة العامة لشرق المتوسطEastern Mediterranean Public Health Initiative, EMPHIS "" المتعلّق بمرضى اللشمنيا والسلّ، ومشروع CRDI المخصّص لدراسة آليات تكيّف اللشمنيا الجلدية في ضوء التغيرات المناخية. واهتم البحث العلمي في الميدان الوبائي بالأمراض التي أظهرت تأثرًا بالأوضاع المناخية الفصلية، ما يجعلها أكثر عرضة للتغيرات المناخية، ومن بين هذه الأمراض المالاريا، التي جرى القضاء عليها سابقًا، غير أنّها ما تزال تمثّل مصدرًا دائمًا للتهديد، خصوصًا مع التسجيل الدوري لبعض الحالات الوافدة. فالتغيرات التي تطرأ تدريجيًا على النظاَميَن الحراري والمطري تحفّز نشاط الطفيليات المسبّبة للمرض، بما يرفع احتمل عودته مجددًا للظهور في البلاد التونسية. ويُستدلّ على ذلك بإطلاق معهد باستور، سنة 1992، برنامجًا بحثيًا بالتعاون مع جهات فرنسية وبمشاركة الوكالة الوطنية لحمية البيئة، بغرض مجابهة هذا الخطر. وحظي مرض لايم Disease Lyme، وهو من الأمراض المنقولة المستجدّة، باهتمم بحثي ممثل، من خلال مراقبة مدى حساسية عامله الوبائي (البكتيريا)، وناقله (صنف من العناكب)، تجاه التغيرات المناخية. وقد أدّى تواتر عدد من الأمراض ومخاطر تفشّيها على نطاق واسع بفعل التغيرات المناخية إلى إحداث مرصد وطني للأمراض الجديدة والمستجدة سنة 2005. ويُعنى هذا المرصد بمراقبة الوضعية الوبائية عبرر جمع المعطيات الواردة من الهياكل الصحية، وبناء قاعدة بيانات لتحليلها بانتظام للأغراض الوقائية. وفي هذا السياق، يراقب المرصد منذ سنة 2010 الوضعية الوبائية لمرض حمى غرب النيل، نظرًا إلى تسجيل ثلاثة أوبئة سابقة لهذا المرض في سنوات 1997 و 2003 و 2012. وتعتمد هذه المراقبة على التقّصي في المحيطَين الطبيعي والاجتمعي للحالات المشتبه في حملها للفيروس، والتي تسَّجَل في المؤسسات الصحية، إضافة إلى إجراء التحاليل الطبية لتأكيد الإصابة. ففي سنة 2018، سُجّلت 177 حالة مشتبه في حملها للفيروس، وتمّ تأكيد 17 حالة، إضافة إلى حالة وفاة. وتعزّزت مراقبة مرض حمى غرب النيل بتركيز المرصد لنظام إنذار مبكّر يشمل أربعة مجالات، هي المراقبة البشرية، والحيوانية (الطيور والخيول)، والحشرية، والمناخية. ولا تقتصر مهمت المرصد على المستوى الوطني، بل تمتدّ إلى متابعة الوضعية الوبائية العالمية تفاديًا لتسرّب الأمراض الوافدة. ولعلّ أداء المرصد خلال جائحة كوفيد 19- في مستوى المتابعة المستمرة للوضعية الوبائية
41 Ministère de la santé publique, Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique , p. 42. 42 Ibid. 43 "Missions," Observatoire National des Maladies Nouvelles et Émergentes, 29/5/2024, accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Ya 44 Observatoire National des Maladies Nouvelles et Emergentes, Bulletin de veille et de reposte aux infections à virus West Nile en Tunisie (Tunis: 2018), p. 5. 45 Ibid., p. 9.
العالمية وجمع المعطيات وتحليلها لتوجيه جهود مكافحة المرض، تدلّ على دوره المهم في مجال مراقبة الأمراض السارية وتقصّيها. ويتعزّز هذا الدور أكثر من خلال متابعة جميع الأمراض المعدية المنقولة وغيرها في إطار الاستراتيجية الوطنية لمجابهة تبعات تغّير المناخ على الصحة. وفي هذا السياق، يُذكر إسهام المرصد، بالشراكة مع معهد باستور، في منصّة المساعدة الذكية للتنبؤ بالأوبئة وإدارتها "ستامينا" STAMINA المموّلة من الاتحاد الأوروبي، والتي تضم 12 بلدًا. ومكّنت هذه المشاركة المرصد من تحسين مستوى الجاهزية للتعامل مع الأوبئة فور ظهورها، من خلال خرائط طوارئ، إضافة إلى إتاحة أدوات تقنية متقدمة، من بينها النمذجة التنبؤية، وتوليد سيناريوهات، وتفعيل أنظمة إنذار مبكر لتقّصي الأمراض المستجدّة. وأسهم الدعم المقدّم ضمن هذا المشروع في تمكين الدول المشاركة فيه من أدوات فعّالة لإدارة الأزمات الصحية. كم تضمّنت الاستراتيجية الوطنية للتأقلم مع التغيرات المناخية في المجال الصحي تفعيل التعاون مع مختلف الأطراف الفاعلة في القطاعات الأخرى، على غرار قطاعَي الفلاحة والبيئة وغيرهم. وبناء عليه، لا يقتصر تطبيق هذه الاستراتيجية على الفاعلين في قطاع الصحة وحدهم، بل تشترك في مجهودات الرصد والمراقبة وزارتا الفلاحة والبيئة، ولا سيم في ما يتعلّق بالنواقل (البعوض مثلًا)، وجودة الهواء (نسب تركّز الملوثات). تضمنت هذه الاستراتيجية أيضًا تفعيل التعاون مع المعهد الوطني للرصد الجوي الذي أنشأ البوابة المناخية Climat-C، المخصّصة لتوفير معلومات عن الدورات الموسمية للمناخ في البلاد التونسية، إضافة إلى إثرائها بتوقعات التطور المستقبلي للعناصر المناخية في أفق سنة 2100، وتمكين صنّاع القرار من تحديد الخيارات المناسبة في القطاعات الهشة إزاء تغّير المناخ، من بينها الفلاحة، والصحة، والأمن الغذائي، والموارد المائية. وبوجه عام، لا تقوم إدارة المخاطر الصحية على فاعلية المراقبة والرصد فحسب، بل تعتمد أيضًا على المنظومة الصحية العمومية التي تأخذ على عاتقها مواجهة الأمراض وتوفير العلاج للسكان.
4. المنظومة الصحية العمومية وجاهزيتها من الضروري بيان مكونات المنظومة الصحية العمومية، لما لذلك من دور في فهم جاهزيتها لمواجهة التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية. وتضمّ البنية التحتية الصحية العمومية في تونس مؤسسات متنوعة، من بينها 2113 مركزًا للصحة الأساسية و 110 مستشفيات محلية تمثّل قاعدة المنظومة الصحية، تليها في المستوى الأوسط 35 مستشفى جهويًا، بينم يحتّل 23 مستشفى عاًّمًا، من بينها مستشفيات جامعية، صدارتها، وذلك وفق معطيات سنة 2021. وتمثّل هذه المؤسسات تراتبية المنظومة الصحية العمومية، حيث تتدرّج نوعية الخدمات الصحية من مراكز الصحة الأساسية والمستشفى المحلي (الخط الوقائي الأول) إلى المستشفى الجهوي (الخط الوقائي الثاني)، لتبلغ أقصاها في المستشفى الجامعي (الخط الوقائي الثالث). وبلغت الطاقة الاستشفائية للمستشفيات العمومية 22557 سريرًا
46 "Stamina," Trilateral Research , accessed on 17/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F37o 47 Ibid. 48 وزارة البيئة، "نشرية التغيرات المناخية"، عدد 5 (2022)، ص.9 49 "البنية التحتية الصحية للقطاع العمومي"، موقع المعهد الوطني للإحصاء، 2022/11/24، شوهد في 2024/5/29، في: https://acr.ps/1L9F371 50 Mounir Jarraya & Gérard Beltrando, "Les services de soins hospitaliers publics dans l'agglomération de Sfax: Spécificités fonctionnelles et pouvoir spatial," EchoGéo , no. 26 (Décembre 2013), p. 5, accessed on 18/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Vg
سنة 2021، وهي طاقة تطورت بنسبة 11.6 في المئة مقارنة بما كانت عليه سنة 2014، حين لم تتجاوز 20207 أسرّة. وعلى مستوى القطاع الصحي الخاص، تُظهر بيانات سنة 2021 أنّ مكوناته الأساسية تشمل 8760 عيادة
طبية، و 109 مصحّات، و 619 مخبرًا طبيًا. أمّا في ما يتعلّق بالإطارات الطبية، فقد بلغ العدد الإجملي للأطباء 15315 طبيبًا ينشط 6113 منهم في القطاع العمومي، وهو ما يمثّل 39.9 في المئة من مجموع الأطباء سنة 2024. وتركّز هذه الدراسة على دور المنظومة الصحية العمومية في مواجهة تبعات تغّير المناخ، باعتبارها الضامن، من الناحية النظرية، لحقّ جميع الفئات في النفاذ إلى الخدمات الاجتمعية والصحية. وخلال الأزمات، تتحمّل هذه المنظومة عبء استيعاب المرضى والمتضررين، وتوفّر ما أمكن لها من موارد للاستجابة لمختلف الطلبات العلاجية. وقد أثبتت جائحة كوفيد 19- أنّ هذه المنظومة، على الرغم من الضغط الكبير عليها ونقص الإمكانيات المتوافرة لها، ظلت تكافح من أجل توفير الرعاية الصحية لمختلف المرضى. في المقابل، يظلّ القطاع الصحي الخاص، خاضعًا لمنطق استثمري ربحي، بما يجعل الانتفاع بخدماته العلاجية مقتصرًا على الفئات القادرة على تحمّل تكلفتها المرتفعة. وعلى الرغم مّما سجّلته المنظومة الصحية العمومية من تحسينات في بنيتها التحتية وفي طاقتها الاستشفائية من الأسرّة خلال الجائحة، فإنّ الطلب على الخدمات العلاجية ما يزال غير متناسب مع العرض، وهو ما
يفّسر ظاهرة الاكتظاظ المزمن التي تشهدها هياكلها. وتطرح هذه الوضعية إشكالات كبررى في ما يتعلّق بمدى جاهزية المنظومة الصحية العمومية لمجابهة المخاطر الصحية المتزايدة والناجمة عن التغيرات المناخية.
5. إدارة المخاطر المناخية تتعلّق إدارة المخاطر المناخية، تحديدًا، بالظواهر المناخية المتطرّفة، وتعتمد على الدور الأساسي الذي يؤديه المعهد الوطني للرصد الجوي في تحليل المعطيات المناخية، بهدف تشخيص حدّة الظواهر المتطرفة ووقعها على صحة الأفراد. وتعدّ الفيضانات ظاهرة مناخية قصوى تنطوي على درجة عالية من الخطورة، نظرًا إلى تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة في صحة الأفراد، وهو ما يفّسر تخصيص حيّز مهمّ من الاستراتيجية الوطنية لدراسة آليات التصدّي لها.
ويذكّر حدوث فيضانات مدمّرة، مثل تلك التي شهدتها البلاد التونسية سنتَي 1969 و 1990، وما نجم عنها من خسائر بشرية ومادية، بأهمية الأمر. لذلك برزت سنة 1993، اللجنة الوطنية لمجابهة الكوارث الطبيعية، التي استُحدثت للتنسيق مع لجان جهوية مختلفة، من أجل الوقاية من المخاطر، وتنظيم عمليات النجدة، والتدخّل في المناطق المتضرّرة. وتمثّل المستشفيات إحدى الجهات المتدخّلة في هذه اللجنة، وتسخّر إمكانياتها في إطار خطط معدّة مسبقًا، لتوفير الرعاية الصحية للمتضرّرين.
51 إحصائيات تونس، التقرير السنوي حول مؤشرات البنية الأساسية 2022 (تونس: المعهد الوطني للإحصاء، 2022)، ص.78 52 المرجع نفسه، ص.82 53 "الطاقم الطبي"، المعهد الوطني للإحصاء، شوهد في 2026/2/20، في: https://acr.ps/1L9F2ht 54 منير الجراية، "الأوضاع الصحية للسكان في البلاد التونسية وتفاقم الأخطار المناخية: أيّ دور للتضامن الاجتماعي في ظلّ تنامي المعيقات؟"، ورقة قُدّمت في الندوة الدولية "التضامنات الاجتماعية: التعبيرات، الأشكال والجغرافيات الجديدة"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الحمامات، تونس،.2019/5/14-13 55 المرجع نفسه. 56 Ministère de la santé publique, Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique , p. 37.
6. دعم التوعية الصحية
تؤدي إدارة الرعاية الصحية الأساسية دورًا مهًّما في التثقيف الصحي للمواطنين، والمطلوب لنشر الوعي بالأمراض التي تشكّل مكافحتها أحد المرتكزات الرئيسة للبررامج الوطنية. وهو دور مهم جًّدًا، يتضمن توعية الأفراد بأوجه تأثير التغيرات المناخية في صحتهم، ويوظّف عديد الوسائط للوصول إليهم، سواء في أثناء ارتيادهم المؤسسات الصحية أو خارجها. وتشمل هذه الوسائط الإذاعات، والبررامج التلفزية، ووسائل التواصل الاجتمعي، والمواقع الإلكترونية، وغيرها. ويهدف هذا الجهد التوعوي إلى تمكين الأفراد من معرفة سبل الوقاية من العدوى، واتّباع عدد من القواعد الوقائية التي تعين في ذلك، إضافة إلى توضيح التمّشي العلاجي في حال الإصابة بأحد الأمراض. ويتطلب هذا العمل دعم جهود التوعية الصحية من خلال التعاون مع بعض المنظمت والجمعيات في هذا المجال، بما يحقّق انتشارًا أوسع لمضامين الاستراتيجية الوطنية وأهدافها.
7 ي. دور الفعاليات العلمية والمشاركة ف المبادرات الدولية
ايُعدّ تنظيم الفعاليات العلمية وتواترها، لا سيّم تلك التي تتناول تأثيرات تغّير المناخ في الصحة، مؤرّشًا د ل على اهتمم الفاعلين في القطاع الصحي بهذه الإشكالية، التي فرضت انفتاح المؤسسات الصحية والأطباء على محيطهم. ويتجّلى ذلك من خلال إشراك مختّصيّن في علوم المناخ والبيئة ضمن النقاشات العلمية، وتعزيز التعاون في المجال البحثي. منها على سبيل المثال، المنتدى العلمي الذي نظّمته الإدارة الجهوية للصحة العمومية بمدينة صفاقس في تشرين الثاني/ نوفمبرر 2023 بعنوان "التغيرات المناخية وتأثيرها على الصحة"، والذي ضمّ مختّصيّن جامعيين ورؤساء أقسام استشفائية. وناقش هذا المنتدى أوجه تأثير ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه وتلوّث الهواء في صحة الإنسان، من خلال انتشار الأمراض السارية المنقولة عبرر النواقل (البعوض)، وتزايد أمراض القلب والجهاز التنفسي، وتفّشي الأوبئة. ويُعدّ التعاون الدولي أحد الحلول المتّبعة للتخفيف من وطأة التغيرات المناخية، وإيجاد الدعم والإسناد المالي والتكنولوجي من المنظمت الدولية. فالتعويل على الإمكانيات الذاتية ما زال غير كافٍ، والاستثمر في التأقلم مع التغيرات المناخية مكلف، وتحدّ منه محدودية الموارد المالية. ولهذا كانت مشاركة البلاد التونسية في المبادرات الدولية خيارًا ضروريًا لدعم جهود مجابهة المخاطر الصحية الناجمة عن تغّير المناخ. وفي هذا الإطار، انضمّت البلاد التونسية إلى "التحالف من أجل عمل تحويلي في مجال المناخ والصحة" ATACH، الذي يجسّد التزام الدول المشاركة في الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ COP26، المنعقدة في غلاسكو بإسكتلندا في تشرين الثاني/ نوفمبرر 2021، بالعمل "من أجل بناء نظم صحية مستدامة، قادرة على التكيّف مع تغّير المناخ ونظم صحية منخفضة الكربون".
57 Mounir Jarraya, "Stratégie de communication sanitaire dans un territoire: Cas de lutte contre la tuberculose dans le gouvernorat de Sfax en Tunisie," in: Aissa Merah & Vincent Meyer (eds.), Communication publique et développement territorial: Enjeux d'une valorisation et défis pour les acteurs (Paris: Harmattan, 2015), p. 135. 58 "صفاقس: منتدى علمي حول التغيرات المناخية وتأثيرها على الصحة"، موقع الصحفيين التونسيين بصفاقس، 2023/11/25، شوهد في 2026/1/4، في: https://acr.ps/1L9F2RR 59 "اختصاصات التحالف من أجل عمل تحويلي في مجالي المناخ والصحة"، منظمة الصحة العالمية، 2022، شوهد في 2024/5/25، ف:ي https://acr.ps/1L9F2gh
وتهدف البلاد التونسية، من خلال الانضمم إلى هذا التحالف، إلى الاستفادة من دعم الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية، ومن إمكانياتها الكبيرة في إدارة المخاطر الصحية المرتبطة بتغّير المناخ، وذلك من خلال تبادل الخبررات، والدعم التقني، وتسخير الموارد. وستظهر آثار هذه الاستفادة المرتقبة لاحقًا من خلال الاستراتيجية الوطنية للصحة في أفق سنة 2035، التي ستتمحور حول الارتقاء بأداء المنظومة الصحية العمومية وتنمية قدراتها في مختلف الخدمات العلاجية المسداة للسكان، لا سيّم اللقاحات، والعيادات الطبية، وخصوصًا المتخصّصة منها، إضافة إلى إدارة ملف الأمراض المزمنة بما يتوافق مع ما يفرضه تطوّر الوضعية الديموغرافية للمجتمع التونسي نحو التهرّم السكاني (الشيخوخة) مستقبلًا. ويعدّ تحقيق التناسب بين السياسات الصحية ومقتضيات تغّير المناخ من أبرز أهداف هذه الاستراتيجية في المجال الصحي، والتي تخدم في نهاية المطاف إطارًا أشمل، وهو الاستراتيجية الوطنية المنخفضة الكربون والقدرة على التأقلم مع التغيرات المناخية في أفق سنة 2050. استنادًا إلى ما سبق، أُخذت المخاطر الصحية في الحسبان، عبرر تحديد مسبّباتها وسبل مواجهتها، من خلال اعتمد مسارات متعدّدة تشمل الجانبين الوقائي والعلاجي. لكنّ تطبيقها وتحقيق أهدافها لم يكونا يسيرَين، خصوصًا في سياق تعدّد المعوقات التي يكشف عنها واقع الصحة العمومية، وما أظهرته إدارة أزمة كوفيد 19- من إشكالات هيكلية تحدّ من قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للضغوط المتزايدة الناجمة عن التغيرات المناخية.
ثالثًا: تعدّد المعوقات أمام المنظومة الصحية وموجبات التعديل
يواجه تطبيق الاستراتيجية الصحية الوطنية للتأقلم مع التغيرات المناخية إشكالات متنوعة، جعلت من العمل على تلافيها وفق سلّم أولويات أمرًا ضرورًّيًا لتحقيق أهدافها. وفي ما يلي عرض لأبرز هذه المعوقات.
1 ي. إشكالات هيكلية ف الميدان الصحي
يشكو قطاع الصحة العمومية من إشكالات هيكلية متعدّدة تحدّ من قدرته على توفير التأطير الصحي لكافة شرائح المجتمع في مختلف جهات البلاد. يتّسم توزّع البنية التحتية الصحية العمومية بتركّز مجالي شديد للمؤسسات الصحيّة، لا سيّم الرفيعة منها، في الولايات الساحلية، في حين تشكو الولايات الداخلية نقصًا من حيث الكمّ والنوع. فعلى سبيل المثال، تتركز المستشفيات الجامعية في المدن الساحلية الكبررى، على غرار تونس وسوسة والمنستير وصفاقس، حيث تعمل بتنسيق وثيق مع مؤسسات التكوين الصحي، من كليات الطبّ والصيدلة ومدارس علوم التمريض وتقنيات الصحة، التي تُعدّ جزءًا من الأقطاب الجامعية المتركّزة فيها. وعلى الرغم من أنّ إشكالية التفاوتات الجهوية في قطاع الصحة لا تمثّل سوى أحد أوجه اختلال التوازن بين المجالَْين الساحلي والداخلي على مستوى التنمية في البلاد التونسية، فإنّ هذه الدراسة تكتفي بإبراز بعض
60 "وزير الصحة: استجابة النّظام الصحّي في تونس لتأثيرات تغّير المناخ على الصحّة كانت استباقيّة وشاملة"، صحيفة 24-24، 2023/12/5،
شوهد في 2024/5/25، في: https://acr.ps/1L9F2rX 61 Jarraya & Beltrando, "Les services de soins hospitaliers publics dans l'agglomération de Sfax: Spécificités fonctionnelles et pouvoir spatial," p. 8.
الخريطة (1) التوزع المجالي لعدد الأطباء بحسب الولايات التونسية
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "Santé Tunisie en chiffres, 2017," Ministère de la Santé, Direction des Etudes et Planification, S/Direction des Statistiques, Mars 2019.
مظاهر هذا التباين في مستوى توزّع الإطار الطبي (الخريطة 1)، وطاقة الإيواء الاستشفائي (الخريطة 2) من الأسرّة في القطاع الصحي العمومي. يُقَدَّر عدد الأطباء في البلاد التونسية، على مستوى الإطار الطبي العمومي، ب 6254 طبيبًا، يتركز 4320 منهم في الولايات الساحلية، وهو ما يمثّل 69 في المئة من المجموع سنة 2017. ويُظهر التوزّع المجالي للإطار الطبي تفاوتًا واضحًا، حيث تسجّل ولاية تونس العدد الأكبرر للأطباء بواقع 1192 طبيبًا، في مقابل أدنى مستوى يلاحَظ في ولايتَي توزر ب 94 طبيبًا، وتطاوين ب 84 طبيبًا، وفق ما تبينه الخريطة (1). وفي مستوى طب الاختصاص، يتركّز في المجال الساحلي 2699 طبيبًا مختًّصًا، وهو ما يمثّل 82 في المئة من المجموع الوطني. وُتبُررز الخريطة (1) اتّساع الفجوة بين ولاية تونس الساحلية، التي تضم 895 طبيبًا مختًّصًا، وولايتَي الكاف، ب 32 طبيبًا مختًّصًا، وتطاوين، ب 10 أطباء اختصاص، من الولايات الداخلية. أما على مستوى عدد الأسرّة الاستشفائية، فقد بلغت 22557 سريرًا سنة 2021، يتركّز منها 14640 سريرًا في الولايات الساحلية، وهو ما يمثّل 65 في المئة من طاقة الإيواء الاستشفائية الجملية. ويتّسم توزّع عدد الأسرّة بتفاوت مجالي، إذ يبلغ أقصاه في ولاية تونس، بواقع 4415 سريرًا، في حين لا تتجاوز طاقة الإيواء في ولاية تطاوين 269 سريرًا سنة 2021، وفق ما توضحه الخريطة.)2(تُفَّسر الأهمية العددية للأطباء وطاقة الإيواء الاستشفائي في المجال الساحلي بثقل هذا المجال ديموغرافيًا، إذ يضمّ نحو 63 في المئة من مجموع سكان البلاد، إضافة إلى تمركز أهمّ المؤسسات الصحية العمومية فيه، وهي مؤسسات توفّر جميع الاختصاصات الطبية وتملك طاقة إيواء مهمّة، لا سيّم تلك التابعة للخط الوقائي الثاني (المستشفيات الجهوية)، والثالث (المستشفيات الجامعية). ويؤثّر هذا التوزع المجالي المتفاوت للإطار الطبي وطاقة الإيواء الاستشفائية في مستوى توفير الخدمات العلاجية الرفيعة (العيادات المختصة والإيواء الاستشفائي). ويُعدّ مستوى هذه الخدمات غير كافٍ حاليًا حتى في الولايات الساحلية، إذ تشهد مستشفياتها الجامعية حالة اكتظاظ مزمنة، تتجّلى في طول مدة انتظار مواعيد العيادات الطبية المتخصّصة (أكثر من ستة أشهر لعيادات أمراض القلب)، وعدم توافر أسرّة شاغرة للمرضى نتيجة بلوغ طاقة الإيواء حَّدَها الأقصى. ويعكس عدد من المؤشرات هذه الوضعية. فإذا كان المعدّل الوطني لعدد أطباء الاختصاص العاملين في القطاع العمومي في حدود 7.3 أطباء لكل عشرة آلاف ساكن، فإنّ هذا المعدّل يخفي تفاوتات حادة بين الولايات، إذ يتراجع إلى 1.5 طبيب في ولاية سليانة، و 1.4 طبيب في ولاية تطاوين، وذلك وفق معطيات سنة
62 "Santé Tunisie en chiffres, 2017," Ministère de la Santé, Direction des Etudes et Planification, S/Direction des Statistiques, Mars 2019, p. 95. 63 إحصائيات تونس، ص.78 64 الجراية، "الأوضاع الصحية للسكان في البلاد التونسية وتفاقم الأخطار المناخية: أيّ دور للتضامن الاجتماعي في ظلّ تنامي المعيقات؟." 65 "Santé Tunisie en chiffres, 2017," p. 108.
الخريطة (2) التوزّع المجالي لعدد الأسرّة الاستشفائية بحسب الولايات
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: إحصائيات تونس، التقرير السنوي حول مؤشرات البنية الأساسية 2022 (تونس: المعهد الوطني للإحصاء،.)2022
أمّا في ما يتعلّق بطاقة الإيواء الاستشفائي العمومية، فيبلغ المعدّل الوطني 18.5 سريرًا لكل عشرة آلاف ساكن، غير أنّه لا يتجاوز 12.4 سريرًا في ولاية القيروان، و 10.8 أسرّة في ولاية سيدي بوزيد، ويتراجع إلى 8.5 أسرّة في ولاية أريانة، و 5.2 أسرّة في ولاية بن عروس، وذلك في سنة 2017. وتدلّ هذه المؤشرات المنخفضة على أزمة القطاع الصحي العمومي، الذي أثبتت أزمة كوفيد 19- هشاشته الحادة منذ بداية تفّشي الوباء. وفي هذا السياق، يثير احتمل تفاقم الوضع الوبائي مستقبلًا بفعل تأثير التغيرات المناخية مخاوفَ، لا سيّم في الولايات الداخلية، إذ إنّ الارتفاع المرتقب في معّدلّات الإصابة بالأمراض، وخصوصًا الأمراض السارية والصدرية، يستوجب دعم الإطار الطبي المختصّ وطاقة الإيواء لمجابهة تزايد الطلب على العلاج.
2. الفوارق الحادّة بين القطاعين العمومي والخاص
شهد القطاع الصحي الخاص تطورًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، إذ أسهمت السمعة الطيبة، التي يحظى بها الإطار الطبي التونسي، محليًا ودوليًا، في ازدهار القطاع واستقطابه للمرضى، ليس من داخل البلاد فقط، بل من خارجها أيضًا، لا سيّم من ليبيا والجزائر. كم مثّلت أزمة القطاع الصحي العمومي، إلى جانب تكفّل نظام التأمين على المرض بتغطية جزء من المصاريف العلاجية للمرضى في القطاع الطبي الخاص، عامَليَن إضافَييَن لتطوّره، عبرر زيادة الاستثمر فيه من قبل الأطباء أنفسهم. وأفضت هذه الوضعية إلى تخلّف القطاع الصحي العمومي عن مجاراة نسق تطور القطاع الطبي الخاص في مستوى توافر أطباء الاختصاص والتجهيزات الطبية. فعلى مستوى الإطارات الطبية المختصّة، يبررز الفارق بوضوح، إذ يضمّ القطاع الخاص 5062 طبيبًا مختًّصًا، مقابل 3339 طبيبًا في القطاع العمومي. أما على مستوى التجهيزات الطبية، فيبررز الشكل (2) تفوّق القطاع الطبي الخاص مقارنةً بالقطاع العمومي في أجهزة الاستكشاف الطبي وقاعات قسطرة القلب. فعلى سبيل المثال، يمتلك القطاع الخاص 55 جهازًا للتصوير بالرنين المغناطيسي، في حين لا يتوافر في المستشفيات العمومية سوى 10 أجهزة فقط سنة 2017 (الشكل 2). وسجّلت الزيادة العددية تفاوتًا بين القطاَعيَن مقارنةً بسنة 2014، إذ بلغ عدد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في القطاع الخاص 23 جهازًا آنذاك، مقابل 6 أجهزة في القطاع العمومي. وتجدر الإشارة إلى أنّ ثلثَي مستشفيات الولايات الداخلية يفتقر إلى هذه الأجهزة وإلى قاعات قسطرة القلب.
66 Ibid., p. 152. 67 Betty Rouland, Mounir Jarraya & Sébastien Fleuret, "Du tourisme médical à la mise en place d'un espace de soins transnational. L'exemple des patients libyens à Sfax (Tunisie)," Revue Francophone sur la Santé et les Territoires (Octobre 2016), p. 5, accessed on 22/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Vx 68 "Santé Tunisie en chiffres, 2017," p. 93. 69 Ibid., p. 138.
الشكل (2) التفاوت في مستوى التجهيزات التقنية بين القطاعين العمومي والخاص
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "Santé Tunisie en chiffres, 2017," Ministère de la Santé, Direction des Etudes et Planification, S/Direction des Statistiques, Mars 2019.
ويؤثّر هذا الفارق في مستوى نفاذ المرضى إلى الخدمات الصحية، فهي، من جهة، غير متوافرة على النحو الكافي في المؤسسات الصحية العمومية، ومن جهة أخرى، تكلفتها مرتفعة في القطاع الخاص وليست في متناول أغلب الفئات الاجتمعية المتوسطة والمحدودة الدخل. ويطرح هذا الوضع إشك لًا كبيرًا برزت معالمه خلال جائحة كوفيد 19-، حيث كانت مشقّة التكلفة حائلًا أمام الغالبية من المرضى ليتلقّوا العلاج في المصحات الخاصة، ما زاد من هشاشتهم الصحية. بينم يوجب تفاقم المخاطر الصحية الناتجة من تغّير المناخ على القطاع العمومي السعي لتلافي النقص في التجهيزات الحيوية، على مستوى الولايات، باعتباره الضامن لحقّ مختلف الفئات الاجتمعية في النفاذ إلى الخدمات العلاجية، بصرف النظر عن الجهة المقِّدِمة لها أو طبيعتها.
3. تحديات قطاع التأمين على المرض
يتوّلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض، من خلال منظوماته الثلاث الرئيسة - وهي المنظومة العمومية، والمنظومة الخاصة أو "طبيب العائلة"، ومنظمة استرجاع المصاريف - تغطية المصاريف العلاجية للمرضى المشاركين في أحد الصناديق الاجتمعية. وتشمل هذه الصناديق الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة
70 الجراية، "الأوضاع الصحية للسكان في البلاد التونسية وتفاقم الأخطار المناخية: أيّ دور للتضامن الاجتماعي في ظلّ تنامي المعيقات؟."
الاجتمعية بالنسبة إلى المنتسبين للقطاع العمومي، والصندوق الوطني للضمن الاجتمعي بالنسبة إلى العاملين في القطاع الخاص. أما ذوو الدخل المحدود، فيتمتعون بنظام خاص يضمن لهم الانتفاع بالخدمات العلاجية داخل المؤسسات الصحية العمومية. وشهد العدد الإجملي للمنخرطين في أنظمة التأمين على المرض ارتفاعًا متواصلًا، إذ شهد ارتفاعًا من 2676352 منخرطًا سنة 2008 إلى 3599265 منخرطًا سنة 2021. وتتعدّد التحديات التي تواجه الصندوق الوطني للتأمين على المرض، والتي ستتفاقم بفعل تأثير التغيرات المناخية، ومن أهمها زيادة مستوى التكفّل بالأمراض المزمنة الذي ارتفع من 205541 حالة سنة 2008 إلى 1019870 حالة سنة 2021، على الرغم من التراجع المسجّل خلال سنتَي 2020 و 2021، والناتج من ارتفاع عدد وفيات الأمراض المزمنة بسبب وباء كوفيد 19-، كم يوضح الشكل.)3(ولئن كانت الزيادة في معّدلّات الإصابة بالأمراض المزمنة (القلب والشرايين، والسكري، والكلى،... إلخ) نتيجة طبيعية لتطور الوضعية الديموغرافية التي أفضت إلى الزيادة في فئة كبار السن (60 سنة فم فوق)، فإنّ تأثير العوامل المناخية في إثارة أعراض بعض هذه الأمراض التي قد تفضي إلى الوفاة، يجعلها مرشحة للتفاقم، وهو ما يطرح إشكالية زيادة مستوى التكفّل بها والترفيع في الاعتمدات المالية المخصصة لها.
الشكل (3) تطوّر عدد حالات الإصابة بالأمراض المزمنة في الفترة 2021-2008
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: الصندوق الوطني للتأمين على المرض، معطيات حول نشاط الصندوق (تونس.)2022:
71 المرجع نفسه. 72 الصندوق الوطني للتأمين على المرض، معطيات حول نشاط الصندوق (تونس: 2022)، ص.4 73 Jarraya & Beltrando, "Hospitalisation Cardiovasculaire Hivernale à Sfax (Centre-Est de la Tunisie): Population Vulnérable et Aspects Climato-Pathologiques," p. 174.
وتتجلى إشكالية السقف السنوي للمصاريف العلاجية في القطاع الصحي الخاص، فعلى الرغم من تحديثه في شباط/ فبرراير 2024، فإنه لم يواكب الارتفاع الحادّ في تكلفة الخدمات العلاجية وأسعار الأدوية، ما يحدّ من فاعليته في حمية المؤَّمَنين اجتمعيًا. وفي خضم هذه الأوضاع، اختارت عديد الأسر التونسية الانسحاب من المنظومة الخاصة والعودة إلى المنظومة العمومية، على الرغم مّما تعانيه من نقائص، وذلك من أجل ضمن الانتفاع بالتغطية الصحية للأمراض المزمنة داخل الهياكل الاستشفائية العمومية. وقد انعكس هذا التحوّل في تطوّر عدد المنخرطين في المنظومة العمومية، إذ ارتفع بعد تراجعه من 2014052 منخرطًا سنة 2010 إلى 1738403 منخرطين سنة 2015، ليبلغ 2102200 منخرط سنة 2021. وفي واقع يتسم بالعجز المالي الذي تعانيه الصناديق الاجتمعية، وتراكم ديونها لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض، فضلًا عن إخلاله بالتزاماته تجاه المرضى، يغدو من الصعب تصور قدرته على الاستمرار في أداء وظيفته، فضلًا عن تحمّل أعباء إضافية، خصوصًا في سياق يتسم بغياب الحوكمة وتفّشي مظاهر سوء التصرف في الموارد، من بينها عدم اقتطاع إسهامات أعوانه لفائدة التغطية الاجتمعية والتقاعد، إلى جانب الامتيازات المالية الواسعة التي يحظون بها.
4. تفاوت مستوى التجهيز بشبكتي مياه الشرب والتطهير
يُعدّ مستوى ربط الأسر بشبكتَي مياه الشرب والتطهير من المحدّدات الأساسية لصحة الأفراد. ويطبع التفاوت المجالي مستوى تجهيز الأسر بحسب ولايات البلاد التونسية، فالمجالات التي تسجل نسب ربط منخفضة سيكون سكانها أكثر هشاشة تجاه الأمراض المنقولة وتلك الناتجة من تدّني مستوى النظافة. في مجال مياه الشرب، قُدّر المعدّل الوطني لربط الأسر بالشبكة العمومية لمياه الشرب ب 90 في المئة سنة 2021. غير أنّ هذه النسبة تشهد تغرّيًا ملموسًا، وفق ما توضحه الخريطة (3)، بين الولايات الساحلية، مثل تونس والمنستير بنسبة 99.9 في المئة، وسوسة بنسبة 98 في المئة، وبقية الولايات، كجندوبة بنسبة 67.7 في المئة، وسيدي بوزيد بنسبة 63.6 في المئة. أما على مستوى التطهير، أو خدمة الصرف الصحي، فيقدّر المعدّل الوطني لربط الأسر بالشبكة العمومية ب 58.6 في المئة سنة 2021. وتبّين الخريطة (4) أنّ أغلب الولايات الساحلية تتميّز بنسب ربط تفوق 60 في المئة، على غرار تونس بنسبة 98.5 في المئة، والمنستير بنسبة 86.5 في المئة، بينم تنخفض هذه النسب في ولايتَي سيدي بوزيد (23.2 في المئة)، ومدنين (21.6 في المئة.) وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه النسب المحتسبة على مستوى الولايات تخفي تفاوتًا حاًّدًا بين المعتمديات داخل الولاية الواحدة، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث تنخفض نسب الربط بشبكة مياه الشرب إلى أدنى مستوياتها، ولا تتوافر خدمة التطهير، إذ يعتمد 41.3 في المئة من السكان في تزوّدهم بالمياه على الجمعيات المائية غير الحكومية وعلى مياه الآبار، في حين يجري تصريف المياه المستعملة في المائدة الجوفية أو في المحيط الطبيعي القريب من المساكن.
74 الجراية، "الأوضاع الصحية للسكان في البلاد التونسية وتفاقم الأخطار المناخية: أيّ دور للتضامن الاجتماعي في ظلّ تنامي المعيقات؟." 75 الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ص.4
وتمثّل مسألة التطهير إشك لًا كبيرًا من حيث ضعف مستويات ربط المساكن والمنشآت بالشبكة العمومية للصرف الصحي في الأوساط الريفية، بل حتى في بعض المناطق الحضرية للمدن الكبررى، وينتج منه تلوّث واسع النطاق للمئدة المائية السطحية. لكن تعاظم الحجم السكاني للمدن واتّساعها أفضيا إلى زيادة إنتاج كميات المياه المستعملة، التي بلغت 317.7 مليون متر مكعّب سنة 2023، بينم لم تتجاوز نسبة معالجتها 92.2 في المئة. وعلى الرغم من تحسّن نسبة معالجة المياه المستعملة مقارنة بما كانت عليه سنة 2020 (88.3 في المئة)، فإنّ نسبة من المياه المستعملة (7.8 في المئة سنة 2023) تظل من دون معالجة نظرًا إلى تجاوز طاقة استيعاب محطات التطهير، وهو ما يؤدّي إلى تصريفها في المجال الطبيعي، سواء في المائدة المائية، أو الأودية، أو البحر. وتجدر الملاحظة أيضًا أنّ نسبة استغلال المياه المستعملة المعالجة ما تزال ضعيفة في الأنشطة الاقتصادية، إذ لا تتجاوز في القطاع الفلاحي 10 ملايين متر مكعّب سنة 2023، وقد سجّلت انخفاضًا مقارنة بما كانت عليه سنة 2022 (19.3 مليون متر مكعّب)، ما انعكس في تراجع إسهامها في الريّ الفلاحي من 6.6 في المئة إلى 3.4 في المئة خلال هذه الفترة. وإضافة إلى مستوى معالجتها ومدى احترامها للمواصفات المعمول بها، تمثّل هذه الكميات المرتفعة من المياه المعالجة غير المستغلّة وتلك المستعملة غير المعالجة أخطارًا على المجال الطبيعي وعلى صحة الإنسان، نظرًا إلى خطورة الأمراض الناجمة عنها. إن الاعتمد على مستوى ربط الأسر بشبكة مياه الشرب يعدّ من المؤشرات الدالّة على مدى انتفاع السكان بهذه الخدمة الحيوية، غير أنّ هذا المؤشر يغدو غير ذي جدوى في الأوضاع الاستثنائية، لا سيّم في حالات الأزمات المائية الناتجة من فترات الجفاف. ويُطرَح في هذا السياق التساؤل التالي: كيف سيكون الوضع في حال اضطراب توزيع المياه أو انعدامه؟ وأيّ انعكاسات تترتّب على صحة الأفراد؟ شهدت البلاد التونسية منذ سنة 2019 وضعية جفاف اتّسمت بتراجع حادّ في كميات الأمطار، ما أثّر في مستوى مياه السيلان، ومن ثم، في مخزون السدود التي تمثّل المصدر الرئيس لمياه الشرب واحتياجات القطاعات الاقتصادية، إذ تعمل ضمن شبكة لتحويل المياه من شمل البلاد إلى مناطق الساحل والوسط. وتفاقمت أزمة التزوّد بالمياه، فضَعف مستوى التدفق في الشبكة وتواترت الانقطاعات، ما أثّر في الحياة اليومية للسكان. ونظرًا إلى استفحال حالة الجفاف، أقرّت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في آذار/ مارس 2023 اعتمد نظام حصص ظرفي لتوزيع مياه الشرب، إلى جانب تحجير وقتي لبعض استعملات المياه إلى غاية أيلول/ سبتمبرر 2023، غير أنّ هذه الإجراءات ظلّت سارية خلال سنة 2024، في سياق تدّني مخزون السدود. ولهذا اعتمدت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه نظامًا يقضي بقطع التزوّد بالمياه من الساعة التاسعة ليلًا إلى حدود الساعة الرابعة صباحًا. وزادت وضعية الجفاف من الضغط على الموائد الجوفية، فتضاعف نسق استغلالها، إذ بلغ 134 في المئة بالنسبة إلى المائدة العميقة، حتى أضحت في حالة استنزاف، ما أدّى إلى انخفاض منسوبها وتدهور جودة مياهها. وأفضت هذه التدابير المائية إلى تفاقم مشكل
76 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport annuel: Secteur de l'eau 2023 , p. 18. 77 Ibid., p. 16. 78 تجدر الإشارة إلى أنّ سنة 2019 كانت سنة رطبة ونهاية لفترة الجفاف التي امتدت في الفترة 2018-2016. ثم حلّ الجفاف لاحقًا في الفترة 2024-2020، وكانت سنة 2025 مثلها سنة رطبة. ويفسر هذا التناوب بين السنوات الجافة والرطبة على اختلاف طول فتراتها بخصوصية المناخ المتوسطي. 79 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport national du secteur de l'eau , p. 37.
انقطاع المياه، لا سيّم في المناطق الداخلية، حيث تجاوزت مدّة الانقطاع في بعض الأحيان أسبوعًا كامل. واستنادًا إلى بيانات المرصد التونسي للمياه، تصدّرت تبليغات انقطاع التزوّد بالمياه المرتبة الأولى ضمن مشكلات المياه، إذ ارتفعت نسبتها من 49.5 في المئة سنة 2019 إلى 71 في المئة سنة 2021.
الخريطة (3) تفاوت نسب ربط الأسر بشبكة الماء الصالح للشرب بين الولايات التونسية سنة 2021
المصدر: المرجع نفسه.
80 الجراية، "أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب بالبلاد التونسية: التبعات والتحديات المستجدة"، ص.28 81 المرصد التونسي للمياه "مشروع جمعياتي يهتمّ بالإشكاليات المتعلقة بحقّ الولوج للمياه في تونس". في آذار/ مارس 2016، أنشأ المرصد منصّة إلكترونية للتبليغ عن مشكلات الماء لمتابعتها وتوثيقها. ينظر: موقع المرصد التونسي للمياه، شوهد في 2026/1/22، في: www.watchwater.tn
تمثّل أزمة المياه أحد مظاهر تغّير المناخ، وإن كنّا نشهد حاليًا تداعياتها على حياة السكان وأنشطتهم وغذائهم، فإنّ عدم توافر المياه يدفع السكان إلى التزوّد بها من مصادر غير آمنة، إضافة إلى طرائق نقلها وحفظها وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر صحيّة متعدّدة، ولعلّ أبرزها التعفّنات المعوية والتهاب الكبد الفيروسي.
الخريطة (4) تفاوت نسب ربط الأسر بشبكة التطهير بين الولايات التونسية سنة 2021
المصدر: المرجع نفسه.
إن تزامن النقص أو انعدام التزوّد بمياه الشرب المراقبة مع عدم توافر شبكة للصرف الصحي عوامل تسهم في تفاقم مخاطر الأمراض المنقولة، إذ إنّ تصريف المياه المستعملة في محيط المساكن، وخصوصًا في الأرياف، يؤدي إلى تكاثر البعوض، الذي يمكن أن يكون وسيلة لنقل فيروسات أو طفيليات من الحيوان إلى الإنسان، وما ينجم عن ذلك من تفّشي أمراض تعفّنية، من بينها اللشمنيا الجلدية. وإن كان توفير المياه بالقدر الكافي للسكان، سواء أكانوا حضريين أم ريفيين، هدفًا أساسيًا لمختلف السياسات العمومية في مجال المياه، فإنّ تأمين الحاجيات على المستوى الكمّي، وإن لم يكن مضمون التحقّق، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، صاحبه تراجع في مستوى جودة مياه الشرب.
5. تقييم جودة المياه الموزّعة
تمثّل جودة المياه الموزّعة للسكان، سواء على مستوى الشبكة العمومية لمياه الشرب التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، التي تهمّ أساسًا المناطق الحضرية، أو على مستوى الجمعيات المائية في المناطق الريفية، تحديًا كبيرًا للسلطات العمومية، نظرًا إلى تدّني مستواها. ويجدر، في هذا السياق، التذكير بأنّ الشبكة
العمومية للمياه تعاني تهالكًا في بنيتها التحتية، وتفاقمًا في أعطاب تجهيزاتها، ما يؤثّر في جودة المياه المعدّة للاستهلاك. ونبّين في ما يلي بعض ملامح حالة التدهور المزمنة لجودة مياه الشرب. من مسبّبات تراجع جودة المياه ما تعانيه الشبكة العمومية من ارتفاع في عدد حالات كسر قنوات (مواسير) المياه، بلغت نسبته 13.8 في المئة خلال الفترة 2021-2020، إضافة إلى إهدار المياه بفعل التسرّبات الناتجة من تقادم القنوات، حيث إّن 20 في المئة من الشبكة يتجاوز عمرها 46 سنة. وقد استفحلت هذه التسرّبات
خلال السنوات الأخيرة، فتسبّبت في إهدار 160.9 مليون متر مكعّب من المياه سنة 2021، مسِّجِلةً زيادة بنسبة 2 في المئة مقارنة بسنة 2020. وعلى المستوى الوطني، بلغت نسبة إهدار المياه داخل الشبكة العمومية نحو 32.5 في المئة سنة 2021. وعلى الرغم من تزايد أعطاب أجهزة الشبكة، ومن بينها الأجهزة المسؤولة عن تحديد جرعات الكلور بحسب كميات المياه في الخزانات، فإنّ جهود تجديد الشبكة ما تزال ضعيفة، إذ تقل عن 0.4 في المئة سنويًا، وهي نسبة أقل بكثير من المعايير العالمية التي تراوح بين 2 و 2.5 في المئة. أمّا على مستوى الجودة، فإنّ مياه الشرب تخضع لرقابة مخابر الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ووزارة الصحة العمومية، من خلال أخذ عيّنات من الشبكة في مختلف مناطق البلاد لتحليلها بصفة دورية. وشهدت
جودة المياه تدهورًا ملحوظًا شمل اللون والطعم والرائحة، ويتجلى ذلك في ارتفاع عدد التبليغات المتعلقة
82 Afif Ben Salah et al., "Zoonotic Cutaneous Leishmaniasis in Central Tunisia: Spatio-temporal Dynamics," International Journal of Epidemiology , no. 36 (2007), p. 995. 83 تجدر الإشارة إلى أزمة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، لكن مجال الدراسة لا يسمح بتناول تفاصيلها ومؤشراتها، ويكتفى بالنظر في: الجراية، "أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب بالبلاد التونسية: التبعات والتحديات المستجدة"، ص.32 84 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport national du secteur de l'eau , p. 58. 85 Ibid. 86 نتيجة لهذه الأعطاب، تتفاوت كميات الكلور المستخدَمة في تعقيم المياه بين الارتفاع والانخفاض بحسب المناطق، ما يؤثر في صحة المستهلكين. ينظر: وائل ونيفي، "أرباح طائلة واحتكار للسوق: الوجه الآخر لاستنزاف الموارد المائية من قبل شركات تعليب المياه في تونس"، الكتيبة، 2023/12/12، شوهد في 2023/12/23، في: http://acr.ps/1L9zP4r 87 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport national du secteur de l'eau , p. 57.
بجودة المياه غير الصالحة للشرب، التي أحصاها المرصد التونسي للمياه، من 29 إلى 91 تبليغًا في الفترة 2021-2019، أي بنسبة زيادة تقَّدَر ب 213.8 في المئة. أما مستوى الملوحة فقد راوح بين 1.5 و 2 غرام في اللتر، بحسب المواصفات التونسية المعتمَدة. ويتمثل التحدّي الأكبرر في أن مياه الشرب لا تطابق المواصفات الميكروبيولوجية، وذلك استنادًا إلى التحاليل المخبررية التي أنجزتها وزارة الصحة العمومية. فقد شهدت نسبة عدم المطابقة ارتفاعًا منتظمًا من 9.6 في المئة سنة 2019 إلى 13.6 في المئة سنة 2023، وذلك على مستوى الشبكة العمومية للمياه التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الشكل).4
الشكل (4) تطوّر نسبة مياه الشبكة العمومية غير المطابقة للمواصفات الميكروبيولوجية في الفترة 2023-2019
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport annuel: Secteur de l'eau 2023 (Tunis: 2023), p. 18.
تجدر الملاحظة أنّ هذا المعدّل الوطني لعدم مطابقة مياه الشرب الموزّعة عبرر الشبكة العمومية يخفي تفاوتات مهمّة بين الولايات؛ فبالاعتمد على بيانات سنة 2021، راوحت نسب عدم المطابقة بين 14 في المئة
88 الجراية، "أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب بالبلاد التونسية: التبعات والتحديات المستجدة"، ص.27 89 تجدر الإشارة إلى أنها تتجاوز بكثير المعايير الدولية وتوجيهات منظمة الصحة العالمية، التي تؤكد على عدم تجاوزها لمستوى 1 غرام في اللتر ليكون قابلًا للاستهلاك البشري (خاصة الشرب). ينظر: وزارة الشؤون المحلية والبيئة، التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة، ص.67 90 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport annuel: Secteur de l'eau 2023 , pp. 18, 25.
في ولايتَي باجة وجندوبة، لتصل إلى 30 في المئة في ولاية منوبة و 35 في المئة في ولاية تطاوين. أمّا على مستوى المياه التي توزّعها الجمعيات المائية في المناطق الريفية، فإنّ نسب عدم المطابقة تكون أكثر ارتفاعًا من المعدّل الوطني، المقدّر ب 13 في المئة، ومثال ذلك بن عروس بنسبة 59 في المئة، وقابس بنسبة 45 في المئة، وجندوبة بنسبة 35 في المئة. أمّا في ما يتعلّق بنقاط الماء العامة المهَّيَأة، فترتفع نسب عدم مطابقة مياه الشرب للمواصفات الميكروبيولوجية لتبلغ 47 في المئة سنة 2021، مسِّجِلةً زيادة واضحة مقارنة بما كانت عليه سنة 2020، حيث لم تتجاوز 32 في المئة. وتفَّسر هذه النسب المرتفعة لعدم المطابقة بغياب عمليات تعقيم المياه المعدّة للشرب أو بعدم نجاعتها، ما يطرح إشكالات جدّية على مستوى صحة الأفراد. ونظرًا إلى التدهور المستمر في جودة مياه الشرب الموزّعة عبرر الشبكة العمومية، أقبل الأفراد على استهلاك المياه المعلّبة، التي ارتفع حجم استهلاكها السنوي الإجملي من 2.2 مليار لتر سنة 2019 إلى 2.9 مليار لتر سنة 2023، ما يعني أنّ نصيب الفرد قد شهد ارتفاعًا من 204 لترات للفرد إلى 244 لترًا. غير أنّ هذا الاستهلاك المكثّف للمياه المعلّبة فاقم من استنزاف الموائد الجوفية، في وقت تشهد فيه البلاد أزمة مياه حادّة، وهو ما يفّسر تراجع الإنتاج والاستهلاك بنسبة 10 في المئة بين سنتَي 2022 و 2023. فقد انخفض حجم الاستهلاك السنوي الإجملي للمياه المعلّبة من 3.2 مليارات لتر سنة 2022 إلى 2.9 مليار لتر سنة 2023، وهو ما أثّر في نصيب الفرد الذي تراجع من 271 لترًا للفرد إلى 244 لترًا. لم يعد تحدّي المياه في تونس محصورًا في مسألة الندرة الكمية، بل أصبح مرتبطًا على نحو وثيق بتدهور جودة مياه الشرب، نتيجة عدم مطابقة مياه الشرب للمواصفات الميكروبيولوجية، إضافة إلى مواصفات أخرى فيزيائية وكيميائية، لم يتّسع المقام للخوض فيها، وما ينجم عنها من مخاطر صحية متزايدة، مرشّحة للتفاقم بفعل التغيرات المناخية، التي تدفع في اتجاه استغلال موارد مائية قد لا تتوافر الوسائل ولا الإمكانيات لتأمين جودتها. ويجعل ذلك العلاقة بين المياه والمناخ أحد أبرز مصادر التهديد للصحة العمومية، بما يفرض اعتمد مقاربات مستدامة للتخفيف من آثارها في حياة الأفراد.
6. إشكالات منظومة المراقبة الوبائية
تتّسم منظومة مراقبة الأمراض المنقولة بعدّة نقائص، من بينها الضعف الهيكلي في مجال مراقبة البعوض الناقل للأمراض، وفي مجال الحشرات عمومًا. ولم يتمكّن نظام مراقبة البعوض من التنبؤ بالموجتين الوبائيتين لحمّى غرب النيل اللتين شهدتهم البلاد التونسية سنتَي 1997 و 2003. وتكاد تنعدم القدرة على تحديد مواقع تكاثره بدقّة والوصول إليها، فضلًا عن شحّ المعطيات الدقيقة المتعلّقة بنشاطه في مرحلة النضج. ويُعزى ذلك إلى اختلالات هيكلية في المنظومة، وإلى محدودية الموارد البشرية المؤهّلة، إلى جانب ضعف
91 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport national du secteur de l'eau , p. 90. 92 Ibid. 93 Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche, Rapport annuel: Secteur de l'eau 2023 , p. 55. 94 Ibid. 95 Ministère de la santé publique, Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique , p. 48.
التجهيزات ونقص المعدات الضرورية. وتُعدّ مقاومة البعوض للمبيدات الحشرية إحدى الإشكالات البارزة، ما يطرح ضرورة تكثيف البحوث العلمية لتحيين تركيبات هذه المبيدات حتى تكون أكثر فاعلية في مواجهته. تعاني منظومة المراقبة الوبائية قصورًا واضحًا في قدرتها على الاستجابة السريعة عند رصد ارتفاع غير اعتيادي في عدد الحالات المسجّلة لبعض الأمراض السارية، مثل الإسهال والتهاب الملتحمة والتهاب الكبد الفيروسي،... إلخ، إذ يظلّ جمع المعطيات المرتبطة بتفّشي المرض ذا طابع ظرفي يهدف أساسًا إلى مواكبة الطفرة الوبائية. وعلى مستوى آخر، يبررز غياب شبه تام للمعطيات الجرثومية المتعلقة بمعظم السلالات المسبّبة للأمراض في البلاد التونسية، إذ تبقى نتائج التحاليل الجرثومية حبيسة الملفات الطبية للمرضى، أو تُتداول في نطاق ضيّق خلال المؤتمرات الطبية، من دون إدماجها ضمن قاعدة بيانات. وينطبق الإشكال نفسه على نتائج الدراسات المتعلّقة بمقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية، التي تظلّ محصورة داخل الأقسام الاستشفائية ومخابر البحث، من دون تعميمها أو نشرها على نطاق أوسع. وعلى الرغم من إحداث المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة وتفعيل نظام الإنذار المبكر ضدّ تفّشي الأمراض المعدية منذ سنة 2008، فإنّ رصد البوادر الأولى لأيّ وباء لا يزال يُلقى على عاتق الهياكل الصحية، وخصوصًا الخط الصحي الأوّل المتمثل في مراكز الصحة الأساسية. وفي سياق غياب استجابة سريعة وفعّالة لمنظومة المراقبة الوبائية لتحديد العنصر الوبائي ومستوى خطورته بهدف محاصرته، تظل فاعليتها محدودة، لا سيم وأنّ عامل الزمن يُعدّ حاسمًا في هذه السياقات الوبائية التي تتّسم بوتيرة انتشار سريعة. ومن النقائص الأخرى التي تشوب جهود التصدّي للأمراض المنقولة، يبررز غياب التنسيق المؤسسي بين الهياكل العمومية التي تتوّلى مكافحة انتشار البعوض. فإلى جانب الفرق التقنية المختصة في مجال النظافة التابعة لوزارة الصحة العمومية، تنفّذ البلديات، الخاضعة لإشراف وزارة الداخلية، حملات للمداواة الحشرية تستهدف البعوض في المناطق الحضرية. وتشارك هياكل وزارَتي البيئة والتجهيز في هذه الجهود من خلال تنظيف مجاري الأودية وجهر قنوات تصريف المياه المستعملة، بهدف الحدّ من بؤر تكاثر البعوض. غير أنّ غياب آليات تنسيق فعّالة بينها يحدّ من نجاعتها. إنّ تنظيم التدخلات وبرمجتها وفق مخطط زمني، وتقسيم المجال الجغرافي إلى قطاعات توزّع على الهياكل المتدخلة، يسهم في تعزيز مجهود التصدّي لمخاطر انتقال الأمراض، ودعم هدف التكيّف مع التغيرات المناخية. ولا يقتصر غياب التنسيق على الجوانب التنفيذية، بل ينسحب أيضًا على البعد التوعوي؛ إذ لم تُصغ بعْد مقاربة اتصالية موحّدة تجمع بين الهياكل العمومية والجمعيات العلمية والمنظمت غير الحكومية. ونتيجة لذلك، يتناول كلّ فاعل مسألة نشر الوعي بالمخاطر الصحية المرتبطة بالتغيرات المناخية من زاوية تخصّصه أو مجال تدخّله. ويُعدّ توحيد الخطاب الاتصالي ضرورة ملحّة، لتفسير ظاهرة التغيرات المناخية بأسلوب مبسّط، وتعزيز وعي الأفراد وإقناعهم، وتحفيزهم على الانخراط الفعلي في جهود التأقلم التي تقوم في جوهرها على تعديل السلوكيات. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القراءة لا تدّعي الإحاطة بجميع النقائص التي تحدّ من فاعلية الاستراتيجية الوطنية للتأقلم مع المخاطر الصحية الناجمة عن التغيرات المناخية؛ لأن المقام لا يتّسع لتفصيلها. غير أنه يتبّين أنّ الاختلالات الهيكلية المرتبطة بالمنظومة الصحية وبنظام المراقبة الوبائية تفرض نفسها بوصفها
96 Ibid., p. 52. 97 Anis Klouz & Amel Brayek, La carte sanitaire de la première ligne – 2015 (Tunis: 2016), p. 38.
عوامل حاسمة، وهي ذاتها التي أسهمت في تحديد أنماط إدارة أزمة كوفيد 19- ومخرجاتها. وبناء عليه، فإّن أيّ إدارة ناجعة للمخاطر الصحية لا بدّ من أن تعالج مواطن الخلل في هاتين المنظومتين.
خاتمة
تتعدّد المخاطر الصحية المرتبطة بالتغيرات المناخية، التي أثبتت السيناريوهات أنها تشهد تغرّيًا ستكون له تداعيات على الأفراد وبيئات عيشهم. وقد استوجب ذلك إرساء استراتيجية وطنية ليتأقلم قطاع الصحة في البلاد التونسية مع الإشكالات الصحية التي يُتوَّقَع أن تفرضها هذه التغيرات في المستقبل. وقد شملت هذه الاستراتيجية مختلف مجالات التدخّل الوقائية والعلاجية، وهدفت أساسًا إلى تعزيز جاهزية المنظومة الصحية لمواجهة الأوضاع الوبائية المستجدّة، ولا سيم تلك الناجمة عن تنامي معدلات الأمراض السارية المنقولة. ونظرًا إلى أهمية المراقبة والرصد في التصدي لهذه الأمراض، يُعدّ إحداث المرصد الوطني للأمراض الجديدة
والمستجدة، وتفعيل نظام إنذار مبكّر لتفّشي الأوبئة، ركيزتين أساسيتين ضمن هذه الاستراتيجية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنظر إلى أن جانبًا أكبرر منها موجّه لمعالجة المخاطر الجدية للأمراض التي تهيّئ لها التغيرات المناخية بيئات ملائمة، ولا سيّم من حيث ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الرطوبة، بما يسهم في
تنشيط العوامل الوبائية ونواقلها. وإدراكًا لمحدودية القدرات الوطنية على مجابهة تداعيات ظاهرة ذات طابع كوني، شاركت تونس في مبادرات دولية تهدف إلى الاستفادة من الدعم الخارجي ونقل الخبررات وتوطين التكنولوجيا الضرورية لتعزيز جهود التأقلم. وتمثّل التفاوتات الجهوية في مستوى التجهيز بشبكتَي مياه الشرب والتطهير تحديًا مستمرًا، لا سيّم في سياق التمركز السكاني المكثف في المدن الساحلية، وما يترتب عليه من تضاعف الطلب على المياه، وارتفاع كميات المياه المستعملة. وتتعدّد الإشكالات المرتبطة بالمياه، سواء من حيث توفيرها في سياق محدودية الموارد السطحية واستنزاف الموائد الجوفية العميقة، أو من حيث جودتها التي تشهد تدهورًا مستمرًا، إضافة إلى الأضرار المتعدّدة الناجمة عن تصريفها. من المتوقّع أن تتفاقم هذه الإشكالات في المستقبل مع تأثيرات التغيرات المناخية، التي ستتجلى تحديدًا في تفاقم الجفاف وشحّ المياه. وتتعدّد أوجه التأثير في صحة الأفراد، ما يتطلّب اعتمد مقاربة شاملة متعددة الأبعاد، تقوم على تنسيق القطاعات المعنية وتحقيق التكامل بين مختلف المستويات. ويظلّ النجاح في تطبيق هذه الاستراتيجية مرهونًا بتجاوز عدد من النقائص، سواء في مستوى توزّع البنية الصحية الأساسية والإطار الطبي العمومَييَن، أو في تضييق الفجوة وإيجاد صيغ مناسبة لانخراط القطاع الطبي الخاص. كم يستدعي الأمر مراجعة أداء منظومة المراقبة الوبائية وطرائق عملها، وتعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل المعنيّة بمكافحة النواقل وبجهود التوعية حول التغيرات المناخية. ويظل العمل على معالجة المشكلات الهيكلية
في المنظومة الصحية العمومية ونظام المراقبة الوبائية من أولويات الاستراتيجية، لا سيم بعد أن أكّدت الدروس المستخلصة من أزمة كوفيد 19- الدور الاستراتيجي لهاتين المنظومتين في تحمّل العبء الأكبرر من جهود المجابهة. يظلّ تفاقم المخاطر الصحية الناجمة عن تغّير المناخ غير قابل للتنبؤ بدقة؛ نظرًا إلى اعتمد التدابير الحالية على نتائج الدراسات الراهنة والاستشرافية. لذلك، بات من الضروري إضفاء بعض المرونة على الاستراتيجية الوطنية للتأقلم مع هذه المخاطر، بما يضمن قابليتها للتكيّف مع أيّ مستجدّات قد تطرأ مستقبلًا.
المراجع
العربية إحصائيات تونس. التقرير السنوي حول مؤشرات البنية الأساسية 2022. تونس: المعهد الوطني للإحصاء،.2022
استاتي زين الدين، الحبيب والعربي بلا. الأمن الغذائي والطاقي في البلدان العربية والإفريقية في ظلّ التغيرات المناخية والجيوستراتيجية. مراكش: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتمعية، 2024. الجراية، منير. "التغيرات المناخية والأخطار الصحية الناجمة عنها في جهة صفاقس (الوسط الشرقي التونسي)". المجلة الجغرافية السورية. العدد).2018(30 ________. "الأوضاع الصحية للسكان في البلاد التونسية وتفاقم الأخطار المناخية: أيّ دور للتضامن الاجتمعي في ظلّ تنامي المعيقات؟". ورقة قُدّمت في الندوة الدولية "التضامنات الاجتمعية: التعبيرات، الأشكال والجغرافيات الجديدة". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الحممات، تونس..2019/5/14-13 ________. "المقاربات التطبيقية لعلم المناخ في سياق انفتاح العلوم وتعدد رهاناتها: إسهاماتها في دراسة الأخطار الصحية والحدّ من تأثيراتها أنموذجًا من خلال حالة جهة صفاقس (الوسط الشرقي التونسي)". مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتمعية. العدد 76 ح (زيران/ يونيو.)2021 ________. "أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب بالبلاد التونسية: التبعات والتحديات المستجدة". حكامة. مج 5، العدد 9 (2024). الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون المحلية والبيئة. التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة لسنة 2017. تونس: المرصد التونسي للبيئة والتنمية المستديمة،.2017 الصندوق الوطني للتأمين على المرض. معطيات حول نشاط الصندوق. تونس،.2022 مبرروك، مهدي ويوسف بن عثمن. تحولات الأرياف المغاربية: الممرسات والفاعلون والرهانات. تونس: منشورات سوتيميديا،.2024 محمد الحسن، عبد الرحمن. الجغرافيا الطبية. الدويم، السودان: جامعة بخت الرضا،.2013 هنية، لطيفة [وآخرون]. المناخ والمنظومة المناخية. تونس: مركز النشر الجامعي،.2021 ________. مناخ تونس. تونس: جامعتا صفاقس ومنوبة،.2024 وزارة البيئة. "نشرية التغيرات المناخية". عدد 5.)2022(
الأجنبية
Ben Salah, Afif et al. "Zoonotic cutaneous leishmaniasis in central Tunisia: spatio-temporal dynamics." International Journal of Epidemiology. no. 36 (2007). Besancenot, Jean-Pierre. Climat et Santé. Paris: Publication Universitaire Française, 2001.
________. Notre santé à l'épreuve de changement climatique. Paris: Delachaux et Niestlé, 2007. Bounouh, Abdelala. "The Devastating Impact of Covid-19 on the Health System in Tunisia." Moroccan Journal of Public Health. vol. 2, no. 1 (2021). Chahed, Mohamed-Kouni. Analyse des modalités d'adaptation aux effets sur la santé des changements climatiques: Cas de la leishmaniose cutanée zoonotique à leishmania major. Tunis: Agence Tunisienne de Coopération Technique (ACTC), 2012. Dahech, Salem & Sami Charfi (eds.). Actes du 30 ème colloque de l'association internationale de climatologie, Sfax. Sfax: AIC, 2017. Erpicum, Michel (eds.). Actes du 28 ème colloque de l'association internationale de climatologie. Liège: AIC, 2015. Fallot, Jean Michel, Daniel Joly & Nadine Bernard (eds.). Actes du 29 ème colloque de l'association internationale de climatologie. Besançon-Lausanne: AIC, 2016. Fazzini, Massimiliano & Gérard Beltrando (eds.). Actes du 24 ème colloque de l'association internationale de climatologie. Rovereto: AIC, 2011. Field, Christopher B. et al. (eds.). Climate Change 2014: Impacts, Adaptation, and Vulnerability. Part A: Global and Sectoral Aspects. Contribution of Working Group II to the Fifth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change. New York, NY: Cambridge University Press, 2014. at: https://acr.ps/1L9F2Lf Food and Agriculture Organization. "An Introduction to the Basic Concepts of Food Security." EC - FAO Food Security Programme. Rome, 2008. Fourati, Emna. "Enquête entomologique dans un foyer de leishmaniose cutanée zoonotique du centre tunisien." Projet de fin d'études, Institut Supérieur des Sciences et Technologies de l'Environnement, Université de Carthage. Tunisie. 2010. Grimaud, Olivier & Alain Jourdain. "Le rapport d'objectifs de santé publique. Une réelle ambition sans stratégie de mise en œuvre?" Santé Publique. vol. 16, no. 4 (2004). Helga-Jane, Scarwell & Roussel Isabelle (eds.). Le changement climatique, quand le climat nous pousse à changer d'ère. Lille: Septentrion, 2010. Jarraya, Mounir. "Biométéorologie de la morbidité respiratoire dans le secteur public de la santé à Sfax (Tunisie)." Thèse de doctorat. Université Paris Diderot (Paris VII). Paris - France. 2009. ________. "Bioclimatologie des infections cutanées mycosiques à Sfax (Centre-Est de la Tunisie)." EchoGéo. no. 38 (2016). at: https://acr.ps/1L9F2vl ________. "Froid hivernal et fréquence de la grippe à Sfax (Centre-Est de la Tunisie)." Territoires en Mouvement. no. 38 (Janvier 2018). at: https://acr.ps/1L9F2EZ
________. "La vulnérabilité de la population aux parasitoses intestinales à Sfax: Quelle implication de l'eau?" Cahiers Géographiques de l'Ouest. vol. 10, no. 1 (2022). at: https://acr.ps/1L9F2gL Jarraya, Mounir & Gérard Beltrando. "Les services de soins hospitaliers publics dans l'agglomération de Sfax: Spécificités fonctionnelles et pouvoir spatial." EchoGéo. no. 26 (Décembre 2013). at: https://acr.ps/1L9F2Vg Klouz, Anis & Amel Brayek. La carte sanitaire de la première ligne – 2015. Tunis: 2016. Lamarre, Denis & Pierre Pagney. Climats et Sociétés. Paris: Armand Colin, 1999. Merah, Aissa & Vincent Meyer (eds.). Communication publique et développement territorial: Enjeux d'une valorisation et défis pour les acteurs. Paris: Harmattan, 2015. Motlogeloa, Ogone & Jennifer M. Fitchett. "Climate and Human Health: A Review of Publication Trends in the International Journal of Biometeorology." International Journal of Biometeorology. no. 67 (2023). Mourad, Ben Jelloul & Hellal Mohamed (eds.). Gouvernance, communication et développement des territoires touristiques. Tunis: GTD, 2023. Observatoire National des Maladies Nouvelles et Emergentes. Bulletin de veille et de reposte aux infections à virus West Nile en Tunisie. Tunis: 2018. République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources hydrauliques et de la Pêche. Rapport national du secteur de l'eau. Tunis: 2021. ________. Rapport annuel secteur de l'eau 2023. Tunis: 2023. République Tunisienne, Ministère de l'agriculture et de l'environnement. Elaboration de la stratégie nationale sur le changement climatique de la Tunisie. Tunis: 2011. République Tunisienne, Ministère de la santé publique. Stratégie d'adaptation du secteur de la santé au changement climatique. Tunis: 2010. Rouland, Betty, Mounir Jarraya & Sébastien Fleuret. "Du tourisme médical à la mise en place d'un espace de soins transnational. L'exemple des patients libyens à Sfax (Tunisie)." Revue Francophone sur la Santé et les Territoires. (Octobre 2016). at: https://acr.ps/1L9F2Vx Salem, Gérard. "Géographie de la santé, santé de la géographie." Espace, populations, sociétés. no. 1 (1995). Schneider, Alexandra & Susanne Breitner. "Temperature Effects on Health – Current Findings and Future Implications." EBioMedicine. no. 6 (2016). Wolf, Karine et al. "Air Temperature and the Occurrence of Myocardial Infarction in Augsburg, Germany." Journal of the American Heart Association. no. 120 (2009).