العودة إلى تفاصيل المؤلَّف وسائط التواصل الاجتماعي ومفارقة التحرر والتحكم: دراسة في حالات عربية

وسائط التواصل الاجتماعي ومفارقة التحرر والتحكم: دراسة في حالات عربية

Social Media and the Paradox of Liberation and Control: A Study of Arab Cases

مروة فكري

الملخّص

ملخص:  تقدّم هذه الدراسة مدخلًا لتحليل أثر وسائط التواصل الاجتماعي في السياقات السلطوية، عبر تطبيقها على الحركات الاجتماعية الشبكية الساعية إلى التعبئة والتغيير في مواجهة القمع والرقابة. وتوضح أن هذه الوسائط تعكس في السياق العربي مزيجًا معقدًا يجمع بين المجتمع الشبكي، والبانوبتيكون الرقابي، ومنطق "الأخ الأكبر". فمن جهة، تمكّن الأفراد من تجاوز قيود التعبير التقليدية وتمنح الحركات الاجتماعية فرصًا أوسع للتواصل والتعبئة. ومن جهة أخرى، توظّفها الأنظمة السلطوية أدواتٍ للرقابة والتجسس، في حين يسهم وعي الأفراد بالرقابة في ترسيخ الامتثال والرقابة الذاتية. وباستخدام منهج دراسة الحالة، تخلص الدراسة إلى أن هذا التداخل يُنتج مفارقة تجمع بين التمكين والتقييد، ويتحدد أثرها وفقًا لعوامل مثل البيئة القانونية والسياسية، والبنية التحتية الرقمية، ودرجة تماسك الحركات الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع المدني.

Abstract

Abstract:  This study examines the role of social media in authoritarian contexts, focusing on networked social movements operating under repression and surveillance in the Arab region. It argues that these platforms represent a hybrid of networked communication and pervasive surveillance. On one hand, social media enable individuals and movements to bypass restrictions, facilitating expression, coordination, and mobilization. On the other, authoritarian regimes exploit these platforms as tools of monitoring and control. The widespread awareness of surveillance further encourages self-censorship and compliance among users. Using a case study approach, the study identifies a central paradox: social media simultaneously empower and constrain collective action. The extent of this paradox varies depending on contextual factors such as the legal and political environment, the strength of digital infrastructure, the organizational capacity of social movements, and their connections to broader civil society networks and institutions.

الكلمات المفتاحية:
  • وسائط التواصل الاجتماعي
  • السياقات السلطوية
  • الحركات الاجتماعية الشبكية
  • الرقابة والمراقبة
  • المجتمع المدني
  • الناشطية الإلكترونية
Keywords:
  • Social Media
  • Authoritarian Contexts
  • Networked Social Movements
  • Surveillance and Monitoring
  • Self-Censorship
  • Civil Society
  • Online Activism

مقدمة

تزامن صعود وسائط التواصل الاجتمعي مع خطاب يطرحها بوصفها "تكنولوجيا تحررية" مقاومة للاستبداد، ويُنسب إليها، في هذا السياق، القدرة على تعزيز قيم الديمقراطية والمشاركة، وتسهيل التعبئة الاجتمعية من أجلها1. لكن سرعان ما تراجع هذا الخطاب حين بّين الواقع وجهًا آخر لها، يمضي بعكس النظرة التفاؤلية التي غُلّف بها صعود وسائط التواصل الاجتمعي؛ فقد فرضت أحداث وتطورات شهدتها المجتمعات الديمقراطية والسلطوية على حد سواء إعادة النظر في هذا القول؛ ففي الأولى، ارتبط انتشار هذه الوسائط بصعود الشعبوية وخطاب الكراهية والأخبار الزائفة2. وأصبحت هذه المنصات أحد أهم مصادر الانقسام بين الأفراد، نتيجةً لما بات يعرف بظاهرة "فقاعة التصفية  Filter Bubble "3 و"غرف الصدى" Chambers Echo4. وفي الثانية صعدت موجة ارتداد للاستبداد، بعد أن رُوّج لإمكان الإصلاح السياسي من أعلى. وقد وُّظ فت وسائط التواصل لفرض التحكم والرقابة على نطاق واسع، وكذلك القمع وتشتيت وعي المواطنين. وهكذا، أصبحت هذه الوسائط "عملة ذات وجهين"؛ فهي من جهة تعزز المشاركة والتعبير عن الرأي وتشجع المطالب التحررية، وهي من جهة أخرى تدفع بالمجتمعات بعيدًا عنها. تركز هذه الدراسة على أثر وسائط التواصل الاجتمعي في السياق السلطوي، وتحديدًا السياق العربي، في الحركات الاجتمعية - الشبكية تحديدًا - الساعية إلى التعبئة والتغيير، والنظم السلطوية الطامحة إلى توسيع رقابتها وقمع هذه الفواعل، وهو ما تشير إليه الدراسة بمفارقة التحرر والتحكم؛ فالمواطنون يستخدمون هذه الوسائط على الإنترنت للحصول على المعلومات وتنظيم الاحتجاجات، وتردّ الحكومات، أو تستبق ذلك، بتقييد حرية الدخول على الإنترنت أو حجب بعض المواقع فيها، أو التشويش على آراء المعارضين، أو حتى تتبّع الناشطين الذين ينشطون على هذه الشبكات والتنكيل بهم... إلخ. وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن تساؤل رئيس، هو: ما العوامل التي تسهم في نجاح/ فشل توظيف الحركات الاجتمعية الاحتجاجية لوسائط التواصل الاجتمعي في الدول السلطوية؟ وتفترض الدراسة عدة افتراضات، هي: تحمل بنية وسائط التواصل الاجتمعي في داخلها بذور التناقضات المترتبة عليها. لا تعمل وسائط التواصل الاجتمعي بمعزل عن البنى القانونية والسياسية القائمة. هناك علاقة ترابطية بين البنية التحتية الرقمية وقدرة الحركات الاجتمعية على توظيف وسائط التواصل في التعبئة. يتأثر نجاح الحركات الاجتمعية في توظيف وسائط التواصل الاجتمعي بنوعية الرقابة التي يتّبعها النظام على هذا الفضاء. تتبنّى الدراسة منهج دراسة الحالة، لما يوفّره من فرصة لتقديم وصف معمق Description Tihck يتجاوز الأبعاد الإعلامية والسياسية أو الجوانب الفنية، ليشمل التفاعل بين التكنولوجيا والتغيير السياسي والأبعاد

  1. ينظر في ذلك: بشرى زكاغ، الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتماعي/ السياسي في المغرب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)؛ Manuel Castells, Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age (Cambridge, UK: Polity Press, 2012).
  2. Ekaterina Zhuravskaya, Maria Petrova & Ruben Enikolopov, "Political Effects of the Internet and Social Media," Annual Reviews of Economics , vol. 12 (May 2020), pp. 415 - 438.
  3. Eli Pariser, The Filter Bubble: What the Internet is Hiding from You (London: Penguin Books, 2021).
  4. Matteo Cinelli et al., "The Echo Chamber Effect on Social Media," Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) , vol. 118, no. 9 (March 2021), accessed on 27/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2skk

النفسية المرتبطة باستخدام هذه الوسائط، وعلاقات القوة، وذلك بدراستها في سياقاتها التاريخية والثقافية. ويكون ذلك بالتطبيق على حالات السعودية ومصر والأردن، التي اختيرت على اعتبار أن كًّلا منها يمثّل درجة من درجات حرية الإنترنت؛ فقد ظلت السعودية على تصنيف حالة الإنترنت فيها أنها "غير حرة"، والأردن "حرة جزئيًا". أما مصر، فبعد أن تمتعت بتصنيف "شبه حرة"، صُنفت منذ عام 2014 على أنها "غير حرة". ويوفّر هذا الاختلاف بين الحالات فرصة لفهم ديناميات التفاعل بين وسائط التواصل والحركات الاجتمعية في السياقات السلطوية وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين الحالات الثلاث، ما يسمح باستخلاص استنتاجات عامة متعلقة بتأثير القيود السياسية والبنى القانونية والبنية الرقمية ونوعية الرقابة في الناشطية الرقمية والحراك الاجتمعي. قُسمت الدراسة إلى مبحثين: نظري وتطبيقي. يناقش المبحث الأول كيفية دراسة أثر وسائط التواصل الاجتمعي في الحركات الاجتمعية في السياق السلطوي، ويتعرض لطبيعة هذه الوسائط، والنتائج المترتبة عليها. في حين يدرس المبحث الثاني5 دينامية العلاقة بين الحركات الاجتمعية والنظم السلطوية في الحالات الثلاث محل الدراسة في سياق وسائط التواصل، من خلال التركيز على أهداف هذه الحركات المرتبطة ب: الوعي ونقل المعلومة، والتعبئة والدفع بالمطالب والتغيير.

أولًا: الإطار النظري

1. وسائط التواصل الاجتمعي والحركات الاجتمعية: ثلاثة نماذج تفسيرية

أفرزت دراسات الحركات الاجتمعية ثلاثة مداخل تحليلية رئيسة لفهم نشأتها ودوافع المشاركة فيها. المدخل الأول هو هيكل الفرص السياسية الذي يركّز على السياق السياسي المحيط بالحركة6 ودرجة الانفتاح أو القمع من جانب الدولة. ويتمثل المدخل الثاني في تعبئة الموارد الذي يهتم بالإمكانات التنظيمية والمادية والبشرية المتاحة للحركة7، في حين يهتم المدخل الثالث بتمّثلّات الهوية الجمعية للحركة وكيفية صياغتها لٍأهدافها وخطابها المستخدم في تحقيق صدى مجتمعٍّي8.

  1. واجهت الدراسة صعوبة استرجاع كامل التغريدات السابقة على وسوم معيّنة على منصة "إكس" ح (اليًا) لتحليلها بطريقة منتظمة لفحص استراتيجيات الرقابة والمراقبة والمقاومة. فقد ألغى إيلون ماسك Musk Elon بعد استحواذه على المنصة (تويتر) الخدمة المجانية الخاصة بذلك. وأصبح الوصول إلى مثل هذه البيانات بالغ التكلفة. لذلك، حاولت الدراسة الاستفادة مما هو متاح من تغريدات، ومن التقارير الصادرة عن حرية الإنترنت والرقابة وبعض المصادر الثانوية الأخرى لاختبار الافتراضات التي وضعتها والإجابة عن التساؤل الرئيس.
  2. من الأدبيات المرجعية في ذلك: Charles Tilly, From Mobilization to Revolution (New York: Random House, 1978); Sideny Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1994).
  3. من الأدبيات الأساسية في هذا الموضوع: John D. McCarthy & Mayer N. Zald, "Resource Mobilization and Social Movements: A Partial Theory," American Journal of Sociology , vol. 82, no. 6 (1977), pp. 1212-1241; Eric Schmidt & Jared Cohen, "The Digital Disruption: Connectivity and the Diffusion of Power," Foreign Affairs , vol. 89, no. 6 (November-December 2010), pp. 75 - 85.
  4. ينظر في ذلك: William Gamson, The Strategy of Social Protest (Homewood, IL: Dorsey Press, 1975); William Gamson, Talking Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1992); Alberto Melucci, Challenging Codes: Collective Action in the Information Age (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

كان لظهور الإنترنت وتطور وسائط التواصل الاجتمعي أثرهم في تغلغل وسائل الاتصال في كل مجالات الحياة وتطور ما يعرف ب "المجتمع الشبكي"، وهو نوع من التنظيم الاجتمعي المعتمد أساسًا على الشبكات والعلاقات الافتراضية المتشكّلة تحت تأثير التكنولوجيا الحديثة. ويتميز هذا المجتمع بسهولة تبادل المعلومات والأفكار، ما يعزز معرفة الأفراد ومشاركتهم، وتنخفض فيه أهمية الهياكل الهرمية مقابل التنظيم الأكثر مرونة القائم على الشبكات والعلاقات غير الرسمية، الأمر الذي يشجّع على التعاون الجمعي والمشاركة الطوعية9. فوفقًا لمانويل كاستيل، تمّك ن الشبكات الرقمية الحركات الاجتمعية من التعبئة السرريعة والتواصل العابر للحدود وزيادة الوعي لدى المواطنين، وتوفير موارد رقمية جديدة (كالتمويل الجمعي والتطوع الرقمي)10؛ فتصبح السلطة أكثر عرضة للتأثر والمحاسبة. وهكذا، تصبح الموارد المتاحة للحركات الاجتمعية الشبكية مرتبطةً بالفضاء الرقمي من موارد رقمية للتمويل، وتعبئة المتطوعين والناشطين الرقميين Activists Digital، وتوليد المحتوى والانخراط في احتجاجات افتراضية. وفي المقابل، تتخلى الحركات الاجتمعية الشبكية عن الهياكل التنظيمية الرسمية لمصلحة الشبكات السائلة واللامركزية التي تعبّئ الموارد وتنسّق التحركات بفاعلية11. وتؤثّر هذه البيئة الشبكية أيضًا في الطريقة التي تصوغ بها الحركات قضاياها، فغالبًا ما توّظ ف الأطر العالمية والمحلية لتلقى صدى لدى جمهور متنوع12. وبهذا، تصبح الناشطية على الإنترنت Activism Online شكلًا من أشكال الحركات الاجتمعية الشبكية13 التي تسعى إلى التغيير عبرر نشر الوعي، وتنسيق الفعاليات، وحشد التأييد للحملات والمقاطعات14. لم يكن نموذج كاستيل بمنأى عن الانتقادات؛ لما يحمله من اعتقاد في الحتمية التكنولوجية Technological Determinism وتفاؤله المبالَغ فيه بقدرة التكنولوجيا على التحرير؛ إذ تجاهل حقيقة تعلّم النظم بسررعة كيفية توظيف الأدوات نفسها للقمع والمراقبة15، وقلّل من أهمية العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية16المؤثّرة في الحركات، ومن قدرة الأنظمة السلطوية على السيطرة على الفضاء الرقمي.

  1. Manuel Castells, The Rise of the Network Society (Oxford: Blackwell Publishers, 1996), p. 469; Schmidt & Cohen, pp. 75 - 85.
  2. W. Lance Bennett & Alexandra Segerberg, "The Logic of Collective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics," Information, Communication & Society , vol. 15, no. 5 (2012), p. 742.
  3. Guy Schleffer & Benjamin Miller, "The Political Effects of Social Media Platforms on Different Regime Types," Texas National Security Review , vol. 4, no. 3 (Summer 2021), p. 80.
  4. Philip Howard et al., "Opening Closed Regimes: What was the Role of Social Media During the Arab Spring?" Working Paper , no. 1, Project on Information Technology & Political Islam (2011), p. 9, accessed on 1/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2sSu
  5. للمزيد حول السمات الجديدة للحركات الاجتماعية في العصر الرقمي، ينظر: Amina G. Kagaba, "Social Movements in the Age of Digital Activism," Eurasian Experiment Journal of Humanities and Social Sciences , vol. 7, no. 3 (2025), pp. 86-90; Mohamed Zayani, "Social Movements in the Digital Age: Change and Statis in the Middle East," IEMed: Mediterranean Yearbook 2019 (2019), pp. 105-111; Marcelo Badaró Mattos, "New and Old Forms of Social Movements: A Discussion from Brazil,"  Critique , vol. 43, no. 3 - 4 (2015), pp. 485 - 499.
  6. Hedy Greijdanus et al., "The Psychology of Online Activism and Social Movements: Relations between Online and Offline Collective Action," Current Opinion in Psychology , vol. 35 (October 2020), p. 50.
  7. ينظر حول هذه الأطروحة: Evgeny Morozov, The Net Delusion: The Dark Side of Internet Freedom (New York: PublicAffairs, 2011).
  8. Nick Couldry, Media, Society, World: Social Theory and Digital Media Practice (Cambridge, MA: Polity Press, 2021).

وقد استدعى هذا النقد استحضار نموذجين آخرين: "الأخ الأكبرر" الذي قدّمه جورج أورويل في روايته الشهيرة 1948، و"البانوبتيكون" Panopticon لميشيل فوكو17. يجسّد الأول الرقابة الشاملة التي تمارسها الأنظمة القمعية على الفضاء الإلكتروني، عبرر قوانين مقيّدة، ومراقبة مستمرة، وتضليل إعلامي، وبث الخوف18، لم عن أيّ معارضة أو تفكير نقدي. إلا أنه يتجاهل فكرة "الفاعلية البشرية" Agency Human، وحقيقة أن الفرد لا يكون مقهورًا دائمًا أو خاليًا من أيّ وسائل لمقاومة السلطة خاصة في العصر الرقمي؛ ذلك أن الأفراد يطورون أدوات متنوعة للالتفاف على أدوات المراقبة، وتوظيف التكنولوجيا في التنظيم والتعبئة. أما نموذج البانوبتيكون فيشرح كيفية عمل السلطة عبرر المراقبة النفسية والاجتمعية؛ إذ يشعر الأفراد بأنهم مراقبون دومًا فيمرسون الرقابة الذاتية، ويتصرفون وفقًا لتوقعات السلطة. ويُعّبر عن هذا بوضوح في السياقات السلطوية عبرر تخوّف المستخدمين من التعبير عن آرائهم أو مشاركة معلومات حساسة. وينعكس هذا التأثير سلبيًا على الحركات الاجتمعية والناشطية على الإنترنت؛ إذ يحجم الأفراد عن التعبير عن آرائهم خوفًا من التعرض للعقاب. وتظهر عدة انتقادات عند تطبيق هذا النموذج على وسائط التواصل، فلا تؤدي المراقبة، بالضرورة، إلى الانضباط الذاتي الكامل؛ ذلك أن الأفراد يبحثون دائمًا عن طرق للالتفاف على الأنظمة الرقابية والتحايل عليها. وبينم صُمم البانوبتيكون لمراقبة قلةٍ لعدد كبير، فقد يحدث العكس؛ إذ تراقب الكثرة القلة، وهو ما أطلق عليه توماس ماثيسن نموذج "السينوبتيكون" Synopticon19. وتتيح وسائل الاتصال الحديثة والشبكات الاجتمعية للأفراد فرصة مراقبة النخب والشخصيات العامة، فتصبح المراقبة لامركزية. وهناك أيضًا رقابة الكل للكل، فلم تعُد المراقبة هرمية أو من جانب واحد، بل صارت موزعة وخاضعة لمشاركة الجميع في مراقبة الجميع "الأومنيوبتيكون" Omniopticon20. وفي حين تكون المراقبة في البانوبتيكون سلبية، فإنّ المراقبة على وسائط التواصل تكون أحيانًا من خلال التلاعب بالسلوك أو تشويش بيئة المعلومات. فتُستخدم الخوارزميات لتحديد المحتوى الذي يراه المستخدمون، بناء على بياناتهم الشخصية؛ ما يؤثّر في قراراتهم وسلوكهم. وبهذه الطريقة، يصبح المستخدمون جزءًا من عملية مراقبة معقّدة تؤثّر في سلوكهم وتوجّه قناعاتهم بطرق لا يدركونها21.

  1. استلهم فوكو هذا النموذج من الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام Bentham Jeremy، الذي قدّمه في القرن الثامن عشر، لعلاج عدد من المشكلات الاجتماعية، وفي مقدمتها زيادة قدرة عدد قليل من الحراس على مراقبة عدد كبير من السجناء. ووفقًا للنموذج، يُعزل السجناء في زنازن تحيط ببررج مراقبة مركزي، بحيث يمكن أن يراقب الحراس السجناء، من دون أن يراهم السجناء الذين يدركون أنهم قد يكونون تحت المراقبة في أيّ لحظة، وهذا جوهر الجانب التأديبي من البانوبتيكون، الذي يسعى إلى غرس شكل من "تدريب النفس"؛ فهو نظام مراقبة مركزية مرئية يضبط السلوك نتيجة للمراقبة أو نتيجة للضبط الذاتي أو الرقابة الذاتية. ينظر في ذلك: Kevin D. Haggerty, "Tear Down the Walls: On Demolishing the Panopticon," in: David Lyon (ed.) Theorizing Surveillance: The Panopticon and Beyond (Cullompton: William Publishing, 2006), p. 25.
  2. George Orwell, Ninteen Eighty-Four ([n. p.]: Global Grey, 2021).
  3. للمزيد حول نموذج السينوبتيكون، ينظر: Thomas Mathiesen, "The Viewer Society: Michel Foucault's 'Panopticon' Revisited," Theoretical Criminology , vol. 1, no. 2 (May 1997), pp. 215 - 234.
  4. Hagit Meishar-Tal & Alona Forkosh-Baruch, "Panopticon, Synopticon, and Omniopticon: A Conceptual Framework for Understanding the Utilization of Cameras and Video Recordings in Education,"  Educational Philosophy and Theory , vol. 56, no. 14 (2024), pp. 1391 - 1402.
  5. ينظر في ذلك: Rahma Dhian Karisma Putri, Andre Noevi Rahmanto & Sudarmo Sudarmo, "The All-Seeing Algorithm: Panopticon and Surveillance of the Docudrama 'The Social Dilemma'," Journal Evaluation in Education (JEE) , vol. 6, no. 1 (2025), pp. 159 - 165.

يفترض نموذج البانوبتيكون، مثله مثل نموذج الأخ الأكبرر، عدم فاعلية الأفراد واستسلامهم لتأثير المراقبة، وهذا ما يجعله قاصرًا عن استيعاب استراتيجيات التحايل والتخفي التي يلجأ إليها المستخدمون الرقميون، مثل عدم مشاركة معلومات معيّنة، أو إنشاء حسابات وهمية، أو استخدام أدوات مثل الشبكات الافتراضية الخاصةVPNs لتجنّب التعقب22. وهكذا، يمكن تحليل تأثير المراقبة والتحكم في الناشطية الإلكترونية، وفهم كيفية عملها من خلال تتبّع ملامح كل نموذج في الحالات محل الدراسة، وأثر ذلك في الحركات الاجتمعية. ويدور هذا التأثير حول ثلاثة أبعاد أساسية في نشاطها، هي: الوعي (يتعلق بجانب المعلومات)، والتعبئة (ترتبط بمقدار الحرية المتوافر والقدرة على التنظيم)، والقدرة على التفاعل والتأثير (يتعلق بالأطر والسررديات المستخدمة وتمثلات الهوية للحركة في مواجهة الأنظمة). وتتطلب دراسة كيفية ممرسة هذا التأثير التعرف، أول، ا إلى طبيعة وسائط التواصل المعقّدة وتأثيراتها في الناشطية على الإنترنت.

2. طبيعة شبكات التواصل الاجتمعي

تمكّن وسائط التواصل الأفراد من إنشاء محتوى وتبادل المعلومات والتفاعل لحظيًا، وهو ما مكّن بعض الفواعل الاجتمعية من إبراز وجودها وتنسيق جهودها بالتنقل بين العالمين الواقعي والافتراضي، مستفيدةً من الطريقة غير الهرمية التي تعمل بها هذه الوسائط. وقد طورت هذه الوسائط، نظرًا إلى ارتكازها على النموذج الرأسملي نفسه الهادف إلى تعظيم الأرباح عن طريق الدعاية والإعلان، العديد من الآليات والخوارزميات لاكتشاف أكثر الطرق فاعلية للاحتفاظ بالمستخدمين على منصاتها. والخوارزميات هي مجموعة من القواعد والحسابات التي تحدد المحتوى المناسب لكل مستخدم بناء على مجموعة من البيانات، مثل: اهتمماته، وتاريخ تصفحه السابق... إلخ23. وبناءً على ذلك، تُطوّر وسائط التواصل نوعًا من الثواب/ المكافأة (الإعجاب، المتابعة) والعقاب (قلة التفاعل)؛ ما يعطي أولويةً للتفاعل على حساب جودة المحتوى. وبمرور الوقت، تُظهر هذه الشبكات أسوأ ما في الأفراد، أو تسهم في المبالغة في السمت السلبية لديهم والتسبب في تغيير مستدام في طريقة تفكيرهم وتصرفهم24. ولعل السعي وراء الأكثر تداول Trending أكبرر مثال على ذلك؛ ففي سبيله يتبنّى الأفراد الأفكار أو الأفعال المثيرة للجدل لتحقيق مشاهدات عالية. وتتتبّع الخوارزميات أيّ تغييرات في سلوك المستخدمين، وقد يُتلاعب بسلوكياتهم ومراقبة بياناتهم على نحو دائم من أجل الربح ولأغراض الدعاية، وقد تفتح مج لًا للتصنيف الاجتمعي والتمييز من جانب الدولة25. ويعكس هذا التفاعل بين المنطق الرأسملي وفلسفة الخوارزميات تناقضًا بين الوعد بالتواصل الحر والواقع القائم على الاستغلال والرقابة. ولا تصحّ فكرة استخلاص البيانات والمعلومات الشخصية عن الأفراد وتحليلها مع مبادئ الخصوصية التي تدعمها الأفكار الليبررالية.

  1. للمزيد حول استراتيجيات مقاومة الرقابة، ينظر: Benoît Dupont, "Hacking the Panopticon: Distributed Online Surveillance and Resistance," in: Mathieu Deflem & Jeffrey T. Ulmer (eds.), Surveillance and Governance: Crime Control and Beyond (Bingley: Emerald Group Publishing Limited, 2008).
  2. دليلك إلى خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي في 2023 -2024،" أفق، 2023/11/16، شوهد في 2024/8/12، في: https://acr.ps/hBy2t9p
  3. Siva Vaidhyanathn, Anti-social Media: How Facebook Disconnects Us and Undermine Democracy (Oxford: Oxford University Press, 2018), pp. 4 - 6.
  4. Christian Katzenbach & Lena Ulbricht, "Algorithmic Governance," Internet Policy Review , vol. 8, no. 4 (December 2019), p. 6.

وقد تتسبب خوارزميات وسائط التواصل في تطور ما يعرف ب "فقاعات التصفية"، وهي حالة من الانعزال الفكري الناتجة من تخمين الخوارزميات للمعلومات التي قد يكون المستخدم مهتمًا بمشاهدتها اعتمدًا على المعلومات المخزنة عنه26؛ فيُعزل الأفراد عن المعلومات والآراء المخالفة؛ ما يعزز الاستقطاب المجتمعي27. ويتناقض ذلك مع ادّعاءات هذه الوسائط تعزيزَ المشاركة النشطة؛ حيث تضعف هذه العزلة من قدرة الحركات الاجتمعية على التعبئة بين قطاعات المجتمع المختلفة، في حين قد يتسبب تمكين هذه الشبكات للأفراد من إخفاء هويتهم في ضعف التعبئة الفعلية، لأن الفرد قد يتصرف على هذه المنصات على عكس تصرفه في الواقع، وهو ما يطلق عليه "الثنائية الرقمية" Dualism Digital28. ويربط بعض المحللين بين انتشار وسائط التواصل وتراجع الخطاب المدني؛ إذ تؤدي السررعة في مشاركة المحتوى إلى انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، وهو ما يعزز من سوء الفهم السياسي. وغالبًا ما تكون ردود الفعل الفورية مبنيةً على المشاعر بدلًا من العقل29، وهذا يفسرر انتشار الأخبار المزيّفة من دون تحقق. وتشوه الحسابات المزيفة والفواعل الافتراضية الآلية Bots تدفقات المحتوى؛ فقد ينضم الأفراد إلى خوارزميات الشبكات؛ ما قد يضخّم من الشعبية أو المعارضة لنظامٍ أو جهةٍ ما30. وقد تتلاعب الحكومات، وغيرها من الفاعلين السياسيين، بالمعلومات المتاحة على وسائط التواصل لتشويه وجهات نظر المستخدمين، وإبعادهم عن المعلومات الحساسة عبرر الإنترنت31. وأخيرًا، قد تؤثّر الشبكات في الهوية بإتاحتها مج ل لتمثيل الهوية والتعبير عنها، خاصة بالنسبة إلى المهمشين والأقليات. ومن المفارقة أن تسهم وسائط التواصل في دعم العمل الجمعي الخاص بمروّجي خطابات الكراهية والعنصرية الذين قد يسعون إلى أهداف مناقضة لما تسعى إليه الحركات الاجتمعية ذاتها. وهكذا، تحمل وسائط التواصل، والمنطق الذي بُنيت عليه، كثيرًا من بذور التناقض؛ فهي توفّر مساحة للتعبير الحر ومشاركة الأفكار، بما يعزز التنوع ويدعم الحركات الاجتمعية، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى انتشار المعلومات المضلّلة والخطابات السلبية، وهذا يؤدّي إلى زيادة الاستقطاب الاجتمعي ويؤثّر سلبيًا في الحوار العام. ومن ثم، تنطوي الشبكات على توتّر قائم بين فوائدها باعتبارها أدوات للربط والتمكين، والمخاطر المرتبطة بتعزيز الثقافة السطحية والاستقطاب الاجتمعي. فكيف تتجلى هذه التناقضات في الواقع السلطوي العربي؟

ثانيًا: الحركات الاجتمعية يف السياق السلطوي الرقمي العربي

شهدت المنطقة العربية تطورًا ملحوظًا في وسائط التواصل قبل ثورات الربيع العربي في عام 2011؛ إذ وفّرت فضاءً جديدًا للنقاش ومساحات افتراضية من التمكين الاجتمعي والسياسي تتحدى الرقابة الحكومية على الإعلام. وكشفت هذه الثورات عن الدور الذي تضطلع به وسائط التواصل في التوسط بين الأنظمة والحركات

  1. Pariser; Carly Okyle, "Are you Living in a Digital Bubble? This Flowchart Will Tell You," Entrepreneur , 11/6/2016, accessed on 10/9/2025 at: https://acr.ps/hBy2sT8
  2. Schleffer & Miller, p. 82.
  3. Greijdanus et al., p. 50.
  4. Zhuravskaya, p. 417.
  5. Vaidhyanathn, p. 102.
  6. Zhuravskaya, p. 429.

الاجتمعية؛ فقد حرّرت الناشطين من قيود الهياكل الهرمية للتنظيمت الرسمية، وسمحت بظهور روايات مضادة للرواية الرسمية؛ ما قوّض احتكار الأنظمة للحقيقة. وأعادت الحركات الاجتمعية الشبكية الروابط مع العمل النقابي، في بعض الحالات، تحديدًا مع قواعده العملية. ويعدّ الحراك في مدينة المحلّة المصرية، وتضامن حركة 6" أبريل" الشبابية مع إضراب العمل هناك في عام 2008، مث لًا د لا على ذلك32. فإذا كانت هذه فرصًا قدّمتها وسائط التواصل للحركات الاجتمعية في العالم العربي، فكيف يكون الأمر بشأن التحديات التي أنتجتها؟

1. الحركات الاجتمعية العربية بين "مطرقة" القوانين و"سندان" المراقبة والتعقب

وفّرت وسائط التواصل أدوات جديدة للمجتمعات لتحدّى الروايات الرسمية وكشف الممرسات القمعية. فعلى سبيل المثال، ركّزت مدونات مصرية عديدة، في فترة ما قبل ثورة 25 يناير 2011، على نشر مقاطع فيديو تُظهر وقائع التعذيب والقمع التي تمارسها السلطات الأمنية؛ ما أسهم في تعبئة الشارع وخلق بيئة داعمة للاحتجاج33، ودعم حراك المجتمع المدني34 قبل الثورة، من خلال تغطية فعاليات حركة "كفاية" وكذلك حراك القضاة. وفي السعودية، واجه المجتمع المدني قيودًا صارمة على حرية التعبير والتنظيم. واقتصرت الأنشطة، إلى حد بعيد، على بعض الجمعيات الخيرية والتطوعية المحدودة التأثير بسبب القوانين المقيّدة، وتبنّي الحكومة سياسة صارمة تجاه أيّ شكل من التعبير المستقل، وهو ما أثّر سلبيًا في قدرة المواطنين على تنظيم أنفسهم أو انتقاد السياسات الحكومية35. ومع ذلك، استخدم المواطنون منصات، مثل يوتيوب وفيسبوك، على نحو فعال خلال فيضانات مدينة جدة في عام 2009، لتوثيق الكارثة ومطالبة السلطات بالتحرك36، ولتنظيم أنفسهم والمساعدة في جهود الإنقاذ37. وفي حين حُظرت صور التنظيم السياسي التقليدي، اتجه العديد من ناشطي حقوق الإنسان آنذاك إلى وسائط التواصل للتعبير عن آرائهم. وفي الأردن، واجهت المنظمت المدنية قيودًا على حرية التعبير والتنظيم؛ إذ راقبت الحكومة الأنشطة المدنية وفرضت قيودًا على الفعاليات العامة، وهو ما أدى إلى تقييد قدرة الناشطين على ممرسة حقوقهم. ومع ذلك،

  1. Tim Eaton, "Internet Activism and the Egyptian Uprisings: Transforming Online Dissent into the Offline World," Westminster Papers , vol. 9, no. 2 (April 2013), pp. 7, 14.
  2. من أبرز هذه المدونات مدونة "الوعي المصري" للمدون والناشط وائل عباس في عام 2004، والتي ركزت على كشف ممارسات التعذيب في مراكز الشرطة وتجاوزات الأجهزة الأمنية في حق المعتقلين.
  3. عانى المجتمع المدني في مصر قيودًا شديدة على النشاط السياسي والاجتماعي قبل عام 2011، وواجهت منظمات عديدة تحديات كبيرة في الحصول على التراخيص اللازمة، إضافة إلى تدخّل السلطات في عملها على نحو متكرر، ما أدى إلى تقييد حرية التعبير والتنظيم. ومع ذلك، كانت توجد جهود ملحوظة لشباب ناشطين في تعزيز الوعي المجتمعي من خلال توظيف وسائل الإعلام الجديدة، مثل المدونات ووسائط التواصل، للتعبير عن آرائهم وتنظيم الفعاليات؛ ما ساعد في خلق مناخ من الحوار والنقاش. وكانت حركة 6" أبريل" واحدة من أبرز الحركات التي عارضت الفساد والاستبداد، ودعت إلى الإصلاحات السياسية والاجتماعية وتضامنت مع النضال العمالي.
  4. للمزيد حول حالة المجتمع المدني في المملكة العربية السعودية، ينظر: Caroline Montagu, "Civil Society in Saudi Arabia: The Power and Challenges of Association," Research Paper , Middle East and North Africa Programme, Chatam House (2015), accessed on 20/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2smA
  5. Freedom on the Net-Saudi Arabia," Freedom House (2011), p. 4, accessed on 20/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sDb
  6. Ibid., p. 5.

انتشرت المدونات والمواقع الإخبارية الخاصة، مثل موقع "أخبار عمون" التي أدت دورًا في نشر أخبار محلية مهمة38. ونتج من ذلك حراك مجتمعي، خاصة بين الشباب، تبلور لاحقًا في حركة 24" آذار" التي طالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية واسعة النطاق. لكن سرعان ما تبدّد زخم وسائط التواصل مع تشديد الأنظمة السلطوية رقابتها على الفضاء الرقمي، وتنكيلها بمن يحاول توظيفه في أيّ حراك معارض. وفي الوقت الذي تتطور فيه تقنيات الاتصالات الرقمية، تعزّز الحكومات أيضًا سيطرتها من خلال اللوائح والقوانين، والتقنيات المختلفة للرقابة. وهو الأمر الذي يستدعي صورة "الأخ الأكبرر" المراقب لحياة الأفراد على نحو مستمر. فهل يعّبر نموذج الأخ الأكبرر بحق عن هيكل الفرص السياسية للحركات الاجتمعية في الدول العربية محل الدراسة؟ نرصد فيم يلي تجليات هذا النموذج الرقابي وتأثيراته في الحركات الاجتمعية من خلال التركيز على: البيئة القانونية والسياسية، واستراتيجيات المراقبة39 والتعقب.

أ. البيئة القانونية والسياسية

يتفاوت هامش الحرية في الحالات محل الدراسة، سواء قبل الربيع العربي أو بعده، فأكثرها تقييدًا هي السعودية، والأفضل نسبيًا هو الأردن. ووفقًا لمؤشر الديمقراطية لعام 2010، جاءت السعودية في المركز 160 بين الدول السلطوية، ومصر في المركز 138، والأردن في المركز 11740. وعلى الرغم من التفاوت النسبي بين الحالات الثلاث، فإنها تشترك في استخدام أطر قانونية مقيّدة لحرية التعبير والتنظيم في الفضاء الإلكتروني. في السعودية، شدّدت الحكومة من قبضتها على محتوى الإنترنت، خاصة مع زيادة استخدام "تويتر"، آنذاك، في المملكة لمناقشة القضايا العامة والمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي. وبرز ذلك خلال احتجاجات الإقليم الشرقي عامَي 2011 و 2012، التي دُعي إليها عبرر وسائط التواصل؛ إذ خرج الآلاف في القطيف والعوامية للمطالبة بحقوق سياسية واقتصادية أكبرر، وإنهاء ما يرونه تمييزًا طائفيًا. لكن الحكومة واجهت الاحتجاجات، واعتقلت العديد من الناشطين وقدّمتهم إلى المحاكمة، ووضعت حدودًا صارمة على حرية التعبير والاحتجاج المنظّم41. وبحسب تقارير حقوقية دولية، اعتمدت السلطات أيضًا على خطاب طائفي خاصة بعد الربيع العربي، فقد قام رجال دين سنة معروفون بعلاقتهم مع السلطات باستهداف الشيعة في خطابهم ووصفهم بصفات تحرّض على الكراهية، وسمح بعضهم لأتباعهم على وسائط التواصل بمهاجمة الشيعة وشيطنتهم42. ولمّح بعض المسؤولين إلى وجود روابط بين الشيعة السعوديين وإيران43. ويرى باحثون أن استمرار السمح

  1. Reem Al Masri, "Online Public Engagement in Jordan," International Journal on Human Rights , no. 27 (July 2018), accessed on 7/10/2025 at: https://acr.ps/hBy2sTM
  2. تختلف المراقبة Surveillance عن الرقابة Censorship، حيث تشير الأولى إلى عمليات المتابعة للأنشطة أو الأفراد أو لجمع معلومات أو بيانات من خلال برمجيات وكاميرات، أما الثانية فتعني التحكم في تدفق المعلومات والمحتوى وم عن انتشاره من خلال قوانين، وأنظمة حجب.
  3. Economist Intelligence Unit, Democracy Index 2010: Democracy in Retreat (London: Economist Intelligence Unit, 2010), accessed on 28/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2tan
  4. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2013), accessed on 10/11/2025, at: https://acr.ps/hBy2smU; "Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2012), p. 4, accessed on 10/11/2025, at: https://acr.ps/hBy2sDv
  5. هيومان رايتس ووتش، "'ليسوا إخواننا': خطاب الكراهية الصادر عن المسؤولين السعوديين"، هيومان رايتس ووتش، 2017/9/26، شوهد في 2025/10/20 في: https://acr.ps/hBy2sU6
  6. أثار الأمير سعود بن نايف آل سعود، حاكم المنطقة الشرقية، جدل، ا بعد حادثة إطلاق النار من جانب مسلحين على فردَين من الشرطة في بلدة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، بقوله: "في الوقت الذي بلادهم تتعرض لما تتعرض له وتقف صفًا واحدًا خلف قيادتها، نجد أحفاد عبد الله بن سبأ المتلون الصفوي من يخرج بوجهه البشع، محاولين شق الصف". مقتبس من: Adam Coogle, "Saudi Arabia's War on Terror is Now Targeting Saudi Shia," Foreign Policy , 23/8/2017, accessed on 28/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2taH

للأصوات الطائفية على وسائط التواصل - على الرغم من الرقابة المعروفة والخطوط الحمراء للنظام - يشير إلى موافقة السلطات على هذا النوع من التشاحن الطائفي؛ إذ كان هدفها من ذلك مواجهة طموحات إيران في الخليج، وقمع المعارضة الداخلية، وعدم اتساعها من خلال إثارة خوف السّنة من المشاركة في الأنشطة المناهضة للحكومة44. ولم تسفر موجة الإصلاحات الاقتصادية45 والاجتمعية التي طرحها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمن، عن اتساع هامش الحرية، وبدا أن بعض هذه الإصلاحات قد استهدف توطيد السلطة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. وبات واضحًا، مع صدور قانون جديد لمكافحة الإرهاب في عام 2017، ميل الدولة إلى تعريف "الإرهاب" تعريفًا فضفاضًا يشمل مجموعة متنوعة من الأنشطة السياسية والاجتمعية والدينية السلمية46. واعتُقل فعلًا العديد من المثقفين والأكاديميين ورجال الدين وأعضاء من الأسرة الحاكمة في أيلول/ سبتمبرر.2017 وفي حين لم يُكشف عن أسباب الاعتقالات رسميًا، فإنها فُّسر ت بأنها نتيجة لانتقادهم سياسات الحكومة، أحيانًا عبرر منشورات على وسائط التواصل، وربما كانت حركات حقوق المرأة الأكثر ناشطية على الإنترنت في هذه المرحلة47، وذلك قد يجد تفسيره في الصورة الجديدة التي أراد ولي العهد رسمها للمملكة. وفي عام 2018، ن اختفى الصحافي السعودي جمل خاشقجي قسرًا في القنصلية السعودية في إسطنبول، ليتبّي لاحقًا أنه تعرّض للتعذيب والقتل. وبينم رجّحت تقارير حقوقية أن الحادثة قد جرت بتوجيه سياسي48، أشارت النيابة العامة في السعودية إلى أنه "عندما صدر أمر باستعادة المجني عليه بالإقناع، وإن لم يقت عن يعاد بالقوة، وأن الآمر بذلك هو نائب رئيس الاستخبارات العامة السابق الذي أصدر أمره إلى قائد المهمة"49. وبعد الحادثة، اتهمت تقارير حقوقية السلطات بتوظيف قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والأصوات المعارضة50. ولا تؤثّر البيئة القانونية والسياسية في قدرة الحركات الاجتمعية على التعبئة فحسب، بل إنها قد تقوّض الهوية الجمعية لهذه الحركات أيضًا. فقد تسبّب قانون الإرهاب المشار إليه في المزيد من التفكيك لهوية أيّ حركة اجتمعية معارضة، بحيث جرى الربط بين الكثير من الأنشطة المدنية المعارضة والإرهاب والتآمر الخارجي. ولذلك، لم تكن حركة الوسوم التي ظهرت بعد مقتل خاشقجي، كم سنشير لاحقًا، تستهدف شخصه

  1. David Commins, "Saudi Arabia's Sectarian Strategy at Home and Abroad: Rallying the Bases," MIT (September 2024), accessed on 27/9/2025 at: https://acr.ps/hBy2sne
  2. كشفت السعودية عن رؤيتها التنموية "رؤية 2030" في نيسان/ أبريل 2016. وشملت الخطة استراتيجيات زيادة التنافسية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وتنويع الدخل من مصادر غير النفط. للمزيد ينظر: "نبذة حول رؤية السعودية "2030، رؤية 2030، شوهد في 2026/4/27، ف:ي https://acr.ps/hBy2sDP
  3. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2017), accessed on 10/11/2025, at: https://acr.ps/hBy2sUK
  4. Ali Khalil & Leysan Khakimova Storie, "Social Media and Connective Action: The Case of the Saudi Women's Movement for the Right to Drive," New Media & Society , vol. 23, no. 10 (2021), pp. 3038 - 3061.
  5. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2018), accessed on 10/11/2025, at: https://acr.ps/hBy2sUK
  6. عام/ النيابة العامة: إيجاز بنتائج التحقيقات التي أجريت حتى تاريخه مع الموقوفين الواحد والعشرين في قضية مقتل المواطن جمال خاشقجي رحمه الله"، وكالة الأنباء السعودية، 2018/11/15، شوهد في 2025/10/11، في: https://acr.ps/hBy2sEt
  7. السعودية تصعّد في استخدام قانون مكافحة الإرهاب لقمع حرية الرأي والتعبير"، أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، 2022/12/13، شوهد في 2025/10/11، في: https://acr.ps/hBy2sV4

فحسب، ولكنها استهدفت الحركات الاجتمعية المهتمة بحقوق الإنسان في المملكة بإلصاق تُهم العملة والتآمر بها. وهذا كله يضعف القدرةَ على التعبئة ويقلل فرصَ نجاح الحركات الاجتمعية. أما بالنسبة إلى مصر، فقد أغلق المجال السياسي، إلى حد بعيد، بعد عامُ 2013؛ إذ وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عام 2015، على قانون مكافحة الإرهاب الذي يسمح بحجب أيّ موقع يمكن أن يحثّ على ارتكاب جرائم، مثل التحريض على العنف أو نشر رسائل إرهابية. وبموجبه، يحق للنيابة العامة مراقبة جميع أشكال الاتصالات، من الاجتمعات الخاصة إلى أنشطة الإنترنت وتسجيلها51. ويؤسّس كذلك قانون الجرائم الإلكترونية عام 2018، لرقابة سلطوية رقمية، ويعزز من سيطرة الدولة على حركة المرور على الإنترنت وبيانات المستخدمين، ويشدد الرقابة على الصحافيين والمدوّنين، ويجعلهم عرضة للملاحقة القضائية بتهمة نشر الأخبار الكاذبة52. ويسمح القانون بحجب المواقع الإلكترونية التي تهدد الأمن القومي أو الاقتصاد، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين من دون تعريف واضح لهذه التهديدات53. ويُلزم القانون المواقع بحفظ كل البيانات الخاصة بها مدة 180 يومًا متصلة وتسليمها للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ولجهات الأمن القومي من دون أمر قضائي54. ويلاحظ أنه بعد فترة وجيزة من صدور هذا القانون، حُكم على العديد من الصحافيين بالسجن بزعم "نشر أخبار كاذبة"، وجرت مقاضاة إعلاميين واستدعاؤهم للتحقيقات المتعلقة ببررامجهم ومقالاتهم55. وترسل هذه القوانين والإجراءات رسالة واضحة عن تقييد حرية التعبير على الإنترنت، والحدّ من هيكل الفرص السياسية للحركات الاجتمعية والناشطية على الإنترنت. وقد أصبح النشاط الرقمي والتعبئة السياسية أقل شيوعًا في السنوات الأخيرة بسبب حملات الشرطة والاعتقالات وأحكام السجن القاسية الصادرة في حق المتظاهرين وفقًا للقوانين الصادرة، والصلاحيات الواسعة التي أ عطيت للشرطة لقمع المظاهرات وفقًا لقانون صدر عام 201356. وتشبه القوانين الأردنية نظيراتها في السعودية ومصر؛ إذ تتسم نصوصها بالصياغات الفضفاضة لتقييد حرية التعبير على الإنترنت، وتشمل قوانين العقوبات والجرائم الإلكترونية وم عن الإرهاب، إضافة إلى بعض النصوص في قانون الإعلام المرئي والمسموع. ويُقيّد قانون الجرائم الإلكترونية، الذي صدر في عام 2010 وعُدّل في عام 2015، بشدّة الناشطية على الإنترنت وحرية التعبير57. ويعاقب القانون الصحافيين الذين تُنشر مقالاتهم في الفضاء الرقمي بعقوبات مالية رادعة وبالحبس كذلك58، ويحمّل رؤساء التحرير ومالكي المواقع مسؤولية

  1. أحمد صوان، "الاستبداد الرقمي في مصر... حظر الروايات الموازية للسررد الرسمي"، مصر 360، 2022/9/23، شوهد في 2025/10/15، ف:ي https://acr.ps/hBy2tbF
  2. المرجع نفسه.
  3. Elissa Miller, "Egypt Leads the Pack in Internet Censorship Across the Middle East," The Atlantic Council, 28/8/2018, accessed on 19/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2soc
  4. عمرو حمزاوي، "قانون جرائم تقنية المعلومات... استكمال حصار حرية التعبير عن الرأي في مصر"، مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط، 2018/12/3، شوهد في 2025/10/11، في: https://acr.ps/hBy2sEN؛ "حالة الرقابة على الإنترنت في مصر"، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2018/7/2، شوهد في 2025/10/11، في: https://acr.ps/hBy2tbZ
  5. تنفي مصر حبس الصحافيين بسبب عملهم، لكن الأمن المصري يحاكمهم ويسجنهم بتهم أخرى، مثل الانتماء إلى جماعات إرهابية، من دون ربطها مباشرة بعملهم بوصفهم صحافيين، ينظر: صوان.
  6. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2018), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sow
  7. طارق ديلواني، "ازدحام القوانين في الأردن يقيد حرية التعبير على الإنترنت"، إندبندنت عربية، 2021/10/23، شوهد في 2025/10/15، ف:ي https://acr.ps/hBy2sF7
  8. Freedom on the Net: Jordan," Freedom House (2016), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sVI

جميع المحتويات المنشورة على الإنترنت، بما في ذلك تعليقات المستخدمين، وهو ما يُخضع تعليقات القراء للقيود نفسها التي تنطبق على المحتوى الإخباري. وبعد تطبيق القانون، أ لقي القبض على عدد من الصحافيين واحتُجز آخرون بسبب منشورات على فيسبوك59. وفي آب/ أغسطس 2023، صدر قانون جديد متعلق بالجرائم الإلكترونية في الأردن يوسّع من نطاق الجرائم والصلاحيات التي تسمح للمدّعي العام بتحريك الدعاوى القضائية ضد الأفراد من دون شكوى شخصية عندما يتعلق الجرم بشخصيات أو هيئات حكومية. ويستحدث القانون عقوبات مشدّدة على جرائم مبهمة وفضفاضة الصياغة، من قبيل "نشر أخبار كاذبة"، و"إثارة الفتنة"، و"استهداف السلم المجتمعي"، و"ازدراء الأديان"60. وقد وجّهت السلطات الأردنية التّهم إلى المئات من الأشخاص بموجب هذا القانون بسبب منشورات على وسائط التواصل تنتقد السلطات، أو تعترض على اتفاق السلام مع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، أو تدعو إلى مظاهرات سلمية وإضرابات عامة61. وتتسبب ضخامة العقوبات المالية المقررة في حالة من الرقابة الذاتية بين المستخدمين والمدونين على المنشورات التي يشاركونها على وسائط التواصل؛ إذ يتجه عددٌ كبير من المستخدمين إلى عدم التصريح علانية بآرائهم في القضايا العامة خوفًا من التعرّض للملاحقة أو التضييق. وقد وسّعت التعديلات التي أ دخلت على قانون مكافحة الإرهاب من تعريف هذه الجريمة، لتشمل أيضًا ما يتعلق باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتهديد علاقات البلاد بدول أخرى62. وعمومًا، قد يُعاقب الأفراد في الأردن على بعض المنشورات التي تتعلق بالقضايا السياسية الحساسة، ولكن الاستجابة غالبًا ما تكون أقل حدّة من الحالتين السعودية والمصرية، إضافة إلى أن تنفيذ الاعتقالات يجري في نطاق محدود إذا ما قورن بهم.

ب. المراقبة والتعقب والقمع

تعزز الأنظمة السلطوية سلطتها عبرر المراقبة والتعقب وقمع المعارضة. وقد أتاح التطور التكنولوجي مراقبة المواطنين وجمع معلومات دقيقة عن الأنشطة والتوجهات العامة؛ ما سهّل اكتشاف أيّ حراك معارض واتخاذ إجراءات رادعة تجاهه. ويؤدي الشعور بالرقابة المستمرة إلى تعزيز الخوف بين المواطنين، فيصبحون أكثر ترددًا في التعبير عن آرائهم أو المشاركة في أيّ أنشطة سياسية. ويتجاوز التعقب الرقمي المراقبة، ليشمل تتبّع الأنشطة عبرر الإنترنت والتفاعل مع المحتوى، وينجم عنه القمع الذي يُستخدم لإحباط الحركات الاجتمعية؛ إذ يُستهدف الناشطون أو المعارضون على نحو مباشر. وتعتبرر ممرسة المراقبة والتعقب في السعودية جزءًا أساسيًا من سيطرة الدولة على الفضاء الرقمي؛ ما يعزز ثقافة الرقابة الذاتية بين المواطنين؛ إذ يتجنبون مناقشة القضايا الحساسة أو الانتقاد العلني. فعلى سبيل المثال، طلبت السلطات في أيلول/ سبتمبرر 2017 من المواطنين والمقيمين مراقبة وسائط التواصل لرصد التعليقات الهدّامة ضد الدولة، وإبلاغ السلطات عنها63.

  1. Ibid.
  2. الأردن بعد عام من صدوره، قانون الجرائم الإلكترونية يخنق حرية التعبير"، منظمة العفو الدولية، 2024/8/13، شوهد في 2025/10/10، ف:ي https://acr.ps/hBy2soQ
  3. المرجع نفسه.
  4. Freedom on the Net: Jordan."
  5. السعودية تدعو للإبلاغ عن المحرضين على مواقع التواصل"، الجزيرة نت، 2017/9/13، شوهد في 2025/10/20، في: https://acr.ps/hBy2sW2

وتوظّف السعودية قدراتها المالية في شراء تقنيات متقدمة لمراقبة حسابات الناشطين وتعقّبهم64. ففي كانون الأول/ ديسمبرر 2022، دانت محكمة أميركية مديرًا سابقًا في تويتر بالتجسس لمصلحة السعودية، ونقل معلومات سرّية لتحديد هويات أشخاص من مستخدمي تويتر تتعقّبهم الأجهزة الأمنية، وتحديد مواقعهم65. وتستغل السعودية نفوذها المالي في تكوين تحالفاتٍ تكشف عن الاقتصاد السياسي لشبكات التواصل. فقد اتّهم بعض الناشطين منصتَي تويتر وفيسبوك بالتواطؤ مع السلطات السعودية في مراقبة المحتوى على الإنترنت وإزالة الوسوم، أو تعليق الحسابات، التي قد تنتقد سياسات المملكة أو شخصيات سعودية معيّنة66. ويبرّر الناشطون ذلك بأنّ المملكة مستثمر رئيس في تويتر ("إكس" حاليًا)؛ إذ تسيطر شركة الأمير الوليد بن طلال على نحو 4 في المئة من أسهم المنصة منذ عام 202267. وقد باع الوليد، بعد احتجازه في عام 2017، ما نسبته 16.87 في المئة من أسهم شركته إلى صندوق الاستثمرات العامة. وبهذا، جرى ربط ولي العهد السعودي بملكية المنصّة لأنه يترأس مجلس إدارة هذا الصندوق68. وقد أفادت تقارير صدرت عقب مقتل خاشقجي أنّ لجانًا إلكترونية مرتبطة بالحكومة قد وُظّفت لملاحقة الآراء المعارضة على الإنترنت، وحُددت لها قوائم بأسمء بعينها لاستهدافها69، وكانت خطيبة خاشقجي، خديجة جنكيز، من بين المستهدفين70. وفي مصر، تسمح البيئة التنظيمية للاتصالات للحكومة بمراقبة الفضاء الرقمي إلى حٍّدٍ بعيد، والوصول إلى بيانات المستخدمين من الشركات من دون اتّباع الإجراءات القانونية اللازمة؛ إذ يجب على الأفراد عند تسجيل عنوان إلكتروني باستخدام نطاق مصرeg تقديم بياناتهم الشخصية وصورة من وثيقة الهوية71؛ ما يسهّل الرقابة على الفضاء الرقمي والوصول إلى معلومات عن المستخدمين. وتستخدم السلطات أيضًا البررمجيات التي تتيح استخدام تقنية الفحص العميق للحزم حتى تزيد قدرتها على تحديد الموقع الجغرافي للمستخدمين وتتبّعهم، ومراقبة محتوى الإنترنت، واختراق العديد من تطبيقات المحادثات والحواسيب والهواتف المحمولة والتجسس عليها، وعلى الرسائل النصية ورسائل البرريد الإلكتروني، وغيرها. وقد أظهرت وثائق مسرربة في عام 2015 من شركة "هاكينغ تيم" Team Hacking شراء دولة الإمارات بعض هذه البررامج وتقديمها إلى الحكومة المصرية. وكشفت تقارير أيضًا عن استخدام الحكومة المصرية لبررمجية التجسس "بيغاسوس" Pegasus التي تنتجها إحدى الشركات الإسرائيلية72.

  1. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2020), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2tcD
  2. السعودية: حملة قمع مروعة تطال حرية التعبير عبرر الإنترنت"، منظمة العفو الدولية، 2023/2/14، شوهد في 2025/10/14، ف:ي https://acr.ps/hBy2spa
  3. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2018). على سبيل المثال، أشار المعارض السعودي عمر عبد العزيز، في كانون الأول/ ديسمبرر 2017، إلى إزالة تويتر وسمًا انتقد فيه تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه. وادّعى كذلك المعارض السعودي المقيم في لندن غانم الدوسري م عن فيسبوك وصوله إلى حسابه مدة تسعة أشهر.
  4. Digital Forensic Research Lab, "Pro- Saudi X Accounts Repeatedly Harassed Activist and Fiancée of Murdered Journalist Jamal Khashoggi," DFRLab , 22/12/2023, accessed on 19/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sFL
  5. Dina Sadek, "Suspicious Twitter Accounts Promote Saudi Arabia, Call for Reinstating Saud Al- Qahtani," DFRLab , 4/10/2023, accessed on 19/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2tcX
  6. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2018).
  7. Ahmed Al-Rawi, "Disinformation under a Networked Authoritarian State: Saudi Trolls' Credibility Attacks against Jamal Khashoggi," Open Information Science , vol. 5, no. 1 (2021), pp. 140 - 162.
  8. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2019), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2spu
  9. محمد طاهر، "مصر: تاريخ طويل من مراقبة الإنترنت والاتصالات،" أكسس ناو، 2020/10/6، شوهد في 2025/10/12، في: https://acr.ps/hBy2sG5

واعتمد النظام، إلى حد بعيد، منذ عام 2013، على نشر الخوف والمراقبة الذاتية، وهذا يجعل المواطنين حذرين تجنّبًا للاتهامات الفضفاضة التي يُعلن عنها على نحو متكرر، من قبيل "نشر أخبار كاذبة"، و"الانضمم إلى جمعة محظورة"، و"إساءة استخدام وسائط التواصل". ووفقًا لتصريحات وزير داخلية سابق، سعت الوزارة إلى إنشاء نظام للرقابة لمكافحة الإرهاب وحمية الأمن القومي باستخدام محركات بحث للكشف عن الأنشطة غير القانونية وتعقّب الأفراد الذين يستخدمون هذه الكلمت في اتصالاتهم73. وأصدر النائب العام المصري مرسومًا في عام 2018 يطالب فيه المدّعين العامين بالتركيز على القضايا المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة، ويحثّ على إنشاء وحدة لرصد منصات وسائط التواصل وأنشطتها ومراقبتها74، و"شبكة جمع الشائعات" ليُبلّغ المواطنون عن الأخبار الكاذبة والشائعات، ما يعني نشر الرقابة أفقيًا بين المواطنين فيم بينهم75. وخلال التظاهرات التي دعا إليها المقاول محمد علي76، في أيلول/ سبتمبرر 2019، صادرت الشرطة أجهزة هواتف محمولة كانت لدى المارة في الشوارع، وُأ جبرروا على فتح هواتفهم وحساباتهم على وسائط التواصل للتدقيق فيها بحثًا عن أيّ دلائل تشير إلى وجود اتجاهات معارضة للنظام77. وتضغط الحكومة، في بعض الأحيان، على المواقع الإلكترونية، أو تطلب إزالة محتوى معين غير مرغوب فيه. فعلى سبيل المثال، سحبت السلطات المصرية، في آذار/ مارس 2020، ترخيص صحيفة الغارديان، وأجبررت مراسلتها الصحافية روث مايكلسن على مغادرة البلاد بعد نشرها معلومات عن دراسة  شكّكت في صحة البيانات الرسمية عن حالات فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في مصر78. وتعرّض مكتب تويتر في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في دبي لانتقادات لدوره في تمكين بيئة الرقابة في مصر من خلال تعليق مئات المستخدمين المصريين المنتقدين لحكم السيسي79. أما الأردن فيُعدّ أكثر اعتد لًا من الحالتين السعودية والمصرية فيم يتعلق بالمراقبة. ومع ذلك، تسمح اللوائح الجديدة الصادرة في عام 2018 للسلطات بمراقبة مستخدمي تطبيقات الرحلات، مثل "أوبر"، والوصول إلى بياناتهم الشخصية والجغرافية. وفي تقرير صدر في عام 2018 عن منظمة "معمل المواطن" Lab Citizen الكندية لمراقبة الإنترنت، كان الأردن واحدًا من أصل 45 دولة تأثرت ببررنامج المراقبة بيغاسوس المستخدم في التجسس على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وأفراد المعارضة، وحتى بعض المسؤولين80. وكشفت

  1. Egypt's Plan for Massive Surveillance of Social Media," Amnesty International, 4/6/2014, accessed on 29/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2sWG
  2. Open Technology Fund, "The Rise of Digital Authoritarianism in Egypt: Digital Expression Arrests from 2011-2019," Global Freedom of Expression , Columbia University, 16/11/2019, accessed on 25/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2tdh
  3. مي السعدني، "في عصر 'الأخبار الكاذبة'.. مصر تفرض الرقابة وتكمم الأفواه"، معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، 2018/6/1، شوهد في 2025/10/15، في: https://acr.ps/hBy2spO
  4. مقاول مصري تعاون في السابق مع الجيش في الإنشاءات والمقاولات. ظهر على حسابه الشخصي على فيسبوك عدة مرات لمطالبة المصريين بالتظاهر في الشارع ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، متهمًا إياه وقادة آخرين في القوات المسلحة المصرية بالفساد. وقد تراجع تأثير محمد علي كثيرًا وفشل، إلى حٍّدٍ بعيد، في تشكيل حركة اجتماعية تدفع في اتجاه التغيير لافتقاده قاعدةً تنظيمية تدعمه داخل مصر.
  5. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2020), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sGp
  6. السلطات المصرية تجبرر مراسلة 'الغارديان' على الرحيل بسبب تقرير حول كورونا"، القدس العربي، 2020/3/27، شوهد في 2026/4/29، ف:ي https://acr.ps/hBy2sX0
  7. Yahia Dabbous, "Digital Infrastructure Aligns with Oppression in Egypt," Zenith , 18/11/2019, accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBxMw1K
  8. Freedom on the Net: Jordan," Freedom House (2020), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sq8

إحصاءات فيسبوك تقديم الحكومة الأردنية في الفترة 2019 - 2020 ما يقرب من 500 طلب لمعلومات عن حسابات فردية على الشبكة ومستخدمي المنصة81. تمارس السلطات الأردنية طريقة الضغط أيضًا، حتى على أفراد النخبة والعائلة المالكة، من أجل إزالة أّي محتوى غير مرغوب فيه. فعلى سبيل المثال، حذف الأمير علي بن الحسين، الأخ غير الشقيق للملك، تغريدة نشرها في آب/ أغسطس 2020 مع رابط لمقال يندد بالتطبيع الإماراتي - الإسرائيلي. وبحسب مصادر إعلامية، أمر الملك بحذف التغريدة حفاظًا على العلاقة مع أبوظبي، وتكشف التقارير عن مراقبة المخابرات الأردنية اتصالات الأمير حمزة، الأخ غير الشقيق للملك، عدة أشهر قبل الكشف عن محاولة الانقلاب المزعومة82.

2 ي. البيئة المعلوماتية للحركات الاجتمعية ف السلطويات العربية: تحديات القمع الرقمي

تحاصر الأنظمة السلطوية الحركات الاجتمعية الشبكية بالقوانين والتشريعات والتقييد، كم تحاصرها رقميًا من خلال ممرسة الحجب والرقابة المتزايدة، والتشويش على البيئة المعلوماتية، وكذلك القمع. وهنا تؤدي البنية التحتية الرقمية دورًا مهمًا في الكيفية التي يجري بها هذا القمع الرقمي.

أ. البنية التحتية للقمع الرقمي

يعتمد انتشار الإنترنت وإدارته على نموذج الإدارة. ففي الأنظمة المركزية، تدير الحكومة أو هيئة تنظيمية واحدة الإنترنت، ما يمنحها السيطرة على البنية التحتية والبيانات. ويُستخدم هذا النموذج، في أغلب الأحيان، في الدول التي تسعى إلى الرقابة على المحتوى وم عن الوصول إلى المعلومات غير المرغوب فيها. وفي المقابل، توزع الأنظمة اللامركزية التحكم في الإنترنت على مجموعة من الأطراف، بما يتيح للشركات الخاصة والمجتمعات المحلية المشاركة في إدارة الشبكة وتطوير الخدمات. ويُعدّ هذا النظام أكثر تعزيزًا لحرّية الوصول إلى المعلومات؛ إذ يكمن أن يعّبر الأفراد عن آرائهم ومشاركة أفكارهم من دون قيود مشددة. تتبنى السعودية ومصر النموذج المركزي، فترتبط الأولى بالإنترنت من خلال مزودَين من مزودي خدمات البيانات على مستوى الدولة، وهم شركة "سلام" - الاتصالات المتكاملة سابقًا - و"بيانات الأولى". ومُيّك ن هذا الوضع السلطات من الرقابة، حتى م عن الوصول إلى الإنترنت باعتباره وسيلة عقاب أيضًا83. وتحرص هيئة الاتصالات وتقنية المعلوماتCommunications, Space, and Technology Commission, CITC المسؤولة عن توفير الوصول إلى الإنترنت للقطاع الخاص على عدم تجاوز أيّ خدمة للبيئة التنظيمية للبلاد لأحكام الرقابة، وهو ما يفّسر موقفها من خدمات الاتصال عبرر بروتوكول الإنترنت Internet over Voice VoIP Protocol,. فقد حُظر استخدام تطبيق "فايبرر" لإجراء المكالمات في عام 2013، وجرى تقييد مكالمات

  1. ديلواني.
  2. Freedom on the Net: Jordan," Freedom House (2021), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sGJ
  3. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2021). على سبيل المثال، أشيع في عام 2020 أن السلطات السعودية ألغت كل حسابات أفراد قبيلة الحويتات على وسائط التواصل بعد انتقادهم مشروعًا حكوميًا ينجم عنه تهجير الآلاف من المواطنين. ينظر:.Ibid.

"واتساب" منذ عام 2015، وفُرضت قيود على تطبيقات أخرى مثل "تليغرام" الذي واجه تقييدًا في السررعة منذ عام 2016؛ ما م عن مشاركة الملفات والصور84. وتتبنى مصر أيضًا النموذج المركزي، ما يسهّل من عملية المراقبة والحجب؛ إذ تمتلك الشركة المصرية للاتصالات، التي تملكها الدولة، كل البنية التحتية للاتصالات، وتؤجّر التراخيص لمقدّمي خدمة الإنترنت الرئيسين في البلاد – مثل "اتصالات مصر"، و"فودافون"– الذين يعيدون بيع النطاقات إلى مزوّدي خدمة الإنترنت الأصغر. وتمتلك الشركة 45 في المئة من أسهم شركة "فودافون مصر" صاحبة أكبرر حصة للاتصالات في سوق الهاتف المحمول. وفي شباط/ فبرراير 2019، وُضعت بنية الاتصالات تحت ملكية هيئة مشروعات الخدمة الوطنية، التي تديرها وزارة الدفاع؛ ما يرسّخ قبضة الدولة على قطاع الاتصالات85، ويحمل الكثير من الرسائل لأّي حراك على الإنترنت. أما الأردن، فيختلف عن الحالتين السابقتين؛ إذ ينَّظ م قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفقًا لسياسات السوق الحرة التي تبنّتها الحكومة منذ أواخر التسعينيات للترويج للأردن باعتباره مركزًا إقليميًا لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومركزًا للمحتوى العربي على الإنترنت في المنطقة86. ووفقًا لهذا النموذج، تُقَدَّم خدمات الإنترنت عبرر شركات خاصة تبعًا لآليات السوق التنافسية، وينحصر دور الدولة في منح التراخيص للشركات، واعتمد أجهزة الاتصالات المستخدمة. ويهيمن على السوق ثلاثة من مقدّمي الخدمات لديهم حصص متساوية: "أمنية"، و"زين"، و"الاتصالات الأردنية". وتعود ملكية الأخيرة بنسبة 51 في المئة إلى شركة "فرانس تيليكوم"، في حين تنقسم الحصص المتبقية بين المؤسسة العامة للضمن الاجتمعي الأردنية والقوات المسلحة وآخرين87. ويفّسر هذا الأمر لجوء الأردن، في أغلب الأحيان، إلى أساليب قمع ناعمة لا تضرّ كثيرًا بالصورة التي يروج بها لنفسه على أنه سوقٌ للمحتوى الرقمي الحر والمفتوح.

ب. الرقابة والحجب

يؤثّر حجب المواقع الإلكترونية في فرص نجاح الحركات الاجتمعية، لأنه يحدّ من قدرتها على التواصل وتنظيم الفعاليات وتعزيز الوعي؛ إذ يقوّض الحجب قدرة الناشطين على تبادل المعلومات وخلق شبكة من الدعم والمشاركة؛ ما يعزل الحركات الاجتمعية عن القواعد الشعبية ويقلّل من فرصها في التعبئة. وتطبّق السعودية رقابة شديدة عن طريق التحكم في المحتوى بالحجب والحظر، وقد اعتادت منذ دخول الإنترنت حظر المواقع التي تحتوي مواد "ضارة"، أو "غير قانونية"، أو "مناهضة للإسلام"، أو الناقدة للعائلة المالكة أو أيّ من عائلات الخليج الحاكمة88، هذا إضافة إلى حجب المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتمعي التابعة لمنظمت حقوقية أو سياسية89. وقد مارست الحجب بوضوح في أعقاب ثورات الربيع

  1. على الرغم من الإعلان، في عام 2017، عن السماح لخدمات الاتصال عبرر بروتوكول الإنترنت بالعمل باعتباره جزءًا من خطة الإصلاحات الاقتصادية لتعزيز بيئة الأعمال، فإن بعضها لا يزال مقيدًا. ويواجه دخول سوق الاتصالات السعودي بعض العقبات التنظيمية أيضًا. "Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2016).
  2. Freedom on the Net: Egypt," (2020).
  3. Al Masri.
  4. Freedom on the Net: Jordan," Freedom House (2017), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sXk
  5. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2012), p. 5.
  6. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2017).

العربي، مع إقدام فئة من السعوديين على الدعوة إلى التظاهر باستخدام وسائط التواصل، فحجبت السلطات، على الفور، تلك الصفحات واعتمدت آليات تصفية صارمة لم عن تسرّب المحتوى السياسي الحساس إلى الداخل90. وتضاعف عدد المواقع المحجوبة، بما في ذلك المواقع الإخبارية الدولية والمحلية، بعد مقتل خاشقجي؛ حيث حُظر الوصول مؤقتًا إلى بعض وسائل الإعلام الدولية، وبعض حلقات البررامج على المنصات الشهيرة التي تعرّضت لهذه القضية91. ويؤثّر الحجب بشدة في أصحاب المواقع المعارضة من خلال جعلهم تحت ضغوط مالية؛ إذ يمكن أن تطلب الحكومة من المعلنين إلغاء إعلاناتهم على مواقع معيّنة للضغط عليهم. وتحدّ القيود المفروضة على التمويل الأجنبي من استدامة هذه المواقع أيضًا92. وإضافة إلى ذلك، يمارس مشرفو الأخبار على الإنترنت ومالكو المواقع الحظر والتنقية؛ إذ يُتوقع منهم حذف المحتوى غير المناسب أو غير المتوافق مع معايير المجتمع، حتى لا يُحَمَّلوا أيّ مسؤولية قانونية. وينتج من ذلك الاحتفاظ بالتعليقات المؤيدة للحكومة فحسب. وُتامرس مصر أيضًا حجب المواقع، وتفرض قيودًا على المحتوى الرقمي. ويلاحظ عمومًا زيادة هذه الممرسة في فترات التوتر. وقد حُظرت المواقع الإخبارية أول مرة في عام 2015، تحديدًا موقع جريدة العربي الجديد93. وبعد الأزمة السياسية مع قطر في عام 2017، حظرت مصر 21 موقعًا إخباريًا بزعم الترويج للإرهاب، بما في ذلك موقع قناة الجزيرة القطرية. وقد تصاعد الحجب إلى مستويات غير مسبوقة قبل الانتخابات الرئاسية في آذار/ مارس 2018، ليكون جزءًا من حملة قمع واسعة النطاق على حرية التعبير والمجتمع المدني94. ثم تصاعد الحجب، مرةً أخرى، قبيل الاستفتاء الدستوري في نيسان/ أبريل 2019، في محاولة لقمع أيّ حركة معارضة للتعديلات المعيبة95. وفي أيلول/ سبتمبرر 2019، حدثت اضطرابات في تطبيق رسائل فيسبوك Messenger Facebook وغيره من تطبيقات تقنية الصوت عبرر بروتوكول الإنترنت، ومواقع إخبارية أخرى في أعقاب مظاهرات مناهضة للحكومة دعا إليها محمد علي96. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2020، حُجب موقع وتطبيق "تليغرام"، وهو من أشهر التطبيقات المشفّرة الواسعة الانتشار في العالم، على شبكات "وي" و"فودافون" و"أورانج"97. وبخلاف ما حدث أثناء ثورة 25 يناير، لم يحدث قطع الاتصال بالإنترنت على نطاق واسع. ولكن تكرر قطع السلطات لشبكات الاتصالات في شبه جزيرة سيناء، بدعوى م عن استخدام الجمعات المتطرفة لها98. وقبل الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، علّقت الحكومة خدمة "الأساسيات المجانية" Basics Free، التي أطلقتها فيسبوك في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، والتي تسمح للمستخدمين بالوصول إلى بعض المواقع والتطبيقات

  1. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2012), p. 4.
  2. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2019), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2s9R
  3. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2016).
  4. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2017), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sqs
  5. حالة الرقابة على الإنترنت في مصر."
  6. من أهم ما تضمنته التعديلات السماح للرئيس السيسي بالترشح لإعادة انتخابه حتى عام 2030، ومنحه المزيد من السلطة على القضاء، وتعزيز دور الجيش في السياسة.
  7. Freedom on the Net: Egypt," (2019).
  8. مي عامر، "'فقط... المعرفة التي نرغبها': عن سياسة الدولة المصرية في حجب مواقع الإنترنت"، مبادرة الإصلاح العربي، 2025/1/27، شوهد في 2026/4/25، في: https://acr.ps/hBy2sH3
  9. Freedom on the Net: Egypt," (2017).

على الإنترنت مجانًا. وأعلنت الحكومة آنذاك أن التعليق يرجع إلى مشكلة في الترخيص، في حين أفادت رويترز أن الحكومة المصرية علّقت الخدمة بعد رفض الشركة تمكينها من التجسس على المستخدمين99. أما في الأردن، فيمرَس الحجب في الأساس أثناء فترات الاضطرابات الداخلية؛ لم عن انتشار المحتوى الذي قد يؤجّج الاحتجاجات ويزعزع الاستقرار. فعلى سبيل المثال، حدث انقطاع في خاصية البث المباشر لفيسبوك لاستخدامها في بثّ الاحتجاجات100 التي شهدتها البلاد في عام 2018101. وحُجب أيضًا تطبيق "كلوب هاوس" منتصف آذار/ مارس 2021 على خلفية الجدل الذي ثار بعد وفاة مصابين بفيروس كورونا المستجد في أحد المستشفيات الحكومية بسبب نقص الأكسجين. وحجبت الحكومة كذلك تطبيق "تيك توك"، في كانون الأول/ ديسمبرر 2022، بعد اتهامه بالتحريض على العنف خلال الاحتجاجات التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وتوجد أيضًا استراتيجية م عن النشر، ففي عام 2016 نُفّذ أمران لم عن النشر عن القوات المسلحة والملك، بحيث يقتصر نشر أخبارهم على النشرات الرسمية الصادرة عن الديوان الملكي. وتحظر هيئة الإعلام كذلك نشر أيّ تقرير عن القوات المسلحة باستثناء التصريحات التي يُدلي بها المتحدث الإعلامي، ويشمل الأمر شبكات التواصل الاجتمعي والمواقع الإلكترونية الأخرى102. ومع محاولة انقلاب مزعومة في عام 2021 وإعلان تورّط الأمير حمزة، قُطعت شبكة الإنترنت يوَميَن في القسم الغربي من عّم ن حيث يقيم، وأفادت بعض التقارير تعذّر الوصول إلى خدمات الشبكة الخاصة الافتراضية VPNخلال ذلك الوقت103. وأصدر المدّعي العام حظرًا على نشر أيّ معلومات تتعلق بالواقعة وم عن مشاركة أيّ مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية متعلقة بالقضية على وسائط التواصل104. ولا يعني تزايد قدرات الأنظمة على الحجب أن تصبح مجموعات الناشطين والحركات الاجتمعية بلا حيلة؛ إذ تحاول الأخيرة استغلال الإمكانات المتاحة للتحايل على الحجب، مثل الاعتمد على صفحات الجوال المتسارعة AMP Pages, Mobile Accelerated لأنها تعرض روابط بديلة من الروابط الأصلية التي تظهر في نتائج محركات البحث105، أو استنساخ المواقع عن طريق تغيير اسم النطاق. صحيح أن الحكومات قد تكتشف ذلك وتحجب الخدمة نفسها، لكن سرعان ما يبدأ الناشطون في التفكير في حلول أخرى ويتبادلون المعلومات حولها106. وقد أصبح العديد من مستخدمي الإنترنت بارعين في استخدام أدوات التحايل التي تتيح للمستخدمين الوصول إلى شبكة خاصة افتراضية لتجاوز الرقابة، على الرغم من عدم قانونية استخدامها. وقد تتخذ مقاومة الحجب والرقابة أشك لًا أخرى مثل السخرية، وينتشر هذا الأسلوب على نحو خاص في الحالة المصرية. فعلى سبيل المثال، تصدّر وسم #(نحا_متراقبين ا)

  1. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2016), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sXE
  2. Freedom on the Net: Jordan," Freedom House (2018), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sab
  3. أعلنت أكثر من 30 نقابة عمالية إضرابًا عامًا احتجاجًا على مشروع قانون ضريبة الدخل، وتسبّبت الاحتجاجات في استقالة الحكومة وسحب مشروع القانون.
  4. Freedom on the Net: Jordan," (2018).
  5. Freedom on the Net: Jordan," (2021).
  6. Ibid.
  7. حالة الرقابة على الإنترنت في مصر."
  8. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2016). جعل تحوّل الشركات نحو توحيد التواصل المشفر عبرر HTTPS من حجب الصفحات الشخصية غير مُجدٍ؛ إذ يصعب تقنيًا على السلطات حجب صفحات فردية على نطاق HTTPS، بدلًا من نطاق HTTP العادي.

(نحن مراقبون) المرتبة الأولى في مصر في حزيران/ يونيو 2014 بعد ساعات من تصريحات لمسؤولين عن نيّتهم فرض مراقبة إلكترونية على وسائط التواصل107.

ج. إغراق البيئة المعلوماتية وتشويشها: حرب الوسوم

لم يعد التلقين هدفًا أساسيًا للكثير من الأنظمة السلطوية بقدر ما تهدف إلى التحكم في بيئة المعلومات وتوجيهها، أو جعل وجهة نظر معيّنة تبدو كأنها تحظى بدعم واسع108. وهذا بالطبع له تأثيراته المباشرة في التنسيق والتعبئة للحركات الاجتمعية. فكيف تتحكم السلطويات العربية في بيئة المعلومات؟ اتهمت "فريدم هاوس" الحكومة السعودية، إضافة إلى الرقابة على المعلومات، بتوجيه المعلومات Channeling من خلال الاستثمر في وسائل إعلامية على الإنترنت، وتقديم الدعم المالي لمواقع إخبارية معروفة لتعزيز سرديتها للأحداث109. وتداولت الأخبار توظيف الحكومة السعودية مديري "ويكيبيديا" المقيمين فيها للسيطرة على المعلومات عن المملكة على الإنترنت110. وتمثّل قضية مقتل خاشقجي مستوى آخر من تشويش بيئة المعلومات؛ فبعد ساعات قليلة من اختفائه، بدأت حملات، تبدو ممنهجة، للتشكيك في صدق الرواية باعتبارها م حسررية مدبّرة من جهات خارجية، ولتشويه صورته باعتباره إرهابيًا وعميلًا أجنبيًا... إلخ، واستمرت هذه الحملات من خلال ما يطلق عليه "الذباب الإلكتروني السعودي"111 حتى بعد مقتله ببضعة أشهر. ويلاحظ في هذا السياق ما يمكن أن نسمّيه التحالف الإقليمي للدعم السلطوي؛ إذ حصل الذباب الإلكتروني السعودي على دعم من مستخدمين آخرين، مثل بعض القنوات الإماراتية والمصرية112. وحرصت الحكومة على المحافظة على البيئة المضطربة للمعلومات من خلال استهداف الناشطين المرتبطين بحركة "خلية النحل"، التي أسّسها خاشقجي لمكافحة المعلومات المضللة وكشف متصيّدي وسائط التواصل الموالين للنظام113. وقد اكتُشف دور الذباب الإلكتروني مع إزالة فيسبوك، في عام 2019، عددًا من الحسابات والصفحات المرتبطة بالحكومة السعودية، وحظر تويتر في العام نفسه آلاف الحسابات المرتبطة ب "جهود التلاعب المدعومة من الدولة"، والتي تعمل من السعودية ومصر والإمارات، لتضخيم الرسائل المؤيّدة للسلطات السعودية أمام الرأي العام المحلي والدولي114. وتحافظ السعودية كذلك على حضور نشط على الإنترنت من خلال "لجنة إلكترونية" تؤيّد الحكومة باستمرار. ويلجأ أعضاء هذه اللجان إلى أساليب عدة لتحقيق أهدافهم، منها "تسميم الوسوم"؛ بحيث يجري إغراق

  1. سكينة ب، "'ا نحا متراقبين' هاشتاج مصري يسخر من مراقبة الداخلية لمواقع التواصل "، برلمان، 2014/6/2، شوهد في 2026/4/28، ف:ي https://acr.ps/hBy2sqM
  2. Jennifer Earl, Thomas Maher & Jennifer Pan, "The Digital Repression of the Social Movements, Protest, and Activism: A Synthetic Review," Science Advance , no. 8 (2022), pp. 1 - 15.
  3. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2018).
  4. Freedom on the Net: Saudi Arabia," Freedom House (2023), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sHn
  5. يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى مجموعة من الحسابات أو البررامج الآليةBots التي تُستخدم للترويج لمحتوى معّين أو نشر معلومات، غالبًا بطريقة غير موثوقة أو مضللة.
  6. Al-Rawi, p. 151.
  7. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2022).
  8. Ibid.

الوسوم الرائجة برسائل معارضة، أو غير ذات صلة بموضوع الوسم، للتشويش على الوسم الأصلي بواسطة الحسابات الآلية والمزيفة115. وقد ظهر توظيف هذه الاستراتيجيات بدرجة كبيرة عقب نشر الاستخبارات الأميركية ملخص تقريرها عن مقتل خاشقجي116. فسررعان ما تصدّر وسم #"كلنا_محمد_بن سلمن" موقع تويتر في السعودية، وردّد كثيرون في تعليقاتهم أن التقرير "اعتمد على استنتاجات وعبارات ظنية" ولم يقدّم أدلة، وأنه "محاولة لاستهداف" ولي العهد والمملكة117. وتظهر أيضًا استراتيجية إغراق البيئة المعلوماتية وتشويشها إلى حد بعيد في مصر. ففي ظل المناخ السياسي القمعي والتقييد على أيّ نوع من الناشطية منذ عام 2013118، أصبحت الوسوم ومواقع التواصل السلاح الوحيد المتاح لمعارضي النظام للتعبير عن آرائهم، أو حتى للسخرية من النظام وسياساته. ويؤدي توظيف النظام نفسه لمثل هذه الوسوم إلى تزييف البيئة المعلوماتية والوعي العام، وإظهار شعبية قد لا تعكس الواقع عبرر شبكة من المجموعات أو الأشخاص الذين يعملون لتضليل الآخرين، غالبًا باستخدام حسابات وهمية. وتتنافس كتلتان أساسيتان على شبكات التواصل في مصر: مؤيدة للنظام، وأخرى مناهضة له119. وقد برز التنافس بين الوسوم بدرجة كبيرة مع ظهور محمد علي وحديثه عن الفساد ودعوته إلى التظاهر. فسررعان ما ظهرت وسوم معارضة للرئيس أبرزها: #"ارحل_يا_سيسي"، و#"خليك_في_الشارع" (ابق في الشارع)، و#"محمد_علي_فضحهم"، و#"اطمن_انت_مش_لوحدك" (اطمئن أنت لست وحدك). وبالسررعة نفسها رد الموالون للنظام بحملة وسوم مؤيدة أبرزها: #"محدش_نزل" (لم ينزل أحد)، و#"محمد_علي_كذاب"، و#"الشعب_يريد_إعدام_الإخوان"، و#"خاف_انت_لوحدك"120. ويتلاعب كٌّلٌ من السلطويين والمناهضين للاستبداد بالمجال العام الرقمي في مصر بدرجات مختلفة؛ إذ أشارت التقارير إلى أن الحكومة هي الطرف "الأكبرر والأكثر تطورًا" في التلاعب بالمحتوى121. وهذا ما تأّك د عندما اتخذ منصتَا تويتر وفيسبوك طوال عامَي 2019 و 2020 إجراءات ضد آلاف الحسابات والصفحات التي تتلقى توجيهات من الحكومة المصرية أو ترتبط بها122. ويسعى النظام من خلال منافسة الوسوم المعارضة إلى تفكيك أيّ شكل من أشكال التمسك الاجتمعي الذي يمكن أن يعزز من حركة اجتمعية معارضة. ويعتمد في هذا السياق، إلى جانب القمع، على إضعاف السرردية المعارضة

  1. Freedom on the Net: Saudi Arabia," (2018).
  2. خلص التقرير إلى أن ولي العهد السعودي وافق على عملية في إسطنبول لاعتقال الصحافي السعودي جمال خاشقجي أو قتله.
  3. هاشتاغ 'كلنا محمد بن سلمان' يتصدر تويتر في السعودية بعد نشر تقرير خاشقجي"، العربية نت، 2021/2/26، شوهد في 2025/10/25، في: https://acr.ps/hBy2sXY
  4. أشارت بعض التقارير إلى شركات متخصصة في إدارة المعارك الإلكترونية في مصر لها علاقة بجهات أمنية مصرية، وبعضها بتمويل إماراتي، ينظر: "Clash of State Trolls: UAE Funding Exposed in Egypt," Reports , Alestiklal, accessed on 29/4/2026, at: https://acr.ps/hBy2sav
  5. Joey Shea & Alexei Abrahams, "Disinformation Wars in Egypt: The Inauthentic Battle on Twitter Between Egyptian Government and Opposition," Just security , 26/10/2020, accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sr6
  6. كيف تقيم نتيجة الدعوة للتظاهر ضد النظام في مصر"، بي بي سي عربي، 2020/9/25، شوهد في 2025/10/25، في: https://acr.ps/hBy2sHH
  7. Freedom on the Net: Egypt," Freedom House (2022), accessed on 25/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sYi
  8. Shea & Abrahams.

وتفكيكها، لتفشل في التعبئة أو كسب المناصرين. وقد استغل النظام حالة الاستقطاب، وشجع أيضًا عليها، التي مرّت بها البلاد في أعقاب ثورة 25 يناير، والتي قسّمت الحركة الاحتجاجية التي نجحت في إسقاط الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك إلى قسمين كبيرين: إسلامي وعلمني. وتعمّق هذا الشق مع انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 وما ترتب عليه من إقصاء للتيار الإسلامي الرئيس الممَّثَل في جمعة الإخوان المسلمين. وأخذت السرردية الرسمية في تصوير أيّ نشاط احتجاجي أو ناقد للحكومة على وسائط التواصل بأنه من تدبير "الخلايا الإخوانية" للتآمر على الدولة وإسقاطها. وأصبحت الوسيلة لتشويه أيّ شخصية سياسية أو أيّ من الناشطين هو الاتهام ب "الانتمء إلى الجمعة المحظورة". وكذلك أخذ النظام في خلخلة رابطة الميدان - ميدان التحرير - التي كانت بمنزلة هوية جمعية للناشطين، من خلال التشكيك تدريجيًا في ثورة 25 يناير ومن قاموا بها، ومحاولة طمس رمزيتها. ويتشابه الأردن مع مصر في أن الوسوم من الطرق الأساسية التي يعّبر بها الأردنيون عن آرائهم. فقد تصدّر، على سبيل المثال، وسم #"مع_المعلم" بعد احتجاجات المعلمين وإضرابهم للمطالبة بتحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب. وتصاعدت حرب الوسوم جليًا مع أزمة الانقلاب المزعوم في عام 2021. ومثل الحالتين السعودية والمصرية، جرى ربط السلطات الأردنية أيضًا بشبكات غير موثوقة على وسائط التواصل تروّج لمحتوى يمدح الملك والجيش وينتقد الأمير حمزة. فقد أعلن فيسبوك، في حزيران/ يونيو 2021، عن إزالة عدة حسابات وصفحات ومجموعات على صلة بالجيش الأردني123. وركّزت الوسوم المؤيدة للنظام الأردني خلال الفترة 2023 - 2020 على موضوعات تتعلق بالاستقرار السياسي والاقتصادي، ودعم رؤية الملك في "التحديث السياسي"، و"التحديث الاقتصادي"، و"حمية الأردن". وغالبًا ما دارت هذه الوسوم حول الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة، والانتخابات، والمواقف الرسمية للأردن تجاه القضايا الإقليمية لتعزيز الثقة بالنظام الحاكم. وكان وسم #"مع_الملك" أشهرها وجرى تداوله في خضمّ بعض التحديات السياسية والاقتصادية، إضافة إلى وسوم أخرى، مثل #"لأردن_أولًا "ا، و#"حمية_الأردن"، و#"أبو_حسين_قايدنا"، كانت تدعو إلى الوحدة الوطنية ودعم الدولة في مواجهة التحديات الإقليمية والداخلية. ويعّبر وسم "الأردن أول"ا عن الأيديولوجيا الوطنية للنخبة السياسية الحاكمة التي تكرّس، عن طريق خطابات شعبوية، الخلط بين الوطن والنظام والمجتمع. حملت "حروب الوسوم" ميراث تجاذبات الهوية في الأردن، طالما اتسمت بإشكالية "أردني - فلسطيني"، وقد أسهمت النخبة الحاكمة، إلى حد بعيد، في تكريسها في مراحل تاريخية عديدة، أهمها فترة السبعينيات عندما عملت هذه النخبة على تقسيم كامل للعمل على أساس هوياتي124. فأصبح انعدام الثقة الكامن بين الأردنيين من أصول شرق أردنية والأغلبية ذات الأصول الفلسطينية عاملًا رئيسًا في تشكيل مسار الحركات الاجتمعية وحدودها في المملكة. ولذلك، عندما دعت الحكومة إلى إظهار الولاء للملك رًّدًا على احتجاجات الحراك، أفصح أنصار الملك عبرر وسائط التواصل عن عزمهم فضّ الاعتصام، واصفين الناشطين ب "الخونة الفلسطينيين"125، إضافة إلى حملة التشويه والتحريض ضد المظاهرات وربطها بجهات خارجية126.

  1. Sadek.
  2. شاكر جرار، "الأحزاب السياسية ومسألة الهوية في الأردن: الهروب إلى الأمام"، جدلية، 2016/2/21، شوهد في 2025/10/25، ف:ي https://acr.ps/hBy2saP
  3. Yazan Doughan, "The New Jordanian Patriotism After the Arab Spring," Middle East Brief , no. 134, Crown Center for Middle East Studies (March 2020), accessed on 20/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2srq
  4. عثمان قباجي، "أولويات الحراك الإصلاحي الأردني بين الأيديولوجيا والديمغرافيا"، الجزيرة نت، 2023/1/29، شوهد في 2025/10/25، في: https://acr.ps/hBy2sI1؛ أحمد خليف عفيف ومحمد عبد الكريم محافظة ونبيل على العتوم، "الحراك الشعبي الأردني 2011 - 2014 (دراسة تحليلية في مؤثرات التراجع والانحسار")، مجلة أبحاث العلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية بغزة، مج 31، العدد 3 (2023)، ص 168 -.192

استفاد النظام من الانقسامات داخل الحراك بحسب أولوية الأهداف؛ ففي حين رّك زت المعارضة الإسلامية على الإصلاحات السياسية، اهتم اليساريون والوطنيون الأردنيون والعشائريون بقضايا الفساد والإصلاحات الاقتصادية الاجتمعية. وبينم أعطت حركات المتقاعدين العسكريين والتيار الوطني التقدمي أولوية لقرار فك الارتباط مع الضفة الغربية تخوفًا من سيناريو الوطن البديل، انحاز أبناء المحافظات والعشائر إلى قضايا البطالة والفقر وضعف الخدمات، والفجوة بين الأغنياء والفقراء، والخوف على الهوية الوطنية. وفي المقابل، مثّل سؤال المواطنة والحقوق والتمثيل أولويةً لدى الأردنيين من أصول فلسطينية127. واعتمد النظام على فكرة المؤامرة لإضعاف الحركات الاجتمعية، فقد صُورت أزمة الأمير حمزة على أنها مؤامرة خارجية على استقرار البلاد لمعاقبة الملك على رفضه مسار التطبيع. وقد ظهرت في تلك الفترة مجموعة من المعارضين في الخارج، ضمّت بعضًا من الإعلاميين الأردنيين، تبنّوا خطابًا أكثر راديكالية يستهدف الملك والأجهزة الأمنية. وحظيت تلك الأصوات باهتمم كبير بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية الحادة التي واجهها النظام، وتلاقي خطاب المعارضة الخارجية والاحتجاجات الداخلية، وأزمة الأمير حمزة، خاصة في شرق الأردن الذي شكّل تاريخيًا القاعدة الاجتمعية لجهاز الدولة128. وقد ظهر ذلك بوضوح في التغريدات على وسم #"أين_الأمير_حمزة" التي شارك فيها عدد من الحسابات من خارج الأردن روّجت للأمير في صورة المخلّص المستحق للحكم. وهكذا، تسعى الأنظمة إلى تعطيل تدفّق المعلومات وطمس المحتوى الأصلي وتشويش الوعي، بما يؤثّر سلبيًا في الحركات الاجتمعية والناشطية على الإنترنت. ومع ذلك، أطلق الناشطون مبادرات لمكافحة الأخبار الكاذبة والإشاعات والتحقق من صدق التصريحات الرسمية. ففي السعودية، أطلق المدون ريان عادل، في عام 2012، منصة "هيئة مكافحة الإشاعات" لمحاربة الشائعات على مواقع التواصل من خلال السمح للمواطنين بالإبلاغ عنها. وتستخدم المنصة عدة مصادر للتحقق من النصوص والمعلومات129. وفي مصر، ظهرت مبادرة "متصدقش" (لا تصدق)130 للحد من التأثير الضار للأخبار والقصص المفبرركة والمعلومات المضللة، وتوعية المواطنين بطرق الكشف عن المعلومات المزيفة. وترصد منصة "صحيح مصر" المستقلة التصريحات والأخبار والمعلومات الكاذبة والمضللة المتداولة في الفضاء العام المصري وتصحّحها، وتُخضع تصريحات المسؤولين والسياسيين وصنّاع القرار والإعلاميين والشخصيات ذات التأثير للتدقيق، فتصحّح المعلومات الخاطئة والمضللة في تلك التصريحات131. وتهدف مبادرة "فتبيّنوا" في الأردن، التي أُطلقت في عام 2014، إلى "تنقية المحتوى العربي على الإنترنت من الإشاعة والأخبار الكاذبة والخرافات، لتكون مصدرًا أساسيًا للقرّاء في العالم العربي لتمييز الحقيقة من الزّيف"132.

  1. Doughan.
  2. عمرو نبيل الحكمي، "الأردن والتحولات الإقليمية والعالمية"، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2023/9/19، شوهد في 2025/10/25، ف:ي https://acr.ps/hBy2sYC
  3. عمرو أحمد الأنصاري، 5" منصات لمكافحة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة في زمن كورونا"، شبكة الصحفيين الدوليين، 2020/7/18، شوهد في 2025/10/25، في: https://acr.ps/hBy2sb9
  4. منصة إعلامية مستقلة أسسها الصحافي المصري الراحل محمد أبو الغيط في عام 2018، مع مجموعة من شباب الصحافيين المستقلين. ينظر: متصدقش، شوهد في 2026/4/29، في: https://acr.ps/hBy2srK
  5. للمزيد ينظر: "من نحن"، صحيح مصر، شوهد في 2026/4/29، في: https://acr.ps/hBy2sIl
  6. للاطلاع، ينظر: "حول فتبينوا"، فتبينوا، شوهد في 2026/4/29، في: https://acr.ps/hBy2sYW

خاتمة

تعكس وسائط التواصل في الحالات المدروسة مزيجًا معقّدًا من نماذج المجتمع الشبكي، والأخ الأكبرر، والبانوبتيكون. فتعكس، من جهة أولى، خصائص المجتمع الشبكي الذي يمّك ن الأفراد من تجاوز القيود التقليدية على حرية التعبير والتواصل، ويوفّر للحركات الاجتمعية فرص الوصول إلى جمهور أوسع وتبادل المعلومات وتعبئة الجمهير. ومن جهة ثانية، يتجلى نموذج الأخ الأكبرر في استخدام الحكومات السلطوية هذه المنصات أدواتٍ للرقابة والتجسس. وتخلق مراقبة الأنظمة للمحتوى والمستخدمين بيئة من الخوف، ما يحدّ من حرية التعبير ويعزز الرقابة الذاتية بين الأفراد. ومن جهة أخرى، تظهر ملامح للبانوبتيكون حيث تستخدم وسائط التواصل أداةً للمراقبة الدائمة؛ إذ يدرك الأفراد إمكانية خضوع أيّ نشاط أو منشور رقمي لرلتفتيش والمحاسبة من جانب السلطات في أيّ لحظة؛ ما يعزز الامتثال للنظام والخوف من القمع. وتفّس هذه الطبيعة المتشابكة الأثر المتناقض لوسائط التواصل في الحركات الاجتمعية في السياق السلطوي للحالات الثلاث. ويتوقف التفاوت في التأثير ما بين التقييد والتمكين والنجاح والفشل على عدد من العوامل، مثل البنى القانونية والسياسية، والبنية التحتية الرقمية، وتماسك الحركات الاجتمعية وعلاقتها بالمجتمع المدني. فكلم كانت البيئة القانونية والسياسية أقل قمعًا نسبيًا، ازدادت قدرة الحركات الاجتمعية على توظيف وسائط التواصل في نشر الوعي، والتعبير عن الآراء، وربما أيضًا التعبئة والدفع بالتغيير، وهو ما يتوافق مع الافتراض الثاني للدراسة، ويرتبط الأثر هنا بدرجة وعي النظام بأهمية هذه المنصات؛ ومن ثم درجة سيطرته على تكنولوجيا المعلومات. وقد جاءت موجات الربيع العربي لتكون "جرس إنذارٍ" للأنظمة عن أهمية هذه الوسائط وخطورة أن يكون للناشطين اليد العليا فيها. وفي مصر، على سبيل المثال، كان يوجد قمع رقمي قبل عام 2011، لكنه لم يكن بالمستوى نفسه الذي شهدته البلاد بعد عام 2013. وربما ساعد هذا على تبلور جهود الناشطين في ثورة 25 يناير التي أطاحت مبارك. وفي الأردن، اتسمت البلاد بدرجة أقل من القمع الرقمي مقارنةً بالدول الأخرى؛ إذ كان الفضاء الرقمي مفتوحًا نسبيًا، لأن محاولات السيطرة على الإنترنت كانت محدودة وغير منهجية. وقد تغّير الوضع، نسبًّيًا، بعد عام 2011؛ إذ بدأ الأردن في تشديد القمع الرقمي استجابةً للاضطرابات الإقليمية وتصاعد النشاط السياسي والاجتمعي على الإنترنت. فأصبحت الحكومة أكثر اهتممًا بمراقبة الفضاء الرقمي، واتخذت خطوات ملموسة لتعزيز سيطرتها عليه. إلا أن مستوى القمع ظل أقل من دول أخرى في المنطقة، وهو ما يفّسر تجدد الحركات الاجتمعية الاحتجاجية من وقت إلى آخر. وفي السعودية، وُجد القمع الرقمي قبل عام 2011، ولكنه كان أقل تطورًا من حيث الأدوات المستخدمة مقارنةً بالفترة التي تلت ذلك. وتبنّت المملكة نهجًا رقابيًا قويًا، لكنه كان يرّك ز على نحو رئيس على المواقع الإلكترونية الدينية والسياسية، مع بعض الاهتمم بالتنظيم الرقمي الذي قد يهدد النظام. وعلى الرغم من صدور قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في عام 2007، الذي كان يهدف إلى تقنين الرقابة على الإنترنت وتوفير أداة قانونية للحكومة لمعاقبة المخالفين، فإن تنفيذ القانون كان محدودًا نسبيًا قبل عام 2011. لكن بعده، شددت السعودية القمع الرقمي ووسّعت نطاقه ليشمل أدوات جديدة وطرقًا متطورة. وقد أصبحت الحكومة أكثر حزمًا في التعامل مع النشاط الرقمي، وكثّفت أعمل المراقبة والاعتقالات، ووضعت قوانين جديدة للتعامل مع التهديدات الرقمية. ويتضح من الدراسة، أيضًا، دور إدارة الإنترنت - مركزية أو لامركزية - في تحديد مستويات القمع الرقمي وأساليب الرقابة المفروضة، بما يثبت الافتراضين الثالث والرابع المتعلقين بالبنية التحتية الرقمية ونوعية

الرقابة. ويسمح النظام المركزي لإدارة الإنترنت المطبّق في السعودية ومصر بفرض سيطرة شبه شاملة على الفضاء الرقمي من خلال حجب المواقع، ومراقبة وسائط التواصل، وتنفيذ الاعتقالات على نطاق واسع. في المقابل، يعتمد الأردن على نموذج أكثر لامركزية، ما يؤدي إلى استخدام أساليب رقابية ناعمة وقمع محدود مقارنةً بمصر والسعودية. وبناء على ذلك، يمكن القول إن المركزية في إدارة الإنترنت تسهّل تطبيق أساليب قمع رقمي أكثر فاعلية وشمولية، ومن ثم أكثر تقييدًا للحركات الاجتمعية والناشطية على الإنترنت، في حين تمنح اللامركزية مرونةً أكبرر في إدارة الفضاء الرقمي، وإن كانت تظل أيضًا تحت سيطرة الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والسياسة. وهذا قد يعطي بعض الفرص للحركات الاجتمعية والناشطية على الإنترنت..ُتبُررز الحالات الثلاث الأثر السلبي أو الإيجابي لتوظيف وسائط التواصل في الهوية الجمعية للحركة الاجتمعية ففي حين مكّنت هذه الوسائط الحركات الاجتمعية، في البداية، من صياغة "نحن" أصحاب المطالب وبناء سردية مشتركة حول الظلم السياسي والاقتصادي، فإنها أسهمت أيضًا في تجزئتها. في السعودية، ساعدت وسائط التواصل في تمكين الفئات الأكثر تهميشًا، مثل الشيعة، على التعبير عن هوية جمعية. ولكن هذا الأمر نفسه كان سببًا في عدم توسّع قاعدة الحركة الإصلاحية وأصبح مدخلًا للنظام لتشويه أيّ مطالب إصلاحية. وفي مصر، استفاد النظام من الانقسامات، وربما شجّع عليها، داخل الحركة الثورية، والتي وّظ ف فيها كل طرف وسائط التواصل لتشويه الطرف الآخر، الأمر الذي أضعف الهوية الجمعية للحركة الثورية. وفي الأردن، ساعدت وسائط التواصل على بداية تبلور هوية جمعية بشأن قضايا الإصلاح للحراك تتجاوز خطوط التقسيم الخاصة بأردني - فلسطيني. إلا أنها سرعان ما تعرّضت لتحديات بسبب الانقسامات الداخلية؛ ما أضعف هذه الهوية. ومع جهود الأنظمة في المراقبة والرقابة والتشويش على بيئة وسائط التواصل، استُخدمت هذه المنصات لبثّ الخلافات بين الحركات أو تعميقها؛ فأسهم ذلك في تفكك الهوية الجمعية وإضعاف الحراك الشعبي. يعتمد نجاح توظيف الحركات الاجتمعية لوسائط التواصل للتأثير في الأنظمة السلطوية كذلك على علاقتها بالمجتمع المدني ودرجة الحرية التي يتمتع بها الأخير. ولا يساعد ضعف المجتمع المدني الشديد على تبلور الحركات الاجتمعية وتوسعها والاستفادة من مزايا وسائط التواصل مثلم هو الوضع في السعودية. وفي مصر، على الرغم من القيود التي عاناها المجتمع المدني قبل عام 2011، فإنه أدى دورًا مهمًا في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ونشر الوعي السياسي، وهو ما ساعد في توعية المجتمع وجعله أكثر استعدادًا للمطالبة بالتغيير. وعبررت حركة 6" أبريل" عن التكامل بين تنظيمت العمل والحركات الاجتمعية النشطة على الإنترنت؛ إذ جرى نقل المطالب ونشر الصور وزيادة الوعي عن الحراك العملي والانتهاكات التي تمت في حقه في إضراب المحلة في عام 2008. ولذلك، استهدف النظام منظمت المجتمع المدني بعد عام 2013، وقيّد من قدراتها وأنشطتها، وهو ما انعكس على ضعف الحركات الاجتمعية وفقدانها للقدرات التنظيمية على الأرض. وفي الأردن، يتسم المجتمع المدني بالنشاط النسبي، وإن كان لا يخلو من القيود، ولكن هامش الحرية المتاح له أكبرر من الحالتين المصرية والسعودية. ولذلك، تلاقت جهود المجتمع المدني مع الحراك الاجتمعي، واستطاعوا الدفع ببعض المطالب. ومن ثم، كلم كان المجتمع المدني قويًا ومنظمًا ويتمتع بقدر من الحرية في الحركة، زادت فرص الحركات الاجتمعية في النجاح والاستفادة من وسائط التواصل. أصبح الفضاء الرقمي فضاءً متنازعًا عليه بين الحركات الاجتمعية الطامحة إلى التغيير، والأنظمة الساعية إلى الحفاظ على استقرارها وسيطرتها. ولم تعد الأنظمة تكتفي بمراقبة المعارضة على الإنترنت وقمعها، بل

أصبحت تتنافس مع الحركات الاجتمعية ومجموعات الناشطين. وانتقلت ساحات الصراع، في الكثير من الحالات، من الميدان إلى الفضاء الرقمي؛ إذ يحاول كل طرف التكيّف مع التقنيات والتكتيكات الجديدة والاستفادة منها. وفي حين تكثّف الأنظمة جهودها لمكافحة المعارضة عبرر الإنترنت من خلال أدوات الاستبداد الرقمي المتطورة، يواصل الناشطون والمعارضون إيجاد طرق جديدة للالتفاف على الرقابة والتعبير عن أنفسهم وتنظيم الحركات، بما يعكس حالة من السيولة في العلاقة بين الطرفين، وفي استراتيجيات كل منهم، بحيث يمك ننا الحديث عن ناشطية سائلة، ورقابة سائلة، ومراقبة سائلة، وقمع سائل. وعلى الرغم من أن النتائج النهائية لهذه المعركة غير مؤكدة حتى الآن، فإنها تشير إلى أن النضال من أجل الحرية والديمقراطية والتغيير في العالم العربي يمرّ بمرحلة تحوّل تتفاعل فيها قوى الاستبداد والتغيير على نحو متزايد من خلال الفضاء الرقمي. ولا يقتصر هذا التفاعل على المستوى القومي أو المحلي، بل له أبعاد إقليمية، وعالمية أيضًا، تستحق دراسة مستقبلية متأنية.

المراجع

العربية

زكاغ، بشرى. الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتمعي/ السياسي في المغرب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

عفيف، أحمد خليف ومحمد عبد الكريم محافظة ونبيل على العتوم. "الحراك الشعبي الأردني 2011 - 2014 (دراسة تحليلية في مؤثرات التراجع والانحسار.") مجلة أبحاث العلوم الإنسانية. الجامعة الإسلامية بغزة. مج 31، العدد 3.)2023(

الأجنبية

Al-Rawi, Ahmed. "Disinformation under a Networked Authoritarian State: Saudi Trolls' Credibility Attacks against Jamal Khashoggi." Open Information Science. vol. 5, no. 1 (2021).

Al Masri, Reem. "Online Public Engagement in Jordan." International Journal on Human Rights. no. 27 (2018). at: https://acr.ps/hBy2sTM

Badaró Mattos, Marcelo. "New and Old Forms of Social Movements: A Discussion from Brazil." Critique. vol. 43, no. 3 - 4 (2015).

Bennett, W. Lance & Alexandra Segerberg. "The Logic of Collective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics." Information, Communication & Society. vol. 15, no. 5 (2012).

Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell Publishers, 1996.

________. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. Cambridge, UK: Polity Press, 2012.

Cinelli, Matteo et al. "The Echo Chamber Effect on Social Media." Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS). vol. 118, no. 9 (2021). at: https://acr.ps/hBy2skk

Couldry, Nick. Media, Society, World: Social Theory and Digital Media Practice. Cambridge, MA: Polity Press, 2021.

Deflem, Mathieu & Jeffrey T. Ulmer (eds.). Surveillance and Governance: Crime Control and Beyond. Bingley: Emerald Group Publishing Limited, 2008.

Doughan, Yazan. "The New Jordanian Patriotism After the Arab Spring." Middle East Brief. no. 134. Crown Center for Middle East Studies (2020). at: https://acr.ps/hBy2srq

Earl, Jennifer, Thomas Maher & Jennifer Pan. "The Digital Repression of the Social Movements, Protest, and Activism: A Synthetic Review." Science Advance. no. 8 Eaton, Tim. "Internet Activism and the Egyptian Uprisings: Transforming Online Dissent into the Offline World." Westminster Papers. vol. 9, no. 2 (2013).

Economist Intelligence Unit. Democracy Index 2010: Democracy in Retreat. London: Economist Intelligence Unit, 2010. at: https://acr.ps/hBy2tan

Gamson, William. The Strategy of Social Protest. Homewood, IL: Dorsey Press, 1975.

________. Talking Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1992.

Greijdanus, Hedy et al. "The Psychology of Online Activism and Social Movements: Relations between Online and Offline Collective Action." Current Opinion in Psychology. vol. 35 (2020).

Howard, Philip et al. "Opening Closed Regimes: What Was the Role of Social Media During the Arab Spring?" Working Paper. no. 1. Project on Information Technology & Political Islam (2011). at: https://acr.ps/hBy2sSu

Kagaba, Amina G. "Social Movements in the Age of Digital Activism." Eurasian Experiment Journal of Humanities and Social Sciences. vol. 7, no. 3 (2025).

Katzenbach, Christian & Lena Ulbricht. "Algorithmic Governance." Internet Policy Review. vol. 8, no. 4 (2019).

Khalil, Ali & Leysan Khakimova Storie. "Social Media and Connective Action: The Case of the Saudi Women's Movement for the Right to Drive." New Media & Society. vol. 23, no. 10 (2021).

Lyon, David (ed.). Theorizing Surveillance: The Panopticon and Beyond. Cullompton: William Publishing, 2006.

Mathiesen, Thomas. "The Viewer Society: Michel Foucault's 'Panopticon' Revisited." Theoretical Criminology. vol. 1, no. 2 (1997).

McCarthy, John D. & Mayer N. Zald. "Resource Mobilization and Social Movements: A Partial Theory." American Journal of Sociology. vol. 82, no. 6 (1977).

Meishar-Tal, Hagit & Alona Forkosh-Baruch. "Panopticon, Synopticon, and Omniopticon: A Conceptual Framework for Understanding the Utilization of Cameras and Video Recordings in Education." Educational Philosophy and Theory. vol. 56, no. 14 (2024).

Melucci, Alberto. Challenging Codes: Collective Action in the Information Age. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

Montagu, Caroline. "Civil Society in Saudi Arabia: The Power and Challenges of Association." Research Paper. Middle East and North Africa Programme. Chatham House (2015). at: https://acr.ps/hBy2smA

Morozov, Evgeny. The Net Delusion: The Dark Side of Internet Freedom. New York: PublicAffairs, 2011.

Open Technology Fund. "The Rise of Digital Authoritarianism in Egypt: Digital Expression Arrests from 2011 - 2019." Global Freedom of Expression. Columbia University (2019). at: https://acr.ps/hBy2tdh

Orwell, George. Nineteen Eighty-Four. [n. p.]: Global Grey, 2021.

Pariser, Eli. The Filter Bubble: What the Internet is Hiding from You. London: Penguin Books, 2021.

Putri, Rahma Dhian Karisma, Andre Noevi Rahmanto & Sudarmo Sudarmo. "The All- Seeing Algorithm: Panopticon and Surveillance of the Docudrama 'The Social Dilemma'." Journal Evaluation in Education (JEE). vol. 6, no. 1 (2025).

Schleffer, Guy & Benjamin Miller. "The Political Effects of Social Media Platforms on Different Regime Types." Texas National Security Review. vol. 4, no. 3 (2021).

Schmidt, Eric & Jared Cohen. "The Digital Disruption: Connectivity and the Diffusion of Power." Foreign Affairs. vol. 89, no. 6 (November-December 2010).

Tarrow, Sidney. Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1994.

Tilly, Charles. From Mobilization to Revolution. New York: Random House, 1978.

Vaidhyanathan, Siva. Anti-social Media: How Facebook Disconnects Us and Undermine Democracy. Oxford: Oxford University Press, 2018.

Zayani, Mohamed. "Social Movements in the Digital Age: Change and Statis in the Middle East." IEMed: Mediterranean Yearbook 2019 (2019).

Zhuravskaya, Ekaterina, Maria Petrova & Ruben Enikolopov. "Political Effects of the Internet and Social Media." Annual Reviews of Economics. vol. 12 (2020).