استقلال البنك المركزي بين النظرية والتشريع والممارسة مع إشارة خاصة إلى حالة مصر
Central Bank Independence: Theory, Legislation, and Practice with a Special Reference to Egypt's Central Bank
الملخّص
تناقش الدراسة مفهوم استقلال البنك المركزي وأسباب ظهوره ومعايير الحكم على مدى تحقّقه، وتنظر في الأساس النظري والسند التطبيقي للتوجّه نحو استقلاله. كم تنظر في العوامل المحددة للاستقلال الفعلي التي قد تجعله مختلفًا عن الاستقلال القانوني، ولا سيم تلك المرتبطة بديمقراطية نظام الحكم أو سلطويته. وتُبيّ أن ثمة توافقًا على أن تمتُّع البنك المركزي بالاستقلال لا يحول دون تعاونه مع الحكومة، لكن الجدل ما زال غير محسوم بشأن قصر هدف السياسة النقدية على استقرار الأسعار، أم توسيعه، ليشمل النمو والتشغيل. وتتناول أيضًا حالة البنك المركزي المصري وتبحث في مدى تمتّعه بالاستقلال من الناحيتين القانونية والفعلية، وتخلص إلى غياب هذا الاستقلال، وتُرجع ذلك إلى غياب الديمقراطية. وتنتهي بإبراز الحاجة إلى منظور تنموي لوضعية البنك المركزي ودوره باعتباره بديلً من المنظور النيوليبرالي السائد حاليًا، ما يترتب عليه توسيع أهداف السياسة النقدية وتكاملها مع أهداف السياسات المالية والاجتمعية. كلمت مفتاحية: الاستقلال القانوني، الاستقلال الفعلي، نظرية انعدام الاتساق الزمني، التضخم، معايير الاستقلال، الديمقراطية، المنظور التنموي، البنك المركزي المصري. This article explores the concept of central bank independence (CBI), discussing how it emerged, and what criteria may be used to assess the extent of its existence. The paper critically examines the theoretical and empirical foundations of CBI and investigates the reasons for the deviation of de facto from de jure CBI, with emphasis on the relevance of the political regime. While there is a consensus that CBI does not preclude cooperation between the central bank and the government, disagreement regarding monetary policy objectives persists. The case of Egypt's central bank (CBE) is examined and it is found to be subservient to the government, mainly due to the absence of democracy. This inquiry concludes by highlighting the need to adopt a developmental perspective to the status and role of the central bank instead of the currently dominant neoliberal perspective. The proposed perspective broadens the objectives of monetary policy and assures their integration with fiscal and social policies.
Abstract
This article explores the concept of central bank independence (CBI), discussing how it emerged, and what criteria may be used to assess the extent of its existence. The paper critically examines the theoretical and empirical foundations of CBI and investigates the reasons for the deviation of de facto from de jure CBI, with emphasis on the relevance of the political regime. While there is a consensus that CBI does not preclude cooperation between the central bank and the government, disagreement regarding monetary policy objectives persists. The case of Egypt's central bank (CBE) is examined and it is found to be subservient to the government, mainly due to the absence of democracy. This inquiry concludes by highlighting the need to adopt a developmental perspective to the status and role of the central bank instead of the currently dominant neoliberal perspective. The proposed perspective broadens the objectives of monetary policy and assures their integration with fiscal and social policies.
- الاستقلال القانوني
- الاستقلال الفعلي
- نظرية انعدام الاتساق الزمني
- التضخم
- معايير الاستقلال
- الديمقراطية
- المنظور التنموي
- البنك المركزي المصري
- De Jure CBI
- De Facto CBI
- Time Inconsistency Theory
- Inflation,
- CBI Criteria
- Democracy
- Developmental Perspective
- Central Bank of Egypt
مع إشارة خاصة إلى حالة مصر
with a Special Reference to Egypt's Central Bank
تناقش الدراسة مفهوم استقلال البنك المركزي وأسباب ظهوره ومعايير الحكم على مدى تحقّقه، وتنظر في الأساس النظري والسند التطبيقي للتوجّه نحو استقلاله. كم تنظر في العوامل المحددة للاستقلال الفعلي التي قد تجعله مختلفًا عن الاستقلال القانوني، ولا سيم تلك المرتبطة بديمقراطية نظام الحكم أو سلطويته. وتُبيّ أن ثمة توافقًا على أن تمتُّع البنك المركزي بالاستقلال لا يحول دون تعاونه مع الحكومة، لكن الجدل ما زال غير محسوم بشأن قصر هدف السياسة النقدية على استقرار الأسعار، أم توسيعه، ليشمل النمو والتشغيل. وتتناول أيضًا حالة البنك المركزي المصري وتبحث في مدى تمتّعه بالاستقلال من الناحيتين القانونية والفعلية، وتخلص إلى غياب هذا الاستقلال، وتُرجع ذلك إلى غياب الديمقراطية. وتنتهي بإبراز الحاجة إلى منظور تنموي لوضعية البنك المركزي ودوره باعتباره بديلً من المنظور النيوليبرالي السائد حاليًا، ما يترتب عليه توسيع أهداف السياسة النقدية وتكاملها مع أهداف السياسات المالية والاجتمعية. كلمت مفتاحية: الاستقلال القانوني، الاستقلال الفعلي، نظرية انعدام الاتساق الزمني، التضخم، معايير الاستقلال، الديمقراطية، المنظور التنموي، البنك المركزي المصري. This article explores the concept of central bank independence (CBI), discussing how it emerged, and what criteria may be used to assess the extent of its existence. The paper critically examines the theoretical and empirical foundations of CBI and investigates the reasons for the deviation of de facto from de jure CBI, with emphasis on the relevance of the political regime. While there is a consensus that CBI does not preclude cooperation between the central bank and the government, disagreement regarding monetary policy objectives persists. The case of Egypt's central bank (CBE) is examined and it is found to be subservient to the government, mainly due to the absence of democracy. This inquiry concludes by highlighting the need to adopt a developmental perspective to the status and role of the central bank instead of the currently dominant neoliberal perspective. The proposed perspective broadens the objectives of monetary policy and assures their integration with fiscal and social policies.
Emeritus Professor of Economics, Institute of National Planning, Cairo.
مقدمة
إن فكرة استقلال البنك المركزي محل نقاش منذ ما يربو على قرنين من الزمان، لكنها لم تجد طريقها إلى التطبيق على نطاق واسع إلّ في العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ حذّر ديفيد ريكاردو Ricardo David (1823-1772) من أن يُعهَد إلى الحكومات سلطة إصدار النقود الورقية، واقترح أن تُفوّض في هذا الأمر سلطة نقدية مستقلة لا تكون عرضة لضغط الحكومات السياسي. وإضافة إلى توكيده ضرورة النأي بالبنك المركزي عن سيطرة الحكومة، فإنه عارض قيام البنك المركزي بإقراض الحكومة. وكان وراء هذا الرأي افتراض أنه سيكون عند البنك المركزي المستقل اهتمم أكبر بتطور الاقتصاد على المدى الطويل، بينم يغلب على الحكّام قِصَ النظر، ومن ثمّ قد يندفعون إلى زيادة عرض النقود لتحفيز الاقتصاد في الأجل القصير، غير عابئين بما قد يكون لهذا التصرف من تداعيات سلبية على المدى الطويل. ناقش جون ماينارد كينز Keynes Maynard John (1946-1883) وميلتون فريدمان Friedman Milton (2006-1912) فكرة الاستقلال التام للبنك المركزي، لكنهم لم يتحمّسا لها انطلاقًا من اعتقادهم أن المبادئ الديمقراطية لا تجيز لأي سلطة أن تتصرف في الشأن الاقتصادي من دون أن تكون خاضعة للرقابة والمساءلة من ممثلي الشعب المنتخبين، أي البرلمان. وكان فريدمان معارضًا لاستقلال البنك المركزي؛ استنادًا إلى حجة الديمقراطية، وإلى تخوّفه أيضًا من تشتيت المسؤولية عن السياسات المالية والنقدية، ما يجعل من الصعب المساءلة العامة عنها من جهة، ونظرًا إلى خشيته من وقوع المسؤولين عن البنك المركزي تحت ضغط أطراف لها مصالح خاصة، وخصوصًا مسؤولي البنوك من جهة أخرى. لكن رأي كينز كان أقرب إلى التحفّظ منه إلى الاعتراض على استقلال البنك المركزي؛ إذ رأى أن من الخطأ من منظور الكفاءة والقيم الديمقراطية توسيع فكرة الاستقلال أو التمدي فيها، وتقضي المصلحة العامة التعاون الوثيق - شرط أن يكون على قدم المساواة - بين السلطات المعنية بالقرارات الاقتصادية، وذلك في ضوء الخطوط العامة الأساسية التي تضعها الحكومة. كم انحاز كينز إلى فكرة حصر استقلال البنك المركزي في اختياره وسائل تنفيذ السياسة النقدية التي تحدّد الحكومة أهدافَها، ما يعني أن الاستقلال يتعلق بالوسائل أو الأدوات Independence Instrument، لا بالأهداف Independence Goal. عمومًا، لم تكن البنوك المركزية دائمًا مؤسسات مستقلة في الجزء الأطول من تاريخها، بل كانت علاقتها بالحكومات أقرب إلى التبعية. ولم يكن الغرض الأساسي من إنشائها هو الاستقرار السعري، بمعنى الحفاظ على معدّل تضخم مستقر ومنخفض، لكنه كان تأمينَ مصدرٍ ميسرٍ لتمويل الإنفاق الحكومي عمومًا والإنفاق العسكري خصوصًا. وفي
1 للمزيد عن رأي ريكاردو، ينظر: Dawid Johannes Van Lill, "Balance Sheet Policies: A Primer," Economic Society of South Africa , 2017, pp. 80-81, accessed on 15/6/2020,
at: https://bit.ly/2UH2YNa التمييز بين الاستقلال بالأهداف والاستقلال بالأدوات وتحبيذ الأخير، يعود إلى الدراسة المعروفة لدى بل وفشر: Guy Debelle & Stanley Fischer, "How Independent Should a Central Bank Be?" Working Papers in Applied Economic Theory from
Federal Reserve Bank of San Francisco, no. 5 (1994), accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2zzc3Ag للمزيد ينظر: Jörg Bibow, "A Post Keynesian Perspective on the Rise of Central Bank Independence: A Dubious Success Story in Monetary Economics,"
Levy Economics Institute, Working Paper , no. 625 (October 2010), pp. 10, 21, 27, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3hsTS0g للمزيد عن تطور البنوك المركزية من حيث الأهداف والوظائف والعلاقة بالحكومات، ينظر: Thammarak Moenjak, Central Banking: Theory and Practice in Sustaining Monetary and Financial Stability (Singapore: John Wiley & Sons,
2014), esp. Chapters 3-5; Athanasios Orphanides, "Independent Central Banks and the Interplay between Monetary and Fiscal Policy,"
International Journal of Central Banking , vol. 14, no. 3 (June 2018), p. 449, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/30IR0pY
الحقيقة، لم يكن في العالم، في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، غير ثلاثة بنوك مركزية، يُنظر إليها باعتبارها مستقلة: البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفدرالي) والبنك المركزي الألماني (البوندزبنك) والبنك المركزي السويسري (البنك الأهلي السويسري). لكن، جرى تضمين التشريعات مبدأ استقلال البنوك المركزية بوتيرة متسارعة في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، حتى في بعض الدول المتقدمة، مثل المملكة المتحدة التي لم يُنصّ على استقلال بنكها المركزي (بنك إنكلترا الذي كان خاضعًا لسيطرة وزارة الخزانة) إلّ في أيار/ مايو 1997. واكتسب التحرك نحو استقلال البنوك المركزية زخمً كبيرًا عقب إبرام اتفاقية ماسترخت المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/ نوفمبر 1993؛ إذ اشترطت هذه الاتفاقية استقلال البنوك المركزية للدول الأعضاء واستقلال البنك المركزي الأوروبي. كم ساعد في انتشار فكرة استقلال البنوك المركزية تبنّيها من صندوق النقد الدولي، ومطالبته الدول التي تسعى للاقتراض منه بتطبيقها. أضِف إلى ذلك أن استقلال البنوك المركزية - وما ارتبط بها من جعل الاستقرار السعري هدفًا وحيدًا للسياسة النقدية - صار عنصرًا من عناصر السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي شاعت منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين. لكن هذه الحركة المتصاعدة لتقنين استقلال البنوك المركزية لم يترتب عليها التطبيق الكامل للاستقلال، حيث تفاوت مستوى التطبيق في الدول المختلفة مع التفاوت في ظروفها الاقتصادية والسياسية. فالبنوك المركزية في الدول المتقدمة، التي تُصنّف ديمقراطيةً، لا تتمتع بالدرجة نفسها من الاستقلال، بحسب المقياس المركب للاستقلال المتعارف عليه. وكم سنرى لاحقًا، فإن الكثير من حكومات الدول النامية تسعى لبلوغ بعض أغراضها الاقتصادية بالضغط على بنوكها المركزية التي تتمتع بالاستقلال القانوني، ما يَحدّ من استقلالها الفعلي حتى في الدول النامية التي شاع الاعتقاد أن نظُمَها السياسية ديمقراطية. على الرغم من التبني الواسع لفكرة استقلال البنك المركزي من الكثير من الدول المتقدمة والنامية، فإن فكرة الاستقلال لا تزال مثارَ جدلٍ في الأدبيات؛ ما استدعى إجراء هذه الدراسة. وسوف ننظر في البداية في مفهوم الاستقلال، وفي الحدود التي ترد على تطبيقه في ضوء علاقة البنك المركزي بالحكومة في سياقات منوعة، وفي ضوء العوامل الحاكمة هذه العلاقة؛ ما يدفعنا إلى النظر في مهمة البنك المركزي في سياق السعي لتحقيق التنمية من ناحية، وفي العلاقة بين استقلال البنك المركزي ونظام الحكم أيضًا من ناحية أخرى. وسوف لي ذلك تمحيصٌ للسند النظري والسند الإمبيريقي لفكرة استقلال البنك المركزي. ثم ننتقل بعد ذلك إلى دراسة حالة البنك المركزي المصري من حيث استقلاله عن السلطة الحاكمة أو تبعيته لها، من خلال بعض الدراسات التطبيقية، وما فرضه السياق السياسي من فجوة بين التشريعات والممرسة العملية. وتنتهي الدراسة بالدعوة إلى إعادة النظر في حدود استقلال البنك المركزي، وفي مهمته وأهدافه التي يجب أن تسعى السياسة النقدية لتحقيقها من المنظور التنموي.
أولً: ما المقصود باستقلال البنك المركزي؟
إذا كان البنك المركزي منظمة حكومية، فم المقصود بأن يكون منظمة مستقلة؟ إن المقصود بالبنك المركزي المستقل - كم في حالة الاحتياطي الفدرالي الأميركي مثل - هو أن البنك لا يتلقّى أوامر من الرئيس أو من الكونغرس بشأن
4 Bibow, p. 3.
إدارته السياسة النقدية، ولا تحتاج قراراته في هذا الشأن إلى تصديق أي جهة من خارجه. وجوهر استقلال البنك المركزي هو أن يكون بمنأى عن الضغط السياسي قصير الأجل. ولا يحول هذا التعريف دون أن يستمع محافظ البنك المركزي إلى ما قد ينصح به رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو البرلمان، لكنه غير مُلزم بالعمل وفق هذه النصيحة. فالبنك المركزي المستقل هو الذي يحدّد إجراءات السياسة النقدية، وجوهرها التحكم في عرض النقود وفق ما يراه خادمًا لمصلحة الدولة الاقتصادية، وذلك بالأدوات المعروفة لهذه السياسة: سعر الفائدة وسعر الخصم ونسبة الاحتياطي القانوني وعمليات السوق المفتوحة، وما أضيف حديثًا في الدول المتقدمة من أدوات للتيسير الكمي بعد أزمة عام 2008، وما قد يُضاف إليها من أدوات أخرى بفعل رواج النظرية النقدية الحديثة. لكن استقلال البنك المركزي لا يحول دون اتفاقه مع الحكومة على استهداف معدل معيّ للتضخم، أو مدى معين يتحرك هذا المعدل داخله، من دون تقييد البنك بكيفية تحقيق المعدل المتّفق على استهدافه. وفي هذه الحالة، يوصف استقلال البنك المركزي بأنه استقلال بتحديد أدوات تحقيق أهداف السياسة النقدية، أو استقلال تشغ لي Independence Operational، وليس استقلالً بتحديد أهداف السياسة النقدية. وهذا هو التعريف الأكثر شيوعًا لاستقلال البنك المركزي. ومال حازم الببلاوي إلى هذا التقسيم للمهمت بين الحكومة والبنك المركزي، حيث دافع عن "ضرورة أن يتمتع البنك المركزي بدرجة عالية من الاستقلال في إدارة الشؤون النقدية من الناحية الفنية. وأنه لا يحق لأحد أن يتدخل في هذا العمل"، على أن تضطلع الحكومة بتحديد أهداف السياسة النقدية. واستند في هذا الرأي إلى حجة وجيهة، وهي أن "السياسة النقدية - شأنها شأن كل سياسة - هي في الدرجة الأولى عمل سياسي يخضع للمساءلة السياسية أمام البرلمان، ومن ثمّ فإن الحكومة لا بد أن يكون لها دور في تحديد أهداف السياسة النقدية. فالحكومات مسؤولة أمام البرلمان عن كافة السياسات سواء أكانت مالية أو نقدية أو تجارية. وبالنسبة للسياسة النقدية، فإنه لا يمكن أن تكون الحكومة مسؤولة عن أهداف سياسية لم تحدّدها".
Karl E. Case, Ray C. Fair & Sharon Oster, Principles of Economics , 9 th (ed.) (Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 2009), p. 535;
Paul A. Samuelson & William D. Nordhaus, Economics , 18 th ed. (Boston, MA: McGraw-Hill, 2005), pp. 533-534. سياسة التيسير الكمي Easing Quantitative QE= هي السياسة النقدية غير التقليدية التي طبقتها بنوك مركزية متعددة في الدول الرأسمالية المتقدمة لمواجهة أزمة عام 2008 وحفز الاقتصاد، وذلك بإحداث خفض شديد في سعر الفائدة إلى ما يقرب من الصفر وشراء السندات المغطاة برهون عقارية، وكذلك شراء سندات وأذونات الحكومة من البنوك لزيادة احتياطياتها لدى البنك المركزي، ومن ثم زيادة عرض النقود في الاقتصاد، ينظر: Kimberly Amadeo, "Explaining Quantitative Easing," The Balance , 3/9/2019, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3d3O0aa أما النظرية النقدية الحديثة Theory Monetary Modern MMT= فُطرحت كردة فعل لاستنفاد السياسة النقدية التقليدية وغير التقليدية القدرة على مواجهة الركود المزمن. وجوهرها تقوية سياسة المالية العامة عن طريق الاقتراض من البنك المركزي لتمويل عجز الموازنة، وذلك بشراء البنك المركزي السندات الحكومية بما يطبعه من النقود، ولا سيما عندما يبقى معدل التضخم منخفضًا. وكسبت هذه النظرية أنصارًا من المعسكر التقليدي، مثل ستانلي فشر أستاذ الاقتصاد والنائب السابق لرئيس الاحتياطي الفدرالي، كما تبنّاها المرشح الرئاسي الأميركي المستقل بيرني ساندرز. ولا تقدم هذه النظرية، وإن قدّمت مخرجًا قصير الأجل من الركود، حلً مُستدامًا، للمزيد ينظر: Ajit Ranade, "The Inexplicable Allure of Modern Monetary Theory," livemint , 21/10/2019, accessed on 14/6/2020, at:
https://bit.ly/30EWZMt; " Special Issue: Modern monetary theory and its Critics," Real World Economics Review , no. 89 (October 2019),
accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2Axb0RG على سبيل المثال: في دراسة عن تطور البنوك المركزية لكابي وغودهارت وشنات، جرى تبني التعريف الإجرائي التالي: استقلال البنك المركزي يعني حقه في تغيير الأدوات التشغيلية الرئيسة (أساسًا سعر الفائدة) من دون التشاور مع الحكومة، أو من دون اعتراض الحكومة على هذا التصرف، ينظر: Forrest Capie, Charles Goodhart & Norbert Schnadt, "The Development of Central Banking," in: F. Capie et al. (eds.), The Future of
Central Banking: The Tercentenary Symposium of the Bank of England (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), accessed on
14/6/2020, at: https://bit.ly/3fnMd1e 7 حازم الببلاوي، "عن استقلال البنك المركزي"، الأهرام،.2010/7/4
من الجدير بالملاحظة أن لفظ الاستقلالIndependence ليس هو اللفظ الدقيق لوصف المعنى المتقدم ذكره لاستقلال البنك المركزي؛ إذ يدل هذا اللفظ على القطع التام للروابط بين البنك المركزي والحكومة. لذا قد يكون اللفظ الأدقّ هو الاستقلال النسبي أو التسيير الذاتي Autonomy، وهو ما يستخدم بالفعل في قلة قليلة من الدراسات. ذلك أن وضع البنك المركزي "المستقل" أقرب إلى وضع إقليم يتمتع بالحكم الذاتي داخل دولة معيّنة، وتقوم بينه وبين الدولة الأم علاقات محددة، منه إلى وضع الدولة المستقلة عن غيرها من الدول. وهو وضع أشبه بوضع هيئة الإذاعة البريطانية BBC التي تملكها الدولة، لكن لا تتحكم الحكومات المنتخبة في إدارتها، بل تسمح لها بحرية الحركة داخل إطار عام بالغ المرونة. لذا يوصف الاحتياطي الفدرالي الأميركي - مثل - بأنه كيان "مستقل داخل الحكومة" Government Within Independent، وليس مستقلً عن الحكومة Government of Independent. والقصد من هذه العبارة أن قرارات الاحتياطي الفدرالي لا تحتاج إلى تصديق من الرئيس الأميركي، أو من أي جهة أخرى في السلطة التنفيذية، كم أشرنا. لكن الاحتياطي الفدرالي يخضع للإشراف العام أو المتابعة من الكونغرس، وعليه أن يعمل في إطار الأهداف العامة للسياسة الاقتصادية والمالية التي تضعها الحكومة. لذا، وإن كان يعتمد على التمويل الذاتي في نشاطاته، فإنه يقوم بتحويل ما يفيض من إيراداته بعد تغطية مصروفاته إلى وزارة الخزانة الأميركية. غير أنني سأستمر في استعمل عبارة "استقلال البنك المركزي" بالمعنى الضيّق للاستقلال، وذلك باعتبارها صارت الأكثر شيوعًا. تفيد الخبرات الدولية أن ليس من الممكن التعرف إلى مدى استقلال البنك المركزي بمجرد قراءة قانونه. ذلك أن الاستقلال ليس مجرد كلمة تُضاف إلى نص دستوري أو قانوني. والممرسة هي التي تفصح عن تحقق الاستقلال أو غيابه. وتقلّبت العلاقة بين البنوك المركزية والحكومات عبر الزمن، وتعرّض فيها مدى الاستقلال للاتساع تارةً، وللضيق تارةً أخرى. ومن أهم العوامل الحاكمة لعلاقة البنك المركزي بالحكومة هي الفلسفة الاقتصادية للدولة، ومن ثم درجة تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد (فمع التحوّل للسياسات الكينزية والاشتراكية، فقدت فكرة الاستقلال جاذبيتها) ونظام سعر الصرف (يقال إن البنوك المركزية تمتّعت بدرجة معتبرة من الاستقلال عندما كان نظام الذهب مطبّقًا بصفته نظامًا نقديًا دوليًا) وفترات الحروب والأزمات (حيث يتقلّص الاستقلال أو يتلاشى)، وما تتميز به شخصية قيادة البنك المركزي من قوة أو ضعف (ومن ثم قدرة الحكومة على مقاومة الضغط). ويضاف إلى هذه العوامل طبيعة نظام الحكم؛ إذ لا تسمح النُظم الدكتاتورية للبنك المركزي بالاستقلال حتى إذا كان الدستور والقانون ينصّان عليه.
لعل الاستناد إلى هذا التعريف المتطرف لاستقلال البنك المركزي هو ما دعا بعض الكتّاب إلى وصف فكرة الاستقلال بالسخافة أو الخرافة، أو باعتبارها فكرةً مستحيلةً، يراجع مثل: Robert P. Murphy, "The Idea that the Fed is 'Independent' is Absurd," Independent Institute , 31/8/2018, accessed on 14/6/2020, at:
https://bit.ly/2B4eF9C; Peter C. Earle, "The Myth of Fed independence," American Institute for Economic Research, 12/9/2018, accessed
on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2ABN93j; L. Randall Wray, "Central Bank Independence: Myth and Misunderstanding," Levy Economics
Institute of Bard College, Working, paper , no. 791 (March 2014), accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/30CuWgR; Christopher A.
Hartwell, "On the Impossibility of Central Bank Independence: Four Decades of Time-(and Intellectual) Inconsistency," Cambridge
Journal of Economics , vol. 34, no. 1 (January 2019), pp. 61-84, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3dZjwHG ذهب هارتويل (في المرجع الأخير) إلى إنكار استقلال البنك المركزي حتى في ما يتعلق بالأدوات. وصف الاحتياطي الفدرالي بالاستقلال داخل الحكومة مأخوذ عن المنشورات التالية لبنك الاحتياطي الفدرالي لسان فرانسسكو: Federal Reserve Bank of San Francisco, "Where does the Federal Reserve Get The Money To Fund Its Operations?" Publications (May 2006),
accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/37sXGtB; Federal Reserve Bank of San Francisco, "Is the Federal Reserve a Privately Owned
Corporation?" Publications (September 2003), accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3cZ360H; والعبارة ذاتها وردت في: 7 p..Wray, 10 للمزيد عن العوامل المذكورة، ينظر: 63 52, pp. al., et Capie.
وفرصة استقلال البنك المركزي أكبر في النظم الديمقراطية. وهناك دلائل إحصائية لا بأس بها على أن الدول التي تتمتع بنوكها المركزية بالاستقلال هي الدول التي تُعدّ أكثر ديمقراطية. وسنعود إلى العلاقة بين الديمقراطية واستقلال البنك المركزي في المبحث التالي. من المهم، عند مناقشة علاقة البنك المركزي بالحكومة، أن نذكر أنّ للبنك وظائفَ متعددةً، إضافة إلى إدارة السياسة النقدية، مثل الوظائف المتعلقة بسعر الصرف والاستقرار المالي وتكوين احتياطيات الدولة من الذهب والنقد الأجنبي وإدارتها ومتابعة المديونية الخارجية للحكومة والهيئات الاقتصادية والخدمية والقطاع العام ومزاولة العمليات المصرفية العائدة للحكومة، وغير ذلك من الوظائف التي تنشأ معها بالضرورة علاقات منوعة بين البنك المركزي والحكومة، وقد يكون للحكومة في بعضها دور مؤثر ولو في بعض الظروف، كم في القضايا المتعلقة بسعر الصرف وتكوين الاحتياطيات الدولية. ومعنى ذلك أنه لا مجال للفصل التام بين هذين الكيانين.
ثانيًا: ضغط الحكومات على البنوك المركزية بين النجاح والفشل
على الرغم من التوافق الكبير على التعريف الضيّق لاستقلال البنك المركزي، فإنه لم يَحُل دون وقوع صدامات بين البنك المركزي الذي يُضفي عليه القانون صفة الاستقلال، ورئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة حتى في الدول التي يوصف نظامها السياسي بالديمقراطي. على سبيل المثال، شهدنا في عامي 2018 و 2019 الرئيس دونالد ترامب يستخدم عبارات خشنة للتعبير عن اعتراضه على السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي بقيادة جيروم باول Powell Jerome، المعيّ أصلً بترشيح من ترامب نفسه. وكرر الرئيس خيبة أمله في باول وأسفه على تعيينه، بل والتلويح بإمكان عزله (وهذا بالطبع غير ممكن)، وذلك لأن الاحتياطي الفدرالي رفع سعر الفائدة مرات عدة، بينم كان الرئيس يرغب في خفضه. وهذا الاعتراض العلني الصارخ للرئيس على قرارات الاحتياطي الفدرالي أمر نادر في تاريخه، حيث يتجنّب الرؤساء التعليق على قراراته لما قد يُحدثه ذلك من تدمير للثقة بصدقية الاحتياطي الفدرالي واضطراب في أسواق المال. ولم يحدث طوال تاريخ الاحتياطي الفدرالي (أي منذ عام 1913) عزل لرئيسه. لكن هذا لا يعني عدم ممرسة الإدارة الأميركية الضغط على رئيس الاحتياطي الفدرالي في الخفاء، إلى درجة قد تضطره إلى الاستقالة - كم حدث مثلً في عهد الرئيس هاري ترومان، حيث دخل الرئيس في صراع مع رئيس الاحتياطي الفدرالي توماس ماك كابي في عام 1951 بشأن أسعار الفائدة التي أراد الرئيس خفضها. وبعدما احتدم الصراع وتعاظم الضغط على ماك كابي، فإنه آثر الاستقالة. ومن الملاحظ أنه بعدما قرر الاحتياطي الفدرالي خفض سعر الفائدة في تموز/ يوليو 2019 بمقدار ربع نقطة مئوية، عاد الرئيس ترامب إلى التعبير عن غضبه من هذا القرار، حيث كان يتوقع خفضًا أكبر. لكن باول لم
11 Hartwell, p. 13. للمزيد بشأن علاقة رئيس الاحتياطي الفدرالي بكل من وزير الخزانة والرئيس والكونغرس، وما شهدته هذه العلاقة من تعاون وتنسيق من ناحية، وتوتر واحتكاك من ناحية أخرى، يراجع ما ورد في آلان غرينسبان الجمهوري النزعة الذي ترأس الاحتياطي الفدرالي مدة 18 عامًا (2006-1987)، عاصر خلالها رؤساء جمهوريين وديمقراطيين، ينظر: آلان غرينسبان، عصر الاضطراب: مغامرات في عالم جديد، ترجمة أحمد محمود (أبوظبي: كلمة للترجمة؛ القاهرة: دار الشروق، 2008)، ص 118-117، 153-149، 181، 186، 189،.258
يعبأ بذلك، ولا بتهديد الرئيس بعزله، وأعلن إصراره على استكمل مدته، واستند في ذلك إلى أن القانون الذي لا يحق للرئيس مخالفته، في صفّه، بمعنى أن ليس لدى الرئيس أي سند قانوني لعزله. من الجدير بالتأمل، مقارنة ما تقدم بشأن الخلاف بين الرئيس الأميركي ورئيس الاحتياطي الفدرالي مع ما مورس على البنك المركزي في دولتين ناميتين من ضغط من جانب رأس النظام السياسي الذي عادة ما يوصف بأنه ديمقراطي: تركيا والهند. منحت تركيا بنكها المركزي الاستقلال عقب الأزمة الطاحنة التي تعرض لها الاقتصاد التركي في عامي 2001-2000، وأصبح من حقه تحديد سعر الفائدة وفق تقديره الذاتي، وحُظر عليه منح ائتمن للخزانة العامة أو لأي مؤسسات عامة أخرى. لكن في أيلول/ سبتمبر 2018، برز خلاف بين الرئيس رجب طيب أردوغان والبنك المركزي الذي رفع سعر الفائدة بحجة مساندة سعر الصرف، بينم كان الرئيس يدعو إلى خفضه من أجل إنعاش الاقتصاد. وبمرور الوقت، احتدم الخلاف وازداد إلحاح الرئيس على خفض سعر الفائدة، بينم بقي البنك المركزي يعارض هذا التوجّه. وحُسم الخلاف في 6 تموز/ يوليو 2019، بقرار الرئيس عزل محافظ البنك المركزي قبل سنة تقريبًا من إنهاء مدّته. أما في الهند، فمرس رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، في أواخر عام 2018 ضغطًا شديدًا لإرغام البنك المركزي على زيادة تمويل الحكومة وإقراضها. وفي تقدير بعض المراقبين أن الغرض من هذا الضغط كان سياسيًا قصيرَ الأجل، وهو تقوية مركز الحزب الحاكم وزيادة فرص نجاحه في الانتخابات المقبلة آنذاك. وأفضى الخلاف بين مودي ورئيس البنك المركزي، أورجيت باتل، إلى عزله وإحلال شاكتيكانتا داس المعروف بأنه أكثر ميلً إلى مسايرة الحكومة محلّه. وسرعان ما ظهر ميل داس إلى التعاون مع مودي، حيث قرر تحويل 25 مليار دولار (ما يوازي 1 في المئة من الناتج المحلي الإجملي للهند) من مخصص الاحتياطيات في ميزانية البنك المركزي إلى مصالح الحكومة في آب/ أغسطس 2019. وأثار هذا القرار قلق بعض المراقبين بشأن استقلالية البنك المركزي وصدقيته، واعتبر أنه ينطوي على انحراف البنك المركزي عن مهمته الرئيسة وهي تحقيق الاستقرار السعري إلى تمويل الحكومة. لكن كان من رأي مراقبين آخرين أنه ليس من المفيد أن يراكم البنك المركزي احتياطيات متضخمة، وأن الأمر المهم هو طريقة استخدام الحكومة الأموال المحوّلة إليها، أي هل تستخدم في تغطية عجز الموازنة، أم في تمويل مشروعات تنموية؟
13 للمزيد ينظر: "Why the Federal Reserve is unbowed by Donald Trump," The Guardian , 19/12/2018, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/37zFqyT;
Matthew Boesler & Laurence Arnold, "What Trump Can (and Can't) Do to Steer Fed Policy," Bloomberg , 12/4/2019, accessed on
14/6/2020, at: https://bit.ly/3cXpgAp Liz Alderman & Prashant S. Rao, "Defying Erdogan, Turkey's Central Bank Raises Interest Rates," The New York Times , 13/9/2018,
accessed on 14/6/2020, at: https://nyti.ms/2YMYfeb; "Turkey's President removes head of central bank," The New York Times , 6/7/2019,
accessed on 14/6/2020, at: https://nyti.ms/2Y4vMRX Jayati Ghosh, "Who should Control India's Central Bank?" Project Syndicate , 12/11/2018, accessed on 14/6/2020, at:
https://bit.ly/30Gflgj Amy Kazmin, "India's Central Bank Payout to Modi's Government Sparks Warnings," Financial Times , 28/8/2019, accessed on
14/6/2020, at: https://on.ft.com/2MV2zCf
عمومًا، فإن البنوك المركزية في الدول النامية، العربية وغير العربية، تتعرّض في الكثير من الأحيان للضغط والتدخلات الحكومية، حتى إذا كانت القوانين تكفل استقلالها بدرجة أو بأخرى.
1. استقلال البنك المركزي ومهمته
مهم يكن من أمر التصرف المشار إليه من البنك المركزي الهندي، فإنه أثار قضية مهمة: أيكون من الصواب أن تقتصر مهمة البنك المركزي على تحقيق استقرار الأسعار – التي قد يُضاف إليها استقرار سعر الصرف - أم يجب أن تكون له مهمةٌ إنمائية، أي المساهمة في تمويل المشروعات الإنمائية الكبرى، ومن ثم المساهمة في زيادة الوظائف، ولا سيم في الدول النامية؟ وناقش تقرير الأونكتاد عن التجارة والتنمية لعام 2019 UNCTAD/TDR هذه القضية، وحبّذ قيام البنك المركزي بدور قوي في تمويل التنمية وتعزيز التشغيل، وذلك بتوجيه الاستثمر نحو القطاعات الإنتاجية واستحداث أدوات ائتمن تركّز على الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية وتوفير المزيد من الأموال للبنوك العامة، ولا سيم بنوك التنمية. ومم يجدر تذكّره في هذا المقام أنه أنيطت بقانون الاحتياطي الفدرالي الأميركي مهمتان: الاستقرار السعري والتوظف الكامل. لكن هيمنة الفكر النيوليبرالي اختزلت المهمتين إلى مهمة واحدة، وهي الاستقرار السعري، بحجة أن تحقيق الاستقرار السعري يُهيّئ الظروف الملائمة لزيادة التوظف. وستكون لنا وقفة مع هذه الحجة في المبحث السابع. من الجدير ملاحظته أيضًا أن توسيع مهمت البنوك المركزية في الدول المتقدمة إبان أزمة عام 2008، وذلك بتطبيقها سياسات التيسير الكمي، انطوت على خروج هذه البنوك عن مسارها التقليدي بممرسة بعض السياسات التي يمكن تأويلها باعتبارها تُدرج ضمن سياسات المالية العامة. كم أنه لو قُدّر للنظرية النقدية الحديثة أن تجد طريقها إلى التطبيق في الدول المتقدمة، فسوف تطرأ تغيرات جديدة على مهمت البنوك المركزية في هذه الدول. وفي هذه التغيرات ما يشير إلى سعي الدول المتقدمة لمواءمة دور البنك المركزي في الحياة الاقتصادية مع حاجاتها المتغيرة. وها هنا درس مهم للدول النامية، ألا وهو أن عليها ألّ تنقاد انقيادًا أعمى وراء الدول المتقدمة، وألّ تنتظر أن يأتيها الإذن من هذه الدول بتغيير مهمت بنوكها المركزية وتغيير علاقتها بالحكومات، أو من المؤسسات المالية الدولية التي تهيمن عليها كبريات هذه الدول. بل عليها أن تراعي في تحديد هذه المهمت ظروفها الخاصة وحاجات تنميتها، من دون التفريط في الضوابط التي تحول دون جموح التضخم، والتي تؤمّن البلاد ضدّ الاضطرابات المالية والاقتصادية. وهذا ما سنفصّل القول فيه في سياق تناول الوضع المؤسسي للبنك المركزي وأهداف السياسة النقدية من المنظور التنموي في المبحث السابع.
لا يتّسع مجال هذه الدراسة لتناول وضع البنوك المركزية في الدول العربية – غير مصر- وفي الدول النامية الأخرى، ويمكن الاطلاع على بعض الأمثلة في المصادر التالية: عزوز علي، "قياس استقلالية البنك المركزي في ظل الإصلاحات المصرفية الحديثة"، ورقة مقدمة إلى الملتقى الدولي حول إصلاح النظام المصرفي الجزائري في ظل التطورات العالمية الراهنة، جامعة قاصدي مرباح/ ورقلة، 11 و 12 آذار/ مارس 2008، شوهد في 2020/6/20، في: https://bit.ly/30CtRFA؛ أحمد فهمي سعيد وبلسم حسين رهيف، "استقلالية البنك المركزي العراقي، مع الإشارة إلى درجة استقلالية البنك المركزي العراقي استنادًا إلى قانونه رقم 56 لسنة 2004 "، مجلة دراسات محاسبية ومالية، ص 91-76، في: https://rb.gy/qsu5ea؛ ينظر أيضًا مقارنة بين وضع البنك في الدول النامية والدول الصناعية المتقدمة في التقرير الصادر عن بنك التسويات الدولية: The Central Bank Governance Group, "Issues in the Governance of Central Banks," Bank of International Settlements, Report
(May 2009), accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2Y2mh5t ينظر عرض هذه القضية في: محمود الخفيف، "اصرفوا نظرًا عن البورصة ومضارباتها... البنوك العامة والإنمائية هي الحل"، الشروق، 2019/10/22؛ وللمزيد ينظر تقرير الأونكتاد: United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Trade and Development Report 2019 (Geneva: UN, 2019),
especially Ch. 6, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3e2GdLg
2. استقلال البنوك المركزية والديمقراطية
تطرح المقارنة السابقة بين موقف البنك المركزي في الولايات المتحدة الأميركية والموقف المناظر في تركيا والهند ثلاثة أسئلة بشأن العلاقة بين استقلال البنوك المركزية والديمقراطية. السؤال الأول: ما تفسير أن الفرصة أكبر لاستقلال البنوك المركزية في النظم الديمقراطية منها في النظم الدكتاتورية؟ ثمة تفسيران ممكنان للعلاقة بين الديمقراطية واستقلال البنك المركزي: أولهم أن النظم الديمقراطية تتكرر فيها الانتخابات، ومن ثم قد يكون لدى حكوماتها ميلٌ أكبر إلى التسامح مع معدلات التضخم المرتفعة التي قد تنتج من حفز النمو والتشغيل، وذلك بغرض كسب الشعبية. لذا يجري التحوّط ضد هذا الميل بتفويض السياسة النقدية لبنك مركزي مستقل؛ وثانيهم أن نظم الحكم الديمقراطية تتميز بدرجة عالية من الانفتاح والتعددية والميل إلى تفويض السلطة، ما يجعل لديها قابلية أكبر لتفويض البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية. السؤال الثاني: هل تعني تبعية البنك المركزي للحكومة غياب الديمقراطية أو انتهاك نص دستوري أو قانوني بشأن الوضع المؤسسي للبنك المركزي؟ والجواب المستفاد من خبرات الدول المختلفة هو ليس بالضرورة؛ ذلك أن الديمقراطية، في بلاد مثل إنكلترا ودول أوروبية كثيرة، لم تَحُل دون وقوع البنك المركزي فترة طويلة تحت سيطرة وزارة المالية خصوصًا، أو تحت سيطرة الحكومة عمومًا. ولم يكن ذلك انتهاكًا لنص دستوري أو قانوني، إنما كان انعكاسًا لفلسفة اقتصادية معيّنة. وكم أشرنا سابقًا لم يفلت البنك المركزي من السيطرة الحكومية في دولتين ناميتين، يصنّف نظام الحكم فيهم ضمن النظم الديمقراطية. لكن الممرسة في هاتين الحالتين جارت على النص القانوني بشأن استقلال البنك المركزي. السؤال الثالث: لماذا لم ينجح ضغط الحكومة على البنك المركزي في الولايات المتحدة، بينم نجح في تركيا والهند، على الرغم من أن الدول الثلاث توصف عادةً بأنها ديمقراطية؟ يضعنا هذا السؤال أمام حقيقة مهمة: إن للديمقراطية مستويات أو درجات، حيث إن الدول التي توصف بالديمقراطية ليست بالضرورة متمثلة من حيث توافر مقوّمات الديمقراطية. لذا درجت التقارير الدولية، المتخصصة بالبحث في مدى توافر الديمقراطية في دول العالم، إلى تصنيف الدول بحسب موقعها على المؤشر المختار للديمقراطية. على سبيل المثال: يُدرج التقرير الذي تصدره وحدة معلومات الإيكونومست الدولَ ضمن واحدة من أربع شرائح بحسب القيمة التي تُحرِزها على مؤشر الديمقراطية إلى شريحة أولى تضم الدول ذات الديمقراطية التامة Democracies Full، وشريحة ثانية تضم الدول ذات الديمقراطية المعيبة أو المنقوصة Democracies Flawed، وشريحة ثالثة تضم الدول ذات النظم المختلطة Regimes Hybrid وهي نظم تحتفظ بالشكل الديمقراطي (برلمان - انتخابات... إلخ)، لكنها تفتقر إلى جوهر الديمقراطية بما تفرضه من قيود وعراقيل على ممرسة الحقوق السياسية والمدنية. أما الشريحة الرابعة، فتضم الدول ذات النظم السلطوية Regimes Authoritarian. وطبقًا لهذا التصنيف، جاءت الولايات المتحدة والهند في الشريحة الثانية، بينم جاءت تركيا في الشريحة الثالثة. وبغض النظر عن تسميات الشرائح ودقة القياس، فإن الأمر الواضح حتى من بعض الشواهد
Christopher W. Crowe & Ellen E. Meade, "Central Bank Independence and Transparency: Evolution and Effectiveness,"
International Monetary Fund, Work paper (May 2008), p. 7, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2Y5c9sZ
العامة هو أن الولايات المتحدة في مستوى ديمقراطية أعلى من تركيا والهند. لهذا كان من المتعذّر على السلطة التنفيذية إرغام الاحتياطي الفدرالي على اتخاذ قرار معيّ، بينم كان الأمر أيسر في تركيا والهند.
ثالثًا: معايير الاستقلال
استكملً لتوضيح مفهوم استقلال البنك المركزي، نذكر في ما لي أهم المعايير المستخدمة في الحكم على مدى تمتع البنك المركزي بالاستقلال. ووردت بعض هذه المعايير في ما صار يُعتبر ورقة تأسيسية لقياس استقلال البنك المركزي وبيان وجود علاقة عكسية بين الاستقلال ومعدّل التضخم، وهي ورقة أليسينا بشأن "السياسة والدورة الاقتصادية في الديمقراطيات الصناعية"، لاحظ الافتراض الضمني في العنوان أن الديمقراطية من لوازم استقلال البنك المركزي. وتدور هذه المعايير حول أسئلة: من يعيّ القيادة العليا للبنك؟ وهل منصب المحافظ مؤمّن ضد العزل التعسفي؟ وهل للحكومة ممثل أو أكثر في مجلس إدارة البنك؟ وهل هناك قواعد حاكمة لاقتراض الحكومة من البنك؟ وأضافت الدراسات اللاحقة معايير أخرى تتناول أسئلة: من له السلطة النهائية على السياسة النقدية: البنك المركزي وحده أم البنك المركزي والحكومة أم الحكومة وحدها؟ وما نسبة الأعضاء المعيّنين من الحكومة؟ وما طريقة حل ما قد ينشأ من نزاع بين البنك والحكومة بشأن السياسة النقدية؟ وما الوزن النسبي للاستقرار السعري مقارنةً بالأهداف الأخرى التي قد تُناط بالسياسة النقدية؟ إضافة إلى ما تقدّم، يرى بعض الباحثين أنه يمكن أن يكون لدى بعض الشخصيات القيادية، في البنك المركزي أو في الحكومة، دور مهم في الحفاظ على استقلال البنك المركزي أو في التفريط فيه، بغض النظر عم يوضع في التشريعات من نصوص تقضي بالاستقلال. كم أن التراث المؤسسي Legacy Institutional للدولة يمكن أن يلقي بظلّه على العلاقة بين البنك المركزي والحكومة.
The Economist Intelligence Unit (EIU), "Democracy Index 2018: Me too? Political participation, protest and democracy,"
Democracy Index 2018, accessed on 12/7/2020, at: https://rb.gy/ipl51z; ثمة تقارير أخرى ترصد حالة الديمقراطية في العالم، مثل تقرير بيت الحرية: Freedom House, "Freedom in the World," accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3e5e2vg; وتقرير مجموعة العمل التي تبحث في انعدام الاستقرار السياسي، وتصدر مؤشر IV:Polity "Polity Data Series," Polity IV, accessed on 14/6/2020, at: https://rb.gy/a5go7j; يقدم هذان التقريران تقسيمً للدول مغايرًا لتقسيم EIU، وذلك بسبب الاختلاف في نقاط تركيز كل مؤشر، ومن ثم الاختلاف في عدد المؤشرات الفرعية وفي طرائق حسابها، وكذلك الاختلاف في طريقة حساب المؤشر المركب وتقسيم مداه. Alberto Alesina, "Politics and Business Cycles in Industrial Democracies," Economic Policy , vol. 4, no. 8 (April 1989), pp. 57-98;
Jeffrey D. Sachs & Felipe B. Larrain, Macroeconomics in the Global Economy (New Jersey: Prentice Hall, 1992), pp. 276-278; Alberto
Alesina & Lawrence H. Summers, "Central Bank Independence and Macroeconomic Performance," Journal of Money, Credit and
Banking , vol. 25, no. 2 (May 1993), pp. 151-162. Beju Daniela Georgeta, Ciupac-Ulici Maria-Lenuta & Fat Codruta Maria, "Central Bank Independence and Inflation in EU-28,"
Land Forces Academy Review , vol. 22, no. 4 (88) (2017), p. 257, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2YwLjJb Capie et al, p. 63; Emine Beyza Satoglu, "Central Bank Independence in a Developing Country Context," Master Thesis, the
Institute for Social Sciences, Istanbul Bilgi University, Istanbul, 2008, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3fswNsv في ما يتعلق بالتراث المؤسسي للدولة نذكر، على سبيل المثال، أنه في الكثير من الدول النامية يكره النظام الحاكم أن يقدم الوزراء وغيرهم من القادة استقالاتهم من مناصبهم احتجاجًا على تصرف أو قرار معين من قادة النظام، ويفضل أن يأتي القرار من جانبه في صورة إقالة أو ضمن تغيير وزاري. كما قد يخشى كبار المسؤولين ما يترتب على الإصرار على الاستقالة من عقوبات من الحكومة، مثل المنع من إعادة التعيين في الجامعة أو في أجهزة الحكومة والهيئات والشركات العامة. لذا فإنهم قد يؤثرون انتظار قرار الإقالة في الوقت الذي يراه النظام مناسبًا، وذلك تفاديًا لمثل هذه العقوبات. وعندما يصطدم النظام بعقبة قانونية، مثل حظر العزل التعسفي من المنصب، فإنه قد يضع صاحب المنصب في موقف يجبره على الاستقالة "لأسباب شخصية"، أو قد يتفاهم معه على الاستقالة في مقابل مكافأة ما، مثل التعيين في منصب لا يخلو من أهمية.
من المعتاد تركيب مؤشر مركب يتألف من عدد من المؤشرات الفرعية لقياس استقلال البنك المركزي القانوني Jure De واستقلاله الفعلي Facto De. وتتدخل في تقويم المؤشرات الفرعية وترجيحها بأوزان متساوية أو غير متساوية، اعتبارات، بعضها موضوعي وبعضها الآخر ذاتي. كم يشوب عملية القياس افتراضات وتفسيرات للنصوص القانونية والممرسات العملية تحتمل الجدل. إضافة إلى ذلك، فإن تأثير الحكومة في البنك المركزي لا يكون دائمًا من خلال قنوات شفافة، بل قد يمارس بطرائق خفية أو في لقاءات غير معلنة، أو لا تُعلن نتائجها؛ ما يجعل من الصعب التوصل إلى تقدير دقيق للاستقلال الفعلي للبنك المركزي. وستكون لنا وقفة مع بعض هذه المشكلات عندما ننظر في الدراسات القليلة التي قدّرت مؤشرات لاستقلال البنك المركزي المصري من عدمه في المبحث السادس.
رابعًا: ما مصدر فكرة استقلال البنك المركزي؟
لهذه الفكرة مصدران: أولهم مصدر نظري، ينطلق من المشكلة المعروفة بانعدام الاتساق الزمني Inconsistency Time في مواقف الحكومة أو سياساتها، وثانيهم مصدر تطبيقي، يتمثل في العلاقة العكسية التي أظهرها بعض البحوث الكمية بين استقلال البنك المركزي ومعدل التضخم.
1. الاستقلال بصفته حلً لمشكلة انعدام الاتساق الزمني لسياسة الحكومة
تنشأ مشكلة عدم اتساق المواقف عبر الزمن، عندما يقرّر أحدُ طرفي تعاقدٍ ما الخروج على شروطه بدافع من مصلحته الذاتية، أو عندما يتحوّل صانع القرار عن سياسة سبق له الالتزام بها، إلى سياسة أخرى يعتبرها أكثر فائدة للمجتمع أو بعض فئاته. وفي ما يتعلق بقضية التضخم، قد تُعلِن الحكومة أن هدفها هو خفض معدّل التضخم، لكنها قد تتراجع عن هذا الهدف بعد فترة، وتقدّم عليه هدف خفض البطالة؛ وذلك لدوافع سياسية، مثل كسب المزيد من الشعبية في انتخابات وشيكة. ولمّا كان هناك حاجز يحول دون خفض البطالة عند الوصول إلى ما يُعرف بمعدل البطالة الطبيعي، فإن سعي الحكومة لخفض البطالة، بعد بلوغ هذا الحد، لن يجدي، ولن يترتب عليه سوى ارتفاع معدل التضخم. ومن ثمّ تكون الحكومة قد أخفقت في تحقيق هدف خفض التضخم الذي التزمت به ابتداءً، وهدف خفض البطالة الذي تحوّلت إليه. ولتجنّبها هذا المسلك، وإعلاءً لهدف الوصول إلى معدل منخفض ومستقر للتضخم، تبيّ أن الحل هو تفويض أمر السياسة النقدية إلى بنك مركزي مستقل، باعتباره سيكون بعيدًا عن الدوافع الانتخابية
حاولت قلة من الدراسات البحث عن علاقة بين استقلال البنك المركزي والأداء الاقتصادي الكلي، لكنني سأصرف النظر عنها كأساس لفكرة الاستقلال، لقلّتها من ناحية، وعدم توصّلها إلى علاقة واضحة بين الأمرين من ناحية أخرى. من هذه الدراسات: Alberto Musalem Borrero, "On the Long and Short of Central Bank Independence, Policy Coordination and Economic Performance,"
International Monetary Fund, Work Paper , 1/2/2001, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2MZx0Y1; Sologoub Dimitry, "Issues of
Central Bank Independence- The Evidence from Transition Economies," A Thesis Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements
for the Degree of Master of Arts in Economics, National University of Kyiv-Mohyla Academy, 2002, accessed on 14/6/2020, at:
https://bit.ly/3hmbPgZ; Behrooz Gharleghi, "Central Bank Independence and Economic Growth," DOC: Research institute, 4/3/2019,
accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2YAkWBT
وضغط الحكومات السياسي، وسيميل إلى إعطاء مكافحة التضخم وزنًا أكبر من الوزن الذي تعطيه الحكومة لهذا الهدف؛ وسيزيد هذا المسلك صدقية السياسة النقدية لدى الشعب. إذا كان هذا هو السند النظري الشائع لاستقلال البنك المركزي، فإن بعض الاقتصاديين يرى أن فكرة انعدام الاتساق الزمني للسياسة الحكومية تُعتبَ سندًا لإلزام البنك المركزي بقاعدة نقدية Rule Monetary، مثل استهداف معدل محدد للتضخم وعدم ترك أمر خفض التضخم لتقديره الذاتي Discretion، ما لا يتطلّب بالضرورة استقلال البنك المركزي. والقصد من إلزام البنك المركزي بقاعدة محددة هو التحوّط ضد انحرافه عن هدف خفض التضخم من جهة، ولتفادي ما قد يصيب توقعات رجال الأعمل من اضطراب، أو فقدانهم الثقة بإعلانات البنك المركزي عن سياساته من جهة أخرى. إضافة إلى هذا النقد للسند النظري لاستقلال البنك المركزي، وُجّه نقدٌ آخر إلى حجة انعدام الاتساق الزمني بدعوى تجاهله التحليل المؤسسي. وفي ذلك يقول هارتويل إن تأسيس مقولة استقلال البنك المركزي على انعدام الاتساق الزمني يغفل حقيقة أن البنك المركزي مؤسسة نقدية تعمل ضمن إطار مؤسسي واسع، وتتداخل بالضرورة مع مؤسسات سياسية (الحكومة) ومؤسسات اقتصادية ومالية محلية (مؤسسات اقتصاد السوق)، إضافة إلى تداخلها مع مؤسسات الاقتصاد الدولي، ولا سيم في حقبة العولمة. لذا، رأى أن استقلال البنك المركزي الحقيقي (أي التام أو المطلق) أمر مستحيل. ومع ذلك، استحسن هارتويل فكرة أن المعيار الحقيقي لاستقلال البنك المركزي - وهو المعيار الذي يحظى بقبول واسع في الوقت الحاضر - هو أن يكون تعيين أعضاء مجلس إدارة البنك بوساطة السياسيين المنتخبين مددًا طويلة، حيث لا تتوافق الدورة الانتخابية مع دورة تغيير محافظي البنك (كم هو مطبق في الولايات المتحدة). وهو ما يتضمن قبوله الاستقلال بالمعنى الضيق. وثمة رفض آخر - من جانب بيبو - لفكرة انعدام الاتساق الزمني باعتباره حجة لاستقلال البنك المركزي، وذلك استنادًا إلى أن الدعم النظري لهذه الحجة إما غائب وإما مغيّب. لكنه أقر بأن الرفض التام لفكرة الاستقلال غير مبرر.
"Time Inconsistency and Inflation," The Actuary , 2019, accessed on 14/6/2020, at: https://rb.gy/k4epa5 للمزيد ينظر: من الملاحظ، انزعاج بعض الاقتصاديين من تصرفات الاحتياطي الفدرالي إبان أزمة عام 2008، حيث رأى (بعض الاقتصاديين) فيها توسيعًا غير مبرر لصلاحياته واتّخاذه سياسات أقرب إلى سياسات المالية العامة منها إلى السياسة النقدية، وتجاوزًا لمهمة خفض التضخم. ومع ذلك لم يذهب الاقتصاديون إلى حد المطالبة بحرمانه من الاستقلال، لكنهم اقترحوا قصر مهمته على الاستقرار السعري وإصلاح نظامه عن طريق تشديد الرقابة والحوكمة على تصرفاته، ينظر مثلً: Charles I. Plosser, George P. Shultz & John C. Williams, "Panel on Independence, Accountability and Transparency in Central Bank
Governance," in: John H. Cochrane & John B. Taylor (eds.), Central Bank Governance and Oversight Reform (Washington: Hoover
Institution Press, 2016), accessed on 14/6/2020, at: https://hvr.co/3fmbaKA; Ed Balls, James Howat & Anna Stansbury, "Central Bank
Independence Revisited: After the Financial Crisis, what Should a Model Central Bank Look Like?" M-RCBG, at Harvard Kennedy
School Associate, Work Paper , no. 87 (November 2016), accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/37ri6Dx يمكن أن تأخذ القواعد النقدية أشكالً متعددة، مثل استهداف التضخم أو استهداف سعر الصرف أو استهداف المعروض النقدي، يراجع: Moenjak, p. 89. 27 Debelle & Fischer, p. 196; Bibow, p. 7; ينظر أيضًا: 88-89 pp. Moenjak,، حيث يُنسَب انعدام الاتساق الزمني إلى البنك المركزي ذاته؛ بمعنى أنه قد يُعلن عن تبنّيه سياسة لخفض التضخم، لكن
بعدما يتراجع التضخم بعض الشيء ولو على حساب بعض الزيادة في البطالة، يعدُل البنك عن هذه السياسة ويتبنى سياسةً لخفض البطالة حتى إذا زادت من معدل التضخم، ما يبُرِز أن حل هذه المشكلة يتمثل في إلزام البنك بقاعدة نقدية أكثر مما يستدعي تمكينه من الاستقلال. 28 Hartwell, pp. 17-18, 32-33. 29 Bibow, p. 3.
2. التضخم واستقلال البنك المركزي
عادة، يواجه البنك المركزي قوى سياسية ذًات نفوذ ضخم، تضغط عليه من أجل التوسع في عرض النقود وتوفير الائتمن الرخيص لحفز الاقتصاد أو للمساعدة في تمويل عجز الموازنة حتى لو أدّى ذلك إلى ارتفاع معدل التضخم. ورأى كثير من الباحثين أنه ما لم يكن البنك مستقلً عن السلطة التنفيذية، فإنه قد يجد نفسه في موقف صعب بشأن مواجهة هذا الضغط. لذا حظيت فكرة استقلال البنك المركزي بتأييد واسع، باعتباره يشكل ضمنة ضد التوسع غير المسؤول في عرض النقود، ومن ثم ضدّ ارتفاع معدل التضخم، وخصوصًا بعدما أظهر بعض البحوث علاقة ارتباط عكسي بين الاستقلال والتضخم. غير أن مع انحسار الضغط التضخمي انحسارًا ملحوظًا وتراجع معدلّات التضخم على النطاق العالمي، تبدو مقولة الدفاع عن الاستقلال بحجة مقاومة التضخم وحدها ضعيفة، وتزداد صدقية الرأي القائل إن فكرة استقلال البنك المركزي ظهرت في ثنايا التحوّل إلى الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وما ارتبط بهذا التحوّل من انسحاب الحكومة من الشأن الاقتصادي وتزايد الاعتمد على الأسواق. من المهم أن نقف عند نتائج البحوث الكمية للعلاقة بين استقلال البنك المركزي والتضخم. فهذه النتائج لا تقطع دائمًا بوجود علاقة عكسية بين هذين المتغيرين، سواء في عيّنات دول متقدمة أم في عيّنات دول نامية أم في عيّنات تجمع بين هاتين المجموعتين من الدول. بل وجد بعض البحوث علاقةً طرديةً بين الاستقلال والتضخم. وواجهت البحوث التي انتهت إلى وجود علاقة عكسية بين استقلال البنك المركزي والتضخم انتقاداتٍ متعددةً، منها أن مقياس الاستقلال في هذه البحوث اعتمد على النصوص القانونية، أي إنه مقياس للاستقلال القانوني للبنك المركزي لا يُعتدّ بما إذا كانت النصوص القانونية المعزّزة الاستقلال مطبّقةً أو معطّلةً في الواقع. كم أن المتغير المعبّ عن استقلال البنك المركزي هو متغير تقريبي مشوب بالضرورة بأخطاء قياس كبرى تصيب النتائج الإحصائية بالخلل. وعندما يغطي متغير الاستقلال القانوني دولة ما مدة طويلة، فإنه قد يتّسم بالثبات أعوامًا متعددة، نظرًا إلى الوتيرة البطيئة عادةً لتغير التشريع الحاكم لعلاقة البنك المركزي بالحكومة؛ وهذا مصدر آخر للخلل في التقدير الإحصائي. وحتى في الحالات القليلة جدًا التي استخدم فيها مقياس للاستقلال الفعلي استنادًا إلى مسوح لرأي العاملين في البنوك المركزية والاقتصاديين المتخصصين في السياسة النقدية، اعتبر متغير الاستقلال غير مناسب للإدراج في علاقة كمية تغطّي فترة طويلة، لأنه يمتّ بالضرورة للانطباعات عن فترة قصيرة. يتعامل بعض الدراسات مع التضخم باعتباره ليس له من سبب سوى السياسة النقدية، ومن ثم وضع البنك المركزي من حيث الاستقلال أو غيابه، مع أن ثمة عوامل أخرى يمكن أن ترفع معدل التضخم، مثل ارتفاع التكاليف Inflation Push Cost نتيجة الارتفاع في الأجور، أو في أسعار الواردات، أو زيادة الضرائب غير المباشرة مثلً، أو زيادة الطلب الكلي عن العرض الكليDemand Pull Inflation نتيجة زيادة تحويلات العاملين في الخارج أو خفض
ينظر على سبيل المثال الدراسة التالية التي تؤكد العلاقة العكسية بين التضخم واستقلال البنك المركزي في عينة اشتملت على 96 دولة من الدول المتقدمة والصاعدة والنامية، وذلك باستخدام مؤشر الاستقلال الذي صاغه كوكيرمان وويب ونيابتي في عام:1992.Crowe & Meade Bibow, pp. 7, 27; Ha-Joon Chang & Ilene Grabel, Reclaiming Development: An Alternative Economic Policy Manual (London/
New York: Zed Books, 2004), pp. 180-182. ينظر مسح لطائفة من هذه الدراسات يُظهر التنوّع الكبير في النتائج في:.Beju et al., pp. 257-260 Thomas F. Cargill, "The Myth of Central Bank Independence," Mercatus Center at George Mason University, Mercatus Working
Paper (October 2016), pp. 15-18, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2C0EmZ6
الضرائب المباشرة مثلً. كم يتأثر التضخم بمدى ما تتمتع به الأسواق من حرية، وبنظام سعر الصرف ووجود معدل محدد مستهدف للتضخم من عدمه. إضافة إلى ذلك، قد تكون العلاقة المشاهدة بين استقلال البنك المركزي والتضخم مجرد علاقة ارتباط ليس وراءها بالضرورة علاقة سببية، كم قد يكون هنالك سبب مشترك يدفع في اتجاه الاستقلال والتضخم الأقل. ورأى بعض الباحثين أن الوضع المؤسسي للبنك المركزي والتضخم يتحددان ولو جزئيًا بالقوى السياسية ذات التأثير في الحكومة. وأخيرًا قد لا يكون من الصواب استخدام مقياس واحد لاستقلال البنك المركزي في الدول كلها، ولا تجميع الكثير من العوامل في مقياس مركب للاستقلال، حيث إن دور بعض العوامل قد يكون أكثر حاكمية من غيرها في تحديد طبيعة علاقة الاستقلال بالتضخم في دول دون غيرها. مهم يكن من أمر، فإن استقلال البنك المركزي بمعناه الضيق، الذي لا يستبعد التعاون مع الحكومة، صار محلَّ قبول عام، سواء ممن يقبلون السند النظري أو السند التطبيقي، أم ممن يكتفون، مثلي، بفكرة النأي بالبنك المركزي عن أن يكون مطيّة للحكومة، تُسخّرها لأغراض كسب الشعبية. لكن الخلاف قد يظهر بشأن: (أ) ما إذا كان استقلال البنك المركزي هذا يستلزم بالضرورة قصر هدف السياسة النقدية التي يديرها البنك على الاستقرار السعري، أم أنه يمكن أن يتّسع ليشمل أهدافًا، مثل النمو الاقتصادي والتوظف؛ (ب) المدى الذي يمكن الحفاظ على معدل التضخم داخله من دون الإضرار بالتنمية. وسنعود إلى هذه المسائل الخلافية وارتباطها بنوعية السياسات الاقتصادية المناسبة لدفع عجلة التنمية في مصر في المبحث السابع.
خامسًا: انتقال الدعوة إلى استقلال البنك المركزي إلى مصر
وفدت الدعوة إلى استقلال البنك المركزي إلى مصر وغيرها من الدول النامية - شأنها شأن الكثير من الأفكار الاقتصادية - بعد أن راجت رواجًا كبيرًا في الدول المتقدمة، وذلك بدافع الميل الشائع لدى الدول النامية إلى محاكاة الدول المتقدمة في الكثير من الأمور والمرتبط بعلاقات التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية. فالتابع مولع بتقليد المتبوع، أو كم قال ابن خلدون في المقدمة، المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده. كم ساعد في تسويق فكرة الاستقلال، تحوّل مصر وغيرها من الدول النامية إلى السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المعروفة بتوافق واشنطن Consensus Washington، ولا سيم عن طريق ارتباطها ببرامج التثبيت الاقتصادي والتكيّف الهيكلي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ إذ صار استقلال البنك المركزي وحصر مهمته الأساسية في تحقيق الاستقرار السعري أحد البنود الرئيسة في اتفاقات الصندوق مع الدول النامية. بعدما كانت فكرة استقلال البنك المركزي غائبة في دستور 1971، بدأت في الظهور عقب تبنّي السلطة السياسية سياسة الانفتاح، وذلك بمقتضى القانون 120 لعام 1975 بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي، حيث تضمّن ذلك القانون نصًا مفاده أن "البنك المركزي المصري شخصية اعتبارية عامة مستقلة". وبالطبع، لم يترتب على إصدار هذا
ينظر: 196 p. Fischer, & Debelle.، حيث يعزو الباحثان العلاقة المشاهدة إحصائيًا إلى وجود ثقافة وطنية مضادة للتضخم وداعمة لاستقلال البنك المركزي. كما تشير الدراسة إلى أن الدول التي لا تكترث للتضخم عادةً ما تكون بنوكها المركزية أقل استقلالً. 35 Hartwell, p. 12. 36 ينظر: Pierre. L. Siklos, "No Single Definition of Central Bank Independence is Right for all Countries," 'Paolo Baffi' Centre on Central Banking
and Financial Regulation, Research Paper , no. 2008-02, 4/3/2008, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3e2fIW1
القانون تمتّع البنك المركزي بالاستقلال الفعلي. فللنص على استقلاله نظائر كثيرة في ما يتعلق بعدد كبير من الهيئات العامة التي توصف بأنها مستقلة، لكنها لا تتمتع باستقلال حقيقي وتخضع في العادة للوزير المختص، وربما لجهات أخرى أيضًا في ما يخص بعض القرارات ذات الأهمية. ومن الغريب أن صفة الاستقلال لم تظهر في القانون المُطبّق حاليًا، وهو القانون 88 لعام 2003 في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الذي وُضع في سياق تطبيق مصر سياسات توافق واشنطن النيوليبرالية. واكتُفي بالنص في المادة (1) من ذلك القانون، على أن "البنك المركزي شخص اعتباري عام". لكن صفة الاستقلال عادت إلى الظهور في دستور 2014، حيث قررت المادة (215) منه في شأن "الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية"، تمتّع هذه الهيئات والأجهزة بالاستقلال الفني والمالي والإداري. وأدرج هذا الدستور البنك المركزي ضمن الأجهزة الرقابية، وحدّد اختصاصاته في المادة (220). من الواضح أن فكرة الاستقلال سعت للظهور مجددًا بعد توقيع اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 مع صندوق النقد الدولي؛ إذ تواترت التصريحات بشأن إعداد مشروع قانون جديد للبنك المركزي منذ عام 2017ّبت مسوّدات، وسُ للمشروع أو لأهم ملامحه في عامي 2017 و 2018. وأخيرًا اعتمد مجلس الوزراء مشروع قانون جديد للبنك المركزي والجهاز المصرفي (لاحقًا: المشروع الجديد) في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وأحاله إلى مجلس النواب في الأسبوع الأول من كانون الثاني/ يناير 2020. وكان تقرير المتابعة الرابعة للاتفاق مع صندوق النقد الدولي الصادر في نيسان/ أبريل 2019 قد تحدث عن مشروع القانون المرتقب، مشيرًا إلى إعداده بمعونة فنية من الصندوق، وإلى توخّي المشروع تقويةَ الاستقلال المؤسسي والتشغ لي للبنك. وطبقًا للمدة (2) من المشروع الجديد، فإن "البنك المركزي جهاز رقابي مستقل له شخصية اعتبارية عامة، يتبع رئيس الجمهورية، ويتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري".
سادسًا: البنك المركزي المصري: استقلال أم تبعية؟
أبدأ هذا المبحث بإشارة وجيزة إلى أربع دراسات من الدراسات التطبيقية القليلة التي بحثت مسألة استقلال البنك المركزي المصري بعد صدور القانون 88 لعام 2003. الأولى تعود إلى عام 2005، وهي دراسة عزّت ملوك قناوي عن "استقلالية البنك المركزي المصري وطبيعة التفاعل بين السياسة النقدية والمالية"، التي اعتمدت على فحص نصوص القانون 88 لعام 2003، وجاءت نتائجها ملتبسةً، حيث رأت في القانون ما يعزّز استقلال البنك المركزي، ومع ذلك قدّمت مقترحات متعدّدة ذات طبيعة جوهرية لزيادة دور البنك المركزي في السياسة النقدية، منها "تحديد العلاقة بين تبعية السياسة النقدية للسياسة المالية" و"تحديد العلاقة بوضوح بين البنك المركزي والحكومة في كيفية اتخاذ القرار النقدي". والدراسة الثانية نشرت في عام 2016، وهي مستلّة من أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه للباحثة
ينظر: دستور جمهورية مصر العربية 2014، موقع الهيئة العامة للاستعلامات https://bit.ly/2B7VFHr: ينظر أهم ملامح مشروع القانون الجديد: "'الفجر' تنشر مسوّدة مشروع قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي"،، 2019/10/2، شوهد في الفجر 2020/6/14، في: https://bit.ly/3d2XqD0؛ وينظر النص الكامل لمشروع القانون في: "'المال' تنشر النص الكامل لتعديلات قواعد القيد والشطب بالبورصة المصرية"، المال (جريدة مصرية اقتصادية يومية)، العدد 8 (كانون الثاني/ يناير 2020)، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/3hrbpGc International Monetary Fund, Middle East and Central Asia Dept, Arab Republic of Egypt: Fourth Review under the Extended
Arrangement under the Extended Fund Facility-Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic
of Egypt , IMF Staff Country Report, no. 19/ 98, 6/4/2019, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3d8xSEF ينظر: عزت ملوك قناوي، "استقلالية البنك المركزي المصري وطبيعة التفاعل بين السياسة النقدية والمالية"، ورقة مقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي الرابع والعشرين للاقتصاديين المصريين، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، القاهرة،.2005
العراقية سوسن الجبوري حول "العلاقة بين استقلالية البنك المركزي وسعر الصرف في مصر - دراسة قياسية". وبمحاولة الكشف عن درجة الاستقلال المتضمنة في القانون 88 لعام 2003، وفق المؤشر المركب من ثمانية مؤشرات فرعية والمقتبس من دراسة فيتوريو غر لي وآخرين المنشورة في عام 1991، استنتجت الدراسة أن البنك المركزي المصري يتمتع "بدرجة استقلالية ضعيفة جدًا". ولا تخلو الأطروحة من تفسيرات تعوزها الدقة للنصوص القانونية، مثل القول إن تعيين رئيس الجمهورية للمحافظ يدل على عدم الاستقلالية، بينم لو كانت موافقة البرلمان مطلوبة لكان ذلك دليلً على الاستقلالية، وهذا ما يتجاهل احتمل هندسة الحكومة للانتخابات البرلمانية بما يضمن الإتيان ببرلمان يلبّي كل ما تريد الحكومة تمريره من تشريعات وقرارات تعيين للقادة. أما الدراسة الثالثة، فدراسة إبراهيم عوض "نحو قياس الضغط السياسي على البنوك المركزية: حالة البنك المركزي المصري" التي استهدفت اختبار ما إذا كان الاستقلال القانوني الممنوح للبنك المركزي وفق القانون 88 لعام 2003 استقلالً فعليًا. وعرّفت الدراسة حالة الاستقلال الفعلي بأنها تلك الحالة التي يستطيع البنك المركزي فيها أن يحقق هدفه بشأن المعروض النقدي عندما يستجيب لطلب الحكومة وتزويدها بالمزيد من القروض (وهذا هو الضغط السياسي)، وذلك من دون أن يضطر البنك إلى إنقاص الائتمن المتاح للقطاع الخاص. وبقياس ما يعرف بدالّة استجابة السياسة النقديةMonetary Policy Reaction Function استنتجت الدراسة أن الاستقلال الممنوح قانونًا للبنك المركزي بعد عام 2003 لم يُصطحَب باستقلال فعلي. أخيرًا نأتي إلى الدراسة الرابعة، وهي أحدث الدراسات في موضوع استقلال البنك المركزي المصري، وتتمثل في أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها هبة الله إمام إلى جامعة القاهرة في عام 2018، والتي سعت للكشف عن مدى الاستقلال القانوني والفعلي للبنك المركزي خلال الفترة 2017-1993، مع تقسيمها ثلاث فترات جزئية: 2003-1993 و 2010-2004 و 2017-2011. وقدّرت الدراسة مؤشرًا مركبًا يتألف من عدد كبير من المؤشرات الفرعية لكل من الاستقلال القانوني والاستقلال الفعلي. وفي ما يتعلق بالفترة محل اهتممنا، وهي الفترة التالية لصدور القانون 88 لعام 2003، أظهرت الدراسة أن الاستقلال القانوني شهد بعض التحسن بين عامي 2004 و 2010، وأن التحسّن استمر خلال الفترة -2011 2017، وإن بوتيرة بطيئة. لذا بقي الاستقلال القانوني عند مستوى متوسط/ معتدل. وتوصّلت الدراسة إلى نتيجة ممثلة في ما يتعلق بالاستقلال الفعلي، وإن كان مستوى الاستقلال الفعلي أعلى قليلً من مستوى الاستقلال القانوني. وفي تقديري أن التقديرات الكمية لمؤشرات الاستقلال بنوعَيه مالت إلى تضخيم درجة الاستقلال. وهذا التضخيم ناتج من بعض الافتراضات والتفسيرات المثيرة للجدل، مثل اعتبار أن أفضل وضع لمصلحة استقلال البنك المركزي هو عندما يكون هدفه الوحيد أو الأساسي الاستقرار السعري، وذلك على الرغم من إدراك الباحثة أن هذا المؤشر لا يُفصح عن
ينظر: عبد الحسين الغالبي وسوسن الجبوري، "العلاقة بين استقلالية البنك المركزي وسعر الصرف في مصر: دراسة قياسية"، مجلة القادسية للعلوم الإدارية والاقتصادية، المجلد 18، العدد 2 (2016)؛ للمزيد حول المؤشر المستخدم في هذه الدراسة، ينظر: Vittorio Grilli, Donato Masciandaro & Guido Tabellini, "Political and Monetary Institutions, and Public Financial Policies in the
Industrial Countries," Economic Policy , vol. 6, no. 13 (October 1991), pp. 341-392. Ibrahim L. Awad, "Towards Measurement of Political Pressure on Central Banks: The Case of the Central Bank of Egypt," Prague
Economic Papers , vol. 3 (2008), pp. 254-275, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2zuaFia H. T. Emam, "Assessing the Independence of the Central Bank of Egypt: An Empirical Analysis," PhD. Dissertation, the Faculty
of Economics and Political Science, Cairo University, 2018.
درجة استقلال البنك عن الحكومة، ومثل اعتبار الاستقلال أكبر عندما لا يكون هناك إمكان لإعادة تعيين المحافظ بعد انتهاء مدّته، ومثل اعتبار الاستقلال في أعلى مستوى عندما يحظر على البنك إقراض الحكومة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومثل ترجيح أن تغيير محافظي البنك لم يكن لأسباب سياسية باستثناء الإقالة أو الاستقالة الجبرية لمحمود أبو العيون في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003. وكذلك رفع قيمة المؤشر الفرعي الخاص بمن يعيّ المحافظ في مؤشر الاستقلال الفعلي بعد عام 2011 في ضوء ما نصّ عليه دستور 2014 من إضافة موافقة البرلمان على التعيين، من دون مراعاة أن يكون احتمل اعتراض البرلمان على من يرغب الرئيس في تعيينه محافظًا يقرب من الصفر، بالنظر إلى الطريقة التي تكوّن فيها هذا البرلمان، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى ربما كان بعض مؤشرات هيمنة الحكومة على البنك تستحق وزنًا أكبر على نحو صريح. ومن أهم أمثلة هذه المؤشرات مؤشر التمويل الذي حصلت عليه الحكومة من البنك، والذي تجاوز كثيرًا النسبة المقررة قانونًا، وهي 10 في المئة من متوسط إيرادات الحكومة لثلاثة أعوام سابقة. المستفاد من هذه الدراسات الأربع بعامة هو ضعف درجة استقلال البنك المركزي من الناحيتين القانونية والفعلية. وإضافةً إلى هذه الدراسات، تجدر الإشارة إلى مقالة نشُرت في عام 2015 عن استقلال البنك المركزي للباحث الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي الذي شدّد فيها على أهمية "تدعيم سلطات البنك المركزي وضمن استقلاليته عن السلطات الأخرى في الدولة"؛ ما يعني أن ثمة نقصًا في استقلال البنك المركزي. غير أنه أكد أيضًا أهمية دعم سلطات البنك وضمن استقلاليته "في إطار من التنسيق مع الحكومة"، باعتبار أن هذا هو ما استهدف القانون 88 لعام 2003 تحقيقه بإنشاء المجلس التنسيقي. وفيم يبدو أن هذا المجلس لم ينهض بالمهمة التنسيقية التي يشير إليها اسمه؛ ما دعا الكاتب إلى أن يطلب (بعد عشرة أعوام من صدور قرار تشكيل المجلس) "سرعة تفعيل المجلس التنسيقي وإعادة النظر في تشكيلاته الحالية". على الرغم من أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي للاستدلال على مدى استقلال البنك المركزي، فإن هذا لا يعني أن فحص هذه النصوص القانونية غير ذي فائدة؛ ذلك أن فحصها والتدقيق في مدى اتساق بعضها مع بعض قد يساعد في الكشف عن حقيقة التوجّه إلى الاستقلال من عدمه. فالقانون 120 لعام 1975 (والمعدل في عام 1984، ثم في عام 1992) نص في المادة (1) على استقلال البنك المركزي، لكنه جعل الحكومة حاضرة بقوة في مجلس إدارة البنك من خلال اشتراك ممثلين لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة التخطيط، وذلك في المادة (6). أما القانون 88 لعام 2003 الذي لم يصف البنك بالاستقلال، فكان تمثيل الحكومة في مجلس إدارة البنك قويًا: فثمة تمثيل مباشر عن طريق ممثل لوزير المالية، وثمة تمثيل غير مباشر عن طريق الأعضاء الأربعة من ذوي الخبرة الذين
44 Ibid., p. 60. 45 Ibid., p. 61. 46 Ibid., p. 62. بلغت نسبة التمويل المباشر 14 في المئة، ونسبة التمويل غير المباشر 130 في المئة خلال الفترة بين عامي 2010-2004، مع ارتفاع النسبتين إلى 50 في المئة و 73 في المئة على التوالي في الأعوام بين 2011 و 2016. وعلى الرغم من اتجاه نسبة التمويل المباشر إلى الانخفاض عقب توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، فإن زيادة ضخمة طرأت على نسبة التمويل غير المباشر، حيث بلغت 150 في المئة في حزيران/ يونيو 2017، ينظر:.Ibid., pp. 131, 139 ينظر: عبد الفتاح الجبالي، "استقلالية البنك المركزي"، الأهرام،.2015/9/23
"يختارهم" رئيس الجمهورية بحسب المادة (12) من ذلك القانون. وإضافة إلى التمثيل المباشر وغير المباشر للحكومة في مجلس إدارة البنك، استحدث القانون المجلس التنسيقي الذي يفترض أن يجتمع كل ثلاثة أشهر على الأقل برئاسة رئيس الوزراء، وجعل من أعضائه بحكم مناصبهم - إلى جانب المحافظ ونائبيه - ثلاثة ممثلين آخرين للحكومة، وهم وزراء المالية والاستثمر والتخطيط. واستُبعد وزير التخطيط من تشكيل المجلس التنسيقي بمقتضى القرار الجمهوري 431 لعام 2015، وحلّ محلّه وزير التجارة والصناعة. وهذا الاستبعاد غير مفهوم في بلد يفترض أنه يسير وفق منهج التخطيط، وبالنظر إلى أن السياسات النقدية هي واحدة من السياسات المهمة اللازمة لتنفيذ ما يوضع من خطط قومية. أنيط بالمجلس التنسيقي تحديد أهداف السياسة النقدية بما يحقق الاستقرار في الأسعار وسلامة النظام المصرفي، في إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة. وطبقًا لتعريف البنك المركزي للسياسة النقدية، فإن هدفها هو استقرار الأسعار، من خلال العمل على تحقيق معدلات منخفضة للتضخم. لذا، لا يكشف نص أن مهمة المجلس التنسيقي هي تحديد أهداف السياسة النقدية، عن حقيقة مهمة هذا المجلس، ولا عن "وظيفته التنسيقية"، ولا سيم أنه يضم في عضويته وزراء مسؤولين عن أركان أساسية للسياسة الاقتصادية. ولعل في النص الوارد في قرار تشكيل المجلس التنسيقي الذي أناط برئيس الوزراء "تحديد الموضوعات التي تعرض على المجلس" ما يومئ إلى أن مهمة المجلس تتجاوز تحديد أهداف السياسة النقدية. وأعاد مشروع القانون الجديد صياغة اختصاص المجلس التنسيقي بصورة أوضح، وهي "وضع آلية التنسيق بين السياسة النقدية للبنك المركزي والسياسة المالية للحكومة". ولم يذكر المشروع الجديد على وجه التحديد من يرأس هذا المجلس ومن هم أعضاؤه، واكتفى بالنص في المادة (48) بأن المجلس يضم في عضويته ممثلين عن الحكومة والبنك المركزي وغيرهم من ذوي الخبرة. وبذلك يصبح تشكيل المجلس مرهونًا بما يراه رئيس الجمهورية المنوط به إصدار قرار التشكيل. كم استحدث المشروع بمقتضى المادة (49) كيانًا إضافيًا وهو "لجنة الاستقرار المالي"، وعهد برئاستها إلى رئيس الوزراء وجعل من أعضائها المحافظ ووزير المالية ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية. ومم يجدر ذكره في هذا المقام، أن ثمة كيانًا آخر يتصل بإحدى مهمت البنك المركزي، وهي مهمة إنشاء نظم وخدمات الدفع وإدارتها، ألا وهو المجلس القومي للمدفوعات الذي أُسّس في عام 2017 بهدف خفض استخدام أوراق النقد ودعم استخدام وسائل الدفع الإلكترونية وتحفيزها؛ تعزيزًا للشمول المالي. ويتولّ رئاسة هذا المجلس رئيس الجمهورية، ويضم 16 عضوًا، من أبرزهم رئيس مجلس الوزراء والمحافظ ووزراء الدفاع والإنتاج الحربي والداخلية والتخطيط والمالية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والعدل ورئيس جهاز المخابرات العامة ورئيس هيئة الرقابة الإدارية. ولا شك في أن تمثيل الحكومة على هذا المستوى العالي في المجلس التنسيقي وفي لجنة الاستقرار المالي والمجلس القومي للمدفوعات، إضافة إلى تمثيلها في مجلس إدارة البنك المركزي طبقًا للقانون الحالي، ينطوي على سيطرة ملحوظة للحكومة على البنك المركزي وعلى السياسة النقدية.
ينظر: قرار تشكيل المجلس التنسيقي واختصاصه في قرار رئيس الجمهورية رقم 17 لعام 2005، الجريدة الرسمية، العدد 3 (24 كانون الثاني/ يناير "تعريف السياسة النقدية"، البنك المركزي المصري، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/3fumkNz؛ https://rb.gy/lb9jn8؛ "أهداف وهيكل السياسة النقدية"، البنك المركزي المصري، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/3hwcJaw
حقيق بالتنويه هنا أن التنسيق بين السياستين النقدية والمالية لا يستلزم بالضرورة عضوية ممثل وزارة المالية أو غيرها في مجلس إدارة البنك المركزي، وإلّ كان من الضروري أيضًا وجود ممثل للبنك المركزي في المستوى القيادي لوزارة المالية. ويبدو أن هذا ما انتهى إليه المشروع الجديد، حيث لم يتضمن تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي وفق المادة (20) ممثلً للحكومة، واقتصر التشكيل على المحافظ ونائبيه ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية وسبعة أعضاء غير تنفيذيين من ذوي الخبرة. عمومًا، يمكن أن يجري التنسيق من خلال مشاورات لجان مشتركة من ممثلين للبنك المركزي ووزارة المالية، قد تجتمع دوريًا أو بحسب الحاجة، إضافة إلى التنسيق في المسائل الجوهرية من خلال المجلس التنسيقي ولجنة الاستقرار المالي، واللجنة التي نصّت المادة (51) من المشروع الجديد على تشكيلها برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية المحافظ ووزير المالية وممثلين عن البنك المركزي ووزارة المالية، بغرض التشاور ودراسة العلاقات البينية بين البنك ووزارة المالية وفض التشابكات المالية بينهم. كم أُشير في ما سبق، تتوقف استقلالية البنك المركزي على أمور عدة، من بينها مدة أعضاء مجلس الإدارة ورئيس المجلس وإمكان عزله من منصبه. مثلً في حالة مجلس إدارة الاحتياطي الفدرالي (7 أعضاء)، يُعيّ عضو مجلس الإدارة بترشيح من الرئيس الأميركي وموافقة الكونغرس مدة 14 عامًا غير قابلة للتجديد. وهي مدة طويلة يمكن أن يتغير خلالها رئيس الجمهورية والكونغرس مرة أو أكثر. والقصد منها أن تشكل ضمنة لجعل المجلس بمنأى عن التأثير السياسي للإدارة والكونغرس. ويعيّ رئيس المجلس من بين أعضائه بترشيح من الرئيس الأميركي وموافقة الكونغرس مدة أربعة أعوام قابلة للتجديد. ولا يجوز عزل رئيس المجلس من منصبه إلّ لسبب لا يتعلق بالاختلاف معه على السياسة النقدية، إنما يتعلق بأمور أخرى، مثل التقصير أو الفساد أو العجز. ولا يشارك في عضوية المجلس وزراء حاليون أو سابقون أو ممثلون للحكومة، فالأعضاء الحاليون هم أشخاص من ذوي الخبرة بالشؤون المالية والمصرفية، وسبق لبعضهم العمل في وزارة الخزانة، أو تولّ رئاسة شركات زراعية وصناعية وتجارية، وبعضهم من أساتذة الجامعات. ومن المرجح أن تشكيل المجلس على هذا النحو يعزّز استقلاله عن الحكومة. وكم يرى بعض الاقتصاديين، تزيد معرفة الناس بأن الذين يديرون الاحتياطي الفدرالي ليسوا من أهل السياسة، ثقتهم باستقرار قيمة العملة. قارن هذا الوضع بوضع البنك المركزي المصري. كانت المادة (6) من القانون 120 لعام 1975 تنص على تعيين المحافظ بقرار من رئيس الجمهورية مدة أربعة أعوام، قابلة للتجديد (من دون حد أقصى). ولم تتطلب هذه المادة مصادقة البرلمان على التعيين. كم نصت على تعيين أعضاء مجلس إدارة البنك بقرار من رئيس الوزراء بعد أخذ رأي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية والمحافظ. ونصّت هذه المادة أيضًا على أمر مهم، وهو عدم جواز عزل المحافظ من منصبه خلال مدة تعيينه الأصلية أو المجددة. وبقيت هذه الحصانة قائمة على الرغم مم طرأ على القانون من تعديلات في عامي 1984 و 1992. لكنها اختفت في القانون 88 لعام 2003. لذا تعرّض منصب المحافظ للتغيير مرات
عدة بعد إسقاط هذه الحصانة، ما يعكس التأثير الطاغي لرئيس الجمهورية والحكومة في البنك؛ إذ عُزل أو أجبر على الاستقالة محمود أبو العيون في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 بعد قضاء نصف مدته القانونية، وعُيّ بدلً منه
Dean Karlan & Jonathan Morduch, Economics , 2 nd (ed.) (New York: McGraw- Hill, 2017), p. 844. 52 ينظر بشأن تشكيل مجلس الاحتياطي الفدرالي: "Structure of the Federal Reserve System," Board of Governors of the Federal Reserve System, 3/6/2020, accessed on 14/6/2020, at:
https://bit.ly/3e43XhX 53 Karlan & Morduch, p. 844.
فاروق العقدة الذي أُثيرت بشأنه شبهة تضارب المصالح. وهناك من عزا هذا التغيير إلى وجود خلافات بشأن سعر الصرف بين أبو العيون ورئيس الوزراء حينذاك عاطف عبيد، بينم عزاه بعض آخر إلى تدخل جمل مبارك الذي قيل إن بينه وبين العقدة مصالح مشتركة. واستمر العقدة في منصبه حتى 31 كانون الثاني/ يناير 2013، أي مدة عشرة أعوام، حدث خلالها عزل الرئيس محمد حسني مبارك عام 2011 وتولّ المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، ثم تولّ محمد مرسي رئاسة الجمهورية (2013-2012). وهكذا ترك العقدة منصب المحافظ قبل استكمل مدته الثالثة، ربما بالإقالة، وربما بالاستقالة، وعُيّ بدلً منه هشام رامز في 3 شباط/ فبراير 2013 الذي ترك منصب المحافظ قبل استكمل مدته في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، بعد فترة قصيرة في عهد مرسي، وبعد نحو عامين ونصف العام من إقصاء مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013. وتولّ طارق عامر منصب المحافظ مدة كان يجب أن تنتهي في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، لكن تقرر استمرار شغله هذا المنصب مدة أخرى. سعى دستور عام 2014 في المادة (216) لتحصين منصب رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، ومنها البنك المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات، وذلك بالنص على أنه "لا يُعفى أي منهم من منصبه إلّ في الحالات المحددة بالقانون". ومع الغياب المعتاد للشفافية بشأن تعيين القيادة العليا في الدولة، لا يمكن الجزم بسبب ترك هشام رامز منصب المحافظ. والظاهر أن نص التحصين لم يحل دون إحلال طارق عامر محل هشام رامز، مثلم أنه لم يحل دون عزل المستشار هشام جنينة من منصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات لعدم رضا السلطة الحاكمة عن تقريره بشأن حجم الفساد في مصر، إضافة إلى عدم الارتياح لسياسته الجادّة في تنفيذ المهمت الرقابية للجهاز على أجهزة الدولة كلها دونما استثناء. ولم يظفر الطعن الذي قدّمه جنينة بشأن ما اعتبره عزلً تعسفيًا من منصبه بالقبول من جانب القضاء الذي أصبحت تحوم حوله شبهات تسييس الأحكام منذ 3 تموز/ يوليو 2013. وتأكدت هذه الشبهات بما تضمّنته التعديلات الدستورية التي تقررت في استفتاء نيسان/ أبريل 2019 من توسيع سلطة رئيس الجمهورية في تعيين رؤساء الهيئات القضائية بعد أن كانت هذه السلطة شكلية ولا تتجاوز التصديق على ما تقرره الجمعيات العمومية لهذه الهيئات. وبذلك هُدم أحد أركان النظام الديمقراطي الذي تنص عليه المادة الخامسة من دستور 2014، وهو الفصل بين السلطات. يلاحظ أن المادة (216) من دستور عام 2014 نصّت على أن يُعيِّ رئيس الجمهورية رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية - ومنها البنك المركزي على ما سبق ذكره - بعد موافقة مجلس النواب بغالبية أعضائه، مدة أربعة أعوام قابلة للتجديد مرة واحدة. لكن لا قيمة لشرط موافقة مجلس النواب إلّ إذا كان هذا المجلس منتخبًا انتخابًا حرًا نزيهًا، حيث لا يكون للسلطة التنفيذية وأذرعها الأمنية شأنٌ في العملية الانتخابية، وذلك بما يضمن أن يكون المجلس سيّد قراره بحق، ومُعبًّا عن الإرادة الشعبية، لا عن رغبات السلطة التنفيذية وأهوائها. لكن هذه الشروط غائبة عن الواقع المصري المعاصر. ومم يؤكد غيابها السهولة الشديدة التي مرّرت بها السلطة التنفيذية ما أرادته من تعديلات في الدستور، وما صاحب الاستفتاء من أساليب غير مألوفة في النظم الديمقراطية لحشد الناخبين وحفزهم لتأييد هذه التعديلات.
"محافظو البنك المركزي المصري"، البنك المركزي المصري، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/2UJSdtp ينظر تعديل المواد 185 و 189 و 193 من الدستور في: الهيئة العامة للاستعلامات، "التعديلات الدستورية "2019، 2019/4/15، شوهد في 2020/6/15، ف:ي https://bit.ly/3hvUAda
على الرغم من أن التعديلات الدستورية التي تقررت بمقتضى استفتاء نيسان/ أبريل 2019 لم تُعدّل من النصوص الخاصة بالبنك المركزي على نحو مباشر، فإنها زادت من السيطرة السياسية على البنك، من خلال إطالة مدة رئيس الجمهورية من أربعة أعوام إلى ستة (كم كانت الحال في دستور 1971)، مع تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي على المدة الحالية للرئيس، حيث تنتهي في عام 2024، بدلً من 2022، مع جواز إعادة انتخابه مدة تالية (2030-2024)، ما يعني استمراره في الحكم 16 عامًا. وهذه المدة ضعف الحد الأقصى للمدة التي يمكن أن يقضيها شخص واحد في منصب المحافظ (أربعة أعوام قابلة للتجديد مرة واحدة) بحسب نص المادة 216 من دستور 2014. وهذا على النقيض من المتعارف عليه في النظم الديمقراطية - كم رأينا في حالة الاحتياطي الفدرالي، وهو إمكان، أو حتى استهداف - أن يمضي رئيس مجلس إدارة البنك المركزي في منصبه (وكذا أعضاء المجلس) مدة يتغير خلالها رئيس الجمهورية والبرلمان أكثر من مرة. وبصفة عامة، فإن من مقتضيات استقلال البنك المركزي، بحسب ما تبيّ من دراسة لصندوق النقد الدولي، أن تكون مدة مجلس إدارة البنك أطول من مدة السياسيين المنتخبين. وهو ما ترفضه نظم الحكم الدكتاتوري. لذا لا تتوقع هذه الدراسة تمتع البنك المركزي بالاستقلال (حتى بمعنى الاستقلال بتحديد الأدوات) في النظم الدكتاتورية. ولعل هذا يشير، إضافة إلى المساس بالتحصين المقرر لمنصب المحافظ وغيره من رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، إلى حساسية وضع البنك المركزي المصري (من حيث الاستقلال أو التبعية) تجاه طبيعة النظام السياسي القائم (من حيث الديمقراطية أو السلطوية). ومن مظاهر سيطرة الرئاسة والحكومة على البنك المركزي المصري، نُذكّر بما قررته المادة (27) من القانون 88 لعام 2003 من إلزام البنك المركزي بتقديم ما تطلبه الحكومة من تمويل لتغطية العجز الموسمي في الموازنة العامة، على ألّ تتجاوز قيمة هذا التمويل 10 في المئة من متوسط إيرادات الموازنة العامة في الأعوام الثلاثة السابقة، وتكون مدة هذا التمويل ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مددًا أخرى ممثلة، ويجب أن يسدّد كلّه خلال اثني عشر شهرًا على الأكثر من تاريخ تقديمه. وهذا ما يحظره بعض البلاد التي تستهدف استقلالية أكبر للبنك المركزي. وكم أشير سابقًا، تعرّضت هذه المادة لتجاوزات صارخة من حيث قيمة التمويل وعدم الالتزام بمواعيد السداد، إضافة إلى أنها مادة قابلة لتأويلات مختلفة. إذا كانت مناقشتنا استقلال البنك المركزي قد ركزت على علاقته بالحكومة، فينبغي الانتباه إلى أنه منذ 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أضيف إلى هذه العلاقة طرف ثالث، ألا وهو صندوق النقد الدولي الذي أبرمت الحكومة معه اتفاق "تسهيل الصندوق الممدد" المتضمن قرضًا بقيمة 12 مليار دولار، موزّعًا على ثلاثة أعوام. وكم هو معروف، يتضمن هذا الاتفاق "اشتراطات" بشأن السياسات الاقتصادية، يراقب الصندوق مدى التزام الجهات المختلفة، بما
ينظر تعديل المادة 140 والمادة المضافة برقم 141 مكررًا من الدستور في المرجع نفسه. لاحظ أن هذا التعديل يشكل رجعة إلى ما كانت عليه الحال في دستور عام 1971 الذي جعل مدة الرئاسة ستة أعوام، بينما كانت مدة المحافظ أربعة. Gauti Eggertsson & Eric Le Borgne, "A Political Agency Theory of Central Bank Independence," International Monetary Fund,
IMF Working Paper , no. 144 (July 2003), p. 35, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/2MZnPXy بشأن تجاوز النسبة القانونية لإقراض الحكومة، ينظر: Awad. يثور جدل حول المقصود بالحكومة في المادة 27 المشار إليها، أي ما إذا كان يقصد بها الحكومة المركزية، أم أنها تتسع لتشمل الهيئات العامة والمحليات. كما يثور جدل بشأن ما قد يُدرج تحت "التمويل" المقدم إلى الحكومة، وما إذا كان مقصورًا على التمويل المباشر (تقديم ائتمان - شراء سندات وأذون الخزانة في السوق الأولية)، أم يشمل أيضًا التمويل غير المباشر (شراء سندات وأذون الخزانة من السوق الثانوية – إقراض البنوك التجارية بضمان سندات أو أذون الخزانة – تمكين بنوك القطاع العام من السحب على المكشوف).
فيها البنك المركزي بالطبع، بتنفيذها قبل صرف كل دفعة مستحقة من القرض. وكانت الحكومة قد أعلنت أنها ستوقع اتفاقًا جديدًا مع الصندوق في نهاية آذار/ مارس 2020 بحسب ما صرّح وزير المالية؛ ما قد يكرّس الاشتراطات السابقة، وقد يضيف اشتراطات جديدة؛ ما قد تكون له انعكاسات سلبية على استقلال البنك المركزي. وأدّت جائحة كورونا، وما أحدثته من خلل في ميزان المدفوعات وفي الاقتصاد عمومًا، إلى الإسراع باستئناف العلاقة المالية بين الحكومة والصندوق. ففي 11 أيار/ مايو 2020، أعلن الصندوق موافقته على إقراض الحكومة مبلغ 2.772 مليار دولار في إطار الأداة المالية السريعة (RFI) Instrument Financial Rapid التي صمّمها الصندوق لتلبية طلبات الدول المرتبطة بجائحة كورونا. وأعقب الاتفاق على هذا القرض قيام بعثة من خبراء الصندوق بإجراء محادثات عبر الإنترنت مع الحكومة المصرية خلال الفترة 19 أيار/ مايو - 5 حزيران/ يونيو 2020 بشأن حصول الحكومة على تمويل إضافي (أي قرض آخر) من الصندوق. وفي نهاية هذه المباحثات، أعلنت رئيسة البعثة التوصل إلى "اتفاق على مستوى الخبراء (بمعنى أنه لا يصبح نافذ المفعول إلّ بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق) بشأن السياسات الاقتصادية التي يمكن أن يدعمها اتفاق للاستعداد الائتمني (SBA) Arrangement Stand-By مدّته 12 شهرًا"، بقيمة 5.2 مليارات دولار. لاحظ دقة الصياغة ومغزاها: فالاتفاق ينصبّ في المقام الأول على "السياسات الاقتصادية"، وتأتي قيمة القرض في المقام الثاني. وبحسب هذا الإعلان، فإن الغرض من القرض هو "دعم الانفاق الصحي والاجتمعي وتحسين شفافية المالية العامة وتحقيق تقدم أكبر في الإصلاحات الرامية إلى تحفيز النمو وخلق فرص العمل بقيادة القطاع الخاص". وتتوقع بعثة الصندوق أن يكون هذا الاتفاق حافزًا للجهات الثنائية ومتعددة الأطراف على تقديم دعم مالي إضافي (أي المزيد من القروض) إلى الحكومة المصرية. وهكذا تستمر مصر في الدوران في الدائرة الخبيثة للقروض الأجنبية، ويستمر معها تقليص الاستقلال الاقتصادي، ومن ضمنه استقلال البنك المركزي. مم تقدم يتبيّ أن استقلال البنك المركزي المصري مُعطّل بفعل بعض النصوص التي يتضمّنها الدستور بعد تعديله، وبمقتضى بعض نصوص قانون البنك المركزي المطبّق حاليًا أيضًا. ويفاقم من هذا الوضع ما تبُرِمه الحكومة من اتفاقات مع صندوق النقد الدولي. وحتى لو تعزّز النص على الاستقلال في القانون الجديد الذي حوّلت الحكومة مشروعه في كانون الثاني/ يناير 2020 إلى مجلس النواب، فلا يتوقع تفعيل هذه النصوص على أرض الواقع ما دام نظام الحكم قد بقي مُفتقِرًا إلى الديمقراطية الصحيحة. فالاستقلال القانوني للبنك المركزي، حتى في تعريفه الضيّق، يبقى عاجزًا عن أن يُتَجم إلى استقلال فعلي، ما دامت المنظومة السياسية والمؤسسية الأكبر التي يعمل في إطارها تتّسم بالسلطوية
59 ينظر: International Monetary Fund, Middle East and Central Asia Dept, Arab Republic of Egypt: Fourth Review under the Extended
Arrangement under the Extended Fund Facility. تصريح محمد معيط، وزير المالية، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ينظر: "وزير المالية: نأمل في عقد اتفاق جديد مع صندوق النقد بنهاية مارس. ملتزمون بتنفيذ أجندة إصلاحية خاصة... ونهدف إلى إكمال 5 إلى 6 عمليات اكتتاب أولى بحلول 30 يونيو المقبل"، حابي، 2019/10/26، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/2C6jMqo "IMF Executive Board Approves US $ 2.772 Billion in Emergency Support to Egypt to Address the COVID - 19 Pandemic,"
International Monetary Fund , 11/5/2020, accessed on 12/7/2020, at: https://bit.ly/3gX9nwt صندوق النقد الدولي، "مصر: الصندوق يتوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء حول عقد اتفاق للاستعداد الائتماني مدته 12 شهرًا بقيمة 5,2 مليار دولار أمريكي" (بيان صحفي رقم 20/236)، 2020/6/5، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/37tuEu1 "النواب المصري يوافق على مشروع قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي"، موقع، 2020/5/17، شوهد في 2020/6/14، في: https://bit.ly/2UIFkzX مباشر
والشمولية. ولهذا العجز مصدران: أولهم ذاتي، بمعنى أن قيادة البنك المركزي تضع سقفًا منخفضًا لحريتها في الحركة، حميةً لنفسها من المساءلة التي قد تفضي إلى إجراءات عقابية من السلطة الحاكمة، على غرار ما تفرضه الصحف وأجهزة الإعلام الأخرى على نفسها من رقابة ذاتية في النظم السلطوية. وثانيهم خارجي، بمعنى أنه يأتي من رأس السلطة الحاكمة التي لا تتقبل خلافًا مع رأيها، ولا تتورّع عن توجيه تعليمت إلى قيادة البنك المركزي، تنطوي على مخالفة ما تنص عليه القوانين واللوائح من قواعد، مثل القاعدة الخاصة بحدود التمويل الذي يمكن أن يقدمه البنك إلى الحكومة.
سابعًا: البنك المركزي والسياسة النقدية من منظور تنموي
كم ذكرتُ سابقًا، فإن فكرة استقلال البنك المركزي، وما ارتبط بها من اختزال أهداف السياسة النقدية التي يديرها في هدف وحيد وهو الاستقرار السعري، هي فكرة من أفكار السياسة الاقتصادية النيوليبرالية التي شاع تطبيقها في الدول المتقدمة والدول النامية على السواء في العقود الأربعة الماضية. ولما كنتُ من الذين يعتقدون أن هذه السياسة كانت، ولمّا تزل، عاجزةً عن تحقيق هدف الخروج من التخلف والتحرر من التبعية في مصر وغيرها من الدول النامية، يصبح من اللازم فحص الوضعية المؤسسية المناسبة للبنك المركزي والأهداف المناسبة للسياسة النقدية من منظور بديل للمنظور النيوليبرالي، وهو ما أُطلق عليه المنظور التنموي. ويقوم هذا المنظور البديل على الركائز الثلاث الآتية: دروس التاريخ، كم سبق ذكره، لم يكن استقلال البنك المركزي، ولا حصر هدف السياسة النقدية في الاستقرار السعري، من الممرسات الشائعة في الفترة الطويلة السابقة على الحقبة النيوليبرالية. بل كان البنك المركزي أداةً لتوفير التمويل اللازم للحكومات، وكانت تُضاف إلى مكافحة التضخم أهداف أخرى، مثل النمو الاقتصادي والتوظف الكامل. كم يشير تاريخ الدول الصناعية القديمة والجديدة الاقتصادي، على السواء، إلى أن البنوك المركزية قامت بدور مهم في تحقيق النهوض الاقتصادي عمومًا، وفي نمو الصناعة خصوصًا. ففي اليابان ومعظم الدول الأوروبية، كم في نمور شرق آسيا [تايوان، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وكوريا الجنوبية]، عملت البنوك المركزية على توجيه الائتمن نحو القطاعات المرغوب في تنميتها، وقدّمته بأسعار فائدة منخفضة أو مدعمة إلى المشروعات ذات الأولوية في خططها أو سياساتها الاقتصادية والاجتمعية. كم ساعدت البنوك المركزية في توفير التمويل اللازم لمشروعات الحكومة في مجالات البنية الأساسية والخدمات العامة. وساعدت أيضًا في توفير النقد الأجنبي بأسعار صرف تمييزية جزءًا من السياسات الصناعية لهذه الدول. بعبارة أخرى، كانت البنوك المركزية شريكًا ناشطًا في إنجاز السياسات الإنمائية للحكومة وفي تعزيز نمو المشروعات الإنتاجية للقطاع الخاص، ولم يحصر هدفه في استقرار الأسعار، بما فيها سعر
لمن يريد دلائل على غياب الديمقراطية في مصر استنادًا إلى التقارير الدولية التي تتابع مستويات الحرية والديمقراطية في العالم، يمكن الرجوع إلى التقارير التي أشرتُ إليها سابقًا في: علي، "قياس استقلالية البنك المركزي..."؛ سعيد ورهيف، "استقلالية البنك المركزي..."؛. ونظرًا إلى التحفظات التي ترد على بعض المؤشرات The Central Bank Governance Group, "Issues in the Governance of Central Banks" الفرعية المختارة وطرائق القياس وترتيب الدول، يمكن الاكتفاء بالتقويم النهائي لوضع مصر في عام 2018، حيث وُضعت في شريحة النظم السلطوية طبقًا لتقرير EIU، وفي شريحة النظم غير الحرة طبقًا لتقرير House Freedom، وفي شريحة النظم الأنوقراطية المغلقة Anocracies Closed – وهي نظم تجمع بين الشكل الديمقراطي والممارسة غير الديمقراطية - طبقًا لمؤشر IV Polity في تقرير PITF:. ينظر.The Economist Intelligence Unit (EIU) بشأن نقد السياسات النيوليبرالية والبديل المقترح لها، ينظر: إبراهيم العيسوي، الاقتصاد المصري في ثلاثين عامًا (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 2007)، الفصل التاسع؛ إبراهيم العيسوي، نموذج التنمية المستقلة (كُتيّب)، سلسلة أوراق عربية، رقم 29 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012
الصرف. وبدهي أن اضطلاع البنك المركزي بدور مهم في التنمية، يقتضي دخوله في علاقة تعاون وثيق وتنسيق مستمر مع الحكومة، وهو ما لا يتفق مع المفهوم المتطرف للاستقلال. علاقة التضخم بالنمو، إذا كان التضخم هو الهاجس الأكبر للسياسات النيوليبرالية، وإذا كانت مكافحته هي أساس فكرة استقلال البنك المركزي، فإن ثمة دراسات متعددة تشير إلى أن الهوس بشأن التضخم قد يؤدي إلى سياسة نقدية تعرقل النمو والتوظف عمومًا، وعملية التصنيع خصوصًا. وطبقًا لبعض هذه الدراسات، فإن معدلّات تضخم في حدود 20-10 في المئة ليس لها تأثير سلبي يذكر في النمو الاقتصادي، ويكون هذا الأثر السلبي محسوسًا بعد تجاوز معدل التضخم مستوى 20 في المئة. وأيّد هذه النتيجة اقتصاديون نيوليبراليون، مثل روبرت بارو، كم أيّدتها دراسة للبنك الدولي عن 127 دولة في الفترة 1992-1960. ولا تستقيم هذه الخبرة مع التبرير الذي أشرنا إليه في ما سلف لغض الطرف عن التوظف الكامل، وما يتطلّبه من تحفيز للنمو الاقتصادي، كهدف من أهداف بنك مركزي، مثل الاحتياطي الفدرالي الأميركي، بحجة أن هذا الهدف سوف يتحقق تلقائيًا، لو ركز البنك اهتممه في خفض التضخم. كم أنه بعدما نجحت بنوك مركزية في دول متقدمة كثيرة في إبقاء معدل التضخم في حدود 2 في المئة، مع هبوط أسعار الفائدة الأساسية إلى ما يقرب من الصفر، وأصبحت اقتصادات هذه الدول مهددةً بركود حاد، فم عاد من الوارد أن تستمر البنوك المركزية في التمسك بهدف خفض التضخم أو الحفاظ عليه عند هذا المستوى، بدعوى أن هذا سيحفّز الاقتصاد. لذا لم تتردد البنوك المركزية في اتّباع سياسة التيسير الكمي إبان أزمة عام 2008، كم تتزايد حمسة الاقتصاديين حتى من داخل المعسكر النيوليبرالي لما يُعرَف بالنظرية النقدية الحديثة، وذلك على ما تقدم بيانه في المبحث الأول. وكم سبق ذكره في المبحث الثاني، فإن هذه الدعوة إلى توسيع نطاق أهداف البنك المركزي لتشمل أهدافًا تنموية، طرحتها حديثًا الأونكتاد. التمييز بين الاستقلال والحياد، إن منح البنوك المركزية الاستقلال لا يعني بالضرورة أنها ستكون محايدة إزاء الأطراف المختلفة في الاقتصاد، أو أنها لن تضع نصب عينيها سوى المصلحة العامة؛ إذ يُرجّح بعض الباحثين أن البنوك المركزية المستقلة عندما ترفع سعر الفائدة من أجل خفض التضخم، فإنها تنحاز في الواقع إلى القطاع المالي الذي يتضرر من التضخم لتأثيره السلبي في العائد من الاستثمرات المالية. لذا، يُعدّ القطاع المالي من أشد المناصرين لاستقلال البنك المركزي، على خلاف أهل الصناعة الذين لا يتحمّسون لمكافحة التضخم من خلال رفع سعر الفائدة، لما يترتب عنه من زيادة تكلفة الاقتراض. وعمومًا فإن الحياد أو توخي المصلحة العامة ليس بالضرورة صنوًا لاستقلال البنك المركزي، حيث تتباين آثار قراراته في الطبقات وأصحاب المصالح المختلفة، إضافة إلى أن المصلحة العامة مصطلح مطاط، يمكن تأويله تأويلات شديدة التباين. على الرغم من ذلك، فإن الرؤية التنموية البديلة للنيوليبرالية تقتضي، في حالة دولة نامية مثل مصر، ألّ يكون الهدف هو أقصى درجة من الاستقلال للبنك المركزي، وألّ يكون الهدف الوحيد للسياسة النقدية التي ينفّذها هو الوصول بالتضخم إلى أدنى مستوى. ففي حين يجب عدم التفريط في الاستقلال صونًا لاعتبارات التخصص والكفاءة الفنية من جهة، وتحوّطًا ضدّ الضغط الحكومي الذي قد يكون وراءه أغراض سياسية وقتية من جهة أخرى، فإنه يجب عدم الإفراط في الاستقلال حتى ينفسح مجال معقول للتعاون والتنسيق مع الحكومات من أجل إنجاح السياسات
66 Chang & Grabel, pp. 184-185. 67 Ibid., pp. 185-186. 68 Ibid., p. 182.
والخطط القومية. وهو ما يتفق مع مفهوم استقلال البنك المركزي بأدوات السياسة وفق الأهداف التي تضعها السلطة السياسية. كم تقتضي الرؤية التنموية البديلة توسيع نطاق الأهداف التي يسعى البنك المركزي لتحقيقها، لتشمل أهدافًا تنموية، مثل النمو الاقتصادي المعزّز للتغيرات الهيكلية الضرورية للتنمية، وزيادة فرص العمل، مع مكافحة التضخم عندما يصل إلى مستوى يعرّض الأهداف التنموية للخطر. فإذا كان للتضخم شديد الارتفاع أثر سلبي في النمو الاقتصادي، فإن التضخم شديد الانخفاض قد يكون معرقلً للنمو الاقتصادي ومحفّزًا للركود. غير أن إدراك المدى الواسع للتوافق بين التضخم والنمو يجب ألّ يشجع على صرف النظر عن الآثار السلبية للتضخم في مستوى معيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة والفئات ذات الدخول الثابتة وأرباب المعاشات ومن إليهم. وهنا تبرز أهمية التنسيق بين السياسة النقدية وسياسة المالية العامة لمواجهة هذه الآثار السلبية. ومع ذلك، يبقى حسن سير العلاقة بين البنك المركزي والحكومة مرهونًا بجودة تصميم السياسات العامة للحكومة وحسن تعبيرها عن الإرادة الشعبية؛ ما يقتضي توافر نظام سياسي يكفل ممرسة ديمقراطية حقيقية.
خاتمة
يمكننا الانتهاء إلى خمسة استنتاجات: ثمة مساحة معقولة بين الاستقلال التام للبنك المركزي - وهو غير ممكن لأسباب مؤسسية وسياسية - وتبعيته المطلقة للسلطة الحاكمة - وهي مرفوضة لأسباب تتعلق بكفاءة السياسة النقدية وتجنّبًا لتحول البنك المركزي ألعوبةً بيد الحكومة، تُسخّرها لتمويل الإنفاق الحكومي على نحو غير مسؤول، أو لتحقيق أغراض انتخابية قصيرة المدى، قد يترتب عليها الإضرار بمسار الاقتصاد والتنمية على المدى المتوسط أو الطويل. وفي هذه المساحة، يمكن أن يتمتع البنك المركزي بحرية الحركة في تحديد أدوات السياسة النقدية، وذلك من دون مصادرة فرص التعاون والتشاور والتنسيق مع المسؤولين في الحكومة عن السياسة المالية وباقي السياسات الاقتصادية. وهذا هو القدر المرغوب فيه من استقلال البنك المركزي. فهذا هو الاستقلال بالمعنى النسبي الذي ينصبّ على تحديد أدوات السياسة النقدية وتشغيلها سعيًا لتحقيق أهداف متفق عليها مع الحكومة لهذه السياسة، وذلك في إطار الأهداف العامة للسياسة الاقتصادية الكلية. وهذا هو الاستقلال الذي لا يتجاهل أن الأصل في السياسات العامة على اختلافها أن تتناسق في ما بينها، وأن تشكل حزمة متكاملة، لما في ذلك من تفادي التكلفة الباهظة عادةً لتنافر السياسات من جهة، ولما يترتب على تناسق السياسات وتكاملها من فرص أكبر لنجاحها من جهة أخرى. يستلزم تأمين استقلال البنك المركزي، بالمعنى المشار إليه سابقًا، أن تتوافر في قانونه ضمنات محددة لحمية هذا الاستقلال. ومن أهم هذه الضمنات أن تكون مدة عضوية المحافظ وأعضاء مجلس إدارة البنك طويلة نسبيًا، حيث لا تتوافق دورات تعيينهم مع الدورة الانتخابية لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو البرلمان. ومنها تحصين منصب المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة ضدّ العزل التعسفي. ومنها غياب التمثيل الحكومي في مجلس الإدارة، أو على الأقل عدم التوسع فيه، مع الاكتفاء بالتشاور والتنسيق من خلال لجان مشتركة لكبار مسؤولي البنك ووزارة المالية ومن خلال المجلس التنسيقي. ومنها عدم التوسع في اللجان التنسيقية العليا. ففي الحالة المصرية، لا حاجة إلى استحداث لجنة الاستقرار المالي المقترحة في مشروع القانون الجديد للبنك المركزي؛ إذ يمكن تحقيق الغرض من هذه اللجنة من خلال المجلس التنسيقي، وذلك بجعل رئيس هيئة الرقابة المالية أحد أعضائه، وهو أصلً من أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي. أضف إلى ذلك أن الاستقرار المالي متضمن أصلً في وظيفتين من وظائف البنك المركزي:
وظيفة الإشراف على النظام المصرفي وضمن سلامته، ووظيفة المقرض الأخير للبنوك والمؤسسات المالية. ومم هو حقيق بالانتباه في هذا الشأن ضآلة وزن القطاع المالي غير المصرفي. فطبقًا لتقرير الاستقرار المالي لعام 2018، كان نصيب هذا القطاع في إجملي أصول النظام المالي نحو 10 في المئة، بينم كان نصيب القطاع المصرفي نحو 90 في المئة. مهم أحكمَت صياغة النصوص الدستورية والقانونية المعززة لاستقلال البنك المركزي، فإن ترجمة الاستقلال القانوني إلى استقلال فعلي ترتهن بسيادة مناخ ديمقراطي حقيقي في الدولة؛ إذ إنه في غياب الديمقراطية الحقيقية، يصبح الحديث عن هذا الاستقلال لغوًا فارغًا. وتتجاوز الديمقراطية المقصودة هنا الشكل إلى المضمون، ولا تكتفي بالنصوص القانونية ديمقراطية المظهر، لكن تؤمن تفعيلها. والدولة الديمقراطية فعلً هي دولة احترام الدستور والقانون التي تلتزم بالشفافية والمساءلة، وتفصل بين السلطات وتكفل استقلال القضاء (باعتباره ضمنة مهمة لعدم انتهاك الدستور أو القانون) وتحترم حقوق الإنسان كلها بما في ذلك الحق في حرية الفكر والرأي والحق في التنظيم وفي التظاهر السلمي، والحق في حرية العمليات الانتخابية ونزاهتها من أجل الوصول إلى برلمان يعبّ عن إرادة الشعب، لا عن إرادة الحاكم. في ما يتعلق بمصر، ثمة دلائل على ضعف استقلال البنك المركزي من الناحيتين القانونية والفعلية. واستمر غياب النص على استقلال البنك المركزي في القانون 88 لعام 2003، وذلك على الرغم من ظهوره في دستور عام 2014. وعلى الرغم من أن تمثيل الحكومة (المباشر وغير المباشر) قوي في مجلس إدارة البنك وفي المجلس التنسيقي، فإنه قد يزداد طبقًا لمشروع القانون الجديد إذا تقرر تشكيل لجنة الاستقرار المالي. وعصف تعديل الدستور في عام 2019 بأحد الضمنات المتعارف عليها لاستقلال البنك المركزي، وذلك بافتقاد التناسب بين مدة القيادة العليا للبنك والمدة المقررة لرئيس الجمهورية. وحتى إذا أقرّ مشروع القانون الجديد للبنك بعض النصوص المعززة لاستقلاله، فإنها لن تكون ذات قيمة من الناحية العملية، ما دام نصيب البلاد من الديمقراطية قد بقي مقصورًا على شعاراتها وشكلياتها، ومفتقرًا إلى الممرسة العملية. في ما يتعلق بمصر أيضًا، ليس من المفيد، لأغراض التنمية، التمسك بالمنظور النيوليبرالي للوضع المؤسسي للبنك المركزي وأهداف السياسة النقدية؛ إذ يتجاهل هذا المنظور دروس التاريخ التي تفيد قيام البنوك المركزية بدور مهم في تعزيز النمو الاقتصادي والتشغيل في الدول الصناعية القديمة والجديدة على السواء، وذلك من خلال تعاون وثيق مع الحكومات. كم ينطوي على تصور لعلاقة بين التضخم والنمو، لا توجد دلائل موثوقة بشأن صوابها. إضافة إلى ذلك، يرتب المنظور النيوليبرالي على استقلال البنك المركزي نتيجةً غير متيقن منها، وهي حياده إزاء الطبقات والفئات الاجتمعية المختلفة وسعيه لتحقيق المصلحة العامة. لذا فإن المقترح من منظور تنموي هو: (أ) أن يكون استقلال البنك المركزي مقصورًا على تشغيل أدوات السياسة النقدية، وفي الحدود التي تفسح مجالً معقولً للتشاور بندّية مع الحكومة والتعاون معها؛ (ب) أن تتسع أهداف البنك المركزي لتشمل أهدافًا تنموية، ولا سيم النمو الاقتصادي
بشأن معنى الاستقرار المالي وعلاقته بالاستقرار النقدي (الذي يشمل الثقة بالعملة الوطنية واستقرار قيمتها محليًا وبالنسبة إلى العملات الأجنبية)، ينظر: 190 pp. ,192-Moenjak, 284، حيث يرى المؤلف أن الاستقرار النقدي لا يتحقق إذا غاب الاستقرار المالي، وأن على البنك المركزي أن يضطلع بمهمة الحفاظ على الاستقرار المالي، سواء أكان الإشراف على البنوك ضمن مهماته أم يخرج عنها، وذلك بوضع الضوابط الوقائية ضد الاضطرابات المالية ومن خلال مباشرته وظيفة المقرض الأخير. يشتمل القطاع المالي غير المصرفي على عدد من القطاعات الفرعية أهمها البريد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار وشركات الوساطة في الأوراق المالية وشركات وجهات التمويل غير المصرفية (مثل التمويل العقاري والتمويل متناهي الصغر والتأجير التمو لي والتخصيم والتوريق) وشركات الصرافة وصناديق التأمين الخاصة وصناديق التأمين الحكومية. ينظر: البنك المركزي المصري، تقرير الاستقرار المالي للعام 2018، ص 3-2، شوهد في:2020/6/14، في https://bit.ly/3d1ekC3
والتوظف؛ (ج) التخلّ عن الرؤية المتزمتة تجاه التضخم والسير في مكافحته بالقدر الذي لا يتعارض مع تحقيق الأهداف التنموية، مع مراعاة أن تتكامل السياسات المالية والاجتمعية مع السياسة النقدية لرفع أضرار التضخم عن كاهل الفقراء والفئات أصحاب الدخول المنخفضة والثابتة وأرباب المعاشات ومن إليهم. وفي تقديري أن العائد من هذا التغيير في الوضع المؤسسي للبنك المركزي وأهدافه سوف يتعاظم: (أ) إذا كان هذا التغيير جزءًا من تحول أشمل للسياسات التنموية عن السياسات النيوليبرالية، قوامه دولة تنموية وتخطيط قومي شامل واعتمد على الذات وضبط مسارات العلاقات الاقتصادية الخارجية للدولة لمصلحة التنمية عمومًا، ومصلحة التصنيع خصوصًا؛ (ب) إذا كان هذا التغيير مصحوبًا بالتحرك نحو نظام سياسي يصون حقوق الإنسان وحرياته ويتيح ممرسة الديمقراطية التشاركية على أوسع نطاق.
المراجع
العربية
"تعريف السياسة النقدية". البنك المركزي المصري. في: https://bit.ly/3fumkNz "تقرير الاستقرار المالي للعام 2018". البنك المركزي المصري. في: https://bit.ly/3d1ekC3 سعيد، أحمد محمد فهمي وبلسم حسين رهيف. "استقلالية البنك المركزي العراقي، مع الإشارة إلى درجة استقلالية البنك المركزي العراقي استنادًا إلى قانونه رقم 56 لسنة 2004 ". مجلة دراسات محاسبية ومالية. 2011. في: https://rb.gy/qsu5ea صندوق النقد الدولي. "مصر: الصندوق يتوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء حول عقد اتفاق للاستعداد الائتمني مدته 12 شهرًا بقيمة 5,2 مليار دولار أمريكي". (بيان صحفي رقم /236.)20 2020/6/5:. في https://bit.ly/37tuEu1 علي، عزوز. "قياس استقلالية البنك المركزي في ظل الإصلاحات المصرفية الحديثة". ورقة مقدمة إلى الملتقى الدولي حول إصلاح النظام المصرفي الجزائري في ظل التطورات العالمية الراهنة. جامعة قاصدي مرباح/ ورقلة. 11 و 12 آذار/ مارس 2008:. في https://bit.ly/2UEOahW العيسوي، إبراهيم. الاقتصاد المصري في ثلاثين عامًا. القاهرة: المكتبة الأكاديمية،.2007 _______. نموذج التنمية المستقلة (كُتيّب). سلسلة أوراق عربية، رقم 29. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012. الغالبي، عبد الحسين وسوسن الجبوري. "العلاقة بين استقلالية البنك المركزي وسعر الصرف في مصر: دراسة قياسية". مجلة القادسية للعلوم الإدارية والاقتصادية. المجلد 18. العدد 2 (2016). غرينسبان، آلان. عصر الاضطراب: مغامرات في عالم جديد. ترجمة أحمد محمود. أبوظبي: كلمة للترجمة؛ القاهرة: دار الشروق، 2008.
قناوي، عزت ملوك. "استقلالية البنك المركزي المصري وطبيعة التفاعل بين السياسة النقدية والمالية". ورقة مقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي الرابع والعشرين للاقتصاديين المصريين. الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع. القاهرة..2005 "محافظو البنك المركزي المصري". البنك المركزي المصري. في: https://bit.ly/2UJSdtp
الأجنبية
Alesina, Alberto. "Politics and Business Cycles in Industrial Democracies." Economic Policy. vol. 4, no. 8 (April 1989). Alesina, Alberto & Lawrence H. Summers. "Central Bank Independence and Macroeconomic Performance." Journal of Money. Credit and Banking. vol. 25, no. 2 (May 1993). Amadeo, Kimberly. "Explaining Quantitative Easing." The Balance. 3/9/2019. at: https://bit.ly/3d3O0aa Awad, Ibrahim L. "Towards Measurement of Political Pressure on Central Banks: The Case of the Central Bank of Egypt." Prague Economic Papers. vol. 3 (2008). at: https://bit.ly/2zuaFia Balls Ed, James Howat & Anna Stansbury. "Central Bank Independence Revisited: After the Financial Crisis, What Should a Model Central Bank Look Like?" M-RCBG at Harvard Kennedy School Associate. Work Paper. no. 87 (November 2016). at: https://bit.ly/37ri6Dx Bibow, Jörg. "A Post Keynesian Perspective on the Rise of Central Bank Independence: A Dubious Success Story in Monetary Economics." Levy Economics Institute. Working Paper. no. 625 (October 2010). at: https://bit.ly/3hsTS0g Borrero, Alberto Musalem. "On the Long and Short of Central Bank Independence, Policy Coordination and Economic Performance." International Monetary Fund. Work Paper. 1/2/2001. at: https://bit.ly/2MZx0Y1 Capie, Forrest et al. (eds.). The Future of Central Banking: The Tercentenary Symposium of the Bank of England. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. at: https://bit.ly/3fnMd1e Cargill, Thomas F. "The Myth of Central Bank Independence." Mercatus Center at George Mason University. Mercatus Working Paper (October 2016). at: https://bit.ly/2C0EmZ6 Case, Karl E. Ray C. Fair & Sharon Oster. Principles of Economics. 9 th (ed.) Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 2009. Chang, Ha-Joon & Ilene Grabel. Reclaiming Development- An Alternative Economic Policy Manual. London/ New York: Zed Books, 2004.
Cochrane, John H. & John B. Taylor (eds.). Central Bank Governance and Oversight Reform. Washington: Hoover Institution Press, 2016. at: https://hvr.co/3fmbaKA Crowe, Christopher W. & Ellen E. Meade. "Central Bank Independence and Transparency- Evolution and Effectiveness." International Monetary Fund. Work Paper (April 2012). at: https://bit.ly/2Y5c9sZ Debelle, Guy & Stanley Fischer. "How Independent Should a Central Bank Be?" Working Papers in Applied Economic Theory from Federal Reserve Bank of San Francisco. no. 5 (1994). at: https://bit.ly/2zzc3Ag Dimitry, Sologoub. "Issues of Central Bank Independence- The Evidence from Transition Economies." A Thesis Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Master of Arts in Economics. National University of Kyiv-Mohyla Academy. 2002. at: https://bit.ly/3hmbPgZ Eggertsson, Gauti & Eric Le Borgne. "A Political Agency Theory of Central Bank Independence." International Monetary Fund. IMF Working Paper. no. 144 (July 2003). at: https://bit.ly/2MZnPXy Emam, H. T. " Assessing the Independence of the Central Bank of Egypt: An Empirical Analysis." PhD. Dissertation. the Faculty of Economics and Political Science. Cairo University. 2018. Federal Reserve Bank of San Francisco. "Is the Federal Reserve a Privately Owned Corporation?" Publications (September 2003). at: https://bit.ly/3cZ360H _______. "Where does the Federal Reserve Get the Money to Fund its Operations?" Publications (May 2006). at: https://bit.ly/37sXGtB Freedom House. "Freedom in the World." at: https://bit.ly/3e5e2vg Georgeta, Beju Daniela. Ciupac-Ulici Maria-Lenuta & Fat Codruta Maria. "Central Bank Independence and Inflation in EU-28." Land Forces Academy Review. vol. 22, no. 4 (88) (2017). at: https://bit.ly/2YwLjJb Gharleghi, Behrooz. "Central bank Independence and Economic Growth." DOC: Research institute. 4/3/2019. at: https://bit.ly/2YAkWBT Ghosh, Jayati. "Who should Control India's Central Bank?" Project Syndicate. 12/11/2018. at: https://bit.ly/30Gflgj Grilli, Vittorio. Donato Masciandaro & Guido Tabellini. "Political and Monetary Institutions, and Public Financial Policies in the Industrial Countries." Economic Policy. vol. 6, no. 13 (October 1991).
Hartwell, Christopher A. "On the Impossibility of Central Bank Independence: Four Decades of Time-(and intellectual) Inconsistency." Cambridge Journal of Economics. vol. 34, no. 1 (January 2019). at: https://bit.ly/3dZjwHG International Monetary Fund, Middle East and Central Asia Dept. Arab Republic of Egypt: Fourth Review under the Extended Arrangement Under the Extended Fund Facility-Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt. IMF Staff Country Report. no. 19/ 98. 6/4/2019. at: https://bit.ly/3d8xSEF Karlan, Dean & Jonathan Morduch. Economics. 2 nd (ed.) New York: McGraw- Hill, 2017. Lill, Dawid Johannes Van. "Balance Sheet Policies: A Primer." Economic Society of South Africa. 2017. at: https://bit.ly/2UH2YNa Moenjak, Thammarak. Central Banking: Theory and Practice in Sustaining Monetary and Financial Stability. Singapore: John Wiley & Sons, 2014. Orphanides, Athanasios. "Independent Central Banks and the Interplay Between Monetary and Fiscal Policy." International Journal of Central Banking. vol. 14, no. 3 (June 2018). at: https://bit.ly/30IR0pY Sachs, Jeffrey D. & Felipe B. Larrain. Macroeconomics in the Global Economy. New Jersey: Prentice Hall, 1992. Samuelson, Paul A. & William D. Nordhaus. Economics. 18 th ed. Boston, MA: McGraw-Hill, 2005. Satoglu, Emine Beyza. "Central Bank Independence in a Developing Country Context." Master Thesis. the Institute for Social Sciences. Istanbul Bilgi University. Istanbul. 2008. at: https://bit.ly/3fswNsv Siklos, Pierre. L. "No Single Definition of Central Bank Independence is right for all Countries." 'Paolo Baffi' Centre on Central Banking and Financial Regulation. Research Paper. no. 2008-02. 4/3/2008. at: https://bit.ly/3e2fIW1 "Structure of the Federal Reserve System." Board of Governors of the Federal Reserve System. 3/6/2020. at: https://bit.ly/3e43XhX The Central Bank Governance Group. Issues in the Governance of Central Banks. Bank of International Settlements. Report (May 2009). at: https://bit.ly/2Y2mh5t "Special Issue: Modern Monetary Theory and its Critics." Real World Economics Review. no. 89 (October 2019). at: https://bit.ly/2Axb0RG "Time inconsistency and inflation." The Actuary. 2019. at: https://rb.gy/k4epa5
United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). Trade and Development Report 2019. Geneva: UN, 2019. at: https://bit.ly/3e2GdLg Wray, L. Randall. "Central Bank Independence: Myth and Misunderstanding." Levy Economics Institute of Bard College. Working paper. no. 791 (March 2014). at: https://bit.ly/30CuWgR