Return to Article Details The Civil Society Organizations and Combatting Poverty in Mauritania

الفاعل الجمعياتي ومكافحة الفقر في موريتانيا

The Civil Society Organizations and Combatting Poverty in Mauritania

محمد يحيى حسني

الملخّص

تتناول هذه الدراسة موضوع الفقر والفاعل الجمعياتي في موريتانيا، من خلال رصدٍ وتحليلٍ للأدوار التي تقوم بها الجمعيات الموريتانية في مجال مكافحة الفقر الذي يعتبر المعضلة الرئيسة التي تواجه موريتانيا منذ نشأتها. وتعتمد على دراسة ميدانية شملت عيّنة من الجمعيات، وأخرى من مجتمع الفقراء؛ من أجل تقييم الإسهام الاقتصادي للفاعل الجمعياتي في مجال مكافحة الفقر. توصّلت الدراسة إلى جملة من النتائج تخصّ أهمية التمكين بوصفه نظرية ومقاربة في فهم ظواهر الفقر ومكافحتها، وبيّنت أنّ تدخلات الفاعل الجمعياتي أكثر قدرة من غيره على ملامسة حاجات الفقراء، وأنّ الاستراتيجيات التمكينية في محاربة الفقر قد تمثّل أرضية مناسبة للتنمية البديلة، لكن من دون أن تكون هذه التنمية في حالة قطيعة مع الدولة التي تظل، مهما كانت الانتقادات الموجّهة إليها وإلى استراتيجياتها في محاربة الفقر، فاعلًا محوريًا في العملية التنموية.

Abstract

تتناول هذه الدراسة موضوع الفقر والفاعل الجمعياتي في موريتانيا، من خلال رصد وتحليلٍ للأدوار التي تقوم بها الجمعيات الموريتانية في مجال مكافحة الفقر الذي يعتبر المعضلة الرئيسة التي تواجه موريتانيا منذ نشأتها. وتعتمد على دراسة ميدانية شملت عيّنة من الجمعيات، وأخرى من مجتمع الفقراء؛ من أجل تقييم الإسهام الاقتصادي للفاعل الجمعياتي في مجال مكافحة الفقر. توصّلت الدراسة إلى جملة من النتائج تخصّ أهمية التمكين بوصفه نظرية ومقاربة في فهم ظواهر الفقر ومكافحتها، وبيّنت أنّ تدخلات الفاعل الجمعياتي أكثر قدرة من غيره على ملامسة حاجات الفقراء، وأنّ الاستراتيجيات التمكينية في محاربة الفقر قد تمثّل أرضية مناسبة للتنمية البديلة، لكن من دون أن تكون هذه التنمية في حالة قطيعة مع الدولة التي تظل، مهم كانت الانتقادات الموجّهة إليها وإلى استراتيجياتها في محاربة الفقر، فاعلً محوريًا في العملية التنموية. كلمت مفتاحية: موريتانيا، التمكين، مكافحة الفقر، المنظمت غير الحكومية، المجتمع المدني. This study examines the issue of poverty and civil society organizations in Mauritania analyzing the roles these organizations play in fighting poverty, considered to be the primary dilemma facing Mauritania since it was established. This research is based upon a field study, comprising a sample of organizations as well as a sample of the impoverished population, so as to evaluate the economic contribution of civil society actors in combatting poverty. The study arrives at a set of conclusions relating to the importance of empowerment in understanding the manifestations of poverty and the ways it can be eliminated. Field research results further suggest that interventions by the civil society actor are more effective than those of others in addressing the needs of the impoverished. Moreover, the study concludes by highlighting the important role of the state in the development process and the idea that the civil society organizations' role is not to be a substitute for government.

الكلمات المفتاحية:
  • موريتانيا
  • التمكين
  • مكافحة الفقر
  • المنظمات غير الحكومية
  • المجتمع المدني
Keywords:
  • Mauritania
  • Empowerment
  • Combatting Poverty
  • NGOs
  • Civil Society

الفاعل الجمعياتي ومكافحة الفقر يف موريتانيا The Civil Society Organizations and Combatting Poverty in Mauritania

تتناول هذه الدراسة موضوع الفقر والفاعل الجمعياتي في موريتانيا، من خلال رصد وتحليلٍ للأدوار التي تقوم بها الجمعيات الموريتانية في مجال مكافحة الفقر الذي يعتبر المعضلة الرئيسة التي تواجه موريتانيا منذ نشأتها. وتعتمد على دراسة ميدانية شملت عيّنة من الجمعيات، وأخرى من مجتمع الفقراء؛ من أجل تقييم الإسهام الاقتصادي للفاعل الجمعياتي في مجال مكافحة الفقر. توصّلت الدراسة إلى جملة من النتائج تخصّ أهمية التمكين بوصفه نظرية ومقاربة في فهم ظواهر الفقر ومكافحتها، وبيّنت أنّ تدخلات الفاعل الجمعياتي أكثر قدرة من غيره على ملامسة حاجات الفقراء، وأنّ الاستراتيجيات التمكينية في محاربة الفقر

قد تمثّل أرضية مناسبة للتنمية البديلة، لكن من دون أن تكون هذه التنمية في حالة قطيعة مع الدولة التي تظل، مهم كانت الانتقادات الموجّهة إليها وإلى استراتيجياتها في محاربة الفقر، فاعلً محوريًا في العملية التنموية. كلمت مفتاحية: موريتانيا، التمكين، مكافحة الفقر، المنظمت غير الحكومية، المجتمع المدني. This study examines the issue of poverty and civil society organizations in Mauritania analyzing the roles these organizations play in fighting poverty, considered to be the primary dilemma facing Mauritania since it was established. This research is based upon a field study, comprising a sample of organizations as well as a sample of the impoverished population, so as to evaluate the economic contribution of civil society actors in combatting poverty. The study arrives at a set of conclusions relating to the importance of empowerment in understanding the manifestations of poverty and the ways it can be eliminated. Field research results further suggest that interventions by the civil society actor are more effective than those of others in addressing the needs of the impoverished. Moreover, the study concludes by highlighting the important role of the state in the development process and the idea that the civil society organizations' role is not to be a substitute for government.

باحث موريتاني في مجال علم اجتماع التنمية والحراك الاجتماعي.

Mauritanian Researcher in sociology of development & social Mobility.

"إن مأزق موريتانيا الكبير ومشكلتها الكبيرة التي تتطلب حلًّ سريعًا وعميقًا هي مشكلة الفقر"

مقدمة

يُعدّ الفقر التحدي الأبرز لموريتانيا منذ نشأتها حتى اليوم، فعلى الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على استقلالها، ما زالت نسبة الفقر تربو على 42 في المئة بحسب الإحصاءات الرسمية، علمً أن بعض الإحصاءات الدولية والإقليمية تتحدث عن نسبة تتجاوز 70 في المئة. ويعود هذا التضارب في الأرقام إلى اختلاف المؤشرات المعتمدة في قياس الفقر بين الحكومة الموريتانية والجهات الأخرى الإقليمية والدولية، ولعل نسبة البطالة بين السكان، التي تصل بحسب الإحصاءات الرسمية إلى 30 في المئة، ونسبة الشعور بالفقر لدى المواطنين، التي تصل في آخر مسح للظروف المعيشية إلى 80 في المئة، تعطيان صورة أكثر وضوحًا عن عمق الفقر وانتشاره، خاصة بين الفئات النشطة في المجتمع، وأهمها الشباب. ويدل هذا الواقع على وجود جملة من الأعطاب في السياسات الاقتصادية والاجتمعية التي راهنت عليها الدولة الوطنية في مكافحة الفقر، وتحريك عجلة التنمية في البلاد. اقتضت هذه الوضعية دخول فاعلين جدد على خط مكافحة الفقر، وكان الفاعل الجمعياتي، في صيغته الأهلية التقليدية وصيغته الحديثة، أحد أبرز هؤلاء المتدخّلين الجدد. ونظرًا إلى محدودية الدراسات التي تناولت أدوار منظمت المجتمع المدني في مكافحة الفقر في موريتانيا، فقد وجب إعطاء أهمية لهذا الفاعل الاجتمعي الجديد، خاصة أنّه يتّبع مجموعة من الاستراتيجيات الجديدة لمكافحة الفقر مختلفة عن الاستراتيجيات المتّبعة من طرف الحكومات التي تتسم بالعمومية، ونادرًا ما تلامس الاحتياجات الدقيقة لمجتمع الفقراء. وبناءً على ذلك، تتبنى الدراسة منظورًا يعتبر النشاط أو الفعل الجمعياتي وجهًا من أوجه الفعل الاجتمعي والنشاط التنظيمي القائم على فكرة التمكين، ويستهدف في حالة هذه الدراسة بدرجة أولى، مكافحة الفقر عبر تمكين الفقراء، من خلال مجموعة من الاستراتيجيات والتدخلات المتنوعة. ومن هذا المنطلق، تحاول الدراسة الإجابة عن سؤال مركزي هو: إلى أي مدى تُسهم جمعيات المجتمع المدني الموريتانية في مكافحة الفقر؟ وتتفرع من هذا السؤال المركزي مجموعة من الأسئلة الفرعية هي: هل كان التنامي المتزايد للنشاط الجمعياتي في موريتانيا معبًّا عن ارتفاع نسق وسقف احتياجات المجتمع؟ وكيف تطوّر هذا النشاط؟ وهل يمكن أن نتحدث عن إسهام اقتصادي واجتمعي لجمعيات المجتمع المدني الموريتانية؟ لمقاربة هذه الأسئلة، تمّت هيكلة الدراسة على نحو يُلبّي مقتضيات التناول العلمي لظاهرة تفاعل الجمعيات موضوع الدراسة مع ظاهرة الفقر، بتقسيمها إلى أربعة محاور؛ إذ يتعرض المحور الأول للبناء النظري المفاهيمي للدراسة الذي

1 Pierre Bonte, "L'évolution de la société rurale Mauritanienne: Le pari de la sécurité alimentaire," Politique Africaine, no. 55 (Octobre 1994), p. 78.

الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا: خطة عمل 2015–2011، مج 2 (نواكشوط: الوزارة الأولى، 2015)، ص.7 ينظر على سبيل المثال: خالد أبو إسماعيل [وآخرون]، التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد (بيروت: لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا - الإسكوا، 2017)، ص.23–16 4 الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا، مج 2، ص.17 إلى جانب آليات القياس الإحصائية، تتضمن استمارة مسح الظروف المعيشية سؤالً عن شعور الشخص بالفقر، بمعنى آخر سؤاله إن كان يعتبر نفسه فقيرًا. وتُبين نتيجة هذا السؤال، في آخر مسح للظروف المعيشية أنجزه المكتب الوطني للإحصاء، أن نسبة تربو على 80 في المئة من السكان تعتبر نفسها من الفقراء. من أهم المؤلفات التي اطلعت عليها، على قلّتها: المنصف ونّاس، الجمعيات في موريتانيا: التاريخ والتشريع والأنشطة: دراسة ميدانية، غير منشور (2002)؛ منّينة عبد الله، التقرير السنوي الأول: نشاط المنظمات الأهلية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية (القاهرة: الشبكة العربية للمنظمات الأهلية،.)2002

يمكن اعتباره بمنزلة نموذج التحليل الذي اختاره الباحث، ثم يقدم المحور الثاني خلفية عن واقع الفقر في موريتانيا، وتجاوب الفاعل الرسمي الممثل في الدولة معه. أما المحور الثالث، فيتطرق بالتحليل إلى منهجية تناول إسهام الجمعيات في مكافحة الفقر ووحدة التحليل وطرق جمع المعلومات وغيرها. وأخيرًا، يعرض المحور الرابع، وهو المحور الأساسي في هذه الدراسة، لتدخلات الجمعيات ومقاربتها الخاصة للفقر وتمثلات عيّنة الفقراء لهذا التدخل خصوصًا، وللفقر عمومًا. تنطلق هذه الدراسة من فرضية تعتبر الفقر حرمانًا من التمكين، وأنّ الاستراتيجيات المتبعة من طرف المجتمع المدني في مكافحة الفقر تُثل استراتيجيات تنمية بديلة أكثر مقدرة على ملامسة احتياجات الفقراء من سياسات الاعتمد على النمو الاقتصادي الذي لا تصل ثماره إلى الفقراء، لأسباب بنيوية واقتصادية عديدة، وبسبب الفساد أيضًا، وهذا هو الأهم في الحالة الموريتانية. إن الهدف الذي تتوخّى الدراسة تحقيقه يتمثل أساسًا في سد الثغرة العلمية الخاصة بتناول أدوار الجمعيات في موريتانيا، ورصد مدى فاعليتها في مواجهة ظاهرة معقّدة مثل ظاهرة الفقر.

أولً: إطار مفاهيمي ونظري

حظي موضوع الفقر باهتمم كبير من طرف علمء الاجتمع والاقتصاد، وانعكس ذلك في غزارة المقاربات النظرية حول ظاهرة الفقر، لكن تناول علاقة الجمعيات بالفقر ظلّ محدودًا في الدراسات التي عُنيت بهذه الظاهرة في المجتمعات الحديثة، بل ظلّت علاقة الجمعيات بالفقر، حتى في سوسيولوجيا الجمعيات والمنظمت غير الحكومية، وهو حقل معرفي جديد، موضوعًا هامشيًا، على الرغم من أن مكافحة الفقر تعد من أبرز الأدوار التي يقوم بها الفاعل الجمعياتي، فضلً عن أنه نال من خلالها مشروعية كبيرة.

1. مفهوم الفقر

للإحاطة بما يشبه فهمً متكاملً للفقر، لا بد من التطرق إلى أبرز المقاربات والتفسيرات التي فسّت هذه الظاهرة. وفي هذا الشأن، هناك نمطان من التفسيرات. ويمكن أن نطلق على الأول التفسير الاجتمعي للفقر، وعلى الآخر التفسير الاقتصادي المادي للفقر.

الفقر في المنظور السوسيولوجي متنوع ومتعدد، ومن التعسف تعميم محدِّدٍ واحد، كالمحدد الاقتصادي مثلً، لتفسيره وقياسه، مع إهمل خصوصيات المجتمعات ووضعياتها التاريخية والراهنة؛ فالفقر مظاهر ومستويات. وبناءً عليه، لا ينبغي أن يتأسّس مفهومنا للفقر على التعميم وحده، وإنما ينبغي أن يتأسس أيضًا على التخصيص المستند إلى مجموعة من الأعراف السوسيوثقافية ومنظومة القيم والتصورات؛ أي كم يقول جيان لابانس: "الفقير هنا يتنقل في سيارة ذات عجلات مستعملة، والفقير هناك يمشي حافي القدمين أو بقبقاب". والمنحى نفسه أكّده عالم الاجتمع الإنكليزي بيتر تاونسند Townsend Peter، عندما ربط الفقر بالعادات الخاصة بالمجتمعات، فاعتبر شرب الشاي، والاحتفال بعيد الميلاد، والخروج مرة على الأقل في الشهر للعشاء في مطعم، من ضمن العادات الضرورية للإنجليزي، ومن ثمّ فإنّ من لا يمكنه توفير ذلك يُعَدّ فقيرًا؛ فيكون الفقر، بحسبه، هو العجز

المنصف ونّاس، الحياة الجمعياتية في المغرب العربي: التاريخ والواقع والآفاق: الجزائر، المغرب الأقصى، تونس (تونس: ألتالير، 1997)، ص.45 Jean Labbens, Sociologie de la pauvreté: Le tiers monde et le quart monde (Paris: Gallimard, 1978), p. 83.

عن عدم تمتع الناس بالمستوى الأساسي المتعارف عليه من الغذاء، وظروف المعيشة، وأنشطة الفراغ، وأسباب الراحة المعروفة اجتمعيًا بكونها "متعارفًا عليها". أمّا تعريف الفقر، بحسب تاونسند، فيجب أن يتسع ليشمل، إضافة إلى الاحتياجات المادية والبيولوجية، الاحتياجات الاجتمعية أو الأشياء المطلوبة اجتمعيًا. إذًا، يتحدّد الفقر، وفق هذه المقاربة التي يدمجها البعض ضمن مقاربة الحاجات الأساسية، باعتباره شكلً من أشكال الحرمان النسبي المادي والاجتمعي. ولا يرتكز الرهان، في مثل هذه المقاربات لمكافحة الفقر، على النمو الاقتصادي، وإنما على استراتيجيات تنموية قاعدية تنطلق في معالجة الفقر من خلال تمكين الفقراء، وذلك بعمل أمرين هم: معالجة الفقر المطلق عبْ المساعدة الكبيرة والمباشرة للفقراء، وسد الحاجات المادية الأساسية (الملابس، والطعام، والمأوى)، والاجتمعية (التعليم، والحقوق الإنسانية، أو ما يسمى المشاركة في الحياة الاجتمعية من خلال العمل والالتزام السياسي والجمعياتي). إلى جانب هذه المقاربة، توجد مقاربة أخرى تدور حول مفهوم "ثقافة الفقر"، وهي مقاربة تعتبر الفقراء مسؤولين، في درجة أولى، عن فقرهم، وعن إعادة إنتاج أوضاعهم، حيث "الوضع الاجتمعي للفرد يعتبر مرآة لما يتمتع به من مواهب وكفاءات ولما يقوم به". فوفقًا لمنظور ثقافة الفقر لدى أوسكار لويس مثلً، فإن الفقر "ليس نتيجةً لنواحي القصور والعجز الفردية، بل هو حصيلة لبيئة اجتمعية ثقافية واسعة تجري فيها التنشئة الاجتمعية للأطفال، وتنتقل ثقافة الفقر عبر الأجيال؛ لأن الأطفال يدركون في وقت مبكّر أنْ لا معنى للطموح أو للتطلع إلى حياة أفضل، ويستعيضون عن ذلك بالاستسلام والتواكل والرضا بأوضاع الفقر والعوز". ومن هنا، يكمن التحدي في مكافحة الفقر في محاربة ثقافة الفقر التي تعتبر إزالتها أصعب من إزالة الفقر نفسه. وعلى الرغم من أن لويس بنى استنتاجاته تلك من خلال دراسات ميدانية، فإن نظريته كانت محط العديد من الانتقادات، لعلّ أهمها تلك التي وجهها توماس غلادوين Gladwin Thomas الذي اعتبر أن نتائج دراسات لويس حول فقراء المدن المكسيكية لا تنطبق على كل فقراء المدن، ثمّ إنّ السمت التي اعتبرها لويس خصائص لثقافة الفقر والفقراء ليست نتاج ثقافة، أو ثقافة فرعية، تخلق نفسها بنفسها، وإنما هي انعكاس لبعض جوانب الثقافة السائدة، كم أنّ الفقراء لا يختلفون في أهدافهم، أو قيمهم، أو اتجاهاتهم، عن أبناء الثقافة المهيمنة ف "كل ما في الأمر أن الفقراء يشعرون بالإحباط ويُنعون من تحقيق أهدافهم، ومن ثمّ يسعون لتحقيق أهداف بديلة قد لا يفهمها أو يُقرّها أبناء الثقافة المسيطرة". فلويس، بحسب عالم الاجتمع الكوبي الأميركي ألخاندرو بورتسPortes Alejandro، ينظر إلى التكيف الانتقالي المؤقت مع الظروف الصعبة التي تكتنف الحياة الحضرية الصعبة على أنها سلوك مقنّن، وبذلك يكون مفهوم ثقافة الفقر مجرّد وسيلة تعمل على زيادة السلبية السياسية تجاه الفقراء. وقد كان هذا النقد مدخلً نحو تبلور مقاربة بنيوية تشدّد على العمليات الاجتمعية العريضة التي تنتج الفقر ويتعذر على الأفراد تجاوزها أو التغلب عليها، فهناك قوى هيكلية في المجتمع، مثل الطبقة والجنوسة والإثنية والمنزلة الاجتمعية،

أندرو ويبستر، مدخل لسوسيولوجية التنمية، ترجمة حمدي حميد يوسف، سلسلة المائة كتاب (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986)، ص.28 10 المرجع نفسه، ص.113–112 أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.348 Oscar Lewis, Five Families: Mexican Case Studies in the Culture of Poverty (New York: Basic Books, 1959). إسماعيل قيرة، "من هم فقراء الحضر؟ قاع المدينة العربية نموذجًا"، المستقبل العربي، العدد 205 (آذار/ مارس 1996)، ص.81 14 المرجع نفسه.

تشكل أسلوب توزيع الموارد. ومن ثم، فإن تخفيف الفقر - وفق هذه المقاربة - لا يعتمد على تغيير توجهات الناس ونظرتهم إلى الحياة، بل على وضع السياسات الهادفة إلى توزيع الدخل والموارد بصفة أكثر إنصافًا في المجتمع. أما التفسير المادي للفقر، أو الفقر البيروقراطي، فينطلقمن أرضية اقتصادية وإحصائية بحتة، تُحدد الفقر عبر متغيرات مادية صارمة، تتمثل أساسًا في متغير الدخل اليومي أو السنوي، إضافة إلى متغيرات مكمّلة على غرار مؤشر الاستهلاك ونصيب الفرد من الدخل القومي... إلخ. وهي ذاتُها المتغيرات التي تقوم عليها كل مسوحات ظروف المعيشة. يرتبط هذا المنظور الإحصائي أو المادي للفقر بمجموعة مفاهيم إجرائية طوّرتها بيروقراطية الدولة، وأصبحت حاليًا تمثّل جزءًا من المفردات التنميطية والمعيارية للفقر، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: مفهوم خط الفقر، وخطّ الفقر المطلق، وخطّ الفقر النسبي، وشدة الفقر، وفجوة الفقر، وجيوب الفقر، ومفهوم السكان المستهدفين... إلخ. ويسمّي جون فريدمان Friedmann John خطاطة هذه المفاهيم الفقرَ البيروقراطي poverty bureaucratic، وهو مفهوم نقدي يعني به "الفقر الذي يتم تعريفه من غير الفقراء، بل ممن يعتبرون أنفسهم متفوقين على الفقراء اجتمعيًا". فالفقر، بحسب فريدمان، يعني "حالة من عدم التمكين النسبي فيم يتعلق بوصول الأسرة إلى أسس محددة من القوة الاجتمعية، ولذلك فإن التمكين الاجتمعي والسياسي للفقراء، هو مفتاح التغلب على الفقر الجمعي". بناءً على ما سبق، في الإمكان أن نعمد إلى وضع مفهوم إجرائي للفقر يحدد أبعاد الفقر والمؤشرات الخاصة بكل بعد على حدة، استنادًا إلى التفسيرات السابقة، إذ يعتبر الدخل المنخفض وانعدام المدّخرات والعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية مؤشراتٍ دالّةً على البعد الاقتصادي للفقر. أما قبول المساعدات الاجتمعية وضعف هامش المساومة عند الفقراء وضعف المشاركة والأمية والوعي السلبي بأوضاع البؤس الاجتمعي، فهي مؤشرات دالّة على البعد الاجتمعي والثقافي للفقر. بيد أن الحرمان من التمكين، ومن الوصول إلى أسس القوة الاجتمعية والسياسية الضرورية، بمنزلة البعد الشامل للفقر. وبناءً على ذلك، فإن الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا ترمز إلى مجرد نقص الدخل فقط.

2. مفهوم التمكين

عرّف فريدمان الفقر باعتباره حالة من عدم التمكين النسبي، وكان الهدف من هذا التعريف تجاوز التعريف البيروقراطي التقليدي للفقراء الذي يستخدم مستوى أدنى من الاستهلاك منتقى على نحو تعسفي، على غرار ما

جون فريدمان، التمكين: سياسة التنمية البديلة، ترجمة ربيع وهبة (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص.104 16 المرجع نفسه، ص.21 المقصود بضعف هامش المساومة عند الفقراء هو انعدام أوراق ضغط في إمكانهم المساومة بها في أي علاقة بطرف آخر، سواء كان رسميًا مثل الدولة أو غير رسمي مثل منظمات المجتمع المدني، وبمعنى آخر الفرقاء المعنيون بالتدخل في عملية مكافحة الفقر. القوة الاجتماعية معنيّة بالوصول إلى أسس معيّنة للتنظيم الاجتماعي للأسرة، مثل المعلومات والمعرفة والمهارات والمشاركة في المنظمات الاجتماعية والموارد المالية. ومن ثم، يمكن فهم زيادة قوة الأسرة الاجتماعية باعتبارها زيادة في إمكانية وصولها إلى أسس ثروتها الإنتاجية. أما القوة السياسة فتعنى بوصول الأفراد إلى المشاركة في عملية صنع القرار، خصوصًا تلك القرارات التي تؤثر في مستقبلهم. ومن هنا، لا تتمثل القوة السياسية في التصويت وحده، بل في قوة الصوت / التعبير، والتحرك الجماعي، ينظر: فريدمان، ص.72-71 19 المرجع نفسه، ص.119 20 المرجع نفسه، ص.21

نلاحظه عادة في التعريفات الاقتصادية والإحصائية التي تهدف إلى التعميم، وتُهمل في سبيل ذلك الأبعاد غير المرئية، أو التي لا يمكن إحصاؤها وتكميمها في معيش الفقراء. لقد كان هذا النقد بمنزلة بوابة لطرح فكرة التنمية البديلة القائمة على منطلقات مختلفة عن منطلقات فلسفة النمو الاقتصادي والسياسات المسقطة من فوق على الفقراء لانتشالهم من واقع فقرهم، أو عبر استراتيجيات التلقين والإملاء القائمة على الوصاية التي تنتهي في كثير من الأحيان إلى تحميل الفقراء مسؤولية فقرهم، وفشلهم في مغادرة ظروف العوز والخصاصة، في انسجام كامل مع مقاربة ثقافة الفقر. في هذا السياق النقدي يتنزل مفهوم التمكين الذي يُثمّن ملكات وقدرات الفقراء باعتبارهم ذواتًا فاعلة تمتلك القدرات والمؤهلات البشرية الضرورية للتغلب على ظروف الفقر، شريطة تمكينهم من الوسائل. يرتبط مفهوم التمكين ارتباطًا وثيقًا بأسس القوة الاجتمعية في أي مجتمع. وبعض أسس هذه القوة، كم هو معلوم، قد يكون رمزيًا واجتمعيًا، مثلم هو بالضرورة مادي واقتصادي. ومن منظور مقاربة التمكين، فإنّ الفقر هو إحدى الحالات التي يظهر فيها بصفة قوية عجز الفرد أو الأسرة أو الجمعة في الوصول إلى أسس محددة من تلك القوة الاجتمعية، ومن ثمّ فإن مفتاح التغلب على الفقر الجمعي، مثلً، هو التمكين الاجتمعي والسياسي للجمعة الفقيرة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الحرمان من التمكين ينطوي على أبعاد عدة اجتمعية وسياسية واستراتيجية. فبالنسبة إلى البعد الاجتمعي، يتجسد انعدام التمكين في افتقاد الفقير، أو الأسرة الفقيرة، إمكانية الوصول إلى القوة الاجتمعية الضرورية لتحسين ظروف المعيشة، وإشباع الحاجات الاجتمعية والاقتصادية (الموارد المالية، والمعرفة، والمهارات، والمعلومات، والمشاركة، والوعي الصحي). ومن الملاحظ أن قطاعًا كبيرًا من نشاط وتدخل الجمعيات ينصبّ على هذا البعد الذي يمثل البعد القاعدي في عملية التمكين. أما البعد السياسي لمسألة انعدام التمكين، فيتمثل في عدم الانخراط في جمعيات ونوادٍ ونقابات وأحزاب ووحدات إنتاج جمعية، يمكن من خلالها رفع المطالب والضغط لتلبيتها. في حين يتعلق البعد الاستراتيجي في انعدام التمكين بعدم توافر فائض الوقت الذي يمثل وظيفة لأشياء كثيرة، ومن دونه تكون خيارات الفقراء مقيدة تقييدًا شديدًا في تحسين وسائل العمل وسبل العيش. من وجهة نظرنا، تمثل هذه الأبعاد مجتمعة المفهوم الإجرائي للتمكين الذي تُراهن عليه الدراسة، ويمثّل محور تركيز عمل الفاعل الجمعياتي في مكافحة الفقر.

3. مفهوم الفاعل الجمعياتي

إنّ مفهوم الفاعل الجمعياتي من المفاهيم المركّبة التي تحتاج إلى تدقيق مفهومي في سياق دراستنا، ونعني به هنا جمعيات المجتمع المدني المصرّح بعملها قانونيًا، والمصنّفة بوصفها منظمت غير حكومية. وبحسب معجم السوسيولوجيا، فإن الفاعل الجمعياتي يتحدد باعتباره "تنظيمً ينتمي إليه غالبية أعضائه، على الأقل، بحرية، ولا يُعتبر وجوده ضروريًا

Houda Laroussi, Micro-crédit et lien social en Tunisie: La solidarité instituée (Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2009), p. 97. Ridha Boukraa, Comprendre la mondialisation: Études sociologiques (Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2005), p. 64. 23 فريدمان، ص.21 24 Laroussi, p. 161.

لحياة المجتمع ضرورة مطلقة". لكن تجدر الإشارة إلى أن تأسيس الجمعيات لا يمثل ترفًا، بل بات يمثل ضرورة اجتمعية، وذلك لأن الجمعيات تملأ الفراغ الذي تتركه عادة تدخلات الفاعل العمومي أو الرسمي، أو نتيجة لمحدودية تلك التدخلات أمام الطلب المتزايد. وفي التقليد السوسيولوجي القديم نسبيًا، كانت الجمعية، وفقًا لتعريف ألكسيس دو توكفيل Tocqueville de Alexis (1859-1805)، على سبيل المثال، تعني: "تعاونًا بين مجموعة من الناس بغضّ النظر عن الاختلافات القائمة بينهم على مستوى السن والعقلية والثروة [...] إنها تقرب بينهم وتخلق اتصالً بينهم، وتُعلّمهم كيف يجعلون إرادتهم في خدمة إرادة الآخرين، وجعْل جهودهم الخاصة في خدمة الصالح العام". ويؤكد هذا التعريف البعدين الأخلاقي والاجتمعي للعمل الجمعياتي بوصفه عملً تطوعيًا لصالح خدمة المجتمع يتجاوز الذات إلى الغير، بيد أن العمل الجمعياتي الراهن يضيف بعدًا آخر إلى البعدين السابقين هو البعد الاقتصادي، من خلال قيادة مشاريع تنموية مندمجة في المناطق الفقيرة، ومُساعِدةٍ على خلق أنشطة مدرّة للدخل لفائدة فئات هشة، وخلق مناصب شغل لبعض العاطلين عن العمل، والمساهمة في الناتج المحلي الخام. فضلً عن هذا المستوى من التحديد، فإنّ كلًّ من الفاعل الجمعياتي أو الفاعل غير الرسمي قد يشير إلى ما هو عام أو إلى ما هو خاص ونوعي؛ من قبيل جمعية حي، أو منظمة ثقافية ورياضية، أو جمعية تنمية، أو جمعية معوقين؛ ما جعل بعض الدراسات تتحدث عن تعدد منطق ومجال الفعل الجمعياتي؛ إذ يمكن إدراك الفاعل الجمعياتي أو الفاعل غير الرسمي، بوصفه شكلً مؤسسيًا قائمًا على التوفيق بين عدة أشكال من منطق الفعل يمكن تحديدها على النحو التالي: منطق تجاري مرتبط بالسوق بوصفه آلية تضمن استقرار المصالح المتضاربة وتوازنها. ö منطق يقوم على الثقة. ö منطق تضامني يتأسس على مبدأ التبادل. ö منطق إداري يُحيل على مبادئ الصالح العام. إذًا، إنّ مفهوم الفاعل الجمعياتي مفهوم مركّب يحيل على مستويات متعددة. فعلى مستوى التعريف الوظيفي، يمكن القول إنه القطاع الأهلي أو القطاع الثالث، ويشير هذا التعريف إلى تبادل المصالح بين مجموعة من الناس لتحقيق نفع عام. أمّا التعريف القانوني، فيحصر تعريف الفاعل الجمعياتي في صفته المميزة بوصفه قطاعًا غير ربحي، بينم يؤكد التعريف الاقتصادي والمالي أنه يتمثل في القطاع الخيري أو الوقفي، وبتعبير آخر الاقتصاد الاجتمعي والتضامني. ويركز هذا التعريف على مصدر التمويل المتأتّ من هبات واشتراكات، وكذلك من بيع سلع وخدمات. أما التعريف الهيكلي، فيعتبر أن الفاعل الجمعياتي هو القطاع المستقل، أو القطاع التطوعي غير الحكومي. ويستند هذا التعريف إلى مجموعة من الملامح والخصائص المتمثلة في الاستقلالية، والتطوع، والإدارة الذاتية، وعدم توزيع الأرباح على الأعضاء.

Joseph Sumpf & Michel Hugues, Dictionnaire de sociologie (Paris: Librairie Larousse, 1973), p. 24. فوزي بوخريص، مدخل إلى سوسيولوجيا الجمعيات (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013)، ص.140 27 المرجع نفسه، ص.142 28 المرجع نفسه.

ثانيًا: خلفية عن واقع الفقر يف موريتانيا: حجم المشكل وتجاوب الدولة

1. مشكلة الفقر

تغطّي الصحراء ثلاثة أرباع مساحة موريتانيا. وإلى حدود السبعينيات، لم تكن نسبة السكان الحضريين تتجاوز 7 في المئة من إجملي السكان الذين كانت غالبيتهم حينها بدوًا رحّلً. وهاتان السمتان، أي البداوة والصحراء، ترتبطان بالندرة والقساوة وشظف العيش؛ فالبيئة الموريتانية إجملً بيئة فقيرة، والموارد التي تمثل مصدر غنى فيها ظلت إلى عهد قريب مجهولة بالنسبة إلى الموريتانيين. منذ دخول الاستعمر الفرنسي إلى التراب الموريتاني سنة 1902، والبلد يشهد – بوتيرة متزايدة – عمليات إفقار واسعة للمجتمع، سواء عن طريق الضرائب المجحفة، أو عن طريق نهب الثروات المعدنية. وعلى الرغم من أن دولة الاستقلال مثّلت فرصة لوقف نزيف استغلال الثروات الوطنية والشروع في عملية بناء وطني شامل، فإن جلّ سياساتها الاقتصادية والاجتمعية أخفقت في تحقيق التنمية المنشودة، بالنظر إلى عوامل عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما لي: عدم ملاءمة السياسات الاجتمعية والاقتصادية لطبيعة الاقتصاد الموريتاني. الصراعات السياسية المبكرة التي اتخذت في بعض الأحيان طابع صراع هوياتي بين مكونات زنجية أفريقية ومكونات عربية صنهاجية. العشوائية في البرامج والخطط التنموية، بسبب الارتباك الناجم عن الجفاف الكبير الذي ضرب موريتانيا في مطلع السبعينيات، واستمر حتى منتصف الثمنينيات، وقد أدّى ذلك إلى نفوق الثروة الحيوانية التي كانت تمثل عصب اقتصاد الريف، حيث كانت تقطن غالبية السكان؛ ما تسبب في موجات هجرة كثيفة أثقلت كاهل المدن الناشئة حينها، وفي مقدمتها العاصمة نواكشوط، وهو ما أدّى، بدوره، إلى تشوه المجال الحضري، وتشكل ظاهرة الفقر الحضري الواسع النطاق. الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة منذ فترة ما بعد انقلاب العاشر من تموز/ يوليو 1978، وسيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم بعد الهزيمة في حرب الصحراء التي كبّدت موريتانيا خسائر اقتصادية كبيرة،

29 المقصود أساسًا البحر بثرواته السمكية إضافة إلى الثروة المعدنية. فرانسيس دي ساشيه، موريتانيا من سنة 1900 إلى سنة 1975، ترجمة محمد بن بوعليبة بن الغراب (نواكشوط: جسور للنشر، 2013)، ص.64 ينظر: سيدي عبد الله المحبوبي، "الهجرات الداخلية والتنمية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية"، أطروحة دكتوراه، جامعة تونس، تونس، 1996؛ الجمهورية الإسلامية الموريتانية، محكمة الحسابات، التقرير السنوي العام 2015–2014–2013 (تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، شوهد في 2020/8/17، في: https://bit.ly/3haOk9W الجمهورية الإسلامية الموريتانية، محكمة الحسابات، التقرير العام السنوي 2017–2016 (تموز/ يوليو 2019)، شوهد في 2020/8/17، في: https://bit.ly/3kP5MmR للاستدلال على حجم الفساد الكبير في موريتانيا، يمكن النظر في تقرير اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في ملفات فساد العشرية السابقة 2019–2009 التي حكم فيها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، حيث كشف تحقيق اللجنة البرلمانية عن عملية فساد ممنهج أ هدرت فيه مليارات الدولارات فيُ بلد يصنف ضمن الدول الفقيرة والشديدة العوز. ويقع تقرير اللجنة بملحقاته في عشرات الصفحات، وتم إحالته على القضاء الموريتاني لمتابعة الضالعين في قضايا الفساد، ومن بينهم الرئيس السابق وعدد كبير من وزرائه والمقربين منه داخل نطاق أسرته الخاصة. للاطلاع على نتائج وتوصيات تقرير تحقيق اللجنة البرلمانية، ينظر: الجمهورية الإسلامية الموريتانية، لجنة التحقيق البرلمانية، "تقرير الصياغة: الاستنتاجات والتوصيات، القرارات رقم 1 ورقم 2 ورقم 3 "، بوابة العلم، شوهد في 2020/8/15، في: https://bit.ly/3aBRCAx

وأنهت فترة الحكم المدني. ورافق هذا المعطى الارتهان لسياسات خارجية مسقطة، مثل سياسات الإصلاح الهيكلي التي فرضها البنك الدولي على الدول التي فشلت في تحقيق التنمية بمفردها. فضلً عن هذه المحدّدات الرئيسة في فهم تطور ظاهرة الفقر في موريتانيا، فإن السياق الاجتمعي فاقم من إشكال الفقر في المجتمع الموريتاني، بسبب التفاوتات الحادة، وملف الإرث الإنساني المرتبط بممرسة العبودية على فئات واسعة في المجتمع ما تزال إلى الآن تعاني مخلّفات تلك الممرسة، وتُثّل بؤر الفقر الرئيسة داخل المدن والريف على حدّ سواء، وقد جعلت هذه الوضعية التعايش بين مكونات الشعب الموريتاني على المحك أكثر من مرّة. وفي الحصيلة، طاول الفقر أكثر من نصف المجتمع، بل لو أنّ خطوط الفقر خضعت لمؤشرات أكثر موضوعية، واستجابة لمتطلبات العيش الكريم، لغطّى الفقر أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع، وهو ما تثبته نسب الشعور بالفقر، بحسب آخر معطيات لمسوح الظروف المعيشية. والجدول (1) يبين تطور نسبة الفقر في موريتانيا منذ منتصف الثمنينيات حتى عام.2018

الجدول (1) خط الفقر في موريتانيا ونسبه والشعور به خلال الفترة 2018-1987

نسبة الشعور بالفقر (في المئة) إجابة عن: "هل تشعر بالفقر؟"،
أو "هل تعتبر نفسك فقيرًا؟"
نسبة الفقر
في السكان
(في المئة)
خيط الفقر (سنويًّا)السنة
(في هذه الفترة لم يكن المسح يتضمن مؤشر الشعور بالفقر الذي دخل
لاحقًا في قياس الفقر سنة 1996)
6ي030000 أوقية
(نحو 350 دولارًا)
1987
(لم يكن المسح يتضمن مؤشر الشعور بالفقر)56.632800 أوقية
(نحو 355 دولارًا)
1990
80.650.558400 أوقية
(نحو 455 دولارًا)
1996
82.246.372600 أوقية
(نحو 490 دولارًا)
2000
81.246.794650 أوقية
(نحو 550 دولارًا)
2008–2004
8042129 ألف أوقية
(نحو 650 دولارًا)
2018-2014

(نحو 650 دولارًا) 42

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا، مج 2: خطة العمل 2015-2011 (نواكشوط: الوزارة الأولى،.)2015

في ظل هذه الأرقام المخيفة عن مدى انتشار الفقر في المجتمع، عمدت الدولة إلى إعداد "الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر" ليغطي الفترة 2015-2000 باعتباره المرجع الأوحد في مجال التنمية الاقتصادية والاجتمعية في موريتانيا. ويعين هذا الإطار هدفًا كبيرًا بمقتضاه تتراجع نسبة الفقر في عام 2015 إلى 25 في المئة. فم هي رهاناته وهل تحققت أهدافه؟

2. الفقر في ظل استراتيجية مكافحته الشاملة

تُعرف الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الفقر في موريتانيا ب "الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر"، وقد أ عدت ضمنُ "المبادرة المدعومة لتخفيف ديون الدول الفقيرة، ذات المديونية العالية". ويقر هذا الإطار في مقدّماته بأن الفقر "يظل ظاهرة تبعث على القلق في موريتانيا، وتؤكد هذه الوضعية على ما يبدو أن مختلف الإجراءات والسياسات المطبقة، لم تفلح حتى الآن في تخليص بعض فئات السكان من دائرة الفقر". وبما أن هذا الإطار يهدف في بعده الاستراتيجي إلى القضاء على الفقر، فإنه يؤكد البعد التشاركي في السياسات الموجهة لمكافحة الفقر، فيُعيّ دورًا بارزًا للقطاع الجمعياتي، الذي هو مدعوٌّ، بحسب هذا الإطار، إلى "التشاور حول السياسات العمومية، والنهوض بثقافة النقاش الديمقراطي، والبناء والتنمية القاعدية وحمية المستهلك"، في حين أن القطاع الخاص مدعوٌّ إلى "الإسهام في خلق مناصب الشغل والمشاريع، التي توظف أكبر قدر من الأيدي العاملة"، مع تركيز الدولة جهودها على "ضبط النشاط الاقتصادي والإشراف والتصميم وتنفيذ السياسات الاقتصادية واستراتيجيات التنمية، مع إيجاد مناخ ملائم لتطوير الفرص الاقتصادية". كم ينطلق هذا الإطار من تشخيص لطبيعة الاقتصاد الموريتاني يرى أنّ له طابعين ربما أثَّرا سلبيًا فيه؛ وذلك من جهة كونه اقتصادًا عصريًا (معادن، صناعات استخراجية، صيد بحري) يفترض فيه أنه منظّم، ويُحرّك النمو، ويرتبط إلى حد بعيد بالصادرات وله طابع غير توزيعي، ومن جهة كونه اقتصادًا إعاشيًّا يعتمد أساسًا على الزراعة المطرية وتنمية المواشي والصيد التقليدي الساحلي والقارّي، وهو لا يغطي احتياجات السكان في مجال الغذاء، ويمثل أهم أسباب الفقر في الريف. وقد عيّ الإطار الاستراتيجي – في مرحلتيه الأولى والثانية – الترفيع في معدلات النمو الاقتصادي وسيلةً لمحاربة الفقر، وتقليص نسبته إلى حدود 25 في المئة. فالرؤية العامة للإطار تنطلق من أن "النمو الاقتصادي المطرد والمستدام، هو قوام أي تخفيف للفقر". وقد كان الرهان في تحقيق مثل هذا النمو في المرحلة الأولى من الإطار على القطاع الأول، أي "زيادة الطلب على الموارد الأولية: النحاس والذهب، الحديد، السمك، وارتفاع أسعارها". لكن مع تذبذب أسعار هذه الموارد الأولية ودخول منافسين فيها مع السوق الموريتانية، تراجعت إسهاماتها في ميزان النمو؛ ما اضطر الدولة إلى رهان آخر لتحقيق النمو المطلوب، يتمثّل هذه المرة في قطاع الخدمات "النقل، المواصلات، التجارة، الفندقة، خدمات البنوك والتأمينات". لكن هذه العمليات والرهانات، إجملً، لم يكن الفقراء المستفيدين منها، ف "النمو لا يتساقط في محيط الفقراء"، كم يدّعي أصحاب منطق السوق الحرة والاقتصاد الحر، بسبب عوامل الاختلال في توزيع عوائده. وهو ما تفطنت له الدولة في المرحلة الأخيرة من تقييم نتائج السياسة الاقتصادية والاجتمعية ل "الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر". ف "إنجاز نمو متسارع لا يكفي بالضرورة لتراجع الفقر، وذلك لسببين رئيسيين هم:

33 الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا، مج 2 ص،.4 الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا: حصيلة 2010-2006، مج 1 (نواكشوط: الوزارة الأولى، 2010)، ص.7 35 المرجع نفسه 2، ص.16، مج 36 المرجع نفسه. 37 المرجع نفسه، ص.11 38 المرجع نفسه، ص.14

كون قطاعات الاقتصاد الموريتاني – التي تعتبر المحركات الكلاسيكية للنمو – على ارتباط قوي بالعوامل الخارجية، ولا تؤثر سوى بقدر قليل في الفقراء. كون مناطق الفقراء والنشاطات الاقتصادية التي يعتمدها هؤلاء في معيشهم لا يمكنها – نتيجة عدد من مكامن النقص الهيكلية – أن تستفيد من النمو الذي يتحقق بحكم معوقات هيكلية وتقنية وتنظيمية. إنّ السياسات القائمة على محاربة الفقر بآلية النمو الاقتصادي تغفل عن أن المستفيد الأوحد من عائدات النمو هم غير الفقراء، فالأغنياء والمتحكمون في رأس المال، عمومًا، هم المستفيدون، وهو ما زاد من حدّة التفاوتات الاجتمعية في موريتانيا، وجعل الفقراء يزدادون فقرًا والأغنياء يزدادون غنى. وأمام هذه الوضعية المحرجة، تم تعيين ثلاثة أهداف عاجلة ل "الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر" في مرحلته الثالثة، هي كالتالي: ö تقوية فاعلية الأنشطة المدرّة للدخل. مواصلة تنفيذ البرنامج الوطني لدعم المقاولات الصغيرة. تنمية مشروع دعم قدرات قطاع التمويل الخفيف، فضلً عن اعتمد مقاربة الحمية الاجتمعية القائمة على العمل الاجتمعي (توفير رعاية صحية وتعليمية للمجموعات الأكثر هشاشة). ومن اللافت للانتباه في هذه الخطة العاجلة بشأن تدارك خطر الفقر أن سياساتها هي، في إجملها، السياسات نفسها التي يراهن عليها القطاع الجمعياتي، ويتخذها وسائل لمكافحة الفقر. فكأن الدولة بذلك "تستسلم" أو تنقاد لمنطق العمل الجمعياتي المباشر للفقراء، والموجّه لمجالات نشاطهم الذي تبين أن مردوديته على الفقراء أكبر كثيرًا من مردودية سياسات الترفيع في معدلات النمو التي سيطرت على التوجهات التنموية لدول العالم الثالث، والقائمة على ما بات يعرف بمنطق "تسليم المفتاح" بتبني استراتيجيات مُسقطة لم تسبقها خبرة، ولم يدفع إليها تراكم تاريخي، ولا دعم من إرادة التحدي لدى البشر... إلخ، بحيث انقضت عقود التنمية بنتائج سلبية أولها تبديد الثروات الخام. وثانيها سفه استهلاكي أتى على عوائدها. وهو ما حصل بالضبط في موريتانيا منذ الاستقلال حتى الآن. عجزت المقاربة الكلية لمكافحة الفقر عن تحقيق مطامحها، المتمثلة في تخفيض نسبة الفقر إلى 25 في المئة لأسباب عزتها الدولة إلى "ضعف التحكم في النمو الديموغرافي، والتوزيع غير المتكافئ لثمر النمو". وعزاها البعض الآخر إلى أسباب عديدة تتمثل أساسًا في: الارتجالية وعدم الجدية في تنفيذ الخطط والبرامج التنموية، واتخاذ الفقر شعارًا للحصول على التمويلات الخارجية من جهة، واتخاذه ورقة رابحة في الانتخابات من جهة أخرى، ثم حجم الفساد الكبير الذي تفشى في كل قطاعات الدولة من القمة إلى القاعدة، وأخيرًا ارتفاع حدّة التفاوت في المجتمع؛ ما أنتج ظاهرتين متناقضتين، تتمثل أولاهم في طبقة ثرية متورّمة تسيطر – على الرغم من قلتها – على كافة دواليب الدولة وقطاعاتها، في مقابل غالبية فقيرة معدمة لا تتمكن من تلبية أبسط احتياجاتها الأساسية.

39 المرجع نفسه، ص.31 40 المرجع نفسه، ص.36-34 41 المرجع نفسه، ص.4 42 ينظر مثلً: المحبوبي.

وأمام هذه الوضعية المحرجة والخطيرة على الوضع الاجتمعي في البلد، بات من الضروري أن يتدخل فاعلون آخرون جدد باستراتيجيات فعلٍ جديدة، للحد من اتساع دائرة الفقر، وخاصة في العاصمة نواكشوط التي تحتضن "بؤر الفقر الخطيرة" اجتمعيًا. ويتعلق الأمر هنا أساسًا بالفاعل الجمعياتي الذي أصبحت أدواره تتعزز وتتعاظم أهميتها، وخاصة في العاصمة التي يتركز فيها معظم العمل الجمعياتي التنموي والخدمي والرعائي.

ثالثًا: منهجية تناول إسهام الجمعيات يف مكافحة الفقر

بالنظر إلى أن ظاهرة الفقر وظاهرة الجمعيات في موريتانيا تكتسي طابعًا مركّبًا من حيث المضامين والأبعاد، فإنها تتطلب أيضًا "منهجية مركّبة" تتضمن مجموعة من التقنيات التي طوّرتها العلوم الاجتمعية، مثل تقنية الملاحظة المباشرة، وتقنيات المقابلة الموجهة وشبه الموجهة، وتقنية دراسة الحالة لعيّنة من الجمعيات النشطة بوصفها عيّنة مقيّدة عمدية لانعدام دليل اسمي بالنسبة إلى كل الجمعيات، فضلً عن اعتمد تقنية الاستمرة التي عُرضت على عيّنة من المستفيدين من تدخلات الجمعيات موضوع الدراسة. وبناءً عليه، يمكن القول إن منهجية البحث راوحت بين مستويين: الأول يتمثّل في المنهج الوصفي والتحليل الماكرو–سوسيولوجي الذي يضع الظاهرة في إطارها الاجتمعي العام، ضمن رؤية متكاملة لنسق تطور الاحتياجات الاجتمعية والاقتصادية للمجتمع، وأشكال الاستجابة المختلفة من طرف الفاعلين المعنيين. أما المستوى الثاني فهو مستوى ميكرو–سوسيولوجي عبر دراسة الحالة التي نهدف من خلالها إلى معرفة نجاعة التدخلات التي تقوم بها الجمعيات في مكافحة الفقر. وقد تم اختيار عيّنة البحث بحيث تكون عيّنة مقيّدة عمدية، وذلك لغياب دليل اسمي متكامل لكل الجمعيات والمستفيدين من تدخلاتها. وشملت العيّنة من جهة الجمعيات 5 جمعيات، وقد راعينا في اختيارها مجموعة ضوابط من بينها: تنوع النشاط والأهداف ورأس المال أو حجم الاستثمر وعلاقاتها الخارجية وتنوع أنشطتها. وهذه الجمعيات هي جمعية الخير للتكافل الاجتمعي (جمعية تنموية خيرية)، والجمعية الموريتانية لترقية الأسرة (جمعية خدمية)، والجمعية النسوية لمكافحة الفقر والأمية (جمعية تنموية)، وجمعية النساء معيلات الأسر (جمعية حقوقية وتنموية بدرجة أقل)، وجمعية بسمة وأمل (جمعية تنموية وخدمية). أمّا عيّنة المستفيدين من تدخلات الجمعيات، فقد كانت ممثلة لمجتمع المستفيدين عمومًا، بحصيلة تصل إلى 119 فردًا مستفيدًا، من بينهم 51 فردًا يعيلون أسرًا صغيرة ومتوسطة الحجم.

رابعًا: الجمعيات يف موريتانيا: ما مدى فاعليتها يف التخفيف من آثار الفقر؟

تعتمد الجمعيات الموريتانية المعنيّة بمكافحة الفقر، وبوجه خاص الجمعيات موضوع الدراسة، مجموعةً من الاستراتيجيات والتدخلات التي تجابه احتياجات الفقراء في المجتمع، على غرار تمويل المشاريع الصغيرة وتوفير الكفالات وتقديم الخدمات المختلفة، إلا أنّ مدى نجاعة هذه العمليات والتدخلات تبقى محلّ نقاش بين من يعتبرُها

Henri Peretz, Les Méthodes en sociologie: L'observation (Paris: La Découverte, 2004), pp. 50-52. فتحية السعيدي، "الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وثقافة المجتمع المدني في تونس"، أطروحة دكتوراه، جامعة تونس، تونس، 2001، ص.23

أو المنظمت غير الحكومية، وهي التسمية الرائجة لها اليوم.

التعليمي، ومن حيث نوع الاستفادة وشكلها.

النسبة
(في المئة)
المجموعالإناثالذكورالفئة العمرية
35.294222201980-1960
21.84262062000-1981
42.855128232010-2001
1001197049المجموع
10058.8241.17النسبة (في المئة)

النسبة (في المئة) 41.17

تدريجيًا، في المجتمع الموريتاني.

الجنسأميّقبل مدرسيابتدائيإعداديثانويجامعيالمجموع
ذكور0102774149
إناث1511211110270
المجموع15214818143119
النسبة
(في المئة)
12.617.6440.3315.1211.762.52100

45 فريدمان، ص.33 46 المرجع نفسه، ص.34

نقطة التحول لتنمية بديلة خارج المؤسسات المعروفة، والمعني هنا مؤسسات الدولة؛ فأنصار هذا الطرح يعتقدون أن الدولة طرف في المشكلة، وأن التنمية البديلة يجب بقدر المستطاع أن تمضي قُدمًا خارجها، وربما حتى ضدّها. وفي المقابل، ثمّة من يعتبر أن تدخلات جمعيات المجتمع المدني تظلّ محدودة دائمًا ولا يمكن أن تكون بديلً من الدولة، وإنما هي في أحسن الأحوال مكمّلة لسياساتها، وهذا هو التصور السائد حاليًا حول جمعيات المجتمع المدني

يُبيّ التحليل الأولي للمعطيات الأساسية لعيّنة الفقراء المستفيدين توزّعهم من حيث الفئات العمرية والمستوى

الجدول (2) توزيع عيّنة المستفيدين بحسب فئاتهم العمرية

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى التحليل الأولي لمعطيات الدراسة الميدانية.

بالنظر إلى هذه التوزيعات، يتبين أن الفئة العمرية الأكثر هشاشة واستفادة من تدخلات الجمعيات هي الفئات العمرية المتوسطة، أي التي تنتمي، عمومًا، إلى فئة الشباب، وذلك بنسبة تناهز 63 في المئة. وتتكامل هذه النسبة مع نسبة انتشار الفقر بين الإناث اللاتي يمثّلن نحو 59 في المئة من العيّنة. ويدل ذلك على تأنيثٍ وتشبيبٍ للفقر،

الجدول (3) توزيع عيّنة المستفيدين بحسب مستوياتهم التعليمية

12.6 (في المئة)

تكاد جميع الدراسات تُجمع على أهمية متغير التعليم في تفسير الأوضاع الاجتمعية بالنسبة إلى الفقراء الذين يتعرضون للتسرب المدرسي في فترة مبكرة من العمر بسبب ضغوط الحياة الاجتمعية، إلا أننا بدأنا نلاحظ تدريجيًا تسرب الفقر إلى فئات متعلّمة، نظرًا إلى أسباب عدة ليس أقلّها تراجع قيمة الشهادات المدرسية في سوق العمل. أما توزيع العيّنة بحسب شكل الاستفادة، ونوعها أيضًا، من تدخل الجمعيات، فيتمثّل في الجدول.)4(

الجدول (4) توزيع عيّنة المستفيدين بحسب شكل/ نوع استفادتهم من تدخّل الجمعيات

عدد المستفيدينشكل الاستفادة
88رعاية اجتماعية ومشاريع كفالة
18مشاريع مدرّة للدخل
13خدمات صحية وحقوقية
119المجموع

119 المجموع

يقود هذا النمط من الإسهام والتدخل الجمعياتي إلى التطرق إلى مدى فاعليتها في التخفيف من آثار الفقر، وإلى تشخيص أنماط التدخل التي يلجأ إليها الفاعل الجمعياتي في موريتانيا لمكافحة الفقر.

1. الجمعيات في موريتانيا: الضرورة والوضع

منذ عقدين من الزمن تقريبًا، عرفت الظاهرة الجمعياتية في موريتانيا تطورًا لافتًا للانتباه، حيث ارتفع عدد المنظمت والجمعيات غير الحكومية من 600 جمعية في عام 2000 إلى أكثر من 7 آلاف جمعية في عام 2013، إلا أن هذه الزيادة الكبيرة في عدد الجمعيات لم تلفت اهتمم الباحثين، وهو ما ظهر جليًا في محدودية الدراسات التي تناولت ظاهرة الجمعيات في موريتانيا. بيد أن هذا التنامي الحاصل لعدد الجمعيات في موريتانيا ليس سمة خاصة بها وحدها، بل هو سمة عالمية لمسار يهدف إلى "جعل المنظمت غير الحكومية الفاعل البارز في العملية التنموية، بعد أن أدت العولمة إلى اتساع رقعة الفقر"، وما استتبع ذلك من مخاطر تتعلق بالهجرة وتهديد الاستقرار الاجتمعي، وهو ما دفع الجهات المانحة دوليًا إلى تصويب سياساتها، وتوجيهها في اتجاه النهوض بأشكال مختلفة من التنمية في الدول الفقيرة لإبقاء المهاجرين المحتملين في بلدانهم. ونظرًا إلى فساد معظم الأنظمة في الدول الفقيرة، عملت الدول والجهات المانحة، عمومًا، على توجيه قطاع كبير من التمويلات لصالح المنظمت غير الحكومية، وهو ما زاد من وتيرة تشكيل الجمعيات، حتى أصبحت تمثل قطاعًا ثالثًا إلى جانب القطاعين العام والخاص، بأنماط جديدة من الإسهام الاقتصادي والاجتمعي الذي يُطلق عليه في بعض الأدبيات الاقتصاد الاجتمعي والتضامني غير الربحي القائم على فكرة التمكين.

مفوّضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات بالمجتمع المدني، مقابلة شبه موجّهة مع رئيس القطاع، نواكشوط،.2013/9/19 من أهم الدراسات التي اطلعت عليها، على قلّتها: ونّاس، الجمعيات في موريتانيا؛ عبد الله. علي ليلة، دور المنظمات الأهلية في مكافحة الفقر (القاهرة: الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، 2002)، ص.22 50 بوخريص، ص 11؛ فريدمان، ص.7

واعترافًا بأهمية الفاعل الجمعياتي في عملية التنمية الشاملة، خصّصت الأمم المتحدة دليلً يتضمن معطيات وآليات إحصائية جديدة من أجل احتساب مساهمة الجمعيات والمؤسسات غير الربحية في الاقتصادات المحلية، وتوحيد آليات قياسها وتتبعها ومقارنتها على الصعيد الدولي. وبالنسبة إلى موريتانيا، يكاد يتعذر منهجيًا وعمليًا فصل التاريخ الجمعياتي عن بنيته الاقتصادية والاجتمعية، وخاصة عن وضع البنية القبلية، "باعتبارها بنية تاريخية وعميقة ومتحكمة في مختلف مفاصل المجتمع وأنشطته وتعبيراته الرمزية والثقافية والمعيشية خاصة". فالتعبيرات التطوعية والخيرية – التي هي سمت محددة للعمل الجمعياتي – بارزة في البناء المجتمعي التقليدي للمجتمع الموريتاني قبل قيام الدولة الوطنية بكثير. ففي المجتمع التقليدي الموريتاني، تبرز كل أشكال ملامح التضامن مع الضعفاء والفقراء، سواء عبر الأعطيات، أو تداول الأغذية، أو ما يعرف بالصدقة، أو حتى النفقة الكاملة على منقطعي السبيل أو الأفراد الذين لا سند لهم ولا قوت. ويمثّل نموذج "المحظرة" برهانًا على منطق التضامن وروح التطوع في المجتمع. فالمحظرة الموريتانية التي هي بمنزلة جامعة شعبية متنقلة، لا يقتصر دورها على وظيفتها العلمية، بل إنه يشمل وظائف أخرى خيرية وتطوعية، لعل أبسط تعبيراتها تكفل المحظرة نفسها أو الحي أو القبيلة التي توجد بها بمأكل الطلاب ومشربهم ومسكنهم. كم تعتبر الحواضر والزوايا الصوفية شكلً متميزًا من العمل الطوعي والخيري. فإضافةً إلى الوظائف الروحية التي تقوم بها وتقدمها للمريدين، فإنها تعتبر مأوى للمشردين والسائلين وذوي الحاجات. لكن هذه الأشكال والتعبيرات التطوعية والخيرية في المجتمع الموريتاني التقليدي التي لا يزال بعضها موجودًا، ظلت تستند إلى متغيرات العاطفة الدينية أو الانتمء القبلي، أي تلك المحددات التقليدية ضمن ما يسميه إميل دوركايم Durkheim Emile "التضامن الآلي"، القائم على المباشرة وعلاقة الوجه بالوجه. تعرّضت البنية الاجتمعية التقليدية لانسلاخات وتصدعات نتيجة مجموعة من التغيرات التي عرفها المجتمع الموريتاني من دخولٍ للاستعمر، وما اضطلع به من دور في تفكيك البنية الأميرية القبلية، ومن صراعاتٍ بين المجموعات القبلية والإمارات على الأراضي والمرعى وطرق التجارة، فضلً عن الانتقال الفجائي من البداوة ونمط عيشها إلى التحضر السريع بسبب الجفاف الذي ضرب البلاد في السبعينيات والثمنينيات، وما نجم عنه من تحطيم للبنية الاقتصادية التقليدية، وإثقالٍ لكاهل المناطق الحضرية الفتيّة، وإفشال للسياسات الاقتصادية والاجتمعية المتوالية... إلخ. ومع كل هذه التغيرات والنقلات البنيويةStructural Transformation الجديرة بكل دراسة علمية، أدّت هذه الانسلاخات والتصدعات إلى إفقار هذه البنية الاجتمعية، وجعلها عاجزة عن احتواء نسق الاحتياجات المتنامي في المجتمع أو تلبيته، الأمر الذي ولّد حاجة إلى ديناميكيات فعل جديدة لتطويق الفقر الناتج من هذه النقلات والتصدعات، خاصة

51 بوخريص، ص.8 52 وناس، الجمعيات في موريتانيا، ص.5 أو ما يعرف في عديد البلدان العربية "الكتّاب"، مع أنها أشمل منه؛ لاحتواء المحظرة برامج عديدة، وقيامها بأدوار كثيرة في المجتمع، وهي تعني، إجمالً، نمط التعلم التقليدي الذي كان سائدًا في المجتمع قبل التعليم المدرسي، مع أنه ما زال يتعايش معه. الخليل النحوي، بلادشنقيط: المنارة.. والرباط (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1987)، ص.79 55 المرجع نفسه، ص.4

مع عجز الدولة الناشئة حينها ومحدودية إمكاناتها وعدم قدرتها على تلبية كل الاحتياجات. ومن هنا، أصبحت الحاجة إلى وجود الجمعيات حاجة ماسّة وملحّة وضرورية، في وعي صانع القرار وفي الوعي المجتمعي أيضًا، فلا بد من إيجاد صيغ للتآزر والتضامن، لكن وفق صيغ ما بعد قبَلِيّة. ومن هنا، بدأت الظاهرة الجمعياتية المدنية في الانتشار في صلب المجتمع، تبعًا لتعدد الاحتياجات والصعوبات التي يواجهها. وبذلك ارتفع عدد الجمعيات من 6 جمعيات عام 1969 إلى 600 جمعية عام 2000 وإلى 10 آلاف جمعية عام 2019. وحاليًّا، تعدد منطق النشاط والفعل الجمعياتي في موريتانيا وتنوع، لكن بقي على رأس قائمة أهدافه هدف محاربة الفقر الذي يمثل التحدي الأكبر لموريتانيا. فحيثم وجهنا النظر في أهداف العمل الجمعياتي في موريتانيا، وجدنا أنه على صلة بظاهرة الفقر وبمحاربتها على وجه الخصوص. ويرى المنصف وناس، المتخصص في سوسيولوجيا، الجمعيات أن "تعدد الأنشطة وتنوعها يأتي تعبيرًا عن ارتفاع حالة الفقر، والحاجة الماسة إلى دعم الجهود التنموية والصحية والتعليمية والخدماتية". ومن خلال دراسة ميدانية لتدخلات 5 جمعيات لصالح عيّنة من الفقراء يصل عددها إلى 119 مستفيدًا، توصّلنا إلى النتائج التالية في مجال محاربة الجمعيّات للفقر، وتمثّل الفقراء لفقرهم ولتدخلات الجمعيات لصالحهم.

2. علاقة الجمعيات موضوع الدراسة بالفقر

تنطلق الجمعيات، موضوع الدراسة، في فهم علاقتها بالمجتمع، عمومًا، من مفاهيم التطوع والمسؤولية والواجب والالتزام تجاه قضايا المجتمع التي تأتي قضية الفقر في مقدّمتها. فمهم تعددت أنشطة هذه الجمعيات، فإنها تصب، في نهاية المطاف، في مكافحة الفقر؛ إذ تعتبر الجمعيات الحقوقية التمكين الحقوقي للفقراء بوابة عبورهم من وضع الحرمان والإقصاء إلى وضع التمتع بحقوقهم المدنية والاجتمعية والاقتصادية. فجمعية النساء معيلات الأسر، وهي جمعية حقوقية رائدة في مجال الدفاع عن المرأة في موريتانيا، تعتبر أن مقاومتها للفقر تتمثل في الإدماج الاقتصادي للضحايا ممّن تستوعبهم الجمعية في مهن تتلاءم مع قدراتهن بعد مؤازرتهن نفسيًا وصحيًا وقانونيًا. أما الجمعيات الخيرية، فإن أنشطتها الرعائية، المتمثلة في الكفالة بمختلف أنواعها، موجّهة بالأساس إلى الفئات الأكثر هشاشة وفقرًا في المجتمع، كالأيتام والأرامل والأسر المعدمة. فجمعية مثل جمعية الخير للتكافل الاجتمعي في موريتانيا تتكفّل ب 4 آلاف يتيم وأرملة و 30 أسرة فقيرة. في حين تركز الجمعيات التنموية على تمويل أنشطة مدرّة للدخل لصالح الفقراء أو من خلال استيعابهم في برامج تدريب وتكوين مهني، تمهيدًا لدمجهم في سوق العمل. ومن جانب آخر، تؤدي الجمعيات الخدمية أدوارًا مهمة على صعيد التثقيف الصحي والمدني وتوفير الرعاية الصحية للفقراء، وتعتبر الجمعية الموريتانية لترقية الأسرة أكثر الجمعيات اهتممًا بهذا المجال في موريتانيا. بالنظر إلى ما سبق، يمكن القول إن علاقة الجمعيات بالفقر هي علاقة متعددة المستويات؛ فمنها ما هو تنموي صرف، ومنها ما هو رعائي وخدمي، ومنها ما هو حقوقي. ومع ذلك، يبقى هذا البعد وجهًا واحدًا فقط من وجوه علاقة الجمعيات بالفقر، فثمّة وجه آخر غير ملموس لتلك العلاقة يتمثل في المفاهيم والتصورات الموجِّهة للعمل الجمعياتي، وعلى رأسها مفهوم التطوع والالتزام والتضحية، وهي معايير تعتبر أولوية بالنسبة إلى الجمعيات، وشرطًا أساسيًا في

56 المرجع نفسه، ص.6 57 المرجع نفسه، ص.10 58 المرجع نفسه، ص.11

الانتساب، وهي ذاتها المعايير والمبادئ التي تُنشط العلاقة الاجتمعية بين الجمعية ومحيطها الاجتمعي التي تُعتبر استجابة لحاجاته وتعبيرًا عن الالتزام بقضاياه؛ فالعمل الجمعياتي روح وتقليد وثقافة وصناعة وعي ومسؤولية.

3. الإسهام الاقتصادي للفاعل الجمعياتي

تتفاوت إنجازات الجمعيات موضوع الدراسة بحسب إمكاناتها المالية. فعلى سبيل المثال، أنجزت جمعية الخير للتكافل الاجتمعي 600 مشروع مدرّ للدخل لفائدة الأسر الفقيرة والشباب العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات. وتشمل هذه المشاريع، بحسب البيانات التي اطلعنا عليها، محلات تجارية وورشات خياطة وبيع الملابس ومشاريع للتعاونيات النسوية... إلخ. وإلى جانب ذلك، أنجزت الجمعية 4 آلاف كفالة تشمل صرف مخصصات شهرية وبطاقة صحية للعلاج وتوفير الحقائب المدرسية ومرشدات اجتمعيات لكل مجموعة من الأيتام المكفولين، إلى جانب كفالات أخرى تتمتع بها 50 أسرة و 30 طالبًا من طلبة التعليم العالي الذين يدرسون خارج موريتانيا. وفي الجانب الإغاثي، أنجزت الجمعية 30 منشأة مائية في تجمعات فقيرة داخل الأرياف الموريتانية. وفي السياق ذاته، تشير المعطيات الخاصة بالجمعية الموريتانية لترقية الأسرة إلى إنجاز عدد من المشاريع، أبرزها إنشاء 3 مراكز صحية في العاصمة نواكشوط يستفيد منها أكثر من 700 شخص يوميًا، وقد نجحت الجمعية، أيضًا، في توفير 67 فرصة عمل. وعلى الصعيد الحقوقي، تمكّنت جمعية النساء معيلات الأسر من الكشف عن 150 حالة من حالات الرق، وقد استطاعت الجمعية من خلال مساندتها القانونية للضحايا من تحرير هؤلاء العبيد، وجمعهم بشتات أسرهم، وتأجير أماكن لإيوائهم، ثم تكوينهم لاحقًا ودمجهم في أنشطة اقتصادية. يضاف إلى ذلك مؤازرة أكثر من 4606 نساء معنّفات في عام 2018 وحده، وشملت المؤازرة النواحي الصحية والقانونية والاقتصادية. وعلى مستوى المشاريع المدرّة للدخل، أنشأت جمعية النساء معيلات الأسر 1800 تعاونية نسوية على مستوى ولايات الداخل الموريتاني، و 3 اتحاديات تعاونية على مستوى العاصمة نواكشوط تضم أكثر من 580 تعاونية نسوية. هذه عيّنة منتقاة من الإسهامات والتدخلات التي يقوم بها الفاعل الجمعياتي في موريتانيا، والتي يتبين مدى ملامستها لاحتياجات الفئات الهشة والفقيرة اجتمعيًا، وفضلً عن كونها تدخلات عينيّة، فإنها تأخذ مع الزمن شكل علاقة اجتمعية بين الجمعية وجمهور المستفيدين من تدخلاتها؛ ذلك أن الجمعية تبقى على صلة بالمستفيدين منها، ويصل متوسط تلك العلاقة في بعض الأحيان إلى 10 سنوات، خاصة في مشاريع الكفالة، والمشاريع المدرّة للدخل التي تتواصل على أمد متوسط أي 5 سنوات فأكثر. إلا أن التحديد الأدق لإسهام الجمعيات الاقتصادي يتطلّب معطيات تشمل المؤشرات المتعارف عليها في قياس إسهام الجمعيات الاقتصادي. ومن أهم هذه المؤشرات قيمة المشاريع التي يسيرها هذا القطاع من خلال حجم الميزانيات ومستوى الاستثمر وتوفير فرص العمل وأعداد المستفيدين والمتطوعين والأعضاء في الجمعية. ويُبين الجدول (5) حصيلة الإسهام الاقتصادي للجمعيات التي شملتها الدراسة أثناء الفترة التي أُنجز فيها البحث.

59 ونّاس، الحياة الجمعياتية، ص.45

الجدول (5) مؤشرات الإسهام الاقتصادي للجمعيات موضوع الدراسة

الجمعيةمؤشر العمل
(العاملون مقابل أجر)
حجم الميزانية
والاستثمرات
عدد المتطوعين والأعضاء في
الجمعية
جمعية الخير للتكافل الاجتماعي في
موريتانيا
541.2 مليون دولار74
الجمعية الموريتانية لترقية الأسرة67277 ألف دولار605
جمعية النساء معيلات الأسر68259 ألف دولار10879
الجمعية النسوية لمكافحة الفقر والأمية2470 ألف دولار76
جمعية بسمة وأمل466 ألف دولار80
المجموع2171.877 مليون دولار11741

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى نتائج الدراسة الميدانية.

يتبين من الجدول أن حجم ميزانية الجمعيات التي شملتها الدراسة واستثمراتها يناهز مليونَ دولار سنويًا، ويعتبر هذا الرقم رقمً معتبرًا في مجال عمل الجمعيات وإسهامها الاقتصادي. ومن حيث توفير فرص العمل، فإن هذه الجمعيات وفّرت 217 وظيفة مسجّلة بعقود عمل مفتوحة مع تغطية صحية وضمن اجتمعي، فضلً عن فرص العمل الموسمية عند إنجاز مشاريع إنشائية؛ على غرار بناء الوحدات السكنية، أو القيام بحملات صحية وخدمية. كم أن عدد المتطوعين والأعضاء في الجمعيات من عيّنة الدراسة يتجاوز 11 ألف متطوع وعضو، ويعتبر هذا الرقم ذا قيمة كبيرة إذا أخذنا في الاعتبار القيمة الاقتصادية لعمل هؤلاء؛ فهي تُعدّ ذات أهمية كبرى في احتساب إسهام الجمعيات الاقتصادي، كم أن هذا الرقم مؤشر إيجابي على مستوى تجنيد وإدارة المورد البشري لصالح العمل التطوعي.

4. تقييم عمل الجمعيات في مكافحة الفقر عبر عيّنة من المستفيدين من تدخلاتها

عمدنا، لتقييم دور الجمعيّات محل الدراسة في مقاومة الفقر، إلى اختيار عيّنة من المستفيدين من هذه الجمعيات، من أجل قياس مدى استفادتها عمليًا من أنشطة الجمعيات ومشاريعها، وانعكاسها على أوضاعها الاقتصادية. ولمعرفة ذلك، توجّهنا إلى عيّنة المستفيدين باستمرة شاملة تستطلع تمثلات الفقراء عن الفقر والعمل الجمعياتي، وتقييم استفادتهم اقتصاديًا ومعنويًا من هذه الأنشطة التي تتوزع بين مشاريع تنموية مدرّة للدخل عددها 18 مشروعًا، وأنشطة رعائية من كفالات لأيتام وأسر تصل إلى 88 كفالة، وأخيرًا أنشطة خدمية في مجال الصحّة يبلغ عددها 13 نشاطًا.

أ. تمثلات العيّنة بشأن الفقر

تُعتبر تمثلات الفقراء عن فقرهم وتفسيرهم له ولأسبابه أمرًا مهمً بالنسبة إلى بحثنا، وذلك من عدة أوجه؛ أولها معرفة إنْ كان الفقر مستوى مادّيًا فحسب لا يلبي الحد الأدنى المطلوب من الغذاء لحفظ الحياة في اليوم، أو إنْ كان الفقر يعني شيئًا آخر عند الفقراء، أمّا ثانيها فيتمثّل بسؤالين: هل أنّ الفقر عند الفقراء نمط عيش وثقافة تعزى أسبابه من خلالها إلى أمور قدريّة، ويستمر بسبب الخمول والاتكالية التي هي سمة محدّدة لثقافة الفقر تلك؟ أم هل أن فقر

الفقراء مردّه عدم تمكينهم من الوسائل والإمكانات التي تخوّلهم الخروج من دائرة الفقر؟ وأمّا ثالثها، فهو حسم هذه الإشكاليات في ضوء فشل، أو نجاح، تدخلات الجمعيات التي تُعنى بالفقراء عبر العمليات التمكينية التي تستهدفهم بها من جهة، وعبر إجابات العيّنة وتمثلاتها للفقر ولأسبابه وللعمل الجمعياتي الذي يستهدف تمكينهم من جهة أخرى. إجابةً عن السؤال: من هو الفقير في نظرك؟ تبيّ، من خلال نتائج تفريغ الاستمرة، أن أغلبية أفراد العيّنة يعتبرون الفقر حالة مركّبة من عوامل ماديّة واجتمعية أساسًا، وأنه لا يمكن عزوه إطلاقًا إلى مقياس مادّي يُعيّ حدًّا أدنى للاستهلاك بوصفه حدًّا للفقر. والجدول (6) يبين ذلك على نحو أوضح.

الجدول (6) التمثلات المتصلة بتعريف "الفقير" لدى أفراد العينة

المستوي التعليميتمثل الفقر
النسبة
(في المئة)
ايلمجموعجمامعيثانويإعداديابتدائيمحظريأميّ
84.8810131418401610الفقير هو من لا يتمكن من
تلبية حاجاته الأساسية ولا
يتمكن من القيام بما يقوم به
الناس العاديون في حياتهم
الاجتماعية ولا يتقرّب له
الناس ولا يقدرونه
15.1218000855الفقير هو من لا يمتلك ما
يسدّ به حاجياته من المأكل
والمشرب لليوم
10011931418482115المجمو ع
1002.511.7615.1240.3817.6412.6النسبة (في المئة)

على الرغم من تباين المستويات التعليمية بين فقراء العيّنة، وانتمء معظمهم إلى مستويات تعليمية "متدنيّة"، فإن تمثلهم المتعلق بالفقر هو تمثل مركّب، لا يُختصر في بعد واحد مادّي، بل يشمل الأبعاد الاجتمعية الأخرى التي هي ذات أولوية بالنسبة إلى عيّنة البحث. وضمن التحليل الكيفي لمضمون المقابلات مع المستفيدين، تكرّر عدة مرّات مفهوم "الإحراج الاجتمعي"، بوصفه مفهومًا وصفيًا يصفون به حالة فقرهم، وهو أبرز دليل على حضور البعد الاجتمعي في تحديد الفقر. إن الفقير في نظر العيّنة هو من يمتلك دخلً متدنيًا لا يمكّنه من تلبية احتياجاته الأساسية، ولا يمكنه أيضًا من القيام بما يقوم به الناس العاديون في حياتهم الاجتمعية، ومن يتعرّض بسبب ذلك لما سمّه بعض المستجيبين "الإحراج الاجتمعي"، وهو ما يبعده عن نسق الحياة الاجتمعية شيئًا فشيئًا. ومن هنا حددت نسبة 10 في المئة من المستجيبين الفقير بأنه ذلك الذي لا يتقرّب إليه الناس والذي يتحصّل على الصدقات بطلب منه أو بغير طلب، فهو يتحدّد،

شاء أم كره، ضمن مجال الاستبعاد والإقصاء الاجتمعيين. كم وردت في العيّنة عدّة تعبيرات دالّة على وضع الفقير، من بينها: "الفقير هو فقير المرجن"، وهو الذي لا يستطيع أن يرتاح، بحثًا عن لقمة العيش، بالكدّ اليومي تارة، وبالتسول وانتظار المساعدات والصدقات تارات أخرى. فهو يبقى دائمًا ضمن مجال الاستبعاد والدونية الاجتمعية. وضمن استبعاد لمقولة ثقافة الفقر في تفسير وضع الفقراء وأسباب فقرهم، تبيّ لنا من خلال تفريغ نتائج الاستمرة أن الفقراء لا يفسّون أسباب فقرهم انطلاقًا من القدرية أو الخمول والاتكالية وعدم البحث عن العمل، بل يعزون فقرهم إلى عوامل وأسباب موضوعية تتمثل في انعدام وسائل التمكين، سواء كانت معرفية (التعليم)، أو عملية (نقص العمل)، إضافةً إلى قلّة مردودية المهن والأعمل التي يزاولها الفقراء بسبب غياب أي تكوين في تسيير العمل، وذلك على الرغم من أننا أضفنا متغير التعليم بوصفه متغيرًا تفسيريًا لاحتمل وقوع تباين في النتائج حول أسباب الفقر عند الفقراء. والجدول (7) يبين ذلك.

الجدول (7) تمثلات لأسباب الفقر عند الفقراء

المستوى التعليميأسباب الفقر عند الفقراء
النسبة
(في المئة)
اميلمجموعجمامعيثانويإعداديابتدائيمحظريأميّ
1.682010001القضاء والقدر
47.90570110221014نقص التعليم
43.705238426110نقص العمل
1.682020000عدم البحث عن العمل
5.046024000عدم المساواة
00000000الاتكالية والخمول بين الفقراء
10011931418482115المجموع

تبين هذه التوزيعات أن مردّ أسباب الفقر عند الفقراء ليست أسبابًا قدرية، ولا نتيجةً لاتكالية وعدم بحث عن العمل، بل إنها ترجع إلى عدم تمكينهم وتمكّنهم من الوسائل والإمكانات الموضوعية التي تجنّبهم الفقر؛ مثل التعليم، ونقص العمل، وعدم المساواة، وغياب مقوّمات العدالة الاجتمعية. وقد وصلت النسبة المئوية لهذه الأسباب مجتمعة إلى 95.4 في المئة، على الرغم من تباين المستويات التعليمية. فالفقر ليس، إذًا، ثقافة مشحونة بالسلبية يفسّ بها الفقراء أسباب فقرهم، بل إن الفقراء يعون جيدًا أسباب فقرهم الموضوعية ويعملون على تجاوزها ما إنْ تسنح لهم الفرصة وتتوافر لهم الوسائل. فلدى الأميين مثلً، وجدنا أن 14 امرأة من أصل 15، من النساء جميعًا، يفسّن سبب فقرهن المباشر بعدم التعلم. أمّا في حالة كون الفقير متعلّمً، فإنّ أسباب الفقر لديه تكون في نقص العمل الذي يتكافأ مع مؤهلاته التعليمية.

60 "المرجن" في اللهجة الحسّانية هو القدر التي يطبخ فيها الطعام.

ولم نكتفِ بهذا المستوى في تمثلات الفقراء عن الفقر، بل تجاوزنا ذلك إلى معرفة ما إذا كان الفقراء يعملون أم لا يعملون بحسب فقراء العيّنة، وقد وجدنا أن الفقراء، عمومًا، وفقراء العيّنة خصوصًا، يُقدّرون العمل، ويعتبرونه ضرورة حياتية، ووسيلة للعيش الكريم والمحترم. وثمّة تصور لدى العيّنة مفاده أن الفقراء في عمل متواصل، لكن غالبًا ما يكون هذا العمل غير منتج ولا يسمح بالاستثمر، فضلً عن ادخار قسط من عائده. فاحتياجات الفقراء اليومية ضاغطة إلى درجة تجعلهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم الأساسية، خاصّة في مجال التعليم والصحّة وتوفير مقتضيات السكن اللائق... إلخ. وقد وصل الأمر في التشديد على ضرورة العمل إلى تصريح بعض أفراد العيّنة بأن "الفقير هو الميّت" أو هو المحروم الذي لا يتمكن من العمل لأسباب صحيّة وبدنيّة. فالعمل هو الأولوية الأولى لدى الفقراء وهاجسهم الدائم الذي يطاردونه يوميًا ويبحثون عنه، بغض النظر عن كونهم رجالً أو نساء.

الجدول (8) تمثلات الإجابة عن الفقراء: يعملون أم لا يعملون؟

الجنسالفقراء لا يعملون ومتكلوناملفقراء يعملونالمجموع
إناث9
12.85 في المئة من كل الإناث
61
87.15 في المئة من كل الإناث
70
ذكور0
0.00 في المئة من كل الذكور
49
100 في المئة من كل الذكور
49
المجموع9110119
النسبة (في المئة)7.5792.43100

من الملاحظ أن الرأي المتمثّل بأنّ الفقراء لا يعملون ومتكلون يرجع كلّه إلى نساءٍ؛ وذلك بنسبة 12.85 في المئة فقط من مجموع النساء، وهو ما يمكن تفسيره بأنّ أغلب الفقيرات في موريتانيا نساءٌ. فبالنظر إلى هيمنة العقلية التقليدية في المجتمع، فإن النساء محرومات من العمل، وبذلك يكنّ دائمًا عالة على الأسرة أو الزوج، ويكنّ عرضة للفقر أكثر بفقد أحد هذين الطرفين، ومن ثمّ فإن رأيهنّ بأن الفقيرات لا يعملن ليس موقفًا مبدئيًا من عمل المرأة، ولكنه تفسير لواقع اجتمعي مثقل بالإكراهات والمحاذير تجاه عمل المرأة أو حتّى تعلّمها. فالعديد من النساء اللاتي شملتهن الدراسة صرّحن بأن لهن رغبة في العمل، لكن كان يتم كبتها دائمًا بسبب اعتراض الأسرة والزوج على ذلك، بحجّة "أن المرأة لا عمل لها غير تربية أبنائها وإرضاء زوجها"، وقد عدّد أفراد العيّنة مجموعة من الأسباب التي تجعل عمل الفقراء غيرَ مُسهمٍ في الحدّ من فقرهم، من بينها ما لي: عمل الفقراء غالبًا ما يكون في مهن حرفية وعضلية ضعيفة المردود تكاد لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية. حجم الأسر التي يعيلها الفقراء غالبًا ما يكون كبيرًا، ما يجعل الدخل موجهًا إلى الاحتياجات اليومية. عدم سمح الزوج لزوجته بأن تعمل لأنه يرى في عملها "وصمة عار اجتمعية عليه"، فهو وحده المطالب بالعمل وإعالة الأسرة.

كم أن أولويات الفقراء ومشاكلهم تعكسان حاجة ملحّة وتوقًا إلى التمكن من الوسائل الموضوعية لتغيير أوضاعهم، حيث تأتي احتياجات توفير تعليم الأبناء على رأس أولويّاتهم، وذلك بغض النظر عن التباينات والفروق القائمة في المستويات التعليمية لأفراد العيّنة. والجدول (9) يوضح أهم مشاكل عيّنة الدراسة وأولويّاتها.

الجدول (9) تمثلات لأهم مشاكل الفقراء لدى أفراد العينة وأولوياتهم

المستوى التعليميالمشاكل والأولويات
النسبة
(في المئة)
اميلمجموعجمامعيثانويإعداديابتدائيمحظريأميّ
68.98221012331510مشاكل التعليم وتوفير احتياجاته
والرعاية الصحيّة
9.2511042221مشاكل الفقر المدقع وتدني الدخل
10.0812100722مشاكل السكن
11.771404622مشاكل تتعلق بكثرة المصاريف
10011931418482115المجموع

بحسب هذه التوزيعات، تتمثّل الأولوية، التي تمثل مشكلً أساسيًا وهاجسًا، بالنسبة إلى فقراء العيّنة، في التعليم والرعاية الصحية. ففقراء العيّنة حريصون كل الحرص على توفير التعليم الأفضل لأبنائهم، في حالة كونهم أسرًا، والاستمرار فيه واكتسابه في حالة كونهم أفرادًا. فم زال التعليم والترقي فيه يحتلان قيمة كبرى في وعي المجتمع، باعتباره الوسيلة الوحيدة المتاحة للفقراء لتحقيق حراك اجتمعي وازن. وسنرى، لاحقًا، أن الفقراء الذين شملتهم الدراسة، يوجهون معظم عائد المشاريع والكفالات إلى تحسين المستويات التعليمية لأبنائهم؛ ذلك أن متابعة تعليم الابن، أو الابنة، هي الاستثمر الكبير بالنسبة إلى الأسرة الفقيرة المعدمة من وسائل تحقيق الحراك الاجتمعي الثقيل بالزبونية والمحسوبية والوجاهة الاجتمعية والولاء السياسي... إلخ. وفي مستوى ثانٍ من مستويات مشاكل الفقراء وأولوياتهم، تأتي مسألة كثرة المصاريف التي تعتبر أوجهها كثيرة بالنسبة إلى الأسر الفقيرة، نظرًا إلى كثرة الأشخاص الذين تحويهم وتعيلهم؛ فم زالت الأسرة الموريتانية أسرة ممتدة، يتعايش فيها، إضافة إلى الزوجين والأطفال المباشرين، الإخوة والأخوات وبعض الأقارب وآباء الزوجين أيضًا، وهو ما يضاعف من تكاليف الأسرة التي غالبًا ما تكون منوطة بشخص واحد فيها. وفي مستوى ثالث من مستويات احتياجات ومشاكل العيّنة، يأتي مشكل السكن، الذي بات أولوية لدى العديد من أفراد المجتمع، خاصّة مع استفحال ظاهرة "الكبّة" قديمًا، وأحياء الترحيل حديثًا، وهي أحياء صفيحية، في أغلب الأحيان، تفتقد إلى أبسط مقوّمات السكن الضرورية. وفي آخر المشاكل، تأتي المشاكل

تُطلق "الكبّة"، في العاصمة نواكشوط، على أحياء الفقر والعشوائيات التي بدأت في الانتشار منذ الثمانينيات، والتي أصبحت محط استقبال الوافدين الجدد على العاصمة نواكشوط من الدواخل والأرياف، بسبب موجات الجفاف، وبحثًا عن العمل في العاصمة الفتيّة التي اجتذبت غالبية السكان إليها. وقد ساهمت هذه الظاهرة في بروز ظاهرة الفقر الحضري.

المتعلقة بحالة الفقر المدقع المرافق لتدني الدخل. ولعل السبب في أن تكون هذه المشكلة هي المشكل الأخير في سلّم ترتيب أولويات ومشاكل أفراد العيّنة هو الاستفادة من تدخلات الجمعيات.

ب. تمثلات المستفيدين من الجمعيات للعمل الجمعياتي

الصورة السائدة عن الجمعيات في موريتانيا هي صورة سلبية جدًّا، وذلك نظرًا إلى ما ارتبطت به الجمعية، في مخيال الموريتاني، من مضمون سلبي يحيل على التحايل للحصول على المال، وابتزاز بعض الأطراف السياسية والرسمية والخارجية بمشاريع وهمية لا تعود بدخل إلا على صاحبها الذي غالبًا ما يكون سببًا في الإساءة إلى الجمعية باسمه، وباسم أقاربه. وقد عزّز مثل هذا التصور تكاثر الجمعيات في الفترة الأخيرة ك "الفطر" مع محدودية ما تقوم به، وما هو موجود منها بالفعل على أرض الواقع ويمارس عملً تنمويًا أو خدميًا حقيقيًا. من هذا المنطلق، أردنا أن نتعرض لتمثلات عيّنة الدراسة للجمعيات، والجمعيات التي تجري الاستفادة منها على وجه الخصوص، لتقييم تدخلاتها. وفي إجابة عن السؤالين: ما هي الأدوار التي تقوم بها الجمعيات لصالح الفقراء؟ ولماذا تقوم بها؟ لاحظنا حصول تغير كبير في الصورة النمطية عن الجمعية في مخيال الفرد الموريتاني، خاصة المستفيد من تدخلات الجمعيات.

الجدول (10) تمثلات المستفيدين لعمل الجمعيات وأدوارها وغاياتها

المستوى التعليميما الذي تقوم به الجمعيات؟
وما مبرّراته؟
المجموعجمامعيّثانويّإعداديّابتدائيّمحظريأميّ
3401311262تقديم المساعدة إلى المحتاجين
والفقراء لسد احتياجاتهم
3201210712فعل الخير والتصدق على الفقراء
5130152481تمكين الفقراء بتنمية مواردهم وتأهيلهم وتدريبهم
وتمويل مشاريع لفائدتهم بهدف محاربة الفقر
2000200القيام بأنشطة شكلية بغرض الحصول
على التمويلات
11931418482115المجموع

يبدو أن ثمّة وعيًا متزايدًا بأهمية أنشطة الجمعيات بالنسبة إلى الفقراء في العيّنة، وخاصّة أنشطتها التمكينية بنسبة 42.85 في المئة من آراء العيّنة، ثم أنشطة المساعدة بنسبة 28.57 في المئة، في حين يرتبط عمل الجمعيات بفعل الخير والتصدق على الفقراء عند العيّنة بنسبة 26.89 في المئة، وهو التصور التقليدي لأدوار الجمعيات عند الناس، وهذا بُعد ينتظر العديد من الباحثين أن تتجاوزه الجمعيات، وتُرسّخ غيره في أذهان مستفيديها، باعتبارها تمارس فعلً تنمويًا لصالح المجتمع، موجّهًا أساسًا إلى ترقية المجتمع ومحاربة الفقر فيه. فالعقلية التقليدية في فهم أدوار الجمعية تحمل وعيًا سلبيًا يتصوّر بمقتضاه الأفراد والمستفيدون من الجمعيات، خاصّة أن الجمعية هي بنك خيري يعطي

من دون أن يتابع ويقيّم، ما يولّد عقلية الاستغلالية والاتكالية لدى العديد من الفقراء المستفيدين من الجمعيات. وهناك وعي من الجمعيات موضوع الدراسة بهذا البعد والخطر الذي يتهدّد أنشطتها. لذلك، أصبحت تفرض على مستفيديها شكلً من المتابعة والرقابة لتحفيزهم على العمل والعطاء. كم جعلها ذلك، أيضًا، تركز عملها على الأنشطة والتدخلات ذات الطابع التمكيني، كالتدريب والتكوين والتعليم والتأهيل وتمويل الأنشطة المدرّة للدخل، في ظل التزامات وعقود ورقابة تجعل المستفيد يتوجّه إلى العمل بدلً من التعويل على سخاء الجمعية. وفي مستوى آخر من مستويات تمثل المستفيدين لعمل الجمعيات، تطرّقنا إلى ما ينبغي أن تقوم به الجمعيات من وجهة نظر الفقراء. وقد وجدنا أن الأنشطة التمكينية تأتي على رأس المطلبيّة التي يتوجه بها المستفيدون إلى الجمعيات، وهو ما يعني استعدادًا من الفقراء للعمل واختيارًا استراتيجيًا لما يمكّنهم بالفعل من تحقيق استقلالهم الذاتي وما يضمن مغادرتهم لدائرة الفقر، عبر تمكّنهم من الوسائل التي تخوّل لهم ذلك، وعلى رأسها المشاريع المدرّة للدخل، والتدريب والتكوين المتعلقين بحِرف معيّنة ذات طلب في السوق.

الجدول (11) تمثلات المستفيدين لعمليات التمكين المفترض أن تقوم بها الجمعيات

عمليات التمكين التي يرى الفقراء المستفيدون أنها الأنسب لمكافحة الفقراملجنس
النسبة
(في المئة)
المجموعالتمويل والكفالة
معًا
كفالة الأيتامتمويل مشاريع
مدرّة للدخل
والتكوين في حِرف
معيّنة
41.1749191020ذكور
58.8370401119إناث
100119592139المجموع
10049.5717.6532.77النسبة (في المئة)

ينطلق من يُؤيّدون المشروع المموّل والكفالة معًا من تجربة مفادها أنّ من استفادوا من هذين التدخلين معًا تمكّنوا مباشرة من الخروج من دائرة الفقر والهشاشة الاجتمعية؛ وهو ما يفسّ النسبة العالية التي اختارت تلك الوسيلة 49.57 في المئة، في حين ينطلق من يرون خيار تمويل المشاريع والتكوين من مقولة وردت على لسان عدة مستفيدين، هي: "أنْ تعلمني كيف أصطاد سمكة خير لي من أن تعطيني سمكة كل يوم"، وفي ذلك إرادة للإمساك بزمام الحياة وإدارتها. فالتمكين من الوسائل هو أفضل وأقصر طريق لمكافحة الفقر بحسب هؤلاء، وذلك بنسبة عالية وصلت إلى 32.77 في المئة، بينم يأتي خيار الكفالة وحدها ثالثًا بنسبة 17.64 في المئة. وينطلق من يؤيدون هذا الخيار من أن الأيتام والأرامل شريحة واسعة في المجتمع وشريحة هشّة جدًّا، والكفالة عامل أساسي في تنمية وبناء هذه الشريحة ومساعدتها، وخاصّة الأطفال في مسارهم التعليمي؛ فكلّم كانت الكفالة شاملة ومستمرة، كانت احتملات نجاحهم في مسارهم التعليمي أكبر وأكثر إمكانًا.

خاتمة

حاولنا من خلال هذه الدراسة أن نسهم، ولو بقدر قليل، في توفير تصور علمي عن تعامل الجمعيات موضوع الدراسة مع ظاهرة الفقر التي تعتبر مكافحتها أهم الأولويات بالنسبة إلى الفاعل الجمعياتي في موريتانيا. وقد راهنّا على أطروحة بسيطة تعتبر العمل الجمعياتي نمطًا من أنماط الفعل الاجتمعي والجمعي المنظّم القائم على فكرة التمكين، وأن الفقر - في المقابل - ما هو إلا شكل من أشكال الحرمان من التمكين ووسائله. وتوصلنا، في هذا الصدد، إلى أن توافر معطيات الوظائفية في عمل الجمعيات مع تبني فكرة تمكين الفقراء من خلال مشاريع تنموية أو رعائية كان أمرًا ناجعًا في إثمار نتائج إيجابية على صعيد مكافحة الفقر. فأمام "الإخفاق الحكومي" في تطويق الفقر ومظاهره، بات من الضروري إفساح المجال أمام فاعلين جدد للتدخل من أجل إسناد الدولة والحد من انتشار الفقر. ومن هذا المنطلق، أصبحت الطريق معبدة لبروز الفاعل الجمعياتي ممثلً في جمعيات وتنظيمت المجتمع المدني بأشكالها المختلفة، إلا أن بعض الإكراهات القانونية والمالية، وأحيانًا السياسية، عرقلت، أو حدّت، من فاعلية الجمعيات في سياسة مكافحة الفقر في موريتانيا. ولعلّ أبرز تلك الإكراهات والتحديات تتمثّل فيم لي: وصاية الدولة وتغوّلها المفرط على مبادرات المجتمع وتعبيراته المختلفة أو ما يسميه المنصف وناس "دولنة المجتمع". فعلى الرغم من الانفتاح الذي عرفته موريتانيا مع دستور 1991 الذي أطلق الحريات، وتبنّي الدولة لعقيدة المشاركة فيم يخص الانفتاح على المجتمع المدني في تقرير السياسات التنموية، بل التعاقد معه في إنجازها بعض جوانبها، فإن هذه التوجهات ظلّت معطّلة إلى حد بعيد، فم تزال المضايقات وقلة التسهيلات تطبع تعامل الدولة مع الجمعيات، كم أنّ الانتقائية تسيطر على سلوك الدولة في التعامل مع التمويلات المخصصة للعمل الجمعياتي، الأمر الذي يساهم في إفراغ بعض التكتلات الجمعياتية من مضمونها، وذلك بتحولها إلى أداة بيد السلطة، وتحوّلها إلى واجهة للفساد المالي الجمعياتي. وفي الجانب الآخر، تنطوي ممرسة العمل الجمعياتي في موريتانيا على مجموعة من الاختلالات التي جعلت فاعلية العمل الجمعياتي استثناء، بدلً من أن تكون قاعدة، ومن أبرز تلك الاختلالات سيطرة أفراد على التنظيمت الجمعياتية، واختزال الجمعية في شخص أو اثنين، وإحلال القيم الأبوية في الجمعية محلّ القيم الديمقراطية التي يقوم عليها العمل التطوعي والجمعياتي، باعتباره تعاقدًا وتعاونًا بين مجموعة من الأفراد بحرية. وتتواصل سيطرة النزعة الفردية على العمل الجمعياتي على مستويين؛ إذ يتمثل المستوى الأول في تفرد شخص واحد بالسلطة في الجمعية، بحيث لا يحدث أي تناوب على رئاسة الجمعية وإدارتها. فمن بين 3 من 5 جمعيات شملتها الدراسة، لم يسجل أي تناوب على رئاسة الجمعية منذ نشأتها، وغالبًا ما يعود ذلك بالضرر على مؤسسية الجمعية، بل حتى على برامجها. أما المستوى الثاني، وهو الأخطر والأكثر انتشارًا بين الجمعيات الموريتانية، فهو وجود مئات الجمعيات التي يقتصر وجودها على وجود شخص واحد هو المكتب التنفيذي للجمعية والناطق باسمها، ويُصطلح على تسمية هذه الظاهرة محليًا بظاهرة جمعيات "الكراطيبل"، أي جمعيات المحفظة المتنقلة التي يسخّرها أصحابُها للتربح وتحصيل المال، وهو الأمر الذي أضرّ كثيرًا بسمعة العمل الجمعياتي في موريتانيا. فضلً عن البعد السابق، ثمّة أيضًا بعد آخر معوّق في عمل الجمعيات الموريتانية يتمثل في مستوى حضورها في محيطها الاجتمعي والسياسي والاستراتيجي، وفقر علاقاتها الخارجية. فرصيد الجمعيات من العلاقات الخارجية وبالجهات الممولة ما يزال في حدوده الدنيا، وهو ما يفسر إلى حد ما محدودية تدخلات الجمعيات؛ ومن ثمّ يمكن

القول إن حداثة التجربة الجمعياتية في موريتانيا ما زالت تلقي بظلالها على العمل الجمعياتي. ولذلك، فإنّ الجمعيات الموريتانية الجادة مدعوة إلى الاعتناء بهذا الجانب لتطوير مستوى كفاءتها وإمكاناتها. على الرغم من تلك العوائق، تبيّ لنا من خلال دراسة ميدانية معمّقة أن الفاعل الجمعياتي، مع حداثة تجربته، تمكّن من فرض نفسه بوصفه مساهمً محوريًا في سياسة مكافحة الفقر، كم تبين لنا أن اتخاذ عملية التمكين خيارًا استراتيجيًا لمقاومة الفقر من طرف الفاعل الجمعياتي، إن على مستوى تمويل المشاريع أو الكفالات أو تقديم الخدمات والأنشطة الدفاعية، يعني - إلى حد ما - عملية إلغاء شامل لظروف القهر الاجتمعي والسياسي والثقافي تجاه الأفراد والجمعات غير المُمكَّنة، أو بالاصطلاح الدارج "الفقيرة" و"المعدمة". ولذلك، فإن خيار تمكين الفقراء، عبر إشراكهم في العملية التنموية وإعطائهم زمام المبادرة في إدارة مشاريعهم الخاصة قد يكون مِن أنجع الوسائل في مكافحة الفقر وكسر الصور النمطية التي تُحمّل الفقراء المسؤولية عن فقرهم، من خلال اتهامهم بالكسل والخمول، على غرار ما تروّجه نظرية ثقافة الفقر التي تقع على النقيض من نظريات تمكين الفقراء التي تقدّم منظورًا بديلً في سياسات التنمية.

المراجع

العربية

الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا: حصيلة 2010-2006. نواكشوط: الوزارة الأولى،.2010 الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر في موريتانيا: خطة عمل 2015–2011. نواكشوط: الوزارة الأولى، 2015. بوخريص، فوزي. مدخل إلى سوسيولوجيا الجمعيات. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2013 الجمهورية الإس مااية الموريتانية. محكمة الحسابات. التقرير السنوي العام 2015–2014–2013 (تشرين الأول/ أكتوبر 2017 في:). https://bit.ly/3haOk9W ________. التقرير العام السنوي 2017–2016 (تموز/ يوليو 2019:). في https://bit.ly/3kP5MmR الجمهورية الإسلامية الموريتانية. لجنة التحقيق البرلمانية. "تقرير الصياغة: الاستنتاجات والتوصيات، القرارات رقم 1 ورقم 2 ورقم 3 ". بوابة العلم. في https://bit.ly/3aBRCAx: دي ساشيه، فرانسيس. موريتانيا من سنة 1900 إلى سنة 1975. ترجمة محمد بن بوعليبة بن الغراب. نواكشوط: جسور للنشر،.2013 السعيدي، فتحية. "الجمعيات والمنظمت غير الحكومية وثقافة المجتمع المدني في تونس". أطروحة دكتوراه. جامعة تونس. تونس..2001 عبد الله، منّينة. التقرير السنوي الأول: نشاط المنظمت الأهلية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية. القاهرة: الشبكة العربية للمنظمت الأهلية،.2002

غدنز، أنتوني. علم الاجتمع. ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 فريدمان، جون. التمكين: سياسة التنمية البديلة. ترجمة ربيع وهبة. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2011 قيرة، إسمعيل. "من هم فقراء الحضر؟ قاع المدينة العربية نموذجًا". المستقبل العربي. العدد 205 (آذار/ مارس.)1996 ليلة، علي. دور المنظمت الأهلية في مكافحة الفقر. القاهرة: الشبكة العربية للمنظمت الأهلية،.2002 المجلس الوزاري للشؤون الاجتمعية في جامعة الدول العربية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية. التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد. بيروت.2017: المحبوبي. سيدي عبد الله. "الهجرات الداخلية والتنمية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية". أطروحة دكتوراه. جامعة تونس. تونس،.1996 النحوي، الخليل. بلاد شنقيط: المنارة.. والرباط. تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،.1987 ونّاس، المنصف. الحياة الجمعياتية في المغرب العربي: التاريخ والواقع والآفاق: الجزائر، المغرب الأقصى، تونس. تونس: ألتالير،.1997 ________. الجمعيات في موريتانيا: التاريخ والتشريع والأنشطة: دراسة ميدانية. غير منشورة).2002(ويبستر، أندرو. مدخل لسوسيولوجية التنمية. ترجمة حمدي حميد يوسف. سلسلة المائة كتاب. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة،.1986

الأجنبية

Bonte, Pierre. "L'évolution de la société rurale Mauritanienne: Le pari de la sécurité alimentaire." Politique Africaine. no. 55. (Octobre 1994). Boukraa, Ridha. Comprendre la mondialisation: Études sociologiques. Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2005. Labbens, Jean. Sociologie de la Pauvreté: Le tiers monde et le quart monde. Paris: Gallimard, 1978. Laroussi, Houda. Micro-crédit et lien social en Tunisie: La solidarité instituée. Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2009. Lewis, Oscar. Five Families: Mexican Case Studies in the Culture of Poverty. New York: Basic Books, 1959. Peretz, Henri. Les méthodes en sociologie: L'observation. Paris: La Découverte, 2004. Sumpf, Joseph & Michel Hugues. Dictionnaire de sociologie. Paris: Librairie Larousse, 1973.