Return to Article Details Sovereign Wealth Funds in the Gulf Arab States: Sustainability and Ongoing Challenges

صناديق الثروة السيادية لدول الخليج العربية بين الاستدامة والتحديات المستمرة

Sovereign Wealth Funds in the Gulf Arab States: Sustainability and Ongoing Challenges

نايف الشمري

الملخّص

تهتم الدراسة بتحليل استدامة الصناديق السيادية في دول الخليج العربية، وتعرض التحديات التي تواجهها، سواء الحالية منها أم المستقبلية. وتسعى لرصد الضغوط التي تستهدف التأثير سلبيًا في استدامة هذه الصناديق. وتناقش التحديات المرتبطة بمستقبلها. وتخلص إلى وجود أخطار تهدد استدامتها على الأمد البعيد، مع تراجع العائدات النفطية، وكذلك تواضع أداء الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فضلً عن استمرار التعقيدات في الإجراءات البيروقراطية، وانكشاف مصادر التمويل لأوجه نشاط الصناديق مع عدم استقرار الإيرادات النفطية. يضاف إلى ذلك عامل غياب الشفافية، وضعف حوكمة هذه الصناديق، بما يجعل الغموض حول أوجه نشاطها معوقًا للنجاح وديمومته، لا سيما مع وجود ضغوط دولية مستمرة، وضغوط نابعة من تمويل العجز في الموازنة العامة، وغياب الاستقرار المالي وتنافسية القطاعات في الاقتصادات الخليجية. بناء عليه، توصي الدراسة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في دول الخليج، وإيجاد إرادة حكومية جادة من شأنها تعزيز البرامج المالية والاستثمارية، وتحقيق أهداف تأسيس الصناديق السيادية؛ من أجل تنويع مصادر الدخل.

Abstract

This study analyzes the sustainability of sovereign wealth funds (SWFs) in the Gulf Cooperation Council (GCC) countries and monitors pressures that may negatively impact SWFs' sustainability. The challenges associated with the future of these funds are also discussed. The study concludes that, as oil revenues fluctuate and decline and foreign direct investment shrinks, there are numerous threats to these funds' sustainability. Additional threats include complicated bureaucratic procedures, the absence of transparency, and weak Gulf SWF governance. Accordingly, the study recommends political and economic reforms in the Gulf states and governmental commitment to promoting financial and investment programs and achieving SWFs' objectives of diversifying sources of income.

الكلمات المفتاحية:
  • دول الخليج العربية
  • الصناديق السيادية
  • استدامة الموارد
  • الشفافية
  • الفاعلية الحكومية
  • جودة البيروقراطية
Keywords:
  • Gulf Arab States
  • Sovereign Wealth Funds
  • Sustainable Resources
  • Bureaucratic Quality
  • Government Effectiveness
  • Transparency

مقدمة

مثّلت التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، منذ بداية القرن العشرين، تحديًا حقيقيًا للنظام المالي والاقتصادي؛ إذ أدت إلى تقلبات في حجم أوجه النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري، ما جعله ينعكس سلبيًا على جهد الحكومات في تطوير اقتصاداتها، وتحسين مستوى معيشة الأفراد. وساهمت تلك التقلبات في تراجع أسعار النفط في فترات عدة متباينة؛ فخلق هذا التراجع ضغطًا على الموازنات العامة، لا سيما في الدول المنتجة والمصدرة له، وهو ما بات تهديدًا أيضًا لتمويل البرامج الإنمائية واستمرارها، ولجهد الإصلاحات الاقتصادية في تلك البلدان. بيد أن مورد النفط لبعض تلك الدول أدى دورًا محوريًا في المحافظة على استقرار اقتصاداتها؛ إذ كان بعض الدول النفطية حريصًا على إيجاد تنوع في مصدر الدخل؛ بهدف استحداث آلية استثمارية بديلة من النفط، متمثلة في إنشاء ما يسمى صناديق الثروة السيادية. لقد بدأ ظهور الصناديق السيادية التقليدية في العالم أوائل الخمسينيات، واعتمد على الأصول السلعية، وهو النفط تحديدًا، ثم تبعها ظهور الصناديق السيادية بأشكالها المختلفة، بما فيها السلعية وغير السلعية، فأخذت فكرة تأسيس صندوق سيادي رواجًا لدى كثير من الدول. ولم يرتبط تأسيسها بوجود الرغبة لدى دول النفط في التحوط من مورد النفط الناضب فحسب، وإنما أسست الاقتصادات غير النفطية، كالصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتركيا وأستراليا وتشيلي، تلك الصناديق؛ بهدف تحقيق العائد الاستثماري الملائم للحكومات، وتحقيق وفورات من موجودات الصرف الأجنبية. وسجل عدد الصناديق السيادية تطورًا منذ أواخر الستينيات، من ثلاثة صناديق سيادية إلى 22 صندوقًا عام 1999، ثم إلى ما يقارب 60 صندوقًا عام 2010. ويقدر عدد الصناديق السيادية في العالم حاليًا بنحو 95 صندوقًا سياديًا، بإجمالي أصول تقدر بنحو 8.34 تريليون دولار، بحسب بيانات عام 2019. وعلى الرغم من ذلك، فإن تحديد مفهوم متفق عليه، ومقبول، لتعريف الصندوق السيادي لا يزال في طور النقاش؛ إذ توجد اختلافات عدة، تشمل أغراض الصندوق وأهدافه وأدوات تمويله. لكن الجميع متفق على أن إدارة الأصول الاستثمارية في الصندوق السيادي وملكيتها مرتبطة بالأساس بكيان سيادي تمثله الحكومة وأجهزتها. وفي ضوء ذلك، تحلل الدراسة مدى استدامة الصناديق السيادية لدول الخليج العربية، بناءً على الأهمية الاستراتيجية لتلك الصناديق وسياساتها الاستثمارية، ومن ثم تُقيَّم التحديات التي تواجهها هذه الصناديق، سواء الحالية منها أم المستقبلية. ومن هذا المنطلق، تستهدف الدراسة الإجابة عن تساؤلين أساسين: الأول معني بالضغوط التي تواجه صناديق الثروة السيادية في دول الخليج، وتستهدف التأثير سلبيًا في استدامتها. ويتعلق السؤال الثاني بالتحديات المستقبلية التي قد تواجهها هذه الصناديق. وبناءً على إجابة الدراسة عن السؤالين، ستقدم توصيات محددة. يقوم منهج الدراسة على التحليل الوصفي والتاريخي للصناديق السيادية الخليجية، عبر النظر المقارن إلى المؤشرات الأدائية لهذه الصناديق، سواء من جهة حوكمتها، أم بيان قدراتها التنافسية، أم كفاية استراتيجياتها، فضلً عن النواتج

التي تمكنت من تحقيقها. وتقدم الدراسة تحليلً لسياق عمل الصناديق من منظور الاقتصاد الكلي، وتطرح تحليل مقارنًا لمجموعة كبيرة من المؤشرات المؤسسية والأدائية التي تكشف قدرات هذه الصناديق وكفاية إدارتها، سواء بين دول الخليج بعضها بعضًا، أو بينها وغيرها من الصناديق العالمية القريبة من خصائصها. ومن هذه المؤشرات ما يتعلق بالتنافسية، وتوافر السيولة الدولية، ومعايير الجودة البيروقراطية، ومؤشر لينابيرغ-مادويل للشفافية، ومؤشر الفاعلية الحكومية، وتوازن الموازنة العامة. تشمل الدراسة ثلاثة محاور؛ يستعرض الأول أهمية صناديق الثروة السيادية لدول الخليج، وسياساتها الاستثمارية. أما الثاني، فيحلل مدى استدامة تلك الصناديق السيادية، في حين يبين الثالث التحديات القائمة والمستقبلية لمستقبل الصناديق السيادية الخليجية، مع تحليلها وتقييمها، إضافة إلى خاتمة الدراسة وتوصياتها. أولً: صناديق الثروة السيادية يف دول الخليج العربية أنشأت دول الخليج العربية صناديق الثروة السيادية وسيلةً لاستخدام الوفورات المالية التي راكمتها الإيرادات النفطية؛ بغرض استثمارها، بعيدًا من تقلبات أسواق النفط. وعلى الرغم من تباين أحجام تلك الصناديق وأهدافها وسياساتها، ما بين دولة وأخرى، فإنها تسهم مجتمعة في أعلى حجم للأصول على المستوى العالمي، بنسبة تصل إلى نحو 34.7 في المئة من إجمالي أصول الصناديق السيادية في العالم. وتعدّ صناديق الثروة السيادية التي تمتلكها دول الخليج من بين أقدم الصناديق في العالم. ويوضح الجدول (1) ترتيب الصناديق الخليجية من حيث أحجام أصولها عالميًا، ويبين تواريخ إنشائها.

الجدول (1) الصناديق السيادية في دول الخليج العربية

الترتيب العالميحجم أصول الصندوق لعام 2019
(رمليار دولار أميركي)
تاريخ التأسيسالصندوق السيادي
3745.001976هيئة الاستثمار في أبوظبي
6527.001953الهيئة العامة للاستثمار الكويتية
7512.14غير متوافرصندوق الاحتياطي العام لمؤسسة النقد السعودي
10304.002005جهاز قطر للاستثمار
11280.001971صندوق الاستثمار العام السعودي
12239.392006صندوق مؤسسة دبي للاستثمار
14229.982002صندوق "مبادلة" مملوك لإمارة أبوظبي
3025.001980صندوق الاحتياطي العام العماني
الترتيب العالميحجم أصول الصندوق لعام 2019
(رمليار دولار أميركي)
تاريخ التأسيسالصندوق السيادي
3316.672006ممتلكات لشركة ممتلكات القابضة البحرينية
408.202006صندوق عمان الاستثماري
513.501982صندوق شركة الاستثمار الخليجي لدولة الكويت
650.732006صندوق الاحتياطي العام البحريني

يبرز الجدول (1) التفاوت بين صناديق الثروة السيادية في دول الخليج عمرًا وحجمً؛ فدولة الإمارات تملك أكبر الصناديق السيادية الخليجية حجمً، وهو المملوك لهيئة الاستثمار في أبوظبي، ويحتل المركز الثالث عالميًا بعد الصندوقين النرويجي والصيني. في حين يعدّ الصندوق السيادي لدولة الكويت من أقدم الصناديق، ليس على مستوى دول الخليج فحسب، بل بين دول العالم أجمع، ويحتل المركز السادس عالميًا. إضافة إلى أن من بين أقدم الصناديق السيادية خليجيًا صندوق الاحتياطي العام لمؤسسة النقد السعودي، وتصل أصوله إلى 512.14 مليار دولار أميركي، ويحتل المركز السابع عالميًا. وعلى الرغم من حداثة إنشاء الصندوق السيادي القطري الخاص، الذي أنشئ عام 2005 ضمن جهاز قطر للاستثمار، فإنه استطاع أن يحل في المركز العاشر عالميًا، بقيمة أصول مقدارها 304 مليارات دولار أميركي. وقد جاء صندوق الاحتياطي العام العماني في المركز الثلاثين عالميًا؛ إذ بلغت قيمته نحو 25 مليار دولار أميركي، ثم صندوق الثروة السيادية "ممتلكات"، وهو التابع لشركة ممتلكات القابضة البحرينية، ويحل في المركز الثالث والثلاثين، بقيمه تقديرية تصل إلى 16.67 مليار دولار أميركي. وبحسب كل دولة خليجية، تتصدر الإمارات، عددًا وحجمً، الترتيب بين دول الخليج العربية، من حيث امتلاكها الصناديق السيادية، كما هو مشار إليه في الشكل (1)، فلديها ثلاثة صناديق مصنفة عالميًا على أنها صناديق سيادية، بقيمة إجمالية تبلغ 1.214 تريليون دولار أميركي، وتأتي بعدها السعودية بصناديق تبلغ قيمتها الإجمالية 792.14 مليار دولار أميركي، ثم الكويت في المرتبة الثالثة بقيمة إجمالية قدرها 530.5 مليار دولار أميركي، ثم قطر بقيمة إجمالية بلغت 304 مليارات دولار أميركي، ثم عمان بما قيمته 33.2 مليار دولار أميركي، وأخيرًا البحرين بنحو 17.4 مليار دولار أميركي من الأصول السيادية. وبالطبع، فإن الصدمات الاقتصادية التي وقعت في بداية الألفية، ومنها الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة الديون في عام 2010، وتراجع أسعار النفط، قد أثرت تأثيرًا مباشرًا في الأسواق العالمية، وفي أداء الصناديق السيادية بالتبعية، فقد منيت الصناديق السيادية الخليجية بخسائر تقدر بنحو 300 مليار دولار أميركي، بحسب تقديرات معهد التمويل الدولي.

1. السياسات الاستثمارية للصناديق السيادية الخليجية

بحسب البيانات المتوافرة.

الجدول (2) تكوين المحافظ الاستثمارية لأهم الصناديق السيادية في دول الخليج العربية

تركز الصناديق السيادية في الاستثمار عمومًا على ثلاث محافظ استثمارية رئيسة: أولاها محفظة الدخل الثابت، وتشمل غالبًا السيولة النقدية وأذونات الخزانة والسندات الحكومية، وثانيتها محفظة الأسهم، وتشمل أسهم المؤسسات والشركات الحكومية. وأخيرًا محفظة الاستثمارات البديلة، وتشمل استثمارات العقار، واستثمارات البنية التحتية، والاستثمارات في أسهم القطاع الخاص من مؤسسات وشركات. وبمرور الوقت يغير معظم الصناديق السيادية معاييره للاستثمار، واستراتيجياته الاستثمارية، وقد يترتب على ذلك الأخذ بأصول ذات أخطار، وعقد شراكات مع كبار المستثمرين، وأخيرًا قد تلجأ الصناديق إلى التخلي عن الأصول السائلة، وتحويلها إلى أصول أقل سيولة؛ بحثًا عن عائد أعلى. وبالنظر إلى أصول محافظ الصناديق السيادية الخليجية، نجدها تتكون من أصول استثمارية مختلفة، ذات عوائد متباينة. ويوضح الجدول (2) أهم الأصول التي تستثمرها أهم الصناديق السيادية في دول الخليج،

الجدول (2) تكوين المحافظ الاستثمارية لأهم الصناديق السيادية في دول الخليج العربية

محفظة الاستثمارات
البديلة (في المئة)
محفظة الأسهم
العامة (في المئة)
محفظة الدخل
الثابت (في المئة)
الصندوق السيادي
55540صندوق الاحتياطي العام لمؤسسة النقد السعودي
95833الهيئة العامة للاستثمار الكويتية
333333صندوق الاستثمار العام السعودي
محفظة الاستثمارات
البديلة (في المئة)
محفظة الأسهم
العامة (في المئة)
محفظة الدخل
الثابت (في المئة)
الصندوق السيادي
225226صندوق جهاز الاستثمار في أبوظبي
453025صندوق الاحتياطي العام العماني
206020جهاز قطر للاستثمار
9055صندوق عمان الاستثماري
46540صندوق مؤسسة دبي للاستثمار
75250صندوق "مبادلة" مملوك لإمارة أبوظبي
85150ممتلكات لشركة ممتلكات القابضة البحرينية

يلُاحظ من الجدول (2) أن معظم الصناديق السيادية الخليجية قد ركزت استثماراتها السيادية في محفظة الاستثمارات البديلة؛ إذ تتميز بمتوسط للعائد السنوي معتدل، يُقدر بنحو 8 في المئة في القطاع العقاري، ونحو 10 في المئة في قطاع البنية التحتية، بينما نجد أقل تلك الاستثمارات في محفظة الدخل الثابت، وهي تدر أقل العوائد، مقارنة بالمحافظ الأخرى، فمتوسط العائد إلى السندات الحكومية يصل إلى نحو 2.5 في المئة. وعلى الرغم من أن أسهم القطاع الخاص تدر أعلى عوائد، وسطيًا نحو 16 في المئة، فإنها تعتبر محافظ ذات خطورة مرتفعة، مقارنة بالمحافظ الاستثمارية الأخرى. ونستنتج من ذلك أن الصناديق السيادية الخليجية تتمتع بدرجة تنوع جيدة في استثماراتها، بحيث تتركز في قطاعات ذات عوائد معتدلة، وتتصف بدرجة أخطار معتدلة، وتتحاشى الدخول في أصول مضاربية.

2. التوزيع القطاعي والجغرافي لاستثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية

عند الحديث عن التوزيع القطاعي والجغرافي لاستثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية، فإن تحديد التوزيع الجغرافي لتدفقات هذه الصناديق يعد من أهم استراتيجياتها الاستثمارية؛ إذ إنها منكشفة لفرص الاستثمار في الأسواق الخارجية، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية ودول شرقي آسيا. ويتضح من هذا أن الصناديق السيادية لدولة الإمارات تستثمر بوزن أكبر في أسواق المال العالمية، وبنسبة أقل في السندات الحكومية والبنية التحتية والعقارات. فعلى سبيل المثال، هناك استثمارات لجهاز أبوظبي للاستثمار في مشروعات التطوير العقاري ومراكز التسوق في الولايات المتحدة الأميركية. أما مؤسسة دبي للاستثمار، فتشمل استثمارات في أكثر القطاعات تنوعًا، كقطاع التمويل والاستثمار والنقل والطاقة والصناعة والعقارات والبناء والضيافة والترفيه وقطاع التجزئة. أما ما يخص الهيئة العامة للاستثمار الكويتية، فإن استثمارات صندوقها السيادي تتركز في سوق المال الأميركية، وفي اليابان والصين

وبعض الدول الأوروبية، لا سيما في قطاعات الفندقة والصناعة والتأمين والخدمات المالية والاستثمارات العقارية. أما الصندوق السيادي الخاص بمؤسسة النقد العربي السعودي، فيُعرف ارتباطه باستثمارات محدودة الأخطار، واعتمدت استراتيجيته الاستثمارية في بدايتها على الودائع الادخارية، لا سيما في أوروبا وشرقي آسيا وكندا، وجرى توسيع الاستثمارات لتشمل أسهم شركات النفط العالمية المدرجة في أسواق المال، وبعدئذ أعيد توزيع العملات الأجنبية في المحفظة الاستثمارية. أما بالنسبة إلى صندوق الاستثمار العام السعودي، فيركز على الاستثمارات في السوق المحلية والدولية، لا سيما قطاع البترول والصناعات الأساسية والتعدين، والقطاع المالي. تجدر الإشارة إلى توجه بعض الصناديق السيادية الخليجية نحو الاستثمار في قطاعات الطاقة النظيفة؛ فالصندوق الخاص في جهاز أبوظبي للاستثمار لديه استثمارات في شركة Greenko في الهند، وهي شركة مهتمة بإنشاء أصول متكاملة للطاقة المتجددة، كذلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي اتجه جزء من استثماراته نحو تشغيل مشروعات الطاقة المتجددة ACWA، وتصنيع السيارات الكهربائية Lucid و Tesla. أما شركة "مبادلة للاستثمار"، فيلاحظ أن لديها استثمارات في قطاع البنية التحتية للطاقة المتجددة. إن تأسيس صناديق الثروة السيادية يعتمد على أسس قانونية مختلفة محددة، مرتبطة بإنشائها، وإدارة أوجه نشاطها (أي: القانون التأسيسي والقانون المالي والدستور والقوانين واللوائح الأخرى)، وهو ما يجعل إمكانية التغيير في استراتيجيتها الاستثمارية محدودة، إلى حدٍ ما، وهذا ما توضحه نوعية المحافظ الاستثمارية لهذه الصناديق المتسمة بالتنوع، وتعتمد الاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد. من هنا نفهم دوافع تركيز الاستراتيجية الاستثمارية لتلك الصناديق على الأصول ذات العوائد أكثر من تركيزها على الأصول السائلة؛ ففي السنوات العشر الأخيرة نلمح اتجاهًا واضحًا للصناديق الخليجية نحو البحث عن أعلى العوائد، من خلال زيادة المخصصات للأسهم، مقابل انخفاض مخصصات السندات.

ثانيًا: استدامة صناديق الثروة السيادية يف دول الخليج العربية

تتباين أهداف إنشاء الصناديق السيادية الخليجية ومسوغاته، وتتنوع بحسب كل صندوق على حِدة. ونجد أن أحد أهم محاورها، وهو المرتبط بطبيعة اقتصاديات دول المجلس، هو حماية الاقتصاد المحلي من تقلبات عوائد الصادرات السلعية النفطية، وذلك من خلال تنويع الاقتصاد، بعيدًا من الاعتماد على هذه الصادرات، وهذا يساعد الحكومات في المحافظة على معدلات الرفاهية، وتعزيز برامج التنمية، سواء الاقتصادية أم الاجتماعية، وبما يحقق الأهداف الاستراتيجية للنمو المستدام، والاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد. ويعتبر مورد النفط واحتياطي الصرف أهم مصدرين لتمويل الصناديق السيادية في العالم؛ لذلك نجد أن الدول النفطية، ومن بينها دول الخليج، تمول صناديقها السيادية من خلال عائدات النفط، بينما نجد الدول الآسيوية وأستراليا تمول صناديقها من خلال احتياطي الصرف الأجنبي المتحصل من عوائد صادراتها السلعية وغير السلعية.

وكما هو مبين في الشكل (2) فإن النفط، بما هو مصدر أساس ورئيس لتمويل استثمارات الصندوق، يعرّض التدفقات النقدية لانكشافٍ عال، عند وجود أي تقلّب في أسواق النفط.

الشكل (2) مصادر تمويل أهم صناديق الثروة السيادية في العالم

الشكل (3) مساهمة الصندوق السيادي من الناتج المحلي الإجمالي (2019)

من هذا المنطلق، ونظرًا إلى المساهمة العالية للقطاع النفطي في الاقتصاد الخليجي، وما ترتب عليه من تعزيز استثمارات صناديقها السيادية، فإن دول الخليج تسجل مساهمة مرتفعة لنصيب حجم صناديق الثروة السيادية، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي عام 2019؛ إذ يصل مجموع أصول الصناديق السيادية الخليجية إلى نحو 385.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الخليج، وهو ما يعتبر من الأعلى عالميًا. تتصدر الكويت أعلى مساهمة لتلك الصناديق بنحو 386 في المئة، وأدناها سلطنة عمان بنحو 43 في المئة، علمً بأن تلك النسب تتغير مع التغير في أسعار النفط، وما يصاحبه من تراجع في الإيرادات النفطية، من جانب، والناتج المحلي الإجمالي، من جانب آخر. يُظهر الشكل (4) بجلاء أن مساهمة العوائد النفطية من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج ترتبط أساسًا بحركة متوسط سعر النفط لجميع الدول الخليجية، باستثناء البحرين، كونها أقل دول الخليج إنتاجًا للنفط، وأن ارتفاع سعر النفط ينعكس إيجابيًا على زيادة العائدات النفطية. أما تراجع سعره، فله تأثير سلبي في هذه العائدات، بما يؤدي إلى خلق صدمات اقتصادية، مع تقلب العوائد الحكومية ومعدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي. لقد تراكمت منذ بداية القرن الحادي والعشرين الأصول السيادية إلى أعلى المستويات، في خلال أوقات استثنائية تاريخية من ارتفاع أسعار النفط، إلا أن انكشاف الدول الخليجية على المورد النفطي انكشافًا كبيرًا قد خلق ضغوطًا على استدامة صناديق الثروة السيادية، لا سيما في الأوقات التي تنخفض فيها أسعار النفط.

الشكل (4) مساهمة العوائد النفطية من الناتج المحلي الإجمالي

1. التقلبات في معدل النمو الاقتصادي

في هذا السياق طرأت تشوهات على اقتصادات دول الخليج؛ من جراء تقلبات العوائد النفطية، وظهور تقلبات دورية في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. ويبين الشكل (5) تقلبات معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي

لدول الخليج، مقاسًا بقيمة الانحراف المعياري Standard Deviation ونجدها مرتفعة في خلال الفترة 2019-1970؛ إذ سجلت السعودية أعلى درجة انحراف لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بعد لبنان، بنحو 11.92 نقطة، كذلك سجلت الكويت وقطر والإمارات وعمان درجات انحراف أعلى من متوسط درجة انحراف منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا. وهذه النتيجة، في حد ذاتها، كفيلة بفهم درجة الانكشاف العالية لاقتصادات دول الخليج على تقلبات أسعار النفط، وكيف أنها تؤثر بالتبعية في تنفيذ أي سياسة، أو قرار، تُعنى بالإصلاحات الاقتصادية والمالية، سواء بتأجيلها أو تعديلها أو إلغائها.

الشكل (5) التقلبات في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (2019-1970)

2. تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر

إن نجاح الصناديق السيادية لا يتمثل، فحسب، في تحقيق العوائد المالية، وتراكم أصوله الاستثمارية، بوصفها احتياطيات مستقبلية للأجيال القادمة، وإنما يكمن أيضًا في تحقيق دورها الأساس الذي حُدّد عند إنشائها، ويتمثل في إنماء اقتصادات الدول المالكة لها وتنويعها. لذلك، فإن عدم ممارسة هذا الدور يعيق تحقق هدف الصناديق السيادية في حماية الاقتصاد المحلي من تقلبات العوائد النفطية، إضافة إلى أن تنويع أوجه نشاط الاقتصاد المحلي واستدامتها، بعيدًا من النفط، وتحجيم الانكشاف على عجز الموازنة العامة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي بالتوسع في أوجه النشاط غير النفطية، ما هي إلا متطلبات تعكس مدى نجاح تلك الصناديق السيادية.

3. قياس درجة البيروقراطية

المستثمرين بالمشاركة في استثمارات الصناديق السيادية. ويبين تحليل التطور التاريخي لصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر Foreign Direct Investment- Net inflow في دول الخليج، كما في الشكل (6) المستويات المتدنية لحجم تلك التدفقات، خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، لجميع دول الخليج. بيد أن تلك الدول أدركت أهمية استثمارات المستثمر الأجنبي محليًا في بداية الألفية، من خلال تقليل القيود، وتبسيط الإجراءات الكفيلة باستقطاب المستثمرين الأجانب؛ من أجل تنويع الاقتصاد المحلي، وهذا انعكس إيجابيًا على ارتفاع صافي التدفقات انعكاسًا ملحوظًا في كل من الإمارات والسعودية وقطر. لكن سرعان ما تراجعت تلك التدفقات بعد الأزمة المالية العالمية، عام 2008، إلى مستويات متدنية. والتصور العام لحركة تلك التدفقات في دول المجلس لا يعكس إطلاقًا اهتمام الحكومات بتنويع اقتصاداتها بعيدًا من المورد النفطي، على الرغم من تراكم الأصول السيادية التي قد تسهم في تنويع الناتج المحلي، وفي تطوير أوجه نشاط اقتصادي أخرى.

الشكل (6) الاستثمار الأجنبي المباشر- صافي التدفقات (مليار دولار أميركي)

إن إحدى الطرق للتعرف إلى أداء المؤسسات في الدول تكون من خلال قياس درجة البيروقراطية Bureaucracy Quality، أو ما يسمى بسيادة الإجراءات الإدارية والقانونية، فلإنشاء الصناديق السيادية أهداف اقتصادية واستثمارية وأيضًا سياسية يسعى لتحقيقها، في حين أن تفشّ البيروقراطية، ومن ثم تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تخشى التعامل مع هذه البيروقراطية، يخلق ضغوطًا على الحكومات في ترويج الأصول غير المستغلة، ومن ثم إقناع

إن إزالة التعقيدات البيروقراطية والإدارية، وتحسين بيئة أداء الأعمال في الاقتصاد المحلي، من شأنهما تعزيز التعامل مع التنظيم المطلوب في صناديق الثروة السيادية، ويوضح الشكل (7) أن متوسط معيار جودة الإجراءات البيروقراطية لدول العالم، للفترة 2019-1985، يساوي نحو 2.16 نقطة؛ إذ سجلت عمان والكويت وقطر أقل من متوسط درجات دول العالم، في حين سجل كل من الإمارات والبحرين، ثم السعودية، متوسطًا أعلى من دول العالم. لكن إذا ما قورن بمتوسط الدول الأخرى المالكة للصناديق السيادية، نجد أن دول الخليج، على الرغم من تفوقها في حجم الصناديق السيادية، أقل جودة من حيث الإجراءات البيروقراطية، مقارنة بالدول الأخرى المالكة للصناديق السيادية، كالنرويج وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ. فتراجع المعيار يعني عدم وجود تنظيم مؤسسي قادر على امتصاص أي صدمة، بعيدًا من الضغوط السياسية التي قد تنتج في إثر تغيير السياسات والقوانين واللوائح محليًا.

الشكل (7) معيار الجودة للبيروقراطية

والخلاصة هي أن انكشاف الصناديق السيادية الخليجية، إلى درجة كبيرة، على العائدات النفطية يحيد بها عن هدفها التأسيسي المتمثل في توفير مورد مالي للدولة، يقيها الصدمات الاقتصادية بعد حقبة النفط. فعلى الرغم من استمرار عمل تلك الصناديق مدة طويلة، يمتد بعضها إلى أكثر من خمسين سنة، وتراكم الخبرة المكتسبة من التعامل في الأسواق، فإن تقلبات معدلات النمو في الاقتصادات الخليجية تظل هي العليا إقليميًا. لكن تلك الدول لم تستطع تطوير بيئاتها الاستثمارية، ومساعيها لاستقطاب الاستثمارات المباشرة، وافتقرت بدرجات متفاوتة إلى هيكل اقتصادي محلي ملائم، يؤهلها إلى مرحلة ما بعد النفط.

ثالثًا: التحديات القائمة والمستقبلية لمستقبل ثروة دول الخليج العربية الممثلة يف الصناديق السيادية

بالنظر إلى طبيعة الصناديق السيادية في دول الخليج العربية، يمكن تبين ميزات مشتركة في ما بينها، على الرغم من اختلاف أحجام أصولها. أول هذه السمات أن الحكومات، بوصفها مالكة لهذه الصناديق، لديها الميزة الكبرى. لكن تمويل الصناديق يعتمد بدرجة عالية على العوائد النفطية. ثمة كذلك سمات إدارية بعضها سلبي، منها أن درجة الإفصاح عن عمليات الصناديق، وأوجه نشاطها الاستثماري، متدنية جدًا، إذا ما قورنت بالصناديق السيادية الأخرى في الصين والنرويج. وعلى الرغم مما تمتاز به الصناديق السيادية في العالم، فإن ثمة تحديات مستقبلية تواجهها، بما فيها الصناديق السيادية الخليجية. يظهر الشكل (8) خمسة من التحديات الأساسية؛ أولها أن مصدر التمويل الأكبر لأوجه نشاط الصندوق، وهو عوائد النفط، يعرضها لتقلبات عندما تضطرب أسعاره، ومن ثم يعاد توجيه الإيرادات النفطية نحو المصاريف الجارية، وتُحجب عن الصناديق. ويتمثل ثاني تلك التحديات في الشفافية والحوكمة لممارسة أوجه نشاط الصندوق، وهذا ما قد يجعل الغموض حول أوجه نشاطها عائقًا يحول دون الاستمرار في النجاح، لا سيما بوجود ضغوط عالمية من المنظمات الدولية والدول المتقدمة، دفعًا نحو مزيد من الشفافية لأعمال الصناديق، والإفصاح

الشكل (8) التحديات المستقبلية لصناديق الثروة السيادية في دول الخليج العربية

عن ماهية عملها. يشمل التحدي الثالث درجة انكشاف عوائد الصندوق على تمويل العجز في الموازنة العامة، بما يترتب عليه تراجع في احتياطيات الصناديق واستثماراتها، في حالة تسييل الأصول الاستثمارية المرتبطة بأوجه نشاط الصناديق. أما التحدي الرابع فيتعلق بمستوى الاستقرار المالي في دول الخليج، وبمدى توافر السيولة الكافية في الاقتصاد، وأخيرًا التحدي المتعلق بقدرة دول الخليج على تطوير تنافسية اقتصاداتها، بما يرفع من إسهام القطاعات المختلفة في الاقتصاد والتنمية.

1. تمويل الصناديق السيادية الخليجية

تُعدّ طريقة تمويل التدفق المالي للصناديق في دول الخليج من أهم الوسائل لتحسين عملية إدارة الصندوق، وتجري من خلال العائدات النفطية أساسًا، ولا تكمن أهميتها في تمويلها من العوائد النفطية، فحسب، وإنما من خلال تعزيز الصناديق السيادية بالاحتياطات المالية اللازمة مباشرةً من النقد الأجنبي، من دون الدخول في أخطار أسعار الصرف والتحويل بين العملات. فالتقلبات في أسواق النفط تؤثر في حجم استثمار دول الخليج وأنماطه؛ إذ يضع التراجع في أسعار النفط، على الأمد الطويل أو حتى المتوسط، الصناديق السيادية أمام تحدٍ كبير، ما لم يعجّل بتطوير الاقتصاد المحلي، لا سيما بيئة الأعمال والاستثمار والصناعة، فهي مناحٍ تكفل تمويلً مستديمًا للصناديق في فترات الركود الناجم عن تراجع أسعار النفط. إن الاستفادة من الأوضاع المواتية، بوجود تكلفة منخفضه لإنتاج النفط، وأسعار مرتفعة عند بيعه، تخلق فرصًا حقيقية لتطوير الصناعات، وتأخير الاستثمار في تلك الصناعات قد يعني رفع التكلفة في الأمدين المتوسط والطويل. لكن تتمثل الميزة في أن العوائد من الصناعات تتحقق عادة في الأمد الطويل. إن مستقبل تمويل الصناديق السيادية مرهون بتطوير اقتصادات دول المجلس وتنويعها، بما يكفل تدفقًا ماليًا لتمويل الصناديق في المستقبل، في حال تراجع الفوائض المالية، أو عدم كفايتها لتمويل الموازنة العامة للدولة.

2. الشفافية والحوكمة

يقيس مؤشر  لينابيرغ -مادويل لشفافية الصناديق السيادية Linaburg-Maduell Transparency Index لمعهد صندوق الثروة السيادية، مدى الشفافية في عمل الصناديق السيادية وتعاملاتها المالية. ويراوح المؤشر بين رقم (1) وهو الأقل شفافية، والرقم (10)، وهو الأعلى شفافية، كما هو موضح في الجدول (3) الخاص بدول الخليج العربية، وببعض الصناديق السيادية القيادية المختارة، علمً بأن الحد الأدنى المقبول لتحقيق الشفافية اللازمة لممارسة عمل الصناديق السيادية هو الحصول على ثماني نقاط في المؤشر، كما يشير إليه معهد صندوق الثروة السيادية. ويقيس المؤشر قياسًا أدق المبادئ المتعلقة بإنشاء الصندوق، ومصدر التمويل، والهيكل التنظيمي لملكية الحكومة بالصندوق، كذلك يقيس المؤشر شفافية التقارير السنوية لأوجه نشاط الصندوق، ومدى وضوح إدارة الاستراتيجية الاستثمارية للصندوق.

الجدول (3) مؤشر لينابيرغ-مادويل لشفافية الصناديق السيادية لعام 2019

الصندوق السياديالنقاط المتحصل عليها في مؤشر لينابيرغ-مادويل للشفافية
صندوق التقاعد النرويجي10
صندوق التقاعد التشيلي10
صندوق المستقبل الأسترالي10
صندوق "مبادلة" (مملوك لإمارة أبوظبي)10
ممتلكات لشركة ممتلكات القابضة البحرينية10
صندوق تماسك القابضة السيادي في هونغ كونغ8
صندوق الاستثمار العام السعودي7
الهيئة العامة للاستثمار الكويتية6
صندوق جهاز الاستثمار في أبوظبي6
جهاز قطر للاستثمار5
صندوق مؤسسة دبي للاستثمار5
صندوق الاحتياطي العام العماني4
صندوق عمان الاستثماري4
صندوق الاحتياطي العام لمؤسسة النقد السعوديغير متوافر

يلاحَظ من الجدول (3) أن الصناديق السيادية التابعة لدول الخليج قد حصلت على أقل من نقاط الحد الأدنى المقبول، وهو ثماني نقاط في - مؤشر  لينابيرغ مادويل  للشفافية، باستثناء صندوق "مبادلة" المملوك لإمارة أبوظبي، وصندوق "ممتلكات" البحريني. وإذا ما قورنت الصناديق الخليجية الأخرى بالصناديق السيادية العالمية المماثلة لها في الحجم، نجد أن الصناديق الخليجية جاءت أقل من الشفافية المرصودة في عمل الصناديق السيادية الأخرى التي تتميز بالشفافية والحوكمة العالية، كالصناديق السيادية في النرويج وتشيلي وأستراليا. إن هذا في حد ذاته يعزز الحاجة إلى مزيد من الشفافية في عمل الصناديق الخليجية؛ إذ إن غياب الشفافية عنها صار سمة ملازمة، ويضعها في مرتبة متأخرة عن الصناديق السيادية الأخرى ذات الحجم والتوجهات الاستثمارية نفسيهما. تجدر الإشارة إلى أن الأوضاع عامةً في أي دولة، من حيث مستوى الحوكمة والشفافية ومتانة التشريعات، تنعكس بالقدر نفسه على مستوى شفافية عمل صناديقها السيادية، والتعامل مع استثمار أصولها. يبين الشكل  (9)، على سبيل المثال، تراجع الصناديق الخليجية في معيار متانة التشريعات، منذ بداية الألفية الثالثة. وهو الأمر الذي يعكس التعقيدات في المجال التشريعي، وفي الإجراءات الخاصة بعمل هذه الصناديق.

الشكل (9) معيار متانة التشريعات

الشكل (10) مؤشر فاعلية الحكومة في دول الخليج العربية (2018-1996)

وعند استخدام مؤشر آخر لقياس الحوكمة، وهو مؤشر فاعلية الحكومة Government Effectiveness كما في الشكل (10)، ويقيس مؤشر الحوكمة من ناحية فاعلية الأجهزة الحكومية في ممارسة أعمالها وسياساتها، فإن التراجع في مؤشر فاعلية الحكومة يظهر جليًا في ترتيب البحرين وعمان والكويت، ونسبيًا قطر، في حين ثمة ارتفاع نسبي لكل من الإمارات والسعودية. واستنادًا إلى هذه النتائج، تبرز ضرورة تدعيم الممارسات المتعلقة بالحوكمة والشفافية للصناديق السيادية، وهذا من شأنه ضبط استخدام الموارد اللازمة لعمل الصناديق، واتخاذ القرارات الملائمة له، إضافة إلى أنها تسهم في رفع مستوى شفافية الإجراءات المالية، وتحد من الفساد. إن وجود نظام قانوني للإفصاح والشفافية في التعاملات، لا سيما المالي منها، يضمن الانسيابية في توجيه العائدات النفطية مباشرة إلى الصندوق السيادي، ويقلل من احتمالات استغلال تلك الأموال من السياسيين والقائمين على الصناديق.

3. درجة الانكشاف على الموازنة العامة

نظرًا إلى الارتباط الوثيق بين الصناديق السيادية الخليجية، ومصدر تمويلها المتمثل في العائدات النفطية، وكون الاقتصادات الخليجية تمثل اقتصادات نفطية أساسًا، فإن تراجع أسعار النفط في الأمدين المتوسط والطويل لا يمثّل عبئًا على تمويل تلك الصناديق فحسب، وإنما على الموازنات العامة لهذه الدول أيضًا، ويرجح احتمال السحب من احتياطيات الصناديق، وتسييل أصولها الاستثمارية، لا سيما مع تسجيل عجز متواصل في الموازنة العامة. إن تفاقم عجز الموازنات العامة في دول الخليج يؤثر، بحدة، في ديمومة الموارد المالية واستقرارها، ويصبح الأمر أشد خطورة في ظل تأجيل استراتيجيات تنويع مصادر الدخل لاقتصاداتها، وحمايتها من أخطار تقلبات أسواق النفط. وعلى هذا الأساس، فإن معيار توازن الموازنة العامة، كما يوضحه الشكل (11)، يقيس درجة الأخطار المرتبطة بتوازن الموازنة العامة لدول الخليج. ويبين الشكل أن ارتفاع معيار توازن الموازنة العامة يعكس الانخفاض في الأخطار المتعلقة بالتوازن في الموازنة العامة. أما انخفاض المعيار فيشير إلى ارتفاع في الأخطار المتعلقة بتوازن الموازنة العامة. وكما هو موضح، فإن دول الخليج تعاني تقلبات عالية في معيار توازن الموازنة العامة، لا سيما في دولتي الإمارات والسعودية، وبدرجة أقل نسبيًا قطر وعمان والكويت. في حين تشهد البحرين تقلبًا أقل في معيار توازن الموازنة العامة، فقد حصلت في هذا المعيار على أقل التقديرات، بما يشير إلى وجود أخطار أشد تتصل بتوازن الموازنة العامة. كما يلاحظ أن متوسط سعر النفط هو الذي يتحكم في تقلبات الأخطار المتعلقة بتوازن الموازنة العامة؛ وثمة ارتباط جليّ بين انخفاض أسعار النفط وارتفاع درجة الأخطار. يمثل هذا الانكشاف، من جهته، تحديًا حقيقيًا لعمل الصناديق السيادية في دول الخليج، وقد يشجع السلوك الحكومي للسحب من الصندوق لتحقيق التوازن في الموازنة العامة، وربما يصل الأمر إلى تسييل جزء من الأصول الاستثمارية في الصندوق؛ لتغطية أوجه العجز المتوقعة.

الشكل (11) معيار توازن الموازنة العامة في دول الخليج العربية (2019-2000)

الشكل (12) مؤشر السيولة الدولية في دول الخليج العربية (2019-2000)

4. الاستقرار المالي والاقتصادي

إن خلق قاعدة إنتاجية متنوعة في الاقتصادات الخليجية من شأنه تطوير عملية تنويع المحافظ الاستثمارية، بما فيها الصناديق السيادية. ونظريًا، فإن تراكم احتياطيات النقد الأجنبي المتحصلة من عائدات الصادرات النفطية يخلق سيولة كافية لتمويل الصناديق السيادية، وممارسة أوجه نشاطها. بيد أن التحول في نشاط الصناديق السيادية الاستثماري، من الدولار الأميركي إلى العملات الأجنبية الأخرى، إضافة إلى إعادة التوزيع الاستراتيجي للأصول، كشراء أسهم شركات أجنبية غير مدعومة بالدولار الأميركي، أو شراء سندات حكومية أخرى مسعّرة بعملات أجنبية، بخلاف الدولار الأميركي، قد يؤدي إلى الانكشاف على أخطار متعلقة بسعر الصرف، وعادة ما يرتبط هذا الخطر بأخطار مماثلة في حجم السيولة الكلي في الدولة. من هذا المنطلق، فإن مؤشر الأخطار المتعلق بالسيولة موضح في الشكل (12)؛ إذ إن ارتفاع المؤشر يعكس أخطارًا قليلة تتعلق بالسيولة، في حين أن تراجع المؤشر يعكس الارتفاع في تلك الأخطار. ومن خلال النظر في أداء مؤشر السيولة الدولية لدول الخليج، نجد ارتفاعًا ملحوظًا في الأخطار المرتبطة بالسيولة؛ فمؤشر السيولة الدولية أخذ في التراجع منذ عام 2015، لجميع دول الخليج، ومنذ عام 2010 للبحرين، ويعزى ذلك إلى التراجعات الحادة لأسعار النفط خلال تلك الفترة. وإذا ما استمر هذا الارتفاع في درجة الأخطار المرتبطة بالسيولة، فإن ذلك سيهدد الاستقرار المالي والاقتصادي لدول الخليج، ومن ثم سيحدّ من ممارسة أوجه نشاط الصناديق السيادية.

5. تنافسية الاقتصاد المحلي

يعتبر كل صندوق سيادي فريدًا من نوعه، من حيث المحفظة الاستثمارية التي يديرها واستراتيجياتها وأهدافها، ولكن يتمثل الغرض الأساس لكثير من الصناديق في المحافظة على الموارد المالية اللازمة لاستدامتها في الأمد الطويل للأجيال القادمة. بيد أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يعتبر هدفًا ضمنيًا تسعى الصناديق السيادية لتحقيقه في الأمدين القصير والمتوسط. ولا شك في أن الصناديق السيادية تؤدي دورًا محوريًا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي للدول المالكة لها. بيد أن استثمار تلك الصناديق، بما يحقق الأهداف المرجوة، مرتبط بدرجة عالية برفع مستوى القدرات التنافسية لتلك الاقتصادات، من خلال التركيز على بيئة الأعمال، ورأس المال البشري، والأسواق، وأخيرًا منظومة بيئة الابتكار. وقد اختير بعض المؤشرات التي تقيس تلك العوامل الأربعة، ذلك من خلال استخدام مؤشرات التنافسية الصادرة من منتدى الاقتصاد العالمي، ومقره جنيف، وتستخدم لتقييم مستوى الإنتاجية في الاقتصاد. فتنافسية بيئة الأعمال تقاس من خلال مؤشر المؤسسات، ورأس المال البشري يقاس باستخدام مؤشر المهارات، أما تنافسية الأسواق فيقيسها مؤشر النظام المالي، وأخيرًا تقاس منظومة بيئة الابتكار باستخدام مؤشر دينامية الأعمال. ويبين الجدول (4)

ترتيب تلك المؤشرات لعينة من الدول المالكة للصناديق السيادية القيادية عالميًا، وتضم دول الخليج وبعض مالكي أكبر الصناديق السيادية حجمً، مثل سنغافورة وهونغ كونغ والنرويج وكوريا الجنوبية، وتشيلي.

الجدول (4) الترتيب العالمي لمؤشرات التنافسية لعام 2019

مؤشر دينامية الأعمالمرؤشر النظام الماليمؤشر المهاراتمؤشر المؤسساتالدولة
142192سنغافورة
151205هونغ كونغ
112068النرويج
31313915الإمارات
25182726كوريا الجنوبية
47214732تشيلي
39224035قطر
109382537السعودية
48375238البحرين
56593839عمان
94347757الكويت

من خلال الجدول (4) يمكن استخلاص بعض النتائج الأساسية المتعلقة بتنافسية صناديق دول الخليج، مقارنة بتنافسية الدول الأخرى المالكة للصناديق السيادية؛ فمؤشر المؤسسات يعكس جودة الأداء المؤسسي في الدول المعنية بسهولة التفاعل بين الوحدات الاقتصادية في المجتمع، وتوجهها مستقبلً نحو تطبيق واضح وسلس للسياسات والخطط العامة في الاقتصاد، ويظهر جليًا في الجدول تفوّق مجموعة الدول الأخرى على دول الخليج؛ إذ إن دول الخليج مجتمعةً جاءت في مراكز متأخرة ضمن هذه العينة، باستثناء الإمارات. أما ما يخص مؤشر المهارات، ويقيس جودة وكفاية مهارات الأفراد في المجتمع التي من شأنها رفع إنتاجية العمالة في الاقتصاد، وتحقيق مزيد من النمو، فنجد أن دول الخليج جاءت في مراكز متأخرة نسبيًا، مقارنة بدول العينة. وبالنسبة إلى مؤشر النظام المالي الذي يقيس كفاية الأنظمة المالية، وهي الكفيلة برفع مستوى الإنتاج في الاقتصاد، فإن دول الخليج عامة قد سجلت مراكز متقدمة. لكنها تظل أقل من المسجل لدى دول العينة من مالكي الصناديق السيادية القيادية. أما مؤشر دينامية الأعمال، ويتعلق بتنظيم دخول الشركات إلى الأسواق، وتنظيمها وقدرتها على ممارسة الأعمال بما يرفع كفاية الاقتصاد، فإن دول المجلس قد جاءت في مراكز متأخرة، وبفارق كبير عن أداء دول العينة من مالكي الصناديق السيادية القيادية. وفي العموم، فإن الأداء الجيد لدول الخليج في مؤشر النظام المالي، والجيد نسبيًا في مؤشر المؤسسات، ما زال يحد منه تراجع مؤشرات رأس المال البشري؛ ويتطلب عمليات تحسين تنافسية الاقتصادات الخليجية في التنمية البشرية،

وتحسين بيئة الابتكار ونظمه. من الضروري أن تعمل الحكومات لتدريب العمالة وتطويرها، وتحسين المهارات المكتسبة للخريجين، وإجراء إصلاحات تشريعية ومؤسسية واسعة، تضمن خلق بيئة أعمال مشجعة، فحاجة دول الخليج إلى إيجاد أصول حقيقية بديلة للمورد النفطي ضرورية؛ لتعويض التراجع المتوقع في الدخل القومي، ولكن هذا يتطلب إيجاد اقتصاد تنافسي قادر على زيادة تحسين رفاهية الأفراد، والمحافظة على معدلات نمو متوازنة، قادرة على خلق فرص العمل، واستقرار المستوى العام للأسعار.

الخاتمة: نتائج وتوصيات

تثير محدودية المعرفة بأنماط حوكمة الصناديق السيادية الخليجية، وبأهدافها الاستثمارية، وبتوزيع أصولها، قلق المستثمرين والمنظمات الدولية، فالدور المفترض أن تؤديه صناديق الثروة السيادية في دول الخليج لحماية الاقتصاد أحادي الجانب، والمتمثل في زيادة الأصول الاستثمارية للصناديق، بما يعزز الاحتياطيات، ويراكم عوائد مستقبلية لمصلحة الأجيال المقبلة في مرحلة بعد نضوب النفط، ما زال أحد الجوانب الإيجابية لعمل الصندوق. لكن يكمن الجانب الآخر في حماية الاقتصاد الوطني، عبر تنويع الاقتصادات بالأساس، وهذا ما لم يتحقق في دول الخليج بما يكفي. إن طبيعة الاستراتيجية الاستثمارية للصناديق السيادية، كما هي حال دول الخليج، تجعلها غير جادة في تحقيق الأهداف الإنمائية في البلدان المستضيفة لاستثماراتها، فضلً عن أن تلك الصناديق لا تمارس قراراتها الاستثمارية بحسب المسوغات التنموية، وإنما تمارسها بحسب رؤية استثمارية، تحددها اعتبارات اقتصادية وسياسية؛ بحثًا عن عوائد مالية تساهم في تنويع اقتصاديات تلك الدول، إلا أن تدفقات تلك الاستثمارات قد تكون وسيلة تدعم عملية التنمية في البلاد، من خلال خلق مزيد من فرص العمل، وتوفير رأس المال المطلوب؛ للنهوض بالبنية التحتية، وتوفير التمويل طويل الأجل اللازم لتأسيس صناعات متنوعة. من هنا يمكن للصناديق السيادية أن تقدم إضافات مباشرة إلى التنمية في الدول المالكة لها. إن ما يميز حالة دول الخليج من غيرها من دول العالم أن لديها تراكمً من الممارسات والخبرة العميقة في التعامل مع الصناديق السيادية، وهذا يجعلها مؤهلة تأهيلً أفضل لتحسين عمل أوجه نشاط الصناديق وتطويره. لكن معظم تلك الصناديق الخليجية تشترك في قيود تحديد أولوياتها في استراتيجيتها الاستثمارية، فلا توجد معايير واضحة للاستثمار، سواء بحسب القطاع أم بحسب الدولة، فضلً عن أن مدى ارتباط الدول المستضيفة لاستثمارات الصناديق في الاقتصاد المحلي غير مدروس دراسة كافية. إضافة إلى ذلك ليس هناك استهداف معلن لمعدل أخطار محدد عند الاستثمار، وهذه الاعتبارات جميعًا تجعل استراتيجية الاستثمار التي تنتهجها صناديق دول الخليج استراتيجية غير واضحة المعالم. وعلى الرغم من وجود تعاون بين كبار مالكي الصناديق السيادية وصناديق دول الخليج السيادية، من خلال الاستثمارات المشتركة، فإن التعاون الفني وتبادل الخبرات يعد محدودًا في هذا الخصوص، فالحاجة إلى

تنظيم إدارة الصناديق السيادية، في ظل تزايد أعدادها تزايدًا ملحوظ ا في الآونة الأخيرة، توجب تبادل الخبرات والتعلم من الممارسات، وكيفية الاستفادة من العوائد؛ لتحقيق هدف تنويع الاقتصادات المحلية في دول الخليج. فعلى سبيل المثال، نجد تعاونًا بين الصناديق السيادية في النرويج والولايات المتحدة الأميركية، في ما يتعلق بتبادل الخبرات التكنولوجية لعمل الصناديق. وهناك تعاون بين صندوق ألاسكا السيادي وجمهورية ساو تومي وبرينسيب الديمقراطية São Tomé and Príncipe أيضًا، وساعدت النرويج جمهورية تيمور الشرقية في تطوير صندوقها السيادي؛ لتستخدم نظامًا يدير عوائد النفط في الصندوق السيادي. يعدّ خضوع الاستثمارات للتوجهات السياسية أبرز المخاوف التي تعرقل استثمارات الصناديق السيادية، لا سيما الخليجية منها. وتزداد هذه المخاوف في ضوء حجب الشفافية عن أوجه نشاط تلك الصناديق، على نحو يخلق مناخًا من عدم الثقة، ويعيق حرية توجيه تلك الاستثمارات الضخمة، سواء في الدول الصناعية أم في الأسواق الناشئة. ويؤثر هذا الوضع في تدفق رؤوس الأموال بينيًا، ومن ثم يؤثر في صافي الميزان الجاري لتلك الدول. واستنادًا إلى ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، نوجز التوصيات في النقاط الآتية: التعجيل بإصلاحات سياسية واقتصادية في دول الخليج ضرورة ملحة، فهذه الإصلاحات تخلق بيئة ملائمة لتشجيع القطاعات غير النفطية، وتدفع نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي، وجذب الاستثمارات. لا تتحقق الإصلاحات إلا من خلال إرادة حكومية جادة، تستطيع استيعاب تكلفتها السياسية والاجتماعية، على حد سواء. وقد تكون إحدى الطرق المؤدية إليها خصخصة القطاعات غير المنتجة، بعد تطويرها ورفع كفاية إنتاجها. وتسهم في هذا الاتجاه أعمال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بعدّها إحدى الطرق المهمة لرفع مستوى الاقتصاد، والتخلص من بعض الممارسات السلبية لكلا القطاعين؛ في سبيل تنفيذ المشروعات المطلوبة. بيد أن تنفيذ جذب القطاع الخاص إلى بيئة الإصلاحات يقتضي تحديث المنظومات التشريعية، وتعديل القوانين، وتعزيز الشفافية والحوكمة. وهذا سينعكس إيجابيًا على أداء الصناديق السيادية الخليجية، وعلى طريقة عملها، ويقلل الانعكاسات السلبية على التدفقات المالية للصناديق. لا تقاس الجدوى الاقتصادية للصناديق السيادية من خلال العوائد المالية المتحصلة وحدها، وإنما من خلال تحقيق أهداف إنشائها أيضًا، ومن تلك الأهداف تنويع مصادر الدخل. إن هذا الأمر يتطلب النظر العميق من حكومات الخليج؛ لكيلا يقع التأخير في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية التي من المفترض أن تخلق رافدًا استثماريًا بديلً من النفط داخل الاقتصاد المحلي. إن تبني الحكومات الخليجية سياسات تعزز الكفاية للنهوض برأس المال البشري، وممارسة الأعمال، من شأنه رفع مستوى القدرة التنافسية؛ في سبيل رفع مستوى رفاهية الفرد، وتحقيق نمو مستدام للاقتصاد الوطني. من الضروري الاهتمام بمتطلبات التنمية، من تعليم وصحة وبنية تحتية، وتطوير استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة؛ لاستيعابها في مجال التعليم والتدريب أساسًا.

إن نظام توزيع الثروة الحالي في الخليج لا يعتبر ذا كفاية عالية، على الرغم من قدرة بعض بلدان الخليج على تحمّله، وتبقى مقتضيات الاستدامة التي تحافظ على مستوى الرفاهية المطلوبة تحديًا حقيقيًا لدول الخليج. يجب أن يكون مسار المالية العامة متناسقًا مع الاستراتيجية الاستثمارية للصناديق السيادية، لا سيما من خلال الموازنة العامة، فتراجع أسعار النفط فترات طويلة، وتكرار عجز الموازنة العامة، يدفعان إلى خيار السحب من موارد الصندوق؛ لتمويل العجز. ويفضي هذا إلى ابتعاد الصناديق عن هدف تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، وهو الذي يمثل الغرض من إنشائها في الأصل. يُعد تمويل عجز الميزانية، بالاعتماد على ثروات الصناديق السيادية، من سلبيات إدارة الموارد الاقتصادية، ولا بد لمقاومته من أطر قانونية تحمي هذه الصناديق، وقواعد تعزز استقلاليتها عن الضغوط والسيطرة السياسية. ثمة حاجة إلى تعديل الهياكل التنظيمية للصناديق القائمة، بما يتماشى مع مستجدات التعاملات المالية في العالم، واستنباط الهياكل التنظيمية والوظيفية، استقاءً من خبرة الصناديق السيادية الناجحة. وثمة ضرورة لتبنّي طرق مرنة لضبط السحوبات من الصناديق السيادية، في حالة عجز الموازنات، من خلال قانون واضح، تُرسم حدوده، ويحدد سقفه، وليس بحسب أهواء أصحاب القرار في الدولة وضغوطهم. تجدر الاستفادة من التجارب الناجحة في التعامل مع الصناديق السيادية، كالصندوق النرويجي على سبيل المثال، فالتعاون وتبادل الخبرات مع تلك الصناديق من الممكن الاستفادة منه، لا سيما في الأحوال الراهنة التي تمر بها دول المجلس، في ظل تراجعٍ حاد في أسعار النفط، وظهور عجز مرتفع في الميزانية العامة لتلك الدول.

المراجع

العربية

بن عمارة، دليلة. "حوكمة صناديق الثروة السيادية واجهه لحوكمة الحكومات: دراسة مقارنة لمجموعة من صناديق الثروة السيادية". العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير. مج 11، العدد 2 (2017).

بو زيد، سفيان. "دور صناديق الثروة السيادية في ترشيد الإيرادات النفطية". مجلة البحوث السياسية والإدارية. مج 3، العدد 4.)2016(

بو فليح، نبيل ومحمد طرشي. "دور صناديق الثروة السيادية في إدارة عوائد النفط: صندوق الثروة السيادي النرويجي نموذجًا". مجلة رؤى اقتصادية. مج 7، العدد 12 (2015).

بو فليح، نبيل. "دور صناديق الثروة السيادية في تمويل اقتصاديات الدول النفطية: الواقع والآفاق مع الإشارة إلى حالة الجزائر. رسالة دكتوراه. كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير. جامعة الجزائر. الجزائر، 2011.

جاب الله، مصطفى. "العلاقة بين عجز الموازنة العامة وإيرادات الصناديق السيادية: دراسة قياسية باستخدام نماذج Ardl واختبار الحدود – حالة الجزائر". مجلة دراسات اقتصادية. مج 5، العدد 14.)2007(

حمادي، سعدون. "النفط والتنمية في الفكر الاقتصادي العربي: كيف طرحت قضية دور النفط في التنمية في الفكر الاقتصادي العربي". مجلة المستقبل العربي. العدد). 2010(380

دور صناديق الثروة السيادية في الاقتصاد العالمي: صندوق مصر السيادي بين دوافع التأسيس والأهداف. القاهرة: مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية،.2019

سليماني، عبد الكريم. "دور صناديق الثروة السيادية في ترشيد الإيرادات النفطية العربية مع الإشارة إلى حالة أبوظبي". رسالة ماجستير. جامعة محمد خيضر. بسكرة. الجزائر،.2014

عباس، فرحات ووسيلة سعود. "حوكمة الصناديق السيادية: دراسة لتجربة كل من النرويج والجزائر". مجلة الباحث الاقتصادي. مج 3، العدد 4.)2019(

قدي، عبد المجيد. الصناديق السيادية والأزمة المالية الراهنة. مجلة اقتصاديات شمال أفريقيا. العدد).2010(6 المنيف، ماجد. "صناديق الثروة السيادية ودورها في إدارة الفوائض النفطية". مجلة النفط والتعاون الدولي. مج 35، العدد 129.)2009(

الأجنبية

Aggarwal, Raj & John W. Goodell. "Sovereign Wealth Fund Governance and National Culture." International Business Review. vol. 27, no. 1 (2018).

Amar, Jeanne, Christelle Lecourt & Valerie Kinon. "Is the Emergence of New Sovereign Wealth Funds a Fashion Phenomenon?" Review of World Economics. vol. 154, no. 4 (2018).

Asutay, Mehmet. "GCC Sovereign Wealth Funds and Their Role in the European and American Markets." Equilibri. vol. 12, no. 3 (2008).

Bahoo, Salman, Ilan Alon & Andrea Paltrinieri. "Sovereign Wealth Funds: Past, Present and Future." International Review of Financial Analysis. vol. 67, no. c (2020).

Bazoobandi, Sara. (ed.). The New Regional Order in the Middle East. International Political Economy Series. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2020. at: https://bit.ly/3p31id5

Blundell-Wignall, Adrian, Yu-Wei Hu & Juan Yermo. "Sovereign Wealth and Pension Fund Issues." OECD Working Papers on Insurance and Private Pensions no. 14. (January 2008).

Braunstein, Juergen. "Domestic Sources of Twenty-first-century Geopolitics: Domestic Politics and Sovereign Wealth Funds in GCC Economies." New Political Economy. vol. 24, no. 2 (2019). Gawdat, Bahgat. Sovereign Wealth Funds in the Gulf: An Assessment. Kuwait Programme on Development. Governance and Globalization in the Gulf States (16). London: The London School of Economics and Political Science, 2011.

Global Competitiveness Report 2019: How to end a Lost Decade of Productivity Growth. World Economic Forum. 8/10/2019. at: http://bit.ly/3bsSBW5

Grira, Jocelyn, Chiraz Labidi & Wael Rouatbi. "Does Political Risk Matter for Sovereign Wealth Funds? International Evidence." International Review of Financial Analysis (2018). at: https://bit.ly/3rtd02O

Hertog, Steffen. "Reforming Wealth Distribution in Kuwait: Estimating Costs and Impacts." LSE Middle East Centre Paper Series. vol. 5, no. 28 (2020).

International Monetary Fund (IMF). "Sovereign Wealth Funds: A Work Agenda." Working Paper. Washington D.C. USA (2008).

Kimmitt, Robert. "Public Footprints in Private Markets: Sovereign Wealth Funds and the World Economy." Foreign Affairs. vol. 87, no. 1 (2008).

McKechnie, Alastair. Managing Natural Resource Revenues: The Timor-Leste Petroleum Fund. London: Overseas Development Institute, 2013.

Political Risk Services (PRS) Group, "International Country Risk Guide (ICRG)." 2020.

Ramady, Mohamed A. (ed.). The GCC Economies: Stepping Up to Future Challenges. New York: Springer, 2012.

Santiso, Javier. "Sovereign Development Funds: Key Financial Actors of the Shifting Wealth of Nations." Revue d'Économie Financière, Programme National Persée. vol. 9, no. 1 (2009).

Selfin, Yael, Richard Snook & Himani Gupta. The Impact of Sovereign Wealth Funds on Economic Success. London: Price waterhouse Coopers, 2011.

Seznec, Jean‐François. "The Gulf Sovereign Wealth Funds: Myths and Reality." Middle East Policy. vol. 15, no. 2 (2008).

World Bank. World Development Indicators (WDI) 2020. Washington DC. USA, 2020.

Young, Karen. "Sovereign Risk: Gulf Sovereign Wealth Funds as Engines of Growth and Political Resource." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 47, no. 1 (2020).