Return to Article Details Water Resource Management Policies in Tunisia: From Supply Management to Territorial Equity

خمسون سنة من سياسات إدارة الموارد المائية في البلاد التونسية: من إدارة العرض إلى الإنصاف الترابي

Water Resource Management Policies in Tunisia: From Supply Management to Territorial Equity

عبد الكريم داود

الملخّص

تعاني الموارد المائية في تونس الندرةَ وعدمَ التوازن في توزيعها بين الأقاليم وعدم الانتظام السنوي للموارد المتجدّدة منها. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على هذه الضغوط ودراسة تطوّر سياسات إدارة الموارد المائية في تونس خلال العقود الخمسة الأخيرة، انطلاقًا من مرحلة إدارة العرض وتعبئة المياه لتحويلها من الأقاليم الداخلية إلى الأقاليم الساحلية، حيث توجد أهم المدن ويتركّز جُلّ النشاطات الاقتصادية فيها، وهي المرحلة التي تواصلت حتى نهاية القرن العشرين، وأفضت إلى تركيز منظومة مائية مترابطة. تلتها مرحلة إدارة الطلب التي حتّمتها أسباب عدة، منها الارتفاع المتواصل للاستهلاك الزراعي والحضري للمياه، الذي وصل إلى حدّ استنزاف الموارد الجوفية. وخلُصت الدراسة إلى إبراز النجاحات التي حقّقتها سياسة التحكم في الطلب، سواء فيم يتعلّق بالتزوّد بالمياه الصالحة للشرب أو بالنسبة إلى القطاع الزراعي. وأظهرت أيضًا التحديات العديدة التي يشهدها الوضع الحالي، ومنها تواصل ارتفاع الطلب والتغيّات المناخية والتحرّكات الاجتمعية في الأقاليم الداخلية المطالِبة ب "الحق في الماء" كم ضمِنه دستور عام 2014. وبيّنت الدراسة أنّ هذه الوضعية تفرض حكامة جديدة للموارد، تُبْنى على ما تراكم من إيجابيات العقود الخمسة الأخيرة، وتأخذ في الحسبان التحديات المستقبلية. كلمت مفتاحية:  تونس، الموارد المائية، سياسات إدارة المياه، الإنصاف الترابي. Water resources in Tunisia are scarce and unevenly distributed between regions. As well, rainfall varies year-to-year. This study deals with the development of water resource management policies in Tunisia during the last five decades, starting with supply and mobilization management programs that transferred water resources from the interior to the coastal territories where the most important cities are and most economic activity takes place. This policy resulted in the establishment of an interconnected water system that remained in place until the end of the last century. The study also reviews the success of the demand management system the government has been forced by the increase in both urban consumption of water and agricultural needs to adopt. We also review the many challenges that set the current situation apart from previous periods of stress on the system, including high demand, climate change and social movements in the inner cities demanding the right for water, protected in the 2014 Constitution, be respected. The study highlights these challenges and suggests elements for a new resource governance that would draw on the accumulated good governance of the last five decades.

Abstract

Water resources in Tunisia are scarce and unevenly distributed between regions. As well, rainfall varies year-to-year. This study deals with the development of water resource management policies in Tunisia during the last five decades, starting with supply and mobilization management programs that transferred water resources from the interior to the coastal territories where the most important cities are and most economic activity takes place. This policy resulted in the establishment of an interconnected water system that remained in place until the end of the last century. The study also reviews the success of the demand management system the government has been forced by the increase in both urban consumption of water and agricultural needs to adopt. We also review the many challenges that set the current situation apart from previous periods of stress on the system, including high demand, climate change and social movements in the inner cities demanding the right for water, protected in the 2014 Constitution, be respected. The study highlights these challenges and suggests elements for a new resource governance that would draw on the accumulated good governance of the last five decades.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • الموارد المائية
  • سياسات إدارة المياه
  • الإنصاف الترابي
Keywords:
  • Tunisia
  • Water Resources
  • Water Management Policies
  • Territorial Equity

تعاني الموارد المائية في تونس الندرةَ وعدمَ التوازن في توزيعها بين الأقاليم وعدم الانتظام السنوي للموارد المتجدّدة منها. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على هذه الضغوط ودراسة تطوّر سياسات إدارة الموارد المائية في تونس خلال العقود الخمسة الأخيرة، انطلاقًا من مرحلة إدارة العرض وتعبئة المياه لتحويلها من الأقاليم الداخلية إلى الأقاليم الساحلية، حيث توجد أهم المدن ويتركّز جُلّ النشاطات الاقتصادية فيها، وهي المرحلة التي تواصلت حتى نهاية القرن العشرين، وأفضت إلى تركيز منظومة مائية مترابطة. تلتها مرحلة إدارة الطلب التي حتّمتها أسباب عدة، منها الارتفاع المتواصل للاستهلاك الزراعي والحضري للمياه، الذي وصل إلى حدّ استنزاف الموارد الجوفية. وخلُصت الدراسة إلى إبراز النجاحات التي حقّقتها سياسة التحكم في الطلب، سواء فيم يتعلّق بالتزوّد بالمياه الصالحة للشرب أو بالنسبة إلى القطاع الزراعي. وأظهرت أيضًا التحديات العديدة التي يشهدها الوضع الحالي، ومنها تواصل ارتفاع الطلب والتغيّات المناخية

والتحرّكات الاجتمعية في الأقاليم الداخلية المطالِبة ب "الحق في الماء" كم ضمِنه دستور عام 2014. وبيّنت الدراسة أنّ هذه الوضعية تفرض حكامة جديدة للموارد، تُبْنى على ما تراكم من إيجابيات العقود الخمسة الأخيرة، وتأخذ في الحسبان التحديات المستقبلية. كلمت مفتاحية:  تونس، الموارد المائية، سياسات إدارة المياه، الإنصاف الترابي. Water resources in Tunisia are scarce and unevenly distributed between regions. As well, rainfall varies year-to-year. This study deals with the development of water resource management policies in Tunisia during the last five decades, starting with supply and mobilization management programs that transferred water resources from the interior to the coastal territories where the most important cities are and most economic activity takes place. This policy resulted in the establishment of an interconnected water system that remained in place until the end of the last century. The study also reviews the success of the demand management system the government has been forced by the increase in both urban consumption of water and agricultural needs to adopt. We also review the many challenges that set the current situation apart from previous periods of stress on the system, including high demand, climate change and social movements in the inner cities demanding the right for water, protected in the 2014 Constitution, be respected. The study highlights these challenges and suggests elements for a new resource governance that would draw on the accumulated good governance of the last five decades.

Professor emeritus, University of Sfax, Tunisia. Email: daoudabdelkarim@yahoo.fr

مقدمة

احتلت الموارد المائية مكانة مهمة في السياسات التنموية في تونس منذ الاستقلال (1956) إلى اليوم. كم طوّرت مختلف الحضارات التي تعاقبت على البلاد، منذ ألفيتين على الأقل، تقنيات عدة للتحكم فيها واستعملها. ومن خلال مقاربة استعادية شملت العقود الخمسة الأخيرة، تهدف هذه الدراسة إلى البحث في إشكالية العلاقة بين الموارد المائية والتنمية في تونس، وإبراز خصوصية الحالة التونسية في إدارة الموارد المائية والتأقلم مع ندرتها. واعتمدت على فرضية أساسية مفادها أن الدولة التونسية انتهجت، بصفة مبكرة منذ سبعينيات القرن الماضي سياسة تهدف إلى تعبئة مواردها المائية وتحويلها من الأقاليم الداخلية إلى الأقاليم الساحلية، للاستجابة للطلب الحضري ومختلف القطاعات الاقتصادية؛ ما مكّنها من بلوغ تعبئة شبه قصوى للموارد المائية المتاحة منذ مطلع هذا القرن، حتّمت عليها تطبيق سياسة جديدة للتحكم في الطلب المتزايد لمختلف القطاعات الاقتصادية، وللمياه الصالحة للشرب. لكن تحديات عدة، كاستنزاف الموارد الجوفية والتغيرات المناخية والمطالب الاجتمعية في المناطق الداخلية، تفرض تعديلات متواصلة وجوهرية على سياسة إدارة الموارد المائية. وللبحث في هذه الفرضية، اعتمدنا على منهجية تحليلية واستشرافية، ترنو إلى توظيف ما تراكم لدينا من رصيد معرفي ميداني بالمسألة المائية والسياسات المتّبَعة في إدارتها طوال العقود الأخيرة، وما قمنا بتجميعه من وثائق ومعلومات من الدوائر الرسمية المكلّفة بإدارة الموارد المائية في البلاد التونسية. تقسم الدراسة ثلاثة محاور. نتعرّض في الأول لظاهرة ندرة المياه في تونس وما سُمّي سياسة إدارة العرض لتعبئتها من سبعينيات القرن الماضي حتى نهايته. ثمّ ندرس في الثاني سياسة إدارة الطلب على الموارد المائية والتحديات الحالية والمرتقبة التي تواجهها. ونعرض في المحور الثالث ما نراه بدائل لحوكمة جديدة للموارد المائية في تونس اليوم، وبصفة خاصة بعد ثورة عام 2011، وما صاحبها من أدوار جديدة لمختلف الفاعلين.

أولً: ندرة المياه ومراحل سياسة إدارة العرض يف تونس

تنتمي البلاد التونسية إلى المناخ المتوسطي. وبحكم موقعها من خطوط العرض، وخصائص الدورة الهوائية العامة، يغلب الجفاف على جلّ مساحتها، فتتلقّى حوالى 35 مليار متر مكعّب من التساقطات سنويًّا. لكن ما يمكن تعبئته والتحكم فيه من مياه السيلان لا يبلغ إل 2.7 مليار متر مكعّب سنويًا. وإذا أضفنا إليها كمية 2.1 مليار متر مكعّب من المياه الجوفية القابلة للاستغلال سنويًا، تصبح الموارد السنوية من المياه في تونس حوالى 4.8 مليارات متر مكعّب. وتُعتبر هذه الكميات ضئيلة، مقارنة ببلدان المغرب العربي (20 مليار متر مكعّب في المغرب، و 12 مليار متر مكعّب في الجزائر). ولئن كان هذا التفاوت راجعًا إلى اختلاف مساحة البلدان الثلاثة واختلاف أهمية أحواضها المائية، فإنّ نصيب الفرد من الموارد المائية، في كلٍّ منها، يبقى ضعيفًا، وفي تراجع مستمر خلال العقود الخمسة الأخيرة (366 مترًا مكعّبًا/ ساكن/ سنة في تونس، 271 في الجزائر، و 815 في المغرب في عام 2017). لكن، إضافة إلى قلّة الموارد المائية، تواجه تونس التحديات الناجمة عن توزيعها الطبيعي. فأهم الموارد توجد في أقلّ الأقاليم سكّانًا ونشاطات. ونظرًا

Latifa Hénia, Atlas de l'eau en Tunisie (Tunis: Université de Tunis, 2008), p. 67. بحسب آخر إحصاءات البنك الدولي المتوافرة، في عام 1962، بلغ هذا نصيب الفرد من مياه السيلان 974 مترًا مكعّبًا/ ساكن/ سنة في تونس، و 968 مترًا مكعّبًا في الجزائر، و 2214 مترًا مكعّبًا في المغرب، ينظر: The World Bank, "Renewable Internal Freshwater Resources per Capita (Cubic Meters)," accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/39ax56j

إلى هذه الندرة والتحديات المرتبطة بها، تطبّق الدولة سياسة تهدف إلى تعبئة قصوى للموارد المائية المتاحة، وذلك اعتبارًا لمكانتها في استراتيجيات التنمية بصفة عامة، والتنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي بصفة خاصة.

1. الموارد المائية: السطحية قليلة ومركّزة جغرافيًّا والجوفية أهمها غير متجدّدة

نعني بالموارد المائية السطحية الكميات السنوية التي تسيل في الأودية، والتي يمكن تعبئتها بوساطة السدود والمنشآت الأخرى. ويلخّص الجدول (1) توزيع هذا الصنف من الموارد المائية بحسب أقاليم البلاد. الجدول (1) الموارد المائية السطحية في تونس

ملوحة المياهالنسبة المئويةالموارد المائية السطحية
(مليون متر مكعّب/ سنة)
املإقليم
أكثر من 1.5 غ/ ل
(في المئة)
أقلّ من 1.5 غ/ ل
(في المئة)
1882852341الشمل
524811287الوسط
9734104الجنوب
28721002731مجموع البلاد

المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Stratégie du secteur de l'eau en Tunisie à long terme 2030 (Tunis: 1998), p. 17; République Tunisienne, Ministère de l'agriculture, Rapport National du secteur de l'eau (Tunis: 2017), p. 2, accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3xzudd2

يحتوي شمل البلاد على أهم الأودية ذات الصرف الخارجي، وبصفة خاصة وادي مجردة وروافده. وتصله أعلى كمية تساقطات سنويًّا (أكثر من 400 ملّيمتر في السنة)، كم يحتوي على أهم الأحواض المائية (أحواض الوطن القبلي، ومليان، وإشكل، ومجردة، وأحواض أقصى الشمل)؛ لأنّ الجزء الشملي من البلاد التونسية يتأثّر بالتقلبات الجوية المتوسطية ذات المسار الشملي - الغربي، التي تأتي بالأمطار. ولهذا تقدّر الموارد المائية السطحية في شمل البلاد ب 2.341 مليون متر مكعّب سنويًا. أمّا وسط البلاد (تصله كميّات تساقطات تراوح بين 200 و 400 ملّيمتر سنويًا) وجنوبها (تصله كميات دون 200 ملّيمتر سنويًا)، فميزتهم الجفاف والسيلان الداخلي. ويعود هذا الجفاف أساسًا إلى دور الحاجز الذي تقوم به سلسلة الظهرية التونسية أمام توغّل التقلبات الجوية المتوسطية نحو داخل البلاد. ولهذا، لا تبلغ موارد وسط البلاد سوى 287 مليون متر مكعّب، والجنوب 104 ملايين متر مكعّب من المياه السطحية في السنة (ينظر الخريطة.)1

الخريطة (1) الأحواض المائية في البلاد التونسية

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: Latifa Hénia, Atlas de l'eau en Tunisie (Tunis: Université de Tunis, 2008), pp. 16, 48, 50.

للمقارنة، فإنّ جنوب البلاد (الذي يمثّل ثلثي مساحتها) لا يحتوي إلّ على 6 في المئة من الموارد المائية السطحية الجملية، في حين يحتوي الشمل على 82 في المئة منها، آتية بصفة خاصة من وادي مجردة وروافده. وتتقاسم البلاد التونسية بعض أجزاء أحواض مائية مع جارتها الجزائر. وهي أحواض أودية بربرة ومليلة في أقصى الشمل، وتسيل الأودية فيها من البلاد التونسية في اتجاه الجزائر وأحواض مجردة وملّق في الشمل، وأحواض الصفصاف والكبير في الوسط الغربي، وتسيل الأودية فيها من الجزائر نحو البلاد التونسية. أما فيم يتعلق بالموائد المائية الجوفية، فأهمها غير متجددة وتوجد في الجنوب الصحراوي. نعني بالموائد المائية السطحية تلك الموجودة في أعمق تراوح بين بضعة أمتار وخمسين مترًا تقريبًا. تأتيها مواردها السنوية من تسرّب مياه الأمطار حتى أول طبقة غير نافذة، أما الموائد العميقة فتوجد تحت سطح الأرض في بضع مئات من الأمتار في الطبقات الجيولوجية. وتكون مياه بعضها متجددة، مثل موائد الشمل والوسط في تونس، أو غير متجددة (موروثة أو أحفورية)، مثل موائد الجنوب الغربي. بدأت تقديرات الموائد المائية الجوفية في تونس منذ ستينيات القرن الماضي، وتطورت التقديرات بتطور معرفة خصائص الأحواض الجيولوجية التي توجد فيها تلك الموائد، كم يوضح الجدول.)2(الجدول (2) تطور تقديرات موارد الموائد المائية الجوفية بتونس (مليون متر مكعّب/ سنة)

الجملةموارد الموائد العميقةموارد الموائد السطحيةالسنة
7606001601968
169011005901985
216614207462005
219714307672015

المصدر: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Direction Générale des Ressources en Eaux, Situation d'exploitation des nappes phréatiques (Tunis: 2004-2015); République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Direction Générale des Ressources en Eaux, Annuaires d'exploitation des nappes profondes (Tunis: 2004-2015), p. 1.

تجدر الملاحظة أن 69 في المئة من مجموع المياه الجوفية هي مياه متجددة، تتوزع على عديد الموائد في البلاد. أما أهم مائدة من حيث الموارد فتوجد في الجنوب الغربي (حوالى 650 مليون متر مكعّب/ سنة)، وهي غير متجددة. ومن بين المؤشرات المعتمدة للتعبير عن الندرة نصيب الفرد من المياه داخل البلد الواحد. ففي البلاد التونسية، لا يفوق نصيب الفرد 366 مترًا مكعّبًا/ سنة (في عام 2017)، وهي كمية دون مستوى الفقر المائي، المحدد ب 500 متر

3 Hénia, pp. 50-51. 4 Ibid., p. 61. يجسِّد مفهوم "الفقر المائي" العلاقة بين ندرة المياه من ناحية، وآثارها في مستعملي المياه من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية، من ناحية أخرى، ومن ثم، يطرح مسألة مكانة المياه في سياسات التنمية. فبالنسبة إلى صغار المزارعين مثلً، يرتبط هذا المفهوم بصعوبة الحصول على الموارد المائية اللازمة لنشاطهم، وعدم المشاركة في إدارتها. يساعد هذا المؤشر في فهم جديّة مشكلة ندرة المياه في تونس، وخصوصًا إذا اعتبرنا التراجع المستمر لنصيب الفرد من الموارد المائية في السنة والتأثيرات المُرتقبة للتغيّات المناخية.

مكعّب/ سنة، ودون مؤشر فلكنمرك Falkenmark الذي يعرّف ندرة المياه عندما لا تتوافر في بلد ما كمية 1700 متر مكعّب/ سنة لكلّ ساكن. ولئن كانت كميات المياه، على الرغم من ندرتها، تمثّل رهانًا تنمويًّا مهمً في المناطق التي يغلب عليها الجفاف، مثل البلاد التونسية، فإنّ خصائصها تمثّل رهانًا لا يقلّ أهمية، لأنّ حمية المياه ذات الخصائص الجيدة من عوامل التدهور الناجمة عن استغلال مختلف النشاطات البشرية لها تصبح ضرورة استراتيجية، وخصوصًا في ظلّ التغيرات المناخية الحالية أو المرتقبة. وعلى الرغم من أن 72 في المئة من المياه السطحية لا تتجاوز ملوحتها 1.5 غ/ ل، كم هو مبيّ في الجدول (1)، نشير في هذا الصدد إلى أنّ خصائص هذا الصنف من المياه معرّضة للتدهور الناجم عن مصادر متعددة، مثل التلوث بمياه الصرف الصحّي غير المعالجة بمستوى كافٍ للوقاية، أو بمياه النشاطات الصناعية غير المراقبة، أو بالنفايات الصلبة التي تُلقَى في مجاري الأودية. أما فيم يتعلق بخصائص المياه الجوفية، فلا تتجاوز المياه الجوفية ذات ملوحة دون 1.5 غ/ ل 20 في المئة من المجموع، فترتفع نسبة ملوحة الموائد بصفة عامة بحسب موقعها من الشمل في اتجاه الجنوب، ومن الغرب في اتجاه السواحل. ويعود ارتفاع نسبة الملوحة في الموائد الساحلية إلى استغلالها المفرط وتسرّب مياه البحر نحوها. وقد تفاقمت ظاهرة الاستغلال المفرط للموائد خلال السنوات الأخيرة، كم يوضح الجدول.)3(الجدول (3) تطور استغلال الموائد المائية في تونس في المدة 2016-1980 (مليون متر مكعّب/ سنة)

الاستغلال الجملي ونسبته من المواردالموارداملموائد
في المئة2يم016في المئة2يم010في المئة2يم000في المئة1يم990في المئة1يم980
1189031118551017809170051395767الموائد السطحية
133189592132175108059850375351429الموائد العميقة

المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Rapport National du secteur de l'eau , 2017, pp. 30, 31.

بما أنّ المجال لا يسمح هنا بعرض تفصيلات مفهوم الاستغلال المفرط للموائد المائية، كم عرّفه المتخصصون في الهيدرولوجيا، فإننا نقتصر على القول إنّه، على عكس "الاستغلال العادي"، يؤدّي إلى فقْدِ التوازن في الحصيلة المائية للمئدة وتراجع مدّخراتها وتسرّب المياه المالحة نحوها. وتتّسم الوضعية في تونس اليوم بنسق تصاعدي لاستغلال مياه الموائد في الزراعة المروية، وبصفة خاصة في الوسط الغربي للبلاد (حيث تفوق نسبة الاستغلال المفرط للموائد السطحية 150 في المئة) وفي جنوبها الصحراوي (حيث تفوق نسبة الاستغلال المفرط للموائد العميقة 176 في المئة). وتشترك تونس مع الجزائر في 14 مائدة سطحية و 11 مائدة عميقة، أهمها سمّيت "المنظومة المائية لحوض الصحراء الشملي"، ممتدة على مساحة تفوق مليون كلم 2، بين الجزائر وتونس وليبيا. ويقدّر مخزون مياهها (غير المتجددة)

Jemaïel Hassaïnya, Irrigation et développement agricole: L'expérience tunisienne , Options Méditerranéennes 3 (Paris: Centre

international de hautes études agronomiques méditerranéennes, 1991), accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3f1cu7W هذا إضافة إلى عديد المخاطر الأخرى، مثل التلوث الناجم عن استعمال النيترات في النشاطات الزراعية.

بحوالى 60000 مليار متر مكعّب. وهي بذلك من أهم المنظومات المائية الجوفية العابرة للحدود في العالم. يوجد القسم الأكبر منها في الجزائر (700000 كلم 2) والأصغر في تونس (80000 كلم 2). أخيرًا، وفيم يتعلق بتوزيع الموارد المائية الجملية، بحسب أصناف استغلالها، نشير إلى هيمنة الاستعمل الزراعي الذي يستهلك 2150 مليون متر مكعّب/ سنة، أي 80 في المئة من جملة الموارد، في حين يستهلك التزود بالمياه الصالحة للشرب 420 مليون متر مكعّب/ سنة، أي 15 في المئة من جملة الموارد، بينم تستهلك الصناعة 145 مليون متر مكعّب/ سنة (3 في المئة)، والسياحة 35 مليون متر مكعّب/ سنة (1 في المئة).

2. مراحل سياسة إدارة العرض للموارد المائية

تبنّت الدولة في تونس، بصفة مبكرة، سياسة تهدف إلى تعبئة قصوى للموارد المائية المتاحة لتلبية حاجات مختلف القطاعات الاقتصادية وتزويد المدن والقرى والأرياف بالمياه الصالحة للشرب. ومرت سياسة إدارة العرض بثلاث مراحل. تميزت المرحلة الأولى (حتى بداية سبعينيات القرن الماضي) بتعبئة محدودة للموارد المائية. لقد بدأ الاهتمم بإنشاء السدود الكبرى وتحويل المياه للاستجابة لحاجات المدن من الماء الصالح للشرب في البلاد التونسية منذ الفترة الاستعمرية، وبصفة خاصة في تونس العاصمة، حيث توجد جالية أوروبية مهمة، وكذلك في صفاقس. من أهم الإنجازات في هذه الفترة نذكر سدَّي ملّق (267 مليون متر مكعّب) وبني مطير (60 مليون متر مكعّب) اللذين أُنشئا في عام 1954، وأنبوب جلب مياه من سبيطلة في الوسط الغربي نحو صفاقس على طول 165 كلم (300 ل/ ثانية). لكن لا بد من الإشارة إلى أن إنشاء هذه السدود خلال الفترة الاستعمرية لم يكن يُدرج ضمن سياسة متكاملة تهدف إلى تعبئة الموارد المائية السطحية لإقليم الشمل الذي يمثل خزّان البلاد، لتحويلها إلى المناطق الساحلية. كم لم يُدرج توسيع المساحات المروية (خارج مناطقها التقليدية في الوطن القبلي ومجْردة السفلى والواحات) ضمن أولويات الاستعمر الزراعي. لكن، في المقابل، نستطيع القول إنّ بناء السدود الكبرى خلال الحقبة الاستعمرية في البلاد التونسية أرسى قواعد سياسة ترمي إلى تحكم الدولة (عبر هياكلها الفنية والإدارية المركزية والإقليمية) في إدارة الموارد المائية على حساب الفاعلين المحليين. وقد سُمّي هذا التوجّه "سياسة السدود"، نجده أيضًا في المغرب الأقصى. ثمّ سيتواصل إنشاء السدود بعد الاستقلال (1956). وحتى بداية سبعينيات القرن الماضي، أُنجزت كلّها في إقليم

Observatoire Sahara Sahel (OSS), Système aquifère du sahara septentrional: Gestion concertée d'un bassin transfrontalier , Collection

Synthèse 1 (Tunis: 2008), p. 9, accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3x7sCLl 9 Ibid. 10 إحصاءات من تجميع الباحث من تقارير رسمية مختلفة، ينظر: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Orientations stratégiques du secteur de l'eau en Tunisie (Tunis: 1999);

République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Rapport National du Secteur de L'eau (Tunis: 2017), accessed on 12/8/2021, at:

https://bit.ly/3BOWXBI 11 ينظر: Jean-Jacques Perennès, L'eau et les hommes au Maghreb: Contribution à une politique de l'eau en méditerranée (Paris: CNRS/

Karthala, 1995). هي سدود بيزيرك (-1959 6.5 ملايين متر مكعّب)، شيبة (-1963 7.8 ملايين متر مكعّب)، نبهانة (-1965 86.5 مليون متر مكعّب)، لخماس (-1966 8.2 ملايين متر مكعّب)، المصري (-1968 6.9 ملايين متر مكعّب)، كسّاب (-1968 81.8 مليون متر مكعّب)، بير مشارقة (-1971 52.9 مليون متر مكعّب)، وبوهرتمة (-1976 117.5 مليون متر مكعّب)، ينظر: عبد الكريم داود، "حصيلة تعبئة الموارد المائية وآفاقها في تونس"، المجلة التونسية للجغرافيا، العدد 32 (2001)، ص 7.

الشمل، باستثناء سدّ نبهانة الموجود في إقليم الوسط في جهة القيروان الذي يقع تحويل جزء من مياهه نحو ساحل سوسة والمنستير لسدّ الحاجات الحضرية وبغرض الري أيضًا. وخُصصت أغلبية السدود بغرض الري محليًّا (باستثناء سدَّي بوهرتمة وكسّاب اللذين أُنجزا لتأمين تزويد تونس العاصمة بالماء الصالح للشرب). إنّ أغلبية السدود المنجزة محدودة الحجم، وذلك، لتواضع الأحواض المائية للأودية التي أقيمت عليها. لئن شهدت سبعينيات القرن الماضي انطلاق سياسة إرادية لتعبئة الموارد المائية في تونس، فإنّ الحصيلة بقيت هزيلة. ففيم يتعلّق بالمياه السطحية، ارتفع حجم المياه المعبَّأة من 240 مليون متر مكعّب في عام 1972 إلى 370 مليون متر مكعّب في عام 1980. أمّا بالنسبة إلى المياه الجوفية، فانتقل حجم المياه المعبَّأة من 284 إلى 700 مليون متر مكعّب في الفترة نفسها. وتُعتبَر هذه الكميات ضعيفة، نظرًا إلى الموارد المائية المعروفة آنذاك في تونس، حيث لم تمثّل الكميات المذكورة في عام 1980 إل 34 في المئة من المياه السطحية، و 65 في المئة من المياه الجوفية. في هذه الظروف، مثّلت عشرية الثمنينيات من القرن الماضي المرحلة الثانية في سياسة التحكم في العرض، ومنعرجًا حاسمً، لأنّ سياسة إدارة الموارد المائية في تونس أصبحت أشدّ وضوحًا مع "المخطط الخامس للتنمية الاقتصادية والاجتمعية ")1981-1977(، الذي حدّد من بين توجهاته دراسة أربعة سدود كبرى (هي سدود سيدي سالم، وسيدي سعد، وجومين، وغزالة)، وتمويلها وإنجازها. وفي هذا المخطط، أخذت الدولة على عاتقها تطبيق ما ورد في "الأمثلة المديرية للمياه". من المفيد الوقوف قليلً في هذا الصدد عند ما ورد في المثال المديري لمياه الشمل وأقصى الشمل؛ لأنّ تطبيقهم يمثّل في تقديرنا منعرجًا مهمًّ في سياسة إدارة الموارد المائية في تونس. فلقد حدّدت هذه الوثائق هدف التعبئة القصوى للمياه السطحية الوافرة نسبيًّا في هذا الإقليم، وتحويل أكبر جزء منها نحو الأقاليم الساحلية، وبصفة خاصة نحو تونس العاصمة وساحل بنزرت والوطن القبلي وساحل سوسة وجهة صفاقس. وهي الأقاليم التي توجد فيها أكبر المدن التونسية، وتحتوي على أهم الكثافات السكانية وأهم النشاطات الاقتصادية. أمّا المثال المديري لمياه الوسط، فبدأ إعداده منذ عام 1977، وتضمّن خطة متكاملة للتحكم في فيضانات أهم الأودية بالإقليم وهم واديا زرود ومرق

13 المرجع نفسه. 14 Hassaïnya, p. 70. جرى البدء في رسم ملامح استراتيجية المياه في تونس مع وثيقة "المدن والتنمية" التي أنجزها في عام 1973 مجموعة باحثين (مجموعة الثمانية) ومكتب دراسات، لفائدة وزارة التجهيز والإسكان آنذاك، والتي يمكن اعتبارها أول وثيقة للتخطيط الترابي والإقليمي في تونس، خَلُصت الدراسة إلى بيان أهمية إقليم الشمال بوصفه خزّانًا مائيًا، ومحدودية الموارد المائية في المناطق الساحلية بوصفها عائقًا للتنمية وضرورة تحويل المياه نحوها، وضرورة استغلال مياه موائد الجنوب. وأوصت الدولة بتطبيق سياسة هادفة إلى تعبئة المياه وتنظيم استعمالاتها. ينظر: Villes et développement: Armature urbaine tunisienne (Tunis: République Tunisienne, Ministère de l'Economie Nationale, Direction de

l'Aménagement du Territoire, Groupe Huit et CERES, 1973). هي أربعة أمثلة: المثال المديري لمياه الشمال - أقصى الشمال - الوسط والجنوب. وردت في شكل دراسات عميقة ومتكاملة احتوت على التشخيص والحلول التقنية لسياسات إدارة الموارد المائية بحسب الأقاليم. أُنجزت بالفرنسية تحت عنوانEaux des Directeurs Plans، ينظر: داود، ص.17 تضمّن هذا المثال إنجاز أربعة سدود وأربع قنوات تحويل كبرى، وذلك على مرحلتين: تمثّلت الأولى (انتهت في عام 1985) ببناء سدّين (سيدي سالم أكبر السدود التونسية، 580 مليون متر مكعّب، وسدّ جومين 118 مليون متر مكعّب)، وقناتَ تحويل (قناة مجردة - الوطن القبلي وقناة جومين - مجردة.) انطلق الإنجاز خلال المخطط الخامس للتنمية (1981-1977). وتواصل خلال المخطط السادس (1986-1982). أمّا الثانية، فتمثّلت أيضًا ببناء سدّين: سدّ سجنان (134 مليون متر مكعّب، وسدّ سيدي البرّاق 286 مليون متر مكعّب)، وقناتين للتحويل (قناة سجنان - جومين وقناة سيدي البرّاق - سجنان). تواصلت الأشغال مع المخطط السابع للتنمية (1991-1987). وانتهت أشغال سدّ سيدي البرّاق في عام 1999. المرجع نفسه، ص.19

جديدة، بعضها متاخم للحدود الجزائرية - التونسية (الخريطة.)2

الليل؛ لحمية مدينة القيروان وسهلها، وذلك بإنجاز سدّ سيدي سعد على وادي زرود في عام 1981 (133 مليون متر مكعّب) وسدّ الهوارب على وادي مرق الليل في عام 1989 (77 مليون متر مكعّب)، إضافة إلى استراتيجية متكاملة لإدارة الموائد السطحية والعميقة، تتضمّن تغذية الموائد السطحية بتقنية الفيضان المنظّم، باستعمل مياه السدَّيْن، وتحويل جزء من مياه الموائد العميقة نحو ساحل سوسة (موائد سِيسِب - العلَم) وصفاقس (موائد جِلمة - أولاد عسكر). أخيرًا، يهمّ المثال المديري لمياه الجنوب إقليمً صحراويًّا في جزئه الغربي، وجافًّا في جزئه الشرقي الساحلي. وتضمّن استراتيجية لاستغلال المائدة الساحلية لسهل جفارة وتحويل جزء من مياهها نحو المدن الساحلية في الإقليم وكذلك جزيرة جربة، واستغلال مائدتَ الجنوب الغربي لإحياء الواحات القديمة في الجريد ونفزاوة، وإحداث واحات

الخريطة (2) السدود ومنظومة تحويل المياه في البلاد التونسية

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى.Hénia, pp. 92, 98:

يتّضح إذًا ما لهذه العشرية من أهمية في رسم سياسة إدارة الموارد المائية في تونس؛ حيث أصبحت مياه الشمل تُدار بصفة مُمَركزة، في شكل منظومة مترابطة من السدود والقنوات (بعد أن كانت السدود الأولى إنجازات نقطية ومنعزلً بعضُها عن بعض)، تهدف إلى تعبئة قصوى للعرض وتحويل المياه من مناطق إنتاجها إلى مناطق استهلاكها، وأصبح هذا التحويل عنصرًا أساسيًّا في سياسة الدولة التونسية، للاستجابة للحاجات المتزايدة من الماء الصالح للشرب ومياه الري. فمنذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين، حققت تونس تعبئة نسبة 80 في المئة من مواردها المائية، ويُحسب ذلك في المطلق نجاحًا لاستراتيجية التحكم في العرض. لم تتوقف هذه الاستراتيجية بعد هذا التاريخ. وبما أن "سياسة السدود" مكّنت من إنشاء سدود كبرى في كلّ المواقع الملائمة لذلك تقريبًا (من الناحية الطبوغرافية)، ستتواصل بعد عام 1990 سياسة التحكم في العرض لتعبئة الكميات القليلة الباقية، باستعمل ما سُمّي "التقنيات المائية الصغرى" في إطار "الخطة العشرية لتعبئة الموارد المائية 2000-1990"، وهي المرحلة الثالثة التي امتدت حتى نهاية القرن العشرين. لئن كان ل "سياسة السدود" والأشغال المائية الكبرى (مع ما تتطلّبه من تقنيات وتمويلات وتدخّل المقاولات الكبرى) نتائج إيجابية على مستوى التحكم في الموارد المائية، فإنّها أدّت مؤقتًا إلى حجب دور المجتمعات الريفية وما تمتلكه من تقنيات مائية تقليدية، هي عبارة عن عصارة مجهود الحضارات المتعاقبة في البلاد التونسية، أثْرتها بصفة مستمرة. لذلك، هدفت هذه الخطة، إضافة إلى إنشاء بعض السدود الكبرى، إلى إعادة الاعتبار إلى المنشآت المائية الصغرى والتقنيات التقليدية لتعبئة المياه والمحافظة على التربة في الوقت نفسه. كانت هذه الاستراتيجية ترمي إلى تعبئة كمية 1.4 مليار متر مكعّب إضافية، بتكلفة 2000 مليون دينار تونسي. وتعتبر "البحيرات الجبلية" و"السدود الجبلية" أهم عناصر هذه الاستراتيجية، وهي سدود صغيرة الحجم (احتوت تونس على حوالى 100 منها قبل انطلاق الخطة العشرية المذكورة)، تُنجَز في المناطق الجبلية المنحدرة للتحكم في مياه السيول المنحدرة من السفوح في أثر نزول الأمطار. وإضافة إلى ما تجمعه من مياه، تُستعمل في أغلبية الأحيان لريّ مساحات صغيرة حولها، أو لشرب الماشية، ما ينعكس مباشرة على مستوى عيش صغار المزارعين، تساهم هذه المنشآت في حمية السفوح والتربة من الانجراف، ومن ثم، حمية بحيرات السدود الكبرى من تراكم الأوحال. على هذا الأساس، لا تقاس نجاعة هذه السدود الصغرى بحجم المياه المجمَّعة (وهي قليلة)، لكن من خلال انعكاساتها الإيجابية من الناحية الاقتصادية والاجتمعية على السكان الريفيين المجاورين لها، وخصوصًا في المناطق الجبلية النائية في إقليم الوسط التونسي شبه الجاف. فإضافة إلى برمجة إنجاز 21 سدًّا كبيرًا، رسمت الخطّة إنجاز 1000 بحيرة

هناك في تونس شواهد تاريخية عدة لمنشآت مائية، ففي الفترة الرومانية (القرنان الثالث والرابع بصفة خاصة)، تعدّدت منشآت تزويد المدن (قنوات) ومنشآت تخزين المياه، كما أحكم الأغالبة (القرن التاسع) بناء الفسقيات لتجميع المياه وتزويد المدن. قد تبدو هذه التكلفة مرتفعة مقارنة بحجم المياه المعبأة، ويعود ذلك إلى تعدد المنشآت المائية للتعبئة وصِغر حجمها وانتشارها في مواقع عدة (راوح سعر الدينار التونسي في عام 1990 بين 1.098 دولار و 1.211 دولار.) يكمن الفارق بينهما في حجم المياه المعبأة: حتى 100000 متر مكعّب تسمّى بحيرة جبلية، وبين 100000 ومليون متر مكعّب، يسمّى "سدًّا جبليًّا". يتعرض العديد من السدود التونسية لمخاطر تراكم الأوحال في بحيراتها؛ ما يقلّص طاقتها على تخزين المياه. فعلى سبيل المثال، تقلّصت طاقة تخزين سدّ ملّق من 267 مليون متر مكعّب عند إنشائه في عام 1954 إلى 51 مليون متر مكعّب فقط اليوم، وسدّ سيدي سعد من 209 ملايين متر مكعّب (1981) إلى 133 مليون متر مكعّب اليوم. ينظر: Observatoire National de l'Agriculture, Onagri-vigilence , no. 48 (Tunis: Mars-Avril 2018), pp. 5-6, accessed on 12/8/2021, at:

https://bit.ly/3eZAvMy

جبلية و 203 سدود جبلية، وعدد مهم من المنشآت الأخرى. أمّا حصيلة الإنجاز في عام 1999، فقُدِّرت ب 70 في المئة، أي تعبئة 973 مليون متر مكعّب إضافية، وهي في تقديرنا إيجابية. وجاء في تقييم وزارة الفلاحة والموارد المائية ما يلي: "في نهاية هذه الخطة، ستكون تونس قد توصّلت إلى تعبئة شبه كليّة لمواردها المائية التقليدية، وستلجأ إلى تعبئة موارد غير تقليدية، كتحلية المياه أو إعادة استعمل المياه المعالجة، واعتبار الماء مادة حيوية وفي الوقت نفسه قيمةً اقتصادية تخضع لقاعدة المردودية". مهم يكن من أمر، ستتواصل سياسة تعبئة الموارد المائية والتحكم في العرض بعد ذلك، من خلال "الخطة العشرية الثانية لتعبئة الموارد المائية 2011-2002"، التي أطلقتها وزارة الفلاحة والموارد المائية في مطلع هذا القرن، والتي أكملت إنجاز 195 بحيرة أو سدًّا جبليًّا، وبذلك ارتفعت كمية المياه المعبأة بهذا الصنف من المنشآت من 60 مليون متر مكعّب في عام 2001، إلى 110 ملايين متر مكعّب في عام 2011. برمجت الخطة الثانية إنجاز 11 سدًّا كبيرًا، كي تصل نسبة تعبئة الموارد المائية إلى 90 في المئة. شملت الخطتان الأولى والثانية إقامة منشآت لحمية مصبات الأودية من الانجراف، وهي منوعة بحسب خصائص الأقاليم (المناخ، التَُّب، الانحدار... إلخ)، لا يسمح المجال هنا للدخول في تفصيلاتها، لكن نشير، فحسب، إلى قدرتها على تحسين مردود الفلاحة المطَرية وتخفيف الضغط على مصادر المياه المخصصة للريّ، في ظلّ التغيّات المناخية. نشير أخيرًا إلى أنّ وزارة الفلاحة التونسية أعدّت منذ عام 2017 استراتيجية "حمية المياه والتربة" إلى أفق عام 2050، اعتمدت مبدأ "الحمية المنتِجة"، أي إدماج أشغال حمية المياه والتربة ضمن مشاريع تنمية ريفية مستدامة يكون السكان المحليون فاعلين أساسيين فيها.

3. مكانة التمويل العمومي في تطبيق سياسة إدارة الموارد المائيّة

تطلّبَ خيار "سياسة السدود" تعهّد الدولة التونسية، من خلال المالية العمومية أو القروض المحلية والأجنبية، بتوفير الموارد المالية اللازمة لإنجاز مختلف مشاريع تعبئة الموارد المائية وتحويلها. يتّضح ذلك مثلً من خلال ما ترصده المخططات التنموية التونسية من اعتمدات مالية لفائدة القطاع الزراعي. فلو نظرنا إلى العقود الأربعة الأخيرة من

منها مثل 4290 منشأة صغرى للتحكم في فيضان الأودية والمساعدة على تغذية الموائد الجوفية، 610 آبار عميقة جديدة، 1300 بئر لمراقبة مستوى الموائد، 98 محطة معالجة مياه مستعملة، ينظر: داود، ص.20 بوساطة سدود سجنان (-1994 134 مليون متر مكعّب)، سيدي يعيش (-1997 88 مليون متر مكعّب)، الرمل، (-1998 23 مليون متر مكعّب)، بربرة (-1998 64 مليون متر مكعّب)، وسيدي البراق (-1999 286 مليون متر مكعّب)، و 580 بحيرة أو سدًّا جبليًا وأكثر من 1000 منشأة لنشر مياه الفيضان وتغذية المائدة. اهتمّت الاستراتيجية أيضًا بجانب حماية التربة من الانجراف، وذلك بتهيئة مصبّات الأودية بالمصاطب على مساحة تقارب 890000 هكتار، ينظر: Republique Tunisienne, Ministère de l'Agriculture et des Ressources Hydrauliques, Elaboration de la stratégie de conservation des eaux

et des sols de la Tunisie (Tunis: 2017), accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3A1DwUX 24 ترجمة الباحث، ينظر: Republique Tunisienne, Ministère de l'Agriculture et des Ressources Hydrauliques, Stratégie du secteur de l'eau en Tunisie à long terme

2030 (Tunis: 1998), p. 3. Republique Tunisienne, Ministère de l'Agriculture et des Ressources Hydrauliques, Elaboration de la stratégie de conservation des

ressources des eaux et des sols de la Tunisie , p. 5. منها ما أُنجز قبل نهاية الخطة: وهي سدود الحمى (-2002 12 مليون متر مكعّب)، العبيد (-2002 9 ملايين متر مكعّب)، البرك (-2002 16 مليون متر مكعّب)، الرميل (-2002 2 مليون متر مكعّب)، سفيسيفة (-2005 7 ملايين متر مكعّب). ثم في عام 2012 سدود: الزرقة (24 مليون متر مكعّب)، الزياتين (33 مليون متر مكعّب)، قمقوم (18 مليون متر مكعّب). وفي عام 2013: المولى (26 مليون متر مكعّب)، وسرات (21 مليون متر مكعّب)، والحركة (30 مليون متر مكعّب)، ثم الكبير (-2014 64 مليون متر مكعّب)، والمالح (-2015 41 مليون متر مكعّب)، لتقترب تعبئة الموارد المائية من نسبة 95 في المئة؛.Ibid., p. 6 27 Ibid., p. 60.

القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تطبيق سياسة السدود وامتدت حتى نهاية الخطة العشرية الأولى المشار إليها سابقًا، لتبيّ لنا القسط المهم الذي انفردت به المياه، من جملة التمويلات العمومية. الجدول (4) مكانة المياه في التمويلات العمومية بحساب مليون دينار في تونس (2001-1962)

في المئةالتمويلات في الأشغال الكبرى من جملة
التمويلات في المياه (سدود كبرى، قنوات
تحويل، تجهيز مساحات مروية عمومية،
إمينشاء، تجهيز وصيانة)
في المئةالتمويلات في
اميلمياه
التمويلات في
القطاع
الزراعي
المخططات
غ-م2980277العشرية الأولى)1971-1962(
72.134.923.648.4204.7المخطط الرابع)1976-1973(
86.4219.443.4253.8584المخطط الخامس)1981-1977(
91540.643.1594.61380.1المخطط السادس)1986-1982(
67487367202000المخطط السابع)1991-1987(
8281233981.42976المخطط الثامن)1996-1992(
88156737.417714730المخطط التاسع)2001-1997(

ملاحظة: غ-م: معلومات غير متوافرة. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى وثائق مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التونسية (وثيقة "الآفاق العشرية" والمخططات من الرابع إلى التاسع).

يبرز الجدول (4) أولًالارتفاع المتواصل للتمويلات العمومية المرصودة للقطاع الزراعي بصفة عامة، وللمياه بصفة خاصة. فعلى سبيل المثال، رصدت الدولة في المخطط الرابع (1976-1973) تمويلً ب 204.7 ملايين دينار، 48.4 منها مخصصة للمياه، و 72.1 في المئة من هذه الأخيرة مخصصة للأشغال المائية الكبرى، مثل السدود الكبرى وقنوات التحويل بين الأقاليم. مقارنة بما سبق، تضاعفت التمويلات المخصصة للقطاع الزراعي حوالى 20 مرة مع المخطط التاسع (2001-1997)، والمخصصة للأشغال المائية الكبرى بحوالى 46 مرة. نلاحظ ثانيًا أن نسبة التمويلات المخصصة للأشغال المائية الكبرى من جملة التمويلات المرصودة للمياه فاقت 90 في المئة، خلال المخطط السادس (1986-1982)، وهي فترة انطلاق تطبيق الأمثلة المديرية للمياه المشار إليها سابقًا. ستتواصل أهمية الاستثمرات المرصودة للمياه

بعد الفترة المشار إليها في الجدول (4)؛ إذ بلغت 41 في المئة خلال المخطط العاشر للتنمية (2006-200234) و في المئة خلال المخطط الحادي عشر.)2011-2007(

ثانيًا: التحدّيات الحالية والمرتقبة وسياسة إدارة الطلب على الموارد

المائية بتونس

1. ارتباط الفلاحة المروية بالمياه الجوفية وتوسّع مساحاتها في الأقاليم الجافة أو شبه الجافة

إنّ من أهم انعكاسات سياسات تعبئة الموارد المائية توسع المساحات الزراعية المروية خلال العقود الخمسة الأخيرة. فبُعَيْد الاستقلال (1956)، لم تكن البلاد التونسية تعدُّ سوى 65000 هكتار مجهّز وقابل للرّي، 62000 منها تابعة للقطاع الخاص. لكن، وفي إطار استراتيجية الأمن الغذائي، ستسلك الدولة التونسية سياسة تكثيف الفلاحة بوساطة الري، كم ستشجّع الاستثمر الخاص للتوجّه نحو الفلاحة المروية بتسهيلات في نظام القروض ودعم المُدخلات، وبصفة خاصة سعر بيع الماء. وإضافة إلى اندماج الفلاحة المروية بصفة تدرّجية في اقتصاد السوق، توسّعت المساحات المروية من 156000 هكتار في عام 1980، إلى 232000 هكتار في عام 1990، ثم إلى 402000 هكتار في عام 2010، وتقدر ب 456000 هكتار في عام /2017 2018. ولو نظرنا في توزيع المساحات، بحسب مصادر المياه والأقاليم اليوم، لتبيّ لنا الضغط الكبير على الموارد المائية الجوفية (وأهمها غير متجددة كم أشرنا سابقًا)، في أقاليم جافة أو صحراوية، مثل الجنوب التونسي، أو شبه جافة مثل الوسط، كم يبرزه الجدول.)5(الجدول (5) توزيع المساحات القابلة للرّي بحسب مصادر المياه والأقاليم (بحساب الهكتار) في عام 2018

المجموعمياه
ممعالجة
مصادر
أخرى
تقليدية
آبار
سطحية
آبار عميقةضخ من
الأودية
سدود
جأبلية
سدود
كبرى
الإقليم
231060562010103634036650116206850132970الشمل
19723014705901074406878029091017800الوسط
960901001802642069390---الجنوب
52438071901780170200174770119107760150770المجموع

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى وثائق مختلفة من وزارة الفلاحة والموارد المائية، ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، "المساحات القابلة للري بالمناطق السقوية العمومية حسب مصدر المياه بالهكتار "2018-2017، 2019/9/24، شوهد في 2021/8/21، في: https://bit.ly/3fWct5y يقع التمييز في تونس بين "المساحة المجهّزة للرّي"، أي المحتوية على التجهيزات المعدّة للغرض، و"المساحة المروية"، أي المروية فعلً في تلك السنة، التي تكون غالبًا دون المساحة المجهّزة للرّي، بقليل، ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، "توزيع المساحات المروية خلال موسم 2018-2017، حسب مصدر الري بالهكتار"، 2019/9/24، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/3x1DYAw

يتّضح من الجدول (5) أنّ المساحة المجهّزة والقابلة للرّي في تونس فاقت نصف مليون هكتار (524380 هكتارًا)، تتوزّع بين مساحات مروية عمومية (254000) ومساحات مروية خاصة (270000)، وفاقت المساحة المروية فعل 456000 ألف هكتار، كم ذكرنا آنفًا. كم يتّضح أن المساحة القابلة للرّي بوساطة الموائد الجوفية (آبار سطحية وعميقة) تمثّل 65 في المئة من المساحة الجملية. وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام أن الفلاحة المروية توفّر 37 في المئة من الإنتاج الزراعي، وتستغل 8 في المئة فقط من المساحة الصالحة للزراعة، وتوفّر 27 في المئة من مواطن الشغل في القطاع الزراعي، وتمثّل 20 في المئة من قيمة الصادرات التونسية، فإنّه يتّضحُ لنا نجاح الفلاحة المروية في المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي والتشغيل والتقليص من عجز الميزان التجاري الخارجي، لكن الوجه الآخر للعُملة هو الاستنزاف المتواصل للموارد المائية الجوفية وتدهور خصائصها. لهذه الظاهرة أسباب عدة، منها التجاء صغار المزارعين إلى استغلال متزايد من المياه للزيادة في الإنتاج، لتغطية نفقاتهم المتزايدة في المدخلات (وخصوصًا بعد الإصلاح الهيكلي الزراعي في عام 1986 وتراجع دور الدولة في هذا المجال)، أو لتسديد قروضهم البنكية، ومنها أيضًا الاستغلال المنجمي للموارد من كبار المستثمرين أصحاب الأصول الحضرية، أصحاب المستغلّت الرأسملوية والإنتاجوية. ويزداد الضغط على الموارد المائية الجوفية كلّم تتالت سنوات الجفاف وتراجع مخزون السدود، كم حدث في ثلاث سنوات متتالية (2018-2017-2016)، شمل الجفاف في الدرجة الأولى إقليم الشمل الذي لم تصِلْه إل 35 في المئة من الإمدادات العادية في عام 2015، و 42 في المئة في عام 2016 و 54 في المئة في عام 2017، ونزلت نسبة تعبئة سدّ سيدي سالم (أكبر السدود التونسية) إلى 37 في المئة في عام 2016-2015 من طاقته السنوية، ثم 21 في المئة في عام 2017-2016، ثم 20 في المئة في عام 2018-2017. ومن المنتظر أن تتفاقم هذه الظاهرة مع التغيّات المناخية المرتقبة. تحيلنا وضعية الموائد المائية الجوفية في تونس اليوم (كم في جلّ البلدان الموجودة في النطاق المناخي الجاف) إلى ظاهرة "تراجيديا المِلْك المشترَك" التي أثارها قارت هاردين، والمتَمثّلة في نظره بالتدهور الذي تشهده موارد محدودة عندما تستغلّها مجموعة بشرية من دون قيود، وتحدث التراجيديا عندما يلهث كلُّ فرد نحو مصلحته الخاصة. إنّ تراجع دور الدولة بعد الإصلاح الهيكلي الزراعي لم يتبعْه تدعيم كافٍ لصلاحيّات "الجمعيات المائية" التي بقيت رهينة الإدارة في التسيير والتدخّل التقني لصيانة الشبكات، كم أن ضُعْف الإدارة بعد ثورة عام 2011 فسح المجال لصراع غير متكافئ بين الفاعلين الكبار والصغار؛ ما فتح الباب أمام الاستراتيجيات الفردانية. في هذه الظروف، تبقى محاولات التحكّم في الطلب، عبر منع حفر آبار جديدة، محدودة الفاعلية أمام الضغط الاجتمعي، كذلك الأمر بالنسبة إلى الضغط على الطلب من خلال الزيادة في تسعيرة المياه؛ لأنّ كبار المستهلكين سيواصلون استنزاف الموارد، ما دام الإنتاج الزراعي قد وفّر أرباحًا.

2. الاقتصاد في مياه الري ومردودية المياه والتحكم في الطلب

وضعت الدولة منذ عام 1995 "البرنامج الوطني للاقتصاد في مياه الري"، بوصفه عنصرًا من عناصر سياسة التحكم في الطلب. جاء هذا البرنامج في ظروف تعاني تقادم شبكات الري في العديد من المناطق السقوية العمومية وتدنّ

ترجمتُنا لمصطلح capitalistique وproductiviste بالفرنسية، Capitalistic وProductivistic بالإنكليزية. Hamadi Habaieb, Gestion pluriannuelle des épisodes de crue et de sécheresse dans le nord de la Tunisie par référence aux années 2016-

17-18 (Tunis: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources Hydrauliques et de la Pêche, Bureau de Planification et

des Equilibres Hydrauliques, 2016), pp. 17-18. Garrett Hardin, "The Tragedy of the Communs," Science , vol. 162, no. 3859 (December 1968), pp. 1243-1248.

مردوديتها أحيانًا إلى دون 40 في المئة، وتزايد الطلب على الموارد، كم أشرنا سابقًا، وخصوصًا الطلب الزراعي. وفي تقييمٍ لهذا البرنامج في عام 2016، نلاحظ النتائج الإيجابية المسجّلة في الاقتصاد في مياه الري على مستوى المستغلّة، ويرجع ذلك إلى الحوافز المالية المهمة التي خصّصتها الدولة، بأخذها على عاتقها ما بين 40 و 60 في المئة من تكلفة تجهيز المستغلّة بمعدّات الاقتصاد في مياه الري، حيث وصلت نسبة المساحات المجهّزة 89 في المئة من المساحات القابلة للرّي، وانتقلت المساحات المجهّزة بمعدّات الاقتصاد في مياه الري من 127000 هكتار في عام 1995 إلى 405000 هكتار في عام 2016. وفي إطار تحسين مردود الشبكات، صدرت قوانين تفرض معاينة حالة الشبكات بصفة دورية من متخصصين وقع تكوينهم للغرض، بالنسبة إلى المساحات المروية التي يتجاوز استهلاك المياه فيها 5 ملايين متر مكعّب/ سنة، والمؤسسات الصحية التي تتجاوز 2000 متر مكعّب/ سنة، والصناعية التي يتجاوز استهلاكها 5000 متر مكعّب/ سنة. بيّنت دراسة أنجزتها وزارة الفلاحة أنّ هذا البرنامج مكّن من مضاعفة مردودية الري مرتين بالنسبة إلى الأعلاف والخضروات والأشجار المثمرة المروية. وبالتوازي مع ذلك، شهدت الفلاحة المروية خلال هذه الفترة تحولّات عميقة في أنظمة الإنتاج بتوجّهها أكثر فأكثر نحو الزراعات ذات القيمة المضافة المرتفعة (غلال غير فصلية، خُضَ وفواكه تحت البيوت المكيّفة، ريّ بالمياه الحارّة... إلخ). كم تزايدت مكانة القطاع الخاص في مختلف حلقات السلاسل الغذائية - الزراعية للاستجابة لحاجات الفلاحة المروية من معدّات الاقتصاد في الماء أو المدخلات أو الدراسات، أو بالاستثمر في الري والاستفادة من الامتيازات التي منحتها الدولة. ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى ما نراه عدم ترابط منطقي، أو عدم تناسق في السياسات العمومية فيم يتعلق بالمياه، بين سياسة التشجيع على الاقتصاد في المياه، التي انطلقت منذ عام 1995، والمضي قُدمًا، في الوقت نفسه، كم بيّنا سابقًا، في سياسة تهدف إلى مزيد من التحكم في العرض وتوفيره للاستجابة للطلب المتزايد، والناتج من التوسع المتزايد للمساحات المروية والحوافز العديدة الممنوحة للقطاع الخاص وكبار المستثمرين على الاستثمر في الفلاحة المروية. تستوجب مسألة مردودية الماء، التي أشار إليها تقييم البرنامج الوطني للاقتصاد في مياه الري في تونس، مزيدًا من التمعّن. فبحسب البنك الدولي، يمكن احتساب هذه المردوديّة مقارنة بالناتج الداخلي الخام، فهي عندئذ ب 18.4 دولارًا لكلّ متر مكعّب من المياه العذبة في عام 2015، على المستوى العالمي. في تونس، وبحسب المصدر نفسه، ينتج متر مكعب من المياه العذبة 14.5 دولارًا، وتوفير 1000 دولار يستوجب 68.4 مترًا مكعّبًا من المياه العذبة. لكن، إذا اعتبرنا مساهمة كلّ قطاع على حِدة في الناتج الداخلي الخام واستهلاكه للموارد المائية في تونس، فسيتّضح أن لمترٍ مكعب من الماء، استُعمِل في الصناعة، إنتاجية تفوق 2.6 مرّة إنتاجية متر مكعّب استُعمِل في السياحة،

"الرابحي: سنضع مخطط [كذا] عملي [كذا] للاقتصاد في الماء في القطاع الفلاحي"، وزارة الفلاحة، 2016/10/25، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/3zKqbAb République Tunisienne, Office International de l'Eau, Ministère de l'agriculture, Evaluation du programme d'économie d'eau en

irrigation (Tunis: 2016), accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3znYCfd السلسلة الغذائية - الزراعية هي ترجمتُنا لمصطلح agroalimentaire Filière بالفرنسية، وChain Agri-food بالإنكليزية. 35 أصبحت ب 20.8 دولارًا في عام 2017، ينظر: The World Bank, Water productivity, total (constant 2010 US$ GDP Per Cubic Meter of Total Freshwater Withdrawal) , accessed on

12/8/2021, at: https://bit.ly/2UKD52j Raoudha Gafrej, "L'eau en Tunisie: Découplage entre croissance et surconsommation," Kapitalis , 26/9/2017, accessed on

12/8/2021, at: https://bit.ly/3x5wQ6g

و 281 مرّة في الزراعة المروية. في هذه الحالة نفهم كيف أن 80 في المئة تقريبًا من الموارد المائية (وهو ما يخصّص للقطاع الزراعي في تونس) تُستعمل لإنتاج 15 في المئة من الناتج الداخلي الخام. نستنتج مم سبق أنّ الاقتصاد في مياه الري يجب أن يهدف (إضافة إلى ترشيد الاستهلاك في القطاع الزراعي) إلى تحسين مردودية المياه، مقارنة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى.

3. التغيرات المناخية مُعطى لا محيد عنه في إدارة الطلب على الموارد المائية

أصدرت تونس في عام 2019 "التقرير الثالث في إطار الاتفاق الإطاري للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية"، يمكن أن نقرأ فيه الملاحظتين التاليتين عن التغيرات المناخية في تونس: الأولى مفادها أن درجات الحرارة سجّلت منحى واضحًا نحو الارتفاع بحوالى 2.1 درجة مئوية في الفترة 2018-1978، ويهمّ الارتفاع المعدلات السنوية والقصوى والدنيا. في المقابل، ليس هناك منحى واضح لارتفاع معدلات التساقطات خلال الفترة نفسها، بل هناك تواتر أكبر للظواهر المناخية الاستثنائية كالجفاف والفيضانات. وتتعلّق الثانية بالإسقاطات المناخية في تونس إلى آفاق عامَي 2050 و 2100، حيث من المتوقع أن يتواصل ارتفاع درجات الحرارة في كلّ السيناريوهات المعتمدة: بين 1.4 و 1.8 درجة مئوية، إلى أفق عام 2050، وبين درجتين وثلاث درجات مئوية إلى أفق عام 2100 بالنسبة إلى السيناريو الأوّل، وبين 2 و 2.3 درجة مئوية إلى أفق عام 2050، وبين 4.1 و 5.2 درجة مئوية إلى أفق عام 2100 بالنسبة إلى السيناريو الثاني. بالنسبة إلى المعدلات السنوية للتساقطات، من المتوقع، بحسب السيناريو الأول، انخفاضها بنسبة تراوح بين 5 و 10 في المئة، إلى أفق عام 2050، و 5 و 20 في المئة إلى أفق عام 2100. أمّا السيناريو الثاني، فيُشير إلى انخفاضها بنسبة تراوح بين 1 و 14 في المئة إلى أفق عام 2050، وبين 18 و 27 في المئة إلى أفق عام 2100. وستختلف الوضعية بحسب الأقاليم؛ إذ سيسجل إقليمَ الوسط الغربي والجنوب الصحراوي ارتفاعًا أكبر لدرجات الحرارة من الأقاليم الشرقية الساحلية، وسيسجل إقليم الشمل الغربي أهم انخفاض لمعدلّات التساقطات (وهو اليوم كم ذَكرنا آنفًا، خزّان ماء البلاد التونسية). وللتغيرات المناخية المرتقبة في تونس تأثيرات عدة، مثل تراجع المدخرات المائية ونسبة الرطوبة في التربة؛ ما سيزيد من الالتجاء إلى مياه الموائد الجوفية التي ستشهد تفاقمً لانخفاض مستواها البيزومتري وارتفاع ملوحة مياهها، بصفة خاصة الموائد الساحلية. وسيحتد التنافس بين مختلف القطاعات المستهلكة للمياه، الذي ستحسمه الدولة بالضرورة لفائدة الاستهلاك الحضري. كم سيشهد الغطاء النباتي الطبيعي تدهورًا، سيؤدي بدوره إلى احتداد التعرية وفقدان أراضٍ زراعية خصبة، هذا من دون اعتبار انعكاسات أخرى سلبية ناجمة عن تفاعلات هذه العناصر.

United Nations Framework Convention on Climate Change, Troisième communication nationale de la Tunisie, au titre de la

convention cadre des Nations Unies sur les changements climatiques , p. 18, accessed on 21/8/2021, at: https://bit.ly/2ULeydt للتوضيح، القِيم الدنيا والقصوى المطلقة، absolu absolu-Maxima Minima بالفرنسية وmaximum minimum-Absolute Absolute بالإنكليزية هي أدنى وأقصى درجة حرارة سُجِّلت خلال فترة زمنية محددة (يوم أو شهر أو سنة أو عشرية أو قرن)، وتُعتَمد لدراسة الأرقام القياسية لدرجات الحرارة المسجلة. وتُعتبَر القِيَم الدنيا والقصوى المطلقة الشهرية الأكثر استعمالً؛ إذ تساعد السلاسل الإحصائية لسنوات عدة (30 على الأقل) في دراسة الظواهر الاستثنائية والتطرّفات المناخية وتطورها في الزمن، كما تُعتمَد مؤشًّا في تتبع التغيرات المناخية. سُمِّي السيناريو الأوّل 4.5 RCP والثاني Pathway Concentration Representative RCP= 8.5. RCP أعدّت بحسب توقعات تطور العوامل المؤثرة في التغيرات المناخية إلى أفق عام 2100، يُنظر:.Ibid., p. 21

لئن كان المجال في هذه الدراسة لا يسمح بالدخول في تفصيلات انعكاسات التغيّات المناخية وتفاعلات عناصرها، فإننا سنقف عند مسألة التأثيرات المرتقبة للتغيرات المناخية في الموارد المائية الجوفيّة. لقد بينّا في فقرة سابقة أنّ أغلبية الموائد المائية الجوفيّة، السطحية منها والعميقة، تشهد اليوم استغلالً مفرطًا أدّى إلى استنزاف مدخراتها وتسرّب المياه المالحة نحوها وتدهور خصائصها الكيميائية. وعلى الرغم من ذلك، يتواصل الضخّ من هذه الموائد اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، كم يتواصل حفر الآبار السطحية من دون ترخيص مسبق، حتى في "مناطق الحمية" أو "مناطق التحجير"، وبصفة خاصة في إقليم الوسط الغربي شبه الجاف والجنوب الغربي الصحراوي، وهي الأقاليم الأشد تضررًا من الانعكاسات المرتقبة للتغيرات المناخية. هذه الوضعية شبيهة إلى حدّ بعيد بما وصفه توشار شاه حول حالة الموائد الجوفية في جنوب آسيا، التي تتعرّض للاستغلال المفرط من مزارعين فقراء التجؤوا إلى الري لتحسين وضعهم الاجتمعي، لكن أيضًا من كبار المزارعين، مع تفاوت كبير في الإمكانات بينهم؛ ما خلّف نوعًا من الفوضى. وتتجسّد الفوضى التي أشار إليها شاه في عنوان كتابه السيطرة على الفوضى من خلال التسابق والتنافس، من دون قيود لاستغلال الموارد الجوفية، انتهى إلى فائدة كبار المزارعين على حساب صغارهم، واستنزاف الموارد المائية وإنهاك التربة وتملّحِها، انعكست نتائج ذلك، في الدرجة الأولى، على صغار المزارعين في غياب الدور الرقابي والتعديلي للدولة أو ضُعفِه. وتذكّرنا هذه الوضعية ب "تراجيديا المِلْك المُشترَك" التي أشرنا إليها في فقرة سابقة، لكنّها تبيّ أيضًا أنّ الحلول الفردية (حتى ولو كانت عقلانية والمتمثّلة بالتسابق المشار إليه)، لإدارة موارد مشتركة، كالموارد المائية، تؤدي إلى انعكاسات بيئية كبيرة يمكن أن تأخذ صبغة الكارثة. وعلى عكس ما ذهبت إليه نظرية "تراجيديا المِلْك المُشترَك"، ترى إيلينور أوستروم أنّه لا يمكن الدولة ولا القطاع الخاص (أو قانون السوق) إيجاد الحلول للإشكاليات الناجمة عن الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية بصفة عامة والموارد المائية بصفة خاصة، بل إنّ الموارد المُشترَكة يمكن أن تديرها الجمعيات المدنية المتطوّعة، التي تضع قواعد الاستخدام المستدام، بطريقة أنجع من الدور الزجري للدولة. ينطبق ما سبق، تمامًا، على وضعية الموائد الجوفية في الوسط الغربي والجنوب التونسي، التي شهدت استغلالً مفرطًا كم بيّنا. ولئن أدّت سياسة الدولة في إدارة الموائد المائية في هذه الأقاليم إلى نجاحات على المستوى الإداري والتقني، تبرز مثلً من خلال توسّع المساحات المروية في أقاليم جافة، أو صحراوية، فإنّها لم تستطع كَبْح تسابق صغار المزارعين وكبار المستثمرين، كلّ بحسب وسائله، نحو حفر الآبار والاستثمر في الفلاحة المروية، وبصفة خاصة في سهلَ القيروان وسيدي بوزيد في الوسط الغربي وجهة نفزاوة في الجنوب الغربي. والملاحظ أنّ الإدارة الرسمية للمياه تنعَت

Tushaar Shah, Taming the Anarchy: Groundwater Governance in South Asia (Washington: Resources for the Future; Colombo:

International Water Management Institute, 2009), pp. 2, 187. "السيطرة على الفوضى" هي ترجمتُنا لعنوان الكتاب Taming the Anarchy المشار إليه كاملً في الهامش السابق. اهتمّت أشغالها بنظريات العمل الجماعي والمشترك وسبُل إدارة المِلْك المشترك والمِلْك العمومي والموارد الطبيعية ذات المِلْكية المشتركة. 43 ينظر: Elinor Ostrom, Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Actions (Cambridge: Cambridge University Press, 1995). يعدّ الوسط الغربي 158930 هكتارًا مرويًّا، 78 في المئة منها مساحات خاصة، يقع ريّها بوساطة 17848 بئرًا سطحية و 3753 بئرًا عميقة؛ ويعدّ الجنوب الغربي 87179 هكتارًا، 70 في المئة منها خاصة، يقع ريّها بوساطة 11589 بئرًا سطحية و 10489 بئرًا عميقة. إحصاءات عام 2019. الإحصاءات من تجميع الباحث لمواقع محافظات سيدي بوزيد والقصرين والقيروان، مجال تدخّل ديوان التنمية للوسط الغربي، ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، ديوان تنمية الوسط الغربي، "ولاية القصرين في أرقام"، 2019، شوهد في 2021/8/30، في: https://bit.ly/3kzy9Gm؛ ومحافظات توزر وقفصة وقبلي مجال تدخّل ديوان تنمية الجنوب، ينظر: موقع ديوان تنمية الجنوب، 2019، شوهد في 2021/9/19، في: https://bit.ly/3jPuWC8

هذه الآبار ب "العشوائية" (أي أُنجِزت من دون ترخيص)، لكن تعمل في الوقت نفسه، بحسب الضغط الاجتمعي، على تسوية وضعية بعض منها. وفي تقديرنا، لن تتمكّن الإجراءات الزجرية من "السيطرة على الفوضى"، بل نعتقد أن من الضروري مزيدًا من تفعيل دور المجتمعات المحلية في إدارة الموارد المائية، هذا الدور الذي تقلّص إلى حدّ الاضمحلال أحيانًا حينم أخذت الدولة على عاتقها وتحت سيطرتها، كلّ ما يتعلّق بتعبئة الموارد المائية وإدارتها.

ثالثًا: بدائل لحكامة جديدة للموارد المائية يف تونس

1. الموارد المائية والتنمية: بناء علاقة جديدة

اقترنت التنمية الاقتصادية والاجتمعية التي عرفتها البشرية منذ قرنين (على الأقل منذ الثورة الصناعية الأولى) باستهلاك متزايد للموارد الطبيعية بمختلف أصنافها. وعلى الرغم من الانعكاسات الإيجابية على مستوى العيش والرفاهية، فإن ذلك أدى في أغلب الأحيان إلى انعكاسات بيئية سلبية، من دون اعتبار الفوارق الواسعة في مستويات التنمية واستهلاك الموارد بين البلدان على الصعيد العالمي. وجرى تشبيه هذه الانعكاسات ب "البَصمة الإيكولوجية" التي يمكن تعريفها بالمساحة من الأرض المُنتِجة، واللازمة لإنتاج ما تحتاج إليه مجموعة بشرية في مكان ما في العالم، وذات مستوى عيش معيّ، للاستجابة لكلّ طلباتها في الاستهلاك ومعالجة النفايات. ولقد بيّنت دراسات عدة أنّ البصمة الإيكولوجية الناجمة عن استغلال الموارد الطبيعية تتجاوز إمكانات الكرة الأرضيّة. وإذا اعتبرنا مكانة الموارد المائيّة في السياسات التنموية في عديد البلدان، وخصوصًا منها المفتقِرة إلى موارد طاقية، والموجودة في النطاق المناخي الجاف، نفهم أبعاد مفهوم "البَصمة المائية" التي يمكن تعريفها بالحجم الافتراضي من المياه العذبة، اللازم لإنتاج سلعة أو خدمة ما، ومن ثمّ يمكن اعتبار هذا المفهوم أحد مكوّنات البصمة الإيكولوجية. ويُعتبر أرجين هوكسترا، من جامعة تونتي Twente في هولندا، أوّل من تحدّث عن هذا المفهوم، باعتباره يساهم في فهم البصمة الإيكولوجية ودراستها من زاوية أثر النشاطات البشرية في موارد المياه العذبة كميًّا ونوعيًّا. وطوّر هذا الباحث منهجية لاحتساب البصمة المائية في النشاط الزراعي ككلّ، أو في أيّ نشاط فرعي، بحسب ما يتمّ استهلاكه في كلّ مرحلة من مراحل الإنتاج، وميّز هنا بين "المياه الزرقاء" وهي المياه السطحية والجوفية، و"المياه الخضراء" وهي

وُجِدت في تونس منذ الفترة الاستعمارية "الجمعيات ذات المصلحة المشتركة"، اهتمت بتسيير بعض مصادر المياه، كالعيون في الجنوب، وبعض المساحات المروية العمومية، ثم بعد عام 1987 ستترك مكانها ل "مجامع التنمية الفلاحية"، وبلغ عددها 1355 في عام 2018 (حوالى 200 في عام 1995)، تُدير حوالى 220000 هكتار من المساحات السقوية العمومية، ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، "قائمة شركات الإحياء والتنمية الفلاحية الناشطة 2019"، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/3BXiWXB ترجمتُنا لمصطلح Footprint Ecological الذي عبّ عنه وليام ريس منذ عام:1992، يُنظر William E. Rees, "Ecological Footprints and Appropriated Carrying Capacity: What Urban Economics Leaves out," Environment and

Urbanization , vol. 4, no. 2 (1992), pp. 121-130. تطوّر هذا المفهوم أكثر مع نشر أطروحة دكتوراه، نشرت على هيئة كتاب: Mathis Wackernagel & William Rees, Our Ecological Footprint: Reducing Human Impact on the Earth (Gabriola Island, Canada: New

Society Publishers, 1996). أسس ماتيس فاكرناقل منذ عام 2003 شبكة إلكترونية Network Footprint Global تنشر دراسات دورية حول البصمة الإيكولوجية بحسب البلدان. Arjen Hoekstra, The Water Footprint of Modern Consumer Society , 2 nd ed. (Oxon/ New York: Routledge, 2020). يمكن الاطلاع على هذه المنهجية وعديد الدراسات التطبيقية على شبكة Network Footprint.Water

مياه الأمطار التي تتسرّب في التربة وتساهم في رطوبتها ويتبخّر جزء منها، و"المياه الرمادية" أو المياه المستعملة. وقدّرت "شبكة البصمة المائية" Network Footprint Water البصمة المائية في تونس بحوالى 2217 مترًا مكعّبًا/ سنة/ ساكن (أي 21 مليار متر مكعّب/ سنة)، وهي أعلى من المعدّل العالمي بنسبة 60 في المئة، وهو ما يعادل خمسة أضعاف الموارد المائية التونسية، تستورد تونس منها 8.3 مليارات متر مكعّب/ سنة في شكل حبوب وأعلاف وزيوت نباتية وسكر، وتصدّر 2.5 مليار متر مكعّب/ سنة (زيت زيتون، قوارص، تمور، باكورات... إلخ). يبرّر ما تقدّم، في نظرنا، أن تأخذ سياسة التحكم في الطلب على الموارد المائية في تونس في الحسبان ضرورة التحكم في البصمة المائية للتقليص منها. ويمكن أن يتمّ ذلك التحكم بوسائل عدة، نذكر منها أولً ضرورة الفصل بين التنمية بصفة عامة وحتمية الاستغلال المتزايد للموارد المائية. وفي هذا الصدد، لا بدّ من القطع مع استراتيجيات التنمية الإقليمية القائمة على استغلال الموارد المائية للري، فحسب، كم هو الأمر في الجنوب الغربي التونسي ذي المناخ الصحراوي، أو الوسط الغربي ذي المناخ شبه الجاف، والعمل على تجسيم مشروع ترابي في هذه الأقاليم، يستند إلى مقومات عدة للتنمية، منها الماء والسياحة الصحراوية والثقافية والصناعات التقليدية وغيرها، يكون للفاعل المحلّ دور مهم فيها. ويستند أيضًا إلى تثمين أفضل لمنتجات الفلاحة المروية على عين المكان من خلال الصناعات الفلاحية - الغذائية؛ ما يمكّن من تحسين دخْل الفلاحين من دون الالتجاء إلى مزيد من توسيع المساحات المروية ومزيد من استهلاك المياه. ونذكر ثانيًا ضرورة تثمين "المياه الخضراء" بوساطة المنشآت الصغرى للتحكم في سيلان مياه الأمطار وتخزينها في الموائد وتحسين الغطاء النباتي الطبيعي في المراعي. تساهم هذه المنشآت أيضًا في زيادة حصيلة الرطوبة في التُّب؛ ما يؤدّي إلى تحسين مردود الفلاحة المطَرية، ومن ثم خفض التبعية للمياه الافتراضية الناجمة عن توريد الحبوب، وخصوصًا أنّ زراعة الحبوب المطرية في تونس تمسح 1.4 مليون هكتار، والمروية 100000 فقط. ويؤدّي تثمين المياه الخضراء أيضًا إلى مردود أفضل لعديد الغراسات المطرية، وبصفة خاصة الزياتين. ونذكر ثالثًا وأخيرًا ضرورة التوعية البيئية بأهمية المحافظة على المياه، والتأقلم من جديد مع ندرتها في طريقة العيش، وفي التعامل مع الماء.

Mesfin M. Mekonnen & Arjen Y. Hoekstra, "National Water Footprint Accounts: The Green, Blue and Grey Water Footprint of

Production and Consumption, vol. 1: Main Report," Research Report Series , no. 50, Value of Water, UNESCO- Institute for Water (May

2011), accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3iUVHEM تتوافر تفصيلات عن الميزان التجاري الغذائي التونسي في موقع "المرصد التونسي للفلاحة"، ينظر: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources Hydrauliques et de la Pêche, La balance commerciale alimentaire

année 2020 , observatoire national de l'agriculture (Tunis: 2021), pp. 2-3, accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/3l6UmgG نعني بالفصل هنا ما يعبّ عنه المتخصصون في السياسات الاقتصادية ب Découplage بالفرنسية وDecoupling بالإنكليزية. ذكرنا الجنوب الغربي على سبيل المثال، لكن الأمر ينطبق على كلّ أقاليم البلاد التونسية. بلغ إنتاج الحبوب في تونس، بحسب موقع وزارة الفلاحة، 21.3 مليون قنطار في عام 2019-2018، ويتميّز الإنتاج بشدّة التغاير السنوي (10.8 ملايين قنطار في عام 2010 – 29 مليون قنطار في عام 2003). تستورد تونس 85 في المئة من حاجاتها من القمح الليّ70 في المئة من الشعير، و 33 في المئة من، و القمح الصُّلْب، وهو ما يمثّل من 40 إلى 50 في المئة من قيمة الواردات الغذائية في تونس. ينظر: Organisation des Nations Unies pour l'alimentation et l'agriculture, Analyse de la filière céréalière en Tunisie et identification des

principaux points de dysfonctionnement à l'origine des pertes (Rome), accessed on 12/8/2021, at: https://bit.ly/2VGi0pH تمسح غراسات الزياتين في تونس 1.8 مليون هكتار (95 في المئة منها مطرية) وتعُد 80 مليون شجرة، تنتج تونس 6 في المئة من الإنتاج العالمي، وتؤمّن 20 في المئة من صادرات العالم من زيت الزيتون، ينظر: , accessed on 16/9/2021, at: https://bit.ly/3BfUXl8 onagri."La filière huile d'olive en chiffres,"

2. مصادر المياه غير التقليدية: الإمكانات والحدود

التجأت تونس بصفة مبكرة نسبيًّا إلى مصادر المياه غير التقليدية، لكن بصفة محدودة كميًّا ومكانيًّا، وذلك حينم التجأت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه إلى تحلية المياه المالحة لتزويد جزر قرقنة (1983) ثمّ مدينة قابس (1995) وجرجيس (1999) ثم جزيرة جربة (2000)، ولم يتجاوز إنتاج هذه المحطات 77600 متر مكعّب/ يوم، والقاسم المشترك بين هذه المواقع هو افتقارها إلى مصادر مياه عذبة صالحة للشرب. وفي عام 2017، أصبح عدد المحطات 16 محطة، كلّها في الجنوب، بطاقة جملية لا تتجاوز 115000 متر مكعّب/ يوم. ولقد أملت هذا التوجّه الوضعية الخاصة للجزر وعديد المدن الصغرى في الجنوب الغربي التونسي المفتقِرة إلى مصادر مياه تقليدية يمكن استعملها للشرب. وللأسباب نفسها، ستواصل الشركة تزويد مدن أخرى في الجنوب من مياه محطات تحلية حتى أفق عام 2025، بطاقة إنتاج إضافية تقدّر ب 31000 متر مكعّب/ يوم. ويكمن التحدّي اليوم في الاستجابة لحاجات مدن كبرى في الجنوب، مثل صفاقس، أو في الساحل الشرقي، مثل سوسة، من مياه صالحة للشرب من مصادر غير تقليدية؛ إذ شهدت هذه المدن انقطاعًا متكرّرًا للتزوّد بالمياه الصالحة للشرب، وخصوصًا في فصل الصيف وأوقات الذروة. لهذه الأسباب، برمجت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه إنجاز محطة في سوسة في عام 2021 (50000 متر مكعّب/ يوم، ثمّ توسعتها إلى 100000)، وأخرى في صفاقس في عام 2023 (100000 متر مكعّب/ يوم ثم توسعتها إلى 200000). وقد يكون، في تقديرنا، الالتجاء إلى تحلية المياه مبرّرًا لتزويد الجزُر أو بعض المدن الصغرى في الجنوب التونسي، التي تفتقر إلى مصادر مياه تقليدية صالحة للشرب وبعيدة بموقعها الجغرافي عن شبكة التحويل، لكنّ التبرير في حالات أخرى صعب؛ لأنّ اللجوء إلى تحلية المياه (ومن ثم الزيادة في العرض) لا بدّ من أن يصاحبه ضغط على الطلب من خلال تطبيق التعريفة الحقيقية للمياه وتحسين نجاعة الشبكات، في بلد مثل تونس لا يمتلك ثروة نفطية ويسجّل عجزًا كبيرًا في ميزانيته الطاقية. تُعدّ تعريفة مياه الشرب في نظرنا من أهم وسائل الضغط على الطلب المتزايد على الماء الصالح للشرب، حيث تجاوز عدد المشتركين في الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه 2.9 مليون مشترك، بعد أن كان 1.7 مليون مشترك في عام 2002، وبلغ حجم المياه الموزّعة في شبكة المياه الصالحة للشرب 647 مليون متر مكعّب في عام 2019 (349 مليون متر مكعّب في عام 2002). وتخضع تعريفة مياه الشرب في تونس لقرار سياسي، في حين تخضع تعريفة مياه الري لوزارة الفلاحة، وفي كلتا الحالتين لا ترتبط بتكلفتها الحقيقية ومعايير النجاعة الاقتصادية، بقدر ما ترتبط بالضغوط الاجتمعية. وتتحمّل الدولة الجزء الأكبر من تكلفة التعبئة والنقل وشبكات التوزيع والصيانة والطاقة اللازمة لكلّ هذه المراحل. ولئن اختلفت تعريفة مياه الري بحسب الأقاليم ومصدر المياه، فإنّ تعريفة مياه الشرب موحّدة في كامل البلاد، ولا تختلف إلّ في مستويات الاستهلاك، حيث يساهم كبار المستهلكين في تحمّل جزء من عبء صغار

أُسّست في عام 1968، مهمّتها "تجميع المياه الجوفية والسطحية ومعالجة المياه كي تصبح صالحة للشرب، بالإضافة إلى جلب المياه من موقع المعالجة إلى خزانات التوزيع، وتوزيع المياه على المشتركين وما يتبعها من أشغال الصيانة والتجهيز والتصرف التجاري". للمزيد، ينظر: الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، "الصبغة القانونية والمهام"، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/373jCw7 قبل عام 2000 ات قرقنة: محطّ (3600 ل/ يوم)، قابس (34000)، جرجيس (15000)، جربة (20000). بعد عام 2000: توسعة محطة جربة (5000)، بن قردان (1800)، مارث (5000)، مطماطة (5000)، دوز (4000)، قبل (6000)، سوق الأحد (4000)، بلخير (1600)، توزر (6000)، بني خداش (800)، حزوة (800)، ونفطة (4000). ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون المحلية والبيئة، التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة (تونس: 2017)، ص 60-59، شوهد في 2021/9/20، في: https://bit.ly/3zw5wPS 58 المرجع نفسه، ص.60 République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture et des Ressources en Eaux, Stratégie du secteur de l'eau (Tunis: 2017), p. 74.

المستهلكين من خلال التعريفة التصاعدية. ولأسباب سياسية عدة، لا يسمح المجال هنا للخوض فيها، لا يوجد اليوم في تونس حوار وطني حول ضرورة تعديل التعريفة بحسب التكلفة، وبطريقة تضمن تواصل إسداء الخدمة، كم أنّ أطرافًا اجتمعية عدة تعارض صراحةً السمح للشركات الخاصة، سواء أكانت محليّة أم أجنبية، بالاستثمر في خدمة توزيع الماء الصالح للشرب، أو جزء منها؛ لأنّ ذلك سيؤدي حتمً إلى ارتفاع تسعيرة المياه. تملك تونس تجربة عمرها يقارب خمسة عقود في مجال معالجة المياه المنزلية المستعملة وإعادة استعملها، يمكن تدعيمها مستقبلً بوصفها عنصرًا من عناصر الضغط على الطلب على مصادر المياه التقليدية. ويمكن تلخيص إيجابيات هذه التجربة في نقطتين: تخصّ الأولى الجانب التشريعي والمؤسساتي، حيث أنشأت منذ عام 1974 مؤسسة عمومية هي الديوان الوطني للتطهير، كم تبنّت تونس منذ عام 1989 معايير إعادة استعمل المياه المطهَّرة في النشاط الزراعي المصدّق عليها من منظمة الصحة العالمية، التي وقع تدقيقها في عام 2000 ثم في عام 2006. لقد أصدرت تونس قوانين صارمة، وحدّدت قائمة مضيّقة لمجالات إعادة الاستعمل الزراعي للمياه المعالجة؛ ما دعّم مقبولية ذلك لدى عموم الناس. أمّا النقطة الثانية، فتتعلّق بالحصيلة الإيجابية للإنجازات، حيث تطوّر عدد محطات معالجة المياه من 49 محطة في عام 1996 إلى 109 محطات في عام 2018، وحجم المياه المعالجة من 116 إلى 274 مليون متر مكعّب في المدة نفسها. في المقابل، تبقى إعادة استعمل المياه المطهّرة في النشاط الزراعي في تونس محدودة، لا تتجاوز 10 في المئة من الحجم الجملي للمياه المطهّرة في عام 2018 (25.1 مليون متر مكعّب من جملة 274)، كم لا تزال المساحة المروية بهذا الصنف من المياه محدودة جدًّا (المساحة المهيَّأة: 8532 هكتارًا في عام 2018) وأسعار بيع المياه متدنية جدًّا.

3 ي. الإنصاف الترابي: عنصر أساس لرؤية بديلة واجتمعية لإدارة الموارد المائية على المدى البعيد

لا يمكن، في اعتقادنا، بناء استراتيجية مستقبلية لإدارة الموارد المائية على المدى البعيد، من دون أن تؤخذ في الحسبان حصيلة سياسات إدارة الموارد المائية، وحدث تاريخي مهم أيضًا هو الثورة التونسية (كانون الأول/ ديسمبر -2010

تتولّ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بالبلاد التونسية بيع مياه الشرب للمرتبطين بالشبكة بالتسعيرة نفسها، مهما كان مصدر المياه وتكلفتها في كلّ الأقاليم، وذلك من منظور التكافل الاجتماعي. لكن تختلف التسعيرة بصفة تصاعدية، لتحفيز المستهلكين على الاقتصاد في المياه، فتكاد تكون رمزية، لعشرين مترًا مكعّبًا في الثلاثية (وهي الكمية التي تعتبر أساسية لعائلة محدودة الدخل)؛ إذ هي ب 200 مليم للمتر المكعّب؛ ثم تصبح ب 665 مليمً بالنسبة إلى كامل استهلاك المشترك، إذا فاق 20 مترًا مكعّبًا وقلَّ، أو ساوى 40 مترًا مكعّبًا في الثلاثية، ثم 810 مليمات للمتر المكعّب بالنسبة إلى كامل استهلاك المشترك إذا فاق الاستهلاك 40 مترًا مكعّبًا وقلَّ، أو ساوى 70 مترًا مكعّبًا في الثلاثية؛ ثم 1120 مليمً للمتر المكعّب إذا فاق استهلاك المشترك 70 مترًا مكعّبًا وقلَّ، أو ساوى 100 متر مكعّب في الثلاثية؛ ثم 1290 مليمً للمتر المكعّب بالنسبة إلى كامل استهلاك المشترك إذا فاق 100 متر مكعّب وقلّ، أو ساوى 150 مترًا مكعّبًا في الثلاثية؛ ثم 1430 مليمً بالنسبة إلى كامل استهلاك المشترك إذا فاق الاستهلاك 150 مترًا مكعّبًا وقلَّ، أو ساوى 500 متر مكعّب في الثلاثية؛ ثم 1620 مليمً بالنسبة إلى كامل استهلاك المشترك إذا فاق الاستهلاك 500 متر مكعّب في الثلاثية. وحددت تسعيرة الماء للاستهلاك السياحي ب 1620 مليمً للمتر المكعب. تُضاف الضريبة على القيمة المضافة إلى معلوم الاستهلاك في كلّ الحالات. ملاحظة: 1 دينار تونسي= 1000 مليم. يتمّ ضبط التسعيرة بقرار من وزير الفلاحة والموارد المائية، وما أوردناه هو آخر تحديد لها، في 21 أيار/ مايو 2021، ينظر: "قرار من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري مؤرخ في 19 ماي 2021 يتعلق بتحديد سعر الماء الصالح للشرب"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 43، 2021/5/21، شوهد في 2021/9/19، في: https://bit.ly/3zJTVg2 هو المتدخل في قطاع تطهير المياه المستعمَلة والمتدخل الرئيس في حماية المحيط المائي ومقاومة مصادر التلوّث. République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Stratégie du secteur de l'eau (Tunis: 2017), p. 122. تراوح أسعار بيع المتر المكعّب من المياه المطهّرة بين 20 و 60 مليمً، وتتوزّع المساحة المهيَّأة للري (8532 هكتارًا) على 32 منطقة سقوية منتشرة في كامل البلاد، توجد أهمها في إقليم تونس العاصمة:برج الطويل وسكرة: 3554 هكتارًا؛ بن عروس: 1087 هكتارًا. وتُنتج تونس الكبرى (العاصمة وضواحيها) 41 في المئة من المياه المعالجة للبلاد. ينظر: 99 p..Ibid., وزارة الفلاحة والموارد المائية هي اليوم بصدد إعداد دراسة استراتيجية للموارد المائية إلى أفق عام.2050

كانون الثاني/ يناير 2011) وما صاحبها من مطالب بتحقيق التنمية والعدالة، ومطلب مزيد المشاركة المواطنية عبر الجمعيات في إدارة الشأن العام، وما جاء به الدستور التونسي في عام 2014 الذي أكّد في الفصل 13 أنّ "الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليه باسمه"، وفي الفصل 44، أنّ "الحق في الماء مضمون". حتّمت هذه الحقوق الدستورية الجديدة مراجعة القوانين المعمول بها في سياسات إدارة الموارد المائية، وبصفة خاصة، مجلّة المياهلعام  1975 التي احتوت في مجملها على قوانين تخصّ سياسة إدارة العرض، بينم بقي العديد من فصولها غير مفعّل، على غرار الفصل 19 الذي يُقرّ إحداث "المجلس الوطني للمياه"، والفصلين 96 و 102 المتعلّقين بتثمين المياه. نعتقد أن من المفيد الوقوف على محتوى مجلّة المياه الجديدة، التي بدأ الإعداد لها في الحقيقة منذ عام 2009، والتي صدّقت الحكومة التونسية على نسختها الأخيرة في 27 تموز/ يوليو 2019، وفي انتظار التصويت عليها من مجلس نواب الشعب. ويعود تأخير التصويت على هذا القانون إلى الجدل الكبير الذي أثاره في مجلس نواب الشعب، وفي المجتمع المدني، نذكر منه هنا، بصفة خاصة، نقطتين (لضيق المجال): الأولى تتعلق بعدم تناسق الفصل 3 من المشروع الذي ينصّ على جعل الماء "متاحًا"، أي في حدود الإمكانات المتاحة للدولة، مع الفصل 44 من الدستور الذي ينصّ صراحة على "ضمن" الحقّ في الماء. أمّا الثانية، فتتعلّق بإمكان تخلّ الدولة عن دورها في بعض الأقاليم، أو في بعض المدن، لفائدة شركات خاصة في خدمة توزيع الماء الصالح للشرب، بحسب المشروع الجديد، التي اعتبرها عديد الأطراف مقاربة ربحية غير منصِفة للفئات الاجتمعية قليلة الدخل. من بين هذه الأطراف، "المرصد التونسي للمياه" الذي يطالب ب "ربط المورد المائي بمفهوم العدالة الاجتمعية لتحقيق التوزيع العادل لهذه الثروة بين الأفراد والجهات"، ومجانية ما سمّه "الكمية الحياتية" من المياه، وضرورة توفير خدمة معالجة المياه المستعملة في الوسط الريفي وتطبيق مبدأ "العُهدة على المُلَوّث" لحمية الموارد المائية. ونشر المرصد على موقعه الرسمي عددًا من الدراسات المواطنية حول المياه في تونس. من المفيد الوقوف هنا على مطلب "العدالة" في توزيع الثروة المائية بين الأفراد والجهات الذي طالب به المرصد المذكور. فإذا اعتبرنا التباينات الطبيعية في توزيع الموارد المائية، مهم كان المقياس الجغرافي المعتمَد لذلك، لوجدنا أن مفهوم "العدالة" هو أقرب إلى الطوباوية من الواقع، حيث تجعل المعطياتُ المناخية والطبوغرافية وظروف السيلان وغيرها توزيعَ الموارد بالضرورة غير عادل، ومن ثم، فإنّ الأقرب إلى التحقيق هو "الإنصاف". فبالرجوع إلى المعجم النقدي

الجمهورية التونسية، دستور تونس الصادر عام 2014، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/3jMVjZo "قانون عدد 16 لسنة 1975، مؤرخ في 31 مارس 1975 يتعلّق بإصدار مجلّة المياه"،  الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد  22، 1975/4/1، شوهد في 2021/8/16، في: https://bit.ly/3udJa4B ونشر في كُتيّب: الجمهورية التونسية،  مجلّة المياه  (تونس: المطبعة الرسمية للبلاد التونسية، 2008). من المفروض أن يبدي المجلس رأيه في السياسة المائية، لكنّه لم يحدث، كذلك الفصول المذكورة التي أقرّت مبدأ التثمين الأقصى لاستعمال الموارد المائية بشروط اقتصادية مقبولة، وأن تكون إحالة المياه من حوض إلى آخر مسبوقة بدراسة تثبت أنّ ذلك هو أحسن تثمين للمياه. مشروع قانون أساسي عدد /66 2019. بدأت مناقشته ضمن لجنة الفلاحة والأمن الغذائي بمجلس نواب الشعب في.2021/1/20 يعرّف المرصد التونسي للمياه نفسه بأنه "مشروع جمعياتي يعنى بالنظر في كل الإشكاليات والقضايا المتعلقة بحق الولوج إلى المياه في تونس، بالإضافة إلى رصد ومتابعة مدى تطبيق الالتزامات الوطنية والدولية من كافة الأطراف المتدخلة في قطاع المياه". ينظر "المرصد التونسي للمياه"، شوهد في 2021/9/27، ف:ي https://bit.ly/3EVrOyg ينظر هذه الدراسات، في موقع المرصد التونسي للمياه، شوهد في 2021/9/27، في: https://bit.ly/3BOACEI

للمصطلحات الجغرافية، نقرأ ما يفيد أن مفهوم الإنصاف يعني "اقتسامًا متساويًا أو معتبرًا كعادِل، وهذا المفهوم في معناه هو أضعف من مفهوم العدالة، لكنه أكثر قابلية للتطبيق منه، وربّا كان أخلاقيًّا أكثر، وهو مقابل لمفهوم التباين، ويفيد بالإنكليزية توزيعًا معقولً للخيرات بين السكان، وربّا بين الأماكن ". ولقد طمحت الدولة التونسية، من خلال سياسة إرادية لإدارة الموارد المائية منذ ما يزيد على خمسة عقود، إلى تعبئة قصوى للموارد المائية المتاحة والتحكم في العرض، للاستجابة للطلب في مختلف القطاعات والأقاليم. في هذا السياق، يمكن اعتبارُ تحويل المياه من الأقاليم، التي تسجّل فائضًا في كمياتها (الشمل الغربي)، إلى الأقاليم التي تشكو عجزًا فيها (الأقاليم الساحلية)، محاولةً من الدولة لتحقيق نوع من "الإنصاف المائي". لكن، في المقابل، يتطلّب "الإنصاف الترابي" أو "الإنصاف الإقليمي" أن تقوم الدولة بدورها التعديلي، وذلك بإعادة توظيف جزء من الخيرات والعائدات التي وفّرتها الموارد المائية في الأقاليم الساحلية، في الأقاليم الداخلية التي تشكو عجزًا في كلّ مؤشرات التنمية. وعلى الرغم من أنّ مردّ هذا العجز لا يرتبط بتحويل المياه فقط، بل بسياسات التنمية والتخطيط الإقليمي في مجملها منذ عقود، حيث تعدّدت بعد الثورة الاحتجاجات الاجتمعية في الأقاليم الداخلية للمطالبة "برفع المظلمة"، لا يتردّد بعض سكان المناطق الداخلية في ربط مشكلات التنمية فيها وتدنّ مستوى العيش بتحويل جزء من مواردها المائية نحو الأقاليم الساحلية. مهم يكن من أمر، لا بدّ، في نظرنا، من الإشارة إلى النقاط التي تبدو لنا إيجابية في مشروع مجلّة المياه الجديدة التي يمكن البناء عليها، بوصفها عنصرًا من عناصر السياسة المائية المستقبلية في تونس. أوّلها إرساء "مجالس إقليمية للمياه" تكريسًا لمبدأ اللامركزية الذي تضمّنه دستور عام 2014 وتشريكها، إلى جانب المجتمع المدني ومستعملي المياه في تصوّر السياسات المائية، وإحداث "الهيئة الوطنية التعديلية لخدمات المياه"، وتضمّن ثانيًا مجموعة من الإجراءات للتصرف في الحالات القصوى الناجمة عن الجفاف الاستثنائي أو الفيضانات، وثالثًا إلزامية نشر المعلومة المتعلقة بالمياه وضمن حق النفاذ إليها، وتدعيم الجانب الزجري عندما يتعلق الأمر بالاعتداء على الملك العمومي للمياه وإحداث "الوكالة الوطنية لحمية الملك العمومي للمياه واستغلاله".

خاتمة

نستخلص من هذه الدراسة أن البلاد التونسية، بحكم موقعها الجغرافي وظروفها المناخية، تعاني قلّة الموارد المائية، التي تقدّر ب 4.8 مليارات متر مكعّب، 2.7 منها مياه سطحية، وبعدم التوازن بين الأقاليم التي تتوافر فيها المياه

Roger Brunet, Robert Ferras & Hervé Théry, Les mots de la géographie: Dictionnaire critique (Paris: La Documentation Française,

1992), p. 191. استعملَ هذا المعجم الفرنسي مصطلح Equité التي ترادف Fairness بالإنكليزية. Welfare هو المرادف الإنكليزي الذي استعمله المعجم الفرنسي المذكور. 74 Brunet, Ferras & Théry. على سبيل المثال، شهدت تونس في عام 2020، على الرغم من الحجر الصحي والإجراءات المصاحبة، 399 ا احتجاجيًا مطالبًا بالحق في الماء، وذلكتحركً بحسب دراسة "التقييم المواطني للماء في تونس" التي أنجزتها جمعية "نوماد 08 "، ينظر: حسين الرحيلي، التقييم المواطني للماء في تونس: من أجل الحق في الماء، موقع الاتحاد العربي للنقابات، 2021/1/20، شوهد في 2021/8/12، في: https://bit.ly/3tX0bjq كما أُسّس في تونس بعد الثورة المرصد التونسي للمياه، ويعرّف نفسه في موقعه بأنه "مشروع جمعياتي يُعنى بالنظر في كل الإشكاليات والقضايا المتعلقة بحقّ الولوج للمياه في تونس [...] ويتجسّد دوره في التأثير في السياسات والممارسات في قطاع المياه". من بين إنجازاته: منصة إلكترونية للتوثيق وإعداد الدراسات على غرار دراسة: حسين الرحيلي، "الماء والعدالة الاجتماعية بالحوض المنجمي"، فريدريش إيبرت، 2018، شوهد في 2021/8/30، في: https://bit.ly/3zApo5e للتذكير فإنّ قانون عام 1975 سادته المركزية المفرطة للقرار، وتعدّد الإدارات المركزية المنتمية إلى وزارات مختلفة في أخذ القرارات.

(الأقاليم الداخلية) والأقاليم الأكثر استهلاك ا لها (الأقاليم الساحلية الشرقية)، بحكم تركّز أكبر المدن وأهم النشاطات الاقتصادية فيها. تأقلمت الحضارات التي تعاقبت على البلاد التونسية مع ظاهرة النُّدرة، واستنبطت تقنيات متنوعة بحسب الأقاليم المناخية والتضاريس والتَُّب، للتحكّم في السيلان وتخزين المياه ونقلها لتزويد المدن بالماء الصالح للشرب أو ممرسة الري، كم تدلّ على ذلك شواهد أثريّة عدة. وخلُص البحث أيضًا إلى تسليط الضوء على التجربة المهمة التي راكمتها تونس خلال العقود الخمسة الأخيرة في سياسة إدارة الموارد المائية، والتي انتقلت من إدارة العرض حتى نهاية القرن الماضي إلى إدارة الطلب بداية من الألفية الحالية. وتوصّل البحث إلى ثلاث نتائج مهمة. الأولى، أنّ تطبيق سياسة إدارة العرض مرّ بثلاث مراحل: امتدت الأولى خلال عشرية سبعينيات القرن الماضي، وكانت حصيلتها متواضعة لقلّة الطلب في تلك الفترة؛ في حين شملت المرحلة الثانية عشرية الثمنينيات من القرن الماضي، ومثّلت منعرجًا حاسمً في سياسة إدارة العرض، وذلك بتطبيق المخطّطات المديريّة للمياه وإنجاز السدود الكبرى ومنشآت تحويل المياه من المناطق الداخلية نحو الأقاليم الساحلية، شكّلت منظومة مترابطة للتحكّم في الموارد المائية وتوزيعها، ومكّنت هذه السدود من تعبئة شبه كليّة للموارد المائية في البلاد التونسية، وكان للتمويل العمومي مكانة مهمة في إنجازها؛ ولا تقلّ المرحلة الثالثة أهمية عن سابقتها، لأنها تشهد، بداية من تسعينيات القرن الماضي، اللجوء إلى جملة من التقنيات، سمّيت الصغرى، للتحكم في ما بقي من كميات من مياه السيلان في الأحواض الجبلية الصغرى وحمية التربة من الانجراف. أمّا النتيجة الثانية، فمفادها أن التحكم شبه الكلي في الموارد المائية المتاحة، الذي وصلت إليه البلاد التونسية مع مطلع هذه الألفية، وضع البلاد أمام تحديات كبرى، منها الارتفاع المتزايد للطلب الزراعي والحضري على المياه؛ ما استوجب تطبيق سياسة جديدة للتحكم في الطلب، وذلك عبر الاقتصاد في مياه الري وتحسين مردودية المياه وتوجيه الزراعة نحو النشاطات ذات القيمة المضافة المرتفعة والأخذ في الحسبان مُعطى التغيرات المناخية وما نتج وسينتُج منه من تتالي سنوات الجفاف وحدوث الفيضانات الاستثنائية. وأخيرًا، تفيد ثالثتها، أنّه تبيَّ، منذ عقد تقريبًا (أي بعد الثورة التونسية)، أنّ السياسة المائية الناجعة والمنصفة لا تكمن في إدارة العرض والتحكم في الطلب ومحاولة إيجاد موازنة بينهم فحسب، بل أيضًا في حكامة جديدة تأخذ أيضًا في الحسبان، زيادة على معطيات العرض والطلب، المتغيرات الاقتصادية الاجتمعية ومطلب الإنصاف الترابي وضرورة المحافظة على الموارد المائيّة من التدهور الناجم عن الاستغلال المفرط، ومن مصادر التلوث. ويستوجب هذا الأمر قطيعة مع السياسات السابقة؛ لأنّ المنظومة المائية وصلت إلى أقصى حدودها. في الحصيلة، أثبتت هذه الدراسة فرضية البحث الرئيسة، وأكّدت وجود "سياسة مائيّة" في تونس، كان أملنا من وراء هذا البحث المساهمة في التعريف بأهم جوانبها. احتوت هذه السياسة المائية على عنصر أساسي وثابت هو ندرة الموارد، وعناصر أخرى متحوّلة بحسب الفترات، لكنّها عديدة وتؤثّر بدرجات متفاوتة، كالطلب والتغيّات المناخية وضغوط الوضع الاقتصادي المحلي والعالمي والأمن الغذائي، وآخرها المطالب الاجتمعية التي صاحبت الثورة التونسية، والتي تحرّك مختلف الفاعلين الاجتمعيين اليوم. فالسياسة المائية في تونس ليست وليدة الأمس، بل هي متواصلة منذ خمسة عقود، والإلمام بكل مراحلها أساسي في تقديرنا لبناء استراتيجية إدارة الموارد المائية في البلاد التونسية إلى أفق عام 2050.

المراجع

العربية

الجمهورية التونسية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التونسية. "توزيع المساحات المروية خلال موسم 2018-2017، بحسب مصدر الري بالهكتار". 2019/9/24:. في https://bit.ly/3x1DYAw _______. وزارة الشؤون المحلية والبيئة. التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة. تونس.2017: ف:ي https://bit.ly/3zw5wPS _______. وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمر، ديوان تنمية الوسط الغربي. "ولاية القصرين في أرقام." 2019. في: https://bit.ly/3kzy9Gm _______. مجلّة المياه. تونس: المطبعة الرسمية للبلاد التونسية،.2008 داود، عبد الكريم. "حصيلة تعبئة الموارد المائية وآفاقها في تونس". المجلة التونسية للجغرافيا. العدد).2001(32 الرحيلي، حسين. "الماء والعدالة الاجتمعية بالحوض المنجمي". فريدريش إيبرت. 2018:. في https://bit.ly/3zApo5e _______. التقييم المواطني للمء في تونس: من أجل الحق في الماء. موقع الاتحاد العربي للنقابات. 2021/1/20. في: https://bit.ly/3tX0bjq "قانون عدد 16 لسنة 1975، مؤرخ في 31 مارس 1975 يتعلّق بإصدار مجلّة المياه".  الرائد الرسمي للجمهورية 1975/4/1.22 فيhttps://bit.ly/3udJa4B:.. العدد التونسية "قرار من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري مؤرخ في 19 ماي 2021 يتعلق بتحديد سعر الماء الصالح للشرب". الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.43 2021/5/21:. في https://bit.ly/3zJTVg2

الأجنبية

Brunet, Roger, Robert Ferras & Hervé Théry. Les mots de la géographie: Dictionnaire critique. Paris: La Documentation Française, 1992. Gafrej, Raoudha. "L'eau en Tunisie: Découplage entre croissance et surconsommation." Kapitalis. 26/9/2017. at: https://bit.ly/3x5wQ6g Habaieb, Hamadi. Gestion pluriannuelle des épisodes de crue et de sécheresse dans le nord de la Tunisie par référence aux années 2016-17-18. Tunis: République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources Hydrauliques et de la Pêche, Bureau de Planification et des Equilibres Hydrauliques, 2016. Hardin, Garrett. "The Tragedy of the Communs." Science. vol. 162, no. 3859 (December 1968).

Hassaïnya, Jemaïel. Irrigation et développement agricole: L'expérience tunisienne , options méditerranéennes 3. Paris: Centre international de hautes études agronomiques méditerranéennes, 1991. at: https://bit.ly/3f1cu7W Hénia, Latifa. Atlas de l'eau en Tunisie. Tunis: Université de Tunis, 2008. Hoekstra, Arjen. The Water Footprint of Modern Consumer Society. 2 nd ed. Oxon/ New York: Routledge, 2020. Mekonnen, Mesfin M. & Arjen Y. Hoekstra. "National Water Footprint Accounts: The Green, Blue and Grey Water Footprint of Production and Consumption, vol. 1: Main Report." Research Report Series. no. 50. Value of Water. UNESCO- Institute for Water (May 2011). at: https://bit.ly/3iUVHEM Observatoire national de l'agriculture. Onagri-vigilence. no. 48. Tunis: Mars-Avril 2018. at: https://bit.ly/3eZAvMy Observatoire Sahara Sahel (OSS). Système aquifère du sahara septentrional: Gestion concertée d'un bassin transfrontalier. Collection synthèse 1. Tunis: 2008. at: https://bit.ly/3x7sCLl Organisation des Nations Unies Pour l'alimentation et l'agriculture. Analyse de la filière céréalière en Tunisie et identification des principaux points de dysfonctionnement à l'origine des pertes. Rome. at: https://bit.ly/2VGi0pH Ostrom, Elinor. Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Actions. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Perennès, Jean-Jacques. L'eau et les hommes au Maghreb: Contribution à une politique de l'eau en méditerranée. Paris: CNRS/ Karthala, 1995. Rees, William E. "Ecological Footprints and Appropriated Carrying Capacity: What Urban Economics Leaves out." Environment and Urbanization. vol. 4, no. 2 (1992). République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, des Ressources Hydrauliques et de la Pêche. La balance commerciale alimentaire année 2020. Observatoire national de l'agriculture. Tunis: 2021. at: https://bit.ly/3l6UmgG République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture et des Ressources Hydrauliques. Stratégie du secteur de l'eau en Tunisie à long terme 2030. Tunis: 1998. ________. Rapport National du secteur de l'eau. Tunis: 2017. République Tunisienne, Ministère de L'Agriculture et des Ressources en Eaux. Elaboration de la stratégie de conservation des eaux et des sols de la Tunisie. Tunis: 2017. at: https://bit.ly/3A1DwUX

République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture, Direction Générale des Ressources en Eaux. Situation d'exploitation des nappes phréatiques. Tunis: 2004-2015 ________. Annuaires d'exploitation des nappes profondes. Tunis: 2004-2015. République Tunisienne, Ministère de l'Agriculture. Orientations stratégiques du secteur de l'eau en Tunisie. Tunis: 1999. ________. Rapport national du secteur de l'eau. Tunis: 2017. at: https://bit.ly/3BOWXBI République Tunisienne, Office International de l' Eau, Ministère de l'Agriculture. Evaluation du programme d'économie d'eau en irrigation. Tunis: 2016. at: https://bit.ly/3znYCfd Shah, Tushaar. Taming the anarchy: Groundwater governance in South Asia. Washington: Resources for the Future; Colombo: International Water Management Institute, 2009. The World Bank. "Renewable Internal Freshwater Resources per Capita (cubic meters). " at: https://bit.ly/39ax56j _______. Water Productivity, Total (Constant 2010 US$ GDP Per Cubic Meter of Total Freshwater Withdrawal). at: https://bit.ly/2UKD52j United Nations Framework Convention on Climate Change. Troisième communication nationale de la Tunisie, au titre de la convention cadre des Nations Unies sur les changements climatiques. at: https://bit.ly/2ULeydt Villes et développement: Armature urbaine tunisienne. Tunis: République Tunisienne, Ministère de l'Economie Nationale, Direction de l'Aménagement du Territoire. Groupe Huit et CERES, 1973. Wackernagel, Mathis & William Rees. Our Ecological Footprint: Reducing Human Impact on the Earth. Gabriola Island, Canada: New Society Publishers, 1996.