Return to Article Details Institutional Challenges of Economic Reforms: Tunisia during Democratic Transition

التحديات المؤسسية في قيادة الإصلاحات الاقتصادية: حالة تونس في أثناء الانتقال الديمقراطي

Institutional Challenges of Economic Reforms: Tunisia during Democratic Transition

نزار جويني

توفيق الراجحي

الملخّص

تتناول هذه الدراسة التحديات التي تواجه الإصلاحات الاقتصادية في تونس بعد الثورة. وتشدد على أهمية اعتماد نهج مركب بين التحليل الإيجابي للاقتصاد السياسي والتحليل المعياري الاقتصادي لتنفيذ أجندة الإصلاحات. تؤكد المرحلة الجديدة بعد الثورة التونسية ضرورة اعتماد استراتيجية إصلاح توافقية وتدريجية للحفاظ على مصالح مختلف المجموعات، والتغلب على الاستقطاب السياسي والتشريعي. وعلاوة على ذلك، يتطلب بناءُ نظامِ إصلاحٍ فعالٍ في تونس تحسينَ القدرات المؤسسية للإدارة العامة، وتعزيزَ الدور القيادي للحكومة، وبناءَ منظومة للتنسيق والتقييم والمتابعة.

Abstract

تتناول هذه الدراسة التحديات التي تواجه الإصلاحات الاقتصادية في تونس بعد الثورة. وتشدد على أهمية اعتمد نهج مركب بين التحليل الإيجابي للاقتصاد السياسي والتحليل المعياري الاقتصادي لتنفيذ أجندة الإصلاحات. تؤكد المرحلة الجديدة بعد الثورة التونسية ضرورة اعتمد استراتيجية إصلاح توافقية وتدريجية للحفاظ على مصالح مختلف المجموعات، والتغلب على الاستقطاب السياسي والتشريعي. وعلاوة على ذلك، يتطلب بناءُ نظامِ إصلاحٍ فعالٍ في تونس تحسينَ القدرات المؤسسية للإدارة العامة، وتعزيزَ الدور القيادي للحكومة، وبناءَ منظومة للتنسيق والتقييم والمتابعة. كلمت مفتاحية:  تونس، إصلاحات اقتصادية، الاقتصاد السياسي، الانتقال الديمقراطي، التحديات المؤسسية. This paper focuses on the challenges of economic reform in post-revolution Tunisia. It underlines the importance of a mixed approach between political economy (positive) and normative economic analysis to implement an effective public policy reform agenda. The post-revolution situation underlines the need for a progressive consensual reform strategy to preserve the interests of different groups and overcome political and legislative polarization. Building an effective reform system in Tunisia will mean improving institutional public administration capacities, enhancing government leadership, and building an effective system of coordination, evaluation, and follow up.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • إصلاحات اقتصادية
  • الاقتصاد السياسي
  • الانتقال الديمقراطي
Keywords:
  • Tunisia
  • Economic Reforms
  • Political Economy
  • Democratic Transition
  • Institutional Challenges

تتناول هذه الدراسة التحديات التي تواجه الإصلاحات الاقتصادية في تونس بعد الثورة. وتشدد على أهمية اعتمد نهج مركب بين التحليل الإيجابي للاقتصاد السياسي والتحليل المعياري الاقتصادي لتنفيذ أجندة الإصلاحات. تؤكد المرحلة الجديدة بعد الثورة التونسية ضرورة اعتمد استراتيجية إصلاح توافقية وتدريجية للحفاظ على مصالح مختلف المجموعات، والتغلب على الاستقطاب السياسي والتشريعي. وعلاوة على ذلك، يتطلب بناءُ نظامِ إصلاحٍ فعالٍ في تونس تحسينَ القدرات المؤسسية للإدارة العامة، وتعزيزَ الدور القيادي

للحكومة، وبناءَ منظومة للتنسيق والتقييم والمتابعة. كلمت مفتاحية:  تونس، إصلاحات اقتصادية، الاقتصاد السياسي، الانتقال الديمقراطي، التحديات المؤسسية. This paper focuses on the challenges of economic reform in post-revolution Tunisia. It underlines the importance of a mixed approach between political economy (positive) and normative economic analysis to implement an effective public policy reform agenda. The post-revolution situation underlines the need for a progressive consensual reform strategy to preserve the interests of different groups and overcome political and legislative polarization. Building an effective reform system in Tunisia will mean improving institutional public administration capacities, enhancing government leadership, and building an effective system of coordination, evaluation, and follow up.

أستاذ مساعد، برنامج السياسات العامة، معهد الدوحة للدراسات العليا.

Studies. Graduate for Institute Doha program, Policy Public،professor Assistant Email: njouini@dohainstitute.edu.qa

أستاذ في الاقتصاد في جامعة السوربون ووزير الإصلاحات الكبرى السابق في تونس.)2019-2015(

Economics professor at Sorbonne University and former minister of grand reforms in Tunisia (2015-2019). Email: taoufik.rajhi@gmail.com

مقدمة

في سائر البلدان التي تمرّ بالانتقال الديمقراطي، تعترض النخبة الحاكمة العديد من الضغوط التي تجعلها تراعي عدة عوامل ذات أهداف متناقضة. ففي تونس، تجد هذه النخبة نفسها منهمكة في دفع عجلة الإنتاج، بوصفها هدفًا مستعجلً، من خلال سياسات ماكرو - اقتصادية، وفي الوقت نفسه عليها أن تستجيب للمطالب ذات الطابع الاجتمعي -  التوزيعي، كم أن عليها أن تضع حزمةً من الإصلاحات ذات الطابع العقلاني التي يمكن أن يتفاعل من خلالها بعض الشركاء أو أصحاب المصالح، في أثناء الانتقال؛ لأهمية دورهم وتَوْقهم إلى ضمن تحقيق أهدافهم الربحية أو المصلحية. ولذلك، فإنّ وضع السياسات العامة والإصلاحات الكبرى يُعتبر تحديًا في حدّ ذاته، وجب الوقوف عنده والارتقاء به، باعتمد آليات التوافق بديلً من المناهج الأخرى القائمة على التنفيذ المباشر لسلطة الدولة واستحواذها على صلاحياتها. فالمراحل الانتقالية، على قلّة عدد حالات نجاحها، تجمع بين البعد المؤسسي، بوصفه محورًا أساسيًّا للانتقال الديمقراطي، والبعد الاقتصادي، بوصفه شرطًا أساسيًا لاستدامة الديمقراطية والإسراع في استكملها. ونعني هنا بالتحديات المؤسسية العناصر التي يجب تغييرها، لدعم قدرة المؤسسة على قيادة الإصلاح، سواء كان ذلك على مستوى المنهجية المتبعة لقيادة الإصلاح، والوسائل اللوجستية والتنظيمية المتوافرة لإدارة التغيير، أو على مستوى الموارد البشرية والكادر التقني المتوافر، أو كذلك القوانين والسياسات المتبعة لتحفيز المؤسسة على تبني الإصلاح. ولئن كان مبدأ التوافق في الاختيارات الاقتصادية والاجتمعية يبدو بطيئًا في إنجازاته، فإنّه في المقابل يمنح ثقة بتقدم المشاريع وإمكانية تجاوز التعثرات باعتبار العمل الماقبلي، ذي الصبغة التنسيقية بين أهمّ أصحاب المصالح. في الوقت نفسه، يجب ألّ تخلو هذه التصورات من الصبغة الهندسية التي تميّز صياغة الإصلاحات استئناسًا بوجهات النظر الحديثة في علم الاقتصاد ومناهجه التطبيقية، علاوةً على أفضل الممرسات العالمية في الاعتمد التدريجي للإصلاحات، مع الأخذ في الحسبان واقع الاقتصاد التونسي، وإمكاناته، وتحدياته الخصوصية وأهم الفاعلين فيه. تهدف هذه الدراسة إلى عرض تجربة الإصلاح في تونس، بوصفها تشهد انتقالً ديمقراطيًا فريدًا في العالم العربي من وجهة نظر صانع القرار، مستضيئةً بخبرة الدكتور توفيق الراجحي الذي كان أول وزير للإصلاحات الكبرى أكثر من أربع سنوات في الفترة 2019-2015. كم سنعرض نظام الإصلاح الذي اعتمدته الحكومة التونسية والعمليات المنفذة للتحقق من صحته وتقييمه ومتابعته، كم صممته الحكومتان المنتخبتان في الفترة 2019-2014 بمساعدة برنامج

1 ينظر: Oleh Havrylyshyn & Saleh M. Nsouli (eds.), A Decade of Transition: Achievements and Challenges (Washington: International Monetary

Fund, 2001). عُيّنت الحكومة الأولى برئاسة الحبيب الصيد (2016-2015)، والحكومة الثانية برئاسة يوسف الشاهد.)2020-2016(

صندوق النقد الدولي. غير أننا لن نتناول هنا مشكلات التنفيذ العملي والإداري التي تختلف اختلافًا جوهريًا عن مشكلات تصميم الإصلاح وصياغته. وسيقتصر نطاق هذا التحليل على "الإصلاحات الرئيسة" أو تلك التي أثرت على نحو هيكلي ومستدام في القطاعات الاقتصادية الرئيسة، وساعدت في تحقيق الأهداف الرئيسة للمرحلة الانتقالية، وخضعت لقوانين التصويت والإقرار من البرلمان. ولوضع جدول أعمل فعّال للإصلاح، أعدّت الحكومة التونسية عملية تقييم ومتابعة وطنية، بمشاركة مختلف الجهات المعنية من السلطة التشريعية والتنفيذية والمجتمع المدني. ونظرًا إلى السياق السياسي الجديد في تونس، ولعنة تشظي السلطة، تبرز الحاجة إلى بناء استراتيجية إصلاح توافقية لتعزيز كفاءة المؤسسات السياسية ودور الحكومة القيادي في تحسين تنسيق دورة الإصلاح وتسلسلها ومتابعتها من خلال تفعيل نظام التقييم الوطني. ومنذ 2011، مثَّل الدعم السياسي عائقًا كبيرًا أمام تأييد الإصلاحات وإضفاء الشرعية على معظم مشاريع القوانين في البرلمان. وقد مثّل شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2013 بداية عملية التوافق السياسي، بهدف تجاوز الأزمة السياسية الحادة وتعارض الأهداف بين مختلف الفرقاء السياسيين. ويهدف التوافق أيضًا إلى التخفيف من موجات المظاهرات التي تجتاح البلاد بأسرها، والتي ترفع مطالب اقتصادية واجتمعية قوية. أثّرت المناقشات السياسية المضنية، في أثناء الفترة الانتقالية، في النقاش الاقتصادي العام، ولم تساعد في بناء الزخم اللازم لإعطاء الإصلاحات الاقتصادية الأولوية. فقد شهدت الفترة الانتقالية انخفاضًا في معدل نمو الناتج المحلي الإجملي، نتيجة صدمات سياسية ومؤسسية واجتمعية؛ ما أدى إلى زيادة الإنفاق المالي وتدهور أرصدة المالية العامة. وأصبح من الواضح أن هذا المسار الاقتصادي غير المستدام يتطلب استراتيجية لإعادة النظر في هيكل الإنفاق العام بطريقة أكثر كفاءة، وإحداث زيادة كبيرة في الإنتاج في القطاعات الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا الصدد، يبدو إنجاز الإصلاحات الاقتصادية مهمة معقدة، ولكنها خطوة أساسية لتخطي الانتقال الصعب في تونس. يتضمن المحور الأول من الدراسة استعراضًا للأدبيات. ويستعرض المحور الثاني تحديات عملية الإصلاح وأولوياتها. ويعرض المحور الثالث نظام المراجعة والتقييم الوطني الذي اعتمدته الحكومة التونسية.

حددت الحكومة قائمة الإصلاحات الرئيسة. وفي الفترة 2019-2015، نفذت الحكومة التونسية 53 مشروع إصلاح في إطار ستِّ ركائز مختلفة للإصلاح، وهي بناء القدرات وإنشاء هيئات دستورية، وإصلاحات اقتصادية ومؤسسية، وإصلاحات مالية ومصرفية، وإصلاحات المالية العامة، وإصلاحات اجتماعية، وإصلاحات شاملة. Elizabeth Murray & Susan Stigant, "Building a Common Vision of the State: The Role of National Dialogues," in: Chester

Crocker & Pamela Aall, The Fabric of Peace in Africa: Looking beyond the State (Ontario: Centre for International Governance

Innovation, 2017), pp. 289-299. بلغ متوسط العجز المالي 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الماضية، وزاد الدين الخارجي من 57 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي إلى 85.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في الفترة.2019-2013 International Monetary Fund, Tunisia: 2021 Article Iv Consultation , IMF Country Report, no. 21/44, 2021, p. 39, accessed on 5/9/2021,

at: https://bit.ly/3kQuwfc

أولً: لمحة عامة عن الأدبيات

ثمة جدل مستمر بين الاقتصاديين بشأن أفضل استراتيجية لإصلاح سياسات تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي، وسرعة وتيرة الإصلاح، وتسلسل الإصلاحات وتوقيتها، والنزاعات على السلطة السياسية. تركز هذه الدراسة على مناهج الإصلاح الاقتصادي، وتسلط الضوء على تحديات الحكامة والتحديات المؤسسية التي يواجهها الإصلاح. فمناهج الاقتصاد السياسي على وجه التحديد تُعدّ الأشدّ تكيفًا مع سياق بناء توافق سياسي في الآراء، في أثناء الفترة الانتقالية للإصلاح، مثل ما هو الحال في تونس. كم يتميز هذا المنهج بمرونته ومقاربته الإيجابية، مقارنةً بالمنهج المعياري المنبثق من الأطر الفنية والنمذجة الاقتصادية المعيارية. ويساعد على فهم أثر عدم الاستقرار السياسي في تونس في مسار الإصلاح، ودفع مختلف الجهات الفاعلة إلى البحث عن مصالحها الخاصة. ويسمح لنا هذا المنهج بفهم تأثيرات لعبة السلطة في التصويت على الإصلاحات، وكيف أدّى ضعف القيادة السياسية إلى امتلاك مجموعات المصالح والتنظيمت الاجتمعية مزيدًا من السلطة والنفوذ. ووفقًا لهذا الإطار، يتوقف نجاح الإصلاح على قدرة الجهات المعنية على الانخراط في مسار الإصلاح ودعمه، بتسليط الضوء على أكثر الحلول واقعية، وليس على أفضلها. وقد شددت كتابات عديدة على ضرورة مراعاة عوامل الاقتصاد السياسي، لا سيم أثناء التغييرات الهيكلية، مثل حالات الهشاشة والنزاع أو الثورات أو حتى التطورات السياسية. ووفقًا للأدبيات، ينبغي أخذ متغيرين مهمين في الحسبان، عند تحليل الحكومات الديمقراطية الجديدة للاقتصاد السياسي للإصلاح. يتناول المتغير الأول مدى تضرر الاقتصاد من الأزمة الاقتصادية؛ لأنه عندما يحدث ذلك، ستفقد الحكومات دعم الجمعات المتعاطفة مع النظام الاستبدادي السابق من جهة، وتواجه مطالب ملحّة من الجمعات

Federico Sturzenegger & Mariano Tommasi (eds.), The Political Economy of Reform (Cambridge: The MIT Press, 1998), p. 3. Peter Murrell, "What is Shock Therapy? What did it do in Poland and Russia?" Post-Soviet Affairs , vol. 9, no. 2 (1993), pp. 111-140;

Gerard Roland, "The Role of Political Constraints in Transition Strategies," Economics of Transition , vol. 2, no. 1 (March 1994), pp. 27-41;

Leszek Balcerowicz & Alan Gelb, "Macropolicies in Transition to a Market Economy: A Three-Year Perspective," The World Bank

Economic Review , vol. 8, no. 1 (December 1994), pp. 21-44. 8 ينظر: Alberto Alesina, Silvia Ardagna & Francesco Trebbi, "Who Adjusts and When? On the Political Economy of Reforms," IMF Staff Papers ,

vol. 53, no. 1 (2006), pp. 1-29. ولاستعراض الأدبيات التجريبية، ينظر: Ignacy Sachs, L'écodéveloppement: Stratégies de transition vers le XXIe siècle (Massachusetts: Syros, 1993); Peter Murrell, "How Far has

the Transition Progressed?" Journal of Economic Perspectives, vol. 10, no. 2 (Spring 1996), pp. 25-44; Kazimierz Z. Poznanski, Poland's

Protracted Transition: Institutional Change and Economic Growth, 1970-1994 (Cambridge: Cambridge University Press, 1997); Jeffrey

D. Sachs & Katharina Pistor, The Rule of Law and Economic Reform in Russia (Boulder: Westview Press, 1998). وبشأن الخصخصة، تحديدًا، ينظر: Hilary Appel, "Voucher Privatisation in Russia: Structural Consequences and Mass Response in the Second Period of Reform," Europe-

Asia Studies, vol. 49, no. 8 (December 1997), pp. 1443-1449. 9 ينظر: Daron Acemoglu, "Why Not a Political Coase Theorem? Social Conflict, Commitment, and Politics," Journal of Comparative

Economics , vol. 31, no. 4 (2003), pp. 620-652; Dani Rodrik, "Understanding Economic Policy Reform," Journal of Economic Literature ,

vol. 34, no. 1 (March 1996), pp. 9-41. Verena Fritz, Marijn Verhoeven & Ambra Avenia, Political Economy of Public Financial Management Reforms: Experiences and

Implications for Dialogue and Operational Engagement. World Bank (15/11/2017), accessed on 15/9/2021, at: https://bit.ly/3hzHpJS 11 Acemoglu, "Why Not a Political Coase Theorem?"

الثورية من جهة أخرى. ويتعلق المتغير الثاني باستقطاب الأحزاب السياسية وتشرذمها؛ ما يزيد من النزاعات السياسية ويشجع الإدارات التنفيذية على تجاوز المؤسسات التشريعية. أكد تقرير التنمية في 2017 أهمية توزيع السلطة بين المتدخلين في السياسات، وتأثيره في إصلاح السياسات وتغييرها. إنّ إشراك المزيد من الجهات الفاعلة التي تتمتع بمستوى عالٍ من الشرعية والتعاون من شأنه أن يزيد من المشاركة (التنافسية)، ويمنح الجهات الفاعلة حافزًا أكبر للامتثال للاتفاقات. ولكنّ تضارب المصالح بين المجموعات الاجتمعية - السياسية المنظمة يفسر رفض بعض المجموعات للإصلاحات والاستفادة من الوضع الراهن. ومن المرجح أن تحدث الإصلاحات، عندما تتجاوز تكلفة المساومة السياسية بين جمعات النخبة المتنافسة وتأخير الإصلاحات تكلفة تنفيذ الإصلاحات، خاصّة أثناء الأزمات الاقتصادية أو عندما تكتسب الحكومة قوة سياسية كافية للتغلب على المعارضة، أو حتى عندما تقبل النخبة التخلي عن بعض المزايا مقابل المزيد من الانتفاع من السلع العامة. وفي المقابل، عندما ترفض النخبة التغييرات وترفض أي تخفيض في امتيازاتها، فمن المرجّح أن تكون الثورة وسيلتها الوحيدة للتخلي عن سلطتها التفاوضية والموافقة على إعادة توزيع السلطة. ساهمت مجموعة من الأدبيات الحديثة المتعلقة بإصلاح الإدارة العامة في هذا النقاش بقولها إن الإصلاحات تكون أنجح في ديمقراطيات الأغلبية Democracy Majoritarian منها في الديمقراطيات التوافقية Democracy Consensus. ومع ذلك، لا تعير الأدبيات سوى قليلٍ من الاهتمم لدور صناع السياسات والقادة السياسيين في تنفيذ الإصلاح. ويظهر هذا الفرع من الأدبيات أن المؤسسات التوافقية، مقارنةً بمؤسسات الأغلبية، تمنح رصيدًا سياسيًا في أيدي منفذي السياسة؛ لأن أسلوب الإدارة التوافقي المنبثق من هذه المؤسسات قد يحقق إصلاحات ناجحة. لقد أكدت أدلة تجريبية عديدة أن وجود حكومة ائتلافية موسّعة، ومديرين تنفيذيين ضعفاء، يرتبط سلبيًا بتقدم الإصلاح بينم أظهرت أدلة أخرى أيضًا أن وجود تحالف أوسع يرتبط إيجابيًا بتقدم الإصلاح. والسبب في ذلك

12 Appel. 13 Ibid. Stuti Khemani, "Political Economy of Reform," Policy Research Working Paper. no. 8224. World Bank, Washington, DC.

15/11/2017. at: https://bit.ly/3tVlDoZ 15 Alesina, Ardagna & Trebbi. Alessandro Lizzeri, & Nicola Persico, "Why did the Elites Extend the Suffrage? Democracy and the Scope of Government, with an

Application to Britain's 'Age of Reform'," The Quarterly Journal of Economics , vol. 119, no. 2 (May 2004), pp. 707-765; Douglass North et

al. (eds.), "Limited Access Orders in the Developing World: A New Approach to the Problems of Development," Policy Research Working

Paper no. 4359 , World Bank (September 2007), accessed on 14/8/2021, at: https://bit.ly/2VNEcih; Daron Acemoglu & James Robinson,

"Democratization or Repression?" European Economic Review , vol. 44, no. 4-6 (2000), pp. 683-693. 17 Alesina, Ardagna & Trebbi. Tom Christensen & Per Lægreid (eds.), New Public Management: The Transformation of Ideas and Practice (Aldershot, UK:

Ashgate, 2002). Kutsal Yesilkagit & Jouke de Vries, "Reform Styles of Political and Administrative Elites in Majoritarian and Consensus Democracies:

Public Management Reforms in New Zealand and the Netherlands," Public Administration, vol. 82, no. 4 (December 2004), pp. 951-974;

Mark A. Bovens et al. (eds.), Success and Failure in Public Governance: A Comparative Analysis (Cheltenham: Edward Elgar, 2002). Vittorio Grilli et al. (eds.), "Political and Monetary Institutions and Public Financial Policies in the Industrial Countries," Economic

policy , vol. 6, no. 13 (October 1991), pp. 341-392; Alberto Alesina et al., (eds.), "Fiscal Expansions and Adjustments in OECD Countries,"

Economic policy , vol. 10, no. 21 (October 1995), pp. 205-248. Joel S. Hellman, "Winners Take All: The Politics of Partial Reform in Postcommunist Transitions," World politics , vol. 50, no.

2 (January 1998), pp. 203-234; European Bank for Reconstruction and Development, Transition Report 1999: Ten years of transition:

Economic Transition in Central and Eastern Europe, the Baltic States and the CIS (London: 1999).

أن النتائج السلبية تظهر، عندما يميل تحالف أوسع إلى شلّ عملية وضع السياسات بسبب "حروب الاستنزاف". أما النتائج الإيجابية فتظهر، عندما يكون من المفيد بناء توافق في الآراء تتوصل إليه تحالفات أوسع، ويراقب ذلك مديرون تنفيذيون عن كثب. إن فاعلية تنفيذ الإصلاحات تتوقف في المقام الأول على مدى خضوع الإصلاحات لتوافق الآراء، ومدى توافر القدرات المؤسسية لتنفيذ برامج مختلفة. في تونس، هناك تحديات عدة، سواء على المستويات الفنية أو المؤسسية أو السياسية، أدت إلى تباطؤ عملية الإصلاح، بدءًا من تصميمها إلى تنفيذها، وأثرت سلبيًا في استقرار الانتقال الديمقراطي عمومًا.

ثانيًا: عملية الإصلاح: التحديات والأولويات

عملية بناء مشروع الإصلاح

من المهم أن نفهم "دورة مشروع الإصلاح" نفسها، قبل مناقشة تنفيذ عملية الإصلاح، وذلك لتحديد العقبات في كل مرحلة، بدءًا من تصميم الإصلاح إلى تنفيذه. في تونس، تتضمن دورة الإصلاح ثلاث مراحل: مرحلة وزارية تشارك فيها الحكومة، ومرحلة تشريعية ثانية عبر مجلس نواب الشعب، ومرحلة ثالثة عندما يحال الاقتراح إلى الحكومة مرة أخرى. قليلة هي تلك الإصلاحات التي لا تمر عبر المرحلة التشريعية وهي، عمومًا، الإصلاحات التي توضع بمقتضى أمر حكومي أو منشور ولا تحتاج إلى قانون على غرار إصلاح منظومة الصفقات العمومية الذي انطلق في 2013، وصدر الأمر المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية في آذار/ مارس 2014، مع التذكير أنّه تم في 2012 تقييم منظومة الصفقات العمومية باعتمد منهجية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية Co-operation Economic for Organisation and Development-Development Assistance Committee, OCDE-DACبتمويل من البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، التي انبثق منها خطة عمل لإصلاح المنظومة. وعملت عليها أيضًا لجنة وطنية جمعت مختلف الأطراف المتدخلة في المجال، بما في ذلك المجتمع المدني خلال 2013، وتوجت بالأمر المنظم للصفقات في آذار/ مارس 2014. وبصفة عامة، تلخص مختلف المراحل المؤدية إلى استكمل الإصلاح، بما في ذلك العوائق القائمة المتجذرة في كل مرحلة، وفق ما يظهر في الشكل.)1(المرحلة الأولى التي يمكن تعريفها بالمرحلة الوزارية، مصدر انطلاق مشروع الإصلاح الذي يبدأ من مشروع أولي على مستوى الوزارة المعنية بالإصلاح ليعرض على مجلس الوزراء بعد ذلك للاعتمد والتصديق. لكن، في حقيقة الأمر، ترتبط سرعة التصديق على المشروع في آخر المطاف بجودته ومحتواه، وكذلك بمدى انخراط الأطراف الاجتمعية والجهات السياسية والكُتل داخل مجلس نواب الشعب خلال المرحلة التالية من دورة الإصلاح. فعادةً، تُعرض المشاريع المحكّمة في محتوياتها وصياغتها على مجلس وزاري مضيّق، ثمّ مجلس الوزراء مرة واحدة، ثم يتمّ إرسال

Alberto Alesina & Allan Drazen, "Why Are Stabilizations Delayed?" The American Economic Review , vol. 81, no. 5 (December 1991),

pp. 1170-1188. ضمت هذه الإصلاحات إحداث المجلس الوطني للطلب العمومي، وتبسيط مسار إبرام الصفقات العمومية، والترفيع في الأسقف المالية الموجبة لإبرام صفقة عمومية، وإدخال إضافات تتعلق بالتنمية المستدامة والتوازن الجهوي. 24 ينظر: République Tunisienne, Présidence Du Gouvernement, Commission Supérieure Des Marchés, Rapport final sur l'évaluation du système

national de passation des marchés publics en Tunisie , Appui technique et financier (2012), accessed on 5/9/2021, at: https://bit.ly/3zLzekA

الشكل (1) دورة مشروع الإصلاح

المصدر: من إعداد الباحثين.

مشروع النصّ إلى مجلس نواب الشعب إذا كان مشروعَ قانون أو يقعُ إصدار أمر حكومي بعد ذلك. ولكن المشاريع، التي لم يقع إعدادها جيدًّا على مستوى سلطة الإشراف، تُعرض أكثر من مرة أمام مجلس الوزراء لعدم جاهزيتها؛ ما ينعكس سلبيًا على وتيرة تقدم الإصلاحات في مراحلها الأولى التي ربّا لا تصل أخبارُها إلى المواطن العادي. وتنطلق المرحلة الثانية بتفحّص مشروع الإصلاح، على مستوى اللجنة الخاصة بمجلس نواب الشعب وبالطريقة نفسها، والمشاريع الجاهزة التي تم إعدادها جيدًا تبرمج سريعًا لجلسة عامة للتصديق. وأخيرًا، تبدأ المرحلة الثالثة بعودة القانون المعتمد إلى الحكومة من مجلس النواب ويصدر أمر التنفيذ. وما لم يمرّ الإصلاح عبر هذه الجلسات الثلاث، سيظل إصلاحًا افتراضيًا، وليس له أثر في أرض الواقع. ويتضح أن التعجيل بمرسوم الإصلاح يعني تقصير مدة مختلف المراحل، ونقلها بسرعة من صياغة نظرية للسياسة العامة إلى تنفيذها الفعلي. ولكن هذه العملية تتضمن، عمليًا، تحديات عدة على مختلف المستويات، نذكر منها ما يلي:

ضعف القدرات الفنية للوزارة المعنية

إن ضعف القدرات المؤسسية والقدرات الفنية اللازمة لتصميم مشروع إصلاح مناسب وشامل يمثّل عائقًا كبيرًا، يبطئ المرحلة الأولى من مشروع الإصلاح. وتشمل نقاط ضعف تصميم المشروع مناطق غير واضحة، وثغرات وأسئلة لا إجابة عنها، مثل التأثير في الجهات المعنية الرئيسة، وقيمة الآثار المالية، وغياب تحليل التكاليف والفوائد، وما إلى ذلك. وفي مثل هذه الحالات، تُقدَّم المسوّدة مرات عدة إلى مجلس الوزراء مع المراسلات والأوراق المصاحبة جميعًا، وقد تؤدي إلى خلاف بين مختلف الوزارات المعنية أو انفصال جهات فاعلة مهمة أخرى. وفي هذا السياق، يعدّ بناء القدرات المؤسسية من الظروف الصعبة التي يجب تحسينها في أثناء الفترة الانتقالية.

وفيم يلي العوامل التي تؤثر في مكونات القدرة المؤسسية المرتبطة بقدرات الدولة: حجم المؤسسة المعنية بالإصلاح، ونوعية المؤسسة، والقدرات اللوجستية للمؤسسة، والقيادة في إجراء عملية الإصلاح.

غياب توافق الآراء على مستوى المجلس

قد يكون غياب التوافق السياسي السبب في رفض اللجنة المسؤولة في المجلس لمعظم القضايا، رغم تصديق الحكومة عليها. وتمثل هذه المرحلة الخطوة الأهم؛ لأن أي فشل سيقود مشروع قانون الإصلاح إلى جولة أخرى من موافقة المجلس الوزاري. ويعكس ذلك، إلى حد ما، معوقات تتعلق بغياب التواصل داخل الحكومة، ولكن الأهم هو ضعف تأييد نواب الائتلاف الحكومي للإصلاح المقترح. ويتضح أن التواصل والتشاور مع شركاء سياسيين ضروريان، للتغلب على هذه العقبة في ضوء منهج التوافق المفضل في إدارة الانتقال الديمقراطي في تونس.

عدم توافق جدول الأعمل داخل المجلس مع جدول أعمل الحكومة

في أثناء الفترة الانتقالية في تونس، سيطر جدول الأعمل السياسي والتشريعي على نشاط البرلمان؛ ما جعل من العسير أن يحظى جدول أعمل الإصلاح الاقتصادي بالاهتمم الكافي، على الرغم من إلحاح التحديات الاقتصادية. ونظرًا إلى الاضطرابات السياسية، فشلت الحكومة في إدراج برنامجها الاقتصادي في جدول الأعمل السياسي المزدحم والإلزامي للمجلس. وقد أثر ذلك، على نحو بعيد، في تنفيذ الإصلاحات التي شُع فيها منذ 2012. وفي الوقت نفسه، ظلّت بعض هذه الإصلاحات عالقة في جدول أعمل المجلس. وكان الحل لغياب هذا التنسيق بين الفرعين التشريعي والتنفيذي للحكومة هو ترجمة نتائج اتفاقية قرطاج إلى استراتيجية توحد السلطتين التنفيذية والتشريعية للائتلاف حول خطة عمل براغمتية وعملية.

التحدي الإجرائي وتأخر إصدار الأوامر التنفيذية

في معظم الحالات، تحال مشاريع القوانين إلى مجلس نواب الشعب غالبًا من دون أوامر تنفيذ؛ أي قبل حصول الوزارات على موافقة الهيئة التشريعية لبدء العمل على أوامر التنفيذ. يستغرق هذا الإجراء وقتًا طويلً، ويتسبب في تأخير تنفيذ الإصلاح، لا سيم عندما يتطلب الإصلاح عددًا كبيرًا جدًا من أوامر التنفيذ. وللتخفيف من هذه المشكلة الإجرائية، يُقترح إعداد مسوّدة أوامر التنفيذ مباشرة بعد موافقة مجلس الوزراء، من دون انتظار التصديق التشريعي. إضافة إلى ذلك، ينبغي تحديد عدد أوامر التنفيذ المرفقة، كم يجب زيادة قدرة وحدات التشريع الإداري داخل الوزارات.

الدور القيادي للحكومة في دعم الإصلاحات

يتطلب تنفيذ الإصلاحات تعبئة الحكومة لدعم مشروع الإصلاح، ومشاركة مختلف الجهات الفاعلة، ومن بينها الجهات الفاعلة في التحالف السياسي. وهذا يتطلب: أولً، قيادة سياسية قوية متفهمة على نحو جيد لأهداف

نذكر على سبيل المثال مشروع قانون جودة المعلومات الائتمانية، ومشروع إصلاح منظومة الدعم، وقانون إصلاح المؤسسات العمومية، ومشروع المجلة الرقمية الجديدة. في تونس، صِيغَ الاتفاقُ السياسي لعام 2015 من خلال "وثيقة قرطاج" و"حكومة الوحدة الوطنية".

الإصلاح؛ ثانيًا، حوارًا مجتمعيًا مع مختلف الشركاء؛ ثالثًا، وضع نظام تقييم وعملية متابعة لتسوية أي تناقضات تنشأ عن تنفيذ الإصلاح. أولً، فيم يتعلق بالدور القيادي للحكومة، يتطلب ذلك مستوى عاليًا من التنسيق بين مختلف الوزارات ومكتب رئيس الحكومة؛ لأن الإصلاحات في معظم الأحيان غير متزامنة (توقيت الشروع في بعض الإصلاحات يختلف من إصلاح إلى آخر)، وقد تتداخل وتغطي قطاعات عدة. وتزداد الحاجة إلى التنسيق على نحوٍ خاص عندما يركز موضوع الإصلاح على خطط الحمية الاجتمعية، بما فيها إصلاح صناديق الضمن الاجتمعي، وتعبئة الموارد لتمويل الاقتصاد، والإصلاحات المتعلقة بالموازنة والموارد البشرية، وإصلاح القطاع المالي. فعلى سبيل المثال، تُوِّج الإصلاح الضريبي المتقدم، الذي شُع في مناقشته في 2008، وفي 2013 بالتمييز بين قضايا الحكامة من جهة، والإصلاح الاقتصادي الهيكلي من جهة أخرى، ومن ثمَّ اعتُمد في 2015، بعد سباق طويل من جهود التنسيق بين مختلف الوزارات والسلطات المعنية. ثانيًا، من المهم تحفيز الحوار الاجتمعي عبر مشاورات مكثفة مع الجهات الفاعلة ذات الصلة. واعتمد منهج تدريجي يتمتع بميزة غرس الثقة بين الأطراف ويساعد على إدراج تعديلات أثناء الحوار، ويحد من الشكوك بشأن المخاطر الناشئة عن العملية التشاركية. فنجاح الحوار الاجتمعي يتطلب إعداد أدوات وعمليات تقييم لإقناع مختلف الشركاء باستدامة الإصلاحات. ولا يمكن القيام بذلك من دون دعم أو إنشاء مؤسسات دائمة مسؤولة عن تصميم أساليب تقييم وتنفيذها، وتبادل المعلومات المتعلقة باستدامة الإصلاح. ثالثًا، على الرغم من أن النهج التشاركي ودور الحكومة القيادي لا يزالان القوتين الدافعتين الحقيقيتين لنجاح الإصلاحات، فمن المتوقع أن تكون الحكومة أشدّ عرضة للنقد والتحفظات والمطالبات بالتعويض. ويبدو أن التعويض ضروري للحدّ من دواعي القلق من الإصلاح وتقليل آثاره الجانبية المباشرة، ولكن لا ينبغي أن يمس روح الإصلاحات نفسها وطبيعتها. ولهذا السبب، فإن وجود حيز مالي يزيد من فرص نجاح الإصلاحات بتخصيص تعويضات لمصلحة الخاسرين بعد اعتمد الإصلاحات.

تنسيق الإصلاحات

يتطلب عدد كبير من الإصلاحات المقترحة التشاور والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية في الاقتصاد التونسي، وتحديدًا بين مكتب رئيس الحكومة ومختلف الوزارات والجهات المعنية في السوق، والشركاء الاجتمعيين والجهات المانحة. وتساعد وحدة متابعة الإصلاحات التي أنشئت في مكتب رئيس الحكومة إلى حد بعيد في وضع إصلاح شامل وفي عمليات المتابعة. ولإنجاح مهمة الإصلاح، يوصى بوضع مخطط تفصيلي، مع "مؤشرات رئيسة" قابلة للقياس يمكن تقييمها ومراجعتها، وتتميز بالقدرة على تسهيل تحديد أولويات الإصلاح. إضافة إلى ذلك، لا بدّ من إنشاء فريق عمل رفيع المستوى لقيادة الإصلاحات، وتوسيع مهمة وحدة المتابعة لتغطية مهمت التنسيق، بوصفها خطوة رئيسة لتسريع عملية الإصلاح. فبعض الإصلاحات نحو إصلاح القطاع المالي يتطلب تنسيقًا متعدد القطاعات نظرًا إلى أهميته الاستراتيجية وتعدد المبادرات والجهات الفاعلة المعنية. وتشمل القطاعات التي يجب منحها الأولوية في التنسيق أهم القطاعات من حيث حجمها، ومساهمتها في موارد الدولة، وتأثيرها في التوظيف وخلق فرص العمل، مثل قطاع

السياحة وقطاع العقارات، وما إلى ذلك. كم يجب الأخذ في الحسبان وجود الشركات العمومية الاستراتيجية العاملة والدور الذي تؤديه في القطاع، مثل شركة فسفاط قفصة والشركة التونسية للكيمويات وغيرها.

ترتيب أولويات الإصلاح

يثير تنفيذ الإصلاحات أسئلة تتعلق بالمنهجيات المعتمدة لتحديد أولوياتها، لا سيم ترتيبها وتقييمها. فمهم كانت الاستراتيجية التي تعتمدها الحكومة، فمن الأهمية القصوى إجراء استعراض منتظم للتقدم المحرز في تنفيذ الإصلاح استنادًا إلى إطار عمل واضح ومؤشرات موضوعية. وفي هذا الصدد، ثمة أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة، مثل: ما طرائق التقييم التي ينبغي وضعها؟ وما المؤشرات التي يمكن استخدامها لتقييم فاعلية حكامة الإصلاحات (التقدم والتحسن المنجز، ومصادر التعطيل وما إلى ذلك)؟ وعلاوة على ذلك، ما الموازنة التي يجب تخصيصها للفترات المقبلة؟ وما نوع الموارد التي يجب تعبئتها لتمويل مختلف الخطوات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي؟ يُعدّ ترتيب أولويات الإصلاحات أمرًا ضروريًا لتحقيق الكفاءة؛ نظرًا إلى ضخامة عدد الإصلاحات وتنوعها، ومحدودية الموارد في ظروف الانتقال السياسي. كم يتطلب التداخل بين الإصلاحات ترتيب الخطوات في إطار متكامل؛ تفاديًا لتداخل الإجراءات وإهدار الموارد اللازمة لإصلاحات ممثلة. فعلى سبيل المثال، تتطلب إعادة صياغة قانون الاستثمر تفكيرًا مسبقًا والتزامًا مصاحبًا للإصلاح الضريبي. ولذلك، إذا كان إصلاح قانون الاستثمر أولوية، فإن الإصلاح الضريبي هو أيضًا أولوية، نظرًا إلى أهمية الحوافز المالية للاستثمر. علاوة على ذلك، تظل الإصلاحات ذات الطابع المؤسسي والتنظيمي والمنظم أولوية نظرًا إلى طبيعتها. ويمثل دور المؤسسات (والبيئة التنظيمية) عنصرًا أساسيًا في اعتمد السياسات السليمة وتنفيذها وترجمتها إلى نتائج إيجابية على أرض الواقع. وفي غياب مثل هذه الإصلاحات، حتى السياسات السليمة، لا يمكن أن تحظى بفرصة تحقيق الأهداف المرجوة على المدى القصير أو المتوسط​ أو الطويل. وأخيرًا، يُعد التسلسل الزمني للإصلاحات أمرًا مهمً، وينبغي بوجه خاص تحديد أولويات الإصلاح وفقًا للجدول الزمني لنتائجها المتوقعة. وتجدر الإشارة إلى أنه، في سياق الانتقال، يكون للإصلاح ذي الأثر القصير الأجل أفضلية على الإصلاح ذي الأثر المتوسط​ والطويل الأجل. ومن المهم أيضًا مراعاة ديناميات التكلفة والفوائد الاجتمعية لأي مشروع إصلاح، بما في ذلك القدرة على تحقيق أهداف الإصلاح على المستوى الجزئي، وكذلك على المستوى الكلي. وبناءً عليه، يمثّل الاتساق الزمني للإصلاحات وضرورة تسلسلها شرطين أساسيين لتحقيق صدقية الإصلاح بكفاءة عالية.

السلطة والفساد

يُعدّ فهم ديناميات السلطة بين مجموعات المصالح، لا سيم تلك التي تتمتع بسلطة النقض، أمرًا ضروريًا في وضع جدول أعمل الإصلاح. فهذه المجموعات تستغل الانتقال بوصفه فرصةً للبحث عن مصلحتها الذاتية وتوسيع نطاق نفوذها للاستفادة من الإصلاحات. وفي حالة تونس، شاركت بعض هذه المجموعات من خلال النفوذ النقابي، مثل المحامين والأطباء والمديرين وغيرهم،

في تعطيل الإصلاح الجبائي. في حين كانت مجموعات أخرى جزءًا من القطاع الخاص، تبحث بقوة عن نشاطات ريعية. وأخيرًا، كانت بعض هذه المجموعات تعمل في القطاع غير الرسمي وتمارس نشاطات فاسدة وتسعى وراء السلطة لتغطية أعملها. في عام 2014، اقترحت الحكومة عفوًا عامًا عن مسؤولي النظام القديم ورجال الأعمل المدانين بالفساد والجرائم المالية، وقد لاقى هذا العفو اعتراضًا كبيرًا من المجتمع المدني. وبعد اتفاق قرطاج في عام 2016، شنت الحكومة حربًا على الفساد، بهدف تحسين بيئة الأعمل، وتفكيك الروابط بين دوائر الفساد وهشاشة الاستقرار الاجتمعي التي تسببت فيها الجمعات الفاسدة والإرهاب. وقد كشفت الانتقادات الموجهة إلى هذه المعركة عن انتقائية في اختيار المشتبه بهم ومحاولة للتخلص من الخصوم السياسيين. وفي هذا السياق، سيكون من الصعب الحث على مسار الإصلاح وتعزيز بيئة من الثقة بين أصحاب المصلحة.

ثالثًا: أنظمة المراجعة والتقييم الوطنية

يمثِّل تقييمُ السياسات العامة ومراجعتها المنهجية ركائزَ الإدارة الحديثة للشؤون العامة، ويزوّد صناعَ القرار بالأدوات الفعالة لتحليل المشكلات وصياغة الحلول الأشد فاعلية. وقد عزز الدستور التونسي الجديد هذا المبدأ في الفصل 15، الذي ينص على أن: "الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، تنظم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام، ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة". كم يعزز نظام المراجعة والتقييم الوطني النهج القائم على الأدلة لإدارة الشؤون العامة، ويعزز المساءلة، والإشراف على المشاريع العامة، ويمكِّن صناع القرار من الوقوف على مستوى كفاءة السياسات وتخصيص الموارد. ويجب التشديد على عدم وجود تعريف واحد لنظام التقييم، ولكن يمكن تعريفه عمومًا بأنه المنهج النظمي الذي يتجاوز مجرد إنتاج المعلومة المتعلقة بالأداء ليأخذ في الاعتبار أهمية القدرة على توفير الحجة المتينة (على مستوى عرض المعلومة)، وكذلك قدرة الأفراد والمؤسسات على استعمل هذه المعلومة (على مستوى طلب المعلومة) ويحدد مدى صلة الأهداف وتحقيقها، وكفاءة التنمية، والفاعلية، وأثر واستدامة سياسة أو مشروع ما.

1. نظام التقييم الوطني

في تونس، تتولى لجنة عليا مراقبة السياسات العامة وتقييمها، وهي ملحقة بديوان رئيس الحكومة، أ نشئت في آب/ أغسطس 2015، وطورت العملية التالية:

Eva Bellin, "The Politics of Profit in Tunisia: Utility of the Rentier Paradigm?"  World Development , vol. 22, no. 3 (1994), pp. 427-436. مجموعة الأزمات الدولية، الانتقال المعطل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية، تقرير الشرق الأوسط رقم 177 (بروكسل: 10 أيار/ مايو 2017)، شوهد في 2021/8/15، في: https://bit.ly/3miJv47 "ما هو مشروع قانون المصالحة؟"، البوصلة، 2016/7/4، شوهد في 2021/8/2، في: https://bit.ly/3lnmYm8 "مشروع قانون المصالحة انتكاسة للانتقال الديمقراطي في تونس"، هيومان رايتس ووتش، 2016/7/14، شوهد في 2021/8/15، في: https://bit.ly/3fmmxEE الجمهورية التونسية، دستور تونسالصادر عام 2014، الباب الأول، الفصل الخامس عشر، تونس 2014، ص 5، شوهد في 2021/9/9، في: https://bit.ly/3zNULJB Ministry of Foreign Affairs, "Evaluation Policy and Guidelines for Evaluations," (October 2009), p. 5, accessed on 10/8/2021,

at: https://bit.ly/38H8khT

الشكل (2) نظام التقييم والمتابعة

المصدر: اللجنة العليا لمراقبة وتقييم السياسات العامة، وثيقة داخلية (غير منشورة.)

تنقسم العملية إلى مرحلتين رئيستين، هم:

مرحلة التقييم

يتم تنسيق هذه المرحلة بين اللجنة العليا للتقييم والجهة الإشرافية العامة المسؤولة عن تقييم موضوع السياسة. ويجري اختيار موضوع عملية التقييم، بالتنسيق مع الهيكل الإشرافي، أو بحسب أولويات جدول أعمل الحكومة، بينم يُصدر رئيس الحكومة أمرًا بالمهمة. تتميز هذه المرحلة باعتمد نهجٍ تشاركي، عبر إنشاء لجنة وسيطة تضم مختلف الجهات الفاعلة في الميدان، وممثلي المجتمع المدني، لمراقبة عملية التقييم. ويقتصر دور اللجنة العليا للتقييم على مرافقة الجهة الإشرافية العامة في عملية التقييم، بدءًا من صياغة الإطار المرجعي إلى اختيار الخبراء، على أن تتم العملية وفقًا للمعايير الدولية والحكم الرشيد على النحو المنصوص عليه في الدستور. وإلى جانب ذلك، تراقب اللجنة وتضمن دعم النهج التشاركي ونشر تقرير التقييم بما في ذلك التوصيات القابلة للتطبيق. وتهدف عملية المراقبة هذه إلى تنفيذ سياسات سليمة، عبر تحسين دورات حياة المشاريع العامة، وتسهيل وضعِ تصورٍ للإصلاحات على أساس الأدلة العلمية والتقييم.

متابعة القرارات المنبثقة من عملية التقييم

تعدّ هذه المرحلة الخطوة الأشدّ فاعلية. وتهدف إلى تعزيز فاعلية عملية التقييم وجدواها بأكملها. وتوضح إلى أي حدٍّ يُعدّ التقييم عمليةً لإجراء تغيير حقيقي وتكييف السياسات للتغلب على أوجه القصور وملاءمتها مع الواقع على الأرض، بناءً على التجارب المقارنة. وتعدّ هذه المرحلة عملية مستمرة ومنهجية لجمع المعلومات، تجري وفقًا لإطار عمل واضح ومؤشرات محددة جيدًا، تزوّد صانعي السياسات ببيانات عن التقدم المحرز والأهداف المحققة والأموال المخصصة. وإضافة إلى جمع المعلومات على المستوى الكلي، تركز استراتيجية المتابعة أيضًا على جمع المعلومات على المستوى الجزئي، عبر نظام إدارة معلومات إلكترونية متطور أُنشئ منذ عام 1990. ويجري حاليًا تعميم استغلال منظومة متابعة المشاريع العمومية "إنجاز" وتقييمها؛ ما من شأنه أن يساعدنا على متابعة تنزيل السياسات العمومية إلى برامج ومشاريع باعتمد نظام معلوماتي جغرافي SIG géographique, d'information Système. إضافة إلى ذلك، أُنشئت إدارة مالية عامة جديدة، من خلال التصويت على قانون جديد في 13 شباط/ فبراير 2019. ويهدف هذا القانون الجديد إلى تضمين المزيد من المساءلة المالية العامة والشفافية وتسهيل متابعة الإدارة المالية العامة بالانتقال إلى نظام عملي فعّال؛ لإعداد الموازنات القائمة على الأداء، وتحسين وضع الموازنات متعددة السنوات، وتبسيط الرقابة على المالية العامة في المستوى المحلي.

في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، أصدرت الحكومة تصاريح للجنة العليا بإجراء مهمتها الأولى في تقييم سياسات الإدماج الاجتماعي للشباب. الجمهورية التونسية، "المنظومة المعلوماتية الخاصة بمتابعة وتقييم وتنفيذ المشاريع العمومية"، بوابة رئاسة الحكومية، 2014/4/24، شوهد في 2021/8/15، في: https://bit.ly/3AM1V0K ينظر: الجمهورية التونسية، رئاسة الحكومة، "قانون أساسي عدد 15 لسنة 2019 مؤرخ في 13 فيفري 2019 يتعلق بالقانون الأساسي للميزانية"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 15، 2019/2/19، ص 484، شوهد في 2021/9/14، في: https://bit.ly/3EjGlDK

2. عملية التنسيق

يُعدّ التنسيق أمرًا أساسيًا لتسريع الانتقال الديمقراطي، وتحديد وتيرة الإصلاحات الهيكلية. ويتضمن تعزيز التواصل بين مختلف مستويات صنع القرار في مساره الهرمي العمودي العادي، إضافة إلى التكامل الأفقي لمختلف مراكز صنع القرار، لتحقيق الأهداف نفسها التي حددها جدول أعمل الحكومة. إضافة إلى آليات التنسيق الإدارية القديمة (مكتب رئيس الحكومة، وجلسات العمل الوزارية، وغيرها)، أُنشئت آلية جديدة للمساعدة في تنسيق المساعدة الإنمائية المالية الخارجية لتمويل الإصلاحات الرئيسة من خلال التعاون الدولي. وتعدّ هذه الآلية أداة اتصال بين الدولة التونسية والشركاء الماليين الدوليين، وتوفر لوحة عرض بيانات، تهدف إلى تسهيل عملية تعبئة الموارد. ولذلك تمثِّل هذه المكونات جميعًا المذكورة نظامًا متكاملً يهدف إلى تحسين العمل الحكومي على مختلف المستويات، بدءًا بوضع الاستراتيجية ومفهومها وتنفيذها ومتابعتها، إلى تقييم السياسات والبرامج والمشاريع. وتجدر الإشارة في هذه المرحلة إلى الخطوات الرئيسة المستخدمة لتسهيل تنفيذ نظام المتابعة والتقييم: الرؤية: تُرجمت رؤية الإصلاح عبر مبادرة أطلقها رئيس الحكومة عام 2015 إلى نظام وطني للمتابعة والتقييم. وحُددت الأهداف والتوقعات على نحوٍ جيّد في إطار هذه المبادرة، إضافة إلى إنشاء منصب وزاري مسؤول عن الإصلاحات في عام.2017 تشخيص النظام: هي عملية يتم من خلالها تحديد مكامن الضعف والقوة على مستوى توفير المعلومة وعلى مستوى استغلالها بهدف مأسسة المتابعة والتقييم على المدى البعيد، وأجريت آخر عملية تشخيص في عام 2016. وقد حددت أوجه قصور عدة، ووُضعت خطة لتعزيز قدرات الهياكل المتعددة عبر تدريب نحو ثلاثين فريقًا على مستوى الإدارات المركزية والإقليمية. ووُضع أيضًا برنامج وطني لتنمية القدرات خلال الفترة أيلول/ سبتمبر 2016 - نيسان/ أبريل 2017، لتعزيز قدرات الموظفين العموميين. وقدّمت المدرسة الوطنية للإدارة العامة في كندا دورة تدريبية في التقييم تدرب فيها 10 قضاة من قسم المحاسبة و 10 مراقبين عاميّن و 10 موظفين آخرين من الهياكل الإدارية. وأخيرًا، نُظمت عدة منتديات دولية لزيادة الوعي بتقييم السياسة العامة. وضع خطة عمل: نظرًا إلى أهمية بناء نظام موثوق يعكس الخصائص التونسية، تبنّت السلطات نهجًا تشاركيًا، باستخدام مدخلات مختلف الجهات الفاعلة، بما في ذلك تجارب مقارنة مستمدة من بلدان المنطقة. وتضمنت الخطة تعزيز نظام المعلومات عبر مراجعة منهجية ودورية، ووضع سياسة تمنع استخدام المعلومات غير الآمنة، فضلً عن إضفاء الطابع المؤسسي على هيكل دائم مسؤول عن تنفيذ خطة العمل. وقد وضعت هذه الخطة كي تنفذ في إطار خطة التنمية الوطنية 2020-2016 وخطط التنمية المقبلة.

مروان المعشر ومارك بييريني وألكساندر جيراسي، "بين الوعد والوعيد: إطار جديد للشراكة مع تونس"، مؤسسة كارنيغي، 2016/4/14، ص 24، شوهد في 2021/8/15، في: https://bit.ly/3yS6fvc الجمهورية التونسية، رئاسة الحكومة، "حول الانخراط في المنظومة الوطنية لمتابعة وتقييم المشاريع والبرامج العمومية"، منشور عدد 13، 2017، شوهد في 2021/8/31، في: https://bit.ly/3kDqt5U

خاتمة

مثّلت التحديات المؤسسية عنصرًا مهمً لتسريع الإصلاحات الاقتصادية في تونس ما بعد الانتقال. ومن أهم العوامل المؤثرة في تسريع نسق الإصلاحات ضعف القدرات المؤسسية والفنية، خاصة القدرات اللوجستية والقدرة على القيادة في إجراء الإصلاحات داخل المؤسسات العامة. وفي ظل غياب التوافق بين الأطراف المتدخلة في عملية الإصلاح، وغياب القدرة على فرض أجندة الإصلاحات في مجلس النواب، يصبح عامل الاقتصاد السياسي مهمً لتسريع نسق الإصلاح. في الوقت نفسه، تساهم قدرة الحكومة على القيادة والتعبئة لدعم مشروع الإصلاح في نجاح الإصلاحات، وذلك من خلال القدرة على التنسيق، وتعزيز مبدأ الحوار والتشارك، وتخصيص الموارد اللازمة للتعويض. وتحتاج الإصلاحات أيضًا إلى بناء منظومة تقييم ومتابعة تعمل ضمن مبادئ الحياد والمساواة، وتعتمد الطرق العلمية الحديثة. واجهت عملية الإصلاح في تونس، شأنها شأن تجارب بلدان أخرى، مخاطر جسيمة تتعلق بالهشاشة الاقتصادية وصعوبة إقامة تنسيق بين الجهات الفاعلة جميعًا نتيجة الأزمة السياسية. إضافة إلى ذلك، تعاني المؤسسات العامة ضعف القدرات اللوجستية والفنية؛ ما ساهم في تعطيل عملية الإصلاح. وساهمت أيضًا الأزمة السياسية في تأخير الإصلاحات، من خلال تعطيل التوافق، وخفض مستوى التنسيق، وتعطيل نسق العمل داخل المجلس نتيجة التجاذبات السياسية. إن إجراء إصلاحات في فترة انتقالية يتطلب بالضرورة اتباع نهج متعدد الأبعاد، لمواجهة التحديات، واكتساب حصانة اقتصادية وسياسية ومؤسسية. وهذا أمر مهم في فترة انتقالية، تتسم بعدم اليقين، وتضارب الأهداف بين مختلف الجهات المعنية. واستنادًا إلى توافق الآراء السياسي التونسي "الاستثنائي" الذي توّج ب "خطة قرطاج" وجائزة نوبل، اتبعت استراتيجية الإصلاح المسار نفسه، بفتح حوار مع مختلف الأطراف، وتعزيز عملية شفافة وتشاركية. وكانت الإجراءات التالية، على نحوٍ خاص، عنصرًا رئيسًا في بناء استراتيجية الإصلاح: بناء القدرات المؤسسية، ومنها تعزيز كفاءة نظام الإدارة والتوزيع القطاعي، وفق محاور الإصلاح الموضوعة ضمن استراتيجية الإصلاح. تعميق توافق الآراء بين مختلف الجهات الفاعلة المشاركة في عملية الإصلاح، فيم يتعلق بمبادئ الدستور الجديد، واستنادًا إلى نهج تشاركي يهدف إلى التغلب على النزاعات السياسية الأساسية وتحقيق أهداف الانتقال الديمقراطي. أهمية تعزيز الشفافية في الخطاب الرسمي، وتعريف المواطنين بالإصلاحات تدريجيًا أمر أساسي؛ لأنهم أصبحوا أشدّ يقظة تجاه المشاركة في الشؤون العامة ومراقبة النشاط الحكومي.

تُوجت أربع منظمات تونسية، هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، بجائزة نوبل للسلام لسنة 2015، تقديرًا للدور الذي أدّته في إنجاح الحوار الوطني التونسي.

المراجع

العربية

الجمهورية التونسية، رئاسة الحكومة. "حول الانخراط في المنظومة الوطنية لمتابعة وتقييم المشاريع والبرامج العمومية". منشور عدد.13 2017:. في https://bit.ly/3kDqt5U مجموعة الأزمات الدولية. الانتقال المعطل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية، تقرير الشرق الأوسط رقم 177. بروكسل: 10 أيار/ مايو 2017:. في https://bit.ly/3miJv47 المعشر، مروان ومارك بييريني وألكساندر جيراسي. "بين الوعد والوعيد: إطار جديد للشراكة مع تونس". مؤسسة كارنيغي. 2016/4/14:. في https://bit.ly/3yS6fvc

الأجنبية

Acemoglu, Daron & James Robinson. "Democratization or Repression?" European Economic

________. "Why Not a Political Coase Theorem? Social Conflict, Commitment, and Politics."

Alesina, Alberto & Allan Drazen. "Why Are Stabilizations Delayed?" The American Economic

Alesina, Alberto et al. (eds.). "Fiscal Expansions and Adjustments in OECD Countries." Economic

Alesina, Alberto, Silvia Ardagna & Francesco Trebbi. "Who Adjusts and When? On the Political

Appel, Hilary. "Voucher Privatisation in Russia: Structural Consequences and Mass Response in the Second Period of Reform." Europe-Asia Studies. vol. 49, no. 8 (December 1997). Balcerowicz, Leszek & Alan Gelb. "Macropolicies in Transition to a Market Economy: A Three- Year Perspective." The World Bank Economic Review. vol. 8, no. 1 (December 1994). Bellin, Eva. "The Politics of Profit in Tunisia: Utility of the Rentier Paradigm?"  World Development.

Bovens, Mark A. et al. (eds.). Success and Failure in Public Governance: A Comparative Analysis.

Christensen, Tom & Per Lægreid (eds.). New Public Management: The Transformation of Ideas

Review. vol. 44, no. 4-6 (2000).

Journal of Comparative Economics. vol. 31, no. 4 (2003).

Review. vol. 81, no. 5 (December 1991).

policy. vol. 10, no. 21 (October 1995).

Economy of Reforms." IMF Staff Papers. vol. 53, no. 1 (2006).

vol. 22, no. 3 (1994).

Cheltenham: Edward Elgar, 2002.

and Practice. Aldershot, UK: Ashgate, 2002.

Crocker, Chester & Pamela Aall. The Fabric of Peace in Africa: Looking beyond the State. Ontario: Centre for International Governance Innovation, 2017. European Bank for Reconstruction and Development. Transition Report 1999: Ten years of transition: Economic Transition in Central and Eastern Europe, the Baltic States and the CIS. London: 1999. Fritz, Verena, Marijn Verhoeven & Ambra Avenia. Political Economy of Public Financial Management Reforms: Experiences and Implications for Dialogue and Operational Engagement. World Bank, Washington, DC. (15/11/2017). at: https://bit.ly/3hzHpJS Grilli, Vittorio et al. (eds.). "Political and Monetary Institutions and Public Financial Policies in the Industrial Countries." Economic policy. vol. 6, no. 13 (October 1991). Havrylyshyn, Oleh & Saleh M. Nsouli (eds.). A Decade of Transition: Achievements and Challenges. Washington: International Monetary Fund, 2001. Hellman, Joel S. "Winners Take All: The Politics of Partial Reform in Postcommunist Transitions." World politics. vol. 50, no. 2 (January 1998). International Monetary Fund. Tunisia: 2021 Article Iv Consultation. IMF Country Report, no. 21/44. 2021. at: https://bit.ly/3kQuwfc Khemani, Stuti. "Political Economy of Reform." Policy Research Working Paper. no. 8224. World Bank, Washington, DC. 15/11/2017. at: https://bit.ly/3tVlDoZ Lizzeri, Alessandro & Nicola Persico. "Why did the Elites Extend the Suffrage? Democracy and the Scope of Government, with an Application to Britain's 'Age of Reform'." The Quarterly Journal of Economics. vol. 119, no. 2 (May 2004). Murrell, Peter. "How Far has the Transition Progressed?" Journal of Economic Perspectives. vol. 10, no. 2 (Spring 1996). ________. "What is Shock Therapy? What did it do in Poland and Russia?" Post-Soviet Affairs. vol. 9, no. 2 (1993). North, Douglass et al. (eds.). "Limited Access Orders in the Developing World: A New Approach to the Problems of Development." Policy Research Working Paper no. 4359. World Bank (September 2007). at: https://bit.ly/2VNEcih Poznanski, Kazimierz Z. Poland's Protracted Transition: Institutional Change and Economic Growth, 1970-1994. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.

République Tunisienne, Présidence du Gouvernement, Commission Supérieure des Marchés. Rapport final sur l'évaluation du système national de passation des marchés publics en Tunisie. Appui technique et financier. 2012. at: https://bit.ly/3zLzekA Rodrik, Dani. "Understanding Economic Policy Reform." Journal of Economic Literature. vol. 34, no. 1 (March 1996). Roland, Gerard. "The Role of Political Constraints in Transition Strategies." Economics of Transition. vol. 2, no. 1 (March 1994). Sachs, Ignacy. L'écodéveloppement: Stratégies de transition vers le XXIe siècle. Massachusetts: Syros, 1993. Sachs, Jeffrey D. & Katharina Pistor. The Rule of Law and Economic Reform in Russia. Boulder: Westview Press, 1998. Sturzenegger, Federico & Mariano Tommasi (eds.). The Political Economy of Reform. Cambridge: The MIT Press, 1998. Yesilkagit, Kutsal & Jouke de Vries. "Reform Styles of Political and Administrative Elites in Majoritarian and Consensus Democracies: Public Management Reforms in New Zealand and the Netherlands." Public Administration. vol. 82, no. 4 (December 2004).