حول علاقة البحث العلمي بالممارسة في القطاع الخيري والإنساني في دولة قطر
Research-Practice Nexus in Qatar's Humanitarian Eco-system
الملخّص
نظّم مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، بالتعاون مع هيئة تنظيم الأعمال الخيرية، في 25 أيار/ مايو 2021، مؤتمرًا متخصصًا، عبر تطبيق "زووم"، ناقش العلاقة بين البحث العلمي والممارسة في القطاع الجمعياتي والمؤسسي الإنساني والخيري القَطري. وشارك فيه عدد من الخبراء والمتخصصين في مجال العمل الإنساني والخيري محليًّا ودوليًّا.
Abstract
On 25 May 2021, the Center for Conflict and Humanitarian Studies, in cooperation with the Regulatory Authority for Charitable Activities, organized a specialized conference via Zoom to discuss the relationship between scientific research and practice in Qatar’s humanitarian and charitable institutional sector. A number of local and international experts and specialists in humanitarian and charitable work participated in the event.
- البحث العلمي
- قطر
- العمل الإنساني
- Research
- Qatar
- Humanitarian Work
نظّم مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، بالتعاون مع هيئة تنظيم الأعمل الخيرية، في 25 أيار/ مايو 2021، مؤتمرًا متخصصًا، عبر تطبيق "زووم"، ناقش العلاقة بين البحث العلمي والممرسة في القطاع الجمعياتي والمؤسسي الإنساني والخيري القَطري. وشارك فيه عدد من الخبراء والمتخصصين في مجال العمل الإنساني والخيري محليًّا ودوليًّا. وتضمنت قائمة المتحدثين: سلطان بركات (مدير ومؤسس مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني)، وإبراهيم عبد الله الدهيمي (مدير عام هيئة تنظيم الأعمل الخيرية)، وحاتم مهني (مدير أول البرامج بصندوق رعاية البحث العلمي)، وعلي عبد الله الأنصاري (مدير إدارة العلاقات العامة والاتصال بهيئة تنظيم الأعمل الخيرية)، وسورتشا أوكالاهان O'Callaghan Sorcha (مجموعة السياسات الإنسانية - معهد التنمية الخارجية ODI-HPG Institute, Development Overseas Group, Policy Humanitarian)، وآرني ستراند Strand Arne (مدير مركز U4" " لموارد مكافحة الفساد في معهد كريستيان ميشلْس U4 the of Director ن Institute Michelsen Chr. Centre, Resource Anti-Corruption)، وأنتونيو دي لاوري Laurie De Antonio مدير المركز النرويجي للدراسات الإنسانية.)Director of the Norwegian Centre for Humanitarian Studies (كم ساهم عدد آخر من الباحثين في النقاش، منهم، إبراهيم المالكي (المدير التنفيذي للهلال الأحمر القطري)، ومحمد الغامدي (مساعد الرئيس التنفيذي لقطاع الحوكمة والتطوير في قطر الخيرية)، وسلوى المناعي (رئيسة قسم السياسات والأبحاث بمؤسسة التعليم فوق الجميع).
Senior Research Fellow, Centre for Conflict and Humanitarian Studies. Email: abdulfatah.mohamed@dohainstitute.org
مقدمة
تُعدّ دولة قطر من الدول السخيّة في تقديم المساعدات والمعونات في مواجهة الكوارث والأزمات حول العالم، خصوصًا في العقدين الماضيين، حيث تضاعفت الجهود الخيرية والإنسانية المقدمة، لا سيم في مجال العمل الإنساني والإغاثة الطارئة، مع تزايد التجاوب والتفاعل الكبيرين مع تلك التحديات والأزمات الإنسانية، مثل النزاعات والكوارث، سواء في العالم العربي أو خارجه. ولا شك في أن جهود المنظمت الإنسانية القطرية حظيت بدعم سخيّ وتجاوب كبير من شرائح متعددة من المجتمع القطري في ظل تنامي التحديات الإنسانية والأزمات المتلاحقة في المنطقة العربية، خصوصًا في السنوات التي تلت ما أطلق عليه "ثورات الربيع العربي" في عدد من الدول العربية، التي خلفت أزمات معقدة، مثل أزمة النازحين واللاجئين، فضلً عن تزايد الحاجات الإنسانية والتنموية والأمنية، وإنهاء النزاعات عقب الحروب وإعادة الإعمر في الوقت نفسه. بلغ إجملي ما قدمته المنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية القطرية، في المدة 2014-2010 ما يعادل 5,765,532,451 ريالً قطريًّا، أي ما يتجاوز المليار ونصف المليار دولار أميركي خلال هذه السنوات الخمس (ينظر الجدول 1). وبالرجوع إلى التقارير السنوية لثلاث منظمت قطرية: قطر الخيرية ومؤسسة التعليم فوق الجميع والهلال الأحمر القطري، نجد أنها قدّمت، مجتمعةً، في المدة 2019-2017، ما يعادل مليار دولار أميركي في دعم قطاعات حيوية، مثل قطاعات الإغاثة في الطوارئ والتعليم والصحة، والعديد من مشاريع التنمية المستدامة خارج دولة قطر. علمً أن دولة قطر كانت تعيش تحت وطأة حصار السعودية والإمارات والبحرين ومصر، بل واجهت المنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية القطرية اتهامات كثيرة في وسائل إعلام متعددة، أجنبية وتابعة لتلك الدول، بتمويل الإرهاب وغسل الأموال. الجدول (1) المساعدات الخارجية للمنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية القطرية في المدة 2014-2010
| المساعدات الخيرية والإنسانية المقدمة من المنظمت الإنسانية والجمعيات القطرية (بالريال القطري) | املسنة |
|---|---|
| 799,690,991 | 2010 |
| 806,333,139 | 2011 |
| 993,794,178 | 2012 |
| 1,328,081,637 | 2013 |
| 1,833,532,506 | 2014 |
| الإجملي: 5,765,532,451 ريالً |
المصدر: نقلً عن تقارير وزارة الخارجية القطرية.
جاءت فكرة المؤتمر انطلاقًا من ندرة الأبحاث والدراسات التي تتناول العمل الإنساني في قطر، ووجود فجوة واضحة بين البحث العلمي والممرسة في القطاع الإنساني، في وقت يُعدّ فيه العمل الإنساني القطري بيئة خصبة للبحث
العلمي؛ فقد قدمت المنظمت الإنسانية القطرية خلال العقدين الماضيين مليارات الدولارات. وتمك نت من الاستجابة للكثير من الأزمات في العديد من المناطق؛ ما مكّنها من إحداث تأثير إيجابي في حياة عشرات الملايين من المستفيدين، وأتاح لها كذلك فرص الاحتكاك المباشر والتفاعل عن قرب مع العديد من المجتمعات. وهذا يوفر بيئة خصبة للبحث العلمي من خلال جمع المعلومات، وتقديم العديد من التجارب وقصص النجاح في سياقات وبيئات اجتمعية متنوعة، لمصلحة العديد من الفئات في عدد من المناطق الجغرافية المختلفة. وبحسب سلطان بركات فإنه: "لا شك في أن تفعيل دور البحث العلمي في هذا الإطار سوف ينعكس بالإيجاب على العمل الإنساني القطري؛ إذ سيوفر له منهجية علمية تساعد في تحديد توجهاته وتقييم أدائه وتعظيم مخرجاته، وهو ما يجعله يحقق قيمةً مضافةً لجميع المشاركين في منظومة العمل الإنساني من جانب، ويسهم في تطوير دور الدبلوماسية العامة لدولة قطر من جانب آخر، كم يساعد في تجنيب المنظمت الإنسانية القطرية مخاطر الوقوع في الأخطاء، أو التعرض لتحديات العمل في مناطق النزاعات المسلحة العنيفة أو المناطق التي تنشط فيها كيانات مصنفة على قوائم الإرهاب من جانب الدول والمنظمت الدولية". لا تزال الدراسات والأبحاث المعنية بالعمل الإنساني والخيري الصادرة عن المجتمع البحثي الأكاديمي في دولة قطر، مثل الجامعات والكليات ومراكز الأبحاث، بالغة التواضع. فلم يُظهر المجتمع الأكاديمي والبحثي الاهتمم الكافي بمجال العمل الخيري والإنساني القطري، إلّ في حالات نادرة. ومع ذلك، ينحصر جلّ تلك الأبحاث والدراسات الأكاديمية في مجال العمل الاجتمعي. كم أن المنظمت الخيرية والإنسانية القطرية لا تصدر أبحاثًا ودراسات علمية وأكاديمية؛ ما يعني أن البحث الأكاديمي والدراسات العلمية لم تحتلّ المساحة الملائمة للتأثير في توجّهات صنّاع الرأي والقرار في المنظمت الإنسانية والخيرية القطرية، ولم يُدرج ضمن الخطط الاستراتيجية، أو ضمن أولوياتها. وتُعبّ هذه الحالة عن انقطاعٍ واضح بين البحث العلمي والممرسة التنفيذية في قطاع العمل الخيري والإنساني. يُعدّ تأسيس مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في عام 2016 في الدوحة، وبرنامج الماجستير في إدارة النزاع والعمل الإنساني في معهد الدوحة للدراسات العليا، أولى المحاولات لرأب الشرخ وجسر الفجوة البحثية في مجتمع المنظمت الإنسانية والخيرية في دولة قطر، وهو ما أتاح فرص الاحتكاك والتفاعل عن قرب مع العديد من تلك المجتمعات. ويوفر هذا التواصل عادة فرصًا استثنائية، بل هائلة للبحث العلمي؛ من خلال جمع بيانات ومعلومات لا تتاح للمجتمع البحثي والأكاديمي. ويساعد في تقديم العديد من التجارب وقصص النجاح في سياقات وبيئات اجتمعية متنوعة في عدد من المناطق الجغرافية المختلفة. كم يمكن استثمر تلك الفرص للخروج بنتائج بحثية جوهرية من شأنها أن تسهم، وفق منهجية علمية، في توجيه التمويلات الخيرية الإنسانية القطرية على نحو أشد فاعلية وتأثيرًا، وتحقيق قيمة مضافة وتعزيز رصيد التأثير الإيجابي للقوة الناعمة لدولة قطر. ويمكن أن تسهم كذلك في تجنيب المنظمت الخيرية والإنسانية القطرية العديد من المخاطر، خصوصًا مخاطر العمل في بيئات وسياق نزاعات تنشط فيها جمعات مسلحة عنيفة، تصنّفها المنظومة الدولية في قوائم الإرهاب.
جلسات المؤتمر
أدار أعمل المؤتمر سلطان بركات، وعرَض مقدمة حول المؤتمر وأهدافه، تضمنت ضرورة تقييم الدور الذي يمكن أن يؤديه البحث القائم على الأدلّة Research Evidence-based لدعم النشاطات الإنسانية في قطر. وأشار إلى تطوير
المنظمت القطرية خطة للعمل المشترك لتحديد أولويات السياسة العامة والبحث الأكاديمي حول النشاطات الإنسانية والخيرية، وقيام الجهات المعنية بدعم الأبحاث في القطاع الإنساني ورعايتها. ومن ثم، كانت الكلمة الرئيسة لإبراهيم عبد الله الدهيمي الذي أوضح بدوره دور هيئة تنظيم الأعمل الخيرية وصلاحياتها، خصوصًا فيم يتعلق بتنفيذ استراتيجية العمل الخيري والإنساني بالدولة، وفقًا لرؤية قطر الوطنية 2030، واستراتيجية التنمية الوطنية بالتعاون والتنسيق الوطني مع الجهات الرقابية والجهات المتخصصة في الدولة. فقد وضعت الهيئة العديد من التدابير واللوائح والإرشادات التي تعزّز الحوكمة والنزاهة والشفافية في قطاع الجمعيات والمؤسسات الخاصة الخيرية والمنظمت غير الهادفة إلى الربح؛ لحميتها من الاستغلال في الأعمل غير المشروعة وتحديد المخاطر التي تتعرض لها وتقييمها، من أجل دعم ثقة الجمهور بهذا القطاع وإصدار التعليمت والضوابط الرقابية المنظمة للعمل الخيري والإنساني والمنظمت غير الهادفة إلى الربح والتعاون معها وتقديم الدعم اللازم لرفع قدراتها، إلى جانب الإشراف والرقابة على الأعمل الخيرية والإنسانية والعمليات المالية وجمع التبرعات وتحويل الأموال وإنشاء سجل للجمعيات والمؤسسات الخاصة الخيرية والمنظمت غير الهادفة إلى الربح، والاحتفاظ بالإحصاءات عن التدابير المعتمدة والعقوبات المطبّقة، ونشرها على موقع الهيئة الإلكتروني. واستنادًا إلى قرار مجلس إدارة هيئة تنظيم الأعمل الخيرية رقم (1) لسنة 2021 نشئت أقسام في الوحدات الإدارية التي تتألف منها الهيئة وحُدّدت اختصاصاتها. ووفقًا للمدة رقم، أُ) 17(بشأن اختصاصات قسم التنمية والدعم، فقرة رقم ((13) و)، تمّ النص صراحة على إعداد الدراسات لتحديد حاجات منظمت العمل الخيري والإنساني وأولوياته، وتنمية البرامج والأعمل الإنسانية ودعمها. أصبح المنهج العلمي نتيجة هذا التحوّل والتطوّر الملحوظ الذي شهده العمل الخيري والإنساني في دولة قطر، إحدى الركائز المهمة التي يستند إليها تطوير العمل الخيري والإنساني، وذلك بالاعتمد على نتائج الأبحاث والدراسات العلمية والتطبيقية لتطوير نظم الإشراف والرقابة وتعزيز القدرات المؤسسية وترسيخ الحوكمة ورفع الالتزام بمعايير النزاهة والشفافية وجودة الأداء وتطوير التعاون والتنسيق والتكامل الدولي، واعتمد النهج التنموي المستدام وفق أفضل الممرسات العالمية. إن الطريق المثلى نحو تنظيم العمل الخيري والإنساني، إنما تكون باتّباع أفضل التطبيقات والممرسات العالمية التي لا يمكن التوصل إليها إلّ بعملية تلاقح وتعاون بين الأبحاث والدراسات وتقييم الخبرات والممرسات التطبيقية الميدانية. بعد ذلك، قدّم حاتم مهني عرضًا، تناول فيه جهود الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي في تحقيق الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي وموقع العمل الخيري والإنساني فيها. ثم قدّم علي عبد الله الأنصاري عرضًا تقديميًّا مصحوبًا بفيديو تعريفي تناول إنجازات الهيئة والشراكات المختلفة التي قامت بها، خصوصًا في مجال البحث العلمي. أمّا سورتشا أوكالاهان، فقد قدّمت عرضًا حول ترجمة البحث العلمي إلى سياسات وممرسات. فتناولت دور معهد التنمية الدولية وطبيعة الأبحاث والدراسات التي يقوم بها والمبادئ الأساسية التي يعمل وفقًا لها. وتناول عرضها أيضًا فلسفة المعهد التي تعتمد على القيام بأبحاث معمّقة ومستقلّة حول القضايا الرئيسة التي تؤثر في السياسة والممرسات الإنسانية. وأوضحت أن المعهد يقدم خدمات استشارية من خلال الخبراء لدعم السياسات والتعلم، مركّزة على نهج تقديم الحلول. ويعتمد المعهد أيضًا، بحسب أوكالاهان، على عقد اجتمعات رفيعة المستوى ومتعدّدة، مع أصحاب المصلحة من أجل ترجمة الأفكار إلى قرارات عملية والربط بين الأكاديميين وأصحاب القرار والممرسين في برنامج رائد للبحوث والشؤون العامة والاتصالات؛ من خلال تمويل عدد من الجهات المانحة. وتمتد دورة البحث
عامين، مع التركيز على القضايا الأشد أهمية للقطاع الإنساني. وتتميز دراسات المعهد بالاستقلالية والروح النقدية البناءة والارتكاز على الأطر التحليلية على مستوى الدولة والاستفادة من الخبرات العملية والممرسات. إثر ذلك، قدَّم كل من آرني ستْاند وأنتونيو دي لاوري عرضيَن تناولا فيهم موضوع التعاون بين المراكز البحثية في مجال العمل الإنساني في النرويج، وكيفية إقامة شبكة واحدة متناغمة لضمن نجاح العمل وتعظيم دور البحث العلمي في مجال العمل الخيري والإنساني بالتنسيق مع العديد من الشركاء. وأكّد المشاركان أهمية وجود خبرات متنوعة في العمل الإنساني بما يساعد في التغلب على مختلف التحديات في هذا المجال. وأكّد إبراهيم الدهيمي أن هيئة تنظيم الأعمل الخيرية حريصة على الاستفادة من إمكانات المراكز البحثية من خلال حصر الأبحاث والدراسات التي تناولت العمل الإنساني والخيري وتحديد جوانب الاستفادة منها، مبرزًا أن الهيئة ستفكّر في تنظيم مؤتمر ثانٍ في هذا الإطار لبحث تحديد الحاجات إلى الأبحاث المستقبلية. كم أكد أنّ انتهاج العمل الإنساني للبحث العلمي، سيعزّز هذه الجهود ويسهم في تعظيم مخرجات العمل الإنساني في مختلف المجالات؛ فالموضوعات والمداخلات والمناقشات التي شهدها المؤتمر، طرحت العديد من القضايا التي يمكن بحثها في إطار البحث العلمي المستقبلي، خصوصًا فيم يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتوفير منهجية تنظيمية ومتوازنة في التعامل مع القطاع الإنساني بتوفير بيئة فعالة ضد مخاطر الاستغلال والحفاظ على استقلالية العمل الإنساني والبعد به عن أي أعمل غير مشروعة، وكذلك في مجال تنمية الأعمل الإنسانية ودعمها وتشجيعها، وزيادة الوعي بالعمل الإنساني وتنميته بين أفراد المجتمع، إضافة إلى تنسيق الجهود وتوحيدها بين الجهات العاملة في مجال الأعمل الإنسانية. وذهب سلطان بركات إلى أنّ للقطاع الخيري والإنساني القطري حضورًا دوليًا مميّزًا؛ ما يعزّز فرص الشراكات البحثية الإقليمية والعالمية. وشدّد على ضرورة تجسير الفجوة بين البحث العلمي وواقع العمل الخيري والإنساني، مشيرًا إلى أهمية التفكير في وضع خطة بحثية بمشاركة الجهات الفاعلة والمعنية بدعم صندوق رعاية البحث العلمي ومنظمت العمل الإنساني في دولة قطر. وأضاف: "نتطلع إلى وضع أجندة بحثية للعمل الإنساني، يتم من خلالها تناول مختلف الموضوعات والخروج بنتائج علمية رصينة تسهم في ترشيد أداء العمل الإنساني القطري وإكسابه القيمة المضافة التي يستحقها، خصوصًا مع تنوع البيئات والمجالات التطبيقية لإسهامات العمل الإنساني القطري". وهناك اتفاق على أهمية البحث العلمي في المجال الإنساني والخيري، خصوصًا في مجال تقييم أثر المشروعات الإنسانية والخيرية، وأكد على الحاجة الملحّة إلى إيجاد منصة، أو شبكة، يمكن أن تستفيد منها المنظمت الإنسانية والخيرية، مع ضرورة توافر مصادر للتمويل المشترك، بناءً على أن قضية التمويل من التحديات الأساسية في هذا المجال. أشار حاتم مهني إلى وجود فرص كبرى لتفعيل دور البحث العلمي في المجال الإنساني والخيري، كم نوّه بإمكان استحداث المؤسسات الإنسانية والخيرية مكتبًا للبحث العلمي فيها، أو التعاون مع الجهات التي فيها مكتب للبحث العلمي، مثل جامعة قطر أو معهد الدوحة للدراسات العليا، حيث تجري مراجعة مشروعات الأبحاث المقدمة والتأكد من توافقها مع المعايير المطلوبة من جانب الصندوق القطري للبحث العلمي وغيره من الجهات. ثم لمّح إلى وجود عدد من الموضوعات التي تصلح لأنْ تكون مجالات للبحوث المستقبلية، مثل حوكمة القطاع الإنساني والخيري كمنظومة متكاملة، وعلاقة العمل الإنساني بالعلاقات الجيوسياسية لقطر من خلال إجراء دراسات أنثروبولوجية
لدوافع قطر في العمل الإنساني والخيري، وكذلك مساهمة التمويل القطري في تحسين أوضاع الفئات الضعيفة، نظرًا إلى الدور القطري الرائد في هذا المجال. من جانبه، أشار محمد الغامدي إلى أنّ هناك فرصًا للتعاون والشراكة بين مراكز البحث العلمي والمنظمت الإنسانية. لكن، يكمن التحدي في أن البحث العلمي يستغرق وقتًا ويتطلّب توافر التمويل الذي ربما لا يتوافر لدى المنظمت الإنسانية، بحكم أن تمويلات المؤسسات الخيرية والإنسانية تكون مقيّدةً لمشاريع محددة. وأشار إلى أن البحث العلمي شديد الأهمية في المجال الخيري والإنساني، لأنه يوفر مخرجات علمية وبحثية تسهم في تغيير الواقع، وهو ما يُعدّ أحد إنجازات البحث العلمي في المجال الخيري والإنساني. وأشاد بالتجربة البريطانية في هذا المجال، لافتًا الانتباه إلى أنّ هناك عددًا من القضايا الملحّة في العمل الإنساني والخيري، مثل أهمية وجود توثيق علمي منهجي للإنجازات التي تقوم بها منظمت العمل الخيري والإنساني. وأشار إلى أن البحث العلمي يساعد صنّاع القرار؛ نظرًا إلى أن مخرجاته سوف تسهم في ترشيد القرارات التي تُتَّخذ. وهذا أمر محوري، حيث يجب أن تكون القرارات مبنيّة على تجارب واقعية موثّقة، وعلى درجة عالية من الدقة. وأضاف أن لقطر الخيرية خبراتٍ عدة في مجال البحث العلمي، من خلال تعاونها مع معهد دراسات النزوح في عام 2016 الذي أثمر عن صدور تقرير النزوح، أول مرة، في عام 2020 باللغة العربية. وأشار أيضًا إلى تعاون قطر الخيرية مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات. قدم إبراهيم المالكي مداخلة بشأن دور الهلال الأحمر القطري في العمل الإنساني والخيري، مؤكدًا إيمان هذه المؤسسة بدور البحث العلمي. وعرض بعض الإنجازات في هذا المجال؛ من بينها المشاركة في دراسات عدة، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأضاف أنّ هناك اتفاقيةَ تعاونٍ مع معهد الدوحة للدراسات العليا لتبادل الخبرات والاستشارات البحثية، لافتًا الانتباه إلى أن مؤتمر الابتكار في العمل الإنساني يُعدّ ثمرة لنجاح البحث العلمي في هذا المجال؛ بطرح العديد من الموضوعات من خلال عدة أوراق بحثية. وأعرب عن اعتزام الهلال الأحمر القطري تنظيم مؤتمر ثانٍ حول موضوع الابتكار في العمل الإنساني، بالتنسيق مع الصندوق القطري للبحث العلمي. أشارت سلوى المناعي إلى أن استراتيجية مؤسسة التعليم فوق الجميع تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتنويع شراكاتها المحلية والعالمية، وتطمح إلى خلق التأثير العالي الجودة في حياة الأشخاص الأكثر تهميشًا؛ ما جعل البحث العلمي من أولويات المؤسسة التي نشرت عددًا من الدراسات والبحوث والكتب بعدة لغاتٍ. وأضافت أن مؤسسة التعليم فوق الجميع تعاونت مع اليونسكو لعرض وثيقة توجيهية كانت مرجعًا لصوغ الاتفاقية العالمية للاعتراف بمؤهلات اللاجئين والمهاجرين في الدولة المضيفة بعد توقيع إعلان نيويورك في عام 2016. كم أشارت إلى اهتمم المؤسسة بإنشاء قاعدة بيانات ترصد السياسات التعليمية حول العالم، بوصفها من السياسات الفعالة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
توصيات المؤتمر
في نهاية المؤتمر، لخّص سلطان بركات أهم الأفكار والنقاط التي طُرحت خلال الجلسات التي خرجت بتوصيات عدة، أجمع عليها المتحدثون والمشاركون الممثلون عن الجمعيات والمنظمت الإنسانية المحلية والدولية، والتي تُكّن
مركز رصد دراسات النزوح الداخليCentre Monitoring Displacement Internal، منظمة غير حكومية مقرّها في مدينة جنيف، سويسرا.
الأكاديميين والباحثين من البدء في التفكير في كيفية استخدام الأولويات الوطنية والبحثية لدعم الممرسين الإنسانيين العاملين في المجال الخيري، وكيف يمكن الجمعيات الخيرية والإنسانية تقديم الدعم إلى الباحثين والأكاديميين في هذا المجال. ومن أهم هذه التوصيات:
1. وضوح مفهوم البحث العلمي
تتنوع مفاهيم مفردة "البحث العلمي" في القطاع الإنساني والخيري، حيث يتم تصوّرها بأشكال متعددة في بيئة الممرسة وحقلها. فربما تكون بعيدة عن حقيقتها وكنهها في الحقل الأكاديمي البحثي. وهناك من قد يتجنّب استخدامها، نظرًا إلى تصورات مسبقة عنها، وأنها ذات طابع نظري أكاديمي بحت، لا يمتّ إلى الواقع بصلة، وأن غايات البحث العلمي، وما يؤدي إليه، لا يفيدان صنّاع القرار أو السياسة في القطاع الخيري والإنساني الذي يتعامل مع تحديات الواقع وتقلّباته السريعة والمتغيرة باستمرار، على نحوٍ يجعله لا ينتظر نتائج الأبحاث والدراسات العلمية التي تتطلب بطبيعتها تراكمً معقولً لعدد من الدراسات أيضًا، ومددًا طويلة نسبيًّا لتصل إلى مرحلة البرهان Evidence Based. ومن هنا، قد نلاحظ حالة الافتراق بين الفريقين؛ صنّاع القرار والممرسين من جهة، والباحثين الأكاديميين من جهة أخرى. وقد يمنع ذلك الافتراق، ولو نظريًّا، الإنضاج الكافي لعملية اتخاذ القرارات. كم يحول، في نهاية المطاف، دون حدوث الأثر المأمولExpected Impact وفق نظرية التغييرTheory of Change لنتائج المشاريع الإنسانية والتنموية ومآلاتها. ويتطلّب تدثّر مفردة البحث العلمي بتلك الحمولة والأسبقية المفاهيمية، الانطلاق أولً من الأبحاث التطبيقية بوصفها جسرًا، مع ضرورة عرض خلاصات الأبحاث التطبيقية بأساليب مشوّقة، تصل بسلاسة إلى أصحاب القرار والممرسين في بيئة العمل الإنساني والخيري، على نحو يولّد التأثير اللازم في أساليب اتخاذ القرار. ويجب ألا يستغرق هذا التصور الأخير وقتًا طويلً أو تراكمً معرفيًّا؛ إذ إنه يمكن أن يسهل عملية تجسير الهوّة وتقريب التفكير بشكل براغمتي. وبذلك، يمكن فك الالتباس وإطلاق القدرات الخبيئة في مجتمع البحث العلمي، وكسب دعم الممرسين وصنّاع القرار الإنساني لعملية البحث العلمي.
2. البيانات والمعلومات في القطاع الإنساني والخيري
تُعدّ مسألة دقة وجودة البيانات والمعلومات المتعلقة بالحاجات الإنسانية والتنموية الأولية، مثل دراسات تحليل الحاجات Assessment Needs وتفاصيل المشاريع الإنسانية والتنموية، بمنزلة العمود الفقري لأي دراسة أو مشروع إنساني وتنموي، قبل أن يكون مشروعًا بحثيًّا. وفي حال غياب البيانات أو المعلومات الدقيقة، أو افتقارها إلى الجودة والصدقية، تصبح عملية البحث العلمي غير يسيرة. وعلى المنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية تطوير آليات جمع البيانات وتصنيفها وتسجيلها واسترجاعها عند الحاجة إليها. كم قد تفتقر العديد من منظمت القطاع الخيري والإنساني إلى نظم وقواعد البيانات المتطورة التي تكون بمنزلة مستودعات للبياناتData warehouses في ظل التقدم الهائل لنظم المعلومات وتكنولوجيتها. إنّ تبنّي مناهج الإحصاء وتطبيقاته المتنوعة لدى منظمت قطاع العمل الإنساني والخيري، سوف يكون مفيدًا للباحثين في هذا القطاع، ويسهّل مهمتهم البحثية.
3. الاستثمر في ثقافة الرقابة والتقييم والتعلّم
يجب أن تتبنّى المنظمت الإنسانية والخيرية القطرية المرجعية والمعايير الدولية؛ من خلال تخصيص الموارد المالية والكوادر البشرية المدربة للقيام بعمليات الرصد والتقييم والتعلم، للمشاريع الإنسانية والتنموية كلها، بصفتها جزءًا أساسيًّا من منهجية إدارة المشاريع؛ ففي حين أن هناك زيادة ملحوظة في نشاط الرصد والتقييم لدى منظمت القطاع الإنساني والخيري، فإنها لا تزال أقل كثيرًا مم هي عليه في الأنظمة الإنسانية المثيلة، في المملكة المتحدة أو أوروبا على سبيل المثال، حيث تخصَّص ما بين 5 و 10 في المئة من ميزانيات المشاريع بشكل روتيني للرصد والتقييم. ويُعدّ عنصر التوقيت أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ يجب دمج الرصد والتقييم في دورة المشروع. وعملية الرصد والتقييم هي خطوة أولية وقريبة من عملية البحث العلمي. ولا شك في أن منظمت القطاع الإنساني والخيري التي تكون عملية الرصد والتقييم جزءًا من ثقافتها في إدارة المشاريع، سوف يكون الأمر يسيرًا عليها عند القيام بأبحاث ودراسات؛ نظرًا إلى تقارب مجالَ الرصد والتقييم والبحث العلمي بشكل عام.
4. بناء قدرات الباحثين
يبقى الاستثمر في التدريب المنهجي بعد التخرج الجامعي مسألة بالغة الأهمية. وعلى المجتمع البحثي الأكاديمي ألَّ يتردد في الاستثمر في منظومة وطنية صارمة للتدريب المنهجي على مستوى الدراسات العليا، لا سيم في العلوم الاجتمعية. ويمكن تعلّم الكثير من تجربة مجلس البحوث الاقتصادية والاجتمعية - هيئة تمويل العلوم الاجتمعية الرائدة في المملكة المتحدة - التي تعتمد برامج تدريب الماجستير والدكتوراه التي تلبّي معايير التدريب البحثي. كم يمكن أن يسهم الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، بالشراكة مع وزارة التعليم والتعليم العالي في دولة قطر، في ضمن مشاركة الجيل المقبل من الباحثين وصانعي السياسات والممرسين المدربين والحاصلين على الماجستير، في تأسيس مشترك لمفاهيم البحث الأساسية والتطبيقية والأبحاث العابرة الحقول المعرفية التي تربط بين الممرسة والنظرية. كم يمكنهم المشاركة والتعاون من خلال القطاعات بمستوى عالٍ من الدقة المنهجية. سيكون من المفيد استقطاب الممرسين في مجال العمل الإنساني والخيري ضمن مراكز بحثية أكاديمية كي يطّلعوا على بيئة العمل والأولويات البحثية ومناهج الأبحاث والدراسات. كم سيكون مفيدًا استصحاب الباحثين الأكاديميين من المراكز البحثية في زيارات ميدانية إلى المنظمت الإنسانية والخيرية كي يطّلعوا ويعايشوا بأنفسهم المجتمعات المستفيدة وأساليب تنفيذ المشروعات التنموية ومقارباتها، وطرائق الرصد والتقييم وأساليبهم؛ إذ سوف يشكل ذلك كله فرصًا حقيقية لتقريب وجهات النظر بين مجتمع الباحثين والممرسين.
5. التمويل الطويل المدى
يُعدّ توفير التمويل للقيام بالأبحاث والدراسات أحد أكبر التحديات التي تواجه القطاع الخيري والإنساني القطري. فالمنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية تتلقى تمويلات مقيّدة من أجل تنفيذ مشاريع محددة، ولمصلحة فئات متضرّرة من جراء الكوارث والأزمات. ولا يأتي دعم الأبحاث والدراسات في القطاع الخيري والإنساني في سُلّم أولويات المانحين واهتممهم بشكل عام. وعلى الرغم من دور صندوق رعاية البحث العلمي القطري وإسهاماته البارزة، فإن هناك ضرورة لتوسيع نطاق أبحاثه ليشمل القطاع الاجتمعي والخيري والإنساني ضمن أولوياته الوطنية البحثية،
وأن يعمد الصندوق أيضًا إلى توفير منح بحثية مصغرة تشكّل نواة تأسيسية وحافزًا مهمًّ لدفع الاهتمم بالأبحاث والدراسات في القطاع الخيري والإنساني لدى الباحثين والمنظمت الإنسانية والجمعيات الخيرية على السواء.
6. شراكات إقليمية وعالمية
توفر الشراكات البحثية على الصعيدين الإقليمي والدولي مزيدًا من الفرص لتبادل الخبرات والمعلومات والتعاون في حل العديد من تحديات التنمية والعمل الإنساني؛ ذلك أنّ لدى المراكز البحثية، مثل معهد التنمية الدولية ODI في بريطانيا ومعهد CMI في النرويج، شراكات واسعة مع شركاء محليين في دول جنوب الكرة الأرضية، مثل المؤسسات البحثية والجامعات. ومن خلال التعاون البحثي منذ عدة سنوات، في مناطق وجود المنظمت الإنسانية القطرية نفسها، يمكن إتاحة المزيد من الشراكات والتعاون، بدلً من البدء من نقطة الصفر. فقد تمكّن العديد من المراكز البحثية المتخصصة، ومن خلال الكثير من الشراكات، من جسر هوّة الفهم تجاه التحديات في عالم الجنوب؛ مثل الفقر والجوع وأساليب الاستجابة المثلى في مواجهة الأزمات والنزاعات، وكيفية التأثير في السياسات التنموية لكبار المانحين، مثل المملكة المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، نحو تبني مقاربات جديدة كانت نتيجة لتلك المشاريع البحثية القائمة منذ عدة سنوات. فيعمل معهد التنمية الدولية على نشرها واسعًا لتحقيق أكبر أثر ممكن، وتداول نتائجها في تقارير سياسية، ومن خلال عقد ندوات تجمع الباحثين والممرسين على أعلى المستويات للتباحث بشأن ما يتعلق بسياسات التنمية الدولية. وعلى المنظمت الإنسانية القطرية أن توسع إطار شراكاتها من خلال مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني للولوج إلى عالم الأبحاث والدراسات من خلال آخر ما توصّلت إليه تلك الأبحاث والنتائج والاستفادة بالاحتكاك المستمر مع الباحثين من خلال ندوات وورش عمل وغيرها من النشاطات العلمية، على نحو يتيح تبادلً جيدًا لنتائج الأبحاث والدراسات والتأثير في صناع القرار الخيري والإنساني.
7. منصّة اتصال وتنسيق
تُعدّ مسألة التواصل والتنسيق المستمر بين الباحثين الأكاديميين والممرسين من المنظمت الإنسانية والخيرية قضية ملحّة. وتتطلب توفير منصة تتيح عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل بشكل مستمر لتقريب وجهات النظر، وإمكان التفكير خارج الصندوق وتجسير الهوّة بين الفئتين. وعلى المؤسسات المانحة ومراكز البحث تشجيع مثل هذه المنصّات وهذه النوعية من الملتقيات ودعمها، بهدف تذليل العقبات؛ خصوصًا على مستوى المفاهيم والتصورات، وإتاحة فرص التعاون والشراكات المحلية والإقليمية والدولية، والاطلاع على أحدث ما توصّلت إليه تلك الدراسات والأبحاث من نتائج جديدة، أو ما راكمته من معطيات سابقة وممرسات إيجابية. ويمكن أن تنطلق نواة هذه الفكرة من مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، وبرعاية صندوق رعاية البحث العلمي القطري، وبالشراكة مع معاهد علمية إقليمية ودولية.