Return to Article Details Language Policy and National Identity in Morocco and Algeria

السياسات اللغوية والهوية الوطنية في المغرب والجزائر

Language Policy and National Identity in Morocco and Algeria

عبد اللطيف المتدين

الملخّص

تطمح هذه الدراسة إلى بيان تأثير الهويات الثقافية الفرعية في استقرار الدولة، ومدى التحدي الذي تطرحه في وجه الهوية الوطنية، في المغرب والجزائر. وتعرض، على نحوٍ مقارن، سياسات الهوية في فرنسا التي تميزت، إلى حد ما، بقدرتها على إدماج الثقافات الفرعية في هوية وطنية جامعة مكَّنتها من تجنّب أخطار الصراع الثقافي واللغوي وتأثيره السيئ في وحدة المجتمع. وتتلخص الإشكالية في اختبار مدى قدرة السياسات العامة في المغرب والجزائر على فرض عناصر هوية وطنية جامعة، وكيفية مواءمة ذلك مع مقتضيات الحقوق والحريات المرتبطة بالهوية اللغوية. لأجل ذلك، تفترضُ الدراسة أنّ عدم قدرة الدولة على حسم الصراع حول الهوية اللغوية والثقافية يؤثر سلبيًا في الاستقرار السياسي والاجتمعي ويعرّضها لخطر الانقسام. وتبحث هذه المساعي في ثلاثة نماذج مختلفة: في كلٍ من المغرب والجزائر، حيث يَطرح تنامي المد الأمازيغي تحديًا أمام مساعي الاستقرار في الدولتين، وفي فرنسا حيث نجح الإدماج الصارم للهوية الوطنية في تخفيف الصراع حول عنصر اللغة وتجنيب البلد أخطار الفرقة والتفكك.

Abstract

This paper demonstrates the impact of sub-cultural identities on the stability of the state and the extent of the challenge facing the national identity in Morocco and Algeria. It also undertakes a comparative analysis of identity policy in France, which was characterized, to some extent, by its ability to integrate sub-cultures into a national identity, which enabled it to avoid the danger of cultural conflicts and its negative impact on the unity of society. The research examines the extent to which public policies in Morocco and Algeria were able to impose elements of a general national identity, and how this can be aligned with rights and freedoms related to cultural identity. The paper hypothesizes that the state's inability to manage conflicts related to cultural differences negatively affects political and social stability and increases the risk of division. The paper will examine this hypothesis in three different cases: in Morocco and Algeria, where the growing Amazigh tide poses challenges to policies seeking to stabilize society in these two countries, and in France, where the strict integration of local cultures into the national identity succeeded in alleviating the conflict about cultural demands and spared the country the danger of division.

الكلمات المفتاحية:
  • سياسات الهوية
  • أمازيغ
  • استقرار الدولة
  • المغرب
  • الجزائر
  • الإدماج الثقافي
Keywords:
  • Identity Policies
  • Amazigh
  • State Stability
  • Culture
  • Integration Policy
  • Morocco
  • Algeria

كلمت مفتاحية:  سياسات الهوية، أمازيغ، استقرار الدولة، إدماج ثقافي، المغرب، الجزائر.

This paper demonstrates the impact of sub-cultural identities on the stability of the state and the extent of the challenge facing the national identity in Morocco and Algeria. It also undertakes a comparative analysis of identity policy in France, which was characterized, to some extent, by its ability to integrate sub-cultures into a national identity, which enabled it to avoid the danger of cultural conflicts and its negative impact on the unity of society. The research examines the extent to which public policies in Morocco and Algeria were able to impose elements of a general national identity, and how this can be aligned with rights and freedoms related to cultural identity. The paper hypothesizes that the state's inability to manage conflicts related to cultural differences negatively affects political and social stability and increases the risk of division. The paper will examine this hypothesis in three different cases: in Morocco and Algeria, where the growing Amazigh tide poses challenges to policies seeking to stabilize society in these two countries, and in France, where the strict integration of local cultures into the national identity succeeded in alleviating the conflict about cultural demands and spared the country the danger of division.

أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة مولاي إسمعيل بالمغرب، وباحث زائر بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة. Professor of Public Law and Political Science at Moulay Ismail University in Morocco, and a visiting researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies in Doha. Email: abdellatif.elmoutadayene@dohainstitute.org.

مقدمة

تحظى سياسات الهوية بأهمية كبرى في الكثير من الدول، ويرجع ذلك إلى التنوع الإثني والثقافي والديني الذي أصبح فيها واقعًا يفرض نفسه، ويستوجب التعامل معه. وقد عمدت دول كثيرة، من خلال سياساتها العامة، إلى حمية عناصر الهوية الوطنية المشتركة، بإقرار قوانين تمنع المساس بها والتحريض ضدها. ولا شك في أنّ التوفيق بين متطلبات الهوية الوطنية ومطالب الهويات المحلية يظلّ معادلة صعبة التحقيق؛ لما تتطلبه من خلق تجانس بين عناصر متباينة، وأحيانًا متناقضة. ولم تبرز قضايا الهوية الوطنية بوصفها موضوعًا رئيسًا في المجال العام سوى في العصر الحديث، فلم تشهد العصور الماضية أزمة الهوية بوصفها موضوعًا للتفكير والنقاش والبحث العلمي. ففي دول المغرب العربي، ارتبط النقاش حول الهوية بجهود التحديث التي رافقت النضال ضد الاستعمر، وبناء الدولة ومؤسساتها المختلفة؛ حيث تتعايش في هذه المنطقة ثقافة أمازيغية عريقة في القدم طبعت عادات شعوب شمل أفريقيا وتقاليدها، وثقافة عربية متجذرة منذ الفتح الإسلامي، وساد بينهم انسجام كبير وامتزاج وتصاهر عبر قرون عدة. وظلت هذه البلدان تتميّز بتجانس اجتمعي جيد بفضل اعتمد لغة واحدة مهيمنة حافظت على تماسكها ووحدتها المركزية، إلى أن ظهر، في ستينيات القرن الماضي، خطاب أمازيغي يطالب بالحقوق الثقافية للأمازيغ، مستخدمًا شتى وسائل التأثير والنضال، وعرف النشاط النضالي الأمازيغي تكثيفًا كبيرًا في شكل اتحاد جمعيات ومنظمت محلية ودولية وتنسيقيات للدفاع عن حقوق الإنسان. ويقدم الناشطون أنفسهم على أنهم السكان الأصليون لهذه البلدان، وأنهم ضحية لسياسات التعريب التي لا تراعي خصوصيتهم الثقافية، ويقللون من أهمية المبادرات التي تتخذها السلطات للحفاظ على اللغة والثقافة الأمازيغيتين. ومع تنامي المد الأمازيغي في المغرب والجزائر وارتفاع سقف مطالبه، نشأ صراع ثقافي وسياسي حادّ بين الناشطين الأمازيغ ومناصري هويات أخرى غير أمازيغية. نطمح في هذه الدراسة إلى بيان تأثير الهويات الثقافية الفرعية في استقرار الدولة، ومدى التحدي الذي تطرحه في وجه الهوية الوطنية في المغرب والجزائر، حين تصبح السياسات اللغوية سببًا في اندلاع الصراع لا حافزًا على التكامل والتعايش، وسنعرض، على نحوٍ مقارن، سياسات الهوية في النموذج الفرنسي الذي تميز، إلى حد ما، بقدرته على حسم الخلافات المرتبطة بالهوية، وتجنب مخاطر الصراع الثقافي واللغوي وتأثيره السيئ في وحدة المجتمع. تتلخص الإشكالية البحثية في اختبار مدى قدرة الدول محل الدراسة على فرض عناصر هوية وطنية جامعة وكيفية مواءمة ذلك مع مقتضيات الحقوق والحريات المرتبطة بالهوية اللغوية. وتفترض الدراسة أنّ عدم قدرة الدولة على حسم الصراع حول الهوية اللغوية والثقافية يؤثر سلبيًا في الاستقرار السياسي والاجتمعي، ويعرّضها لخطر الانقسام. وسنقف على هذه المساعي في ثلاثة نماذج مختلفة: في كلٍ من المغرب والجزائر، حيث يَطرح تنامي المد الأمازيغي تحديًا أمام مساعي الاستقرار في الدولتين، وفي فرنسا، حيث نجح الإدماج الصارم للهوية الوطنية في تخفيف الصراع حول عنصر اللغة وتجنيب البلد مخاطر الفرقة والتفكك. ونتناول ما سبق في أربعة محاور، متوسلين بمنهج تحليلي مقارن يرصد تفاصيل الظاهرة المدروسة، ويستخرج أوجه الشبه والاختلاف بين تجارب التعامل مع الهويات المتنافرة في الدول محل الدراسة.

عزمي بشارة، "النهضة المعاقة (16): سياسات الهوية وصناعة الهوية"، عرب 48، 2020/1/2، شوهد في 2021/10/16، في: https://bit.ly/3qs8CjG نستخدم في هذه الدراسة عبارة "الناشطين الأمازيغ" للدلالة على فئة من المثقفين الأمازيغ، يعملون لنشر اللغة الأمازيغية والدفاع عن المطالب الثقافية للجماعات اللغوية التي ينتمون إليها، من خلال جمعيات ثقافية. أما عامة المنتسبين إلى الأمازيغية ممن لا ينخرطون في هذا "النشاط"، فمنهم مَن يساند هذه المطالب جملةً، ومنهم من يساندها تفصيلً، ومنهم من لا يساندها مطلقًا.

أولً: مكانة اللغة يف سياسات الهوية

تختلف عناصر الهوية باختلاف الأصول التاريخية للشعوب وأنماط حياتها، وبالنظر إلى تعدد هذه العناصر يمكن أن نميز فيها بين فئتين متلازمتين: الأولى فطرية، أصيلة وثابتة، لصيقة بوجود الفرد؛ كالجغرافيا والتاريخ والعرق والدين واللغة، وإذا تغيرت يتغير معها نمط الانتمء والشعور بالذات، لكونها تلبي حاجات أساسية لدى الإنسان، كالحاجة إلى الإيمان (الدين)، والحاجة إلى التواصل (اللغة). والثانية مكتسَبة، كالعادات والتقاليد، وهي قابلة للتغير أيضًا، لكن تغيَُّها قد لا يؤثر في جوهر الهوية. وبروز هذه العناصر وعملها في بيئتها وتأثيرها في محيطها يتعلق بإدراك الفرد لها ووعيه بها، وقد يدفعه هذا الوعي إلى الثبات على هذه العناصر والدفاع عنها، كم قد يدفعه إلى تغيير بعضها والتنكّر لها. وعندما يصعب على الفرد الحسم في مدى تمثله لهويته والحسم في عناصرها التي تناسب تصوره لذاته، خصوصًا من العناصر المكتَسبة، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة هوية لديه. غير أنه يبدو من الصعب الانسلاخ عن عناصر الهوية الثابتة؛ بسبب طابعها الوراثي الذي يجعلها في أغلب الحالات مقدَّمة على العناصر المكتَسبة. كم أن التجرد من العناصر الثابتة للهوية قد يبدو بمنزلة "إلحاد هوياتي" من شأنه أن يفاقم أزمة الهوية لدى الفرد والجمعة على السواء. فم يميز عناصر الهوية الفردية أنها تكون في الغالب جبرية لا اختيارية؛ فالفرد لا يختار أصوله الإثنية ولغته الأم ودين أجداده. ورغم ذلك، فهو قد يتخلى عن بعض هذه العناصر في مرحلة متقدمة من تكوين أفكاره وشخصيته. فالهوية في معظمها ثابتة وغير إرادية، لكنها تظل قابلة للتغيير بالزيادة والنقصان بناءً على تصورات الفرد ووعيه بما ينبغي أن تكون عليه هويته. وحتى عندما يختار الفرد إضافة مكوّن جديد إلى هويته واستبعاد مكوّن قديم، كاللغة أو الدين، فقد يصطدم لاحقًا بعدم قدرته على التخلص كليًا من العناصر القديمة، ومن ثم يصطدم بفشله في الاقتناع بجدوى التغيير وفائدته. وقد يسقط في انفصام يحرمه من القديم، وينغّص عليه الجديد. فالهوية، إذًا، اتصافُ الفرد بخصائص معينة وشعوره بانتمئه إلى جمعة يتمتع أفرادها بالخصائص ذاتها، الثقافية أو الدينية أو الإثنية، تميزهم من الجمعات الأخرى، ويسود لديهم شعور بالانتمء إليها والاعتزاز بها، مع الرغبة في إظهارها وتقديمها على الهويات الأخرى والدفاع عنها إذا تعرضت لتهديد. تقوم رابطة الانتمء على الشعور بالانتساب إلى جمعة توفر للفرد الحمية من المخاطر والهجمت التي قد يتعرض لها من أفراد ينتمون إلى هويات أخرى. وللشعور بالانتمء دوافع مختلفة تبرز في مناسبات دون أخرى، فتارةً يبرز الشعور بالانتمء الجغرافي إلى دولة أو مدينة أو قرية ما، وتارةً يبرز الشعور بالانتمء الديني في مناسبة دينية أو عند تعرّض الدين لإساءة، وتارةً يبرز الشعور بالانتمء الثقافي واللغوي إلى جمعة تتحدث لغة معينة، وتارةً يبرز الشعور بالانتمء إلى طائفة أو حزب أو إثنية معينة، وتارةً أخرى تتقاطع هذه الانتمءات وتجتمع في شكل توليفات لسلوك وتصرفات تبرز في مناسبات معينة. وهذه التوليفات هي عمليات ترتيب واعية لعناصر الهوية لدى الفرد، بناءً على تفاعله مع أحداث معينة وتصوره لها ودوره فيها. فأهمية هذه العناصر مرتبطة بقدرة الفرد على إدراكها وترتيبها بحسب أولوياته التي قد تختلف عن أولويات الآخرين، وقد يتغير سلَّم الأولويات تبعًا لتغير الظروف الاجتمعية والأحداث السياسية التي تؤثر في إدراك الفرد وتصرفاته. ولا تكون هذه العناصر في بعض الأحيان واضحة للفرد نفسه، وقد لا يظلّ بعضها

3 عن الجوانب النفسية للهوية، ينظر: Jacqueline Barus-Michel, Eugène Enriquez & André Lévy (dir.), Vocabulaire de psychosociologie: Positions et Références (Paris: Érès, 2002), pp. 174-180.

ثابتًا ومستقرًا في وجدانه في مراحل حياته كلها؛ فقد تزيد وتنقص، وقد يتغير ترتيبها عنده من فترة إلى أخرى، فالوعي بالذات هو العنصر المسؤول عن تنسيق عناصر الهوية وترتيبها، والذات تميل إلى ما تراه قريبًا منها وممثلً لها ومنسجمً معها، وهذا التحيز الفطري هو عمل من أعمل الهوية وسلوك طبيعي فيها. ولا تتطابق الهوية الفردية بالضرورة مع الهوية الوطنية، لعدم تطابق تصوّر الفرد لذاته مع تصوّره لجمعته؛ ذلك أن الهويات الفردية غير منظَّمة بقانون، ولا تخضع لترتيب موحَّد، بينم الهوية الوطنية منظَّمة في تشريعات تُخضعها لترتيب معين، وفق رغبة المشرّع. تُعرف هوية الفرد من تصوراته وتفضيلاته الظاهرة والباطنة، بينم تُعرف الهوية الجمعية من القوانين المنظمة لها، واستقرار المجتمع رهنٌ بمدى اشتمل الهوية الوطنية على أكبر قدر من عناصر الهويات الفردية؛ فإذا كان عدد حاملي عناصر الهوية الوطنية يمثل أغلبية مهيمنة، فالغالب أن الهويات الفردية الواقعة خارج دائرة الجمعة لا تشكِّل منافِسًا للهوية الوطنية. إنّ وجود تباين في عناصر الهوية بين جمعات لغوية وثقافية لا يعني بالضرورة حصول التنافر والصراع بينها، فالصراع قد ينشأ تبعًا لطبيعة عملية "تقدير الذات" Self-esteem التي يقوم بها الأفراد الذين يشكلون تلك الجمعات؛ فإذا كان هذا التقدير يميل إلى الإحساس بالسموّ الثقافي وبالأحقية التاريخية، فإن الجمعة التي ينتشر فيها هذا النوع من الشعور قد تميل بسهولة إلى الدخول في صراع مع جمعات أخرى، وإذا ساد لديها الاعتقاد بوجود تهديد لهويتها الثقافية، فإن ذلك يخلق لديها الخوف من الاندثار والتلاشي، تسوِّغ به نضالها لإثبات الذات، بما يعنيه ذلك من المواجهة والصراع مع جمعات وطوائف أخرى مهيمنة، فالصراع هنا لا يندلع بسبب الهوية، بل بسبب تصوّر الأفراد والجمعات لها. يسود بين المنتمين إلى ثقافة واحدة تآلفٌ وتعاطف قد يزيدان قوةً عندما يواجهون خصمً مشتركًا أو حدثًا يمسّ عنصرًا من عناصر هويتهم، فيظهر لديهم إحساس فطري بالتضامن والتآزر والتمسك فيم بينهم؛ إدراكًا منهم لوجود مصير مشترك يتطلّب تقديم التضحيات. وتختلف ردود الفعل ضد الأخطار المحدقة بالجمعة وفق تصور هذه الجمعة لدرجة الخطر وشدته، ووفق قدرتها على مواجهته. إن إبراز هذه التهديدات والحشد ضدها مهمة تضطلع بها عادةً النخبة المثقفة داخل هذه الجمعة، التي قد تُحسن فهم التهديدات وترتيب فرص مواجهتها، كم قد تضخِّمها لتزيد من كثافة الحشد حولها. وقد تروّج هذه النخبة في خطابها التعبوي لأيديولوجيا سياسية أو ثقافية تستعين بها للتأثير في الحشود وتأليبها ضد المخاطر المحتملة، وقد تتمكن من تعبئة مناصريها سعيًا نحو سلطة سياسية تستقوي بها على خصومها، فإذا هي وصلت إلى مراكز القرار أدركت أن فرصة ذهبية أتيحت لها قد لا تتكرر، من أجل تغيير سياسات الهوية طبقًا لتصوراتها، ودعم أفراد جمعتها في الوصول إلى مراكز القرار والهيمنة على الموارد الاقتصادية، وإبعاد الجمعات المنافسة وإضعافها. ومن شأن هذا الوضع أن يُعلي من الانتمءات الفرعية، ويضعف الانتمء إلى الوطن، ويخلق ثنائيات متصارعة تزرع في المجتمع حالةً من التربّص المتبادل والتشاحن والصراع، فتنشغل الجمعات ببعضها، وتهمل متطلبات التنمية والاستقرار، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة. وتُعدّ اللغة من أكثر عناصر الهوية إثارة للخلاف، وقبل أن تكون أداة للتواصل فهي أداة لبناء الإطار المعرفي والمرجعي ونمط التفكير لدى الفرد. ويدعم التواصل هذا البناء، ويمنح المتواصلين فرص التأثير في معارف

حول الإشكال الذي يطرحه مصطلح الهوية، ينظر: عبد الرزاق الدواي، في الثقافة والخطاب عن حرب الثقافات: حوار الهويات الوطنية في زمن العولمة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.160-154

أشخاص آخرين وتصوراتهم، وحيث تُارَس اللغة في مجال جغرافي محدد، فإن هذا المجال يدل عليها وتدل عليه، فهي تجمع بين المتواصلين بها اجتمعيًا وفكريًا في حيزها الجغرافي وفي كل مجال جغرافي آخر قد يوجدون فيه لاحقًا، وتصنع المنظار الذي ننظر به إلى الآخرين، ونسعى إلى أن ينظروا به إلينا. وكلم انتشر هذا المنظار زاد عدد الأشخاص الذين يكون في إمكاننا التواصل معهم بناءً على عناصر متشابهة تجمعنا بهم، يحملها إلينا وإليهم هذا المنظار المشترك، فالمنظار اللغوي أداة للتوحيد الاجتمعي الذي يقتضيه التعايش على أرض واحدة؛ لذا فالدفاع عن الوطن قد يبدأ بالدفاع عن اللغة بوصفها المنظار الذي ينظر به أهل الوطن الواحد إلى بعضهم وإلى وطنهم الذي شكَّلَته اللغة ووضعت أساساته التواصلية والمعرفية، وعاداته وأعرافه وتقاليده. وفي مجتمع متعدد اللغات، قد تسعى بعض النخب إلى وضع سياسات عامة تبتغي فرضَ لغة موحدة للتواصل في المجال العام، تكون في الغالب هي لغة هذه النخبة، غير أن هذا التنميط، وإن كانت أهدافُه محمودة، فإنّه قد يضر بمصالح فئات من المواطنين قد تشكّل أقلية، تأبى أن يُفرَض عليها النَّظر من منظار غيرها، فتسعى بالطرق القانونية، وغير القانونية أحيانًا، إلى معارضة هذه السياسات ووسمها بالعنصرية والإقصائية، وإلى المطالبة بالاعتراف بلغتها وفسح المجال لأبنائها للتواصل بها في المجالين الخاص والعام. وعندما يجري ترتيب عناصر الهوية من خلال سياسات عامة، فإن النخبة الممسكة بالسلطة تسعى إلى فرض تفضيلاتها اللغوية والثقافية على أفراد الشعب كافة من أجل توحيد هذا المنظار اللغوي والثقافي داخل الدولة الواحدة؛ ليسهل عليها مخاطبة المواطنين والتواصل معهم والتأثير فيهم. فاللغة أداة لممرسة سلطة الدولة على المواطنين، ما دامت الأوامر الإدارية والسياسات العامة تُصاغ بلغة المخاطَبين بها؛ لذا تحرص الحكومات على حمية اللغة الوطنية ودعمها في مواجهة لغات جهوية منافسة، لكنَّ هذه الرغبة في التوحيد قد تصطدم بعدم استعداد بعض الفئات الشعبية للتخلي عن هويتها اللغوية من أجل تحقيق الاستقرار الذي تنشده النخب الحاكمة، فينشأ لديها إحساس بضرورة النضال الثقافي والسياسي لنيل حقوقها، بيد أن استخدام التشريع لصالح الجمعة الراغبة في إظهار هويتها يتطلب أن يكون لها تمثيل سياسي جيد في دوائر اتخاذ القرار، وفي الأوساط الاجتمعية من خلال منظمت المجتمع المدني، خصوصًا الجمعيات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. إن الجمعات التي ترى عناصر من هويتها مستبعَدة من المجال العام، قد تسعى للحصول على وسائل تمكّنها من التأثير في دوائر القرار السياسي من أجل الاهتمم بمطالبها، ويتكون لهذه الغاية "حَراك هوياتي" يتموضع خصمً للهوية "الوطنية" التي تعمل النخب الحاكمة عادةً على إبرازها والتمكين لها من خلال المجال العام، في مقابل إضعاف الهويات الفرعية والتقليل من حضورها في هذا المجال. كم أن الجمعات التي لا ترى هويتها ممثلة بما يكفي في المجال العام قد تلجأ إلى إنشاء جمعيات ثقافية ومنظمت وهيئات للدفاع عن الحقوق والحريات، من أجل تجميع القوى وتكثيف الجهود للتعريف بمطالبها الثقافية والدفاع عنها، وقد تقدّم نفسها في صورة "ضحية" لنخبة نافذة في جهاز الدولة "تنتهك" الحقوقَ الثقافية أو اللغوية أو الدينية لهذه الجمعة، وقد تعمل هذه الجمعة على بث الوعي بالذات، وبضرورة النضال من أجل إثبات هويتها، لتدخل بذلك في صراع مع النخبة الحاكمة عبر قنوات العمل الثقافي والحقوقي والسياسي، داخل البلد وخارجه. فالعمل النضالي على هذا المستوى يمر بمراحل ثلاث: الوعي بالذات ونشر الفكر والثقافة

عن أهمية اللغة في عناصر الهوية، ينظر: نادية العمري، "الهُوية ولغة التعليم في البلدان العربية"، في: بسّام بركة [وآخرون]، اللغة والهوية في الوطن العربي: إشكاليات التعليم والترجمة والمصطلح (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.425-417

المرتبطة بهوية الجمعة، ثم تعبئة أنصار الجمعة والمتعاطفين معها، وخلق حَراك ثقافي وسياسي يسهم في دعم نضالها، ثم المواجهة والصراع مع النخبة الحاكمة ومتخذي القرار وكل من تراه يعمل ضد هويتها من أنصار الهويات الأخرى. قد يكتفي العمل النضالي بالأدوات السلمية أو ينجرف إلى العنف، كم قد يكتفي ببيان أهمية الهوية المنتَهكة، أو يرفع سقف التطلعات عاليًا للمطالبة بالحكم الذاتي والانفصال لتكوين وطن قومي لهذه الجمعة. وبذلك يكون الصراع مع جهتين: مع السلطات المسؤولة عن وضع السياسات العامة واتخاذ القرارات بشأنها، ومع الفاعلين الآخرين في الأحزاب والجمعيات والهيئات التي لا يرغب منتسبوها في منح هذه الجمعة حقوقها الثقافية والسياسية؛ خوفًا من أن يؤدي وصولها إلى السلطة إلى تغيير سياسات الهوية والدفع بالمجتمع إلى عدم الاستقرار. ولكي يتحقق الاندماج على مستوى الهوية، على الدولة خلق منظومة من المعايير والقيم والرموز تشكّل بها هوية وطنية يجتمع حولها أفراد الشعب الواحد، ويذودون عنها، سواء ضمّت ما كان مشتركًا بينهم أو ما ليس مشتركًا بالضرورة، خصوصًا إذا كان المشترك قليلً لا يكفي لتشكيل بؤرة يلتف حولها المواطنون. كم تضطلع الدولة بمهمة نشر هذه القيم في المجتمع من خلال قنوات؛ أهمها التعليم والإعلام، بإدراجها ضمن مقررات التربية الوطنية لطلاب المراحل الابتدائية والثانوية، واختيار موضوعات تحثّ على الوحدة وتحفظ التنوع، وتجعل الانتمء إلى الوطن مقدَّمًا على الانتمءات الفرعية. ومن وسائل الإدماج أيضًا إلزام المواطنين باستخدام لغة رسمية واحدة في المجال العام، في حال وجود لغات محلية عديدة، مع تأكيد حق المنتمين إلى هويات محلية في التحدث بلغاتهم ولهجاتهم وتعليمها لأبنائهم وإنشاء المدارس والمعاهد ومراكز البحث للعناية بها بوصفها تراثًا وطنيًا مشتركًا.

ثانيًا: الأمازيغ يف المغرب والصراع حول الهوية

يتميز الوضع اللغوي في المغرب بتنوع شديد تتعايش فيه لغات ولهجات مختلفة، بين عربية رسمية يغلب استعملها في مجالات التعليم والإعلام والشؤون الدينية ومعظم الإدارات العامة، ولغة أمازيغية رسمية محدودة الاستعمل في المجال العام، وثلاث لهجات أمازيغية تنتشر في ثلاث مناطق جغرافية مختلفة، ولغة فرنسية تنتشر في قطاع الأعمل والاقتصاد، إضافة إلى لهجة دارجة عربية مختلطة بألفاظ من لغات أخرى كالفرنسية والإسبانية، يتحدث بها معظم المغاربة. كانت الأمازيغية لغة أغلبية سكان المغرب إبان الفتح الإسلامي، وساد بين الأمازيغ الأوائل والعرب الوافدين تعايش وطيد وتصاهر مستمر؛ إذ رحَّب الأمازيغ بمؤسس دولة الأدارسة، واعتنقوا الإسلام، واعتمدوا العربية في الإدارة والتعليم. وأظهرت المصادر التاريخية أن احتضان الأمازيغ للعربية والإسلام كان اختياريًا، ولم يكن تحت ضغط قوة استعمرية. وربما عدَّ الأمازيغ رابطة الدِّين أهم من رابطة اللغة؛ لذا لم تكن لهم مطالب بتحييد العربية أو تقليص دورها، وكانت بالنسبة إليهم لغة القرآن والعبادات والعلوم الشرعية التي أقبلوا

يرى فوكوياما أن تنامي المطالب المرتبطة بالهوية هو نتيجة لغلَبة الحريات الفردية على المصالح الجماعية، ولانقسام المجتمعات حول هذه الحريات، ولصعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الديمقراطية، ينظر: Francis Fukuyama, "Against Identity Politics: The New Tribalism and The Crisis of Democracy," Foreign Affairs , vol. 97, no. 5 (September-October 2018), pp. 90-114.

على تعلُّمها، ونبغوا فيها. ومع اعتمد العربية لغة رسمية بعد الاستقلال، ونهج سياسة التعريب في التعليم والإدارة العامة والإعلام، وازدياد حركة السكان من البوادي إلى الحواضر وبين المناطق الأمازيغية والعربية، تقلَّص استعمل اللهجات الأمازيغية في المجال الحضري، وامتزج العنصر الأمازيغي بالعنصر العربي منذ الفتح الإسلامي عن طريق التزاوج، فلم يعد ممكنًا التمييز بينهم على أساس عرقي، بالمعنى الأنطولوجي للكلمة. ولإحياء الثقافة الأمازيغية ونشرها، ظهرت خلال سبعينيات القرن الماضي بعض الجمعيات الأمازيغية التي عملت في نطاق محدود؛ بسبب ضعف التعامل الشعبي معها. وخلال بروز المد الحقوقي في الثمنينيات تشكَّل تيار فكري يتبنى الدفاع عن الحقوق الثقافية واللغوية للناطقين بالأمازيغية، وانخرط مؤيدوه في عدد متزايد من الجمعيات، خصوصًا في مناطق انتشار اللهجات الثلاث، في سوس والأطلس والريف. ونتيجة للانفراج السياسي الذي عرفه المغرب أوائل العقد التاسع من القرن الماضي، بدأ نوع من التعامل الإيجابي مع الجمعيات الأمازيغية، لا سيم تلك التي تمكنت من التأثير في الرأي العام وحشد التأييد لها في الأوساط الأمازيغية. وتفاعلت المؤسسة الملكية مع هذه التطورات تفاعلً إيجابيًّا؛ فقد دعا الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه

في 20 آب/ أغسطس 1994 إلى تدريس اللغة الأمازيغية في المؤسسات التعليمية في المملكة، وشكَّل هذا الخطاب نقطة تحوّل في السياسة الرسمية تجاه المطالب الأمازيغية، من التهميش وعدم الاكتراث إلى الترحيب والرغبة في الإدماج، وإثر ذلك اتُّخذت بعض الخطوات الإيجابية؛ مثل تقديم نشرة أخبار يومية باللهجات الأمازيغية الثلاث في التلفزيون الرسمي. وسيرًا على هذا النهج، أكد الملك محمد السادس في خطاب العرش الذي ألقاه في 30 تموز/ يوليو 2001، ضرورة إعطاء "دفعة جديدة للثقافة الأمازيغية"، فأعلن عن إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية للعناية باللغة الأمازيغية وإدماجها في التعليم العام، كم أكد الملك في خطاب ألقاه بمدينة أجدير في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2001، أن "الأمازيغية مكون أساسي للثقافة الوطنية وتراث ثقافي زاخر شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ والحضارة المغربية"، وأنه سيولي "النهوض بها عنايةً خاصة". وفي اليوم نفسه تقرّر أن يتولّ هذا المعهد نشر هذه الثقافة وتوحيد اللهجات الثلاث في لغة أمازيغية معيارية؛ تمهيدًا لاعتمدها لغة رسمية إلى جانب العربية.

أحمد عزوز ومحمد خاين، العدالة اللغوية في المجتمع المغاربي: بين شرعية المطلب ومخاوف التوظيف السياسوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.101-99 اجتمع ممثلو عدد من الجمعيات الأمازيغية في مدينة أكادير عام 1991 لصياغة مطالب ثقافية، جرى تضمينها في وثيقة عُرفت ب "ميثاق أكادير"، ينظر: "ميثاق أكادير أو ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين بالمغرب"، 2018/10/13، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/2JXfKoD ينظر: "صاحب الجلالة یوجه خطابًا للأمة بمناسبة عید العرش"، البوابة الوطنية للمغرب، 2013/3/28، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/34Em1eY 10 ينظر: "خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة وضع الطابع الشريف على الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أجدير – خنيفرة 29 رجب الخير 1422 17 أكتوبر 2001 م"، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، شوهد في 2022/4/3، في: https://bit.ly/3LkE5yH 11 ينظر: المملكة المغربية، "ظهير رقم 1-01-299 صادر في 29 من رجب 1422 (17 أكتوبر 2001) يقضي بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية"، الجريدة الرسمية، العدد 4948، 2001/11/1، شوهد في 2022/4/3، في: https://bit.ly/3JVYTMM. انتقد أحد الناشطين الأمازيغ موقف المؤسسة الملكية من المسألة الأمازيغية ونعتَه "بالوعود المعسولة"، ينظر: التجاني بولعوالي، "القضية الأمازيغية بين رد الاعتبار والتوظيف الأيديولوجي"، الحوار المتمدن، العدد 1461، 2006/2/14، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/3ntnWvI

ومع ازدياد عدد الجمعيات المدافعة عن الثقافة الأمازيغية، بدأ الحديث عن هوية أمازيغية مستقلة عن الهوية العربية الإسلامية، وازدادت ضغوط هذه الجمعيات على السلطات حتى أصبحت المسألة الأمازيغية من التحديات الكبرى أمام الدولة؛ بسبب التخوف من تأثيرها سلبيًا في استقرار المجتمع وتكريس التفرقة والاستقطاب وزيادة التباهي والاعتزاز بالأصول الأمازيغية، خصوصًا مع تبني بعض الناشطين الأمازيغ خطابًا قوميًا يستخدم عبارات صادمة من قبيل: "الغزو الإسلامي" و"الاستعمر العربي للمغرب". وبعدما أصبح من العسير التمييز بين الأمازيغي وغير الأمازيغي من خلال المعالم العرقية الظاهرة أو التي تحتاج إلى بحث جيني، وعقب اختلاط عادات الأمازيغ وتقاليدهم بعادات بعض المغاربة وتقاليدهم عبر أربعة عشر قرنًا من الاختلاط والعيش المشترك فقد أصبح اللسان الأمازيغي هو المعيار الأشد وضوحًا لتمييز الأمازيغي من غيره. غير أن أغلب المتحدثين باللسان الأمازيغي من الأجيال الحديثة يتحدثون أيضًا الدارجة المغربية، ويلمُّون بالعربية الفصحى كتابةً وقراءة وتحدثًا، وقد التحق أغلبهم بمدارس وجامعات عامة، لغةُ التعليم فيها هي العربية. ويتحدث بالدارجة المغربية عدد لا بأس به من السكان الأمازيغ الذين لم يتلقوا تعليمً رسميًا؛ لأنهم يقطنون في مناطق نائية كم في أغلب مناطق الريف بشمل المغرب. ثم إن معيار "التقييم الذاتي" المتعلق بالتصور الذي يتخذه كل فرد عن هويته، من جهة كونه أمازيغيًا صرفًا أو عربيًا أو مختلط الانتمء، قد يزيد أو ينقص من العدد الحقيقي للأمازيغ؛ فقد يرى نفسه أمازيغيًا من لا يتحدث بالضرورة لغة الأمازيغ، وقد لا يرى نفسه كذلك من يتحدث بها جيدًا. ولعل الجمع بين معيارَي اللسان والتقييم الذاتي يجعل التصنيف الثقافي في المجتمعات المتعددة الهويات، أكثر واقعية ودقة. تختلف اللهجات الأمازيغية اختلافات بيِّنة في الصرف والمعجم، بالرغم من اشتراكها في جذور كثير من الكلمت، وذلك لكونها شفوية في أغلب تداولها، ولقِلَّة استخدامها في الكتابة والتأليف. وحين يتواصل الأمازيغ الذين يتحدثون لهجات مختلفة يكون التواصل بينهم ضعيفًا أو منعدمًا، لكونهم في الواقع يتحدثون لغات مختلفة لا لغة واحدة. لذا فقبْل ترسيم اللغة الأمازيغية المعيارية المستَحدَثة ينبغي العمل على توحيد بنيتها المعجمية والصرفية، ويكاد يكون هذا المسعى متعذّرًا؛ بسبب تشبّث كل أصحاب لهجة بلهجتهم وعدم استعدادهم للتخلي عنها لفائدة لهجة أخرى مهيمنة، وهو ما يطرح استفهامًا عريضًا عن مدى قدرة اللغة الأمازيغية المستَحدَثة على فرض نفسها في المناطق الأمازيغية الثلاث في البلاد. ولبحث مدى سلاسة التواصل بين المتحدثين باللهجات الأمازيغية الثلاث، أجريتُ استطلاعًا لرأي بعض الطلاب الأمازيغ الناطقين بإحدى هذه اللهجات من خلال توجيه سؤال شفوي إليهم، في المدة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 - شباط/ فبراير 2020، شمل عينة عشوائية من مئتين وستة وتسعين طالبًا، طُرِح عليهم السؤال الآتي: عند تواصلك مع متحدِّث بلهجة أمازيغية أخرى غير التي تتحدث بها عادةً، كيف تصف مستوى تواصلك معه؟ وجاءت النتائج كم يوضحها الجدول.

12 يرى كثير من الناشطين الأمازيغ أن الفتح الإسلامي للمغرب كان غزوًا واستعمارًا هدفُه قتل الأمازيغ والاستيلاء على ثرواتهم، ينظر مثال على هذا الموقف: منتصر إثري، "'إسلام الأمازيغ' يميط اللثام عن الغزو العربي ل 'تامزغا'"، العالم الأمازيغي، 2018/5/7، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/2XmTZSb؛ محمد الراجي، "علوش: الفتح الإسلامي للمغرب 'غزو' قتل الأمازيغ وسبى النساء"، هسبريس، 2019/3/16، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/2XmTDuP

جدول يوضح مستوى التواصل بين الناطقين بلهجات أمازيغية مختلفة

مستوى التواصلالنسبة المئوية)%(
جيد2
متوسط13
ضعيف39
منعدم46

منعدم

المصدر: من إعداد الباحث.

فإذا أضفنا الضعيف إلى المنعدم حصلنا على نسبة 85 في المئة من المستجيبين غير القادرين على التواصل مع متحدث بلهجة أمازيغية مختلفة، كم أن اللغة التي لا تحقق سوى 2 في المئة من التواصل الجيد بين المتخاطبين بها من الصعب جعلُها لغة رسمية لهم. ضمَّت مطالب الناشطين الأمازيغ التنصيص في الدستور على المكون الأمازيغي للهوية المغربية، وجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية. واستُجيبَ لهذين المطلبين بالتنصيص عليهم في ديباجة دستور 2011، وفي الفصل الخامس منه. كم يطالب الناشطون الأمازيغ بتدريس اللغة الأمازيغية في المدارس العامة والخاصة التي تشرف عليها وزارة التعليم. وحججهم في ذلك عديدة، منها ما يتعلق بالإرث التاريخي بالنظر إلى أنّ الأمازيغ سكانٌ أصليّون في المغرب، وأن المنحدرين من هذه الأصول لا يزالون يتحدثون لهجات أمازيغية، ويشكلون اليوم نسبة مهمة من السكان. ومنها ما يتعلق بالجانب الحقوقي، استنادًا إلى مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صدّق عليها المغرب؛ مثل اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتمعية والثقافية الذي صدّق عليه المغرب عام 1979، والاتفاقية الدولية المتعلقة بحمية حقوق الطفل التي صدَّق عليها عام 1993، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والإعلان العالمي للحقوق اللغوية الصادر في برشلونة عام 1996، وغيرها. ويطالب الناشطون الأمازيغ أيضًا بتدريس الأمازيغية للتلاميذ المغاربة جميعهم، الأمازيغ وغير الأمازيغ، في أنحاء التراب الوطني، وفي مستويات التدريس جمعاء، من الأوَلّي إلى الجامعي، باستخدام حرف تيفيناغ. استجابت السلطات التعليمية للمطلب الأمازيغي بإدماج الأمازيغية في التعليم الابتدائي، لكن في عدد محدود من المدارس؛ بسبب قلة الأطر المختصة. علاوة على تدريس الأمازيغية، يطالب الناشطون الأمازيغ

13 يرى أحمد بوكوس، أحد منظّري المسألة الأمازيغية في المغرب، أن كثرة اللهجات الأمازيغية والاختلافات الواسعة بينها من حيث المعجم والأسلوب لا تمكِّنها من أن تكون لغة حديثة تؤدي وظائف التواصل ونقل المعارف، ينظر: Ahmed Boukous, "Aménagement de l'Amazighe pour une planification stratégique," Revue Asinag , no. 3 (2009), p. 20, accessed on 17/3/2022, at: https://bit.ly/2I9Hc16 14 لا تفرض هذه الاتفاقيات على الدول التي صدقت عليها جعلَ اللهجات المحلية أو لغات الأقليات والسكان الأصليين لغات رسمية. الملاحظ اليوم أن أغلب الدول الديمقراطية لا تعتمد إلا لغة رسمية واحدة بالرغم من وجود لغات محلية، كما الحال في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة. 15 ينظر مقترحات أحد الناشطين الأمازيغ: أحمد عصيد، "الأمازيغية، أوراش ما بعد الترسيم"، هسبريس، 2012/11/7، شوهد في 2022/3/17، ف:ي https://bit.ly/33DqCPn

بمراجعة مقررات التاريخ لإدراج تاريخ الحقبة الأمازيغية قبل الفتح الإسلامي والتركيز على الشخصيات والأماكن والأحداث الأمازيغية، علمً أن هذا المطلب يتعلق بمعطيات تاريخية تحتاج إلى تدقيق. غير أن الدعوة إلى إدماج اللغة الأمازيغية في مستويات التعليم العمومي كافة تتعارض مع مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوينالذي أوصى، في تشرين الأول/ أكتوبر 1999، باعتمد العربية في التعليم العلمي والتقني على مستوى الجامعات، وإنشاء أكاديمية اللغة العربية للسهر على هذا الهدف، مع فتح تخصصات جامعية بلغة أجنبية أكثر جدوى للبحث العلمي. ونتيجة للضغوطات التي مارسها الناشطون الأمازيغ والحملة ضد هذا الميثاق، تخلَّت السلطات عن مقتضياته بالرغم من تصديق مجلس الوزراء والبرلمان عليه، وأدت هذه السياسة إلى إهمل اللغة العربية وإقصائها باستخدام الدارجة في الإعلام والإعلان والتواصل الرسمي مع المواطنين، واستفادت من هذا الوضع الأمازيغية التي حظيت في السنوات الأخيرة ببعض الاهتمم الذي يعود إلى أسباب، منها قوة النضال الأمازيغي ونجاحه في استخدام خطاب "المظلومية" لكسب التأييد، ووصول نخبة من الأمازيغ إلى مراكز القرار في الحكومة والأحزاب، وغلبة التيار الفرنكفوني الذي يعمل على دعم الأمازيغية من باب الليبرالية اللغوية، خاصةً أن كثيرًا من المثقفين الفرنكفونيين ينحدرون من أصول أمازيغية. ولم يكن للأمازيغية حرفٌ خاص تُكتَب به، ولذلك اختلف الناشطون الأمازيغ حول نوعية الحرف المناسب لكتابتها، وتفرقوا إزاء ذلك ثلاثة آراء: رأي يفضّل الحرف العربي لسهولة استخدامه مقارنة بحرف تيفيناغ الذي يبدو غريبًا بالنسبة إلى التلاميذ وعامة الناطقين بالأمازيغية، لا سيم أنّ جزءًا مهمًّ من التراث الأمازيغي

كُتب بحروف عربية. ويرى آخرون ضرورة اعتمد حرف تيفيناغ لما له من دلالة تاريخية، بالرغم من أنه لم يثبت علميًا أن حروفه التي تقارب الأربعين كانت مستعملة كلها قديمًا. وقد يعود الإصرار على حرف تيفيناغ إلى الرغبة في استبعاد الحرف العربي بوصفه تراث "الغزاة" العرب، والرغبة في "الانفصال عن الحضارة العربية الإسلامية"، كم ذكر العديد من الناشطين الأمازيغ. أما الرأي الثالث فيميل إلى استخدام الحرف اللاتيني؛ لأنه قد يزيد من انتشار الأمازيغية ويضمن لها صفة العالمية. وقد تعرّض هذا الرأي للنقد؛ لأنه

يُبطن رغبةً في استبعاد الحرف العربي، ولو تَطلَّب ذلك تبنّي حرف "مستعمر" آخر. غير أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حسم هذا الخلاف بجعله "تيفيناغ" الخطَّ الرسمي للكتابة الأمازيغية، لكن هذا الاختيار

16 دأب ناشطون أمازيغ على الافتخار بملوك وقادة من الحقبة الأمازيغية القديمة مثل الملك "أكسيل" الذي حارب عقبة بن نافع وقتله، وعدّوا ذلك الحدث "مجلبة للبطولة والفخر بمَلِك دافع عن وطنه ضد الغزاة ورفض دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا". وأثارت هذه المواقف سجالات حادة بين ناشطين أمازيغ وبعض السلفيين على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، ينظر: نور الدين إكجان، "القائدان أكسيل وعقبة يثيران صدام سلفيين ومدافعين عن الأمازيغية"، هسبريس، 2020/6/25، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/2GFjAkz 17 المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الرباط: تشرين الأول/ أكتوبر 1999)، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/2GNvzMJ 18 ينحدر سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، من منطقة سوس الأمازيغية، وكذا رؤساء ومناضلو بعض الأحزاب خصوصًا حزب الحركة الشعبية وحزب الأصالة والمعاصرة. جاء في مقال لأحد ناشطي الحركة الأمازيغية أن الأمازيغ "حوصروا ظلمً، ونُك ل بهم علانية، وعُزلوا في المناطق غير النافعة رغم أنوفهم، ومُسخت هويتهم أيّا مسخ، طوال عقود متتالية من تاريخ المغرب الحديث"، كما تعرضوا في العقود التي تلت الاستقلال ل "اضطهاد وإبادة وتهميش"، وحمَّل الأحزاب السياسية المسؤولية أيضًا بإسهامها في "نحر الإنسان الأمازيغي وطمس هويته وثقافته ولغته"؛ ينظر: بولعوالي. 19 من المساندين لهذا الرأي الناشط الأمازيغي وعضو أكاديمية المملكة المغربية، محمد شفيق، ينظر: محمد شفيق، اللغة الأمازيغية: بنيتها اللسانية (الدار البيضاء: منشورات الفنك، 2000)، ص.25-14 20 يرى باحثون أن أصل حرف تيفيناغ فينيقي، في حين يرى آخرون أنه عربي، ينظر: عثمان سعدي، "أصل خط التيفيناغ عربي..!"، الشروق، 2018/12/17، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/3dcN19f؛ رشيد الإدريسي، "الأمازيغية والأمية اللغوية: هل تيفيناغ حرف مغربي؟"، هسبريس، 2021/12/13، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/36MIrh4

"التحكمي" قد يؤدي إلى عزلة الأمازيغية والعزوف عن كتابتها بخط لا يعرفه إلا قلة من الأمازيغ، بما قد ينعكس سلبيًا على انتشارها. إن إعادة توحيد اللغة الأمازيغية مهمة محفوفة بالمخاطر الثقافية، لا يقوى على الاضطلاع بها إلا جهاز رسمي تتوافر له الإمكانات المادية والتشريعية التي تُكِّنه من أن يفرض على ملايين المتحدثين باللهجات الأمازيغية الثلاث أن يتخلوا عن جزء من لهجاتهم، ويتحدثوا لغةً جديدة مركبة من خليط هذه اللهجات. وقد اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بهذه المهمة منذ إنشائه عام 2001 بمبادرة من المؤسسة الملكية التي رأت في نفسها الفاعل الأقدر على إدارة المسألة الأمازيغية من خلال تبني بعض مطالب ناشطيها. ويضمّ المعهد باحثين في الثقافة الأمازيغية، ومن مهمته الأساسية إعداد لغة أمازيغية معيارية، ووضع معجم لها، وتسهيل إدماجها في التعليم والإدارات العمومية. واعتمد المعهد حرفَ تيفيناغ لكتابة الأمازيغية، بلمسات خاصة أُدخلت عليه فميَّزته من حروف تيفيناغ المتداولة في دول أخرى، كالجزائر ومالي والنيجر وليبيا، وسُجِّلَ دوليًا بأنه حرف تيفيناغ IRCAM، نسبة إلى هذا المعهد. كم أشرف المعهد على تدريس الأمازيغية المستَحدَثة ساعات قليلة في بعض المدارس العامة، بوصفها لغة ثانوية، وهو ما لم يؤثر في استعمل اللهجات الأمازيغية بين المتخاطبين الأمازيغ، ولم يغير من بنيتها الأصلية الموروثة؛ ما يدفع إلى التساؤل حول فائدة تعلّم هذه اللغة إذا لم تكن متطابقة مع اللسان الأمازيغي المحلي، وحول الازدواجية التي ستنشأ عن استخدام أمازيغيتيَن مختلفتيَن لدى كل أمازيغي؛ الأولى للاستعمل الشفوي في المجال الخاص، والثانية للاستعمل الكتابي في المجال العام.

21 اعتمد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في شباط/ فبراير 2003 حرف تيفيناغ للكتابة الأمازيغية، ووافقت لجنة التعليم والثقافة بمجلس النواب المغربي في حزيران/ يونيو 2019 على اعتماد هذا الحرف رسميًا. 22 أوردت المحكمة الدستورية في قرارها حول مدى دستورية القانون التنظيمي رقم 26-16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تعريفًا للغة الأمازيغية المعيارية بأنها "مكونة من المنتوج اللسني والمعجمي الأمازيغي الصادر عن المؤسسات والهيئات المختصة، ومن مختلف التعبيرات الأمازيغية المحلية بشكل متوازن ودون إقصاء"، كما أن هذه التعبيرات المحلية "لا تتخذ طابع المكونات اللغوية قائمة الذات ولا تمثل بدائل عن اللغة الأمازيغية الرسمية، وإنما روافد تساعد على تشكيلها على النحو المنصوص عليه في المادة الثانية من القانون التنظيمي"، ينظر: المملكة المغربية، المحكمة الدستورية، قرار المحكمة الدستورية رقم 19-97 (الرباط: 2019/9/5)، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/3nDmRkR 23 استحدث المعهد الملكي أكثر من خمسة حروف جديدة لم يعرفها الأمازيغ من قبل، وغيَّ نُطق بعض الأحرف الأصلية إلى نطق آخر جديد، مثل حرف الباء القديم Φ الذي أصبح حرف هاء، وأصبح حرف الزاي القديم # يُكتب هكذا. وذكر أحد الباحثين في الشأن الأمازيغي أن حرف الراء في أمازيغية الريف، استبدله المعهد الملكي في صياغته للأمازيغية المعيارية بحرف اللام، لتصبح كلمات مثل (أوار، أدفير، أبريوين) تُنطق (أوال، أدفيل، أبليوين)، كما في اللهجتين الأمازيغيتين السوسية والأطلسية. ينظر: مبارك بلقاسم، "الحرف اللاتيني أنفع للأمازيغية من نيوتيفيناغ"،، 2020/7/23، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/30JHdiw؛ وحول بعض التغييرات التي أدخلها المعهد الملكي على لكم حرف تيفيناغ، ينظر: محمد بودهان، "'تيفيناغ - يركام' أو إصلاح الخطأ بخطأ أفدح"، تاويزا (حزيران/ يونيو 2003)، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/34y1oB6 24 تَبثّ القناة التلفزيونية الأمازيغية الرسمية، التي أُنشئت عام 2009، برامجها إلى الآن باللهجات الثلاث، وليس باللغة الأمازيغية المعيارية الموحّدة. وقد لاحظ بيان صادر عن المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عدم قدرة المعهد الملكي على اتخاذ مبادرات فعالة، بسبب "دوره الاستشاري وضعف الصلاحيات المخولة له قانونًا"، كما انتقد عدم تجديد تشكيلته الإدارية، ينظر: "بيان المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات حول الذكرى العاشرة لتأسیس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية"، شعب بريس، 2011/11/5، شوهد في 2022/3/21، في: https://bit.ly/2FhQiI4. وقد استقال من المعهد عددٌ من الباحثين، خصوصًا من الذين ينتمون إلى منطقة الريف بشمال المغرب، احتجاجًا على هيمنة أمازيغ سوس على تشكيلته، ورفضًا لحصيلته الهزيلة. ينظر: عمر زنفي، "آخر فصل من المسرحية أم انكشاف الوجه الحقيقي للأمازيغ الأحرار؟"، تاويزا (نيسان/ أبريل 2005)، شوهد في 2021/21/20، في: https://bit.ly/3daW2jg؛ ينظر تصريح أحمد بوكوس، عميد المعهد، حول حصيلة عمل المعهد: عصام الناصري، "سياسيون وأكاديميون يقيمون حصيلة الأمازيغية في الذكرى الخامسة لدسترتها"، فبراير، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3daVCt8

ومم يزيد من ضبابية ترسيم الأمازيغية أنّ هذه العملية التي يضطلع بها المعهد الملكي لم تهتم بوجود لهجات أمازيغية أخرى متفرقة في مناطق عدة بالمغرب غير الأمازيغيات الثلاث؛ مثل أمازيغية إيزناسن في نواحي مدينة وجدة، وأمازيغية فكيك في شرق المغرب وأمازيغية قبائل مصمودة، وأمازيغية صنهاجة بناحية ترجيست والجبال المحيطة بها في شمل المغرب. وظلت الأصوات والتعبيرات والكلمت التي تحتويها هذه اللهجات مهمَّشة من طرف المعهد الملكي لعدم قدرته على استيعاب كل الأمازيغيات في المغرب في لغة معيارية موحدة. ومن شأن هذا الإقصاء أن يزيد من الاضطراب بين الأمازيغ، عندما يستشعر أهل كل جهة أن أمازيغيتهم غير ممثلة جيدًا في الأمازيغية المعيارية، أو مستبعَدة عنها بسبب هيمنة الأمازيغيتين السوسية والأطلسية عليها. ودأبت السلطات المغربية على الاستجابة للمطالب الأمازيغية بطريقة بطيئة ومتدرجة، ولا تزال مجموعة من المطالب الملحّة تنتظر الحسم فيها؛ مثل السمح باستخدام الأسمء الأمازيغية، وجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية، وهي مطالب يجد ناشطو الأمازيغية في منعها تضييقًا عليهم ومساسًا بحقوقهم. وأدى هذا المنع إلى شعور الناشطين الأمازيغ بالخيبة، وانعكس ذلك على ردود أفعالهم، خصوصًا في المواقع الإلكترونية الأمازيغية، حيث تُنعت السلطات بعبارات شديدة الوقع، تتهمها ب "العنصرية والاستلاب الثقافي والاستعمر العروبي والغزو الإسلامي". وردًّا على منع استخدام الأسمء الأمازيغية، دعا بعض الناشطين الأمازيغ إلى مقاطعة الأسمء العربية، خصوصًا اسم "محمد"، إضافةً إلى تعمُّد بعضِهم رفع الأعلام الأمازيغية بدلً من العلم الوطني في كثير من الفعاليات الثقافية والمظاهرات الاحتجاجية التي تنظَّم في الشارع العامّ وفي الجامعات. ويدفع هذا الخطاب ببعض الفاعلين في المجال الثقافي من غير الأمازيغ إلى رفض هذه الأساليب ورفض المطالب الأمازيغية كلها، خوفًا من تطور الوضع إلى مواجهات اجتمعية عنيفة بين العنصرين العربي والأمازيغي، على غرار ما يحدث منذ عقود داخل الجامعات المغربية من مواجهات بين الفَصيلين الإسلامي والأمازيغي، استُخدمت فيها أسلحة بيضاء وخلَّفت قتلى وجرحى من الطرفين.

25 ذكر أحد الباحثين في الشأن الأمازيغي أن ضمير المتكلم "أنا" بالأمازيغية يُنطق ويُكتَب بخمس طرائق مختلفة في اللهجات الأمازيغية الجهوية، ينظر: بلقاسم. 26 حول تهميش أمازيغية الريف في الأمازيغية المعيارية، ينظر: El Hossaien Farhad, "La standardisation de l'amazigh Marocain entre la théorie et la pratique," Libération , 16/4/2012, accessed on 17/3/2022, at: https://bit.ly/31SHeB1 27 لا تمنع المادة 21 من القانون رقم 99-37 المتعلق بالحالة المدنية الصادر في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، استخدام الأسماء الأمازيغية. يعود مَنْع هذه الأسماء في الغالب إلى تقدير موظفي مكاتب الحالة المدنية، الذين يستندون إلى لائحة أسماء معتمدة من وزارة الداخلية، علم أن المنع يشمل أيضًا أسماء عربية وعجَمية لا توجد في هذه اللائحة الرسمية. 28 يستخدم المرصد الأمازيغي في بياناته لغة هجومية جارحة في انتقاد كل ما يخالف التوجهات النضالية للناشطين الأمازيغ ومطالبهم المتزايدة. ومن ذلك، الانتقاد اللاذع الموجَّه إلى وزراء خارجية تونس وليبيا والجزائر عندما رفضوا مقترح وزير الخارجية المغربي، سعد الدين العثماني، في اجتماع وزاري عام 2012، بتغيير اسم "اتحاد المغرب العربي" إلى "الاتحاد المغاربي"، بسبب وجود مكوّن أمازيغي "غير عربي" في دوله الخمس. ينظر: "المركز الأمازيغي للحقوق والحريات يصدر بيانًا حول موقف وزراء خارجية الدول المغاربية من تسمية 'المغرب العربي'"، أريفينو نت، 2012/2/22، شوهد في 2022/1/3، في: https://bit.ly/34AWkMp 29 ينظر: سعيد بنيس، "المسألة الأمازيغية في المغرب: المبادرات والمواقف والتفاعلات"، ناظور سيتي، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/3daxzuz 30 حول انتشار العنف داخل الجامعات بين الأمازيغ والإسلاميين، ينظر: عوجة طارق، "تاريخ: هكذا تسبب الخلاف الإيديولوجي في مقتل عشرات الطلبة بالجامعات المغربية"، يا بلادي، 2018/5/25، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/36OvHX4؛ "أصناف وخرائط العنف داخل الحرم الجامعي.. في دراسة أعدها باحثون بمبادرة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان"، مغرس، 2014/6/27، شوهد في 2022/1/22، في: https://bit.ly/3deHeAm

وبسبب استمرار السلطات في عدم الاستجابة لبعض المطالب الأمازيغية، سعى الناشطون الأمازيغ إلى تدويل المسألة الأمازيغية، من خلال ربط وضعية الأمازيغ في المغرب بوضعية الأكراد في الشرق الأوسط واليهود في إسرائيل. وفي هذا السياق، زار بعض الناشطين، خصوصًا من الحزب الديمقراطي الأمازيغي المنحلّ، إسرائيل، وعقدوا اتفاقيات صداقة وتعاون مع جمعيات إسرائيلية، وأشادوا بالزعيم الكردي عبد الله أوجلان في ذكرى اعتقاله، والهدف من هذه المبادرات كسب دعم خارجي قد يُحرِج السلطات المغربية، ويدفعها إلى الاستجابة لمطالبهم. ودعا "المؤتمر الأمازيغي العالمي" البرلمان الأوروبي إلى إلغاء اتفاقية التعاون الموقّعة مع المغرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2008، التي منح الاتحاد الأوروبي المغرب بموجبها وضعًا متقدمًا يمكِّنه من تصدير منتجاته الصناعية والتجارية بيسر. وتردّد ناشطون أمازيغ على السفارة الأميركية في الرباط لإبلاغها تذمُّرَهم من رفض السلطات المغربية الترخيص لحزب سياسي أمازيغي وتضييقها على حقوقهم الثقافية، ويعني ذلك تأليب دولة أجنبية ضد المغرب. وأمام تصاعد الضغوط وبعدما أصبحت اللغة الأمازيغية لغة رسمية في دستور 2011، بادرت السلطات، بعد تردد طويل، إلى إصدار القانون التنظيمي رقم 26-16، في أيلول/ سبتمبر 2019، المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. وينصُّ هذا القانون في المادتين 21 و 22 على وجوب استخدام اللغة الأمازيغية في الإدارات والمرافق العمومية كافة، وتضمينها في الوثائق الرسمية، ونصَّت المادة 25 منه على إلزام إدارات الدولة والمرافق العمومية بتأهيل موظفيها "المعنيين" بالتواصل مع المواطنين الذين يتحدثون الأمازيغية وتدريبهم، وذلك عندما يطلبون الخدمة العامة بهذه اللغة. وبعد صدور هذا القانون، سارعت

31 صرّح رئيس الحزب الديمقراطي الأمازيغي، أحمد الدغرني، بأن الحزب يعمل على تشجيع العلاقات مع إسرائيل، لأنها "إحدى وسائل الدفاع عن النفس، ضد الاستهداف الذي يتعرض له أمازيغ المنطقة المغاربية من القوميين العرب ومن بعض المتطرفين الإسلاميين"، ينظر: "الدغرني: العلاقات مع إسرائيل مصلحة أمازيغية"، ناظور سيتي، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/30KhiqX 32 تعرضت هذه الخطوة للاستنكار والإدانة على صفحات جرائد مغربية عدة، لما فيها من مساس بسيادة المغرب وضربٍ لمصالحه الاقتصادية واستفزاز لمشاعر المغاربة، بدعوى الدفاع عن حقوق الشعب الأمازيغي. كما رفضت بعض الجمعيات الأمازيغية تأليب الاتحاد الأوروبي ضد المغرب، وعدّت ذلك منافيًا للأخلاق وروح الوطنية، وطريقة غير مشروعة لإثبات الذات، ينظر: "إبراهيم بوغضن، رئيس جمعية سوس العالمة: في حوار مع جريدة الوطن الآن"، مغرس، 2010/10/25، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/3lrTAYDرشيد الراخا، "'التجمع العالمي؛ الأمازيغي' يراسل سفراء الاتحاد الأوروبي بالرباط حول الأمازيغية"، آكال برس، 2019/12/11، شوهد في 2022/3/17، في: https://bit.ly/36NafBR 33 كشفت وثائق ويكيليكس أن مجموعة من الناشطين الأمازيغ طلبوا من السفارة الأميركية في الرباط دعم الولايات المتحدة لمواجهة ما أسموه "الإبادة الثقافية" التي يقوم بها العرب في المغرب ضد الثقافة الأمازيغية. وورد في الوثيقة رقم 1857 الصادرة عن السفارة الأميركية بالرباط بتاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2007، اسم أحد هؤلاء الناشطين وهو لحسن أولحاج، عميد كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس في الرباط. ورغم هذا الموقف، فقد عُيَِّأولحاج عضوًا في المجلس الاجتماعي والاقتصادي، وعُيِّ في آذار/ مارس 2011، عضوًا في اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور. ينظر: "Morocco Berbers: A Plea for International Engagement," Wikileaks , 18/12/2007, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3iplmp3; ينظر تفاصيل لقاء آخر بمسؤولين في السفارة الأميركية في الرباط: "Berber (Amazigh) Political Activists Speak Out," WikiLeaks , 17/5/2007, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3ueXdHk 34 وافق البرلمان على القانون رقم 26-16 في 2019/7/26، ينظر: المملكة المغربية، رئاسة الحكومة، "القانون التنظيمي رقم 26-16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-19-121 صادر في 12 من محرم 1441 (12 سبتمبر 2019) المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية"، الجريدة الرسمية، العدد 6816، 2019/9/26، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/36aspzq

مختلف الوزارات والهيئات الإدارية والتمثيلية إلى اتخاذ إجراءات لإدراج اللغة الأمازيغية في معاملاتها مع المواطنين بالتعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. تغيَّت البنية اللغوية في البلاد باعتمد الأمازيغية المستحدَثة لغةً رسميةً وإلزام جميع المغاربة بها، مع أنّ إحصاءً رسميًا للسكان حصر عدد الناطقين بالأمازيغية بنسبة 26 في المئة من إجملي عدد السكان، وهذا يخالف قواعد العمل الديمقراطي التي ينبغي بموجبها اعتمد رغبة الأغلبية العددية، وعدم إلزامها بمطالب الأقلية، مع ما يتطلبه ذلك من احترام لحقوق الأقليات. والواقع أن الذين لا يعرفون العربية هم قلة من السكان الأمازيغ الذين لم يلتحقوا بمدرسة عامة، ولم يخالطوا الناطقين بالدارجة العربية، ممن يعيشون في مناطق جبلية نائية لم يصلها صدى التعريب. يختزل معظم الناشطين الأمازيغ الهويةَ الأمازيغية في اللغة فحسب من غير الدين، مع الدعوة الملحّة إلى اعتمد نظام علمني، وهذا الموقف نابع في معظمه من الرغبة في التخلص مم يعدّه بعضهم تراثًا استعمريًا مرتبطًا بفترة دخول العربية والإسلام إلى شمل أفريقيا، وقد يؤدي هذا الطرح إلى صدام قوي مع أغلب أفراد الشعب المغربي الذين ليسوا بأمازيغ أو الذين يقدّمون العربيةَ والإسلام على الأمازيغية، في ترتيب عناصر هويتهم، ويرون الأمازيغية تراثًا لا تتطلب المحافظةُ عليه اعتمدَها لغةً رسميةً للبلاد بالضرورة، وإلزام كل المواطنين بها. إن الرغبة في إزاحة العربية والإسلام من المجال العام قد يكون فيها تنكّر لتراث أمازيغي احتضن منذ الفتح الإسلامي علوم الشريعة وأطياف الثقافة العربية وآدابها وفنونها التي ألَّف فيها علمء أمازيغ، وقادوا الدعوة إلى الإسلام، بل إن الوازع الديني هو الذي أذكى وشائج الوحدة بين الأمازيغ والعرب، وجعل من "العِرقيَن" شعبًا واحدًا، ظل متمسكًا طيلة قرون. إن اعتمد الأمازيغية لغة رسمية بمقتضى الدستور يقتضي التزام السلطات العامة بمجموعة من الإجراءات التي أغفلها القانون 26-16؛ لأنه لم يعدّها من "مجالات الحياة العامة ذات الأولوية" التي نصَّ عليها الفصل الخامس من الدستور. ومن شأن هذه الإجراءات المسكوت عنها أن تغير من مناحي الشأن العام، مثل إصدار الدستور باللغتين العربية والأمازيغية مع تساويهم في الحُجية، وإصدار التشريعات والمراسيم، وتدريس جميع المقررات التعليمية، وتنظيم الحملات الانتخابية، وإلقاء الخطب الملكية، وإلقاء خطب الجمعة في المساجد باللغتين العربية والأمازيغية، معًا، في ذلك كلّه، واعتمد التقويم الأمازيغي إلى جانب الهجري

35 عبَّت جمعيات ومنظمات أمازيغية في بيان لها عن رفضها إقصاء اللغة الأمازيغية من البطاقة الوطنية الجديدة، وقد صدر القانون رقم 20-04 بتحديد خصائصها، مع أن القانون التنظيمي رقم 26-16 قد وضع مهلة لإدراج الأمازيغية في البطاقة الوطنية فترة تمتد إلى غاية عشر سنوات من تاريخ إصدار القانون. ينظر: "تنظيمات أمازيغية: إقصاء الأمازيغية من البطاقة الوطنية 'إجراء سياسي وتشريعي تمييزي يكرس لليأس السياسي والتخبط المؤسساتي'"، العالم الأمازيغي، 2020/7/23، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3nsBdVn 36 أعلنت المندوبية السامية للتخطيط، في ندوة صحفية بتاريخ 25 أيار/ مايو 2016، أن نسبة الذين يتحدثون اللغة الأمازيغية وصلت، في أيلول/ سبتمبر 2014، إلى 26 في المئة من عدد السكان، منهم 14.1 في المئة يتحدثون أمازيغية سوس، و 7.9 في المئة يتحدثون أمازيغية الأطلس، و 4 في المئة يتحدثون أمازيغية الريف بشمال البلاد. وذكرت المندوبية أن المقصود باللغة في هذا الإحصاء: "اللغة التي يتكلمها بصفة اعتيادية كل فرد من أفراد الأسرة مع الأب والأم والأخوات والإخوة، أي اللغة الأم"، وأعلن رئيس مندوبية التخطيط، أحمد لحليمي، أن هذه النتائج "مطابقة للمقاربة التي توصي بها هيئات الأمم المتحدة ولجانها الخاصة". ينظر: "الحليمي: نتائج إحصاء المغاربة الناطقين بالأمازيغية كانت وفق توصيات هيئات الأمم المتحدة"،، 2016/12/10، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3lrVHM3؛ ينظر جدول اللغات المحلية لكم المستعملة في المغرب، في موقع المندوبية السامية للتخطيط: "Démographie – Maroc," Haut- Commissariat au Plan, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3ufMJay 37 عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2000)، ص.154

والميلادي، وعدّ الأعياد الأمازيغية أعيادًا وطنية. فإذا لم تكن السلطات قادرة على إحداث تغييرات من هذا القبيل، فإنها لا تدرك مدى وعورة الطريق الذي تسلكه بجعل الأمازيغية لغة رسمية، في وقت يحتاج فيه تدبير التعدد اللغوي في المغرب إلى استراتيجية لغوية وثقافية واضحة.

ثالثًا: أمازيغ الجزائر وطموح الانفصال

تتعايش في الجزائر أربع لهجات أمازيغية مختلفة: الأولى تُعرف بالقبايلية، وتنتشر في مدن تيزي وزو وبجاية والبويرة. والثانية تُعرف بالشاوية، وتتمركز في محافظات سطيف وباتنة وخنشلة وأم البواقي، في شرق الجزائر، والثالثة تُعرف بالطارقية نسبة إلى الطوارق، وتتمركز في الجنوب (تمنراست، إليزي... إلخ)، والرابعة تُعرف بالمزابية نسبة إلى بني مزاب، وتنتشر في ولاية غرداية وسط الجزائر، ويعتنق بعض الناطقين بها المذهب الإباضي. ظهرت الإرهاصات الأولى لأزمة الهوية في البلاد، فيم سُمي بالأزمة البربرية، عندما قدم مصالي الحاج زعيم حزب الشعب الجزائري، مذكرة إلى الأمم المتحدة عام 1948 ذكر فيها أن الهوية الجزائرية تتمثل في العروبة والإسلام، من دون الإشارة إلى المكون الأمازيغي. وبعد الاستقلال، حلّت العربية مكان الفرنسية في إطار سياسة تعريب تأثرت بالمد القومي العربي الذي كان سائدًا في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، خصوصًا في عهد الرئيس أحمد بن بلة. شملت هذه السياسة تعريب الإدارات العامة وجعل العربية لغة التواصل الرسمي في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم والإعلام، كم جرى تعريب أسمء بعض المدن، ومنع تسمية المواليد الجدد بأسمء غير عربية. وشهدت سياسة التعريب معارضة من جانب الأمازيغ الذين انتظموا في صفوف حزب جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد، وكذا من خلال نشاطات الأكاديمية البربرية التي أُسِّست في باريس عام 1966، وضمَّت في عضويتها نخبة من المستشرقين والمثقفين المدافعين عن الهوية الأمازيغية، الذين ينحدر أغلبهم من منطقة القبايل، وعُرفت بعدائها الشديد للفكر القومي العربي، كم أسهمت مجموعة الدراسات البربرية

التي أُحدثت بجامعة باريس عام 1973 في دعم المطالب الثقافية للأمازيغ. تزايدت سياسات التضييق على اللغة الأمازيغية في عهد الرئيسيَن هواري بومدين والشاذلي بن جديد، فتَكوَّن لدى الناشطين الأمازيغ إحساسٌ بالتهميش والغبن، وصارت المواجهة مع السلطات أمرًا متوقعًا. ففي هذا السياق، اندلعت مظاهرات عُرفت ب "الربيع الأمازيغي" في منطقة القبايل في 20 نيسان/ أبريل 1980؛

38 حول تدبير المخاطر المرتبطة بالعنف الهوياتي، ينظر: عبد الحميد بنخطاب، "إشكالية العنف الهوياتي في ضوء الحراك الاجتماعي بالمنطقة العربية: نموذج المغرب"، عمران، مج 4، العدد 14 (خريف 2015)، ص.79-75 39 لا تتوافر إحصاءات رسمية في الجزائر عن عدد الناطقين بالأمازيغية. يقدر مركز فرنسي للبحث حول البربر CRB هذه النسبة بين 20 في المئة و 25 في المئة من مجموع سكان الجزائر، ينظر: "Tamazight - Langue Berbère: Quelques données de base," CRB, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/36N1CHr 40 Tamazgha, (ONG), "L'Etat algérien et la question amazighe, Rapport alternatif de Tamazgha présenté au Comité pour l'élimination de la discrimination raciale," Nations Unies Conseil Economique et Social Convention internationale sur l'élimination de toutes les formes de discrimination raciale (ICERD), 82 ème session du Comité pour l'élimination de la discrimination raciale, Genève, du 11 Février au 1er Mars 2013, pp. 10, 14, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3daFSGK 41 ياسين بودهان، "بعد سبع وثلاثين عامًا من النضال، ماذا حقق أمازيغ الجزائر؟"، تحليل السياسات، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 2017/10/27، شوهد في 2021/12/5، في: https://bit.ly/30UiTe2

بسبب منع السلطات الشاعر الأمازيغي مولود معمري من إلقاء محاضرة في جامعة تيزي وزو حول الشعر الأمازيغي. وقوبلت هذه الاحتجاجات بالعنف من طرف رجال الأمن، واعتُقِل عدد من المتظاهرين من الطلبة. ثم تصاعد الحراك داخل الجزائر وخارجها من خلال النشاطات الثقافية والوقفات النضالية في إطار العمل الجمعوي والحزبي. ومع استمرار المظاهرات في منطقة القبايل اضطرت السلطات إلى الاستجابة لبعض مطالب المحتجين، سعيًا منها للتخفيف من حدة الاحتقان وإيقاف المواجهات المتكررة مع السكان

الأمازيغ. فبعد إضراب دعت إليه الحركة الأمازيغية في منطقة القبايل، أُنشِئَت مؤسسة المحافظة السامية للأمازيغية في أيار/ مايو 1995، لتقديم الاستشارة لرئيس الجمهورية، اليمين زروال، حول النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وجرى اعتمد اللغة الأمازيغية في المناهج الدراسية منذ عام 1995 في بعض مناطق البلاد. وبعد مراجعة جزئية للدستور في تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 بمبادرة من رئيس الجمهورية، جرت الإشارة في الديباجة إلى الأمازيغية بوصفها مكوّنًا للهوية الوطنية إلى جانب الإسلام والعروبة. وعُرِضت نشرات إخبارية في التلفزيون الرسمي باللهجات الثلاث: القبايلية والشاوية والمزابية، وافتُتِحت أقسام اللغة والثقافة الأمازيغيتين في بعض الجامعات الجزائرية، مثل جامعتَي تيزي وزو وبجاية. غير أن هذه الاستجابة لم تَرْقَ بعدُ إلى مستوى تطلعات الأمازيغ، وهو ما زاد من حدة الصراع مع السلطات. فعقب مقتل أحد الناشطين الأمازيغ في مخفر الدرك في تيزي وزو بمنطقة القبايل عام 2001، اندلعت مواجهات دامية مع رجال الأمن، عُرفت ب "الربيع الأسود"، أسفرت عن مقتل مئة وسبعة وعشرين متظاهرًا، انسحب على إثرها حزب التجمع

من أجل الثقافة والديمقراطية من الحكومة احتجاجًا على مقتل مواطنين. وفي حزيران/ يونيو 2001 مت نظَّ حركات أمازيغية مسيرة مليونية انطلقت من منطقة القبايل في اتجاه العاصمة، بإشراف "تنسيقية العروش" التي أُسِّست في الفترة نفسها، وضمَّت ممثلين عن أبرز القبائل الأمازيغية في البلاد. وقُدِّمَت لائحة مطالب إلى السلطات تضمنت أربعة عشر بندًا، أبرزها الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية في البلاد، وجرى التفاوض بشأنها تحت إشراف رئيس الوزراء حينها علي بن فليس. بعد هذه الأحداث، سارع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى إدخال تعديل دستوري جزئي في نيسان/ أبريل 2002 يقضي بأن تصبح الأمازيغية لغة وطنية. وزاد من حدة الصراع حول الهوية في الجزائر بروزُ نزعات مذهبية وطائفية أعاقت التعايش بين الأمازيغ من أتباع المذهب الإباضي والعرب من أتباع المذهب المالكي، فقد اندلعت بينهم مواجهات في مدينة بريان بولاية غرداية عام 1985؛ بسبب خلاف حول ملكية الأراضي وتسمية بعض الشوارع والمدارس بأسمء شخصيات محلية. وتجددت المواجهات بين الطرفين في مطلع تسعينيات القرن الماضي، واندلعت مرة أخرى في مطلع 2008، فأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص واعتقال مئة وعشرين شخصًا. ثم تجددت المواجهات بين الجانبين في نيسان/ أبريل 2009، وأدت إلى مقتل شخصين وجرح العشرات، وتخريب عدد من الممتلكات. وبادرت وزارة الداخلية إلى الإشراف على اتفاق بين الطرفين بشأن المصالحة بينهم، وحلّ المشكلات بالحوار ونبذ العنف. ولم يدم هذا الاتفاق طويلً حتى اندلعت مواجهات أخرى بين الطرفين، عقب مباراة لكرة القدم، أسفرت عن جرح العديد من الأفراد واعتقال آخرين، وتكررت المواجهات بينهم في عامي 2014

42 موزاوي علي، "الهوية الأمازيغية من خلال الدساتير الجزائرية، مسار من الإقصاء إلى الاعتراف"، الحوار المتمدن، 2018/1/26، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/33LEGqb 43 حول أحداث غرداية، ينظر: "أحداث غرداية - صراع مذهبي أم بداية ربيع جزائري؟"، دويتشه فيله، 2014/9/9، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/34EooyG؛ وعن الصراع بين الإباضية والمالكية، ينظر: "في جذور الصراع بغرداية.. هل تعود الأسباب إلى المذهب والعرق أم إلى مصالح سياسية؟"، سي إن إن بالعربية، 2015/7/12، شوهد في 2022/3/20، في: https://cnn.it/30Rfs7M

و 2015، وأسفرت عن مقتل عشرات الأفراد وإصابة آخرين؛ ما دفع الرئيس بوتفليقة إلى تكوين خلية أزمة لمعالجة هذه الاضطرابات. تبنّت بعض أحزاب المعارضة، مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، المطالب الأمازيغية، وشاركت في تنظيم احتجاجات وتظاهرات ثقافية في هذا الإطار، كم أسهمت جمعيات ثقافية أمازيغية في نشر المطالب الثقافية وزيادة الوعي الشعبي بها. راوحت مطالب هذه الجمعيات بين ضرورة اعتمد الأمازيغية لغةً رسمية وتمكين الأمازيغ من حقوقهم الثقافية الأخرى، ومساندة الانفصال عن الجزائر وتكوين وطن قومي للأمازيغ. فقد تكوّنت في فرنسا حركة تُدعى "الحركة من أجل استقلال منطقة القبايل"، يتزعمها المغنّي المقيم في فرنسا، فرحات مهني، وهدفها انفصال منطقة القبايل عن الجزائر. وأعلنت الحركة عن حكومة منفى في فرنسا بقيادة مهني الذي رأى أن منطقة القبايل ليست جزائرية، ودعا إلى إنهاء ما يسميه "الاحتلال الجزائري" لهذه المنطقة. ودعت الحركة إلى مظاهرات في مدينة تيزي وزو خرجت في نيسان/ أبريل 2014 تطالب ب "استقلال شعب القبايل" عن الجزائر. تتبنّى الحركة قيم العلمنية، وترى أن الدين مسألة شخصية، وقد صدرت عن قادتها مواقف تتعارض مع القيم الدينية، وطلبت هذه الحركة من جهات دولية، كالاتحاد الأوروبي وحلف شمل الأطلسي ووزارة الخارجية الأميركية، المساعدة في "إنقاذ شعب القبايل من خطر الإبادة"، وزار رئيس هذه الحركة إسرائيل في أيار/ مايو 2012، والتقى نائب رئيس الكنيست لبحث الدعم الإسرائيلي لاستقلال منطقة القبايل. حصلت الحركات الأمازيغية في الجزائر على مكتسبات مهمة، مثل تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس العامة

في أكثر من سبع وثلاثين ولاية من أصل ثمانٍ وأربعين، وأُطلِقت قناة تلفزيونية حكومية تبثّ برامجها بأربع لهجات أمازيغية في آذار/ مارس 2009. وبمبادرة من الرئيس بوتفليقة وبموافقة البرلمان جرى تعديل الدستور عام 2016 لترقية الأمازيغية إلى لغة رسمية، متساوية في ذلك مع العربية، مع التأكيد مرة أخرى، في الفقرة الرابعة من الديباجة، أنّ الهوية الأمازيغية مُكَوِّن من مكونات الهوية الوطنية. وقرر الرئيس

44 قاسم حجاج، "غرداية: أزمة ممتدة في عهدة بوتفليقة"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015/8/5، ص 8، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3u8GWnr؛ وحول المواجهات المتجددة في غرداية، ينظر: "أزمة غرداية تفتح ملف الأمازيغ من جديد في الجزائر"، بوابة أفريقيا الإخبارية، 2013/12/26، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/36M54Sz؛ وعن جذور الصراع في غرداية ينظر: "غرداية الجزائرية: جذور الصراع الطائفي تعود لأكثر من أربعة قرون"، يا بلادي، 2014/3/19، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3iK71S6 45 حول مظاهرات تيزي وزو والمواجهة مع الشرطة، ينظر: "الأمازيغ يتظاهرون في مدينة تيزي وزو ضد 'قمع' الشرطة الجزائرية"، فرانس 24، 2014/4/27، شوهد في 2021/12/16، في: https://bit.ly/34ExwTY 46 شجعت الحركة بعض حملات الإفطار العلني في رمضان للفت الانتباه إلى مطالبها العلمانية. ففي شهر رمضان، تموز/ يوليو 2013، قامت مجموعة من الأشخاص بالإفطار العلني في إحدى ساحات مدينة تيزي وزو، متذرعين بأن الحق في الأكل هو "حق إنساني أصيل"، ينظر: عثمان لحياني، "الجزائر: أول إفطار علني في نهار رمضان بمنطقة القبائل"، العربية، 2013/8/3، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/2SCZ9ap 47 ينظر: "البربر يتحركون في الجزائر!"، مغرس، 2010/6/20، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/2SFStbt ينظر: رمضان بلعمري، "زعيم حركة انفصالية في الجزائر يزور إسرائيل"، العربية، 2012/5/22، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3iMn6q8 49 تُكتب الأمازيغية بالحرف العربي في بعض المدارس في باتنة شرق الجزائر، وتَستخدم بعضُ المدارس حرف تيفيناغ، في حين تَستخدم أغلب المدارس الحرف اللاتيني. ينظر: "دستور الجزائر باللغة الأمازيغية والصادر في 6 مايو 2016"، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3CSX40h 50 مقابل تقدم اللغة الأمازيغية وحصولها على مكاسب جديدة يلاحظ تراجع استعمال العربية الفصحى في الإدارات العمومية لفائدة اللغة الفرنسية، وإهمال قانون تعميم اللغة العربية الصادر في 16 كانون الثاني/ يناير 1991. ينظر: محمد نور الدين أفاية، "الهوية الثقافية في زمن التغيير والتعولم"، في: كمال عبد اللطيف ووليد عبد الحي (إعداد)، الانفجار العربي الكبير في الأبعاد الثقافية والسياسية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.113-112

بوتفليقة إنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية، وأصدر مرسومًا في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2016 يقضي بجعل يوم 12 كانون الثاني/ يناير من كل سنة عيدًا وطنيًّا يُخَلّد رأس السنة الأمازيغية، ويوم عطلة مدفوعة الأجر. قد تنبع هذه القرارات من الرغبة في الحفاظ على الثقافة والهوية الأمازيغيتين، كم قد تكون انعكاسًا لضغوط الشارع وخوفًا من اندلاع مزيد من المواجهات في منطقة القبايل. ورغم هذه الاستجابة، استمرت المطالب الأمازيغية في التزايد ومعها المظاهرات والمواجهات مع قوى الأمن، خصوصًا عندما يعمد بعض الناشطين الأمازيغ إلى المساس بسلطة الدولة وهيبتها أو بالرموز الوطنية. تعزّز صراع الهويات في الجزائر بالدعوات المتكررة إلى انفصال منطقة القبايل، ودعوة بعضهم الآخر إلى إحداث نظام فدرالي يمكِّن الأمازيغ من حكم أنفسهم بأنفسهم فوق جزء كبير من مساحة البلاد، وربما تتوحّد ولايات الحكم الفدرالي مستقبلً لتصبح نواة لدولة أمازيغية تتوسع لتشمل أجزاء من المغرب ومالي والنيجر وتونس وليبيا، فيم يُعرف بأرض "تامزغا"، وقد يُستَخدم العنف المسلح في السعي إلى ذلك، كم حدث في كورسيكا بفرنسا وإقليم كيبيك بكندا وإقليم الباسك الإسباني وفي مناطق أخرى من العالم. من شأن انتشار هذه النزعة الانفصالية أن يضر باستقرار البلاد في النواحي الاجتمعية والاقتصادية والسياسية، حتى إذا لم يتحقق هذا الانفصال. عمومًا، فإن تعامل الدولة مع اللغة يقوم على أساسين: فقد ترى أنّ اللغة أمر شخصي، فتعمل على تمكين المواطنين كلهم من التحدث بلغاتهم وتعترف بها جميعًا بوصفها لغات رسمية، فيم يشبه الحياد الثقافي، أو تفرض التعامل بلغة واحدة بناءً على قدرتها التواصلية بين المواطنين أو بناءً على عوامل سياسية وتاريخية، أو عليهم معًا؛ فدور الدولة يقع بين الحياد التام والتدخل المفرط. ومن بين سياسات الهوية التي اشتهرت بإعمل مبدأ المركزية اللغوية، يبرز مثال مهم يمكن الاستفادة منه في معالجة المشكلات المرتبطة بالتعدد اللغوي في دول المغرب العربي، هو المثال الفرنسي الذي يقوم منذ القرن الثامن عشر على مبدأ اللغة الواحدة.

رابعًا: النموذج الفرنيس: بين الإدماج والاستقرار

تمثل أفكار التعدد الثقافي والتنوع الإثني محفزًا للأقليات اللغوية التي لا تحظى لغاتها بمكان في المجال العام؛ للسعي نحو اكتساب مكانة سياسية تمكّنها من التأثير في السياسات العامة. لا شك في أن هذه الرغبة يقتسمها الكثير من أنصار الهويات الثقافية المختلفة، سواء الهويات الرسمية المهيمنة أو المحلية المهمَّشة، ولا شك في أن الصراع بين الهويات حول "الزعامة" مستمر بالرغم من إمكانية حصول الهويات الفرعية على بعض أوجه

51 احتفل أمازيغ الجزائر يوم 12 كانون الثاني/ يناير 2017 للمرة الأولى برأس السنة الأمازيغية 2969. وحدَّدت هذا التقويم عام 1980 جمعية أمازيغية تُدعى "اتحاد الشعب الأمازيغي"، يرأسها عمار نقادي، وابتدأ التقويم من عام 2930. ينظر: يونس بورنان، "أصول التقويم الأمازيغي.. روايات مختلفة لتاريخ واحد"، العين الإخبارية، 2019/1/15، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/2Ffd5UO 52 خلال المظاهرات الطلابية التي شهدتها منطقة القبايل عام 2018 احتجاجًا على تهميش الأمازيغية في المدارس العامة، أزال بعض المحتجين في مدينة البويرة العلمَ الوطني من فوق مدخل الجامعة ورفعوا العلم الأمازيغي، ما استدعى تدخل قوات الأمن لتفريق المتظاهرين. ينظر: عثمان لحياني، "علم جديد يجدّد الحراك الأمازيغي في الجزائر"، العربي الجديد، 2017/12/15، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/3lx0yvx 53 توصلت الدراسة إلى أن المتغيرات الجغرافية هي الأكثر وزنًا عند قياس النزعة الانفصالية في الوطن العربي. ينظر: وليد عبد الحي، "نموذج قياس النزعة الانفصالية للأقليات في الوطن العربي"، عمران، مج 1، العدد 4 (ربيع 2013)، ص 73-49؛ يطالب بعض الناشطين الأمازيغ بنظام فدرالي في المغرب والجزائر. ينظر مثلً: محمد القجيري، "البديل الفيدرالي بالمغرب: نموذج الريف من الاحتلال المركزي إلى الاستقلال الذاتي"، حراك الريف، 2019/6/24، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/35mNovz؛ رشيد الراخا، "تصور التجمع العالمي الأمازيغي للنظام الفيدرالي بشمال إفريقيا"، العالم الأمازيغي، 2018/11/3، شوهد في 2022/3/20، في: https://bit.ly/38ocwUv

التأثير والمكانة التي كانت تناضل من أجلها. من هنا تجد العلاقة بين الهوية والسلطة حضورها، وتتكرس أهمية السلطة بوصفها وسيلة ناجعة لتغيير سياسات الهوية تبعًا لرغبة النخب المهيمنة. وقد تميز في هذا الإطار النموذج الفرنسي من بين النمذج التي قدمت الاستقرار الاجتمعي والسياسي على التعدد اللغوي والثقافي، وباشرت ذلك بطريقة متدرجة، تبدو ناجعة. ففي أوائل القرن العشرين ظهرت في فرنسا حركات مطالِبة باحترام هوياتها اللغوية، وتحديدًا في منطقة بريتانيBretagne في الوسط الغربي ومنطقتي كتالونياCatalogne والباسكBasque في الجنوب عند الحدود مع إسبانيا. وردًّا على ذلك، سعت السياسات اللغوية إلى توحيد اللغات المحلية المنتشرة في مختلف مناطق البلاد في لغة وطنية واحدة، مع حفظ الحقوق الثقافية للسكان الناطقين بهذه اللغات. ولهذا الغرض جرى سنُّ سلسلة من القوانين المتعلقة باستخدام اللغة الفرنسية واللغات الجهوية وإنشاء هيئات لمراقبة مطابقة مناهج التعليم للمقتضيات القانونية الصادرة في هذا المجال، مثل المجلس الأعلى للغات وثقافات فرنسا HCLCF المُحدَث عام 1985، ورغم السمح بتدريس اللغات الجهوية على نحوٍ محدود، فإن السلطات الفرنسية عملت على الحد من استخدام هذه اللغات في المرافق العامة ووسائل التواصل الرسمية، وهو ما جعل اللغة الفرنسية اللغةَ الأولى في أنحاء البلاد من حيث الاستخدام. كم جرى عام 1994 التصديق على قانون توبون Toubon لدعم اللغة الفرنسية وحميتها من توسّع اللغة الإنكليزية، وتنصّ المادة الأولى منه على أن اللغة الفرنسية هي أهم عناصر الشخصية والتراث الفرنسيَيّن، وأنها لغة

المجال العام في المرافق العامة والتعليم والعمل وفي بعض المجالات الخاصة، وتطرح هذه المادة إشكالً متعلقًا بحرية التعبير المضمونة بموجب المادة 11 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، بالنسبة إلى الناطقين باللغات الجهوية من ذوي الأصول الفرنسية، وكذا بالنسبة إلى الناطقين بلغات أجنبية الذين ينتمون إلى أقليات إثنية أو ثقافية من المهاجرين.

54 يُعَرّف الميثاق الأوروبي للغات الجهوية، الصادر عام 1992، اللغات الجهوية بأنها: "اللغات التي يتحدث بها، منذ القِدَم، مجموعة من السكان

في جهة من الدولة، يقلّ عددهم عن مجموع السكان، تختلف عن اللغة أو اللغات الرسمية في هذه الدولة"؛ ينظر المادة الأولى من الميثاق في: Conseil De L'Europe, Charte européenne des langues régionales ou minoritaires , Série des traités européens – no. 148 (Strasbourg: 1992), accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3LgeRBF; Jean-Marie Woehrling, La charte européenne des langues régionales ou minoritaires: Un commentaire analytique (Strasbourg: Conseil de l'Europe, 2005), pp. 137-142, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3iOOLa5 55 صدر في فرنسا في عهد فرانسوا الأول عام 1539، مرسوم باسم Villers-Cotterêts de Ordonnance لتوحيد التعامل باللغة الفرنسية فوق التراب الفرنسي بكامله، من أجل تكوين هوية وطنية جامعة تقوم على اللغة والثقافة الفرنسيتين. وفي 2 تموز/ يوليو 1794 صدر قانون يمنع كتابة الوثائق والعقود الرسمية بغير الفرنسية، ثم صدر قانون عام 1881 يمنع استخدام اللغات المحلية أو الجهوية في المدارس العمومية، ينظر: République Française, Le service public de la diffusion du droit, "Ordonnance du 25 août 1539 sur le fait de la justice (dite ordonnance de Villers-Cotterêts)," accessed on 29/3/2022, at: https://bit.ly/35iMlQf 56 بعد صدور القانون رقم 652-82 في 29 تموز/ يوليو 1982، أصبح ممكنًا بثّ البرامج والأخبار باللغات الجهوية عبر قنوات عامة للإذاعة والتلفزيون. ينظر: La République française, "Loi no. 82-652 du 29 juillet 1982 sur la communication audiovisuelle," Journal officiel de la République française, JORF , 30/7/1982, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3NbCz3M 57 ينظر المادة الأولى من قانون توبون Toubon رقم:665-94 La République française, "Loi no. 94-665 du 4 août 1994 relative à l'emploi de la langue française (1)," JORF , no. 180, 5/8/1994. 58 ينظر في معالجة هذه الإشكالية: Agnès Roblot-Troizier, "L'impact de la révision constitutionnelle sur les droits et libertés," Actualité juridique , Edition droit administrative, no. 34 (2008), p. 1866, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3jREZFu

ورفضت الحكومات الفرنسية المتعاقبة، في سعيها لتوحيد استخدام اللغة الفرنسية، تطبيقَ أجزاء من اتفاقية اليونسكو لعام 1980 المتعلقة بمكافحة التمييز في مجال التعليم، وامتنعت أيضًا عن تطبيق بعض مقتضيات الميثاق الأوروبي للغات الجهوية الصادر عام 1992، الذي وقّعته في 7 أيار/ مايو 1999، بدعوى تعارضه مع الفصل الثاني من الدستور الذي يقرر أن "لغة الجمهورية هي اللغة الفرنسية". ويتُرجِم هذا الرفض بوضوح عدم رغبة السلطات الفرنسية في الاعتراف بخصوصية الأقليات الثقافية المنتشرة في مختلف مناطق البلاد، خصوصًا في جزيرة كورسيكا التي ينحدر أغلب سكانها من أصول إيطالية، وفي الأقاليم الفرنسية الاثني عشر، فيم وراء البحار، مثل جوادلوب وغويان ومارتينيك وكاليدونيا الجديدة. وحرصًا على وحدة جزيرة كورسيكا ومنعًا من خروج المطالب القومية فيها عن السيطرة، رفض المجلس الدستوري الفرنسي عام 1991 عدّ سكان هذه الجزيرة شعبًا متميزًا corse Peuple ينتمي إلى الأمة الفرنسية، لكنه أجاز تمويل الدولة لبرامج تعليم اللغة المحلية، بشرط أن يكون تعلُّمها اختياريًا. وصدر قانون في 22 كانون الثاني/ يناير 2002 يتيح إمكانية تدريس اللغة المحلية في المدارس العامة، ووضع سياسة ثقافية خاصة بالجزيرة منبثقة من برلمانها المحلي، وعمومًا، فالسلطات تخشى أن يؤدي الاعتراف بالمكونات الإثنية في البلاد واعتمد لغاتها في مناطق وجودها، إلى تشجيع الأقليات على المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي، وهو ما يحدث الآن في كورسيكا وبلاد الباسك في الجنوب الفرنسي، وربما يتطور الوضع ليشمل المستعمرات الفرنسية في أميركا اللاتينية والمحيط الهادي، بما يهدد وحدة التراب الفرنسي. واصطدمت رغبة السلطات المركزية في فرض لغة وطنية واحدة بمطالب ثقافية جهوية، دفعتها إلى إصدار سلسلة من القوانين التي بدت صارمة أحيانًا ومرنة أحيانًا أخرى. فقد صدر عام 1975 قانون Haby الذي أتاح، في المادة 12، إمكانية تدريس اللغات الجهوية في المدارس العامة، وحددها في خمس لغات معترف بها، هي: لغة بروتونBreton ولغة الباسكBasque واللغة الكتلانيةCatalan واللغة الأوكسِتانيةOccitan ولغة جزيرة كورسيكا corse Le. وجرى الاعتراف بلغات أخرى خلال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، والسمح

59 علَّل المجلس الدستوري رفضَه الميثاق بتعارضه مع الفصل الثاني من الدستور ومع مبدأ "عدم قابلية الجمهورية للتقسيم Principe " république la de d'indivisibilité الذي يربط بين وجود الدولة وسيادتها. ينظر الفقرة العاشرة في قرار المجلس الدستوري رقم:412-99 La République française, "Décision no. 99-412 DC du 15 juin 1999," Conseil Constitutionnel, 15/6/1999, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3nDKud2 60 ينظر الفقرات من 10 إلى 14 في قرار المجلس الدستوري رقم:290-91 La République française, "Décision no. 91-290 DC du 9 mai 1991," Conseil Constitutionnel, 9/5/1991, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/2GT8JDr 61 ينظر المادتان 7 و 9 من القانون رقم:92-2002 La République française, "Loi no. 2002-92 du 22 janvier 2002 relative à la Corse (1)," JORF , 23/1/2002, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3tspISM; وينص الميثاق الأوروبي للحقوق الأساسية في المادتين 21 و 22 على منع التمييز بسبب اللغة، ووجوب احترام التنوع الثقافي واللغوي في الاتحاد الأوروبي. لكن الميثاق لا يلزم الدول بدسترة اللغات المحلية وترسيمها، ينظر: "Charte Des Droits Fondamentaux De L'union Européenne," Journal officiel des Communautés européennes , 18/12/2000, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/2SF3yti

بتدريسها على المستوى المحلي، وأُضيفت الفقرة الأولى من الفصل الخامس والسبعين من الدستور الفرنسي بعد مراجعته في تموز/ يوليو 2008، ونصَّت على أنّ اللغات الجهوية تعدّ تراثًا فرنسيًا، بما يسمح باستخدامها من دون تعارض مع الفصل الثاني من الدستور الذي يجعل الفرنسية وحدها لغة رسمية للبلاد. وظلَّ تحديد لائحة اللغات الجهوية المعترف بها إلى جانب الفرنسية من اختصاص القانون، واختلفت هذه اللائحة من فترة إلى أخرى تبعًا لمخرجات الصراع السياسي حول الهوية الذي ينخرط فيه كثير من الفاعلين المدافعين عن ثقافات ولغات محلية تسعى للحصول على اعتراف رسمي. وصدر أول قانون يحدد استعمل بعض اللغات الجهوية في 11 كانون الثاني/ يناير 1951، المعروف بقانون ديكسون Deixonne الذي بيَّ طريقة استخدام هذه اللغات في المجال العامّ بإتاحة تدريسها في المدارس العامة مدة ثلاث ساعات في الأسبوع، على نحو اختياري. وجرى تعديلُ هذا القانون عام 2000 بموجب المادة الرابعة من قانون التعليم التي منحت السلطات المختصة إمكانية إلغاء تدريس اللغات الجهوية في مراحل التعليم العمومي كلها. إن بروز المطالب المرتبطة بالهوية يمثل أكبر تحدٍّ تواجهه الأنظمة الديمقراطية الحديثة، فالإحساس المتزايد بالهوية يحفّز النضال السياسي من أجل إثبات الذات من خلال المظاهرات الشعبية والفعاليات الثقافية ومختلف أشكال الحراك الاجتمعي، فالصراع حول الهوية يمكن أن يتخذ أشكالً متفاوتة الخطورة، تبدأ من المعارضة السياسية والاحتجاج الشعبي، وتصل إلى العصيان المدني والإرهاب المسلّح والتطهير العرقي. وربطت دراسات عدة بين التعدد الثقافي والصراع حول الهوية ربطًا يكاد يكون آليًا؛ فقد رأى فوكوياما أن التحديات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية بسبب انبعاث الهويات الدينية والثقافية هي نتيجة لطبيعة النظام الليبرالي القائم على مبدأي الحرية والتعدد، اللذَين أنتجا تنوعًا شديدًا أضحى يهدد وحدة الدولة وسيادتها ونظامها الديمقراطي. ولأنه من الصعب على النظام الديمقراطي أن يتخذ سياسات تلبّي مطالب الهويات الثقافية المختلفة والمتعددة،

62 ينظر: La République française, "Loi no. 75-620 du 11 juillet 1975 relative à l'éducation (Loi Haby)," JORF , 12/7/1975, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3CXLMI0; ينظر المادتان 33 و 34 من القانون رقم:1207-2000 La République française, "Loi no. 2000-1207 du 13 décembre 2000 d'orientation pour l'outre-mer," JORF , no. 289, 14/12/2000, 21/2/2007, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3D2gfVA; يُحصي التقرير المرفوع إلى الوزير الأول الفرنسي حول اللغات الجهوية في 1998/7/1، أكثر من خمس عشرة لغة جهوية معتَمدة بفرنسا، ينظر: Bernard Poignant, Langues et cultures régionales: Rapport de Monsieur Bernard Poignant Maire de Quimper, a Monsieur Lionel Jospin Premier Ministre (Paris: Juillet 1998), pp. 3-5, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/33LVqh9 63 ينظر المادة 40 من القانون الدستوري رقم:724-2008 La République française, "Loi constitutionnelle no 2008-724 du 23 juillet 2008 de modernisation des institutions de la Ve République (1)," Journal Officiel De La République Française , no. 171, 24/7/2008, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/36yV2pN; Doris Farget, "La constitutionnalisation des langues régionales françaises. Entre reconnaissance et effectivité symbolique," Revue Canadienne Droit et société , vol. 26, no. 1 (2011), p. 137. 64 استثنى قانون ديكسون جزيرة كورسيكا من هذه المقتضيات، ولم يشمل هذه الجزيرة إلا ابتداءً من عام 1974. ومن أهم القرارات التي اتخذها برلمان كورسيكا أنه جعل لغة كورسيكا لغةً إلزامية في التعليم، وذلك في عام 1983. وحاول البرلمان عام 1989 جعل اللغة المحلية لغةً رسمية إلى جانب الفرنسية، لكن هذا المسعى لقي معارضة شديدة، ولم يكلّل بالنجاح. ينظر: Christian Lefébvre, "Nationalisme corses et perspectives européennes," Cultures & conflits , no. 7 (Automne 1992), accessed on 10/11/2021, at: https://bit.ly/30RvVc5 65 Francis Fukuyama, Identity: The Demand for Dignity and The Politics of Resentment (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018), pp. 100-102.

فقد أضحى من الأولْى الاهتمم بتعزيز الهوية الوطنية التي تنصهر فيها الفسيفساء الثقافية المتعددةَ. ويدعو فوكوياما في هذا الإطار إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة سياسات الهوية التي تُضعف الدولة في الولايات المتحدة، وذلك بإعادة النظر في قوانين التجنيس وتعزيز اللغة الإنكليزية ونشر الوعي بالتاريخ الأميركي المشترك، وتعزيز الخدمة العسكرية، وتأكيد كرامة الفرد والجمعة من خلال الاعتراف بها في إطار تكاملي يحقق هوية وطنية مشتركة.

خاتمة

ينشأ الصراع حول الهوية عندما تحاول هويات فرعية، تهيمن على السلطة أو تملك التأثير فيها، إلزامَ المواطنين كافة بعناصر هويتها في المجال العام، خصوصًا إذا تعلقت باللغة أو الدين؛ إذ إنّ رغبة الأقليات الثقافية في الانتقال من المحلّ إلى الوطني قد تخالطها رغبة في إثبات الذات وإعلاء شأن لغة عُرضة لعدم الاستخدام بين أفراد الهوية المحلية أنفسهم. فينبغي للخوف على الثقافات المحلية من الزوال أن يدفع في اتجاه العناية بها داخل مجالها المحلي، من غير أن يمتد ذلك، بالضرورة، إلى الإطار الوطني ليشمل عموم المواطنين، وفيهم أغلبية قد لا تقبل بهذا التعميم. كم أن ممرسة الحريات الفردية في إطار فردي أو محلي لا يمس بالهوية الوطنية الجامعة، يمكن أن تشكل حلًّ توفيقيًا بين متطلبات الهوية الوطنية ومطالب الهويات الفرعية. اتضح من خلال هذه الدراسة أنّ الصراع حول الهوية اللغوية والثقافية يؤثر سلبيًا في الاستقرار السياسي

والاجتمعي في المغرب والجزائر، وأن التنوع الثقافي غير المنظَّم في إطار سياسات عامة متوازنة من شأنه أن يذكي الولاءات المحلية ويزيد من الحشد الأيديولوجي لإبراز الهوية الأمازيغية والسمو بها إلى مراتب الهيمنة في هذين النموذجين. فالخطاب الذي يروّج له اليوم ناشطو الأمازيغية في الدول المغاربية، لا يتوانى عن استخدام عبارات نابية وانتقادات مسيئة لرموز الدولة ومسؤوليها، بما يتجاوز معايير اللياقة والنزاهة المفترضة في كل نقد بنّاء. كم أن بعض ناشطي الأمازيغية لجؤوا إلى جهات خارجية للاستعانة بها من أجل الضغط على سلطات الدولة وإحراجها في المحافل الدولية، وبالغ بعضُهم في التهجم على اللغة العربية والدين الإسلامي وامتهان مكانتهم في ثقافة الشعوب المغاربية بما يهدد الاستقرار المجتمعي، وينذر بانتقال الصراع إلى ساحة أشد عنفًا. إن الصراع بين أنصار الهويتين الأمازيغية والعربية يظهر اليوم في تبادل ناشطي المعسكرَين التهم والشتائم والعنف على مواقع التواصل الاجتمعي وفي ساحات الجامعات وميادين التظاهر، إلى درجة يوشك أن يتحول معها هذا الصراع، في المستقبل المنظور، إلى صراع عربي-أمازيغي على غرار الصراع السنّي-الشيعي في سورية والعراق واليمن ولبنان. إنّ المطالبة بتعميم اللغة الأمازيغية في التعليم والإدارات العامة والقطاعات الاقتصادية، ستؤدي إلى فرض هذه اللغة على من لا يراها جزءًا من هويته. فالحركة الأمازيغية لا تأخذ في الاعتبار أن أغلب سكان المغرب

العربي لا يعدّون أنفسهم من الأمازيغ، وقد قدّم الإحصاء العام للسكان الذي أُنجز في المغرب عام 2014 فكرة واضحة عن هذا التباين.

66 Ibid., pp. 105-107. 67 Ibid., p. 128. 68 تنتشر في بلجيكا ثلاث لغات: الفرنسية والفلامانية والألمانية، فاعتُمِدت الفرنسية والفلامانية لغتين رسميتين، دون الألمانية. وأسهم هذا التنوع اللغوي في إذكاء صراع سياسي حول الزعامة والريادة بين المنطقتين الفلامانية والفرنسية، أدى إلى عدم استقرار الدولة، بسبب تعذّر الاتفاق حول تأليف حكومة مركزية ائتلافية. ينظر: Jean Quatremer, "Belgique: Un gouvernement après quasiment deux ans de crise," Libération , 1/10/2020, accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3npbQm8

يحتاج الاستقرار السياسي والاجتمعي إلى تجانس لغوي بين المواطنين، في حين قد يكون التعدد اللغوي غير المحصور جغرافيًا داخل الدولة سببًا في نشوب صراع اجتمعي وسياسي حول الهوية؛ لذا عمدت كثير من الدول إلى نهج سياسات لغوية هدفها توحيد المواطنين حول لغة رسمية واحدة، تجنبًا للاستقطاب والتجاذب والمزايدات التاريخية بين المنتسبين إلى ثقافات مختلفة في حيز جغرافي واحد. فعندما يتعلق الأمر بالوحدة الوطنية تبرز ضرورة تقديم أصحاب الهويات المختلفة تضحيات تمنع اندلاع الفتنة بينهم وانتشار دعوات التفرد والتميز وبروز تجاذبات "الأنا" و"الهُوَ" في الوطن الواحد. إن اتخاذ إجراءات للحدّ من تشظّي المجتمع وعدم السمح للهويات المحلية بالانتقاص من الهوية الوطنية وإضعافها هو عمل لا يتعارض مع قواعد الديمقراطية، لا سيم قاعدة "حق الأغلبية" في إقرار تشريعات برلمانية، وحق الأحزاب الفائزة في الانتخابات في إقرار سياسات تتطابق مع برامجها الانتخابية. إن الحلول المتصوَّرة لأيّ صراع حول الهوية يجب أن تمرّ بطريق سياسات عامة تعمل على تنظيم عناصرها الأساسية وترتيبها، كاللغة والدين. وفي السعي نحو الاستقرار تبرز الحاجة إلى متابعة خطاب الهوية وتهذيبه وتقويم انحرافاته التي تهدد الاستقرار والتعايش بين الثقافات المختلفة. ولعل في المثال الفرنسي ما يعزز هذا التصور، بالرغم من كل ما يمكن أن يُؤخذ عليه. ففي زمن العولمة وانتشار النزوع نحو الوحدة والاتحاد لبناء تكتلات قوية قادرة على المنافسة الاقتصادية، يُنظر إلى التفرقة والتفريع والتعدد غير اللازم بنوع من الحذر؛ نظرًا إلى ما يمكن أن يؤدي إليه من إحياء للنعرات العرقية وتفتيت للكيانات المنسجمة.

المراجع

References

العربية

بركة، بسّام [وآخرون]. اللغة والهوية في الوطن العربي: إشكاليات التعليم والترجمة والمصطلح. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بشارة، عزمي. "النهضة المعاقة (16): سياسات الهوية وصناعة الهوية". عرب 48. 2020/1/2. في: https://bit.ly/3qs8CjG بنخطاب، عبد الحميد. "إشكالية العنف الهوياتي في ضوء الحراك الاجتمعي بالمنطقة العربية: نموذج المغرب." عمران. مج 4، العدد 14 (خريف.)2015 بودهان، ياسين. "بعد سبع وثلاثين عامًا من النضال، ماذا حقق أمازيغ الجزائر؟". تحليل السياسات، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. 2017/10/27:. في https://bit.ly/30UiTe2 حجاج، قاسم. "غرداية: أزمة ممتدة في عهدة بوتفليقة". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2015/8/5:. في https://bit.ly/3u8GWnr الدواي، عبد الرزاق. في الثقافة والخطاب عن حرب الثقافات: حوار الهويات الوطنية في زمن العولمة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013. شفيق، محمد. اللغة الأمازيغية: بنيتها اللسانية. الدار البيضاء: منشورات الفنك،.2000 عبد اللطيف، كمل ووليد عبد الحي (إعداد). الانفجار العربي الكبير في الأبعاد الثقافية والسياسية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 عزوز، أحمد ومحمد خاين. العدالة اللغوية في المجتمع المغاربي: بين شرعية المطلب ومخاوف التوظيف السياسوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 القجيري، محمد. "البديل الفيدرالي بالمغرب: نموذج الريف من الاحتلال المركزي إلى الاستقلال الذاتي". حراك الريف. 2019/6/24:. في https://bit.ly/35mNovz "ميثاق أكادير أو ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين بالمغرب." 2018/10/13:. في://bit.ly/2JXfKoD https المملكة المغربية. "ظهير رقم 1-01-299 صادر في 29 من رجب 1422 (17 أكتوبر 2001) يقضي بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية". الجريدة الرسمية. العدد.4948 2001/11/1:. في https://bit.ly/3JVYTMM ________. الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الرباط: تشرين الأول/ أكتوبر 1999:). في https://bit.ly/2GNvzMJ المملكة المغربية، المحكمة الدستورية. قرار المحكمة الدستورية رقم 97 /19 (الرباط: 2019/9/5). في: https://bit.ly/3nDmRkR المملكة المغربية، رئاسة الحكومة. "القانون التنظيمي رقم 26-16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-19-121 صادر في 12 من محرم 1441 (12 سبتمبر 2019) المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع

الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية." الجريدة الرسمية. العدد.6816 2019/9/26:. في https://bit.ly/36aspzq الودغيري، عبد العلي. اللغة والدين والهوية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2000

الأجنبية

Barus-Michel, Jacqueline, Eugène Enriquez & André Lévy (dir.). Vocabulaire de psychosociologie: Positions et Références. Paris: Érès, 2002. "Berber (Amazigh) Political Activists Speak Out." WikiLeaks. 17/5/2007. at: https://bit.ly/3ueXdHk Boukous, Ahmed. "Aménagement de l'Amazighe pour une planification stratégique." Revue Asinag. no. 3 (2009). at: https://bit.ly/2I9Hc16 "Charte Des Droits Fondamentaux De L'union Européenne." Journal officiel des Communautés européennes. 18/12/2000. at: https://bit.ly/2SF3yti Conseil De L'Europe. Charte européenne des langues régionales ou minoritaires. Série des traités européens 148 (Strasbourg: 1992). at: https://bit.ly/3LgeRBF "Démographie – Maroc." Haut- Commissariat au Plan. at: https://bit.ly/3ufMJay Farget, Doris. "La constitutionnalisation des langues régionales françaises. Entre reconnaissance et effectivité symbolique." Canadian Journal of Law and society. vol. 26, no. 1 (2011). Fukuyama, Francis. "Against Identity Politics: The New Tribalism and The Crisis of Democracy." Foreign Affairs. vol. 97, no. 5 (September-October 2018). ________. Identity: The Demand for Dignity and The Politics of Resentment. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018. La République française. "Décision no. 91-290 DC du 9 mai 1991." Conseil Constitutionnel. 9/5/1991. at: https://bit.ly/2GT8JDr ________. "Décision no. 99-412 DC du 15 juin 1999." Conseil Constitutionnel. 15/6/1999. at: https://bit.ly/3nDKud2 ________. "Loi constitutionnelle no 2008-724 du 23 juillet 2008 de modernisation des institutions de la Ve République (1)." Journal Officiel De La République Française, JORF. no. 171. 24/7/2008. at: https://bit.ly/36yV2pN ________. "Loi no. 2000-1207 du 13 décembre 2000 d'orientation pour l'outre-mer." JORF. no. 289. 14/12/2000. at: https://bit.ly/3D2gfVA ________. "Loi no. 2002-92 du 22 janvier 2002 relative à la Corse (1)." JORF. 23/1/2002. at: https://bit.ly/3tspISM;

________. "Loi no. 82-652 du 29 juillet 1982 sur la communication audiovisuelle." JORF. 30/7/1982. at: https://bit.ly/3NbCz3M ________. "Loi no. 94-665 du 4 août 1994 relative à l'emploi de la langue française (1)." JORF. no. 180. 5/8/1994. ________. "Loi no. 75-620 du 11 juillet 1975 relative à l'éducation (Loi Haby)." JORF. 12/7/1975. at: https://bit.ly/3CXLMI0 Lefébvre, Christian. "Nationalisme corses et perspectives européennes." Cultures & conflits. no. 7 (Automne 1992). at: https://bit.ly/30RvVc5 "Morocco Berbers: A Plea for International Engagement." Wikileaks. 18/12/2007. at: https://bit.ly/3iplmp3 Poignant, Bernard. Langues et cultures régionales: Rapport de Monsieur Bernard Poignant Maire de Quimper, à Monsieur Lionel Jospin Premier Ministre. Paris: Juillet 1998. at: https://bit.ly/33LVqh9 Roblot-Troizier, Agnès. "L'impact de la révision constitutionnelle sur les droits et libertés." Actualité juridique. Edition droit administrative. no. 34 (2008). at: https://bit.ly/3jREZFu Tamazgha, (ONG). "L'Etat algérien et la question amazighe, Rapport alternatif de Tamazgha présenté au Comité pour l'élimination de la discrimination raciale." Nations Unies Conseil Economique et Social Convention internationale sur l'élimination de toutes les formes de discrimination raciale (ICERD). 82 ème session du Comité pour l'élimination de la discrimination raciale. Genève, du 11 Février au 1er Mars 2013. at: https://bit.ly/3daFSGK "Tamazight - Langue Berbère: Quelques données de base." CRB. at: https://bit.ly/36N1CHr Woehrling, Jean-Marie. La charte européenne des langues régionales ou minoritaires: Un commentaire analytique. Strasbourg: Conseil de l'Europe, 2005. at: https://bit.ly/3iOOLa5