سياسات استقلال القضاء في الجزائر: مكانة القضاء في الدّستور المعدّل لسنة 2020
The Independence of the Judiciary in Algeria: The Position of the Judiciary in the 2020 Constitutional Amendment
الملخّص
تقيّم هذه الدراسة مدى استقلال القضاء في الجزائر، وفق ما ينص عليه التعديل الدستوري لسنة 2020، وفي ضوء الاعتبارات العملية التي تؤثر في القضاء وفي عمل القضاة. وتستنتج، عبر تحليل النصوص الدستورية والقانونية، أن تول رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وارتباط النيابة العامة تدرجيًا بوزير العدل يجعلان القضاء جهازًا أقرب إلى مرفقٍ عام تابع للسلطة التنفيذية. غير أنه يمكن وصف القاضي بأنه سلطة في الدستور، نظرًا إلى أهمية الضمنات الدستورية في تعزيز استقلاله الوظيفي وضمن نزاهته وحياده. ومع ذلك، فإن فاعلية هذه الضمنات تظل مرتبطةً بعوامل قانونية وعملية، يتعلق أهمها بما سيصدر من قوانين جديدة تنظّم القضاء من جهة، وبنظرة النظام السياسي إلى القضاء ووضع القاضي الاجتمعي والمهني من جهة أخرى.
Abstract
This study analyses the constitutional status of the judiciary in Algeria by examining whether it constitutes an independent constitutional power, or whether it is closer to a public service that is organically linked to the executive. The study argues that the judiciary does not constitute a third power because of the role of the President as head of the Supreme Council of the Judiciary and the subordination of Public Prosecution. The guarantees established by the constitutional Amendment of 2020 represent significant gains at the theoretical level in ensuring the functional independence of the judge. However, their effectiveness is linked to the will of the political power to promote the independence of the judiciary and to provide the appropriate conditions that safeguard the judge's immunity from any social or political pressure.
- استقلال القضاء
- القضاء الجزائري
- السلطة القضائية
- المجلس الأعلى للقضاء
- المسؤولية التأديبية للقضاة
- وزير العدل
- Judical Independence
- Algerian Judiciary
- Judicial Authority
- Supreme Councial of the Judiciary
- Judicial Discipline
- Justice Minster
تقيّم هذه الدراسة مدى استقلال القضاء في الجزائر، وفق ما ينص عليه التعديل الدستوري لسنة 2020، وفي ضوء الاعتبارات العملية التي تؤثر في القضاء وفي عمل القضاة. وتستنتج، عبر تحليل النصوص الدستورية والقانونية، أن تول
رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وارتباط النيابة العامة تدرجيًا بوزير العدل يجعلان القضاء جهازًا أقرب إلى مرفقٍ عام تابع للسلطة التنفيذية. غير أنه يمكن وصف القاضي بأنه سلطة في الدستور، نظرًا إلى أهمية الضمنات الدستورية في تعزيز استقلاله الوظيفي وضمن نزاهته وحياده. ومع ذلك، فإن فاعلية هذه الضمنات تظل مرتبطةً بعوامل قانونية وعملية، يتعلق أهمها بما سيصدر من قوانين جديدة تنظّم القضاء من جهة، وبنظرة النظام السياسي إلى القضاء ووضع القاضي الاجتمعي والمهني من جهة أخرى.
كلمت مفتاحية: استقلال القضاء، القضاء في الجزائر، السلطة القضائية، المجلس الأعلى للقضاء، المسؤولية التأديبية للقضاة، وزير العدل.
This study analyses the constitutional status of the judiciary in Algeria by examining whether it constitutes an independent constitutional power, or whether it is closer to a public service that is organically linked to the executive. The study argues that the judiciary does not constitute a third power because of the role of the President as head of the Supreme Council of the Judiciary and the subordination of Public Prosecution. The guarantees established by the constitutional Amendment of 2020 represent significant gains at the theoretical level in ensuring the functional independence of the judge. However, their effectiveness is linked to the will of the political power to promote the independence of the judiciary and to provide the appropriate conditions that safeguard the judge's immunity from any social or political pressure.
أستاذ التعليم العالي في القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية بجامعة الجلفة بالجزائر. Professor of Constitutional Law and Institutions at the University of Djelfa in Algeria. Email: kamaldj82@yahoo.fr
مقدمة
مثّل استقلال القضاء وتحريره وإطلاق يده في مكافحة الفساد أكثر الشعارات التي رُفعت في الحراك الشعبي الذي اندلع في الجزائر، في 22 شباط/ فبراير 2019. وبالموازاة مع ذلك، شهدت تلك الفترة حملة محاكمت تاريخية وغير مسبوقة لمسؤولين كبار في نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة (2021-1937). ولم يكن القضاة بعيدين عن هذا الحراك؛ إذ شاركوا فيه وأعلنوا وقوفهم مع مطالب الشعب، وبدأت نقابة القضاة في القيام بدورٍ أكبر في المطالبة باستقلال القضاء وتحسين ظروف القاضي. وفي هذا السياق، كان من المتوقع أن يكون القضاء في صلب الحملات الانتخابية للمرشحين للانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019. وكان أيضًا من أهم محاور مشروع التعديل الدستوري الذي طرحه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون (-2019) للاستفتاء الشعبي في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وقد أكد هذا التعديل مبدأ استقلال القضاء باعتباره سلطة دستورية، وحذف النص الذي كان يقضي بأن رئيس الجمهورية ضامن استقلال السلطة القضائية، إضافة إلى تقييد سلطته في التعيين في الوظائف القضائية النوعية بوجوب الأخذ بالرأي المطابق المسبق للمجلس الأعلى للقضاء. وإذا كان الدستور الجزائري نصّ على القضاء باعتباره سلطة ثالثة إلى جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأقر مبدأ استقلال السلطة القضائية، فإن وضع القضاء الدستوري والقانوني، في ظل الاعتبارات السياسية والاجتمعية التي تؤثر في عمل القضاة، يطرح إشكالية إذا ما كان القضاء يشكّل سلطة دستورية بكل المقومات الأساسية التي تضمن استقلاله العضوي والوظيفي. وضمن هذه الإشكالية، فإن تساؤلات عدة متفرعة عنها تطرح على نحو حاد ومتكرر عن القضاء ومكانته الدستورية في الجزائر من قبيل: أيجسد القضاء فعلً سلطة دستورية، أم أنه مجرد مرفق عام له خصوصية معينة، ويبقى رغم ذلك تحت إدارة السلطة التنفيذية وإشرافها؟ وكيف يؤثر هذا التوصيف للقضاء في فاعلية الضمنات التي قررها الدستور لاستقلال القضاة وحيادهم؟ يهدف تحليل الوضع الدستوري للقضاء إلى التأكد من توفير الدستور كل المعايير الدستورية والقانونية التي تؤهل القضاء ليكون سلطةً دستورية مستقلة، وترصد الدراسة التأثير الذي تمارسه السلطة التنفيذية عضويًا ووظيفيًا في القضاء بما يحوّله عمليًا إلى مرفقٍ عام تابع لها. تقوم مقاربة الدراسة في مكانة القضاء في الدستور بالأساس على منهجٍ قانوني معياري، يبحث فيم يجب أن يكون عليه وضع القضاء حتى يمكن وصفه فعلً بأنه سلطة مستقلة. وسيتم تقييم مكانته، من خلال تحليل النصوص الدستورية والقانونية المنظّمة له، وردّها إلى المعايير الدستورية التي تتعلق باستقلاله وحياده، إضافة إلى استعراض السياقات والتحديات العملية التي تؤثر في استقلال القاضي في الجزائر. تنطلق الدراسة في محورها الأول من تحليل مدى الاستقلال العضوي للقضاء عبر استعراض ارتباطه العضوي بالسلطة التنفيذية، في حين يحلل المحور الثاني المبادئ الدستورية التي نص عليها الدستور لضمن استقلال القضاة. وقد قرر التعديل الدستوري لسنة 2020 العديد من المبادئ المهمة التي تضمن الاستقلال الوظيفي للقضاة، كعدم قابليتهم للنقل، وتقرير مبدأ عدم خضوعهم إلا للقانون، إضافة إلى ضمنات المساءلة التأديبية؛ ما يؤهل القضاء ليكون سلطة مستقلة نظريًا من الناحية الوظيفية.
أولً: ارتباط القضاء عضويًا بالسلطة التنفيذية
تختلف الدول في مدى اعتبار القضاء سلطة من السلطات، ويمكن ملاحظة التحفظ في النظام الفرنسي مثلً تجاه السلطة القضائية واستقلالها، فيذهب الباحثون إلى أنه عبر العدد الكبير من الدساتير التي عرفتها فرنسا منذ الثورة فإن القليل منها فحسب أشار على نحو صريح إلى القضاء بوصفه سلطة. ويتجسد هذا التحفظ في خوف السلطتين التشريعية والتنفيذية من السلطة القضائية. وقد كانت آثار هذا الخوف وخيمة في السلطة القضائية من حيث استقلاليتها التي لم تعرفها أبدًا بصورة مطلقة في فرنسا؛ إذ إنها امتازت دائمًا بتبعيتها الهيكلية والوظيفية للسلطة التنفيذية. وينطبق التحليل ذاته على الدستور الجزائري؛ إذ على الرغم من تكريسه للمجلس الأعلى للقضاء هيئةً مستقلة، فإنه أسند رئاسته إلى رئيس الجمهورية الذي يمارس سلطات فعلية داخل المجلس، وسلطات أخرى مهمة في المجال القضائي. وإضافة إلى ذلك، فإنه على الرغم من حذف وزير العدل من عضوية المجلس الأعلى للقضاء، فإنه بقي محتفظًا بسلطات مهمة، وخصوصًا ما يتعلق منها بتبعية النيابة العامة التدرجية له؛ ما يجعل وصف القضاء من الناحية العضوية بأنه سلطة محل نظر.
1. رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء
يتولى رئيس الجمهورية، بحسب نص المادة 180 من الدستور، رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وبذلك تكون الجزائر قد تبنّت النموذج الفرنسي فيم يتعلق بالسلطة القضائية من خلال التأسيس لمجلسٍ أعلى للقضاء يتولى رئاسته رئيس الجمهورية. فصّل التعديل الدستوري لسنة 2020 في تشكيلة المجلس الأعلى، فصار يضم بحسب المادة 180 من الدستور 24 عضوًا إضافة إلى رئيس الجمهورية بصفته رئيسًا للمجلس. ويضم المجلس الرئيس الأول للمحكمة العليا باعتباره نائبًا لرئيس المجلس، ورئيس مجلس الدولة، و 15 قاضيًا ينتخبهم زملاؤهم، ثلثهم من قضاة النيابة، إضافة إلى ست شخصيات من خارج سلك القضاء، يعيّ رئيس الجمهورية منهم اثنين، في حين يعيّ رئيس المجلس الشعبي الوطني اثنين ورئيس مجلس الأمة اثنين أيضًا، وقاضيين من التشكيل النقابي للقضاة، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وتطبيقًا لما جاء في التعديل الدستوري لسنة 2020 فيم يخص تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، انتخب القضاة، في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2021، 15 قاضيًا للمجلس يمثّل ثلثهم قضاة النيابة العامة، وقد ترشّح 142 قاضيًا لهذه الانتخابات، التي بلغت نسبة المشاركة فيها أكثر من 86 في المئة من الهيئة الناخبة التي تضم 5922 قاضيًا.
Pierre Joxe, "La Justice, troisième pouvoir?" Après-demain , vol. 4, no. 20 (Octobre 2011), p. 16. يوسف حاشي، في النظرية الدستورية (بيروت: دار ابن النديم للنشر والتوزيع، 2009)، ص.383 صدر التعديل الدستوري بموجب: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "مرسوم رئاسي رقم 242-20 مؤرخ في 15 جمادي الأولى عام 1442 الموافق 30 ديسمبر 2020، يتعلق بإصدار التعديل الدستوري المصادق عليه في استفتاء أول نوفمبر سنة 2020، في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية"، الجريدة الرسمية، السنة 57، العدد 82، 2020/12/30، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3k4FGwT "انتخاب 15 قاضيًا أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء"، وكالة الأنباء الجزائرية، 2021/12/21، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3xMDnqr
جديرٌ بالذكر أن المؤسس الدستوري تولّ مباشرةً، بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020، تحديد تشكيلة
المجلس الأعلى للقضاء بنص الدستور خلافًا للسابق، حيث كانت هذه التشكيلة تحدَّد بموجب نص قانون عضوي. وقد كان الدستور ينص قبل تعديل سنة 2020 على عضوية وزير العدل في المجلس الأعلى للقضاء وهو يتولى مهمت نائب رئيس المجلس، وغالبًا ما كان وزير العدل هو من يرأس اجتمعات المجلس الأعلى للقضاء من الناحية العملية بتفويضٍ من رئيس الجمهورية، غير أنه وبموجب تعديل الدستور ألغيت عضوية وزير العدل في المجلس الأعلى للقضاء، كم خُفّض عدد الشخصيات من خارج سلك القضاة التي يعيّنها رئيس الجمهورية إلى عضوين فقط، وألغيت عضوية النائب العام لدى المحكمة العليا، ومحافظ مجلس الدولة، وهم يمثلان النيابة العامة التي تتبع وزارة العدل. وبحسب المادة 180 من الدستور، فإن مهمة نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء أصبحت للرئيس الأول للمحكمة العليا. يعتقد بعضهم أن استبعاد عددٍ من ممثلي السلطة التنفيذية في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء سيضمن استقلالية سلطته القضائية، بعيدًا عن تأثير السلطة التنفيذية التي لم تَعُد تملك أيّ تأثير بسبب تقليص حصتها من الأعضاء فيه. ومع استبعاد وزير العدل، وتخفيض عدد ممثلي النيابة العامة إلى الثلث، فإن الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس أصبحت لا تخضع لتأثير السلطة التنفيذية. وعلاوةً على ذلك، فإن المجلس بهذه التشكيلة الحالية، وبالنظر إلى اختصاصاته في مجال القضاء، أصبح مشاركًا لوزارة العدل في تسيير مرفق القضاء؛ ما يقضي على النظرة الأحادية الأفق لوزارة العدل التي سيّت القطاع منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. يدافع بعضهم عن ضرورة تطعيم المجلس الأعلى للقضاء بأعضاء غير منتمين إلى سلك القضاة، وهم يرون أن وجود عددٍ كبير من القضاة في تشكيلته يمثّل عائقًا أمام القضاء؛ ذلك أن تشكيلته لا يجب أن تقتصر على القضاة فحسب، بل ينبغي وجود ممثلي الشعب بعدد كبير لضمن استقلاليته، وخاصة أن من يمثّل إرادة الشعب هم النواب. إضافة إلى تولّ رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، فإن تشكيلة المجلس تضم أعضاء عيّنهم؛ فالمجلس يضم الرئيس الأول للمحكمة العليا بصفته نائبًا لرئيس المجلس، ورئيس مجلس الدولة، إضافة إلى شخصيتين اثنتين يختارهم رئيس الجمهورية، وكذلك رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهؤلاء كلهم يعيّنهم بمرسوم رئاسي رئيس الجمهورية الذي لم يفقد كل تأثيره ونفوذه داخل المجلس الأعلى للقضاء، رغم استبعاد وزير العدل ومنح البرلمان سلطة تعيين ممثلين عنه فيه. تجد فكرة تولّ رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء أصولها التاريخية في النظام الفرنسي. ورغم اعتراضات بعض الفقهاء، وأيضًا القضاة، على هذا الوضع باعتباره يمسّ بمبدأ الفصل بين السلطات، فإن هناك
شكّل وزير العدل، حافظ الأختام، لجنة لمراجعة القانونين المنظّمين للقضاء في الجزائر، وهما القانون العضوي المتعلق بالقانون الأساسي للقضاء، والقانون العضوي المتعلق بتشكيلة المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته، وذلك على إثر التعديل الدستوري لسنة 2020:. ينظر "تنصيب اللجنتين المكلفتين بمراجعة القانون الأساسي للقضاء وقانون تشكيل المجلس الأعلى للقضاء"، وكالة الأنباء الجزائرية، 2021/4/8، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3ztMBFO أحسن غربي، "المجلس الأعلى للقضاء في ظل التعديل الدستوري لسنة 2020 "، المجلة النقدية للقانون وللعلوم السياسية، مج 15، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر 2020)، ص.76 بوطيب بن ناصر وهيبة العوادي، "مسودة تعديل الدستور في الجزائر لسنة 2020: فصل أم تدخل وهيمنة بين السلطات؟"، مجلة المستقبل العربي، العدد 502 (كانون الأول/ ديسمبر 2020)، ص.177 منصور قديدر، "من أجل نظرة جديدة للقضاء"، المجلة القضائية، العدد 1 (1999)، ص.36
جانبًا من الفقه الفرنسي يبرّر رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء، انطلاقًا من دوره الدستوري في ضمن استقلال القضاء والسير العادي والمنتظم لهذا المرفق؛ وهو ما يندرج ضمن دوره العام في ضمن انتظام السير الحسن للمؤسسات الدستورية. غير أن هناك من يعتبر أنه منذ إقرار الانتخاب الشعبي المباشر لرئيس الجمهورية في فرنسا بموجب تعديل الدستور لسنة 1962، فقدَ الرئيس صفة الحكم بين المؤسسات الدستورية، وأصبح رئيسًا فعليًا للسلطة التنفيذية. ويتساءل هؤلاء كيف يمكن أن يحمي من يدير السلطة التنفيذية القضاء من التدخّل الذي غالبًا ما يتم من السلطة التنفيذية نفسها؟ أما في الجزائر، فإن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية ورئيس الحزب السياسي الحاكم، ومن ثم تمسّ رئاسته للمجلس الأعلى للقضاء بهذه الصورة بمبدأ الفصل بين السلطات. يمنح الدستورُ رئيسَ الجمهورية صفةَ مجسد وحدة الأمة وحامي الدستور، وهو يلتزم بحسب اليمين الدستورية التي يؤديها عقب انتخابه "بالسهر على استمرارية الدولة، والعمل على توفير الشروط اللازمة للسير العادي للمؤسسات والنظام الدستوري". وقد استقرت كل الدساتير، قبل تعديل الدستور الأخير سنة 2020، على النص على أن رئيس الجمهورية هو ضامن استقلالية السلطة القضائية. وإذا كان رئيس الجمهورية لم يعد ضامن استقلالية السلطة القضائية بعد هذا التعديل، فإن التساؤل يُطرح عن مبرر تولّيه رئاسة المجلس الأعلى للقضاء الذي أصبح هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية طبقًا للمدة 180 من الدستور. في خضم النقاش الذي شهدته الجزائر عند طرح مسودة التعديل الدستوري في آذار/ مارس 2020، ذهب وزير العدل، بلقاسم زغمتي، إلى تأكيد الصفة التمثيلية لرئيس الجمهورية باعتباره يتفوق على كل السلطات في تبرير سلطات الرئيس في المجال القضائي، وذلك بمناسبة رده على أحد أعضاء البرلمان الذي اعتبر أن تعيين رئيس الجمهورية لرئيس المحكمة العليا تدخّل من السلطة التنفيذية في القضاء، وجاء في رد الوزير بأن "من ينتقد الفكرة يجهل حقيقة الأمر ويتكلم عن غير دراية. هناك خلط بين المركز الدستوري لرئيس الجمهورية والجهاز التنفيذي، فرئيس الجمهورية ليس تابعًا للسلطة التنفيذية وهو فوقها ولا ينتمي إليها، والدليل هو الدستور الذي ينص على أن رئيس الجمهورية يجسد وحدة الأمة". من جهتها، عبّت النقابة الوطنية للقضاة عن رفضها لرئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء، مقترحةً منحه رئاسة شرفية فحسب، وجاء في مقترحاتها بخصوص مشروع تعديل الدستور سنة 2020 بأن "رئيس الجمهورية باعتباره الضامن للموازنة بين السلطات الدستورية الثلاث بصفته المعروف بها عُرفًا لدى عامة الشعب (القاضي الأول في البلاد) يقتضي بالتبعية ترؤسه شرفيًا للمجلس الأعلى للقضاء كدعم معنوي للقضاة. كم أن أساس
Guillaume Delaloy, "La réforme du Conseil supérieur de la magistrature: Vers un conseil supérieur du Pouvoir judiciaire?" La Revue administrative , vol. 53, no. 318 (Novembre 2000), p. 635. 10 Pierre Lyon-Caen, "L'expérience du Syndicat de la Magistrature. Témoignage," Pouvoirs , no. 16 (Janvier 1981), p. 59. 11 آمال عباس، "المجلس الأعلى للقضاء بين الوجود والاحتواء"، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، مج 54، العدد 2 (حزيران/ يونيو 2017)، ص.51 12 المادة 84 من دستور 1996 المعدل. 13 المادة 90 من دستور 1996 المعدل. 14 "زغماتي: رئيس الجمهورية لا يمثل السلطة التنفيذية وإنما وحدة الأمة"، الشروق أونلاين، 2020/9/11، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3gza4gH
المبدأ الدستوري لاستقلال السلطة القضائية هو أن يكون رئيس المجلس الأعلى للقضاء منتخبًا من قبل كافة قضاة الجمهورية، وهو بدوره يختار نائبًا أو اثنين من بين الأعضاء المنتخبين لمساعدته، ذلك أن استئثار رئيس الجمهورية بترؤس المجلس الأعلى للقضاء فيه مساس باستقلالية السلطة القضائية، لا سيم أن رئيس الجمهورية في تصريحاته، أبدى رغبة في عدم ترؤس المجلس الأعلى للقضاء على أن يبقى ضامنًا لاستقلالية القضاء". وعلى الرغم من أن المؤسس الدستوري تخلّ عن منح رئيس الجمهورية صفة ضامن استقلال السلطة القضائية بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020، فإنه منح هذا الدور للمجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وهكذا فإن المؤسس عاد للموقف الأول نفسه، وهو أن رئيس الجمهورية هو الضامن لاستقلال القضاء على نحو غير مباشر، ما دام يرأس المجلس الأعلى للقضاء الذي يقدّمه الدستور باعتباره ضمنة استقلال هذه السلطة. تكمن أهمية المجلس الأعلى للقضاء في الجزائر في اعتباره الأداة التي تربط القضاء بالسلطة التنفيذية وتجعله تابعًا لرئيس الجمهورية الذي يرأس المجلس ويعيّ أغلب أعضائه على نحو مباشر أو غير مباشر. وإذا كان المجلس الأعلى للقضاء لا يمثل وحده السلطة القضائية، فإن اختصاصاته تجاه مسار القضاة تجعله من الناحية الدستورية الجهة التي يتجسد فيها مبدأ القضاء كسلطة. وإضافة إلى رئاسته المجلس الأعلى للقضاء، يحتفظ رئيس الجمهورية بسلطات مؤثرة في المجال القضائي؛ إذ تنص المادة 86 من الدستور على أن رئيس الجمهورية يمارس السلطة السامية في الحدود المثبتة في الدستور. ولا يظهر من خلال هذا النص مفهوم "السلطة السامية" أو طبيعة الاختصاصات التي يتولاها رئيس الجمهورية بهذه الصفة، لكن هذه الصياغة هي التي دفعت فيم يبدو إلى منح رئيس الجمهورية لقب القاضي الأول أو القاضي الأعلى للبلاد بسبب الخطأ في ترجمة مصطلح "السلطة السامية" suprême Magistrature La الوارد في نص المادة السابقة بصياغتها الفرنسية إلى العربية. وهذه الصفة لا أساس لها في الدستور، وإنما شاعت في الجزائر لدى الإعلام وعلى المستوى الشعبي، بل حتى لدى بعض كبار المسؤولين في الدولة. ويلاحظ شريف بن ناجي أن الاستخدام المتكرر لتعبير القاضي الأول في البلاد هو مصدر العديد من الالتباسات. ولأنه دارج على نحو رئيس باللغة العربية، فإنه يميل موضوعيًا إلى جعل رئيس الدولة هو القاضي الأول للبلاد؛ ما يؤدي إلى إفراغ مبدأ الفصل بين السلطات من محتواه. وعلى الرغم من تكريس هذا المبدأ، فإن العدالة في الجزائر، بحسب ما يذهب إليه بن ناجي، هي بعيدة عن الوصول إلى وضع "السلطة"، ولا تزال موجودة بوصفها "وظيفة" مخصصة لسلطة واحدة. وإضافة إلى ذلك، يمنح الدستور رئيس الجمهورية صلاحية تعيين القضاة بموجب مرسوم رئاسي، وتنص المادة 92 على أنه "يحدد قانون عضوي الوظائف القضائية الأخرى التي يعين فيها رئيس الجمهورية"، مع ملاحظة أن التعديل الدستوري لسنة 2020 أقر في المادة 181 وجوب الأخذ بالرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء في التعيينات في الوظائف القضائية النوعية التي تجري بموجب مرسوم رئاسي؛ وهكذا فإن رئيس الجمهورية فقد سلطته التقديرية التي كان يتمتع بها في التعيين في مثل هذه الوظائف.
15"مقترحات النقابة بخصوص مسودة الدستور"، النقابة الوطنية للقضاة، 2020/6/1، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3k6XFTr 16 Chérif Bennadji, "De l'ambigüité des rapports entre le président de la République et le pouvoir judiciaire en Algérie: De l'usage de la formule 'le président de la République, Premier magistrat du pays'," L'Année du Maghreb , vol. 3 (2007), p. 162.
لا شك في أن تقييد سلطة رئيس الجمهورية في التعيين في الوظائف القضائية المهمة بضرورة الأخذ بالرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء يمثّل خطوة مهمة، ومكسبًا جديرًا بالتثمين في ضمن استقلال القضاء؛ إذ إن هذا يعني عمليًا أن رئيس الجمهورية لن يكون قادرًا على إصدار أيّ مرسوم رئاسي بالتعيين في الوظائف القضائية النوعية، إلا بعد التصديق برأي مطابق من المجلس الأعلى للقضاء. وإذا أخذنا في الاعتبار تضاؤل عدد الأعضاء المحسوبين على رئيس الجمهورية في المجلس، فإن احتمل أن يواجه رئيس الجمهورية برأي سلبي تجاه بعض التعيينات التي يقوم بها سيكون قائمًا.
2. تبعية النيابة العامة لوزير العدل
يُعَدّ منصب وزير العدل، حافظ الأختام، ابتكارًا فرنسيًا خالصًا، ولقد عرفت فرنسا منذ النظام الملكي في القرون الوسطى هذا المنصب ولم تتخلَّ عنه إلى الآن. وهذا المنصب يعبّ عن ذلك الارتباط الوثيق بين العدالة والسياسة الذي يميّز النظام الفرنسي. لقد كان الملك يجسّد العدالة السامية التي تعاقب وتسامح، وكانت السلطة السياسية مبنية على ممرسة القضاء، ولذلك كان حافظ الأختام أحد كبار موظفي العرش المقربين من الملك، وتعكس هذه المكانة لمنصب وزير العدل التوتر المستمر في فرنسا إلى الآن بين استقلال القضاء وتبعيته للسلطة التنفيذية. يتولى رئيس الجمهورية في الجزائر تعيين وزير العدل، حافظ الأختام، ويلُاحظ أن أغلب وزراء العدل الذين عُيّنوا في الجزائر كانوا ينتمون إلى سلك القضاء أو بمهنٍ مرتبطة به كالمحامين. وهذا يعني أن أساس اختيار
وزير العدل كان في الغالب مرتبطًا بالتخصص والكفاءة، ولم يتعلق بأيّ اعتبارات سياسية كالانتمء الحزبي مثلً. تتمثل أهم صلاحيات وزير العدل في السهر على حسن سير الجهات القضائية والشرطة القضائية، وتنسيق الدعوى العمومية وتنشيطها وتنظيم مهن أعوان القضاء ومراقبة شروط ممرسته. وعلاوةً على ذلك، فإن وزير العدل يعمل على إنجاز الهياكل الأساسية الموجّهة إلى احتضان وتحضير الأعمل القضائية وسيرها، وتهيئة هذه الهياكل وتجهيزها وعملها، وتحقيق مبدأ تساوي الجميع أمام العدالة. يشرف وزير العدل على مؤسسات وأجهزة إدارية مهمة مرتبطة بالقضاء، كإدارة السجون، ومدارس التكوين كالمدرسة العليا للقضاء، والمدرسة الوطنية لمستخدمي أمانات الضبط. ويتولى أيضًا عددًا من الاختصاصات ذات التأثير المباشر في القضاة في مسارهم المهني كم سنفصّل لاحقًا، إضافةً إلى سلطته على أعوان القضاء. لكنّ أهم سلطة يتولاها وزير العدل في الجزائر هي ممرسته للسلطة التدرجية المباشرة على النيابة العامة التي تخضع للسلطة التنفيذية، على الرغم من أن أعضاءها هم قضاة في الأصل ولهم من الناحية الوظيفية الوضع الوظيفي نفسه لقضاة الحكم. ومن الناحية النظرية، يمكن التمييز بين نماذج مختلفة لنظام النيابة العامة في النظم القانونية في العالم، ويمكن تصنيفها من خلال علاقتها بالسلطة التنفيذية ومدى استقلالها إلى ثلاثة نماذج: النموذج الأول، وهو
17 Arnaud Montebourg, "Les paradoxes du garde des Sceaux," Après-demain , vol. 15, no. 3 (Juillet 2010), p. 17. 18 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "مرسوم تنفيذي رقم 332-04 مؤرخ في 10 رمضان عام 1425 الموافق 24 أكتوبر سنة 2004، يحدّد صلاحيات وزير العدل حافظ الأختام"، الجريدة الرسمية، السنة 41، العدد 67، 2004/10/24، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3Le61V4
الذي يربط النيابة العامة بوزارة العدل، وبذلك فهي تكون تحت إشراف السلطة التنفيذية، وهذا النموذج هو المطبق في فرنسا وألمانيا؛ ونموذج ثانٍ، يمنح النيابة العامة مستوى من الاستقلال رغم إبقائها تحت وصاية السلطة التنفيذية مثل النموذج الهولندي؛ أما النموذج الثالث، فيمنح النيابة العامة استقلالً في مواجهة السلطة التنفيذية، وهو النموذج الذي تمثّله إيطاليا، حيث ينتمي قضاة النيابة العامة إلى السلطة القضائية المستقلة تمامًا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. أخذت الجزائر بالنموذج الفرنسي في تنظيم النيابة العامة من خلال إلحاقها مباشرة بوزارة العدل، ويمارس وزير العدل سلطة تدرجية ومباشرة على قضاة النيابة العامة؛ إذ تنص الفقرة الأخيرة من المادة 33 من قانون الإجراءات الجزائية على أن "يعمل النائب العام على تنفيذ السياسة الجزائية التي يعدها وزير العدل، ويرفع له تقريرًا دوريًا على ذلك"، كم تؤكد المادة 30 إلزام ممثلي النيابة العامة بتقديم طلبات مكتوبة طبقًا للتعليمت التي تردهم عن الطريق التدرجي، مع حريتهم في إبداء ملاحظات شفوية أثناء المرافعة. يعود أساس إلحاق النيابة العامة بالسلطة التنفيذية التي يمثلها وزير العدل إلى أن النيابة العامة إنما تطبّق
السياسة الجزائية التي تضعها الحكومة، والتي يكون وزير العدل مسؤولً سياسيًا عن تنفيذها. وبذلك فإن النظام القضائي الجزائري يقوم على فصلٍ وظيفي بين قضاة الحكم وقضاة النيابة الذين ينفذون سياسة الحكومة في المجال الجزائي. وإذا كان يمكن قبول إلحاق النيابة العامة لوزارة العدل ما دام اختصاص متابعة الجرائم اختصاصًا تنفيذيًا منفصلً عن اختصاص التحقيق أو إصدار الحكم على مرتكبيها التي تُعدّ اختصاصات قضائية بحكم طبيعتها، فإن التساؤل يبدو مشروعًا عن حدود سلطة وزارة العدل على قضاة النيابة العامة، وإذا ما كان مبدأ استقلال القضاء ينصرف ليشمل أيضًا قضاة النيابة العامة. وما يؤكد أهمية التساؤل السابق هو ذلك الجدل القانوني الذي أثارته بعض التعليمت التي صدرت عن وزراء العدل للنيابة العامة في الجزائر؛ ما يطرح إشكالية إذا ما كان يجوز للوزير أن يتدخّل في سلطة النواب العامين ووكلاء الجمهورية في تحريك الدعاوى العمومية. وقد ثار هذا الجدل بخصوص ما تناقلته صحفٌ جزائرية يومية عن تعليمت أصدرها وزير العدل السابق، بلقاسم زغمتي، منع بموجبها النواب العامين لدى المجالس القضائية من تحريك الدعوى العمومية في القضايا المتعلقة بالتسيير والمساس بالمال العام قبل تقديم تقرير يبيّ طبيعة الوقائع المنسوبة إلى الموظف المعني، والظروف الزمانية والمكانية المرتكبة فيها، والجهة المبلَّغ عنها. وبحسب التعليمت ذاتها، فإنه لا يطبّق أيّ إجراء إلا بموافقة مسبقة من المديرية العامة للشؤون القضائية في وزارة العدل. تطرح مثل هذه التعليمت إشكالية مدى استقلال النيابة العامة في ممرسة اختصاصها الأصيل، وهو الادعاء العام وتحريك الدعوى باعتبارها ممثلة للمجتمع، وهي تتعلق بإشكال قانوني يتمثل في طبيعة اختصاص
19 للمزيد من التفاصيل عن النماذج الأوروبية للنيابة العامة، ينظر: Salas Denis, "Parquets européens entre pouvoir judiciaire et politiques pénales," Droit et Société , vol. 74, no. 1 (Mars 2010). 20 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "أمر رقم 02-15 مؤرخ في 7 شوال عام 1436 الموافق 23 يوليو سنة 2015، يعدّل ويتمّم الأمر 155-66 المؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قانون الإجراءات الجزائية"، الجريدة الرسمية، السنة 52، العدد 40، 2015/7/23، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3vYYbbR "وزارة العدل تمنع تحريك الدعوى العمومية المتعلقة بالتسيير"، الشروق أونلاين، 2021/3/18، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3fNwKJP
النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية وإذا ما كان اختصاصًا قضائيًا أم إداريًا، وكذلك بمدى سلطة وزير العدل في تقييد اختصاص النيابة في تحريكها. ويبدو أن التعليمت السابقة استندت إلى المرسوم المحدد لصلاحيات وزير العدل الذي يمنحه اختصاص تنسيق الدعوى العمومية وتنشيطها، مع ملاحظة أن التعليمت لا تمنع تحريك الدعوى العمومية مطلقًا، وإنما تقيّد تحريكها بضرورة الحصول على موافقة مسبقة من المديرية العامة للشؤون القضائية. من المفيد الإشارة هنا إلى أن هذه التعليمت كان قد سبقها تعليمت صدرت عن رئاسة الجمهورية تمنع الاعتداد بالرسائل المجهولة في تحريك دعاوى عمومية تتعلق بالفساد. وقد برّر بيانٌ للرئاسة ذلك بسبب "خشية وخوف المسؤولين من الوقوع تحت طائلة المتابعة بناء على مجرد رسائل مجهولة، حتى أن العديد من المسؤولين الآخرين أصبحوا يقتصرون على الحد الأدنى من التزاماتهم ويمتنعون عن أي مبادرة، مم أسفر عن تأجيل معالجة ملفات هامة تكتسي أحيانًا الطابع الاستعجالي إلى تواريخ لاحقة، متسببة في إلحاق أضرار بليغة بسير هذه المؤسسات"، وأضاف البيان أنه "إذا كانت مكافحة الفساد أمرًا ضروريًا ولا رجعة فيه، فإن ذلك لا يجب أن يأخذ مهم كان الأمر، مجرى حملة للمساس باستقرار وسائل إنجاز وتجسيد مهام الدولة ومختلف هياكلها التنفيذية". في كل الأحوال، على الرغم من أن القانون يمنح وزيرَ العدل سلطةَ إخطار النائب العام بالجرائم المتعلقة
بقانون العقوبات، أو أن يكلّفه كتابةً بمباشرة متابعات، أو إخطار الجهة القضائية المختصة بما يراه ملائمًا من طلبات كتابية، فإن تحريك الدعوى العمومية هو حق للمجتمع تتولاه النيابة العامة نيابةً عنه ولا يجوز تقييده إلا في الحالات التي نص عليها القانون، مع ملاحظة أن النيابة تملك سلطة تقدير تحريك الدعوى من عدمه طبقًا للمدة 36 من قانون الإجراءات الجزائية التي جاء فيها أن "وكيل الجمهورية يتلقى المحاضر والشكاوى والبلاغات ويقرر في أحسن الآجال ما يتخذه بشأنها". ولذلك، فإنه إذا كان يعود إلى وزير العدل في الجزائر - من الناحية القانونية باعتباره يمارس السلطة التدرجية على النيابة العامة، ومن الناحية السياسية باعتباره ينفذ السياسة الجنائية للحكومة - إصدار تعليمت للنواب العامين بشأن عدم تحريك دعاوى عمومية في قضايا معيّنة إلا بعد موافقة دائرته الوزارية، فإنه يجب عليه ألا يصدر أيّ تعليمت تخص قضايا فردية مراعاةً لمبدأ المساواة أمام القضاء، وأن يبرر من الناحية السياسية أمام الحكومة وأمام البرلمان طريقة تنفيذه للسياسة الجنائية، تطبيقًا لمبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمام ممثلي الشعب. وفي الحصيلة، فإن تبعية النيابة العامة لوزارة العدل قد تثير إشكالات جدية بشأن استقلال القضاء في الجزائر وإمكانية وصفه بأنه سلطة؛ ذلك أن جزءًا مهمً من بنية هذا القضاء، وهو النيابة العامة، يخضع مباشرة
22 "الرسائل المجهولة: رئيس الجمهورية يوجه تعليمة إلى أعضاء الحكومة ومسؤولي الأجهزة الأمنية"، وكالة الأنباء الجزائرية، 2020/9/18، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/2TQjWes 23 المادة 30 من قانون الإجراءات الجزائية. 24 جاء في نص المادة 29 من قانون الإجراءات الجزائية "تباشر النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع وتطالب بتطبيق القانون". وقد استقر اجتهاد المحكمة العليا على أنه "ما دامت الدعوى العمومية حقًا للمجتمع يمارسه بواسطة النيابة العامة فليس لهذه الأخيرة التصرف فيها بعد تحريكها، فلا يمكن لها وقفها أو التنازل عن طعنها". ينظر: أحسن بوسقيعة، قانون الإجراءات الجزائية في ضوء الممارسة القضائية (الجزائر: برتي للنشر، 2015)، ص.24 25 نص قانون الإجراءات الجزائية على القيود التي ترد على تحريك الدعوى العمومية، وهي الشكوى، والطلب، والإذن.
لسلطة وزير العدل، وحتى إن كانت هذه التبعية معترفًا بها ومبررة، فإن العلاقة بين النيابة العامة ووزير العدل تحتاج إلى رسم حدودٍ واضحة، بحيث يجب أن يكون الهدف في النهاية تمييز اختصاصات النيابة العامة التي تحتاج بطبيعتها وأهميتها وارتباطها بعمل القضاء، والتي تتمثل أساسًا في تحريك الدعوى العمومية إلى إخراجها من السلطة التدرجية لوزير العدل بما يمنعه من توجيه أيّ تعليمت خاصة أو فردية بشأنها.
ثانيًا: الاستقلال الوظيفي للقضاة
يقوم مبدأ استقلال السلطة القضائية على عنصر شخصي يتمثل في استقلال القضاة، بحيث يتم ضمن استقلالهم وعدم خضوعهم في أداء مهمتهم لأيّ جهة أو سلطة سوى سلطة القانون، ومن هنا فإن العديد من الضمنات تتفرع عن هذا المبدأ كعدم قابلية القضاة للنقل والعزل، وضمن خضوعهم لمسؤولية تأديبية عادلة بما يمنعهم من التعسف من جهة، ويضمن لهم في الوقت نفسه عدم تحويل المساءلة إلى وسيلة للتأثير فيهم أو الانتقام منهم.
1 ي. مبدأ عدم قابلية القاض للنقل والعزل
يعتبر مبدأ حظر نقل قضاة الحكم مبدأ أساسيًا في الاستقلال الوظيفي للقضاة، بل إنه يعتبر في نظر عدد من الباحثين عنصرًا كافيًا للقول باستقلالية القضاة في فرنسا. ومع أن هؤلاء تعيّنهم السلطة التنفيذية، فإن مبدأ حظر نقلهم يجنّبهم الوقوع تحت تأثيرها. وبذلك فإن هناك إجمعًا لدى الفقه الفرنسي بأن ضمنات استقلال القضاء تنبع من مبدأ أساسي يختصرها كلها وهو مبدأ حظر نقل القضاة. في الجزائر، لم تقرر ضمنة عدم قابلية قاضي الحكم للنقل إلا بموجب التعديل الدستوري لسنة 2016؛ حيث نصت المادة 166 في فقرتها الرابعة على أن "قاضي الحكم غير قابل للنقل حسب الشروط المحددة في القانون الأساسي للقضاء". وأكد التعديل الدستوري لسنة 2020 هذه الضمنة وفصّل فيها في المادة 172 بنصّها على أن "قاضي الحكم غير قابل للنقل إلا ضمن الشروط المحددة في الفقرة الثانية أدناه"، وبحسب الفقرة الثانية من المادة نفسها فإنه "لا يعزل القاضي، ولا يمكن إيقافه عن العمل أو إعفاؤه أو تسليط عقوبة تأديبية عليه أثناء ممرسة مهامه أو بمناسبتها، إلا في الحالات وطبق الضمنات التي يحددها القانون بموجب قرارٍ معلل من المجلس الأعلى للقضاء". وبذلك، فإن الدستور الجزائري يكون قد جمع بين ضمنتي عدم قابلية القاضي للنقل وعدم قابليته للعزل، ونصّ على ضمنات المبدأ التي تتمثل أساسًا في المجلس الأعلى للقضاء وما يحدده القانون من شروط وإجراءات جوهرية لإقرار المسؤولية التأديبية للقضاة أمام المجلس. غير أن الفقرة الثانية من المادة 172 لا تحدد ضمنات مبدأ عدم قابلية قاضي الحكم للنقل، لكنها نصّت على ضمنات تأديبية للقاضي تتعلق بالشروط والإجراءات التي تحكم عزله أو إيقافه عن العمل، أو إعفاءه أو تسليط عقوبة تأديبية عليه، في حين أن مبدأ عدم قابلية قاضي الحكم للنقل إنما يتعلق بحق القاضي في الاستقرار وعدم استغلال إمكانية نقله كعقوبة تأديبية مقنّعة أو كوسيلة لاستبعاده، وذلك بسبب ما قد يترتب على النقل من إرباك للقاضي ولعائلته. ولذلك، فإن القانون العضوي المتضمن القانون الأساسي للقضاء
26 Roger Perrot, Institutions judiciaires , 12 ème éd. (Paris: Domat droit privé, 2006), p. 299.
حفظ في المادة 26 لكل قاضٍ حكم مارس عشر سنوات خدمة فعلية حق الاستقرار، فلا يجوز نقله أو تعيينه في منصبٍ جديد بالنيابة العامة أو سلك محافظي الدولة أو بالإدارة المركزية لوزارة العدل ومؤسسات التكوين والبحث التابعة لها أو المصالح الإدارية للمحكمة العليا أو مجلس الدولة أو أمانة المجلس الأعلى للقضاء، إلا بناء على موافقته، غير أنه يمكن المجلس الأعلى للقضاء في إطار الحركة السنوية نقل قضاة الحكم متى توافرت شروط ضرورة المصلحة أو حسن سير العدالة. تعود صلاحية نقل القضاة، إذًا، إلى المجلس الأعلى للقضاء، وقد جرت العادة على أن يقوم المجلس بحركة سنوية يتم فيها نقل القضاة، وبحسب المادة 19 من القانون العضوي المنظّم لتشكيلة المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته، فإن المجلس "يدرس اقتراحات وطلبات نقل القضاة، ويتداول بشأنها، ويأخذ بعين الاعتبار طلبات المعنيين بالأمر وكفاءتهم المهنية وأقدميتهم، وحالتهم العائلية، والأسباب الصحية لهم ولأزواجهم ولأطفالهم، ويكفل القانون الأساسي للقضاء للقاضي المتضرر من النقل حق التظلم أمام المجلس الأعلى للقضاء بعد الالتحاق بمنصب عمله الجديد في أجل شهرٍ من تنصيبه"، وغالبًا ما ينتظر القضاة نتائج الحركة السنوية بترقب شديد لما لها من تأثير في استقرارهم الاجتمعي. أثارت الحركة السنوية لنقل القضاة التي تم الإعلان عنها في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 احتجاج النقابة الوطنية للقضاة التي سارعت إلى إصدار بيانٍ في 26 من الشهر نفسه جاء فيه أن "وزارة العدل اعتدت على صلاحية المجلس الأعلى للقضاء من خلال التفرد في إعداد الحركة السنوية، وهو ما اعتبرته النقابة 'دوسًا' على حق القضاة في الاستقرار اجتمعيًا، ولذلك قررت النقابة توقيف العمل القضائي برمته". من جهتها، ردت وزارة العدل في بيان لها صدر في يوم صدور بيان النقابة الوطنية للقضاة نفسه، بالتذكير بنص المادة 12 من القانون الأساسي للقضاء التي تمنع القاضي من القيام بأيّ عمل فردي أو جمعي من شأنه أن يؤدي إلى وقف أو عرقلة سير العمل القضائي، والتي تعتبر مشاركة القاضي في الإضراب أو التحريض عليه إهملً لمنصب عمله. أما بخصوص الحركة السنوية، فقد أكد البيان أنها جرت بالتصديق عليها بالإجمع من المجلس الأعلى للقضاء الذي يضم قضاة منتخبين في غالبيتهم، وأشار إلى أن النقابة زكّت المعيار المتفق عليه في الحركة وهو أقدمية خمس سنوات في اجتمع سابقٍ مع وزير العدل، وفي الأخير ذكّر البيان القضاة الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من الحركة بالمادة 26 التي تمنحهم حق التظلم الشرعي أمام المجلس الأعلى للقضاء. وهكذا اندلعت حرب البيانات بين النقابة الوطنية للقضاة، التي بقيت متمسكة بموقفها في توقيف العمل القضائي، ووزارة العدل التي ظلّت تذكّر بحق القضاة المتضررين في التظلم أمام المجلس الأعلى للقضاء كم ينص عليه القانون الأساسي للقضاء.
27 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "قانون عضوي رقم 12-04 مؤرخ في 21 رجب عام 1425 الموافق 6 سبتمبر سنة 2004، يتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته"، الجريدة الرسمية، السنة 41، العدد 57، 2004/9/8، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3KaVt85 28 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "قانون عضوي رقم 11-04 مؤرخ في 21 رجب عام 1425 الموافق 6 سبتمبر سنة 2004، يتضمن القانون الأساسي للقضاء"، الجريدة الرسمية، السنة 41، العدد 57، 2004/9/8، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3KaVt85 29 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، النقابة الوطنية للقضاة، "بيان "، 2019/10/26، شوهد في 2021/6/21، في: https://bit.ly/3Mp0DyL 30 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة العدل، "بيان صحفي "، 2019/10/26، شوهد في 2021/6/21، في: https://bit.ly/3OvYuDf
وقد انتهت هذه الأزمة بين النقابة الوطنية للقضاة ووزارة العدل بإصدار الأخيرة بيانًا أعلنت فيه عن برمجة دورة عادية ثانية للمجلس الأعلى للقضاء في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، سيُنظر فيها في الطعون المرفوعة بشأن الحركة السنوية، داعية القضاة الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من الحركة إلى رفع طعونهم إلى المجلس، وفي مقابل ذلك أعلنت النقابة الوطنية للقضاة عن التوصل إلى اتفاق بوقف الاحتجاج ابتداء من يوم الأربعاء 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. لا شك في أنه لا يمكن عزل هذا الصدام بين نقابة القضاة ووزارة العدل عن السياق السياسي الذي كانت تشهده الجزائر في تلك الفترة، حينم كان الحراك الشعبي في أوجِه، وكانت أبرز مطالبه ضمن استقلال القضاء ومحاربة الفساد. ولا يمكن عزله أيضًا عم كانت تشهده الجزائر في تلك الفترة من حملة محاكمت غير مسبوقة لعددٍ من رموز نظام بوتفليقة، بتهم الفساد وتبديد المال العام. وبذلك، فإن الحركة السنوية التي عادة ما يترقبها القضاة كل سنة بكل توتر؛ نظرًا إلى ما قد يترتب عليها من أثر في استقرارهم الاجتمعي، أثارت هذه المرة وفي ظل ذلك السياق السياسي انتفاضتهم على نحو علني ضمن إطار النقابة الوطنية للقضاة التي وصلت بهذا الاحتجاج إلى مستوى غير مسبوق، تمثَّل في الإضراب عبر توقيف العمل القضائي. وهكذا فإن هذا الاحتجاج شكّل في اعتقادنا، جزءًا من حركية وتحولات عميقة شهدها المجتمع الجزائري في تلك الفترة، ولم تستثن فئة كانت من أكثر الفئات تضررًا من أساليب النظام السابق، ووجدت في الحراك الشعبي فرصة في التعبير عن مطالبها الاجتمعية والسياسية على حد سواء.
2 ي. تقرير مبدأ أن القاض لا يخضع إلا للقانون
يشكل التصريح في الدستور بمبدأ أن القاضي لا يخضع إلا للقانون أحد الضمنات الأساسية لاستقلال القاضي في عمله، وفي الوقت نفسه ضمنًا للأفراد من أيّ تعسّف ما دام لا يخضع ولا يطبّق إلا القانون في النزاعات التي يفصل فيها. يترتب على هذا الضمن ضمنات فرعية، يتمثل أهمها في أن يكون للقضاء وحده الولاية العامة في الفصل في النزاعات، من دون أن تزاحمه أيّ سلطة أو جهة أخرى، وأيضًا أن يُحظر أيّ تدخلٍ أو تسييس للقضاء من السلطة التنفيذية خصوصًا. لم يكرّس المؤسس الدستوري الجزائري مبدأ الولاية العامة والحصرية للقضاء، رغم أن لمبدأ الولاية العامة للقضاء أهميته في ضمن استقلال القاضي المستمد من مبدأ الفصل بين السلطات؛ إذ يجب أن تكون للقضاء سلطة الفصل في المسائل والمنازعات ذات الطابع القضائي كافة، وألا يُستثنى أيّ شخص أو منازعة خاصة من مجال اختصاص القضاء. من الناحية القانونية، تشكّل سلطة رئيس الجمهورية في العفو الرئاسي أحد أهم مظاهر تدخّل السلطة التنفيذية في مجال اختصاص القضاء، حيث تخوّل هذه السلطة للرئيس حق إصدار العفو وحق تخفيض العقوبات أو
31 المرجع نفسه. 32"توصل النقابة الوطنية للقضاة إلى اتفاق يقضي بوقف الاحتجاج"، النقابة الوطنية للقضاة، 2019/11/5، شوهد في 2021/6/22، في: http://snm.dz/activite7.php
استبدالها. ومع أن الدستور منح المجلس الأعلى للقضاء دورًا استشاريًا في ممرسة رئيس الجمهورية لهذه السلطة في العفو، فإن هذه الاستشارة ليست مُلزِمة؛ وهو ما يعني أن للرئيس السلطة التقديرية الكاملة في وضع معايير العفو من دون أن يكون مقيدًا بأيّ إجراءات شكلية سوى استشارة المجلس الأعلى للقضاء. علاوةً على ذلك، فإن الدستور لا يحدّد أي شروط خاصة في العفو يمكن أن تشكّل قيدًا موضوعيًا على سلطة رئيس الجمهورية؛ وبناء على ذلك فإن الرئيس يمكنه إصدار عفو رئاسي في كل وقت، وأن يعفو عن فرد أو مجموعة أفراد، ويمكنه أيضًا إصدار عفو عام وفق معايير هو من يتولى تحديدها، ولا يُلزم بتبريرها، وهو لا يخضع في ممرسة هذه السلطة التقديرية الواسعة لأيّ شكل من أشكال الرقابة. جرت العادة في الجزائر أن يصدر مرسوم عفو رئاسي في المناسبات الوطنية أو الأعياد الدينية، وغالبًا ما تستفيد أعداد معتبرة من تدابير العفو الجمعي. فمثلً، اتخذ رئيس الجمهورية قرارًا بالعفو في شباط/ فبراير 2021، وجاء في بيانٍ لوزارة العدل بأنه: "بمناسبة ذكرى يوم الشهيد والذكرى الثانية للحراك الأصيل المبارك، اتخذ السيد عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية إجراءات عفو رئاسي لفائدة 21 شخصًا من المحكوم عليهم نهائيًا بعقوبات الحبس النافذ لأفعال مرتبطة باستعمل الشبكات الاجتمعية أو مرتكبة أثناء أعمل التجمهر". وعلى الرغم من أن جانبًا من الفقه الدستوري يعارض منح رئيس الدولة عمومًا سلطة العفو، فإن الإشكالات التي تثيرها هذه السلطة بشأن مدى توافقها مع مبادئ أساسية في القانون، كمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ الأمن القانوني وضرورة العقاب في المجتمع ومبدأ المساواة، هي قليلة الأهمية في القانون الوضعي. وعلى أيّ حال، فإنه على الرغم من صعوبة التبرير العقلاني لبقاء سلطة العفو في ظل النظام الديمقراطي، فإنه لا غنى عن مثل هذه السلطة من الناحية الأخلاقية والعملية. تعبّ سلطة العفو عن حق الجمعة في الصفح عن أحد أفرادها الذين أخلّوا بنظامها وفق معايير هي أخلاقية بالأساس، ومن ثم فإن العفو هو التجسيد القانوني لهذه الفكرة الفلسفية، ويعود إلى رئيس الجمهورية بوصفه ممثلً عن الشعب ممرسة سلطة العفو نيابةً عن المجتمع. لكن، إذا كانت الاعتبارات الأخلاقية والعملية تقف عائقًا أمام تجريد الرئيس من سلطته في العفو، فإن من الواجب تقييد هذه السلطة الممنوحة للرئيس في الجزائر بشروط حتى تكون فعلً سلطة استثنائية من الأصل العام، وهو عدم التدخل في عمل القضاء، وألا تكون أداةً لتجاوز أحكامه.
33 المادة 91 فقرة 8 من دستور 1996 المعدل. 34 المادة 182 من دستور 1996 المعدل. 35 مثال ذلك تدابير العفو التي اتخذها رئيس الجمهورية في شباط/ فبراير 2020 على مرحلتين، واستفاد منها ما مجموعه 9756 شخصًا، ينظر في ذلك: "رئيس الجمهورية يصدر عفوًا لفائدة 6294 محبوسًا"، وكالة الأنباء الجزائرية، 2020/2/6، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/397dlDT 36 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة العدل، "بيان بخصوص تدابير العفو الرئاسية "، 2021/2/19، شوهد في 2021/6/27، في: https://bit.ly/3vZJeUE 37 Marie-Hélène Renaut, "Le droit de grâce doit-il disparaître?" Revue de Science Criminelle et de Droit Pénal Comparé , no. 3 (Septembre 1996), p. 576. 38 Hélène Ruiz Fabri et al., "Les institutions de clémence (amnistie, grâce, prescription) en droit international et droit constitutionnel comparé," Archives de Politique Criminelle , vol. 28, no. 1 (Octobre 2006), p. 245. 39 Georges Vedel, Manuel élémentaire de droit constitutionnel (Paris: Dalloz 2002), p. 561.
3 ي. المسؤولية التأديبية للقاض
أقر الدستور الجزائري في المادة 172 منه مبدأ عامًا يتعلق بعدم إمكانية عزل القاضي أو إيقافه عن العمل أو إعفائه أو تسليط عقوبة تأديبية عليه أثناء ممرسة مهمته أو بمناسبتها، إلا في الحالات وطبق الضمنات التي يحددها القانون بموجب قرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء. وبذلك، يكون القاضي في الجزائر مسؤولً تأديبيًا أمام المجلس الأعلى للقضاء، باعتباره الهيئة التي يُسأل أمامها عن كيفية أدائه لمهمته وفق الأشكال والإجراءات التي يحدّدها القانون. ويشكّل منح صلاحية النظر في المسؤولية التأديبية للقضاة للمجلس الأعلى للقضاء الذي ينعقد في تشكيلته التأديبية برئاسة رئيس المحكمة العليا، وليس برئاسة رئيس الجمهورية، ضمنة أساسية وأولية للقاضي. نظّم القانون الأساسي للقضاء، والقانون المحدد لتشكيلة المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته، الإجراءات والقواعد المتعلقة بتحريك المسؤولية التأديبية للقاضي. ومنذ البداية، يمكن ملاحظة الدور الأساسي الذي يؤديه وزير العدل في تحريك الإجراءات، رغم أن المجلس الذي ينعقد في تشكيلته التأديبية يكون برئاسة رئيس المحكمة العليا وليس برئاسة رئيس الجمهورية. ومنذ البداية، تنص المادة 65 من القانون الأساسي للقضاء في فقرتها الأولى على أنه "إذا بلغ إلى علم وزير العدل أن قاضيًا ارتكب خطأ جسيمً، وسواء تعلق الأمر بالإخلال بواجبه المهني، أو ارتكب جريمة من جرائم القانون العام مخلة بشرف المهنة لا تسمح ببقائه في منصبه، يُصدر قرارًا بإيقافه عن العمل فورًا، بعد إجراء تحقيق أولي يتضمن توضيحات القاضي المعني، وبعد إعلام مكتب المجلس الأعلى للقضاء". يطرح تحريك وزير العدل لإجراءات المساءلة التأديبية وفق النص السابق عددًا من التساؤلات، أهمها مدى سلطة الوزير في تقدير ارتكاب القاضي للخطأ الجسيم؛ إذ إنه يُستنتج من نص المادة 65 أنه يعود إلى وزير العدل تقدير مدى "جسامة" الخطأ، ومن ثم تحريك إجراءات المساءلة التي تبدأ بتوقيف القاضي فورًا عن العمل بعد إجراء التحقيق الأولي الذي لم يحدد النص طريقة إجرائه ولا الهيئة التي تختص به، وهدف هذا التحقيق هو سمع توضيحات القاضي المعني. ونظرًا إلى خطورة مثل هذا الإجراء، فإن المادة 65 نصّت على عددٍ من الضمنات للقاضي، أهمّها ألا يكون التوقيف موضوع تشهير، كم أن على وزير العدل إحالة الملف إلى المجلس الأعلى للقضاء في تشكيلته التأديبية في أقرب الآجال الذي عليه أن يجدول القضية في أقرب دورة. ويُضاف إلى ذلك أن القاضي الموقف يستمر في تقاضي كامل راتبه بحسب المادة 66 من القانون الأساسي للقضاء التي حددت أجلً أقصاه ستة أشهر من تاريخ توقيف القاضي للبتّ في الدعوى التأديبية، وإلا فإن القاضي يعود إلى ممرسة مهمته بقوة القانون. علاوة على ذلك، فإن وزير العدل يبقى محتفظًا بسلطة مؤثرة في مجال رقابة انضباط القضاة؛ إذ يمكنه، بحسب المادة 71 من القانون الأساسي للقضاء، أن يوجّه إنذارًا إلى القاضي من دون ممرسة دعوى تأديبية ضده، ولم يحدد القانون الأسباب التي يمكن الوزير على أساسها توجيه إنذار إلى القاضي، لكن القانون منح في المادة ذاتها القاضي الحق في طلب ردّ اعتبار من السلطة التي أصدرت العقوبة بعد مضي سنة واحدة من تاريخ تسليط العقوبة، ويُردّ الاعتبار بقوة القانون بعد مضي سنتين من تاريخ توقيعها.
وإذا كان الدستور بموجب تعديل 2020 قد ألغى عضوية وزير العدل من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، فإنه من غير المرجح أن تبقى للوزير السلطة نفسها في تحريك المساءلة التأديبية للقضاة أمام المجلس الأعلى للقضاء؛ ذلك أن المفترض أن الدستور باستبعاده لوزير العدل من تشكيلة المجلس يكون قد اتجه أيضًا إلى تجريده من صلاحياته فيم يتعلق بالمسؤولية التأديبية للقضاة التي يجب أن يعود الاختصاص الكامل والحصري فيها إلى المجلس الأعلى للقضاء، مع إمكانية الإبقاء على ممثل لوزارة العدل كجهة ادعاء، بحيث يقتصر دوره على إخطار المجلس الأعلى للقضاء بالأخطاء التي يرتكبها القاضي والتي يمكن أن تشكّل أساسًا لمسؤوليته التأديبية. لا تتعلق فاعلية ضمنات المساءلة التأديبية للقاضي فقط بإجراءاتها التي تشكّل ضمنات إجرائية مهمة إلى حد ما في ضمن معالجة شفافة، وفي أجل معقول للدعوى التأديبية ضد القاضي، ولكنها تتعلق أساسًا بالأسباب التي تثير مسؤولية القاضي تأديبيًا أمام المجلس الأعلى للقضاء. بمعنى آخر، فإن ضمن مساءلة تأديبية عادلة وغير تعسفية للقاضي إنما يتوقف على تعريف الخطأ التأديبي الوارد في المادة 60 من القانون الأساسي للقضاء التي جاء فيها أنه "يعتبر خطأ تأديبيًا في مفهوم هذا القانون العضوي، كل تقصير يرتكبه القاضي إخلالً بواجباته المهنية، ويعتبر خطأ تأديبيًا بالنسبة إلى قضاة النيابة العامة ومحافظي الدولة، الإخلال بالواجبات الناتجة عن التبعية التدرجية". من حيث المبدأ، فإن تحديد ما يُعدّ تقصيرًا وإخلالً بواجبات القاضي المهنية يعود إلى وزير العدل الذي يحرّك الدعوى التأديبية، وهو يخضع في تقديره هذا لرقابة المجلس الأعلى للقضاء الذي يعود إليه الفصل النهائي لاحقًا في مدى وجود خطأ تأديبي يثير مسؤولية القاضي. خص القانون الأساسي للقضاء الخطأ التأديبي الجسيم بتفصيل خاص، ورصد له عقوبة قصوى وهي العزل طبقًا للمدة 63، وعرضت المادة 62 أمثلة دون حصر عمّ يُعدّ خطأ جسيمً كالتصريح الكاذب بالممتلكات، وخرق واجب التحفظ، والمشاركة في الإضراب أو التحريض عليه وعرقلة سير المصلحة، وإفشاء سرية المداولات، وغيرها. تثير هذه الأمثلة عن الخطأ التأديبي الجسيم إشكالات نظرية وعملية في آنٍ واحد. فعلى سبيل المثال، فإن إخلالً مثل خرق واجب التحفظ أو المشاركة في الإضراب أو التحريض عليه قد يتعارض مع حقوق وحريات يُعترف بها للقاضي بصفته هذه، أو بصفته مواطنًا يستفيد من الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، خصوصًا تلك التي تتعلق بالحق في التعبير عن الرأي، علاوة على أن القانون الأساسي للقضاء اعترف للقضاة في المادة 32 منه بالحق "النقابي" في حدود ما تنص عليه المادتان 7 و 12 من القانون ذاته، وهم تتعلقان بالتأكيد على واجب التحفظ، وبمنع القاضي من المشاركة في الإضراب أو التحريض عليه أو القيام بأيّ عمل من شأنه وقف أو عرقلة سير العمل القضائي. من الناحية النظرية، يذهب بعضهم إلى أن انخراط القضاة في تنظيم نقابي قد يمسّ بمبدأ حيادهم، وهو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه شرعية القضاء. وفي تحليل هؤلاء، فإنه وفقًا لمفهوم الطرف الثالث المحايد الذي يمثّله القاضي، فإنه يجب ألا يكون طرفًا فاعلً في الحياة الاجتمعية والسياسية ما دام هذا النشاط يمكن أن يقوض مظهر حياده؛ وهذا النشاط السياسي قد يظهر في شكل انتقاد للمشرع لا يتعلق بالأسئلة المهنية للقضاء، أو في موقف سياسي يُتخذ أثناء الانتخابات. وفي كل الأحوال، فإن استقلال القاضي مرتبط باستقلاله عن معتقداته
الدينية وتوجهاته السياسية، كم أن مكانة القاضي الاجتمعية تفرض بعض القيود حتى في حياته الخاصة، فإنها تفرض قيودًا أيضًا على مواقفه السياسية المتخذة على نحو فردي أو جمعي. طُرحت الإشكاليات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير وبالحق النقابي للقاضي على نحو حاد في الجزائر أثناء الحراك الشعبي في شباط/ فبراير 2019، حيث انضم عددٌ من القضاة إلى الحراك مطالبين باستقلال السلطة القضائية ومعلنين مقاطعتهم للانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر أن تجري في الرابع من تموز/ يوليو 2019، ولكن تم تأجيلها. وقد تداولت مواقع التواصل الاجتمعي أخبارًا عن توقيف ومعاقبة قضاة شاركوا في الحراك، لكن المجلس الأعلى للقضاء سارع بصفته الهيئة التأديبية التي يخوّل لها القانون مراقبة انضباط القضاة إلى إصدار بيانٍ نفى فيه ذلك. على أيّ حال، فإن من الواضح أن القانون الأساسي للقضاء في الجزائر، رغم اعترافه للقضاة بالحق النقابي فإنه قيّده بقيود مرنة لا تحمل أيّ معايير محددة، خصوصًا تلك التي تتعلق بواجب التحفظ الذي سيضيّق دونما شك من حرية القاضي في الرأي والتعبير وكذلك في النشاط النقابي، علاوة على أن تقدير الإخلال بهذا الواجب بوصفه خطأ تأديبيًا يعود إلى المجلس الأعلى للقضاء الذي له السلطة النهائية في تقدير وجود الإخلال وتحديد العقوبة المناسبة له.
خاتمة
لا يمكن إنكار أن الإصلاحات التي جاء بها التعديل الدستوري لسنة 2020 فيم يتعلق بالقضاء إنما كانت نتيجة لضغط الحراك الشعبي الذي كان مطلب استقلال القضاء في صلب شعاراته. وإذا كانت هذه الإصلاحات قد ساهمت من الناحية الدستورية في تقليص نفوذ السلطة التنفيذية على القضاء، فإن الأخير ما زال مع ذلك يمثّل مرفقًا عامًا يرتبط بها من الناحية العضوية. تمثّل رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء ودور وزير العدل في التسيير الإداري والمالي، وحتى في مجال عمل النيابة العامة، أوجه الربط بين القضاء والسلطة التنفيذية. وبناء على ذلك، فإنه لا يمكن وصف القضاء في الدستور بأنه سلطة ما دام رئيس الجمهورية رئيسًا فعليًا للمجلس الأعلى للقضاء، وما دام وزير
العدل محتفظا بسلطاته في تسيير مرفق القضاء والإشراف على النيابة العامة. غير أنه يمكن وصف القاضي بأنه سلطة في الدستور؛ نظرًا إلى ما أقره الأخير من مبادئ تضمن استقلاله في أداء
مهمته وتجنّبه تأثير باقي السلطات فيه. ويشكّل منح القضاة الحق في انتخاب ممثليهم في المجلس الأعلى للقضاء، وإبعاد وزير العدل من عضوية المجلس، إضافة إلى التأكيد على مبدأ حظر عزل القاضي، وعدم قابلية قاضي الحكم للنقل، الضمنات الأهم التي يمكن البناء عليها في تأسيس قضاءٍ مستقل يصون مبدأ سيادة القانون ويحمي الحقوق والحريات.
40 Bertrand Mathieu, "De la nécessité d'encadrer l'activité syndicale des magistrats," Les Cahiers de la Justice , vol. 3, no. 3 (Octobre 2016), p. 398. 41 سالمي عبد الرحمن، "القضاة يرفضون الإشراف على رئاسيات 4 جويلية"، النهار أونلاين، 2019/4/14، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/3h4GelF 42 "المجلس الأعلى للقضاء ينفي معاقبة وعزل قضاة شاركوا في الحراك الشعبي"، الإذاعة الجزائرية، 2019/3/25، شوهد في 2022/4/24، في: https://bit.ly/38hEwLI
إن المضي قدمًا في تعديل المنظومة القانونية المنظّمة للقضاء، وخصوصًا ما تعلق منها بالمجلس الأعلى للقضاء، تبدو متطلبات ضرورية من شأنها نقل القضاء من إطار المرفق العام إلى مفهوم السلطة الدستورية التي تستقل بممرسة اختصاص أصيلٍ لها. وبناء عليه، فإن الاستقلال الوظيفي للقضاة هو الذي يشكّل جوهر مبدأ استقلال القضاء الذي لا يتوقف على الوصف الدستوري له، وإنما بالدرجة الأولى على ما إذا كان القاضي نفسه يشكّل فعلً سلطة بممرسته لاختصاصه على نحو مستقل ومحايد، وبعيدًا عن أيّ تأثير، وفي ظل ظروف مهنية واجتمعية مناسبة. في الحصيلة، قد لا يمثّل القضاء سلطة دستورية من ناحية وضعه بوصفه هيئة، لكن القاضي يمكنه أن يمثّل سلطةً في الدستور؛ نظرًا إلى أهمية الضمنات الدستورية والقانونية التي تتعلق بوظيفته. وفي انتظار صدور القوانين العضوية المنظمة للقضاء التي من شأنها أن تضع المبادئ الدستورية موضع التنفيذ، فإن فاعلية هذه الضمنات ستظل مرتبطةً بما ستنص عليه هذه القوانين من جهة، وأيضًا بالاعتبارات السياسية والاجتمعية التي يتمثّل أهمها في إرادة السلطة السياسية ونظرتها إلى استقلال القضاء، وبالوضع الاجتمعي والمهني للقاضي من جهةٍ أخرى.
المراجع
References
العربية
بن ناصر بوطيب وهيبة العوادي. "مسودة تعديل الدستور في الجزائر لسنة 2020: فصل أم تدخل وهيمنة بين السلطات". مجلة المستقبل العربي. العدد 502 (كانون الأول/ ديسمبر.)2020 بوسقيعة، أحسن. قانون الإجراءات الجزائية في ضوء الممرسة القضائية. الجزائر: برتي للنشر،.2015 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. "أمر رقم 02-15 مؤرخ في 7 شوال عام 1436 الموافق 23 يوليو سنة 2015، يعدّل ويتمّم الأمر 155-66 المؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قانون الإجراءات الجزائية". الجريدة الرسمية. السنة 52، العدد.40 2015/7/23:. في https://bit.ly/3vYYbbR _______. "قانون عضوي رقم 11-04 مؤرخ في 21 رجب عام 1425 الموافق 6 سبتمبر سنة 2004، يتضمن القانون الأساسي للقضاء". الجريدة الرسمية. السنة 41، العدد.57 2004/9/8:. في https://bit.ly/3KaVt85 _______. "قانون عضوي رقم 12-04 مؤرخ في 21 رجب عام 1425 الموافق 6 سبتمبر سنة 2004، يتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته". الجريدة الرسمية. السنة 41، العدد.57 2004/9/8. ف:ي https://bit.ly/3KaVt85 _______. "مرسوم تنفيذي رقم 332-04 مؤرخ في 10 رمضان عام 1425 الموافق 24 أكتوبر سنة 2004، يحدّد صلاحيات وزير العدل حافظ الأختام". الجريدة الرسمية. السنة 41، العدد.67 2004/10/24. ف:ي https://bit.ly/3Le61V4 _______. "مرسوم رئاسي رقم 242-20 مؤرخ في 15 جمدي الأولى عام 1442 الموافق 30 ديسمبر 2020، يتعلق بإصدار التعديل الدستوري المصادق عليه في استفتاء أول نوفمبر سنة 2020، في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية". الجريدة الرسمية. السنة 57، العدد.82 2020/12/30. ف:ي https://bit.ly/3k4FGwT حاشي، يوسف. في النظرية الدستورية. بيروت: دار ابن النديم للنشر والتوزيع،.2009 عباس، آمال. "المجلس الأعلى للقضاء بين الوجود والاحتواء". المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية. مج 54، العدد 2 (حزيران/ يونيو.)2017 غربي، أحسن. "المجلس الأعلى للقضاء في ظل التعديل الدستوري لسنة 2020 ". المجلة النقدية للقانون وللعلوم السياسية. مج 15، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2020 قديدر، منصور. "من أجل نظرة جديدة للقضاء". المجلة القضائية. العدد).1999(1
الأجنبية
Bennadji, Chérif. "De l'ambigüité des rapports entre le président de la République et le pouvoir judiciaire en Algérie: De l'usage de la formule 'le président de la République, premier magistrat du pays'." L'Année du Maghreb. vol. 3 (2007).
Delaloy, Guillaume. "La réforme du Conseil supérieur de la magistrature: Vers un Conseil supérieur du pouvoir judiciaire?" La Revue administrative. vol. 53, no. 318 (Novembre Denis, Salas. "Parquets européens entre pouvoir judiciaire et politiques pénales." Droit et société. vol. 74, no. 1 (Mars 2010). Fabri, Hélène Ruiz et al. "Les institutions de clémence (amnistie, grâce, prescription) en droit international et droit constitutionnel comparé." Archives de politique criminelle. vol. 28, no. 1 (Octobre 2006). Joxe, Pierre. "La Justice, troisième pouvoir?" Après-demain. vol. 4, no. 20 (Octobre 2011). Lyon-Caen, Pierre. "L'expérience du Syndicat de la Magistrature. Témoignage." Pouvoirs. no. 16 (Janvier 1981). Mathieu, Bertrand. "De la nécessité d'encadrer l'activité syndicale des magistrats." Les Cahiers de la Justice. vol. 3, no. 3 (Octobre 2016). Montebourg, Arnaud. "Les paradoxes du garde des Sceaux." Après-demain. vol. 15, no. 3 (Juillet 2010). Perrot, Roger. Institutions judiciaires. 12 ème éd. Paris: Domat Droit privé, 2006. Renaut, Marie-Hélène. "Le droit de grâce doit-il disparaître?" Revue de science criminelle et de droit pénal comparé. no. 3 (Juillet-Septembre 1996). Vedel, Georges. Manuel élémentaire de droit constitutionnel. Paris: Dalloz, 2002.