اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لمساءلة الحكومة السورية عن خرق التزاماتها بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
Resorting to the International Court of Justice to Hold the Syrian Government Accountable for Violating Its Obligations Unde
الملخّص
تبحث هذه الورقة في القرار المشترك لكل من الحكومتين الكندية والهولندية المتمثل برفع دعوى متعلقة بمسؤولية الحكومة السورية عن الإخلال بالتزاماتها الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وترى أن هذه الخطوة مهمة لثلاثة أسباب على الأقل: أولها، مواصلة الضغط على الحكومة السورية وتذكيرها بأن انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان، بما في ذلك تعذيب الكثيرين حتى الموت في السجون، لن تُنسى من جهة الدول الملتزمة بنظام دولي، والمصممة على محاسبتها مهم امتد أمد الصراع. وثانيها، أنّ ذلك الإجراء قد يُحفز، أو يُجبر، الحكومة السورية على اتخاذ إصلاحات دستورية وتشريعية تتمشى مع التزاماتها، بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، ومحاسبة مرتكبي أعمل التعذيب. وثالثها، أن تحرك كندا وهولندا خارج عن نطاق استعمل حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من جانب حلفاء الحكومة السورية، ومن ثم فهو فرصة لبذل المزيد من الجهد لفتح سجل الحكومة أمام التدقيق الخارجي لانتهاكاتها حقوق الإنسان. وتخلص الورقة إلى أن تحرك كندا وهولندا يقع على نحو صحيح في مجال أو مبدأ "مسؤولية الدولة"، وأنه لا ينبغي الخلط بينه وبين التحرك بموجب نظام روما الأساسي لمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون جرائم ضد القانون الدولي؛ مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والجرائم ضد مقاصد الأمم المتحدة.
Abstract
This paper examines the joint decision of Canada and the Netherlands to invoke the responsibility of the Syrian government for breaches of its international obligations under the United Nations Convention Against Torture and Other Inhuman, Degrading Treatment or Punishment (CAT). It argues that the decision is a momentous step for at least three reasons. First, it keeps the pressure on the Syrian government and reminds it that its egregious human rights violations are not forgotten. Second, it may spur or compel the Syrian government to take the necessary measures, such as adopting constitutional and legislative reforms consistent with its obligations under the CAT and to hold accountable perpetrators of acts of torture as stipulated in the relevant provisions of the CAT. Third, the Canada and the Netherland process is veto-proof, i.e., not subject to veto by the Syrian government's allays holding veto power and therefore has the chance to do more to open the regime's human rights record in the ten decade-long civil war to external scrutiny.
- سورية
- كندا
- هولندا
- اتفاقية مناهضة التعذيب
- محكمة العدل الدولية
- العدالة الدولية
- Syria
- Canada
- Netherlands
- Convention against Torture
- International Court of Justice
ورقة سياسات
Policy Paper
Resorting to the International Court of Justice to Hold the Syrian Government Accountable for Violating Its Obligations Under the United Nations Convention Against Torture
تبحث هذه الورقة في القرار المشترك لكل من الحكومتين الكندية والهولندية المتمثل برفع دعوى متعلقة بمسؤولية الحكومة السورية عن الإخلال بالتزاماتها الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وترى أن هذه الخطوة مهمة لثلاثة أسباب على الأقل: أولها، مواصلة الضغط على الحكومة السورية وتذكيرها بأن انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان، بما في ذلك تعذيب الكثيرين حتى الموت في السجون، لن تُنسى من جهة الدول الملتزمة بنظام دولي، والمصممة على محاسبتها مهم امتد أمد الصراع. وثانيها، أنّ ذلك الإجراء قد يُحفز، أو يُجبر، الحكومة السورية
على اتخاذ إصلاحات دستورية وتشريعية تتمشى مع التزاماتها، بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، ومحاسبة مرتكبي أعمل التعذيب. وثالثها، أن تحرك كندا وهولندا خارج عن نطاق استعمل حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من جانب حلفاء الحكومة السورية، ومن ثم فهو فرصة لبذل المزيد من الجهد لفتح سجل الحكومة أمام التدقيق الخارجي لانتهاكاتها حقوق الإنسان. وتخلص الورقة إلى أن تحرك كندا وهولندا يقع على نحو صحيح في مجال أو مبدأ "مسؤولية الدولة"، وأنه لا ينبغي الخلط بينه وبين التحرك بموجب نظام روما الأساسي لمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون جرائم ضد القانون الدولي؛ مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والجرائم ضد مقاصد الأمم المتحدة. كلمت مفتاحية: سورية، كندا، هولندا، اتفاقية مناهضة التعذيب، محكمة العدل الدولية، العدالة الدولية، مسؤولية الدول. This paper examines the joint decision of Canada and the Netherlands to invoke the responsibility of the Syrian government for breaches of its international obligations under the United Nations Convention Against Torture and Other Inhuman, Degrading Treatment or Punishment (CAT). It argues that the decision is a momentous step for at least three reasons. First, it keeps the pressure on the Syrian government and reminds it that its egregious human rights violations are not forgotten. Second, it may spur or compel the Syrian government to take the necessary measures, such as adopting constitutional and legislative reforms consistent with its obligations under the CAT and to hold accountable perpetrators of acts of torture as stipulated in the relevant provisions of the CAT. Third, the Canada and the Netherland process is veto-proof, i.e., not subject to veto by the Syrian government's allays holding veto power and therefore has the chance to do more to open the regime's human rights record in the ten decade-long civil war to external scrutiny.
محامية، حاصلة على الدكتوراه من جامعة يورك - مدرسة أوسغود هول للقانون في كندا عام 2021، وهي حاليًّاحاصلة على
زمالة أليكس تريبيك لما بعد الدكتوراه في جامعة أوتاوا في كندا. Lawyer. She Obtained a Ph.D. Degree, York University - Osgoode Hall School of Law, Canada, 2021. She is Currently the Alex Trebek Postdoctoral Fellow at the University of Ottawa in Canada. Email: gmbdiwe@hotmail.com
مقدمة
في آذار/ مارس 2021، أصدر وزير الخارجية الكندي، مارك غارنو، بيانًا أعلن فيه عزم حكومته على التعاون مع الحكومة الهولندية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من أجل مساءلة الحكومة السورية أمام محكمة العدل الدولية، وذلك لخرقها التزاماتها الدولية المترتبة عليها، بالنظر إلى أنها عضو في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة Convention Nations United Against Torture and Other Cruel, or Inhuman or Degrading Treatment or Punishment (تعرف اختصارًا باتفاقية مناهضة التعذيب). وقد أعرب البيان عن أن رغبة البلدان تأتي ردًّا على الانتهاكات المستمرة والجسيمة للقانون الدولي، وتحديدًا تلك الجرائم المروعة التي ارتكبت في حق المدنيين من "التعذيب والقتل والإخفاء القسري واستخدام الأسلحة الكيميائية والقمع الممنهج والقاسي للسوريين خلال عقد كامل من الزمن". وشرح البيان أن آلية المساءلة وفقًا لاتفاقية مناهضة التعذيب تقتضي إعطاء مدة محددة يجري من خلالها السعي إلى حل الأمر مع سورية عن طريق المفاوضات، وفي حال فشل هذه المحاولة فإنه يُنظر في إمكانية اتخاذ إجراء قانوني مبني على مخالفة الحكومة السورية التزاماتها المترتبة بموجب الاتفاقية. تعتمد هذه الورقة منهجين؛ منهجًا تحليليًّا وآخر مقارنًا، وترتكز على تقارير صادرة عن مراكز أبحاث معتمدة دوليًّا للبحث في التأثيرات المترتبة على الخطوة التي اتخذتها كندا وهولندا في اتجاه العدالة، وتحليلها، وهي تُعد خطوة مهمة في ظل حالة الخذلان الدولي وتغييب أيّ آلية حقيقية لمكافحة إفلات الحكومة السورية من العقاب على التعذيب الممنهج وضروب المعاملة اللاإنسانية ضد المدنيين في سورية. وتقوم حجة الورقة على أنه إذا وصلت المسألة، في نهاية المطاف، إلى محكمة العدل الدولية، فإنه في إمكان هذه المحكمة أن تقوم بأمور ثلاثة؛ أولها تذكير النظام السوري بانتهاكاته الفظيعة لحقوق الإنسان، وأنه لن يفلت من المساءلة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب *. ثانيها أنّ هذا التحرك قد يدفع النظام السوري إلى اتخاذ تدابير نحو إصلاحات دستورية وتشريعية للوفاء بالتزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. أمّا ثالثها، فهو يتمثّل بفتح سجلّ حقوق الإنسان في النظام السوري أمام تدقيق خارجي ممنهج. ومن ثم، يقدم القسم الأول من هذه الورقة معلومات أساسية موجزة عن الحرب الأهلية السورية لتحديد سياقات قرار كندا وهولندا باستكشاف إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد سورية لإخلالها بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. في حين يستكشف القسم الثاني إنْ كان لكندا وهولندا أيّ أساس قانوني، أو أهلية قانونية، لاتخاذ تلك الإجراءات القانونية ضد سورية - وهي دولة ذات سيادة - بسبب الأعمل المرتكبة في الأراضي السورية، ولا سيم أنها أعمل لم تلحق أيّ ضرر مباشر برعايا كندا وهولندا. ومن ناحية أخرى، يناقش القسم الثالث طبيعة الإجراء القانوني الذي تتوخاه كندا وهولندا بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة. ثمّ يأتي القسم الرابع الذي ينظر في أهمية قرار كندا وهولندا المتعلق باتخاذ إجراءات قانونية ضد سورية، وينظر كذلك في حدود هذا القرار، إذا حدث ذلك بعد فشل المفاوضات. أمّا الخاتمة، فهي تمثّل خلاصات للدراسة.
Government of Canada, Global Affairs Canada, Joint Statement of Canada and the Kingdom of the Netherlands Regarding their Cooperation in Holding Syria to Account (Ottawa: 12/3/2021), accessed on 21/4/2022, at: https://bit.ly/3jXn5mj كان توقع الكاتبة صحيحًا، فقد صدر في سورية قانون يُجرّم التعذيب في 29 آذار/ مارس 2022. ينظر: "الرئيس الأسد يصدر قانونًا لتجريم التعذيب"، الوكالة العربية السورية للأنباء، 2022/03/30، شوهد في 2022/04/15، في: https://bit.ly/3vcXzA7 (هيئة التحرير).
أولً: السياق: من ثورة شعب إىل حرب دموية
تتجاوز المناقشة التفصيلية للحرب في سورية نطاق هذه الورقة، لكنّ قمع الحكومة السورية لمواطنيها المستمر، بما في ذلك التعذيب الوحشي والعقوبات القاسية والأفعال اللاإنسانية والمهينة لهم، كان سببًا من الأسباب الأساسية لاندلاع ثورتهم. تفجرت الثورة السورية، في 15 آذار/ مارس 2011، في أعقاب اعتقال خمسة عشر صبيًّا في مدينة درعا الواقعة في جنوب سورية، قيل إنهم كتبوا عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" على جدار مدرستهم، ولربما استلهم الصبية حمستهم من ثورات الربيع العربي التي اندلعت في المنطقة العربية، والتي تطلعت إلى إنهاء حقبة تاريخية طويلة من الأنظمة الاستبدادية فيها، ابتداءً من الثورة التونسية التي نجحت في إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي (2019-1936)، وثورة 25 يناير 2011 في مصر التي أسقطت الرئيس محمد حسني مبارك (2020-1928)، ثم إطاحة الرئيس معمر القذافي (2011-1942) في ليبيا في ثورة 17 فبراير 2011. ولكن على اختلاف تفاصيل نضال الشعوب في كل ثورة من هذه الثورات، لم تحظَ ثورة السوريين بالنجاح، بل كان الأمر على عكس ذلك؛ إذ ازداد قمع الحكومة السورية وظلمها وبطشها ضد المدنيين. وانتشرت المظاهرات في أنحاء مدينة درعا، عابرةً إلى المدن السورية الأخرى. وأطلقت الحكومة العنان لأجهزتها العسكرية وفروعها الأمنية لقمع المتظاهرين، لكن المظاهرات لم تهدأ، بل ازدادت، وكلم ازدادت ازداد معها جبروت الحكومة ضد المتظاهرين، وازدادت حملات الاعتقال التعسفي، وازداد التعذيب والإخفاء القسري. تمكّن عدد من المعتقلين الذين كُتبت لهم النجاة من الموت من فضح تفاصيل تعذيبهم في السجون وفروع مراكز الأمن، وجرى توثيق شهادات الناجين في العديد من التقارير الصادرة عن المنظمت الدولية. إلا أننا في دراستنا هذه، نذكر - على سبيل المثال لا الحصر - تقريرَين من هذه التقارير التي نعتبرها جوهرية في تمكين القارئ من الاطلاع على الطرق التي استخدمتها الحكومة السورية لتعذيب معارضيها، وغير ذلك من ضروب المعاملة، أو العقوبة، القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة. التقرير الأول هو تقرير "المسلخ البشري" في السجون السورية الذي تشرح من خلاله منظمة العفو الدولية التعذيب الممنهج الذي "تقوم الدولة السورية فيه بذبح شعبها بهدوء. و[حيث] يشكل المدنيون، الذين تجرؤوا على مجرد التفكير بمعارضة الحكومة، الغالبية الساحقة من الضحايا". فمنذ أنْ بدأت الثورة السورية، أعدمت الحكومة السورية "آلاف الأشخاص خارج نطاق القضاء في عمليات شنق جمعية تنفذ تحت جنح الظلام، وتحاط بغلاف من السرية المطلقة. وقتل آخرون كُثر من المحتجزين في سجن صيدنايا جراء تكرار تعرضهم للتعذيب والحرمان الممنهج من الطعام والشراب والدواء والرعاية الطبية. ويدفن [القتلى]
2 ينظر على سبيل المثال: Zachary Laub, "Syria's Civil War: The Descent into Horror," Council on Foreign Relations, 17/3/2021, accessed on 21/4/2022, at: https://on.cfr.org/3EH1NmI; Raymond Hinnebusch & Omar Imady (eds.), The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory (London/ New York: Routledge, 2018); United Nations, Human Rights Council, Seventeenth Special Session, Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic (November 23, 2011), p. 13, para. 62, accessed on 21/4/2022, at: https://bit.ly/3xOgsLv منظمة العفو الدولية، المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا، 2017/5415/MDE 24، ص 5، شوهد في 2022/4/21، في: https://bit.ly/3xJ3pL9
في مقابر جمعية، ولا يمكن لأحد أن يزعم أن مثل هذه الممرسات المنهجية والواسعة النطاق ترتكب بدون تفويض من الحكومة السورية على أعلى مستوياتها". أما التقرير الآخر فهو "تقرير سيزر"؛ إذ تمكّن منشق عسكري، في آب/ أغسطس 2013، وهو من صفوف النظام السوري، ويلُقّب ب "قيصر"، من نسخ ملفات الصور وتسريب 53275 صورة إلى خارج سورية.
كانت الصور لسجناء عُذبوا حتى الموت في السجون. وتثبتت لجنة دولية خاصة أسست لهذا الشأن من صحة الصور. ويوضح التقرير الصادر عن منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش"، وهو بعنوان "لو تكلم الموتى"، أن الصور "تُظهر ما لا يقل عن 6786 معتقلً ماتوا إما في المعتقلات، أو بعد نقلهم من المعتقلات إلى مستشفى عسكري. الصور الأخرى لمواقع هجمت أو جثث معرفة بالاسم لجنود حكوميين، أو مقاتلين آخرين، أو لمدنيين قُتلوا في هجمت أو حوادث تفجير، أو محاولات اغتيال". وبيَّ التقرير أنه توجد "أدلة على تفشي التعذيب والتجويع والضرب، والأمراض في مراكز الاعتقال الحكومية السورية". وفي هذا السياق، يقول نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في هيومن رايتس ووتش سابقًا ما يلي: حققنا في دقة عشرات الحالات والشهادات، ونحن واثقون بأن صور قيصر تقدم دليلً موثقًا - ودامغًا - على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سورية. ويرى تقرير هيومن رايتس ووتش أنّ على الدول التي تجتمع بشأن مفاوضات السلام المحتمل في سورية - بما فيها روسيا أكبر داعم للحكومة السورية - أن تُولَِ مصيرَ آلاف المعتقلين في سورية الأولويةَ، وأنّ على الدول المعنية أن تصر على مَنْح الحكومة السورية مراقبين دوليين حقَّ الوصول الفوري إلى كل مراكز الاعتقال، وأنّ تكفّ أجهزة المخابرات السورية عن إخفاء المعتقلين قسرًا وتعذيبهم. لكن هذا لن يحصل، ولا يمكن أن يحصل في ظل عدم توافق دولي في تفعيل مسار العدالة في سورية. فمثلم أصبح معلومًا، تكمن العقبة الأساسية في محاسبة الجناة، ضمن سياق الحالة السورية، في انعدام الاختصاص القضائي اللازم لأيّ محكمة أو جهاز قضائي للتحقيق في الجرائم ومحاسبة جناتها. وإلى ذلك الحين الذي يتم فيه أخذ قرار سياسي متعلق بتشكيل محكمة خاصة بالجرائم في سورية، تستمر الحكومة السورية في ارتكاب المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان، غير آبهة بأيّ مساءلة. لهذا السبب، كانت الخطوة في اتجاه العدالة التي أقرتها الحكومتان الكندية والهولندية مهمة؛ نظرًا إلى انعدام البدائل الأخرى ولا سيم المحاكم الجنائية التي تُعدّ الأكثر إنصافًا للضحايا.
ثانيًا: هل لكندا وهولندا قدرة عىل اتخاذ إجراءات قانونية
ضد سورية؟
من المسائل القانونية الرئيسة، التي ستُثار عندما تشرع كندا وهولندا في اتخاذ إجراءات قانونية ضد سورية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب في حالِ فشلِ المفاوضات، مسألة يلخصها السؤال التالي: هل لهم الحق
4 المرجع نفسه. هيومن رايتس ووتش، لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية، 2015/12/16، شوهد في 2022/4/21، في: https://bit.ly/3rHo8LA 6 المرجع نفسه. 7 المرجع نفسه. 8 المرجع نفسه.
في القيام بذلك؟ بعبارة أخرى، هل لكندا وهولندا الحق – إجرائيًا – في التمسك بمسؤولية سورية عن
الإخلال بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب؟ ثمّة من ينتقد هذا الأمر قائلً إنه بالنظر إلى أن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في الحرب الأهلية السورية لا تؤثر تأثيرًا مباشرًا في كندا وهولندا، أو بالنظر إلى أنه لا يوجد ضحايا من مواطني كندا وهولندا، فإن البلدين يفتقدان الأهلية القانونية لاتخاذ هذا التحرك ضد سورية. إنّ هذا النقد لا يصحّ إلا على نحو جزئي؛ إذ للدولة، بحسب القانون الدولي في حالات معيّنة، مثل الحمية
الدبلوماسية، أن تقرر أولً مدى حقها في تقديم دعوى باسم مواطنيها. وتستند هذه القاعدة إلى افتراض مفاده أنّ الدولة المدّعى عليها (الدولة التي تُرفع الدعوى ضدها) قد أخلّت بالتزام تجاه الدولة التي ترفع الدعوى فيم يتعلق باتفاق ثنائي أو دولي يقع عليها واجب احترامه والعمل بمضمونه. بيد أن القانون الدولي يعترف أيضًا بأنواع أخرى من الالتزامات، مثل الالتزامات تجاه الكافة Obligations Erga Omnes، والالتزامات الناشئة عن القواعد القطعية للقانون الدولي العام. وقد تجسدتObligations Arising from Peremptory Norms of General International Law بعض جوانب هذه الالتزامات في الصكوك العالمية والإقليمية لحقوق الإنسان، مثل الالتزامات المتصلة باتفاقية مناهضة التعذيب أو اتفاقية الإبادة الجمعية، وهي التزامات تخوّل جميعَ الدول مصلحةً قانونية مشتركة
في التقيد بها وأهليةً لازمة للاحتجاج بمسؤولية الدولة المخالفة. وفي قضية بلجيكا ضد السنغال، على سبيل المثال، أقامت بلجيكا دعوى ضد السنغال بشأن نزاع يرتبط بامتثال السنغال لالتزامها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وذلك فيم يتعلق بمحاكمة الرئيس التشادي الأسبق حسين حبري Habre Hissene (2011-1942)، أو تسليمه إلى بلجيكا لمواجهة دعوى جنائية. وما يهمنا هنا هو مسألة الأهلية Standing. قالت السنغال إن بلجيكا تفتقر إلى أهلية رَفْعِ هذه الدعوى أمام محكمة العدل الدولية لأنه لم يكن من بين الضحايا المزعومين، بشأن الأعمل التي قيل إنها تُعزى إلى حبري، أيّ مواطن بلجيكي، عندما ارتكبت تلك الأعمل. وردّت بلجيكا بعدة أمور؛ فبموجب اتفاقية مناهضة التعذيب "لكل دولة طرف، بصرف النظر عن جنسية الضحايا، الحق في المطالبة بالوفاء بالالتزامات المعنية؛ ومن ثم، يمكن لها الاحتجاج بالمسؤولية الناجمة عن التقصير في الأداء بهذه الالتزامات". وبعبارة أخرى، احتجت بلجيكا بأنّ مركزها، بوصفها طرفًا في اتفاقية مناهضة التعذيب، يُخوّلها المكانة اللازمة لرفع دعوى متعلقة بمسؤولية السنغال، بموجب هذه الاتفاقية، عن عدم مقاضاة حبري، أو تسليمه إلى بلجيكا لمواجهة إجراءات جنائية. وهكذا، وضعت المحكمة المسألة على النحو التالي: "إنْ كانت دولة ما طرفًا في اتفاقية، فهل يكفي هذا الأمر لمنحها حقًّا في تقديم دعوى إلى المحكمة بشأن وقف الانتهاكات المزعومة من جانب دولة أخرى طرف بموجب ذلك "الصك"؟ ردت المحكمة على هذه المسألة بالإيجاب، ولاحظت أولً أنّ
9 ينظر على سبيل المثال: International Court of Justice, Reparation for Injuries Suffered in the Service of the United Nations, Advisory Opinion, I.C.J. Reports (1949), pp. 181–182. 10 International Court of Justice, Questions Relating to the Obligations to Prosecute or Extradite (Belgium V. Senegal) , Judgment, I.C.J. Reports 2012 , p. 422. 11 Ibid., p. 449, para. 65. 12 Ibid., para. 67.
"موضوع اتفاقية مناهضة التعذيب وهدفها هم زيادة فاعلية مكافحة التعذيب في جميع أنحاء العالم"، وأن "للدول الأطراف في الاتفاقية مصلحة مشتركة في أن تكفل - بالنظر إلى قيمها المشتركة – مَنْع أعمل التعذيب وعدم إفلات مرتكبيها من العقاب في حال وقوعها". ولاحظت المحكمة كذلك أنه لمّا كانت لجميع الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب مصلحة مشتركة في الامتثال للالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية، فإن ذلك يستتبع أن تكون الالتزامات واجبة على أي دولة طرف تجاه جميع الدول الأطراف الأخرى في الاتفاقية. وبعبارة أخرى، وباسترجاع قرار سابق لها في قضية شركة برشلونة لمعدات الجر Traction Barcelona Case، قالت المحكمة: "لجميع الدول الأطراف مصلحة قانونية في حمية الحقوق المتضمنة"، وقالت إن هذه الالتزامات يمكن تعريفها بأنها "التزامات تجاه الكافة؛ بمعنى أنّ لكل دولة طرف مصلحة في الامتثال لها في أي حالة من الحالات". ولذلك، توحي المصالح المشتركة في الامتثال للالتزامات، بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، بأن لكل دولة طرف في هذه الاتفاقية الحق في تقديم دعوى تتعلق بوقف انتهاكٍ مزعوم من جانب دولة طرف أخرى، ورأت المحكمة أنه لا حاجة إلى أنْ تثبت الدولة أنّ لها مصلحة خاصة في المسألة لكي تخوّلها حقَّ تقديم مثل هذه الدعوى: "يجوز لأي دولة طرف في الاتفاقية أن ترفع دعوى متعلقة بمسؤولية دولة طرف أخرى من أجل التحقق من الإخفاق المزعوم في الامتثال لالتزاماتها تجاه الأطراف الأخرى كافة في الاتفاقية". وخلصت المحكمة إلى أنّ بلجيكا، بوصفها دولة طرفًا في اتفاقية مناهضة التعذيب، لها الحق في رفع دعوى بشأن مسؤولية السنغال عن انتهاكاتها التزاماتها بموجب الفقرة 2 من المادة 6، والفقرة 1 من المادة 7، من الاتفاقية. من المرجح، إذًا، أن تجيب محكمة العدل الدولية عمّ إذا كان من حق كندا وهولندا رَفْع دعوى ضد سورية بسبب إخلالها بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب بالإيجاب؛ وذلك وفقًا للسوابق، ومنها قضية بلجيكا ضد السنغال. لذا، من الممكن أن نستنتج أن مركز الدولة، بوصفها طرفًا في اتفاقية مناهضة التعذيب، أو أي اتفاقية أخرى، يكفي لإعطائها الحق اللازم لتقديم دعوى، أو اتخاذ إجراء قانوني ضد دولة أخرى طرف، بخصوص انتهاكها التزاماتها بموجب ذلك الصك.
ثالثًا: طبيعة الإجراءات القانونية المتوخاة ومسائل الولاية القضائية
ما معنى تأكيد كندا وهولندا أنهم "ستبحثان إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية مشتركة ضد سورية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب" في حالِ فشلِ المفاوضات معها؟ بعبارة أخرى، ما طبيعة الإجراء القانوني الذي يمكن أن تتوخاه كندا وهولندا ضد سورية إنْ فشل التحكيم؟
13 Ibid., para. 68. 14 International Court of Justice, Barcelona Traction, Light and Power Company, Limited, Judgment, I.C.J. Reports 1970, p. 32, para. 33. 15 Ibid. note 10, p. 449, para. 68. 16 Ibid. 17 Ibid. note 10, p. 450, para. 69. 18 Ibid., p. 450, para. 70.
تنص المادة 30 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب على جزء من الإجابة عن هذا السؤال: تُقدَّم النزاعات التي تتعلق بتفسير، أو تطبيق، اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي لا يمكن تسويتها عن طريق التفاوض، إلى التحكيم. وإذا لم يتفق الطرفان على تنظيم التحكيم في غضون ستة أشهر من تاريخ تقديم طلب التحكيم، يجوز إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية وفقًا لنظامها الأساسي. ومن ثم، فإن طبيعة الإجراءات القانونية التي تتوخاها كندا وهولندا تنطوي على إجراءات قضائية مع محكمة العدل الدولية، ولكن يتعيّ عليهم أن تستوفيا الشرطين المنصوص عليهم في المادة 30 (1)؛ أنّ النزاع لا يمكن تسويته من خلال المفاوضات، وأنّ الطرفين لم يتمكنا من الاتفاق على التحكيم في غضون ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم. وإذا لم يجرِ الوفاء بهذين الشرطين، فلن يكون لمحكمة العدل الدولية أي اختصاص بموجب المادة المذكورة للنظر في قضيتها ضد سورية. ويوضح الفقه القضائي لمحكمة العدل الدولية بشأن البنود المتعلقة بالولاية القضائية ما هو مطلوب عمليًّا؛ إذ ينبغي أن تتعذّر تسوية النزاع من خلال المفاوضات، أو ينبغي أن يكون الطرفان متفقين على تنظيم التحكيم. وفيم يتعلق بشرط عدم إمكانية تسوية النزاع عن طريق التفاوض، قالت المحكمة في قضية جورجيا ضد الاتحاد الروسي إنه يجب التأكد أولً مم إذا كانت توجد، "على الأقل، محاولة حقيقية من جانب أحد الأطراف المتنازعة للدخول في مناقشات مع طرف النزاع الآخر بغية حل النزاع". ومن الأهمية الإشارة إلى أن المحكمة قالت في تلك القضية إن "الشرط المسبق للتفاوض يتحقق فقط عندما يكون هناك فشل في المفاوضات، أو عندما تصبح المفاوضات معدومة الجدوى، أو وصلت إلى طريق مسدود". وفي قضية بلجيكا ضد السنغال، قالت المحكمة إن اشتراط أنه لا يمكن تسوية النزاع من خلال المفاوضات "لا يمكن فهمه على أنه يشير إلى استحالة نظرية للتوصل إلى تسوية". وذلك ما كانت قد أكدت عليه المحكمة سابقًا في القضية المتعلقة بنزاع الكونغو ورواندا أن اشتراط عدم وجود اتفاق بين الطرفين بشأن تنظيم التحكيم "لا يمكن افتراضه". لا ينبغي الخلط بين الإجراء القانوني الذي تعتزم كندا وهولندا اتخاذه ضد سورية للإخلال بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب ومسألة معاقبة الأفراد الذين يرتكبون جرائم ضد القانون الدولي خلال الحرب الأهلية في سورية. ففي حين أن بعض الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في الحرب الأهلية السورية تشكّل جرائم بموجب القانون الدولي، فإن الإجراءات التي ستتخذها كندا وهولندا مع محكمة العدل الدولية، في نهاية المطاف، ليست إجراءات جنائية ضد سورية، بل هي إجراءات متعلقة بمسؤولية سورية
19 United Nations, Human Rights Instruments, Convention Against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment , Article 30 (1), 1465 UNTS 85, at 120., accessed on 21/4/2022, at: https://bit.ly/3xL4gLe 20 Ibid. 21 International Court of Justice, Application of the International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination (Georgia V. Russian Federation), Preliminary Objection , Judgment, I.C.J. Reports 2011. 22 Ibid., p. 132, para. 157. 23 Ibid., p.133. para. 159. 24 Ibid. note 10, p. 446, para. 57. 25 International Court of Justice, Armed Activities on the Territory of the Congo (New Application: 2002) (Democratic Republic of the Congo V. Rwanda), Jurisdiction and Admissibility, Judgment, I.C.J. Reports 2006, p. 6.
عن الإخلال بالتزامها الدولي بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وهذه الإجراءات تقع في مجال مسؤولية الدول Responsibility.State ماذا عن الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام السوري ضد شعبه؟ من المؤكد أن النظام لا بد له من أن يحاكم أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأن يتحمل المسؤولية، أو المساءلة، عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتعذيب، والاغتصاب، والقتل، والإخفاء، وما إلى ذلك. هذه مسائل مشروعة، لكن المحكمة العسكرية الدوليةInternational Military Tribunal، التي أُنشئت لمحاكمة مجرمي ألمانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية (1945-1939) في عام 1946، لاحظت ما يلي: "الجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها الأفراد، وليس الكيانات المجردة، وعن طريق معاقبة الأفراد الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم يمكن إنفاذ أحكام القانون الدولي". إن مساءلة الأفراد عن الجرائم الدولية ومسؤولية الدول عن خرق التزاماتها الدولية مسألتان قانونيتان منفصلتان. ولم يضع القانون الدولي قواعد قانونية بشأن التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية للدول، فأساس مسؤولية الدول Responsibility State، أو مساءلتها، بموجب القانون الدولي، هو "خرق الدولة التزامًا دوليًّا عندما لا يكون فعل تلك الدولة مطابقًا لما هو مطلوب منها بموجب ذلك الالتزام، بصرف النظر عن مصدره أو طابعه". ومن ثمّ، فإنّ ما إذا كان يمكن وصف الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في سورية بأنها جرائم أو أخطاء مدنية Wrongs Civil، أمر غير أساسي؛ فالمهم هو أن كندا وهولندا تدعيان أن سورية قد أخلّت بالتزام دولي بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وأن الإخلال بالتزام دولي ينطوي على مسؤولية الدولة السورية. ولذلك، يتعين على محكمة العدل الدولية أن تقرر ما إذا كانت سورية قد أخلّت بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. أمّا مسألة نظر المحكمة في القضية التي أقامتها كندا وهولندا ضد سورية، فهي مسألة ستتوقف على شروط مقبولية الادعاء والولاية القضائية. ومن خلال المناقشة التي جرت في إطار القسم الثالث، فإنّ كندا وهولندا تستوفيان شروط المقبولية والولاية القضائية أيضًا.
رابعًا: أهمية الإجراءات القانونية ضد سورية ومحدوديتها
إن السؤال الرئيس، في هذا السياق، هو: لماذا تُعدّ خطوة كندا وهولندا تجاه المطالبة بمسؤولية الحكومة السورية خطوةً مهمة؟ بعبارة أخرى، ما التأثيرات المترتبة على هذه الخطوة؟ إن الأمر المهم الأول هنا هو أنها تذكّر هذه الحكومة بأنّ انتهاكاتها الفظيعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب أثناء الحرب الأهلية، لم تُنسَ، على الرغم من المأزق الذي وصلت إليه الجهود الدولية لإنهاء الحرب، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وغير ذلك مم يتعلق بانتهاكات القانون الدولي. ومع هذا الفشل، توجد دول راغبة في وَضْع سورية أمام مسؤوليتها الدولية عن انتهاكات التزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، ومصممة على
26 الاقتباس من: United Nations, Yearbook of the International Law Commission 2001: Report of the Commission on the General Assembly on the Work of Its Fifty-third Session , vol. 2, part 2 (New York/ Geneva: United Nations, 2007), p. 111. 27 United Nations, "Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, with Commentaries," (UN Doc, A/56/10), Article 12, in: United Nations, Yearbook of the International Law Commission 2001 , p. 54.
ذلك أيضًا. ويعني ما تقدّم مواصلة الضغط على النظام السوري، وإجباره على الوفاء بالتزاماته الدولية بموجب هذه الاتفاقية. إضافةً إلى ذلك، يُعد تحرك كندا وهولندا خطوة مهمة؛ لأنه يبقي آمال الضحايا حية؛ ذلك أنّ مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الصراع سيحاسبون في يوم من الأيام. والأمر المهمّ أيضًا أن نتيجة قرار محكمة العدل الدولية قد تتضمن أمرًا يلزم سورية باتخاذ تدابير لتعويض ضحايا أعمل التعذيب تعويضًا كافيًا، استنادًا إلى التزاماتها بموجب المادة 14 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب. وهذا يتوقف، بطبيعة الحال، على الكيفية التي ستقدم كندا وهولندا بها دفوعهم. والسبب الآخر الذي يجعل تحرك كندا وهولندا مهمًّ هو أن هذا التحرك - على النقيض من الجهود الدولية الأخرى، مثل محاولات إحالة سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية - يفلت من سلطة حق النقض لروسيا في مجلس الأمن، وهي الدولة الداعمة الرئيسة للنظام السوري، وكذلك الصين، الداعمة الخفية له أيضًا، أو الصامتة عنه. ومن ثم، إذا لم تتفاوض كندا وهولندا مع سورية، أو لم تتفقا معها على التحكيم، وقررتا إحالة المسألة إلى محكمة العدل الدولية، فإنهم ستتبعان النظام الداخلي للمحكمة في إطار ولايتها القضائية الخلافية. وهذا يضمن عرض المسألة على المحكمة والاستمع إليها علنًا. وبما أن العملية هي مبادرة من دولتين ذاتَ سيادة وكلتاهم طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فلا حاجة إلى الانتقال إلى جهاز آخر من أجهزة الأمم المتحدة الأخرى مثل مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تكون للمصالح الوطنية والجيوسياسية الأسبقية على قضايا حقوق الإنسان والعدالة. ومن الجدير بالذكر، في هذا السياق، أن هذه الخطوة لو كانت قد بدأت من خلال التمس فتوى من محكمة العدل الدولية، لكان ذلك قد تطلب قرارًا من أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة، مثل الجمعية العامة، وهذا أمرٌ من الصعب الحصول على الأصوات اللازمة له، أو من مجلس الأمن؛ حيث يمكن استخدام "الفيتو"، فضلً عن العديد من الصعوبات العملية الأخرى. وثمة بُعدٌ آخر في هذا الشأن؛ ذلك أنّ التحرك الكندي والهولندي قد يحفز النظام السوري على إجراء بعض الإصلاحات، مثل اعتمد إصلاحات دستورية وتشريعية، لجعل نظامه القانوني والقضائي أكثر امتثالً لالتزاماته بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. لقد حدث أمرٌ ممثل لهذا الأمر عندما احتجت بلجيكا بمسؤولية السنغال عن انتهاك التزاماتها بموجب هذه الاتفاقية؛ لأنها زعمت أن السنغال لم تقم بمحاكمة حبري، أو تسليمه إلى بلجيكا لمواجهة إجراءات جنائية. ولكن ما إنْ تقدمت بلجيكا بطلب لتسليم حبري حتى جرى تبادل مذكرة شفوية بالنتيجة التي طلبت بلجيكا، فيم بعد، التفاوضَ بشأنها، ثم التحكيم. وكانت بلجيكا قد زعمت أن السنغال انتهكت التزاماتها، بموجب المواد 5 (26)، و (27)، و (1)، من اتفاقية مناهضة التعذيب. ودفعت هذه الادعاءات السنغال إلى إجراء إصلاحات دستورية وتشريعية للامتثال للأحكام المذكورة في اتفاقية مناهضة التعذيب. وعندما حان وقت النظر في القضية، كانت السنغال قد أجرت إصلاحات كافية، لا سيم بموجب المادة 5 (2) من هذه الاتفاقية؛ ولهذا رأت محكمة العدل الدولية في قضية بلجيكا ضد السنغال، أنها "تفتقر إلى الولاية القضائية للبت في مطالبة بلجيكا المتعلقة بالالتزام بموجب الفقرة (2) من المادة ")5(.
28 Ibid. note 10, pp 442–443, para 48.
قد تتعرض الخطوة الكندية والهولندية للانتقاد بسبب محدوديتها. فأولً، قد يزعم بعضهم أن محكمة العدل الدولية حتى لو وجدت، في نهاية المطاف، أن سورية انتهكت التزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، فإن هذا الحكم أو القرار لن يُنفذ عمليًّا. وقد تتجاهل سورية الحكم وتواصل انتهاكاتها المعتادة. ولا شك في أن المناقشة التفصيلية للمشكلات المرتبطة بإنفاذ أحكام محكمة العدل الدولية تتجاوز نطاق هذه الورقة، لكن هذه المشكلة حظيت بقدر كبير من اهتمم الباحثين. فعلى سبيل المثال، اضطلع مطلق ماجد القحطاني بما سأعتبره شرحًا شاملً ل "مشكلة عدم الامتثال للقرار القضائي الصادر عن محكمة العدل الدولية وإنفاذه". وفي عام 2018، لاحظ أبيودون أمودا–كانيكي، وسيلفانوس أبيلا أيضًا، أنه من الصعب جدًّا إنفاذ قرارات محكمة العدل الدولية. ويلاحظ كل من القحطاني وأمودا -كانيكي وأبيلا أنه من الممكن إنفاذ قرار محكمة العدل الدولية من خلال أجهزة أخرى تابعة للأمم المتحدة؛ مثل مجلس الأمن، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت إطار الاتحاد "من أجل حل السلام" Resolution Peace for Uniting. ولكنهم أشاروا إلى أن ذلك لن يحل المشكلة على نحو تامّ؛ إذ تبقى إمكانية إنفاذ قرارات المحكمة الدولية من خلال هذه الأجهزة غير كافية، لأنّ إمكانية استعمل حق "الفيتو" من الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس تظل محتملة. وعلى هذا، يبدو أن المادة 94 (2) من ميثاق الأمم المتحدة، على سبيل المثال، تقدّم معالجةً لتنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية من خلال مجلس الأمن، وتبقى المشكلة في إنفاذ أحكام محكمة العدل الدولية من خلال هذا المجلس متمثلة بأنه من المحتمل ألا يتمّ تمرير قرار مثل هذا القرار بسبب حق النقض. وفي قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، على سبيل المثال، رفضت الولايات المتحدة الامتثال لحكم محكمة العدل الدولية الذي طلبت فيه نيكاراغوا تدخّل مجلس الأمن ل "النظر في عدم الامتثال لحكم محكمة العدل الدولية المؤرخ في 27 حزيران/ يونيو "1987، ومن ثمّ اعترضت الولايات المتحدة هذا القرار. وبالمثل، من المرجح أن تقوم روسيا باستخدام حق النقض ضد أيّ قرار لمجلس الأمن يسعى إلى إنفاذ حكمٍ ضد سورية، إذا أيدت محكمة العدل الدولية كندا وهولندا وأصدرت أوامر تطالب سورية بالامتثال لالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. لذلك، يوصي أمودا-كانيكي وأبيلا بأنه من المستحسن أن توجد قيود على استخدام حق النقض بشأن قرارات محكمة العدل الدولية، وذلك لإعطاء قراراتها الاحترام وقوة التنفيذ اللازمين؛ من أجل إنفاذ قراراتها، والابتعاد عن المصالح السياسية للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ومن القيود المحتملة الأخرى لتحرك كندا وهولندا أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة إلى أي جهد يبحث عن حلول للحرب الأهلية السورية، لأن أيّ جهد كان قد يفسره النظام السوري بأنه أداة لتشديد الضغوط عليه؛ ما قد يؤدي إلى تعزيز تمسكه بالسلطة بأي ثمن، وتعزيز دعم مؤيديه له، مثل روسيا المتورطة أيضًا في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سورية.
29 Mutlaq Majed Al-Qahtani, "Enforcement of International Judicial Decisions of the International Court of Justice In public international Law," PhD. Dissertation, University of Glasgow, Glasgow, 2003, p. 4, accessed on 21/4/2022, at: https://bit.ly/3vxUF7Y 30 Abiodun Amuda-Kannike & Sylvanus Abila, "A Critical Examination of the Enforcement of ICJ Decisions Through the Organs of the United Nations," Journal of Law and Criminal Justice, vol. 6, no. 1 (June 2018), p. 21. 31 United Nations, Letter Dated 17 October 1986 from the Permanent Representative of Nicaragua to the United Nations Addressed to the President of the Security Council , 17/10/1986, Doc. S/18415. 32 Ibid. 33 Amuda-Kannike & Sylvanus Abila, pp. 31-46.
خلاصة
الاستنتاج الرئيس لهذه الورقة هو أن خطوة كندا وهولندا تستهدف مساءلة الحكومة السورية عن مسؤوليتها عن الإخلال بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. وهذا يقع على نحو صحيح ضمن قانون مسؤولية الدول. وقد أوضحت الورقة أنه لا ينبغي الخلط بين هذا الأمر وبين العمليات التي قد تجري بموجب نظام روما الأساسي، والتي تسعى إلى معاقبة الأفراد الذين يرتكبون جرائم ضد القانون الدولي؛ مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والجرائم ضد أهداف الأمم المتحدة. وبما أن هذه الخطوة الكندية - الهولندية تركز على مسؤولية الدولة، ولا تركز على مسؤولية أفراد محددين، فإنها يمكن أن تمثّل حافزًا للنظام للقيام بإصلاحات دستورية وتشريعية في سورية على نحو يتفق مع التزامها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. وإضافة إلى ذلك، أوضحت الورقة أن مركز الدولة بوصفها طرفًا في هذه الاتفاقية، أو أي اتفاقية أخرى، يكفي لإعطائها الحق اللازم في اتخاذ إجراء قانوني ضد دولة طرفٍ أخرى تنتهك التزاماتها بموجب ذلك الصك. ولذلك، فإن كندا وهولندا، بوصفهم دولتين طرفين في اتفاقية مناهضة التعذيب، لهم الأهلية القانونية للتوجه إلى محكمة العدل الدولية؛ من أجل اتخاذ إجراءات ضد سورية بسبب إخلالها بالتزاماتها بموجب الاتفاقية نفسها.
المراجع
References
العربية
منظمة العفو الدولية. المسلخ البشري: عمليات الشنق الجمعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا. 24 2017/5415/MDE:. في https://bit.ly/3xJ3pL9 هيومن رايتس ووتش. لو تكلم الموتى: الوفيات الجمعية والتعذيب في المعتقلات السورية..2015/12/16 ف:ي https://bit.ly/3rHo8LA
الأجنبية
Al-Qahtani, Mutlaq Majed. "Enforcement of International Judicial Decisions of the International Court of Justice in public International Law." PhD. Dissertation. University of Glasgow. Glasgow. 2003. at: https://bit.ly/3vxUF7Y Amuda-Kannike, Abiodun & Sylvanus Abila. "A Critical Examination of the Enforcement of ICJ Decisions Through the Organs of the United Nations." Journal of Law and Criminal Justice. vol. 6. no. 1 (June 2018). Global Affairs Canada. Joint Statement of Canada and the Kingdom of the Netherlands Regarding their Cooperation in Holding Syria to Account. Ottawa: 12/3/2021. at: https://bit.ly/3jXn5mj Hinnebusch, Raymond & Omar Imady (eds.). The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory. London/ New York: Routledge, 2018. International Court of Justice. Reparation for Injuries Suffered in the Service of the United Nations. Advisory Opinion. I.C.J. Reports 1949. ________. Barcelona Traction, Light and Power Company. Limited. Judgment. I.C.J. Reports 1970. ________. Armed Activities on the Territory of the Congo (New Application: 2002) (Democratic Republic of the Congo V. Rwanda), Jurisdiction and Admissibility. Judgment. I.C.J. Reports 2006. ________. Application of the International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination (Georgia V. Russian Federation). Preliminary Objection. Judgment. I.C.J. Reports 2011. ________. Questions Relating to the Obligations to Prosecute or Extradite (Belgium v. Senegal). Judgment. I.C.J. Reports 2012.
United Nations. Letter Dated 17 October 1986 from the Permanent Representative of Nicaragua to the United Nations Addressed to the President of the Security Council. 17/10/1986. Doc. S/18415. ________. Yearbook of the International Law Commission 2001: Report of the Commission on the General Assembly on the Work of Its Fifty-third Session. vol. 2. part 2. New York/ Geneva: United Nations, 2007. ________. Human Rights Council. Seventeenth Special Session, Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic. (November 23, 2011) at: https://bit.ly/3xOgsLv ________. Human Rights Instruments. Convention Against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment. Article 30 (1). 1465 UNTS 85, at 120. at: https://bit.ly/3xL4gLe