Return to Article Details MENA Confronting the Pandemic: State and Non-state Responses from Comparative Perspectives

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مواجهة الجائحة: استجابات الدول والفاعلين غير الدول من منظورات مقارنة

MENA Confronting the Pandemic: State and Non-state Responses from Comparative Perspectives

محمد حمشي | Mohammed Hemchi

الملخّص

"MENA and Covid19: State and Societal Responses" عنوان الملف في لغته: عنوان الملف: "منطقة الشرق الأوسط وجائحة كورونا: الاستجابات الدولتية والمجتمعية". المحرر: باسل صلّوخ.

مج 14، العدد.1 تاريخ النشر:.2022

الناشر: دورية القانون والحوكمة في الشرق الأوسطGovernance and Law East Middle، ملف خاص،

Abstract

This is a review for a special issue published by Middle East Law and Governance , which examines the varied ways in which states and non-state actors in the Middle East and North Africa responded to the pandemic. It highlights how financial and socioeconomic crises, along with weak institutional capacities, exacerbated the pandemic’s impact on state and society in the region, while also shaping the responses of both state and non-state actors. The issue includes nine studies that analyze these differences through a comparative approach and diverse methodological perspectives, both qualitative and quantitative. The studies were authored by Arab and non-Arab researchers specializing in the region, representing a wide range of academic backgrounds, including political science, international relations, public policy, sociology, economics, applied statistics, philosophy, and the social and legal sciences.

الكلمات المفتاحية:
  • كوفيد-19
  • الاستجابة
  • دورية القانون والحوكمة في الشرق الأوسط
  • الفاعلين من غير الدول
  • الشرق الأوسط
  • شمال أفريقيا
Keywords:
  • Middle East Law and Governance
  • Covid-19

استجابات الدول والفاعلين من غير الدول من منظورات مقارنة MENA Confronting the Pandemic: State and Non-state Responses from Comparative Perspectives

Researcher at the Arab Centre for Research and policy Studies. Email: mhemchi@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

بعد مرور سنتين ونيف على ظهور وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) ثم تحوّله بسرعة رهيبة إلى جائحة عالمية منذ ربيع 2020، لا تزال استجابات البلدان وسياسات مواجهتها موضوعًا مثيرًا للبحث والنقاش، وحُقَّ له أنه يكون كذلك، خاصة مع المتحورات المتعاقبة التي عرفتها النسخة الأولى للفيروس، وهو اعتقادٌ بات سائدًا الآن مفاده أنّ سجل الأوبئة والجوائح الفاشية لن يُطْوَ بمجرد انحسار جائحة كورونا، وأن الأسباب التي يمكن أن تؤدي مستقبلً إلى تفشي نظيراتٍ لها تظل ماثلة. ففي عام 2005، نشرت مجلة فورين بوليسي Foreign Policy ملفًا خاصًّا، في شكل نداء من أجل التصرف action for call A، بعنوان "الوباء القادم؟"، وقد شدّد محرر الملف على تحذيرات موظفي منظمة الصحة العالمية من "أن فيروس إنفلونزا الطيور القاتل قد ينتشر مجددًا انتشارًا سريعًا، ما سيؤدي إلى إرباك الأنظمة الصحية غير المستعدة له في البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء"، مثلم شدّد على القلق الذي أبداه الخبراء "من عدم كفاية الخطط الوطنية والدولية للتعامل مع مثل هذا الوباء". وقد بيَّنت تجربة جائحة كورونا كيف تبدَّد هذا النداء، وغيرُه، مثل الصدى في الفلاة، من دون أن يجد له آذانًا صاغية، لا في الدول الغنية ولا في الدول الفقيرة، عدا بعض الدول الآسيوية التي كانت لها تجربة مريرة مع وباء سارس SARS عام 2003 نتها من احتواء الوباء بأقل الخسائر، لكن مكّ بالتأكيد ليس بأقل التكاليف. لقد ركز أغلب ما نشُر عن استجابات منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا على الجوانب السياساتية Policy، ذات الطابع الحكومي في المقام الأول، وشمل ذلك عددًا من التقارير وأوراق تحليل السياسات التي لا يتسع نطاق هذه المراجعة لفحصها جميعًا. في المقابل، ظلت الجوانب السياسية Politics غير مطروقة بصورة وافية؛ ومن ذلك الأدوار التي أدَّاها الفاعلون من غير الدول في المنطقة. وهذا مجالٌ لا يزال في حاجة ماسة إلى المزيد من الأبحاث المعمقة. في هذا السياق، خصصت دورية القانون والحوكمة في الشرق الأوسط Middle East Law and Governance ملفًا خاصًا يستكشف التباين في الطرائق التي تعاملت بها الدول والفاعلون من غير الدول مع الجائحة في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، وكيف ساهمت الأزمات المالية والسوسيو - اقتصادية وضعفُ القدرات المؤسسية في تفاقم تأثير الجائحة في الدولة والمجتمع في المنطقة من ناحية، وفي تشكيل استجابات الدول والفاعلين من غير الدول من ناحية أخرى. وقد ضم العدد تسع دراسات تتناول هذا التباين اعتمدًا على مقاربة مقارنة ومن منظورات منهجية مختلفة، كيفية

"Editor's Note," Foreign Affairs , vol. 84, no. 4 (July-August 2005), p. 2. ينظر: محمد حمشي، "عن إمكانية التنبؤ زمن جائحة كورونا: تأملات من علم التعقد"، تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/6/22، شوهد في 2022/4/6، في: https://bit.ly/3NUuKzx ينظر على سبيل المثال: "وباء فيروس كورونا المستجد: نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي"، تقرير، رقم 2، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (نيسان/ أبريل 2020)، شوهد في 2022/4/6، في: https://bit.ly/3MTYc8o؛ وقد نشرت وحدة الدراسات السياسية، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عددًا من الأوراق يقدّم جلُّها قراءة تحليلية في الإجراءات والتدابير المختلفة التي اتخذتها الدول والحكومات حول العالم ردًا على التحدي الذي مثّلته الجائحة، وتستشرف تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية والعالم. ينظر: "أوراق جائحة كورونا (كوفيد 19-) وتداعياتها"، ملفات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (أيلول/ سبتمبر 2020)، شوهد في 2022/4/6، في: https://bit.ly/3IaplAx Bassel F. Salloukh, "Introduction to Covid-19 MELG Special Issue," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2022), p. 1. نستثني من هذه المراجعة آخر دراسة ضمّها الملف عن تركيا، وسنكتفي بمراجعة الأوراق التي تناولت بالدراسة البلدان العربية.

وكمية. وأعدَّ هذه الدراسات باحثون عربٌ وغيرُ عرب مختصون في دراسة المنطقة، وذوو خلفيات أكاديمية متعددة، من العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إلى السياسات العامة وعلم الاجتمع، إلى الاقتصاد والإحصاء التطبيقي، إلى الفلسفة والعلوم الاجتمعية والقانونية.

أولً: هل من أفضلية للأوتوقراطيات في الحد من تفيش الجائحة؟

يقدّم كيفن كوهلر وجونا شولهوفر-فول دراسة كمية عن التباين في استجابات الأنظمة للجائحة عبر بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. يميز الباحثان بين التكاليف المباشرة المرتبطة بالتصرف فورًا وبصورة حاسمة والتكاليف البعيدة المدى المرتبطة بفقدان السيطرة على تفشي الجائحة والتي من المحتمل أن تتراكم على المدى الطويل؛ ومن ثم يجادلان بأن القادة الذين لا يشكل احتواء الجائحة حافزًا لديهم من أجل البقاء في السلطة يتأخرون في تطبيق إغلاق كلّ صارم، مقارنة بالقادة المنشغلين بالرغبة في البقاء في السلطة. وليثبتا هذه الحجة، اعتمدا على قاعدة بيانات نظام أوكسفورد لتعقب الاستجابات الحكومية لجائحة (كوفيد 19-) OxCGRT، فضلً عن بيانات خاصة بهم بشأن توقيت إغلاق المساجد والشروع في إجراءات الإغلاق. تركز دراسة كوهلر وشولهوفر-فول على حالة مصر. وتحاول تفسير ما سمه صلّوخ "الحالة الغريبة" التي مثّلتها مصر في المنطقة، حيث "لا إغلاق ولا إلزام بارتداء الكممات، ولا تدابير للتباعد الاجتمعي، في حين انشغلت الأجهزة الأمنية بقمع المبلغين عن أعداد الضحايا أو احتجاجات الكوادر الطبية " بشأن سوء ظروف العمل وشحّ التجهيزات الطبية. يحاجّ كوهلر وشولهوفر-فول، استنادًا إلى متغير التحالفات الحاكمة Coalitions Winning، بأنّ هذه الاستجابة تعكس التحالف الضيّق بين النظام الحاكم والقوات المسلحة، مشيرًا إلى أن لجنة إدارة أزمة كورونا التي شكّلها الوزير الأول تبنّت مقاربة أمنية في الأساسSecurity-driven، رغم الوعود التي قطعها الرئيس عبد الفتاح السيسي لإصلاح القطاع الصحي. يقدم الباحثان مدخلً نظريًا يراجع فيه ما بات يسمى فرضية "الأفضلية الأوتوقراطية"، التي تقول إن الأنظمة الأوتوقراطية، التي تحكم بيد من حديد، أفضل من الأنظمة الديمقراطية لمّا يتعلق الأمر بالاستجابة لتفشي الأوبئة. والمثال التقليدي الذي سلب اهتمم الباحثين هو الصين. غير أنهم يجادلان بأن هذه الفرضية ليست صحيحة على الدوام؛ ففي حين أن هذه الأنظمة تحوز فعلً أدوات القوة الكافية، خاصة القوة القسرية، لفرض القيود بصورة سريعة وفعالة، فهي لا تملك جميعها الحافز الكافي لجعلها تقوم بذلك. وخلافًا للسياسيين في الأنظمة الديمقراطية، يرجح أن القادة في الأنظمة الأوتوقراطية يعتبرون تجنب التكاليف قصيرة المدى أولويةً على صحة السكان باعتبارها صالحًا عامًا. ويتباين هذا الأثر بحسب حجم التحالفات التي تقوم عليها الأوتوقراطيات، إذ كلم كان التحالف أصغر تقلّص احتمل أن يهتم القادة بالصحة العامة. يحاجّ الباحثان بأن فرضية "الأفضلية الأوتوقراطية" لا تنطبق على إجراءات احتواء الجائحة في بلدان الشرق الأوسط

Kevin Koehler & Jonah Schulhofer-Wohl, "Governing the covid-19 Pandemic in the Middle East and North Africa: Containment Measures as a Public Good," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021). في نهاية آذار/ مارس 2020، قررت السلطات المصرية حرمان أحد مراسلي صحيفة الغارديانمن رخصته وإجباره على مغادرة البلاد بسبب نشره تقريرًا يشكك في الأرقام الرسمية التي تقدّمها السلطات. 7 Salloukh, p. 2.

وشمل أفريقيا؛ فرغم أن الأنظمة في المنطقة تقوم على تحالفات ضيقة، فقد تصرفت بصورة بطيئة لتطبيق الإجراءات الصحية من أجل الحدّ من تفشي الجائحة. يخلص كوهلر وشولهوفر-فول، بعد تحليل بيانات الشق الكمي من الدراسة، إلى أن الاستجابة للجائحة لا تتعلق بالقدرات بقدر ما ترتبط بالحوافز السياسية للحكومات؛ إذ كلم كانت لدى الحكومة حوافز سياسية لتوفير الصالح العام لشعوبها بدلً من الانشغال بالمصالح الخاصة لمجموعة صغيرة من مؤيديها، زاد احتمل تصرفها بسرعةٍ وبحسمٍ لمنع انتشار الجائحة. هذه النتيجة مثيرة للاهتمم وتبيّ بالفعل حدود فرضية "الأفضلية الأوتوقراطية" التي ينطلق منها الباحثان؛ ورغم أنهم يقرّان بأن دراستهم لا تفحص فاعلية تدابير الاحتواء، بل تكتفي بفحص التباين في سرعة فرضها من جانب الحكومات، فإنهم يفترضان أن التباين في الفاعلية قد يكون مرتبطًا بالتباين في القدرات والإرادة السياسية لدى الحكومات، لكن سرعة التصرف مستقلة تمامًا عن ذلك. لدى الحكومات الأوتوقراطية حسابات سياسية تأخذها في الاعتبار لمّا يتعلق الأمر بفرض تدابير الاحتواء، مثل إغلاق المساجد أو فرض إغلاقٍ كلّ خلال فترة النهار أو وقف حركة النقل العام؛ لذلك، رغم حيازتها القدرة على التصرف السريع والحاسم لفرض هذه التدابير، مقارنة بالحكومات الديمقراطية، تتأخر في ذلك بسبب المخاوف من التكاليف السياسية والقيود التي تفرضها التحالفات الداعمة لتلك الحكومات، والتي بلا شك يغلب اهتممُها بمصالحها الخاصة انشغالَ الحكومات بالصالح العام، وهو ما تبيّنه الحالة المصرية أفضل بيان. غير بعيد عن هذا السياق، يتناول ممدوح شومان وعبد العزيز القباع حالة المملكة العربية السعودية لاختبار قدرة الدولة على الاستجابة لتفشي الجائحة. وهم ينطلقان من الافتراض أن مسؤولية التعامل مع الجائحة تقع على كاهل حكومات الدول. ما دام نطاق تفشي الجائحة لم يستثن دولة واحدة في العالم، مع التباين الشديد في درجة الانتشار من دولة إلى أخرى، وفي نجاح السياسات الحكومية في التخفيف من حدة تداعياتها في أبعادها المختلفة، فقد لجأ شومان والقباع، في دراستهم الكمية أيضًا، إلى التركيز على قياس قدرة الدولة State Capacity، مُعرَّفةً بأنها القدرة على تنفيذ السياسات التي تبادل بها الدولة.State-initiated Policies تأتي دراسة حالة المملكة العربية السعودية في سياق الاهتمم بالتحقق ما إذا كانت الدول التسلطية (مع النسبة العالية من المركزية التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة) أشد قدرة على تنفيذ السياسات مقارنة بالدول الديمقراطية. ومن خلال الدراسة، يخلص الباحثان إلى أن المملكة، خلافًا لما هو متوقع، كانت في حاجة إلى موارد أكبر من أجل تنفيذ سياسة حظر التجوال أثناء تفشي الجائحة، رغم نمط حكمها المركزي، ورغم نفوذ الدولة الديني الذي يعزز الاعتقاد السائد بأن جعل المواطنين يذعنون لسياسات الدولة يتطلب

يحيل الباحثان على جملة من الإجراءات التي تندرج ضمن مصطلح "الإغلاق"، وهي: إغلاق المدارس، وإلزام الناس بالعمل من المنازل، وإلغاء التظاهرات، وتقييد التجمعات، وإغلاق وسائل النقل العام، وإلزام السكان بالبقاء في المنازل، وتقييد الحركة، وإغلاق المساجد. Mamdouh A. Shouman & Abdulaziz S. Alkabaa, "Testing Saudi State Capacity: A Study to Investigate How the Government Responded to the covid-19 Pandemic," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 62-80. 10 نحافظ على المصطلحات نفسها كما وردت في الدراسات كلٌّ على حدة، من دون تمييز بين التسلطية والأوتوقراطية. 11 بل يذهب الباحثان إلى أن المملكة لم تشهد لهذا المستوى من المركزية مثيلً باستثناء فترة حكم الملك فيصل.)1975-1964(

موارد أقل. على كل حال، يقدم شومان والقباع مراجعة جيدة للأدبيات التي تناولت العلاقة السببية بين المركزية/ اللامركزية وقدرة الدولة على تنفيذ السياسات، وهي تبين وجود تباين شديد يجعل التعميم بعيد المنال، بل غير مجدٍ لتصميم السياسات، سواء من حيث التحليل أو من حيث صوغ التوصيات. فيم يتعلق بالفرضية الثانية التي سعى الباحثان لاختبارها (الإصابات بكوفيد 19 تتباين بحسب المدن)، يخلص شومان والبقاع إلى أن النتائج تفند الافتراض القائل إن المدن الأكثر تجهيزًا، حيث تتمركز المرافق والموارد الحكومية، ستشهد عددًا أقل من الإصابات؛ إذ تبيّ أن مدينتَي الرياض وجدّة كان لهم النصيب الأكبر من نسب الإصابات، مقارنة بالمدن الأصغر. ولا يعود ذلك إلى الكثافة السكانية فحسب، لكنه يعود أيضًا إلى أن عمليات الإغلاق أدت إلى اكتظاظ هائل في تجمعات العملة الوافدة التي لا تتوافق مع معايير الإيواء الملائمة لأهدف الحد من انتشار الأمراض المتنقلة بالعدوى. أخيرًا، يخلص الباحثان إلى أن إذعان المواطنين لسياسة الاستجابة لتفشي الجائحة، والتلقيح الإلزامي لاحقًا، يعتمد أكثر على مصدر التوعية، إذا ما كان المؤسسة العلمية التقليدية أم غير التقليدية. ويرجحان أن الجائحة ينبغي أن يجري التعامل معها في إطار المؤسسة التقليدية، القائمة على التعليم الديني، لتحصيل إذعان المواطنين.

ثانيًا: الدول الفاشلة والجائحة

يفحص مجموعة من الباحثين، هم دانيال حبيب ونائلة إلمور وسيث غولاس وناثان روده ودانييل ماثيو ونيكولاس بارنتي، العلاقةَ بين فشل الدولة وأنماط سياسات مواجهة تفشي الجائحة التي جرى تنفيذها في منطقة الشرق الأوسط، وذلك باستخدام تحليل قائم على الثنائيات Analysis Dyadic للبيانات التي جرى جمعها من قاعدتي نظام أوكسفورد لتعقب الاستجابات الحكومية لجائحة (كوفيد 19-) والمسح العالمي لأعراض (كوفيد 19-) Survey Symptom World COVID-19. يستند حبيب وزملاؤه أيضًا إلى قاعدة بيانات الاستجابات الحكومية Net Corona، ويقسمون السياسات التي اعتمدتها البلدان المدروسة، من منطقة الشرق الأوسط، مجمعةً بصورة ثنائية إلى سياسات قائمة على التقييد Restrictive وسياسات قائمة على الموارد Resource-oriented. يتناول حبيب وزملاؤه عشر حالات جرى انتقاؤها بناءً على مؤشر الدول الفاشلة، هي: أفغانستان ومصر والعراق ولبنان وسورية واليمن بوصفها دولً فاشلة، والكويت وعمن وقطر والإمارات العربية المتحدة بوصفها دولً قوية. وبناء على التحليل المقارن، يخلص الباحثون إلى أن الدول الفاشلة تميل إلى تبني نسبة أكبر من السياسات القائمة على التقييد، مع تشدد حكومي أقل صرامة وفاعلية، ومن ثم امتثال أقلَّ من المواطنين، مقارنة بنظيراتها من الدول القوية.

12 تتفق هذه النتيجة إلى حد ما مع دراسة أجراها أكسل كورنرت عن سياسة إغلاق المدارس، حيث فنّد الاعتقاد السائد بأن مركزية السلطة في الدول التسلطية وغياب القيود المؤسسية على صنع القرار قد تجعلها قادرة على إغلاق المدارس في وقت أبكر نسبيًا، مقارنة بالدول الديمقراطية حيث تكون السلطة أقل مركزية إن لم تكن لامركزية بالكامل، وعملية صنع القرار فيها خاضعة للقيود المؤسسية. وخلص إلى أن الحكومات الديمقراطية كانت أسرع من الحكومات التسلطية في اتخاذ قرار بإغلاق المدارس. ينظر: Axel Cronert, "Democracy, State Capacity, and covid-19 Related School Closures,"  Working Paper , APSA Preprints (2020), accessed on 6/4/2022, at: https://bit.ly/3JcImU6 13 Daniel Habib et al., "Dyadic Analysis of Fragile Middle Eastern States and Humanitarian Implications of Restrictive Covid-19 Policies," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 26-61. 14 يستهدف التحليل الثنائيات التالية، وهي ثنائيات تزاوج بين دول فاشلة ودول قوية: سلطنة عمان واليمن، قطر ولبنان، الإمارات العربية المتحدة والعراق، فضلً عن بقية الدول التي جرى تحليلها فرادى.

تحدّ السياسات القائمة على التقييد من الحريات، أو ما هو مسموح به في العادة من حركة وتجارة وأعمل وتعليم وغيره، في حين تتميز السياسات القائمة على الموارد بإنتاج أو إعادة توزيع السلع والخدمات، مثل المتابعة الصحية وإجراء الفحوصات والتوعية العامة. ومن الواضح أن الدول التي تعاني أزمات اقتصادية أو أمنية، في المقام الأول، أو سياسية، أن تحشد الموارد الكافية التي تمكنها من سن سياسات قائمة على الموارد. وبطبيعة الحال، يُعَدُّ تفشي الأوبئة، خاصة إذا ما تحوّلت إلى جائحة على غرار جائحة كورونا، أزمة متعددة الأبعاد ومعقدة التداعيات؛ فإذا ما كانت الدولة تعاني أزمات بنيوية سابقة على تفشي الجائحة، لا يمكنها سنّ سياسات قائمة على الموارد، فضلً عن تنفيذها بفاعلية. مع ذلك، يشدد الباحثون على أن السياسات في عمومها جزءٌ حيوي من التزام الحكومات بمسؤوليتها عن حمية مواطنيها وضمن رفاهيتهم. وسواء أكانت قائمة على التقييد أم على الموارد، فهي في جوهرها سياسات أخلاقية إذا لم تنتهك الكرامة الإنسانية للمواطنين أو لم تكن أداة لأجندة سياسية. ورغم أن السياسات القائمة على التقييد قد تحيل إلى تاريخ طويل من القمع الذي تمارسه الدولة ضد مواطنيها، فإنّ ذلك لا يعني رفض القيود التي تنطوي على انتهاك للحقوق إذا ما كان الغرض منها هو الحدّ من تفشي الأمراض والأوبئة. وهكذا يرفض الباحثون المقولة التي مفادها أنّ السياسات القائمة على الموارد هي النظير "الجيد" للسياسات "السيئة" القائمة على التقييد. ويخلصون إلى التوصية بأن الاستجابات الحكومية الفعالة، في حالات تفشي الأوبئة، هي تلك التي توازن بين السياسات القائمة على التقييد والقائمة على الموارد. إضافة إلى ذلك، ومن منظور إقليمي، يوصي الباحثون حكومات الدول القوية بضرورة الوعي بالأبعاد السياسية المحتملة للسياسات القائمة على التقييد التي تعتمدها حكومات الدول الفاشلة في الإقليم، وهي بالتأكيد أبعاد لها عواقب عابرة للحدود وتؤثر في المنطقة برمّتها. لذلك، ينبغي لها أن تعمل على تسهيل التحول نحو تنفيذ سياسات قائمة على الموارد في الدول التي تفتقر إلى القوة السياسية والاقتصادية للقيام بذلك بمفردها. وهذا لن يفيد الدول الفاشلة المعنية فحسب، بل سيساهم أيضًا في استقرار المنطقة بأكملها. وما من شك في أن هذا النوع من الدراسات السياساتية ستكون له فوائد جمة في توجيه المساعدات الدولية، كتلك التي تقدّمها الدول غير الفاشلة (القوية) في المنطقة لتوفير الدعم الطبي والمالي للدول الفاشلة في جوارها؛ وذلك من خلال تحديد القطاعات والسياسات التي ينبغي أن تعتني بها تلك المساعدات للحدّ من تفشي الأوبئة وللتغلب على تداعياتها اللاحقة، بعيدًا عن النمط التقليدي للمساعدات الذي يستهدف مناطق النزاعات المسلحة والأنظمة الاقتصادية والمالية الهشة.

ثالثًا: لبنان وقطاع غزة: تطييف الجائحة وتسييسها

في دراسة بعنوان "'نحن نخوض معركة ضد الفيروس': حمس وحزب الله وجائحة كورونا"، يقارن عبد الهادي العِجلة بين استجابة حركة المقاومة الإسلامية "حمس"، في فلسطين، و"حزب الله"، في لبنان، بوصفهم فاعلين من غير الدول. ويحاجّ بأن الاستراتيجية التي وظفها كلَ الفاعلين تقوم على المقاربة للفيروس باعتباره عدوًّا يتطلب حشد الموارد والأفراد بما في ذلك المقاتلون ليكونوا جزءًا من "حربهم" على الجائحة. كم يحاجّ العِجلة بأن الفاعلين من غير الدول غالبًا ما يقلدون الدول في سعيها لاستغلال الحالة الوبائية من أجل

15 Abdalhadi Alijla, "'We are in a Battle with the Virus': Hamas, Hezbollah, and covid-19," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 101-113.

اكتساب المزيد من الشرعية، سواء الداخلية أو الخارجية. لذلك، يمكن القول إن فيروس كورونا كان موضوعًا للتطييف Sectarianization والتسييس Politicization، إذ استُخدم على نطاق واسع في تعزيز الشرعية الخارجية في حالة حركة حمس، والشرعية المحلية في حالة حزب الله. ويفترض الباحث أن الفضل في نجاح استجابة كليهم لتفشي الجائحة يعود إلى عاملين أساسيين: وجودُ نظام رعايةٍ اجتمعية قائمٍ سلفًا ومتطور للغاية، وقدرتُهم على التعبئة الجمعية من خلال القيادة الكاريزمية. مع أن منطلق المقارنة بين الحالتين يظل قويًّا، وفي إمكانها أن تقدم لنا نتائج جيدة في حال لو ركزت أكثر على أوجه التشابه بين استجابتي حركة حمس وحزب الله بوصفهم فاعلين لا يمثلان دولة قائمة في حد ذاتها. لكن أوجه الاختلاف الحادة بين الحالتين لا يمكن تجاهلها، حتى فيم يتعلق بمدى وجود نظام رعاية اجتمعية، سواء وصف بالقائم سلفًا أو بالمتطور للغاية، فضلً عن قدرة قيادات الفاعليْ على التعبئة الجمعية في ظل اللايقين والفوضى التي أعقبت تفشي الجائحة. ففي حين يحتكر حزب الله السيادة على الإقليم الذي يسيطر عليه (وقدرته على الفعل يستمدها أيضًا من دوره السياسي)، لا يتوافر ذلك لدى حركة حمس، بسبب الاحتلال والحصار من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب وجود فاعلين آخرين في قطاع غزة، أقل قوة منها لكنهم ينازعونها ولاء الناس وامتثالهم. وبكل تأكيد، يمكن المحاجة أيضًا بأن حدة النزعة لإضفاء الطابع الطائفي على الأشياء في سلوك حركة حمس أقل منها في سلوك حزب الله. في السياق نفسه، تضمّن الملف الخاص دراسة أعدها فريق من الباحثين اللبنانيين، هم منى حرب وأحمد غربية ومنى فواز ولونا دايخ. تقع هذه الدراسة أيضًا ضمن نطاق البحث في استجابات الفاعلين من الدول وغير الدول، مع التركيز على حالة لبنان، التي تعدّ بالفعل مختبرًا ثريًا لهذا النوع من الأبحاث. على خلاف العديد من الدول التي انتهزت جائحةَ كورونا فرصةً لإعادة فرض سلطتها وتعزيز أجهزتها الشرطية والقمعية؛ يبدو لبنان بعيدًا عن هذا الاتجاه. إذ تخلص حرب وزملاؤها إلى أن إدارة أزمة الجائحة في هذا البلد لم تؤد إلى مجرد إعادة إنتاج النظام السياسي الطائفي فحسب، بل تكشف أيضًا عن توترات بين الأحزاب السياسية القوية، والهيئات الحكومية الضعيفة، فضلً عن مجموعات التضامن المتعددة، التي تتباين تطلعاتها وتصوراتها بشأن مستقبل البلاد. تعتمد حرب وزملاؤها على قاعدة بيانات تتضمن مصادر مختلفة (كالمواد الإذاعية والمواد الإخبارية المطبوعة والإلكترونية، ومحتوى وسائط التواصل الاجتمعي)، ثم تصنف الفاعلين والإجراءات التي اتخذوها بحسب المواقع المكانية التي يحتلونها. وأخيرًا يحلل الباحثون التباين في طرائق إدارة الوباء، بحسب معيار الموقع السياسي والمكاني لكل فاعل. وبذلك، يسعى الباحثون إلى تتبع كيف استخدمت الأحزاب الطائفية الجائحةَ سلاحًا لإعادة تشديد سيطرتها على المناطق السياسية الطائفية بعد احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019. مع ذلك، فهم يؤكدون أن هذا التوظيف نادرًا ما يمر من دون سجال. إحصائيًا، تخلص حرب وزملاؤها إلى أن ثلث الاستجابات المدروسة، التي أبداها 538 فاعلًاتخذوا إجراءاتٍ لمواجهة الجائحة خلال الفترة من آذار/ مارس إلى تموز/ يوليو 2020، كان

16 عن الاستجابة للجائحة في قطاع غزة، ينظر: "The Gaza Strip and COVID-19: Preparing for the Worst,"  Briefing no. 75, International Crisis Group (April 2020), accessed on 6/4/2022, at: https://bit.ly/3q1olIt 17 Mona Harb et al., "Mapping Covid-19 Governance in Lebanon: Territories of Sectarianism and Solidarity," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 81-100.

مصدرها فاعلون غير طائفيين، مثل المنظمت غير الحكومية، والمنظمت الدولية غير الحكومية، والتجمعات والحملات والجامعات والفاعلين الخواص. قد لا تتطابق قدرات هؤلاء الفاعلين غير الطائفيين تمامًا مع قدرات الفاعلين الطائفيين، لكنها مع ذلك تعدّ بمنزلة "المعارك الصغيرة ضمن حرب ممتدة" ليس على الجغرافيات المتداخلة طائفيًا فحسب، بل على إنتاج بدائل مادية وغير مادية للنظام الطائفي برمّته. يعود الفضل في تطوير مفهوم "المعارك الصغيرة" التي يخوضها الفاعلون غير الطائفيين لتقويض النظام الطائفي الراسخ إلى باسل صلّوخ وآخرين. لكن حرب وزملاءَها يستلهمون أيضًا أعمل جون نايغل الذي يحاجّ بأن النظام الطائفي قد يسمح، حين يكون في حالة سبات، للفاعلين غير الطائفيين بتحدّيه؛ وذلك عبر محاولات إنشاء مؤسسات بديلة تعمل على تشكيل الكيفية التي يرى بها الناسُ العالم، فضلً عن قدرتهم على تصور الطرائق التي يمكنهم إدارته وتغييره من خلالها. لإسقاط هذه المقاربة على الحالة اللبنانية، تعمد حرب وزملاؤها إلى الربط تحليليًا بين السياسة الطائفية والسيادة في علاقتها بالمكان (أو الإقليم Territoriality)، بحثًا عن تلك الأماكن أو الأقاليم التي يمكن أن يحظى بالسيطرة عليها فاعلون من غير الدول، ومن ثم محاولة فهم الطرائق التي يوزع بها المواطنون ولاءهم السياسي بين فاعلين يعملون إقليميًا/ مكانيًا على مستوى دون الدولة أو أعلى منها. بطبيعة الحال، لا يمكن المقارنة بين منطقَي الاستجابة للجائحة لدى كلتا المجموعتَيْ من الفاعلين. ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين: العامل الأول مادي يتعلق بالتفاوت في القدرات، إذ كانت استجابة المجموعات السياسية الطائفية سريعة وواسعة النطاق. ووظَّفت مجموعة متنوعة من الأساليب، من تقديم المساعدة النقدية عبر مؤسساتها الدينية الشقيقة، إلى توزيع المساعدات الغذائية والطبية عبر تنظيمتها غير الحكومية، إلى تعزيز التدابير الوقائية عبر الهيئات البلدية المتحالفة معها، غير أن ذلك كله لا ينفي أن الخطاب الطائفي الذي تتبناه تلك المجموعات ظل مهيمنًا على المشهد. في مقابل ذلك، كانت استجابة المجموعات غير الطائفية محدودة النطاق بدرجة أكبر، وأكثر عفوية، وتضمنت طرائق متنوعة للتدخل، لكنها اعتمدت على المنصات الاجتمعية للتواصل والوصول إلى المواطنين، في حين أنها لم تحظ بتغطية كافية من وسائل الإعلام المهيمنة على المشهد الإعلامي. ولم تشتبك حرب وزملاؤها مع معضلة التصنيف، إذ قد لا يكون كافيًا من الناحية التحليلية تصنيف الفاعل غير طائفي بمجرد أن يقدم نفسه بأنه كذلك. وهذا يقودنا إلى العامل الثاني الذي يجعل المقارنة معقدة بين المجموعتين من الفاعلين، وهو العامل الاجتمعي/ السياسي، فالنظام الطائفي متجذر في بنية السياسة والمجتمع اللبنانيين؛ وفي غياب تنظيم سياسي فعَّال يصعب على الحركات والأحزاب غير الطائفية تسجيل خرق نوعي في بنية النظام السياسي الطائفي.

18 Salloukh, p. 3. 19 Bassel F. Salloukh et al., The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon (London: Pluto Press, 2015). 20 John Nagle, "Consociationalism Is Dead! Long Live Zombie Power-Sharing!" Studies in Ethnicity and Nationalism , vol. 20, no. 2 (2020). 21 يستند الباحثون في هذا السياق إلى أعمال المفكرين النقديين، بدءًا بأنطونيو غرامشي وصولً إلى روبرت كوكس. 22 ينظر: Janine A. Clark & Bassel F. Salloukh, "Elite Strategies, Civil Society, and Sectarian Identities in Postwar Lebanon," International Journal of Middle East Studies, vol. 45 (2013); Ibrahim Halawi & Bassel F. Salloukh, "Pessimism of the Intellect, Optimism of the Will after the 17 October Protests in Lebanon," Middle East Law and Governance , vol. 12, no. 3 (2020).

مع ذلك، تحاجّ هذه الدراسة بأن الاستجابات التي اتخذها الفاعلون غير الطائفيين، مثل الجامعات والمنظمت غير الحكومية والتجمعات، التي تشكلت أثناء احتجاجات عام 2019، كانت عابرة للحدود الطائفية ولأقاليم البلد (استجابات أفقية في مقابل استجابات رأسية اتخذها الفاعلون الطائفيون، مثل الأحزاب والفاعلين الحكوميين والدينيين). والأهم من ذلك هو أنها أشاعت سردية غير طائفية (أو عابرة للطوائف)، تهدف إلى تشكيل مخيال سياسي/ اجتمعي أشد ارتباطًا بقيم الكرامة الإنسانية والوطنية. وبذلك، فقد عملت على تحدي البنية الطائفية الراسخة للسياسة/ المجتمع في لبنان القائمة على أقاليم ترابية مقسمة ومهيمن عليها طائفيًا. يبدو أن هؤلاء الفاعلين، خاصة التجمعات Collectives القائمة على مبدأ التضامن والمساعدة المتبادلة، قد تشبعوا بهذه النزعة لتحدي البنية الطائفية الراسخة في السياسة/ المجتمع أكثر أثناء احتجاجات عام 2019، التي سمحت بانبثاق خطاب غير طائفي، أو على الأقل مناهض للطائفية (وسيتجلى أثرها أكثر لاحقًا إثر انفجار مرفأ بيروت في صيف 2020). وإذا ما صمدت على هذا النحو، تزيد احتملات انتصارها في المزيد من "المعارك الصغيرة" التي يخوضها الفاعلون غير الطائفيين ضمن "حرب" طويلة الأمد لتقويض أسس النظام الطائفي الراسخ.

رابعًا: ديمقراطية تونس والجائحة

تدرس مريم قطاط ومريم عقربي، في دراسة بعنوان "من الاستثناء الديمقراطي إلى حالة الاستثناء: جائحة كورونا في سياق دولة القانون في تونس"، الاستجابات القانونية والمؤسسية المبكرة لتفشي الجائحة في تونس. وهي دراسة تحاجّ بأن سردية الاستثناء الديمقراطي بعد ثورة 2011، في تونس، لم يجر تجسيدها في ممرسة قانونية ليبرالية، بل آزرها منطقٌ سلطوي يضفي الشرعية على خطاب القوة، ويعيد إنتاج الممرسات التسلطية الموروثة عن النظام القديم. وتركز الباحثتان تحديدًا على ما تكشفه حالة الاستثناء، التي أعلنتها الدولة التونسية أثناء حالة الطوارئ، بشأن الطرائق المختلفة التي استُخدم بها القانون في تونس. وتحاجّان بأن حالة الطوارئ لم تعد استثناءً، بل صارت هي القاعدة في طريقة الحكم التونسية بعد عام 2011، وهو ما سمح بصمود الممرسات الاستبدادية السابقة، حيث لا ينفك الجهاز القانوني يستخدمها أداة للمراقبة والسيطرة. وغني عن التذكير بأن الدراسة كُتبت قبل ما بات يُنظر إليه على أنه انقلاب الرئيس قيس سعيّد على الديمقراطية في تونس. يرى صلّوخ أن هذا الحجاج الفوكوي (نسبة إلى ميشال فوكو) يضع الدراسة في مواجهة مع الأدبيات التي تحتفي بانتقال تونس السياسي نحو الديمقراطية؛ فهي تنذر، بدلً من التبشير بالاستثناء الديمقراطي، بتعاضد بنيوي بين الأجهزة القانونية والتنظيمية من ناحية وأهداف الحكم السلطوي القائم على السيطرة والمراقبة من ناحية أخرى. لا تنتقد الباحثتان عمليات الإغلاق أو بقية تدابير الصحة العامة الأخرى لمواجهة الجائحة، لكنهم تلقيان الضوء على أهمية الكشف عن الأدوار والمعاني التي يمكن أن يجسدها القانون في

23 تقدم الدراسة خريطتين مكثفتين، تبين إحداهما توزع استجابات الأحزاب السياسية عبر الأقاليم اللبنانية، في حين تقدم الثانية، وهي أوسع، أنماط الاستجابات التي اتخذها مختلف الفاعلين، وأنماط توزعها عبر الإقليم. ينظر: Harb et al., pp. 86-87. 24 Meriem Guetat & Meriem Agrebi, "From Democratic Exception to State of Exception: Covid-19 in the Context of Tunisia's State of Law," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 128-140. 25 Salloukh, p. 4.

حياة سياسية تتسم أصلً بتوازنات دستورية ومؤسسية هشة، متجاوزتين بذلك الخطاب الشكلي الذي يحصر دور القانون في الجوانب التقنية والتنظيمية للحياة السياسية، ومن ثم تخلصان إلى أن التجربة التونسية تبين كيف أن القواعد والأطر القانونية يمكن أن تؤدي أدوارًا أبعد من ذلك، وأن تجسد في نهاية المطاف لغة القوة، بل تؤثر حتى في تشكيل (وإعادة تشكيل) السرديات السياسية نفسها. وتبحث مارو يوسف وسارة يركيس في دراسة بعنوان "قوة التعبئة ثنائية الأحزاب: نجاح الحركة النسوية التونسية أثناء تفشي جائحة كورونا"، ما يعده صلّوخ لغز الإصلاحات التقدمية التي شملت وضع النساء Gender في تونس على الرغم من الانقسامات الأيديولوجية العميقة بين التيارين الإسلامي والعلمني، على المستويين السياسي والمدني كليهم. تلاحظ الباحثتان أن الحكومة التونسية، المنقسمة لا سيم على أسس أيديولوجية، استجابت في واقع الأمر للمخاوف بشأن تزايد العنف ضد المرأة، خاصة أثناء فترة تفشي الجائحة، إذ أنشأت على سبيل المثال مركزًا جديدًا لإيواء النساء ضحايا العنف الأسري، كم خصصت خطًّا هاتفيًا ساخنًا على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال: لماذا استجابت الدولة لمخاوف العنف ضد النساء أثناء تفشي الجائحة، في تونس، على الرغم من الانقسامات الأيديولوجية والسياسية السائدة، خاصة بين التيارين العلمني والإسلامي، بشأن قضايا المرأة؟ وتحاجّ الباحثتان بأن السبب يعود إلى أن مكافحة العنف ضد النساء حظيت بدعم ثنائي الأحزاب في تونس. إذ نجحت منظمت حقوق المرأة، الإسلامية والعلمنية على حد سواء، في بناء تحالف ثنائي الأحزاب لتعزيز الجهود الحكومية في مكافحة العنف ضد النساء، وهو نجاح ليس وليد فترة تفشي الجائحة، بل يعود إلى التحالفات القصيرة المدى التي عمل فيها التياران معًا طوال العقد الماضي ومنذ بداية الانتقال الديمقراطي في تونس، والتي كان أبرزها وأشدها تأثيرًا التحالف بين رابطة الناخبات التونسيات (تيار إسلامي).Tounissiet (تيار علمني) وجمعية تونسياتLa ligue des électrices tunisiennes

خاتمة

لا شك في أن الملف الخاص الذي تناولته هذه المراجعة يقدّم إسهامًا لا غنى عنه في فهم الاستجابات التي تبنّتها (بعض) البلدان العربية لتفشي جائحة كورونا، وهي فضلً عن طبيعتها الإمبريقية، في مجملها، تقدّم تأصيلً نظريًا ومفهوميًا جيّدًا للموضوعات التي تتناولها بالدراسة والتحليل، رغم أن بعضها يعتمد مقارباتٍ كميةً للغاية. لذلك، فهي مفيدة حتى بالنسبة إلى أولئك الباحثين غير المهتمين بمضامينها الكمية، والتي تبدو معقدة على غير المختصين في جوانب منها.

26 Maro Youssef & Sarah Yerkes, "The Power of Bipartisan Mobilization: The Success of Tunisia's Feminist Movement During the Coronavirus Pandemic," Middle East Law and Governance , vol. 14, no. 1 (2021), pp. 114-127. 27 تجلى هذا على نحو واضح أثناء إعداد مسودة الدستور التونسي في ما بعد الربيع العربي، والنقاشات الحادة بخصوص هوية المجتمع التونسي، حيث ارتسمت خطوط انقسام واضحة بين العلمانيين والإسلاميين، سواء ضمن المجتمع السياسي أو حتى ضمن المجتمع المدني. 28 يُذكر أن هذه التحالفات لم تقتصر على قضايا مكافحة العنف ضد النساء، بل شملت أيضًا قضايا أخرى متشعبة. ينظر مثلً: Maro Youssef & Hamza Mighri, "Women's Groups Take on Radicalization in Tunisia," Sada , Carnegie Endowment for International Peace, 26/3/2019, accessed on 6/4/2022, at: https://bit.ly/3tUoWwT

أما جدوى قراءة هذا النوع من الدراسات وإنتاج المزيد منها عن بلدان المنطقة العربية، فهي تتمثل في مراكمة التجربة وتعلّم الدروس من النجاحات والإخفاقات التي رافقت هذه التجربة. أشار تقريرٌ نشرته وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن أنماط استجابات الدول للجائحة، إلى أثر الذاكرة المؤسساتية والمجتمعية في حالة البلدان الآسيوية، "والتي شكَّلت من خلال تجاربَ سابقة في التعامل مع الأوبئة سريعة العدوى (مثل وباء سارس عام 2003)، عاملً مشتركًا أساسيًّا لفهم البدائل التي انتهجتها" هذه البلدان؛ إذ "مكّنتها تلك التجارب بمؤسساتها السياسية وبأنظمتها الصحية، وبمجتمعاتها أيضًا، من التعلم وإبداء السرعة والكفاءة في الاستجابة". وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في البلدان العربية. ينبغي التركيز على نزع الطبيعة السياسية De-politicizing عن الاستجابة لمثل هذه الأزمات الصحية، وهو ما يؤكده التقرير المذكور آنفًا، إذ يشير إلى "أن ما يميز الاستجابات الآسيوية من غيرها، زمنَ الاستجابة لتفشي الأوبئة، لا علاقة له بطبيعة النظم السياسية". كم يشدد على أن الاستجابة تتعلق أكثر بأثر الذاكرة الجمعية من ناحية أولى، وبدور الخبرة المؤسساتية من ناحية ثانية، وبدور التقاليد الجمعية المرتبطة بقيم الصحة العمومية وممرساتها في زمن الأوبئة من ناحية ثالثة، "حيث صار الجميع يعرفون مسبقًا ما قد يحدث إذا لم يتصرف الجميع، وصار الجميع يعرفون ما ينبغي فعله وكيف ينبغي فعله بمجرد أن يحين الوقت". يفتح هذا النوع من الأبحاث الأبواب واسعةً أمام تعلّم الدروس ومراكمة الخبرة وبناء ذاكرة مؤسساتية بشأن السياسات التي ينبغي سنّها للاستجابة للأزمات الصحية، فضلً عن الطرائق والموارد التي ينبغي تعبئتها لتنفيذ تلك السياسات؛ لذلك، إذا كانت ثمة توصية أساسية يجب التشديد عليها فهي الاستثمر أكثر في مثل هذا النوع من الأبحاث، وخلق قناة للنقاش المتبادل بين الدوائر الأكاديمية ودوائر صنع القرار في البلدان العربية. أما بناء الذاكرة الجمعية فيتطلب مستويات معتبرة من الثقة العموميةPublic Trust في الحكومات وفاعليها وسياساتها، فضلً عن تضافر ذلك مع التقاليد الثقافية والاجتمعية المحلية (والمجتمعات العربية تزخر بها) التي تعلي القيم الجمعية على الفردانية؛ "وهو ما يجعل الدولة، زمن التهديد بتفشي الأوبئة، قادرة على فرض معايير الامتثال الاجتمعي والانضباط العفوي دون اللجوء إلى الممرسات السلطوية المفرطة".

29 تجعل الذاكرة المجتمعية المواطنين أكثر وعيًا بالعواقب وأكثر استعدادًا للتعاون مع الحكومات والتضحية بحرياتهم الفردية. 30"وباء فيروس كورونا المستجد: نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي"، ص.8 31 المرجع نفسه، ص 9. وقد نشرت وحدة الدراسات السياسية، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عددًا من الأوراق يقدم جلُّها قراءة تحليلية في الإجراءات والتدابير المختلفة التي اتخذتها الدول والحكومات حول العالم ردًا على التحدي الذي مثّلته الجائحة، وتستشرف تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية والعالم. ينظر: "أوراق جائحة كورونا (كوفيد 19-) وتداعياتها". 32 يشير ج. وُو في دراسة، استند إليها شومان والبقاع، عن سنغافورة إلى أن "القدرات المالية والسياسية التي جرى بناؤها بعد أزمة سارس ساهمت في انخفاض معدل الوفيات في سنغافورة". ينظر: Jun Jie Woo, "Policy Capacity and Singapore's Response to the Covid-19 Pandemic,"  Policy and Society , vol. 39, no. 3: States and COVID-19 Policy-Making (2020), pp. 345–362. 33 في حالة العديد من البلدان العربية، فضلً عن الانهيار الحاد الذي شهدته الأنظمة الصحية مع بداية تفشي الجائحة، أدى تدني الثقة العمومية دورًا أساسيًا في زيادة "ممانعة المواطنين العرب لإجراءات مواجهة تفشي الجائحة، التي تطلبت في أغلب الحالات استخدام القوة الخشنة". وهذا ما يفسر "الكيفية التي تفشت بها نظرية المؤامرة في المنطقة العربية؛ ليس عن أصل فيروس كورونا في حد ذاته، ولكن عن اتهام الحكومات العربية بأنها تستغل مسألة الجائحة لقمع المواطنين، وتقييد حريتهم في التنقل، بل وحتى منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية". ينظر: وحدة استطلاع الرأي العام، "الرأي العام العربي والأداء الحكومي في مجال الخدمات الأساسية"، سياسات عربية، مج 9، العدد 50 (أيار/ مايو 2021)، ص.133 34"وباء فيروس كورونا المستجد: نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي"، ص.9

المراجع

References

العربية

حمشي، محمد. "عن إمكانية التنبؤ زمن جائحة كورونا: تأملات من علم التعقد". تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/6/22:. في https://bit.ly/3NUuKzx وحدة استطلاع الرأي العام. "الرأي العام العربي والأداء الحكومي في مجال الخدمات الأساسية". سياسات عربية. مج 9، العدد 50 (أيار/ مايو.)2021

الأجنبية

Alijla, Abdalhadi. "'We are in a Battle with the Virus': Hamas, Hezbollah, and covid-19." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Clark, Janine A. & Bassel F. Salloukh. "Elite Strategies, Civil Society, and Sectarian Identities in Postwar Lebanon." International Journal of Middle East Studies. vol. 45 (2013). Cronert, Axel. "Democracy, State Capacity, and covid-19 Related School Closures."  Working Paper. APSA Preprints (2020). at: https://bit.ly/3JcImU6 Guetat, Meriem & Meriem Agrebi. "From Democratic Exception to State of Exception: Covid-19 in the Context of Tunisia's State of Law." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Habib, Daniel et al. "Dyadic Analysis of Fragile Middle Eastern States and Humanitarian Implications of Restrictive Covid-19 Policies." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Halawi, Ibrahim & Bassel F. Salloukh. "Pessimism of the Intellect, Optimism of the Will after the 17 October Protests in Lebanon." Middle East Law and Governance. vol. 12, no. 3 (2020). Harb, Mona et al. "Mapping Covid-19 Governance in Lebanon: Territories of Sectarianism and Solidarity." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Koehler, Kevin & Jonah Schulhofer-Wohl. "Governing the covid-19 Pandemic in the Middle East and North Africa: Containment Measures as a Public Good." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Nagle, John. "Consociationalism Is Dead! Long Live Zombie Power-Sharing!" Studies in Ethnicity and Nationalism. vol. 20, no. 2 (2020). Salloukh, Bassel F. et al. The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon. London: Pluto Press, 2015.

Salloukh, Bassel F. "Introduction to Covid-19 MELG Special Issue." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2022). Shouman, Mamdouh A. & Abdulaziz S. Alkabaa. "Testing Saudi State Capacity: A Study to Investigate How the Government Responded to the covid-19 Pandemic." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021). Woo, Jun Jie. "Policy Capacity and Singapore's Response to the Covid-19 Pandemic."  Policy and Society. vol. 39, no. 3: States and COVID-19 Policy-Making (2020). Youssef, Maro & Hamza Mighri. "Women's Groups Take on Radicalization in Tunisia." Sada. Carnegie Endowment for International Peace. 26/3/2019. at: https://bit.ly/3tUoWwT Youssef, Maro & Sarah Yerkes. "The Power of Bipartisan Mobilization: The Success of Tunisia's Feminist Movement During the Coronavirus Pandemic." Middle East Law and Governance. vol. 14, no. 1 (2021).