الميثاق العربي لحقوق الإنسان والمعايير الدولية: دور لجنة الميثاق
The Arab Charter on Human Rights and International Standards: The Role of the Charter Committee
الملخّص
ملخص: قوبل إصدار الميثاق العربي لحقوق الإنسان بالتشكيك فيما يمكن أن يسهم فيه، مقارنةً بمنظومة حقوق الإنسان الدولية والإقليمية القائمة. تستهدف هذه الدراسة تقييم تفسير لجنة حقوق الإنسان العربية للحقوق الواردة في الميثاق، اعتمادًا على الملاحظات والتوصيات الختامية الصادرة عن اللجنة منذ تشكيلها والتقارير الدورية للدول الأطراف. وعلى عكس التخوفات التي صاحبت صدور الميثاق العربي، تستنتج الدراسة أن لجنة الخبراء لم تقدّم عملها باعتباره مناقضًا للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، بل باعتباره داعمً ومكملً لها في المنطقة العربية؛ حيث سعت اللجنة عمومًا لتبنّي مقاربة تفسيرية تتناغم مع التفسيرات الدولية لحقوق الإنسان وتستعين بها في تفسيرها لمواد الميثاق العربي. ولاحظت الدراسة أنّ اللجنة بدلً من تبنّي مقاربة تفسيرية تكون في حالة اصطدام مع عمل لجان حقوق الإنسان في الأمم المتحدة خلال التعامل مع بعض القضايا ذات الحساسية الثقافية أو الدينية، اتجهت إلى الامتناع كليًّا عن تناولها، أو تناول بعضها من دون تفصيل. ويأتي تناول المضمون المعياري لحقوق الإنسان، ضمن الاهتمام الأكاديمي بإشكالية التجزئة في القانون الدولي، وانعكاساتها على تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان.
Abstract
Abstract: The issuance of the Arab Charter on Human Rights was met with scepticism as to what it might contribute compared to the existing regional and international human rights regime. This study seeks to evaluate the Arab Human Rights Committee's interpretation of the rights enumerated in the charter based on concluding observations and recommendations from the Committee since its formation and the periodical reports of member states. Contrary to the apprehensions that accompanied the release of the Arab Charter, the study concludes that the committee of experts did its job not to contradict the international human rights system but to support and complement it in the Arab region; the committee broadly sought to adopt an explanatory approach that corresponds with and employs international interpretations of human rights in its interpretation of the provisions of the Arab Charter. The study observes that the Committee, rather than adopting an explanatory approach that clashes with the work of United Nations human rights committees around issues fraught with cultural or religious sensitivity, either declined entirely to address these issues or addressed some of them without elaboration. Engagement with the normative purport of human rights and how they are explained in the Arab Charter takes place in the context of academic interest in the field of international law and the implications of this research on the evolution of international law around human rights.
- الميثاق العربي لحقوق الإنسان
- الأنظمة الإقليمية
- لجنة حقوق الإنسان العربية
- حقوق الإنسان
- Arab Charter on Human Rights
- Arab Human Rights Committee
- Human Rights
- Regional Mechanisms
مقدمة
تعرّض محتوى الميثاق العربي لحقوق الإنسان للانتقادات، منذ أن تبنّته جامعة الدول العربية في 23 أيار/ مايو 2004، وسط تخوفات من أن يكون وسيلةً للالتفاف على التزامات الدول العربية بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأن يقيد تطبيقه فرص تعزيز عالمية حقوق الإنسان في العالم العربي، بسبب تبنّيه مضامين لبعض الحقوق تختلف عن المضامين الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وقد جرى تبنّي الميثاق في صورته الأولى عام 1994، إلا أنه لم يجد ترحيبًا آنذاك بسبب ما احتواه من تناقضات واسعة مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. ثم صدرت نسخته الثانية المعدّلة له، في أجواء اتسمت بتركيز المجتمع الدولي على قضايا الحقوق والحريات العامة والديمقراطية في المنطقة العربية، وفي سياق ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ففي 23 أيار/ مايو 2004، عقدت جامعة الدول العربية مؤتمر القمة العربية السادس عشر في تونس الذي ناقش ضمن أجندته قضايا الإصلاح السياسي في العالم العربي، حيث كانت النسخة المعدلة للميثاق أحد مخرجاته.
شهدت النسخة الجديدة للميثاق تحسنًا مقارنةً بالنسخة السابقة، لكنها ما زالت تتسم بالغموض في تعريف عدد من الحقوق الأساسية، ومخالفة محتوى بعض الحقوق الواردة فيها لمكونات الحقوق نفسها في الاتفاقيات الدولية، فضلً عن تكرار الإشارة إلى مرجعية التشريعات الوطنية لضبط ممارسة بعض الحقوق. وعلى مستوى آليات مراقبة تنفيذ أحكام الميثاق، جرى الاكتفاء بالنص على تشكيل "لجنة حقوق الإنسان العربية (لجنة الميثاق")؛ لكي تتولى مهمة تلقّي تقارير دورية ومناقشتها من الدول الأطراف حول تنفيذها بنود الميثاق، وإصدار تعليقات وتوصيات في شأنها. تتكون اللجنة، التي تشكلت في آذار/ مارس 2009، من سبعة أعضاء تنتخبهم الدول الأطراف في الميثاق مدة أربع سنوات بالاقتراع السري من بين مواطنيها، على ألا تضم اللجنة أكثر من عضو من مواطني هذه الدول. ويجوز إعادة انتخاب الأعضاء مرة واحدة فحسب، وتنتهي عضوية ثلاثة من الأعضاء كل عامين عن طريق القرعة. وقد اشترط الميثاق في المرشحين لعضوية تلك اللجنة أن يكونوا من أصحاب الخبرة والكفاءة في مجال حقوق الإنسان، وأن يتولوا مهماتهم بصفة شخصية وبكل تجرد ونزاهة.
ركزت الدراسات السابقة على تطور نشأة الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وتقييم محتواه وآلياته، في حين اهتمت بعض الدراسات مؤخرًا بتطور مشروع تأسيس المحكمة العربية لحقوق الإنسان، الذي تبنّت جامعة الدول العربية نظامه الأساسي عام 2014، لكنه لم يدخل حيز النفاذ بعد. واللافت أنه ما زالت هناك فجوة في تقييم عمل لجنة حقوق الإنسان العربية، وخاصة في فهم تقاليدها التفسيرية لبنود الميثاق. وقد أبدى الفاعلون في مجال حقوق الإنسان اهتمامًا محدودًا بالميثاق، وبعمل لجنة حقوق الإنسان العربية؛ على اعتبار أن عيوب محتوى الميثاق من الناحية المعيارية، وفقر آليات التنفيذ والحماية المنبثقة منه، يقللان من أهمية التفاعل معه مقارنةً بآليات دولية وإقليمية أخرى مثل آليات الأمم المتحدة، وآليات النظام الأفريقي لحماية حقوق الإنسان والشعوب. غير أن هذه الدراسة تختلف مع هذا المنظور لاعتبارين؛ أولً، بصرف النظر عن تقييم وثيقة الميثاق وآلياتها، فإن وجود الميثاق بوصفه اتفاقية دولية، ومباشرة لجنة حقوق الإنسان العربية عملها وتفاعلها مع تقارير الدول الأطراف، وإصدارها أدبيات واجتهادات تفسيرية بشأن محتوى الميثاق، يؤسس ذلك كله لبناء قانوني ومعياري سيشكّل على المدى الطويل تقاليد فقهية عربية فيما يخص تفسير الميثاق العربي، وعلاقات هذا الميثاق بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وهو الأمر الذي ينبغي متابعته نقديًا، وفهم انعكاساته على تفسيرات حقوق الإنسان في العالم العربي، وآثاره في عملية تكوين فهم عالمي لمحتوى حقوق الإنسان. ثانيًا، يبقى الميثاق، بوصفه وثيقة قانونية، مفتوحًا أمام سيناريوهات تفسيرية متعددة، وفي هذا الإطار يؤدي الخبراء الأعضاء في لجنة حقوق الإنسان العربية دورًا رئيسًا في احتمالات تجاوز نقاط الضعف في نصه من خلال تطوير مقاربات تفسيرية توسّع نطاق الحقوق الواردة فيه، وتقوّي سلطته المعيارية في العالم العربي. من هذا المنطلق، تبحث هذه الدراسة في اتجاهات تفسير الميثاق العربي من واقع الخبرة العملية للجنة الخبراء العرب المعنية بمتابعة تنفيذه، وتسعى لاستكشاف مساحات التناغم أو التعارض بين تفسير مضامين الحقوق الواردة فيه، وفي نظام حماية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. ويركز نطاق الدراسة على تطور المضمون المعياري للحقوق الواردة في الميثاق مقارنةً بالحقوق الواردة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن ثم ليست هذه الدراسة معنية بتقييم آليات إنفاذ مواد الميثاق العربي في الدول الأطراف أو بحث تطويرها، لكن اهتمامها ينصبّ على فهم مقاربات لجنة الميثاق العربي في تفسير مواد الميثاق. ويأتي التركيز
على المضمون المعياري للحقوق، وطريقة تفسيرها في ظل الآليات الإقليمية والدولية لحماية حقوق الإنسان، في سياق الاهتمام البحثي في حقل القانون الدولي في العقدين الأخيرين بما يعرف بإشكالية التجزؤ في القانون الدولي Fragmentation of International Law، التي تزامنت مع التوسع المعياري والمؤسسي في مختلف فروع القانون الدولي. وقد تطور تناول هذه الإشكالية من التركيز على العلاقة بين الأنظمة الفرعية للقانون الدولي إلى بحث التناغم المعياري بين الأنظمة والآليات المختلفة داخل الحقل الفرعي الواحد، وهو القانون الدولي لحقوق الإنسان في هذه الدراسة.
تنطلق الدراسة من أطروحة مفادها أن الخبرة العملية للجنة الميثاق العربي منذ تأسيسها حتى الآن تشير إلى حرص اللجنة على إقامة توازن دقيق بين كونها لجنة إقليمية تصدّر نفسها باعتبارها مكملة وليست بديلً من النظام الدولي لحقوق الإنسان، وبين كونها آلية حقوقية إقليمية تعمل في سياق يحمل قدرًا كبيرًا من الحساسيات السياسية والثقافية والدينية تجاه قضية حقوق الإنسان. وقد حرصت لجنة الخبراء على أن يكون تفسيرها لبنود الميثاق، من خلال التعليق على تقارير الدول الأطراف، متماشيًا عمومًا مع التفسيرات المتعارف عليها في إطار لجان حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وأبدت اللجنة انفتاحًا على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان لتعويض النقائص الواردة في بنود الميثاق تجاه تعريف بعض الحقوق، كما سعت في تفسيراتها لإعطاء الحقوق الواردة في الميثاق أولوية، على الرغم من تناقض التشريعات الوطنية معها. وإضافة إلى ذلك، تبنت اللجنة مقاربة تدرجية في تفسير محتوى الحقوق ذات الحساسية الثقافية والدينية؛ ففي بعض الأحيان شجّعت الدول الأطراف على تغيير ممارسات محلية تستمد شرعيتها من تأويلات ثقافية ودينية محددة، وفي أحيان أخرى كثيرة اختارت اللجنة الصمت عن التطرق إلى بعض الحقوق أو التفصيل فيها بدلً من إعطاء تفسيرات تتناقض كليّةً مع التفسيرات الدولية لها.
ولفهم إذا ما كانت اللجنة تسعى في تفسيرها الميثاق للتقريب بين بنوده وتفسيرات الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، اختارت الدراسة منهجًا يركّز على تلك الحقوق التي كانت صياغتها الأكثر انتقادًا في وثيقة الميثاق المعدل من جانب الدراسات السابقة. ويعتمد التحليل في هذه الدراسة على الملاحظات والتوصيات الختامية الصادرة عن لجنة الخبراء في إطار مناقشتها تقارير الدول الأطراف في الميثاق في الفترة 2021-2012، والتي ناقشت فيها لجنة حقوق الإنسان العربية تقارير كل من الأردن والإمارات والبحرين والجزائر والسعودية والسودان والعراق وقطر والكويت ولبنان. ويمكن عبر هذه الوثائق تقييم كيفية تفسير اللجنة مواد الميثاق، ومواقفها من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وفي هذا الصدد، تتضمن الدراسة ثلاثة محاور؛ يمهد المحور الأول لتناول الخبرة العملية للجنة حقوق الإنسان العربية، من خلال مناقشة التفاعل بين عمل الآليات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، في سياق إشكالية التجزئة المؤسسية والمعيارية في القانون الدولي. في حين يناقش المحور الثاني القضايا الإشكالية في الميثاق العربي، وكيفية تأصيله العلاقة بين التشريعات الوطنية والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ثم يناقش المحور الثالث طريقة تفسير لجنة حقوق الإنسان العربية للميثاق من واقع تحليل الملاحظات والتوصيات الختامية التي أصدرتها اللجنة بعد استلام تقارير الدول الأطراف.
أولً: الآليات الدولية والإقليمية والتوافق عى ل مضمون حقوق الإنسان
تقوم فكرة حقوق الإنسان، منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، على عالمية تطبيقها، والتي تعني أن حقوق الإنسان متأصلة في جميع البشر أينما كانوا لمجرد كونهم جزءًا من الأسرة البشرية، ويستحقون التمتع بالحقوق نفسها من دون تمييز. وعلى الرغم من هذا، فإن هذه السمة العالمية لا تزال محل اختلاف، سواء على صعيد التأصيل الفلسفي لفكرة حقوق الإنسان، أو في إطار القانون الدولي الوضعي. ففي حقل الفلسفة المعيارية، لا يوجد اتفاق عام على التبرير الفلسفي لفكرة حقوق الإنسان. وقد ينتج من الاختلاف في التبريرات الفلسفية أيضًا تأصيل مختلف لقائمة الحقوق التي يمكن تسميتها حقوق الإنسان. ويعتبر القانون الدولي الوضعي، الذي تُعدّ اتفاقيات حقوق الإنسان أحد مخرجاته، مج لً للصراع والتفاوض والهيمنة في إطار العلاقات القائمة بين الدول في المقام الأول، وتتبنّى رؤى أخلاقية ومعيارية مختلفة، وأحيانًا متصارعة في تبرير حقوق الإنسان، وتوصيف مضمونها. وعلى الرغم من تزايد انضمام دول العالم إلى اتفاقيات حقوق الإنسان خلال العقود الأربعة الأخيرة، فإن تصوراتها لا تزال تتناقض فيما بينها في شأن مضمون حقوق الإنسان وحدود عالميتها. وقد شهدت خريطة الفاعلين في عملية تأسيس الدول للمعايير الدولية وصياغتها، وكذلك الأطراف دون الدول، توسعًا وتنوعًا في العقود الثلاثة الأخيرة؛ الأمر الذي عقّد أيضًا عملية صياغة الاتفاقيات الدولية والإقليمية لتحقيق التوازن بين جملة من المصالح، التي تكون في أحيان كثيرة متعارضة. يضطلع عدد من المؤسسات على المستوى الدولي بتفسير اتفاقيات حقوق الإنسان، وقد يحدث فيما بينها اختلافات أحيانًا في تفسير مضمون الحقوق المكفولة فيها؛ ما أوجد، على مستوى لجان الأمم المتحدة، حوارًا بين هذه اللجان، نتج منه فيما بعد توافق في التفسير تجاه بعض الموضوعات المختلف فيها. وعلى المستوى الإقليمي، اتجهت الدول إلى وضع اتفاقيات لحقوق الإنسان تسري في أقاليم جغرافية محددة، وتختلف في مضمونها، كما تختلف أحيانًا عن مضمون الاتفاقيات الدولية. وتقوم على متابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات مؤسساتٌ إقليمية تشارك بدورها في تفسير مضمونها بأشكال قد تتفق مع بقية المؤسسات المماثلة دوليًا أو
إقليميًا أو تختلف معها. وفي هذا السياق، اهتم بعض الباحثين في الآونة الأخيرة بدراسة أثر التمدد والتنوع المؤسسي في حقل القانون الدولي لحقوق الإنسان في الاتساق في تفسير مضمون الحقوق، واتساق الالتزامات القانونية للدول من جرّاء الانضمام إلى اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية. وانصب الاهتمام في البداية على دراسة تطور ما يعرف بتجزؤ القانون الدولي وأبعاده، عبر البحث في مدى الاتساق والتناغم بين التزامات الدول في الحقول الفرعية المختلفة للقانون الدولي، واحتمالات وجود تنازع في الاختصاصات، وهو الأمر الذي كان موضوعًا لدراسة مستفيضة نشرتها اللجنة الدولية للقانون الدولي في الأمم المتحدة في نيسان/ أبريل 2006. وأولت الدراسات المقارنة لاحقًا اهتمامًا بدراسة هذه الظاهرة داخل الحقول الفرعية للقانون الدولي، أو ما يمكن تسميته "الأسر المعيارية المتماثلة"، مثل القانون الدولي لحقوق الإنسان بما يشهده من تشعب معياري وتعقّد مؤسسي، سواء في ظل منظومة الآليات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، أو نتيجة تعدد الأنظمة الإقليمية لحماية حقوق الإنسان وتضخمها. وقد ينتج من هذا التنوع والتضخم المؤسسي تنازعٌ في الفقه الصادر عن هذه الآليات، بسبب احتمالات تطور تفسيرات متناقضة لحقوق متماثلة في الصياغة، أو إعادة صياغة الحقوق في الاتفاقيات على نحو ينتقص من مكونات رئيسة لها جرى التوافق عليها في مراحل سابقة، تبعًا لتعدد التوجهات والمقاربات التفسيرية التي تتّبعها المؤسسات التي تقوم على تفسير تنفيذ هذه الاتفاقيات ومتابعته. ويمكن في هذا السياق اقتراح خمس مقاربات نظرية، لفهم العلاقة بين الأنظمة الإقليمية والدولية المختلفة بالنسبة إلى توجهاتها المعيارية لحقوق الإنسان. تشير المقاربة الأولى إلى إمكانية أن تتبنّى هذه الأنظمة مقاربة التناغم المعياري في تفسيراتها لاتفاقيات حقوق الإنسان المعنية بتفسيرها، والتي تقوم على إحداث تقارب فيها بين مختلف اللجان الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان. فمثلً، عُرف عن المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان كثافة استخدامها لفقه الآليات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان الأخرى. وقد أكدت صراحة أنها تستعين بهذا الفقه، من أجل توسيع مضمون الحقوق الواردة في الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان وليس تقييدها. في حين تقوم المقاربة الثانية، وهي المقاربة التكميلية، على توسيع مضمون الحقوق، أو تطوير معايير جديدة من واقع عمل أنظمة حقوق الإنسان الإقليمية والدولية. فقد كان للنظام الأميركي لحقوق الإنسان دور مهم في التأصيل القانوني لحقوق السكان الأصليين، وظاهرة الاختفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون، ومكافحة الإفلات من العقاب.
وعلى النقيض من مقاربة التناغم المعياري والمقاربة التكميلية، ثمة مقاربة ثالثة حيث يمكن أن تتجه الأنظمة الإقليمية إلى مقاربة التناقض والتنازع المعياري في تحديد محتوى الحقوق، وهو المنظور الذي يُصعّب تحقّقَ مبدأ عالمية حقوق الإنسان بمعنى التوافق المعياري على مضمون الحقوق. ويمكن هنا فهم الانتقادات التي وُجّهت إلى إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام الصادر عام 1990 عن منظمة التعاون الإسلامي؛ باعتبار أن الصياغات التي تبنّاها للحقوق تمثل تهديدًا للضمانات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. أما المقاربة الرابعة، البراغماتية، فتهدف إلى إعطاء وزن للسياقات المحلية خلال عملية تفسير مضمون الحقوق انتظارًا لحدوث توافق بين الدول الأعضاء في النظام الإقليمي، من دون الخوض في تنازع معياري مع الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية. ويمثل مبدأ هامش التقدير المتّبع في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تجسيدًا لهذه المقاربة. وبموجب هذا المبدأ، تمنح المحكمة سلطة تقديرية واسعة تحت رقابتها، للدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في تفسير بعض مكونات الحقوق الواردة في الاتفاقية وتطبيقها، والتي تختلف التفسيرات بشأنها بين الدول الأطراف. لكن هذا المبدأ من وجهة نظر بعض الباحثين يتسم بطابع محافظ، حيث يعطى الممارسات المحلية أولوية، مع تخلّ الهيئة الإقليمية عن دورها في وضع خطوط فاصلة لمضمون الحقوق. وأخيرًا، قد تتجه اللجان الإقليمية إلى الحوار مع الدول الأعضاء في النظام الإقليمي، من أجل توطين مبادئ حقوق الإنسان في الثقافات المحلية، عبر تبنّي مقاربة المشروعية الثقافية لحقوق الإنسان. وقد أولت الدراسات الأنثروبولوجية، بدايةً من التسعينيات، اهتمامًا نوعيًا بالعلاقة بين ما هو دولي ومحلي في تبدّل الممارسات الثقافية وتحولها تجاه حقوق الإنسان، عبر الأدوار والتفاعلات التي تضطلع بها الفئات الوسيطة، والتي تنقل نقاشات القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى رموز المجتمعات المحلية ولغاتها وتقاليدها. ويكتسب هذا الدور وزنًا أكبر في عمل الأنظمة الإقليمية لحماية حقوق الإنسان؛ نظرًا إلى قربها من هذه السياقات الثقافية والاجتماعية، وخصوصًا إذا كانت الوثائق الإقليمية تشير إلى مرجعية هذه التقاليد الثقافية في تفسير الحقوق، أو في ظل كثافة تحفظات الدول الأعضاء في النظام الإقليمي المتعلقة بالاتفاقات الدولية، التي يكون من بينها تحفظات مستندة إلى المبررات الثقافية أو الدينية.
يخلص هذا المحور إلى أن تحقيق عالمية حقوق الإنسان عمليةٌ تراكمية ومعقدة تختلط فيها أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية، وتؤدي فيها المؤسسات الدولية والإقليمية، سواء كانت ذات طبيعة قضائية أم شبه قضائية، دورًا بالغ الأهمية في إحداث مساحة من التناغم أو التناقض بين مختلف الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، يسعى المحوران التاليان للاقتراب من تصورات لجنة الميثاق العربي لحقوق الإنسان وتفسيراتها، بما لها من آثار على المدى الطويل في تحقيق التناغم أو التناقض مع تصورات نظام حقوق الإنسان في الأمم المتحدة؛ الأمر الذي ينعكس أيضًا على فهم مسارات تطور خطابات عالميةِ حقوق الإنسان.
ثانيًا: الميثاق العربي لحقوق الإنسان والقانون الدويل لحقوق الإنسان
عكَس الميثاق العربي لحقوق الإنسان المعدل الصادر عام 2004 التطور الحادث في القانون الدولي لحقوق الإنسان، من خلال شمولية الحقوق التي تناولها، سواء أكانت حقوقًا مدنية وسياسية أم حقوقًا اقتصادية واجتماعية وثقافية. كما نص على حقوق بعض الفئات، مثل اللاجئين والعمالة الوافدة، وحقوق الطفل والمرأة وكبار السن، وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وذوي الإعاقات النفسية أو الجسدية، والحق في التنمية. وتناول الميثاق بعض الحقوق على نحو تفصيلي مستفيدًا من فقه لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، كالتفصيل في الحقوق غير القابلة للانتقاص خلال فرض التدابير الاستثنائية في أوقات الطوارئ. لكن ثمة أربع قضايا رئيسة تشكّل مصدر الانتقادات التي وُجّهت إلى الميثاق العربي، وأدت إلى التشكيك في مدى فاعليته من الناحية المعيارية. القضية الأولى تتعلق بإمكانية تقييد نطاق الحقوق الواردة فيه عبر كثافة الإحالة إلى التشريعات الوطنية في الكثير من مواده. والقضية الثانية تتعلق بافتقار صياغة بعض الحقوق الواردة فيه إلى مكونات أساسية تشتمل عليها الحقوق نفسها في الاتفاقيات الدولية. والقضية الثالثة ترتبط باشتماله على مواد تتعارض على نحو مباشر مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأخيرًا طبيعة العلاقة بين نصوصه والقانون الدولي لحقوق الإنسان. يناقش هذا المحور هذه القضايا الأربع، تمهيدًا لبحث مقاربات لجنة حقوق الإنسان العربية تجاهها.
1. النص على التشريعات الوطنية ضمن ضوابط ممارسة الحقوق
أشار الميثاق العربي في العديد من مواده إلى التشريعات الوطنية السارية في الدول الأطراف، بوصفها إطارًا منظمً أو محددًا لممارسة كثير من الحقوق. وتوجد هذه الإشارات في المواد المتعلقة بالقيود على تطبيق عقوبة الإعدام (المادتان 6 و 7)، وضوابط إجراء الضوابط الطبية أو العلمية واستغلال الأعضاء (المادة 9)، والحقوق السياسية (المادة 24)، وحقوق الأقليات (المادة 25)، وحرية التنقل واختيار مكان الإقامة (المادتان 26 و 27)، والحق في التمتع بجنسية (المادة 29)، وحرية الفكر والعقيدة والدين (المادة 30)، وحق الملكية (المادة 31)، والحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير (المادة 32)، وحقوق الرجل والمرأة وواجباتهما في الأسرة
والزواج (المادة 33)، وحماية العمال الوافدين (المادة 34، الفقرة 5)، والحق في تكوين الجمعيات أو النقابات المهنية والحق في الإضراب (المادة 35). وشكلت هذه الإحالات إلى التشريعات الوطنية وبعض الضوابط في ممارسة الحقوق التي لجأ إليها الميثاق مصدرًا لانتقاد الميثاق نفسه؛ نظرًا إلى إمكانية توظيفها لتمييع مضمون الحقوق. لكن يبقى ذلك رهن عملية تفسير الميثاق. فهذه الضوابط والمحددات متعارف عليها في كثير من اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، والدساتير الوطنية، والغرض منها يكون مراعاة بعض المتغيرات المحلية في تطبيق الحقوق، وينبغي تفسيرها في نطاق ضيّق ومبرَّر ومتسق مع الأهداف العامة للوثيقة إجمال.
2. مكونات من الحقوق الواردة في الاتفاقات الدولية لم يشتمل عليها الميثاق
تضمنت المادة 8 من الميثاق العربي "حظر تعذيب أي شخص بدنيًا أو نفسيًا أو معاملته معامله قاسية أو مهينة أو حاطة بالكرامة أو غير إنسانية"، وقد اعتبرت هذه المادة أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم. لكن يلاحظ أن هذه المادة لم تتضمن حظرًا للعقوبات القاسية، كما لم تنص على تعريف التعذيب، بحيث يكون متسقًا مع المادة 1 من الاتفاقية الدولية المناهضة للتعذيب. وقد افتقدت هذه المادة أيضًا إلى التنصيص على ضمانات عدم قبول سلطات التحقيق والمحاكم الاعترافات التي جرى الحصول عليها نتيجة التعذيب كما هو منصوص عليه في المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب. ولم تنص المادة 33، الفقرة 1 من الميثاق العربي، المتعلقة بحقوق الرجل والمرأة وواجباتهما في الأسرة، على المساواة بين الرجال والنساء، فاتحةً المجال أمام تفسيرات متباينة لهذه المادة. وتتناقض هذه الصياغة مع المادة 23، الفقرة 4، المشابهة لها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على أن "تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوى حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله". وفي موضع آخر، أشار الميثاق في المادة 3، الفقرة 3، إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، "في ظل التمييز الإيجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة". وتتسم الإشارة إلى الشريعة الإسلامية في سياق التمييز الإيجابي بالغموض، ويمكن تفسيره في أكثر من اتجاه. فمن منظور محافظ، يمكن اعتبار التمييز ضد المرأة داخل الأسرة أو في المجال العام على النحو الشائع في كثير من البلدان العربية شكلً من أشكال التمييز الإيجابي لصالح المرأة في
ظل منظور تكامل الأدوار بين الرجل والمرأة. ومن منظور آخر ليبرالي، يمكن الاعتماد على هذه المادة لتوسيع مساحة المساواة بين الرجال والنساء، واتخاذ تدابير التمييز الإيجابي التي تصبّ في صالح تمكين المرأة في الحياة العامة والخاصة باعتبارها من الفئات التي تعرضت لتهميش اجتماعي واقتصادي وسياسي في المجتمعات العربية.
3. مواضع التعارض بين الميثاق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان
تبنّى الميثاق العربي مقاربة تقييدية لتطبيق عقوبة الإعدام، بالتوافق مع نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فقد نص في المادة 6 على أن تطبيق هذه العقوبة يكون في الجنايات البالغة الخطورة فحسب، وبمقتضى حكم نهائي صادر من محكمة مختصة، وأن يكون لكل محكوم عليه بالإعدام الحق في طلب العفو أو استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة أخف. وحظرت المادة 7، الفقرة 2، تنفيذ عقوبة الإعدام على "الحوامل حتى تضع حملها أو في أم مرضع إلا بعد انقضاء عامين على تاريخ الولادة، وفي كل الأحوال تغلب مصلحة الرضيع". لكن المادة 7، الفقرة 1، على الرغم من حظرها "الحكم بالإعدام على أشخاص دون الثامنة عشرة عامًا"، فإنها أباحت ذلك عندما تنص التشريعات الوطنية وقت ارتكاب الجريمة في الدول الأطراف على خلاف ذلك. وقد أثارت هذه المادة انتقادات دولية واسعة، بعد صدور الميثاق العربي، نظرًا إلى أن بعض الدول العربية تُجيز تطبيق عقوبة الإعدام على الأطفال دون سن 18 عامًا، مثل السعودية والسودان. وقد اقتصرت ممارسة بعض الحقوق الواردة في الميثاق على المواطنين. وتسمح المادة 25، في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باقتصار ممارسة الحقوق السياسية على مواطني الدول الأطراف، والتي تضم الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، والحق في الانتخاب وتقلد المناصب العامة. في حين جاءت المادة 24 من الميثاق العربي المتعلقة بالحقوق السياسية التي يمارسها المواطنون فحسب أكثر اتساعًا من نظيرتها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مشتملة على المشاركة في إدارة الشؤون العامة، والترشح واختيار الممثلين، وتقلد الوظائف العامة على أساس تكافؤ الفرص، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية. وتتصل الإشارة إلى حرية تكوين الجمعيات في هذه المادة بممارسة الحقوق السياسية، ويمكن اعتبارها ضمانًا للحق في تكوين الجمعيات ذات الطابع السياسي أو الأحزاب السياسية؛ وهو ما اتجهت إليه لجنة الميثاق العربي كما سنبين في المحور التالي. ويمكن اعتبار أن الميثاق ضمن الحق في تكوين الجمعيات عمومًا - خارج إطار حرية الممارسة السياسية التي نظمتها المادة 24 والتي تقتصر على المواطنين - من خلال نص الميثاق في المادة 35، الفقرة 1، على حق كل شخص في حرية تكوين الجمعيات
للجميع، مواطنين كانوا أو مقيمين. لكن الميثاق لم يتطرق إلى الحق في حرية الاجتماع وحرية التجمع السلمي خارج نص المادة 24 المنظمة لحرية الممارسة السياسية؛ فقد جعل، في الفقرة 6 من المادة 24، حرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية حقًا للمواطنين فحسب، في تناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي خصّص مادة منفصلة لحماية الحق في التجمع السلمي (المادة 21)، وجعلها حقًا لكل شخص يقع في الولاية القضائية للدولة.
4. العلاقة بين الميثاق والقانون الدولي لحقوق الإنسان
أكد الميثاق العربي على عالمية حقوق الإنسان، ومرجعية الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ولم يشر مباشرة إلى الخصوصية أو النسبية الثقافية في مقاربة حقوق الإنسان، بل أكد أن من أهداف الوثيقة "ترسيخ المبدأ القاضي بأن جميع حقوق الإنسان عالمية، وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة". لكن الميثاق احتوى على إشارات تخلق التباسًا في المنظور الذي يتبناه لمفهوم عالمية حقوق الإنسان، مثل النص في ديباجته على "الأخذ في الاعتبار إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام". وقد عبّت الأدبيات السابقة التي تعاملت مع الميثاق العربي لحقوق الإنسان عن تخوف كبير من تلك الإشارة، خاصة في ظل المواقف الغامضة الذي تبنّاها إعلان القاهرة من الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. لكن وثيقة إعلان القاهرة تظل إعلانًا غير ملزم، ولم يجرِ تأويله أو تفسيره منذ صدوره بوساطة لجان متخصصة معنية بذلك. فالإشارات التي تبنّاها إعلان القاهرة إلى الشريعة الإسلامية في كثير من بنوده، تظل خاضعة لتأويلات مختلفة؛ نظرًا إلى الطبيعة المتنوعة والمرنة للفقه الإسلامي، والممارسات الوطنية لدول العالم الإسلامي. من ناحية أخرى، تبنت منظمة التعاون الإسلامي، في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، إصدارًا جديدًا لإعلان القاهرة، يستجيب لعدد من الانتقادات السابقة، ويأخذ موقفًا أكثر انفتاحًا من القانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن لا توجد هيئة معنية بتفسير بنوده في إطار منظمة التعاون الإسلامي. وقد تضمن الميثاق العربي المادة 34، التي توفق بين علاقة الحقوق الواردة في الميثاق بالتشريعات الوطنية، والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها الدول الأطراف، من أجل ضمان الحد الأعلى لحماية الحقوق. ونصت هذه المادة على أنه "لا يجوز تفسير هذا الميثاق أو تأويله على نحو ينتقص من الحقوق والحريات التي تحميها القوانين الداخلية للدول الأطراف أو القوانين المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها أو أقرتها بما فيها حقوق المرأة والطفل والأشخاص المنتمين إلى الأقليات". وتحمي هذه المادة، التي تعرف في الأدبيات القانونية بالشرط الوقائي Saving Clause، التزامات الدول التي أقرتها على نفسها في أطر أخرى خارج الميثاق العربي. ويمكن أن يكون لهذه المادة أيضًا دور مهم في تفسير مواد الميثاق، حيث تضمن ألا تُستخدم التشريعات الوطنية لتقييد الحقوق الواردة في الميثاق، كما يمكن الاستناد إلى هذه المادة لجعل
تفسير مواد الميثاق يجري في ضوء التزامات الدول بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان التي صدّقت عليها؛ ما يفتح الباب أمام توسيع مضامين مواد الميثاق، وتجاوز بعض القيود الواردة في تعريف الحقوق فيه. وتقر اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1980) الاعتماد على "أي قاعدة ملائمة من قواعد القانون الدولي قابلة للتطبيق على العلاقات بين الأطراف" بوصفها قاعدة عامة يمكن الاستناد إليها في تفسير بنود المعاهدات. لكنّ التحفظات التي تبديها الدول الأطراف في الميثاق فيما يخص الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان تقف عقبةً أمام توظيف لجنة حقوق الإنسان العربية لالتزامات الدول بموجب هذه الاتفاقيات خلال تفسير بعض مواد الميثاق بموجب المادة 34 منه. وسيكون أمام اللجنة في هذه الحالة خيار تقييم الصلاحية القانونية لهذه التحفظات في ضوء قواعد القانون الدولي، واستنادًا إلى الفقه الذي راكمته أعمال لجان حقوق الإنسان المعنية في الأمم المتحدة، وتشجيع الدول الأطراف على سحب تحفظاتها المتعلقة باتفاقيات حقوق الإنسان الدولية.
ثالثًا: الخبرة العملية للجنة حقوق الإنسان العربية
يناقش هذا المحور كيفية تعامل لجنة حقوق الإنسان العربية مع القضايا الإشكالية في الميثاق التي جرى تحديدها في المحور السابق، ومقاربات اللجنة في تفسيرها الميثاق من واقع ملاحظاتها وتعليقاتها على تقارير الدول الأطراف.
1. الموقف من التصديق على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان
اتجهت لجنة الميثاق العربي في ملاحظاتها وتوصياتها الختامية إلى تشجيع الدول الأطراف في الميثاق على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والتعاون مع آليات حماية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وهو الأمر الذي يدل على إدراك أعضاء اللجنة أن الميثاق العربي مكمل للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وليس بديلً منها. وقد أولت اللجنة اهتمامًا لتصديق الدول الأطراف على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ورحّبت بذلك، وحثّت الدول الأطراف على إدماج هذه الاتفاقيات في أنظمتها القانونية الوطنية. لكن اللجنة لم تتخذ موقفًا مباشرًا يشجع الدول الأطراف على سحب تحفظاتها عن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، واكتفت بالثناء على تلك الدول التي تُقدِم على تسحب تحفظاتها. فقد رحبت اللجنة بانضمام الإمارات العربية المتحدة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، لكن لم تشجعها على سحب تحفظاتها عن الاتفاقية، التي منها عدم اعتبار العقوبات القانونية أو الألم والمعاناة التي تنتج من هذه العقوبات في نطاق تعريف التعذيب الذي تتبناه الاتفاقية في المادة الأولى منها. وأوصت اللجنة بضرورة تضمين أحكام الاتفاقية الدولية في النظام القانوني الوطني
للإمارات. وحثت اللجنة السلطات العراقية على تعديل تشريعاتها الوطنية لتنفيذ الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، وتبنّي تعريف لجريمة التعذيب في القانون الوطني بما يتوافق مع الاتفاقية الدولية. ورحبت اللجنة بتعديل دولة قطر لقانون العقوبات، بموجب القانون رقم 8 لسنة 2010 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 2004، لكي يتوافق مع تعريف جريمة التعذيب الواردة في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب. وكانت اللجنة في ملاحظاتها على التقرير الأول لقطر قد رحبت بتصديقها على عدد من اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، منها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 2009، لكنها لم تحثّ قطر على سحب التحفظات التي أبدتها تجاه الاتفاقية، المتعلقة في معظمها بضمانات المساواة بين الرجال والنساء في قوانين الأسرة والجنسية. وفي إطار تعليق اللجنة على ضرورة توفير الحماية للعمال الوافدين والعمالة المنزلية في لبنان، حثت الحكومة اللبنانية على بحث التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين. وكانت اللجنة قد رحبت بسحب العراق تحفظاته في شباط/ فبراير 2014 التي أبداها على المادة 9، في الفقرتين 1 و 2، من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تتعلق بإقرار المساواة بينها وبين الرجل في قوانين الجنسية. وكان العراق قد أصدر قانون الجنسية العراقي رقم 26 لسنة 2006، الذي يتبنّى مبدأ المساواة بين النساء والرجال في منح الجنسية للأبناء في حال الزواج من أجانب. كما رحّبت اللجنة بسحب دولة الكويت لتحفظها عن المادة 25، الفقرة ب، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 20 أيار/ مايو 2016، الذي كان يجعل حق الانتخاب والتصويت للرجال فحسب، لكنها تجنبت التعليق على بقية التحفظات التي ما زالت تُبديها الكويت بشأن الاتفاقية نفسها.
وعمومًا، حرصت اللجنة على تشجيع الدول الأطراف في الميثاق على التفاعل مع آليات مجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخواص. كما حثت اللجنة الدول الأطراف على متابعة تنفيذ التوصيات الختامية للهيئات التعاقدية للأمم المتحدة
المعنية بمراقبة تنفيذ اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، وتنفيذ التوصيات الصادرة عن آلية الاستعراض الدوري الشامل، والتوصية بتخصيص هيئات وطنية لمتابعة تنفيذ توصيات آليات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية.
2. ضمانات ممارسة الحقوق السياسية
راقبت لجنة الميثاق تنفيذ المكونات المختلفة لحرية الممارسة السياسية الواردة في المادة 24، وأبدت تعليقات نقدية على المؤسسات والتشريعات المنظمة للحقوق السياسية في الدول الأطراف. فقد لاحظت اللجنة في مناقشة التقرير الأول للأردن غياب عدالة التصويت، وتمثيل الناخبين في النظام الانتخابي الأردني، وأشارت إلى القيود المفروضة على حرية الاجتماع والتجمع السلمي بأنها مخالفة للدستور الأردني. وأشارت اللجنة خلال مناقشة التقرير الأول للإمارات إلى غياب الضمانات الكفيلة بحرية الممارسة السياسية، والقوانين التي تنظم الحق في تنظيم التجمعات السلمية. وفي ملاحظاتها على التقرير الدوري الأول للإمارات، أوصت اللجنة بتعديل القوانين المنظمة للمجلس الوطني الاتحادي ليكون جميع أعضائه أو غالبيتهم بالانتخاب، وليس بالتعيين؛ وذلك لضمان الحقوق السياسية الواردة في المادة 24 من الميثاق العربي. كما أشارت اللجنة أيضًا إلى ضعف الوسائل المتاحة في الإمارات لتمتع المواطنين بحق الممارسة السياسية في شكل جمعيات أو تنظيمات. وتطرقت إلى الحقوق السياسية في السعودية، معتبرة إياها أنها تخلو من إطار قانوني مناسب للتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها ضمانات حرية الاجتماع والتجمع السلمي، وأوصت باتخاذ مزيد من التدابير لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية للمواطنين، وأن تكون الانتخابات تحت إشراف آليات مستقلة. وأوصت اللجنة السلطات اللبنانية في ملاحظاتها على تقريرها الأول في نيسان/ أبريل 2015 بضرورة إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في موعدها المنصوص عليه في الدستور. ورحّبت في ملاحظاتها على التقرير الدوري الثاني لقطر بصدور القانون رقم 6 لسنة 2021 الخاص بنظام انتخاب مجلس الشورى، وأوصت بتعديله بما يكفل حق الترشح والانتخاب بالمساواة بين جميع المواطنين. كما حثت اللجنة الكويت على وضع إطار قانوني لممارسة الحقوق السياسية، بما فيها حرية تأسيس الأحزاب السياسية.
3. ضمانات احترام الحقوق المدنية
استندت لجنة حقوق الإنسان العربية إلى المواد المتعلقة بحرية التنقل (المادة 26)، وحرية الإقامة (المادة 27)، والحق في التمتع بالجنسية (المادة 29) للتعليق على إجراءات المنع من السفر أو إسقاط الجنسية بأساليب تعسفية. وفي ملاحظات اللجنة على التقرير الدوري الأول للبحرين عام 2019، أثارت موضوع اتخاذ قرارات المنع من السفر ضد مواطنين بأساليب تعسفية من دون أساس قانوني أو قضائي في مخالفة للمادة 27 من الميثاق. وكانت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قد أبدت الملاحظة نفسها للبحرين في ملاحظاتها الختامية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. كما أشارت إلى ضعف الضمانات القانونية التي تمنع إسقاط الجنسية عن أيّ شخص على نحو تعسفي وغير قانوني في الأردن، وأوصت بتعديل قانون الجنسية للسماح بإمكانية الطعن القضائي على قرارات سحب الجنسية. وفي ملاحظات اللجنة على التقرير الدوري الثاني لقطر، أوصت بتبنّي آلية المراجعة القضائية للإجراءات والقرارات الإدارية المتعلقة بتقييد حرية التنقل والإقامة. وأولت قضية عديمي الجنسية، وآثارها في حرمان العديد من الأفراد من الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اهتمامًا في ملاحظاتها الختامية على التقرير الأول لقطر. لكن اللجنة لم تتطرق إلى حقوق البدون في ملاحظاتها وتوصياتها الختامية على تقارير الكويت، في حين حظي موضوع حقوق البدون السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية باهتمام في التعليقات الختامية للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة على تقرير الكويت.
أولت لجنة حقوق الإنسان العربية حقوق الأقليات واحترام التنوع الثقافي والديني اهتمامًا. ففي ملاحظتها على التقرير الأول للسعودية، تطرّقت إلى الصلاحيات الواسعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تشكّله ممارساتها على الأشخاص من انتهاكات للحق في الحرية والأمان الشخصي، وحقوق الأقليات الدينية. كما أشادت في ملاحظاتها في التقرير الأول للعراق بالنص على حق الأقليات في التمتع بمكوناتها الثقافية في الدستور العراقي، لكنها أشارت لاحقًا إلى عدم إصدار قانون في العراق يضمن حق الأقليات في التمتع بثقافاتها واستخدام لغاتها وممارسة تعاليم دينها. وعلى الرغم من تبنّي العراق قانون اللغات الرسمية
رقم 7 لعام 2014، فإن اللجنة لاحظت عدم اتخاذ السلطات العراقية تدابير كافية لكي تعكس الأنشطة الرسمية للدولة التنوع الديني واللغوي في المجتمع. وتجنبت اللجنة التطرق إلى حرية الفكر والعقيدة والدين، والتفصيل فيما يحمله هذا الحق من مكونات يتمتع بها الفرد، سواء بالاعتقاد، أو تغيير الديانة، أو ممارسة الشعائر الدينية أو المجاهرة بها. وكانت لجنة حقوق الإنسان قد أشارت في العديد من المناسبات إلى قلقها إزاء احترام حرية الدين في مناقشة التقارير المقدمة إليها من الدول العربية الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي هي أيضًا أطراف في الميثاق العربي. فقد انتقدت اللجنة العقوبات المدنية المفروضة على المرتدين عن الإسلام في الأردن، والتي تشمل منع زواج المرتدين وحرمانهم من الإرث. وانتقدت أيضًا النص على جريمة الردة في السودان في المادة 126 من القانون الجنائي، وطالبت بإلغائها.
وجهت اللجنة ملاحظات متكررة إلى القوانين الوطنية المنظمة للحق في تكوين الجمعيات والنقابات المهنية، والحق في الإضراب. وهي من الحقوق التي تشهد تقييدًا في معظم الدول الأطراف في الميثاق. فأوصت الأردن بتعديل قانون الجمعيات الخيرية "للقضاء على العوائق التي تقف حائلً دون ممارسة الحق في تكوين الجمعيات". ولاحظت عدم تمكين العمال من تأسيس منظمات نقابية في الأردن، وأوصت بضمان حق العمال في المفاوضة الجماعية حول شروط العمل وظروفه، وضمان حقهم في ممارسة الإضراب. وعلقت اللجنة أيضًا في مناقشتها التقرير الدوري الأول المقدم من الجزائر على القانون رقم 06-12 المتعلق بالجمعيات في الجزائر، وما يمنحه من صلاحيات تقديرية واسعة في رفض تأسيس الجمعيات. ولاحظت أن القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 بشأن تنظيم علاقات العمل في الإمارات يقيد حرية ممارسة العمل النقابي، والحق في الإضراب. وأوصت الإمارات بإيجاد بيئة مواتية لعمل مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها تلك العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وأوصت كذلك "بإدراج نص صريح يتعلق بإقرار حرية العمل النقابي والحق في الإضراب في قانونها الوطني بما يتواءم مع نص المادة 35 من الميثاق".
وطالبت اللجنة البحرين بتبنّي قانون جديد للمنظمات والمؤسسات الأهلية يضمن عملها في مناخ مناسب. وأشارت إلى القيود المفروضة في البحرين على حرية تكوين الجمعيات في ظل قانون الجمعيات رقم 21 لسنة 1989، والصلاحيات الواسعة التي يمنحها القانون للسلطة التنفيذية للتدخل في عمل الجمعيات. ولاحظت أيضًا فرض قيود على حرية تأسيس الجمعيات والنقابات المهنية، وعدم وجود ضمانات لتنظيم الحق في الإضراب في السعودية، وأوصتها بتبنّي قوانين تضمن الحق في تكوين الجمعيات والنقابات المهنية، والحق في الإضراب والتشجيع على الانخراط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وطالبت اللجنة السودان "برفع القيود التشريعية على حرية النقابات المهنية على أساس مهني بحت، وحرية ممارسة العمل النقابي لأصحاب كل مهنة للدفاع عن مصالحهم". وأشارت إلى القيود الواردة في القانون رقم 12 لسنة 2004 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة في قطر. ولاحقًا، رحبت بصدور قانون جديد في قطر للجمعيات رقم 21 لسنة 2020، لكنها لاحظت القيود الواردة فيه، منها الصلاحيات الواسعة للجهة الإدارية في إصدار قرارات تأسيس الجمعيات أو حلّها. ولاحظت أن القانون 28-89 المتعلق بالاجتماعات والمظاهرات العمومية في الجزائر يضع قيودًا على حرية التجمع السلمي والتظاهر من حيث فرض ترخيص مسبق، وغياب قواعد لفضّ رجال الأمن للتظاهرات السلمية. ولاحظت أيضًا غياب القواعد المنظمة للحق في تنظيم التجمعات السلمية والمسيرات في الإمارات. وأشارت إلى الاستخدام المتكرر للقوة المميتة لفض التظاهرات والتجمعات السلمية في السودان.
طالبت لجنة حقوق الإنسان العربية الأردن بتعديل قانون الحق في الحصول على المعلومات، وإلغاء القانون المؤقت الخاص بحماية أسرار الدولة ووثائقها. وعلقت على آثار قوانين أنظمة المعلومات لعام 2011، ومنع الإرهاب لعام 2006، في ممارسة حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة في الأردن. وأوصت بحماية الصحافيين من العقوبات الجزائية بسبب عملهم الإعلامي، ومراجعة التشريعات الإعلامية التي تفرض قيودًا على حرية الصحافة. وفي مناقشة اللجنة للتقرير الدوري الأول المقدم من الجزائر، لاحظت تداعيات تبنّي تعريف
واسع للإرهاب في المادة 78 مكرر من قانون العقوبات على ممارسة حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي. وأشارت إلى القيود على حرية إصدار المطبوعات الصحافية في الإمارات، وعدم وجود قواعد منظمة للحصول على المعلومات، واحتواء القانون الوطني على عقوبات سالبة لحرية الصحافيين والمدونين، وممارسة الرقابة على شبكة الإنترنت. وأوصت بإفساح المزيد من الحريات على الفضاء الإلكتروني في الإمارات. وعبرت اللجنة أيضًا عن قلقها إزاء تبنّي القانون رقم 2 لعام 2003 بشأن جهاز أمن الدولة، وقانون جرائم تقنية المعلومات رقم 6 لعام 2012، وقانون مكافحة الجرائم الإرهابية رقم 7 لعام 2014 في الإمارات، وأشارت إلى "تعاريف مبهمة وفضفاضة لبعض الجرائم الجنائية الواردة فيها، وبما يصعب تحديد أركان الجريمة، وهذه الأحكام تخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وتفتح الباب أمام التأويل التعسفي وإساءة الاستخدام". ولاحظت اللجنة إمكانية حبس الصحافيين وملاحقتهم بموجب التشريعات الخاصة بتنظيم الصحافة والإعلام، والقيود المفروضة على ضمان حق الصحافيين في الوصول إلى المعلومات في البحرين، في ظل غياب حماية تشريعية وطنية للحق في الوصول إلى المعلومات. كما أشارت إلى القيود التي يشتمل عليها قانون الجرائم الإلكترونية، وفرض عقوبات مشددة على ممارسة التعبير السلمي عن الرأي في السعودية.
أبدت لجنة الخبراء خلال نظرها في تقارير الدول الأطراف في الميثاق ملاحظات نقدية على إعلان حالات الطوارئ وآثارها في ممارسة الحقوق والحريات. واهتمت اللجنة على نحو خاص بضرورة تضمين القوانين المنظمة للتدابير الاستثنائية على الحقوق غير القابلة للانتقاص في حالات الطوارئ، كما تنظمها المادة 4 من الميثاق. وأشارت في ملاحظاتها على التقرير الدوري الأول للإمارات إلى عدم تضمين القانون الاتحادي رقم 11 لعام 2009 بشأن الأحكام العرفية على جميع الحقوق التي لا يجوز تقييدها خلال حالات الطوارئ، والتي نص عليها الميثاق. كما علقت اللجنة على الجوانب الشكلية لإعلان حالات الطوارئ في ملاحظاتها الختامية على التقرير الأول للبحرين، معتبرة أن إعلان حالة السلامة الوطنية لم يلتزم بالإجراءات الشكلية المنصوص عليها في المادة 4 من الميثاق العربي. ولاحظت غياب تشريع وطني في البحرين ينظم حالات الطوارئ، وحماية الحقوق غير القابلة للانتقاص خلال أوقات الطوارئ. وأوصت اللجنة السعودية بتطوير تنظيم
تشريعي لتنظيم حالات الطوارئ يحدد ظروف إعلان حالة الطوارئ، ويأخذ في اعتباره حماية الحقوق التي لا يجوز تعطيلها أو تقييدها خلال إعلان حالة الطوارئ.
لاحظت اللجنة توسع الدول الأطراف في تطبيق إجراء الحبس الاحتياطي، وغياب النص القانوني على حق ضحايا الاعتقال التعسفي وغير القانوني في الحصول على تعويض. وانتقدت على نحو خاص آثار قوانين مكافحة الإرهاب، وقوانين الأمن العام، في احترام الدول الأطراف لمكونات الحق في الحرية والأمان الشخصي. ولاحظت اللجنة تبنّي قانون منع الإرهاب الأردني رقم 18 لسنة 2014 تعريفًا واسعًا للجريمة الإرهابية، ومنح القانون صلاحيات للسلطات الأمنية في احتجاز المتهمين. وانتقدت تداعيات قانون النظام العام في السودان على احترام ضمانات الحق في الحرية والأمان الشخصي، وطالبت بمراجعة هذا القانون. وانتقدت أيضًا تداعيات قانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم 13 لسنة 2005 على تطبيق ضمانات الحق في المحاكمة العادلة. وعلقت لاحقًا على طول أمد فترات احتجاز المتهمين رهن المحاكمات في ظل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، كما لاحظت إقدام السلطات العراقية على احتجاز الأشخاص من دون توجيه اتهامات فتراتٍ طويلة واعتبرته مخالفة للقانون. ولاحظت اللجنة في مناقشتها التقرير الدوري الأول للجزائر أنه على الرغم من رفع العمل بقانون الطوارئ في شباط/ فبراير 2011، فإن الجيش يتمتع بصلاحيات واسعة في مهمات حفظ النظام العام خارج الحالات الاستثنائية بموجب التعديلات على القانون رقم 23-91، مطالبةً بأن تكون هذه الصلاحيات متسقة مع الميثاق. ولاحظت أيضًا عدم تناول الإمارات في تقريرها للجنة للتشريعات والتدابير التي تتخذها الدولة لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، وحثت اللجنة السلطات الإماراتية على اتخاذ تدابير وطنية فعالة لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري. كما حثت لبنان على "معالجة ملف الاختفاء القسري وإجلاء مصير الأشخاص المفقودين [منذ بداية الحرب الأهلية]، مع استخدام التقنيات الحديثة للطب الشرعي". وقد اعتمدت في إشارتها إلى قضية الاختفاء القسري على مواد الميثاق المتعلقة بحماية الحق في الحياة (المادة 5)، وحماية الحق في الحرية والأمان الشخصي (المادة.)14
ووجهت اللجنة ملاحظات إلى الدول الأطراف بشأن غياب ضمانات استقلال السلطة القضائية في تشريعاتها الوطنية. فقد أوصت اللجنة الإمارات بتعديل التشريع المنظم للقانون الأساسي للقضاة، بما يضمن استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية. وعبّت عن قلقها من تدخّل السلطة التنفيذية في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الاتحادي، وتبعية النائب العام ووكلائه لوزير العدل، وأوصت بمراجعة قانون السلطة القضائية الاتحادية رقم 3 لعام 1983. وفي ملاحظاتها على التقرير الأول للسعودية، لاحظت اللجنة غياب تدابير استقلال المجلس الأعلى للقضاء، والادعاء العام، وأوصت بضرورة تبعية مكتب الادعاء العام للسلطة القضائية بدلً من وزارة الداخلية. وأوصت اللجنة لبنان بمراجعة طريقة تشكيل مجلس القضاء الأعلى لضمان استقلاليته، وحثّت السلطات على تعديل قواعد المحاكمات أمام المجلس العدلي والمحاكم العسكرية لتوفير ضمانات المحاكمات العادلة.
اهتمت اللجنة بالتفصيل بمكونات المادة 8 من الميثاق المتعلقة بحظر التعذيب، حيث تطرقت إلى طريقة تعريف جريمة التعذيب في التشريعات الوطنية للدول الأطراف، وقيّمت الآليات والسياسات الوطنية لمكافحة التعذيب. وقد اعتمدت في ذلك على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فعلى سبيل المثال، لاحظت اللجنة أن العقوبة المنصوص عليها في المادة 208 من قانون العقوبات الأردني لا تتناسب مع خطورة فعل التعذيب، وأشارت أيضًا إلى عدم وجود نصوص في القانون الأردني تتعلق بالتعويض لضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي، واعتبرت أن القانون المدني وحده غير كافٍ في التعامل مع "تجاوزات أعوان السلطة العمومية وخرقهم للقانون"، ولاحظت أيضًا عدم وجود آلية مستقلة لتلقّي الشكاوى المتعلقة بالتعذيب. وفي مناقشة التقرير الدوري الأول للأردن، رحبت اللجنة بتعديل قانون العقوبات الأردني لجعل تعريف جريمة التعذيب متوافقًا مع التعريف الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، لكنها كررت ملاحظتها السابقة بأن النص على العقوبة على جريمة التعذيب لا يستوي مع خطورة الجريمة لكونه اعتبرها جنحة فحسب. ويلاحظ في هذا المثال اعتماد اللجنة على تعريف جريمة التعذيب في الاتفاقية الدولية، متجاوزةً القيود الواردة في المادة 8 في الميثاق العربي. وأوصت اللجنة البحرين بتوفير آليات مؤسسية فعالة ومستقلة للتحقيق في شكاوى التعذيب كافة، وطالبت السلطات اللبنانية باتخاذ التدابير لمواجهة ظاهرة اكتظاظ السجون، ونقل صلاحية إدارة السجون إلى وزارة العدل. ولاحظت أن قانون الإجراءات الجزائية في الإمارات لا ينص على بطلان التحقيقات والأدلة
المنتزعة تحت التعذيب، فضلً عن عدم تنصيص القانون على عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم. وأوصت السلطات الإماراتية بتضمين أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب في القانون الوطني، عبر تعديل قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية لوضع تعريف شامل لجريمة التعذيب، وضرورة أن يضمن القانون الوطني في الإمارات حظر إبعاد الأجنبي إلى دولة قد يواجه فيها خطر التعذيب. لكن لم تتناول لجنة الميثاق موضوع العقوبات القاسية ضمن تعريف جريمة التعذيب. ففي ملاحظاتها الختامية على التقرير الأول للسعودية، أشارت اللجنة إلى أن التشريعات الوطنية السعودية لا تتضمن تعريفًا لجريمة التعذيب، ولا تنص على قواعد للتعويض ورد الاعتبار إلى ضحايا التعذيب. كما لاحظت عدم فاعلية المؤسسات المعنية بمراقبة أماكن الاحتجاز. لكن اللجنة تجنّبت التعليق على العقوبات الجسدية المطبّقة في المملكة، واكتفت بالمطالبة بإصدار قانون للعقوبات لتقنين العقوبات في جرائم الحدود والقصاص، أو العقوبات التعزيرية إعمالً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. وكان يمكن أن تستند، في تعليقها على العقوبات القاسية، إلى التزامات السعودية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صدّقت عليها منذ عام 1997، من دون إبداء تحفظات بشأن تعريف التعذيب. وكانت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة طالبت السعودية بتعديل تشريعي لإلغاء العقوبات البدنية كافة، مثل الجلد وبتر الأطراف، معتبرة أن هذه العقوبات تندرج ضمن التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقد أولت اللجنة ضرورة تضييق نطاق الحكم بعقوبة الإعدام اهتمامًا؛ بحيث تقتصر على الجرائم الأشد خطورة، وضرورة وجود آليات للعفو عن تطبيق العقوبة. ولاحظت توسّع القانون الوطني في السودان في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، وأثارت على نحو خاص افتقار التعريف المنضبط إلى بعض الجرائم مثل جريمة "تقويض النظام الدستوري". ولم تتطرق اللجنة إلى موضوع تطبيق عقوبة الإعدام على من هم دون 18 عامًا، لكنها ركزت على ضرورة تحديد سن أدنى مناسب للمسؤولية الجنائية. فقد اعتبرت أن تبنّي لبنان سن المسؤولية الجنائية للأحداث أقل من 12 عامًا لا يتسق مع بنود حماية الطفل في الميثاق العربي. وهي السن المقبولة عمومًا في فقه لجنة حقوق الطفل، لكن اللجنة طالبت في تعليقها العام رقم 24 برفعه إلى 14 عامًا. وكان يمكن أن تشجع الدول بعدم تطبيق عقوبة الإعدام على الأطفال دون سن 18 عامًا،
اعتمادًا على أن معظم الدول الأطراف في الميثاق العربي، باستثناء السعودية، قد صدّقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر ذلك على نحو واضح في المادة 6، الفقرة 5.
4. حقوق المرأة
تناولت اللجنة في ملاحظاتها على تقارير الدول الأطراف مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، وطبيعة تدابير التمييز الإيجابي التي قد تتخذها الدول لتفعيل هذه المساواة. وفي هذا السياق، أبدت أسفها لعدم تنصيص الدستور الأردني في المادة 6 على المساواة بين الرجل والمرأة، واعتبرت أن ذلك يتناقض مع أحكام الميثاق العربي، والتزامات الأردن بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). وهذه هي الإشارة الوحيدة التي تطرقت فيها اللجنة إلى احترام التزامات إحدى الدول الأطراف في ظل هذه الاتفاقية. كما اعتبرت أن التدابير التي اتخذتها السعودية لتعزيز التمييز الإيجابي لصالح المرأة غير كافية. وأكدت أن تطبيقات نظام القوامة في المملكة تؤثر في تمتع المرأة بحقوقها الأساسية بالمساواة مع الرجل. كما اعتمدت اللجنة على المادة 3، الفقرة 3، الخاصة بالتدابير الإيجابية لصالح المرأة لحث السلطات اللبنانية على التمييز الإيجابي لصالح النساء في التمثيل النيابي. وحثت اللجنة قطر على اتباع التدابير الإيجابية (الكوتا) لتوسيع مشاركة المرأة في مجلس الشورى والمجالس البلدية. وأوصت في ملاحظاتها على التقرير الدوري الأول للكويت باتخاذ تدابير للقضاء على التمييز ضد المرأة "بما يتفق مع الشريعة الإسلامية"، من دون تفصيل بالمقصود بذلك في إطار تعليقها على الخطة الإنمائية المتوسطة الأجل للكويت. وهي المرة الوحيدة التي تشير فيها اللجنة صراحة إلى الشريعة الإسلامية في معرض الحديث عن التمييز ضد المرأة. وأوصت اللجنة الإمارات بإنهاء التمييز على أساس الجنس في تولّ وظائف القضاء والنيابة العامة، عبر تعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم 3 لعام 1983 بشأن السلطة القضائية. وأوصت أيضًا الجزائر في مناقشتها تقريرها الدوري الأول بتعزيز المساواة الفعلية بين النساء والرجال في تولّ الوظائف القيادية العامة. ورحبت بتولّ النساء الوظائف العليا في السودان، وطالبت الحكومة باتخاذ تدابير لزيادة معدلات التحاق الإناث بالتعليم. وحثت اللجنة العراق على ضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة من دون تمييز، وضمان المساواة بين النساء والرجال في قوانين العمل، وضمان حصول المرأة على مزايا تفضيلية في حالات الحمل والإنجاب.
وأبدت اهتمامًا بضرورة اتخاذ الدول الأطراف تدابير لمواجهة العنف ضد المرأة. ورحّبت بتعديل قانون العقوبات في الإمارات عام 2016 لإلغاء إباحة تأديب الزوج لزوجته، ورحّبت كذلك بإصدار قانون الحماية من العنف الأسري عام 2019، وأوصت بتفعيل السياسات التي تضمن النفاذ الفعال للقانون. وانتقدت اللجنة انتفاء المسؤولية الجنائية عن مرتكبي جريمة الاغتصاب في البحرين إذا ما حرروا عقود زواج من ضحايا الاغتصاب، واعتبرت أن هذه الممارسة تتعارض مع مبدأ الرضا في الزواج. وقد رحبت اللجنة فيما بعد بإعلان السلطات البحرينية تبنّي تعديلات قانونية لإلغاء إعفاء مرتكبي الاغتصاب من العقوبة في حال الزواج من الضحية، وإلغاء تبرير استخدام العنف استنادًا إلى العرف، والاستفادة من العذر المخفف في حال مفاجأة الزوجة بفعل الزنا. ولم تعلق اللجنة على التمييز ضد المرأة في قوانين الأحوال الشخصية سوى في مناقشتها تقارير البحرين والسعودية والعراق والكويت. فقد رحبت بصدور قانون الأسرة الموحد في البحرين رقم 19 لسنة 2017، الذي يطبَّق على جميع المواطنين، سواء أكانوا منتمين إلى الفقه السني أم الجعفري، لكن لم تتطرق إلى حقوق المرأة في الأسرة في ظل هذا القانون. ولاحظت اللجنة غياب إطار قانوني في السعودية مدوّن ينظم الأحوال الشخصية، وأوصت بضرورة وضع قانون للأحوال الشخصية لتعزيز حقوق النساء. وأشارت إلى ضرورة مراجعة العراق للتشريعات التي تميز ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية. وانتقدت حرمان المرأة من ممارسة الولاية على الأبناء في الكويت بموجب المادة 209 من قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم 51 لسنة 1984، والمادة 110 من القانون المدني رقم 67 لسنة 1980. وأثارت لجنة الميثاق مسألة الزواج القسري وتحديد سن الزواج في الدول الأطراف. فقد لاحظت ضعف الحماية القانونية للمرأة ضد الزواج القسري في العراق، وطالبت بوضع حد أدنى لسن الزواج لحماية القاصرات من الإكراه على الزواج في السودان. لكن اللجنة لم تتخذ موقفًا من تحديد هذه السن مثلما اتجهت لجنة حقوق الإنسان، إلا في ملاحظاتها على التقرير الدوري الأول للكويت، حيث حثّت السلطات الكويتية على تعديل قانون الأحوال الشخصية لضمان رضا المرأة الكامل من دون إكراه عند انعقاد الزواج، وتحديد سن الزواج بسن 18 عامًا تماشيًا مع قانون الطفل.
وقد أعطت لجنة الخبراء مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في قانون الجنسية أولوية، في ملاحظاتها على تقارير الدول الأطراف. فعلى سبيل المثال، لاحظت اللجنة التمييز الذي تعانيه المرأة في الإمارات بموجب قانون الجنسية وجوازات السفر رقم 17 لعام 1972، الذي يحرم أطفال المرأة الإماراتية المتزوجة من أجنبي من الحصول على الجنسية. وأوصت اللجنة السعودية في ملاحظاتها على التقرير الأول بتعديل قانون الجنسية للسماح لأبناء المرأة السعودية المتزوجة من أجنبي باكتساب الجنسية السعودية مساواةً بالرجل السعودي المتزوج من أجنبية. وانتقدت اللجنة التمييز ضد المرأة في قانون الجنسية اللبنانية رقم 15 لسنة 1925. ورحّبت بتبنّي القانون رقم 10 لسنة 2018 في قطر، الذي يمكّن أبناء القطريات المتزوجات من أجانب من حصول الأبناء على الإقامة الدائمة، لكن اللجنة حثت قطر على ضرورة السماح لهم بالحصول على الجنسية أسوة بالرجال القطريين المتزوجين من أجنبيات.
خاتمة
تنطلق هذه الدراسة من أهمية متابعة وتقييم الفقه الصادر عن لجنة حقوق الإنسان العربية، خاصة في ظل اهتمام دراسات حقوق الإنسان والقانون الدولي في العقدين الأخيرين بما يعرف بظاهرة التجزؤ المعيارية والمؤسسية بين الحقول الفرعية المختلفة للقانون الدولي، وداخل حقل القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد اتبعت لجنة حقوق الإنسان العربية عمومًا مقاربة التناغم بين تفسيرها الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وبين الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتفسيرات لجان حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. واتسمت ملاحظات اللجنة وتوصياتها بالمقاربة النقدية للتشريعات والممارسات الوطنية في إطار مراقبة تطبيق حقوق الميثاق العربي من دون الانتقاص من هذه الحقوق لصالح التشريعات الوطنية، كما هو الحال في قضايا حرية الرأي والتعبير، وحظر التعذيب، والحق في التجمع السلمي، وحرية تكوين الجمعيات، واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. وقد اتجهت اللجنة أيضًا إلى مراجعة تنفيذ الدول توصياتها؛ ما يخلق استمرارية واتساقًا في أعمال اللجنة بصرف النظر عن تشكيل أعضائها. وقد حرصت اللجنة على إبداء الاهتمام بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ورحّبت بالتعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وانضمام الدول الأطراف في الميثاق إليها، وبالخطوات التي اتخذتها بعض الدول لسحب بعض التحفظات. لكن اللجنة تجنبت مناقشة تلك التحفظات أو تقييمها، أو التشجيع على نحو مباشر على سحبها، خاصة حينما ناقشت تطبيق بعض الحقوق الواردة في الميثاق، التي تتأثر بمثل هذه التحفظات عن الاتفاقيات الدولية. وكان يمكن أن تعلق اللجنة على هذه التحفظات، مستفيدةً من تطور فقه لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فيما يخص ضوابط التحفظات عن اتفاقيات حقوق الإنسان. لكن اللجنة حرصت على الاستناد إلى الاتفاقيات الدولية لتأكيد بعض الحقوق الواردة في الميثاق، ولا سيما ما يخص التعذيب، وتعريف جريمة التعذيب نظرًا إلى أن الميثاق لا يحتوي على تعريف شامل له. كما استندت اللجنة إلى اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في ملاحظاتها الختامية على تقرير الأردن، في إطار تعليقها على غياب نص دستوري يضمن المساواة بين الرجال والنساء.
وقد تجنبت لجنة الخبراء الخوض في مناقشة تفصيلية للحقوق ذات الحساسية الثقافية أو الدينية، مفضّلةً الصمت عن بعض هذه القضايا، وتطوير مواقفها تبعًا للسياق السياسي والقانوني داخل الدول الأطراف، من دون الصدام المباشر مع الاتفاقيات الحقوقية الدولية، أو إقرار تفسيرات لمواد الميثاق تتناقض كليًّا مع هذه الاتفاقيات. وفي هذا السياق، لم تتخذ اللجنة موقفًا تفسيريًا من حدود العلاقة بين الشريعة الإسلامية ومضمون بعض الحقوق الواردة في الميثاق العربي؛ إذ تجنبت المناقشة التفصيلية للقضايا التي تثير هذه الإشكالية مثل حرية الدين والمعتقد، أو علاقة الأديان بحرية الرأي والتعبير. وتجنّبت أيضًا التفصيل في وضعية حقوق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية، باستثناء إشارات عابرة في ملاحظاتها الختامية على بعض تقارير البلدان من دون الخوض في قضايا تفصيلية تتعلق بالتمييز ضد المرأة في الزواج والطلاق. وقد اقتصرت في تعليقاتها على أمور الأحوال الشخصية على قضايا ولاية المرأة على الأبناء، ورضا المرأة الكامل عن قيام الزواج، وضرورة تحديد سن الزواج من دون أن تحدد هذه السن باستثناء ملاحظاتها على تقرير الكويت في كانون الأول/ ديسمبر 2021؛ فقد طالبت بتحديد سن الزواج ب 18 عامًا، وهو ما قد يدل على توجّه جديد داخل اللجنة بشأن هذه القضية. واهتمت اللجنة على نحو مكثف بقضايا العنف ضد النساء، وضمانات مشاركة المرأة في الحياة العامة. لم تتخذ اللجنة موقفًا من تطبيق القانون الجنائي الإسلامي، والعقوبات البدنية، باستثناء تناول لجنة الخبراء للسلطات الواسعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، وأثر هذه الممارسات في ضمانات الحق في الحرية والأمان الشخصي، والمطالبة بتقنين قانون العقوبات في السعودية اتساقًا مع مبدأ عدم شرعية الجرائم والعقوبات. لكن يمكن القول إن اللجنة دعمت على نحو غير مباشر التفسيرات المستنيرة للشريعة حينما تطرقت في إشارات عامة إلى ضرورة إنهاء التمييز ضد المرأة في قوانين الأحوال الشخصية في بعض الدول الأطراف. لكن كان بالإمكان أن تعطي اللجنةُ مقاربةَ المشروعية الثقافية لحقوق الإنسان مساحةً أكبر في عملها، من خلال التشجيع على إعادة تفسير الشرائع الدينية أو الممارسات المستندة إلى الثقافات المحلية على نحو يتسق مع الحقوق الواردة في الميثاق. وكان يمكنها أيضًا الاستناد إلى الفقه القانوني المقارن لمشاركة الدول الأطراف في الممارسات الجيدة التي يمكن نقلها وتبنّيها من دول أخرى داخل العالم الإسلامي لتوسيع نطاق حقوق المرأة، وحرية الدين والمعتقد، وإصلاح القانون الجنائي الإسلامي لتقييد تطبيق العقوبات البدنية أو وقفها. إن استمرار تبنّي لجنة حقوق الإنسان العربية لهذه المقاربات، أو تطويرها، أو حتى التراجع عنها، سيظل رهنًا لطبيعة تشكيلها، وحرص أعضائها على الحفاظ على تقاليدها وتطويرها في تفسير الميثاق، وأيضًا مدى تسامح الدول الأطراف مع عمل اللجنة واستمرار التعاون معها. ومن ناحية أخرى، فإن ضعف تمثيل، وصعوبة تواصل المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان العربية والدولية مع مؤسسات جامعة الدول العربية، ومع لجنة حقوق الإنسان العربية يُفقد اللجنة حلفاء وداعمين في عملها واستقلاليتها، كما يُفقد محتوى الميثاق مؤثرًا مهمً لتطويره، والدفاع عن توسيع محتواه المعياري.
المراجع
Reference
العربية
الأمم المتحدة. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتُمد وعُرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون/ ديسمبرر 1966، تاريخ بدء النفاذ: 23 آذار/ مارس 1976، وفقًا لأحكام المادة.49
الأمم المتحدة. اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة. التعليقات الختامية للجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة: الأردن. الدورة التاسعة والثلاثون.2007/8/10.
______. الملاحظات الختامية للجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة: الإمارات العربية المتحدة. الدورة الخامسة والأربعون..2010/2/5
الأمم المتحدة. اللجنة المعنية بحقوق الإنسان. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الثالث للكويت. ______. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الخامس للأردن.2017/12/4.
______. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الأول للبحرين.2018/11/15.
______. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الأولي للبحرين.2018/11/15.
______. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الخامس للسودان.2018/11/19.
الأمم المتحدة. لجنة حقوق الطفل. التعليق العام رقم 24 (2019) بشأن حقوق الطفل في نظام قضاء الأطفال.2019/9/18.
الأمم المتحدة. لجنة مناهضة التعذيب. الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الثاني للملكة العربية السعودية.2016/6/8.
جامعة الدول العربية. الميثاق العربي لحقوق الإنسان. فُتح للتوقيع عليه في 1994/9/15. لم يدخل حيز التنفيذ. ______. الميثاق العربي لحقوق الإنسان. وافق عليه مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة بقراره رقم 270 د.ع (16) بتاريخ 2004/5/23. تونس: 2004. دخل حيز التنفيذ في.2008/3/16
جامعة الدول العربية. لجنة حقوق الإنسان العربية. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير المملكة الأردنية. الدورة الأولى.2012.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير دولة قطر. الدورة الرابعة.2013.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير دولة الإمارات. الدورة الخامسة.2013.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير جمهورية العراق. الدورة السادسة..2014
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير الجمهورية اللبنانية. الدورة السابعة.2015.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على تقرير السودان. الدورة الثامنة.2015.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول للمملكة الأردنية. الدورة التاسعة. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الأول للسعودية. الدورة العاشرة.2016.
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول للجمهورية الجزائرية. الدورة الحادية عشرة..2016
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الأول لدولة الكويت. الدورة الثانية عشرة.2017. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول لدولة قطر. الدورة الثالثة عشرة. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول لجمهورية العراق. الدورة الرابعة عشرة. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول لمملكة البحرين. الدورة الخامسة عشرة. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول لدولة الإمارات. الدورة السادسة عشرة. ______. التقرير السنوي الثالث عشر للجنة حقوق الإنسان العربية لعام 2021. القاهرة:.2021
______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الأول لدولة الكويت. الدورة السابعة عشرة. ______. الملاحظات والتوصيات الختامية على التقرير الدوري الثاني لدولة قطر. الدورة الثامنة عشرة. الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. "جامعة الدول العربية وحقوق الإنسان: تحديات على الطريق". ورشة العمل الإقليمية. القاهرة، 2013/2/18-16:. في https://tinyurl.com/mr2une29
لا حماية لأحد! دور جامعة الدول العربية في حماية حقوق الإنسان. معتز الفجيري (محرر). القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2006.
الأجنبية
Abiad, Nisrine. Sharia, Muslim States and International Human Rights Treaty Obligations: A Comparative Study. London: British Institute of International and Comparative Law, 2008.
Ajevski, Marjan. "Fragmentation in International Human Rights Law-Beyond Conflict of Laws." Nordic Journal of Human Rights. vol. 32, no. 2 (2014).
Allam, Wael. "The Arab Charter on Human Rights: Main Features." Arab Law Quarterly. no. 28 (2014).
Almutawa, Ahmed & Konstantinos Magliveras. "Enforcing Women's Rights under the Arab Charter on Human Rights 2004." The International Journal of Human Rights. vol. 25, no. 8 (2020).
Al-Mutawa, Ahmed. "The Failure of the Arab Court of Human Rights and the Conflicting Logics of Legitimacy, Sovereignty, Orientalism and Cultural Relativism." Netherlands International Law Review. vol. 68, no. 3 (2022).
Alshehri, Salem. "An Arab Court of Human Rights: The Dream Desired." Arab Law Quarterly. vol. 30, no. 1 (2016).
An-Na'im, Abdullahi Ahmed. "Human Rights in the Muslim World: Socio-political Conditions and Scriptural Imperatives, A Preliminary Inquiry." Harvard Human Rights Journal. vol. 3 (1990).
Bantekas, Ilias & Lutz Oette. International Human Rights: Law and Practice. 3 rd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2020.
Brown, Chris. "Universal Human Rights: A Critique." The International Journal of Human Rights. vol. 1, no. 2 (1997).
Buckley, Carla M., Alice Donald & Philip Leach (eds.). Towards Convergence in International Human Rights Law: Approaches of Regional and International Systems. Leiden: Brill, 2016.
Carneiro, Lucena Critiane & Simone Wegmann. "Institutional Complexity in the Inter- American Human Rights System: An Investigation of the Prohibition of Torture." The International Journal of Human Rights. vol. 22, no. 9 (2018).
Emon, Anver M., Mark Ellis & Benjamin Glahn (eds.). Islamic Law and International Human Rights Law. Oxford: Oxford University Press, 2012.
Engstrom, Par & Courteny Hillebrecht. "Institutional Change and the Inter-American Human Rights System." The International Journal of Human Rights. vol. 22, no. 9 (2019).
Freeman, Michael. Human Rights. 4 th ed. Cambridge: Polity Press, 2022.
Harris, Davis, Ed. Bates & Carla Buckley. Law of the European Convention on Human Rights. 4 th ed. Oxford: Oxford University Press, 2018.
Inter-American Court of Human Rights (IACHR). "Case of Benjamin et al. v. Trinidad and Tobago, Judgment of September 1, 2001 (Preliminary Objections)." IACHR Series C. no. 81 (2001).
Joseph, Sarah & Melissa Castan. The International Covenant on Civil and Political Rights: Cases, Materials and Commentary. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2013.
Kayaoglu, Turan. "The Organization of Islamic Cooperation's Declaration on Human Rights: Promises and Pitfalls." Policy Briefing. Brookings Doha Center (September 2020). at: https://brook.gs/3dojs9w
Koskenniemi, Martti & Päivi Leino. "Fragmentation of International Law? Postmodern Anxieties." Leiden Journal of International Law. vol. 15, no. 3 (2002).
Koskenniemi, Martti. "International Law and Hegemony: A Reconfiguration." Cambridge Review of International Affairs. vol. 17, no. 2 (July 2004).
______. Report on Fragmentation of International Law: Difficulties Arising from the Diversification and Expansion of International Law. Geneva: International Law Commission, 2006.
Magliveras, Konstantinos D. "Completing the Institutional Mechanism of the Arab Human Rights System." International Human Rights Law Review. vol. 6, no. 1 (2017).
Mattar, Mohamed Y. "Article 43 of the Arab Charter on Human Rights: Reconciling National, Regional, and International Standards." Harvard Human Rights Journal. vol. 26 (2013).
McDonough, Paul. Human Rights Commitments of Islamic States: Sharia, Treaties and Consensus. London: Hart, 2021.
Merry, Sally Engle. "Human Rights and Transnational Culture: Regulating Gender Violence through Global Law." Osgoode Hall Law Journal. vol. 44, no. 1 (Spring 2006).
Mujuzi, Jamil Ddamulira. "The Protection of the Right to Freedom from Torture in the Arab League States and under the Arab Charter on Human Rights." City University of Hong Kong Law Review. vol. 2, no. 2 (2010).
Mutua, Makau. Human Rights Standards: Hegemony, Law, and Politics. New York: State University of New York Press, 2017.
Naskou-Perraki, Paroula. "Arab Charter on Human Rights: A New Start for the Protection of Human Rights in the Arab World." Revue Hellenique de Droit International. vol. 26, no. 1 (2009).
Peterson, Marie Juul & Turan Kayaoglu (eds.). The Organization of Islamic Cooperation and Human Rights. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2019.
Rehman, Javaid, Ayesha Shahid & Meryl Dickinson (eds.). Asian Yearbook of Human Rights and Humanitarian Law. Leiden: Brill Nijhoff, 2017.
Rishmawi, Mervat. "The Revised Arab Charter on Human Rights: A Step Forward." Human Rights Law Review. vol. 5, no. 2 (2005).
______. "The Arab Charter on Human Rights and the League of Arab States: An Update." Human Rights Law Review. vol. 10, no. 1 (2010).
Rishmawi, Mona. "The Arab Charter on Human Rights: A Comment." Interrights Bulletin. no. 10 (1996).
Sadri, Armis. "The Arab Human Rights System: Achievements and Challenges." The International Journal of Human Rights. vol. 23, no. 7 (2019).
Shute, Stephen & Susan Hurley (eds.). On Human Rights: The Oxford Amnesty Lectures 1993. London: Basic Books, 1994.
Terman, Rochelle & Zoltan Buzas. "A House of Divided: Norm Fragmentation in the International
Human Rights Regime." International Studies Quarterly. vol. 65, no. 2 (2021).
The Organization of Islamic Cooperation. Cairo Declaration of the Organization of Islamic Cooperation on Human Rights. Cairo: 28/11/2020. at: https://tinyurl.com/z5ka7hj2
Vitkauskaite-Meurice, Dalia. "The Arab Charter on Human Rights: The Naissance of New Regional Human Rights System or a Challenge to the Universality of Human Rights?" Jurisprudencija. vol. 1, no. 119 (2010).