Return to Article Details The Right to Education and Egypt’s Prison Policies since 2013

الحق في التعليم وسياسات السجون في مصر منذ عام 2013

The Right to Education and Egypt’s Prison Policies since 2013

سيف الإسلام عيد

الملخّص

ملخص: تتناول الدراسة الحق في التعليم داخل السجون المصرية بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013، وما تكتنفه من صعوبات تجعل المعتقل السياسي في مواجهة عدد من السياسات السلطوية المقنَّنة والممرَسة. ومن أجل ذلك، تبحث الدراسة في ضمنات الحق في التعليم في القانون والمواثيق الدولية، وتنتقل إلى جانب القوانين المحلية (قانون تنظيم السجون، ولائحة السجون المصرية)، لتبيّ ضمنات الحق في التعليم، وكذلك أوجه التناقضات بين القانون الدولي والمواثيق الدولية من جهة، والقانون المصري من جهة أخرى. وتجادل الدراسة بأن ثمة سياسات سلطوية ينص عليها القانون المصري هدفها إجهاض حقوق السجناء السياسيين في التعليم داخل السجون، ثم تقف الدراسة في جزئها الأخير على السياسات الفعلية المطبقة بحق المعتقلين السياسيين بعد عام 2013 فيم يتعلق بالحق في التعليم.

Abstract

Abstract: This study investigates the right to education within Egyptian prisons following the July 2013 coup d'état and the challenges placing political detainees in confrontation with many authoritarian policies. Hence, it explores the guarantees of this right according to international law and treaties, then shifts to the aspect of local laws (e.g., the Organisation of Prisons Act and Egyptian Prison Regulations) to illustrate these guarantees and areas of contradiction between international and Egyptian law. The study argues that Egyptian law prescribes authoritarian policies seeking to nullify the rights of political prisoners to education in prisons. The final section addresses policies on the rights of political prisoners to education in Egypt since 2013.

الكلمات المفتاحية:
  • الحق في التعليم
  • السجون المصرية
  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
  • قواعد نيلسون مانديلا
  • انقلاب 3 تموز/يوليو 2013 في مصر
Keywords:
  • Right to Education
  • Egyptian Prisons
  • 2013 Coup D’état in Egypt
  • Universal Declaration on Human Rights
  • International Covenant on Civil and Political Rights
  • International Covenant on Economic, Social, and Cultural Rights
  • Nelson Mandela Rules

كلمت مفتاحية:  الحق في التعليم، السجون المصرية، انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 في مصر، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتمعية والثقافية، قواعد نيلسون مانديلا.

مقدمة

تنامت ظاهرة الاعتقال السياسي في مصر على نحو واضح منذ انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، حتى بات من الصعب تفسير ظاهرة التوسع الكبير المستمر اللاحق في تشييد السجون، إلا في ضوء التنامي غير المسبوق في عدد السجناء السياسيين الذي تلا الانقلاب، سواء في مقار الاحتجاز الأولية أو في السجون العمومية والليمنات. وبحسب تقرير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، يقدر عدد السجون في مصر في عام 2021 ب 78 سجنًا، قرابة نصفهم (35 سجنًا) بُني بعد ثورة 25 يناير 2011. وباتت السجون المصرية مليئة بالظواهر التي تستحق الدراسة، ليس بسبب ما تكشفه التقارير الحقوقية، فحسب، من وجود عشرات الآلاف من المعارضين فيها، ولا ما تظهره تلك التقارير حول التركيبة الديموغرافية والاجتمعية لنزلاء السجون بما تضمّه من فئات مهنية وشرائح طبقية وانتمءات جهوية عديدة، وإنما كذلك بسبب تعقّد نظم إدارة السجون، وقيامها بالأساس على تقييد جملة الحقوق والحريات الواجبة للسجناء. هذه المسألة الأخيرة لم تحظَ بالاهتمم البحثي الواجب لعدة أسباب، منها ما يكتنف البحث في أوضاع السجون من حساسية تبديها الأجهزة الأمنية، والعراقيل الموجودة أمام البحث العلمي وجمع المعلومات والإحصاءات للقضايا ذات الطابع السياسي عمومًا، واستهداف الأكاديميين. وبالعودة إلى الإحصاءات الديموغرافية لفئة الطلاب في السجون؛ يمكن القول إن أعداد الطلاب المعتقلين تنامت على نحو ملحوظ مع بداية العام الدراسي /2013 2014، حيث بلغ عدد المعتقلين من الطلاب بعد انقلاب 2013 حتى 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 نحو 3242 طالبًا، وهذا أمر غير مسبوق في تاريخ النشاط الطلابي في مصر، فضلً عن المئات من طلاب المدارس الثانوية. وقد تنامى هذا العدد في ظل حملة أمنية ضخمة لوأد حالة الناشطية الطلابية المكثفة المتباينة الأنماط التي انتشرت في الجامعات والمدارس المصرية في الفترة التي أعقبت الانقلاب وامتدت إلى بدايات عام 2018. وكان بعض من غاياتها، إلى جانب رفض الحكم العسكري والطابع القمعي، المطالبة ببسط الحريات الطلابية في المؤسسات التعليمية. كم

Amr Magdi, "Coronavirus: Egypt's Prisons could Avoid Disaster with Conditional Releases," Middle East Eye , 16/3/2020, accessed on 26/6/2022, at: https://bit.ly/3aiIEMS; "سجون مصر: انتهاكات ومخالفات دون حساب: كيف يمكن أن تساهم تقارير زيارات السجون في تحسين أوضاعها المتدهورة؟"، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2016/3/30، شوهد في 2022/6/26، في: https://bit.ly/3ukV4Le؛ "السجون المصرية بيئة حاضنة ل 'كورونا': نسبة التكدّس %150 "،، 2020/3/26، شوهد في 2022/6/25، في: https://bit.ly/3OEFtyb درج الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، في انتظارك: 78 سجن، بينهم 35 بعد ثورة يناير: عن الأوضاع الصعبة للسجناء والسجون في مصر (القاهرة: 2021/4/11)، شوهد في 2022/9/5، في: https://bit.ly/3I9ingw 3 المرجع نفسه. اعتقل عدد من الأكاديميين المصريين بسبب نشاطهم البحثي والعلمي، أو لأسباب تتعلق بناشطيتهم السياسية ضد النظام، منهم إسماعيل الإسكندراني، وأحمد تهامي، وعبد الله شحاتة، وصلاح سلطان، ولا توجد إحصائية توضح على وجه الدقة عددهم. ينظر: "منظمة دولية تطالب مصر بالإفراج عن أكاديمي معتقل"، عربي 21، 2021/6/4، شوهد في 2022/9/4، في: https://bit.ly/3qhVDTp "مؤشر الانتهاكات"، مرصد طلاب حرية، شوهد في 2022/11/5، في: https://bit.ly/3E4VASS من الصعوبة معرفة طلاب الثانوي المعتقلين، إذ يتسارع دخول الطلاب المعتقلين وخروجهم، وتعرض عدد كبير منهم للإخفاء القسري والاعتقال من دون محاكمة أو عرض على النيابات العامة أو العسكرية. ينظر: سيف الإسلام عيد، "طلاب مقاومون: النشاطية الطلابية والقمع السياسي في الجامعات المصرية بعد انقلاب يوليو 2013"، رسالة ماجستير، معهد الدوحة للدراسات العليا، الدوحة، 2020. (غير منشورة)

يرافق تنامي عدد السجناء الطلاب ظواهرُ أبرزها طول مدد الحبس الاحتياطي، وتعرّض عدد كبير منهم للإخفاء القسري. وهذه ظاهرة عكست ملمحًا معززًا للسلطوية، وهو تسييس القضاء، أو ما تصفه تقارير حقوقية بتواطؤ النيابة العامة وكذا دوائر القضاء التي أصدرت عددًا من الأحكام التعسفية بحق المعتقلين السياسيين. كان من الضروري على الطلاب الذين تكدّست أعدادهم داخل السجون العمومية والمركزية ومراكز الشرطة وأقسامها وأماكن الاحتجاز غير الرسمية في مقار قوات الأمن، الشروع في استكمل حقهم في التعليم في أماكن احتجازهم. وطلبًا لهذا الحق، أنشأت العلاقة بينهم وبين إدارات السجون جملة من الظواهر المتداخلة والمركبة. تسعى هذه الدراسة لفهم الجوانب القانونية المحيطة بممرسة الحق في التعليم من داخل السجون المصرية، وإيضاح الوضع القائم حاليًا بعد انقلاب 2013. وتروم الدراسة فهم الأبعاد والخلفيات الحاكمة لمسلك السلطات السجنية والأمنية والسياسية في هذا المنحى، من منظور يسعى لفهم جانب تعامل السلطة مع الطلاب المعارضين خاصة المعتقلين منهم، وتبيان التناقض الجليّ بين القوانين والتشريعات والاتفاقات الدولية التي وقّعتها مصر، فضلً عن الوقوف على الجانب الفعلي لهذه الممرسات التي تأخذ شكل سياسات ممنهجة تهدف إلى الحد من الحق في التعليم داخل السجون.

أولً: الإطار المفاهيمي والمنهجي

تفترض الدراسة أن طبيعة بيئة السجون السياسية في مصر بعد عام 2013 قد باتت تمثل مج لً تنازعيًا محكومًا في بيئته المكانية بالسجن وفي أطرافه بين سلطة أمنية تمارس السياسات السلطوية القمعية إلى أبعد حد، وبين سجناء سياسيين يقاومون السياسات السلطوية بما يمتلكونه من أدوات عبر جملة من الأفعال والأنشطة المنظمة وغير المنظمة، وبما يشبه الحركة الاجتمعية التي ترفع مطالب تتعنّت إدارة السجن في الاستجابة لها وإعاقة الحصول على حياة كريمة في السجون أو على الأقل تحصيل ما يأمر به القانون واللوائح. والسجن، بحسب ميشيل فوكو، هو الحيز الذي تتجلى فيه طبيعة السلطة، التي تظهر عبر نمطين أساسيين، هم المراقبة والمعاقبة Discipline and Punishment. والنمطان يؤطران السياسة السجنية، ويفسران مسلك سلطات السجن تجاه السجناء. والسجن هنا يبدو بوصفه مختبرًا لفهم تلك السياسات السلطوية، ومج لً لمنح

للمزيد بشأن التحفظات حول القضاء المصري، ينظر: اللجنة الدولية للحقوقيين، القضاء المصري: أداة للقمع، غياب ضامنات فعّالة تكفل الاستقلالية والمساءلة (جنيف: 2016)، شوهد في 2022/8/5، في: https://bit.ly/3qV9XSn؛ محمد الأنصاري، "دور النيابة العامة المصرية في قمع أصوات المعارضة"، مؤسسة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (تموز/ يوليو 207)، شوهد في 2022/6/28، في: https://bit.ly/3I9cznt يستند الحق في التعليم للسجناء إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان؛ إذ ثمة جملة من القوانين الدولية الملزمة لمصر والتي صدّقت على مواثيقها، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد مانديلا بشأن معاملة السجناء (2015)، وهو ما سيأتي تفصيله في المبحثين الأول والثاني من هذه الدراسة. 10 ينظر بتوسع حول مفهوم السياسة التنازعية لأعمال تشارلز تيلي وسيدني تارو، في: Charles Tilly & Sydney Tarrwo, Contentious Politics , 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 2015). 11 Michel Foucault, Discipline & Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.) (New York: Vintage Books, 12 Ibid., p. 17.

الباحث مفاتيح دالة على طبيعة عمل النظام الموصوف بالسلطوي. ويهمّنا لتعزيز فهم مسلك النظام الكشفُ عن أنماط تعامله مع ظواهر متنوعة تنشأ داخل هذا الحيّز المكاني، بالتركيز على أحد الحقوق الأولية لمعاملة السجناء، وهو "حق التعليم". وذلك من خلال البحث من عدسة السياسات السجنية التي ينتجها نظام سلطوي في حيّز مكاني مركّز محدود له خصوصيته كالسجن، حيال حق أساسي من حقوق الإنسان كفلته المواثيق الدولية والإعلانات العالمية المتعلقة بهذا الشأن وهو التعليم، للخروج بنتائج معرفية تضمن فهم بنية السياسات السلطوية وتفكيكها، المتعلقة بضمن الحق في التعليم من داخل السجون المصرية، ولا سيم في عهد نظام عبد الفتاح السيسي الذي يشهد أقصى درجات انتهاكات حقوق الإنسان مقارنة بأنظمة الحكم السابقة. تتبع الدراسة منهجًا كيفيًا، فتعتمد في قسم منها على المنهج القانوني، توصيفًا وتحليلً للنصوص القانونية الدولية والمحلية، وتستخدم أداة المقارنة لبيان مدى الخروق السلطوية في القوانين والتشريعات المصرية، لا سيم الحديثة منها والمعدّلة بعد انقلاب 2013، التي تقنن في مواضع شتّى السياسات السلطوية التي تتبعها السلطات المصرية داخل السجون في منع السجناء السياسيين من ممرسة الحق في التعليم. وبعد ذلك، تقارن الدراسة بين النصوص القانونية المكتوبة، والممرسات المتّبعة من إدارات السجون، وتبيّ صيرورة السياسات وكيف أنها تأخذ شكلً سياساتيًا يهدف إلى الحد من حق المعتقلين السياسيين في التعليم من داخل السجون. وفي القسم الأخير، تعتمد الدراسة على المقابلات البحثية شبه المهيكلة Interviews Semi-Structured مع عدد من السجناء السابقين الذين خاضوا تجربة طلب التعليم من داخل السجون في سنوات مختلفة في الفترة 2018-2013 (ينظر: ملحق الدراسة). وتتنوع هذه العينة عمريًا وقت رغبتهم في ممرسة حق التعليم من داخل السجون، وبحسب مراحلهم التعليمية كذلك (المرحلة الثانوية "العامة والأزهرية"، والجامعة، والدراسات العليا). ولا تقتصر الدراسة هنا على تناول فئة البالغين فحسب من السجناء (أكبر من 18 عامًا)، إذ يتنوع المعتقلون السياسيون عمريًا داخل السجون المصرية؛ فقد وثّقت تقارير عدة الانتهاكات في حق الأطفال في السجون المصرية، التي وصلت في عدد منها إلى الانتهاكات الجنسية والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي، كان أبرزها بيان منظمة

13 Bruce K. Rutherford, "Egypt's New Authoritarianism under Sisi," The Middle East Journal , vol. 72, no. 2, Authoritarianism: Old and New (Spring 2018), pp. 185-208; Eberhard Kienle, Egypt: A fragile Power (London/ New York: Routledge, 2022); Joshua Stacher, "Egypt Running on Empty," Middle East Research and Information Project , 8/3/2016, accessed on 10/3/2022, at: https://bit.ly/3JbfBXV; Nathan J. Brown & Oren Samet-Marram, "Sisi Channels Salazar … Whoever He Was," The Washington Post , 3/6/2014, accessed on 3/3/2022, at: https://wapo.st/2FRYVHH; Shadi Hamid, "Rethinking the US-Egypt Relationship: How Repression is Undermining Egyptian Stability and What the United States Can Do," Testimony , Brookings Institution, 3/11/2015, accessed on 5/3/2022, at: https://brook.gs/3I3i19O 14 See: United Nations, Universal Declaration of Human Rights (New York: December 1948), Article 26, p. 7, accessed on 25/5/2022, at: https://bit.ly/3PDJSBF 15 تعددت التقارير والمقالات التي قالت إن عهد السيسي هو الأسوأ فيما يتعلق بحقوق الإنسان، منها: Steven A. Cook, "Sisi Isn't Mubarak. He's Much Worse," Foreign Policy , 19/12/2018, accessed on 7/9/2022, at: https://bit.ly/3QnrYD1; Human Rights Watch, Egypt: Al-Sisi Should End Rights Abuses: Allies Should Push for Reform in Second Term (Beirut: 10/4/2018), accessed on 7/9/2022, at: https://bit.ly/3QxM0Lm; "Egypt 2021," Amnesty International, accessed on 6/9/2022, at: https://bit.ly/3AZvDBe 16  ينظر: "الأطفال المعتقلون بمصر.. مطالب بحقوق إنسانية"، الجزيرة نت، 2015/7/25، شوهد في 2022/2/1، في: https://bit.ly/3AtZSlq؛ Ariane Lavrilleux, "How children in Sisi's Egypt are turned into political prisoners," The New Arab , 18/2/2021, accessed on 23/1/2022, at: https://bit.ly/3AntW1X; "Egypt Teen Detained for 'Making Weapons for Protesters'," Aljazeera , 20/7/2015, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3yGVD4s

العفو الدولية المشترك مع الجبهة المصرية لحقوق الإنسان عام 2018 الذي تناول 15 حالة تعرّضت لأحد

الانتهاكات السالفة الذكر، والبيان الآخر الذي أصدرته منظمة العفو الدولية في آذار/ مارس 2021 الذي سلّط الضوء على انتهاكات في حق الأطفال داخل السجون، كان أبرزها كذلك الإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي والمحاكمت العسكرية، والمحاكمت المدنية غير العادلة أمام المحاكم الجنائية. وقد شملت الانتهاكات أيضًا منع الطلاب القُصّ والأطفال من ممرسة حقهم في مواصلة التعليم من داخل السجن، وهو ما وثقّته الدراسة من خلال

المقابلات التي أُجريت مع عدد من المعتقلين الذين كانوا أقل من 18 عامًا وقت الاعتقال. ويُذكر أن الدراسة لم تهتم بالاختلافات الأيديولوجية، لأنها لم تشكّل فارقًا جوهريًا في نتائج الدراسة على النحو الذي سنعرض له. ولم يستطع الباحث عقد مقابلات مع معتقلات سياسيات سابقات لعدم تمكّنه من الوصول إليهن، لاعتبارات اجتمعية، وأخرى تتعلق بتوافر فرصة مقابلة عدد لا بأس به من المعتقلين السياسيين الذكور. ولمعالجة هذه الصعوبة، ولو جزئيًا، تستعين الدراسة بمصادر ثانوية أخرى، أهمها التقارير الحقوقية

التي وثّقت الانتهاكات ذات الصلة. بعد هذا الإطار المفاهيمي والمنهجي في المبحث الأول، تتضمن الدراسة في المبحث الثاني القوانين والمواثيق الدولية المنظمة لحق التعليم في السجون، وعلى الأخص قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (2015). ويستعرض المبحث الثالث الشق المحليّ المتمثل في قانون تنظيم السجون المصرية ولائحته التنظيمية، وهو الشق المقنن للسلطوية. أما المبحث الأخير فهو تطبيقي، يتعلّق ببيان جانب الممرسة التي تحدُث فعلً داخل السجون المصرية، ومنه نقف على أبرز الممرسات السلطوية في حق المتقدمين لطلب التعليم من داخل السجون المصرية بعد عام 2013، ودوافعهم لنيل هذا الحق من داخل السجن، وتفاعل المعتقلين مع ممرسات السلطة ومؤسساتها المختلفة.

ثانيًا: الحق في التعليم يف المواثيق الدولية وقواعد مانديلا

اهتمت الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945 بحق التعليم، وفي عام 1948 علن عن الإعلان العالمي لحقوق أُ الإنسان الذي يخاطب الإنسان بصفة عامة، ثم ظهر عهدان دوليان بخصوص جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتمعية، والمدنية والسياسية. وفي مرحلة لاحقة، شغلت مسائل حقوق السجناء والمعتقلين وأسرى الحروب بصفة خاصة، المشرعين والمهتمين بالقوانين والمواثيق الدولية لتظهر بذلك قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا). ويتضمن هذا المبحث عرضًا مقتضبًا لما ورد في هذه المواثيق.

1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان للحقوق

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ضمن أحقية الإنسان في التعليم عمومًا من دون تمييز، وذلك كم ورد في الفقرتين الأوليين من المادة 26 منه:

17 منظمة العفو الدولية والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، "مصر: في يوم الطفل العالمي، يجب على الحكومة المصرية أن تتخذ خطوات لحماية الأطفال وضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات"، بيان مشترك، 2018/11/20، شوهد في 2022/3/2، في: https://bit.ly/3AIzFjd 18 "Egypt End and Redress Shocking Crimes Against Toddler and Family Forcibly Disappeared for 23 Months," Amnesty International, 4/3/2021, accessed on 4/2/2022, at: https://bit.ly/3adXqoe 19 ينظر: المقابلات مع ع. ه.، وض. س.، وم. ع.، ون. ج.

لكلِّ شخص حقٌّ في التعليم، ويجب أن يُوفَّر التعليمُ مجَّانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليمُ الابتدائيُّ إلزاميًّا. ويكون التعليمُ الفنِّي والمهني متاحًا للعموم. ويكون التعليمُ العالي مُتاحًا للجميع تبعًا لكفاءتهم. يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كم يجب أن يعزِّز التفاهمَ والتسامحَ والصداقةَ بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِّد الأنشطةَ التي تضطلع بها الأممُ المتحدةُ لحفظ السلام. وصدر عام 1966 عهدان دوليان مهمن دخلا حيز التنفيذ عام 1976؛ الأول هو العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية والثقافية، وينص في المادة 13، في الفقرة 1، على حق الفرد عمومًا في التعليم ووجوب توجيهه إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية بما يوجهه نحو احترام حقوق الإنسان، والإحساس بالكرامة، والقيام بدور نافع وفعال في المجتمعات الحرة. كذلك ينص في البند ج من الفقرة 2 من المادة نفسها على إلزامية الدول الأعضاء بجعل التعليم متاحًا للجميع، تبعًا للكفاءة وبكافة الوسائل المناسبة. أما الثاني فهو العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد المادة 10 منه على أهمية أن يراعي نظام السجون معاملة السجناء، سواء كانوا سياسيين أو جنائيين، معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتمعي، إضافة إلى المادة 18 التي نصّت على حرية الإنسان في التعلّم، سواء كان بمفرده أو مع جمعة من الناس في إطار الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. وجدير بالذكر أن مصر كانت من الدول التي شاركت قي صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، كم أنها انضمت إلى الدول الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتمعية والثقافية، وصدّقت عليهم في 14 كانون الثاني/ يناير 1982، ما يعني أن على الدولة المصرية الالتزام بما جاء في نصوص العهدين. نص العهدان صراحة على وجوب إتاحة فرص التعليم من الدول الموقّعة الملتزمة للراغبين في ذلك، ولا سيم من السجناء في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بيد أن المواد سابقة الذكر اتسمت بالعمومية، فلم تشدد على حالات معينة يكون فيها الإنسان أسير حرب، أو سجينًا مسلوب الإرادة، ولا سيم السجناء السياسيون الذين يقعون تحت طائلة قمع أنظمتهم الوطنية السلطوية أكثر من غيرهم. ولهذا، وفي فترة زمنية لاحقة، تنبّه المجتمع الدولي إلى ضرورة تخصيص القرارات والمواثيق الدولية لتتناول حالات بعينها، من بينها حالات السجناء، باعتبارهم فئة من البشر تقع تحت سلطة عقابية في الأساس وتُهمّش

20  الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (نيويورك: 1948/12/10)، شوهد في 2022/3/25، في: https://bit.ly/3nUu9Ct 21 United Nations, International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights: Adopted and Opened for Signature, Ratification and Accession by General Assembly resolution 2200A (XXI) of 16 December 1966 (New York: 16/12/1966), accessed on 12/12/2021, at: https://bit.ly/3R6Ls0g 22 United Nations, The International Covenant on Civil and Political Rights (New York: 1967), p. 2, accessed on 25/1/2022, at: https://bit.ly/3afIAxx 23 المملكة المصرية آنذاك. 24 جاء التصديق بما لا يتنافى مع الشريعة الإسلامية التي تعتبر المصدر الرئيس للتشريع وفق دستور مصر الدائم آنذاك الصادر عام.1971

حقوقها الأساسية والأولية. ومن هذا المنطلق، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتمعي للأمم المتحدة القرار رقم /20 1990، ونصّ في الفقرة 3 منه على أنه: "ينبغي أن يهدف التعليم في السجون إلى تنمية الشخص الكامل مع مراعاة الخلفية الاجتمعية والاقتصادية والثقافية للسجين، وأن يجري تمكين جميع السجناء من الوصول إلى التعليم، دون تفرقة، بما يشمل كل مراحله، وبما في ذلك برامج محو الأمية، والتعليم الأساسي، إضافة إلى التعليم العالي، وتسهيلات الوصول إلى المكتبات وتمكين السجناء من المشاركة في نيل قسط وافر من التعليم، بالإضافة إلى التنبيه على إدارة السجن في تسهيل ودعم التعليم بقدر الإمكان". واختتمت الفقرة بالتأكيد على أن يكون التعليم عنصرًا جوهريًا في نظام السجن، وأنه ينبغي تجنُّب تثبيط السجناء الذين يشاركون في برامج التعليم الرسمي المعتمدة، مع تأكيد ضرورة إشراك المجتمع الخارجي في عملية التعليم داخل السجن بقدر الإمكان. ونبه القرار كذلك إلى أهمية طلب التعليم من داخل السجن، لكونه يعمل على إعادة الدمج المجتمعي، وهو أهم ما يجب أن يتوفر عليه السجين بعد خروجه من السجن ومواجهة المجتمع.

2. قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)

نبهت قرارات المجلس الاقتصادي والاجتمعي للأمم المتحدة إلى حقوق السجناء، ولا سيم المتعلقة بحق التعليم داخل السجون، وحددت مبادئه الأولية وقواعده، ودور السلطات الحاكمة للسجون في توفير ذلك والحضّ عليه، وضرورة أن تكون القواعد القانونية واللوائح متضمنةً هذه الحقوق، وأن تصبّ ممرسات السلطة في صالح ضمن هذه الحقوق. وعلى الرغم من هذا، فإن المجتمع الدولي لم يعتبرها كافية لإلزام حكومات الدول بضمن حقوق السجناء داخل أراضيهم. من هنا، جاءت قواعد مانديلا التي أقرتها الأمم المتحدة في القرار رقم /70 175 الذي اعتُمد في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015، وسُميت باسم قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، وعُرفت اختصارًا باسم " قواعد نيلسون مانديلا ". وهذه القواعد بدأ العمل عليها منذ عام 1955، ثم جرى العمل عليها لتنقيحها ومواءمتها مع آخر ما توصلت إليه التشريعات المتعلقة بتحسين ظروف السجناء، لتطلقها عام 2015. وبذلك، استغرق العمل على إخراج قواعد مانديلا إلى النور عقودًا، ويُعدّ التأخر من سهام النقد التي توجّه عادة إلى التشريعات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان عمومًا، وذلك ريثم تتفق الدول الأعضاء على الصيغ الممثلة لمصالحها ومعتقداتها ونظمها التشريعية.

25  الأمم المتحدة، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان والسجون: دليل تدريب موظفي السجون على حقوق الإنسان (نيويورك/ جنيف: 2004)، ص 93-92، شوهد في 2022/2/1، في: https://bit.ly/3aayU7E 26 المرجع نفسه. 27 المرجع نفسه، ص.93 28 "'Mandela Rules' on Prisoner Treatment Adopted in Landmark Revision of UN Standards," Amnesty International, 22/5/2015, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3abPR1r 29 Keith Suter, "The Successes and Limitations of International Law and the International Court of Justice," Medicine, Conflict and Survival , vol. 20, no. 4 (October-December 2004), pp. 344-354.

لقد اتفقت لجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، بناءً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 230/65، المؤرَّخ في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2010، على إنشاء فريق خبراء حكومي دولي مفتوح العضوية، من أجل التوافق على أفضل الممرسات المتَّبعة، وكذلك الاطلاع على آخر التشريعات الوطنية والقانون الدولي الساري بشأن معاملة السجناء، وتقديم توصيات بشأن الخطوات التي يمكن من خلالها تطوير القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، بالحد الذي يساعد على تطوير الموجود آنذاك ضمن التشريعات والمواثيق الدولية ويرتقي بها، لا أن ينزل عن مستواها؛ أي اتخاذ الموجود من قواعد قانونية تتعلق بمعاملة السجناء باعتبارها حدًا أدنى يجب الارتفاع به ليصبّ في الارتقاء بحقوق السجناء وليس التنازل عنها. عُقدت اللجنة أول مرة في فيينا عام 2012، وحددت تسعة مواضيع تخص حقوق السجناء، لم يتناول أيٌّ منها تمكين السجناء من ممرسة الحق في التعليم؛ أي لم ينص أيٌّ من المبادئ التسعة صراحة - وهي التي مثّلت الخطوط العريضة على القواعد - على الحض على ضمن حق السجناء في التعليم، بيد أن المقترحات التي تقدَّم بها ممثلا المكسيك ونيوزيلندا خاصة، تضمنت أن يُنص في المبادئ صراحة على ضرورة مراعاة احتياجات السجناء من التعليم، وضرورة تمكّنهم من طلب التعليم من داخل السجن. وجدير بالذكر كذلك إنه في أثناء مرحلة المداولات والمقترحات، تلقّت اللجنة ردودًا من 39 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، لم يكن بينها سوى دولتين عربيتين فقط هم لبنان وقطر، وعند المناقشات شاركت فيها لبنان والمملكة المغربية فقط، وهو ما يعكس إهملً عربيًا رسميًا لحقوق السجناء، وذلك إضافة إلى توصية اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة التي أوصت بضرورة توفير "برنامج كافٍ من الأنشطة للمسجونين قبل المحاكمة، يشمل العمل والتعليم والرياضة، وبذلك يستطيعون قضاء وقتهم بطريقة إيجابية طوال الساعات الثمن [كذا]، أو ما يزيد على ذلك، كل يوم، وهي الفترة التي توصي اللجنة بقضائها خارج الزنازين".

3. مضامين قواعد نيلسون مانديلا

جاءت قواعد مانديلافي 122 قاعدة، وتناولت على نحو شامل وتفصيلي الحد الأدنى من الحقوق التي يجب أن تتوافر للسجناء في جميع دول العالم، بدءًا من القواعد العامة التي يجب أن يحظوا بها جميعا، سواء كانوا سياسيين أو جنائيين، بمن في ذلك الأشخاص المعتقلين من دون تهمة.

30 أي يحق لكل الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة التمثيل فيه. 31  الأمم المتحدة، فريق الخبرراء الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (فيينا: 2014/3/28-25)، شوهد في 2022/2/25، في: https://bit.ly/3uj11Ij 32 المرجع نفسه. في الفترة 31 كانون الثاني/ يناير-2 شباط/ فبراير.2012 33 المرجع نفسه، ص.12 34 المرجع نفسه. 35 المرجع نفسه، ص.167 36 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (The Nelson Mandela Rules), General Assembly Resolution 70/175, Annex, Adopted on 17 December 2015 (New York: December 2015), accessed on 1/12/2022, at: https://bit.ly/3Ar9IEE 37 Ibid., Rules 1, 2, 3, 4, 5, pp. 2-3. 38 Ibid., Rule 122, p. 34.

أولت قواعد مانديلا، بخلاف المواثيق السابقة، اهتممًا خاصًا بضمن حق السجناء في التعليم من داخل السجن، حيث نصّت في المادة الرابعة في الفقرة الثانية منها على ضرورة أن توفر إدارات السجن القدر الأدنى من التعليم، وذلك في سبيل أن تعمل على تحقيق هدف السجن من إعادة تأهيل السجناء بداخله، وذلك للاندماج في المجتمع مرة أخرى. قد تُرى هذه القاعدة، في سياق الاعتقال السياسي الذي تتناوله الدراسة، وفي سياق سلطوي يستخدم السجن لأغراض الانتقام من خصومه أكثر من الرغبة في إعادة تأهيلهم، على أنها تنطوي على تناقض ذاتي، لا سيم مع النظام المصري الذي يعتمد الاعتقال السياسي استراتيجية لعقاب معارضيه. تعود القواعد لتؤكد في القاعدة 14 ضرورة أن تتضمن أماكن الاحتجاز وسائل لتيسير التعلّم كالضوء: "في أي مكان يكون على السجناء فيه أن يعيشوا أو يعملوا: (أ) يجب أن تكون النوافذ من الاتساع بحيث تمكّن السجناء من استخدام الضوء الطبيعي في القراءة والعمل، وأن تكون مركّبة على نحو يتيح دخول الهواء النقي سواء وُجدت تهوية صناعية أم لا، (ب) يجب أن تكون الإضاءة الصناعية كافية لتمكين السجناء من القراءة والعمل دون إرهاق نظرهم". وهو ما سنختبره في الجزء الأخير من هذه الدراسة. وتتابع القواعد الإشارة إلى الحقوق الضرورية التي يجب توافرها لضمن الحق في التعليم من داخل السجون، فتنص في القاعدة 50 و 51 و 52 على ضرورة أن يحترم التفتيش الدوري أو المسبب الذي تقوم به إدارات السجون خصوصية السجين وكرامته، علاوة على احترام مبادئ القانون الدولي والمحلي، كم تنص على ضرورة احترام خصوصية السجين، سواء في متعلقاته الشخصية أو جسده، في حالة التفتيش الجسدي. وفيم يتعلق بموضوع الحق في التعليم، فتشمل الانتهاكات الانتهاك الدائم للمتعلقات الشخصية للسجين السياسي، ومنها الكتب والمراجع والأوراق الخاصة بالدراسة في حالة إذا ما كان المعتقل يتجهز للامتحانات من داخل السجن، وتكون المتعلقات الشخصية عُرضة للإتلاف عادة إذا ما بوغتت الزنازين بالتفتيش المفاجئ. وقد أقرّ عدد من المستجيبين في هذه الدراسة بضياع كتبهم ومراجعهم وبعثرتها وقت الامتحانات وتعمّد تمزيقها وقت التفتيش، ولا سيم التفتيش من النمط "الاقتحامي"، الذي أشارت إليه المادة 53 من قواعد مانديلا، والذي تقوم به مصلحة السجون المصرية من دون سابق إنذار، وكذلك التفتيش الدوري الذي يُرغَم عليه السجين عند انتقاله إلى سجن جديد يسمى ب "التشريفة"، وقد يمتد إلى تفتيش الأعضاء التناسلية للسجين، وقد

39 Ibid., Rule 4, p. 3. 40 Ibid., Rule 14, p. 6. 14 لا سيما فيما أشار إليه المستجيب: م. س. (إسطنبول)، مقابلة عبر الإنترنت، 2021/12/25؛ وآخرون في مقابلات سيشار إليها في المبحث الرابع من هذه الدراسة؛ عبد الرحمن الجندي، "عن فقد الأمل وذوبان الشمعة: دراسة الميكانيكا في قوقعة"، مدى مصر، 2020/12/26، شوهد في 2022/3/9، في: https://bit.ly/3HvXMmo 4 2 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules, Rule 50, p. 16. 34 سيجري التفصيل في المبحث الأخير من الدراسة عن أنواع التفتيش الذي تقوم به إدارات السجون المختلفة، والفرق بين تفتيش إدارة السجن، ومصلحة السجون، والنيابة العامة بما يوضح الفروق السلطوية بينهم. 44 ع. ه. (الإسكندرية)، مقابلة عبر الإنترنت،.2022/1/2 4 5 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules, Rule 53, p. 16. 64 للمزيد بشأن هذه الانتهاكات التي تصاحب عملية استقبال السجين، ينظر: Freedom Initiative & Egyptian Front for Human Rights, No One is Safe: Sexual Violence Throughout the Life Cycle of Detention in Egypt 2015-2022 (Washington, DC: March 2022), accessed on 15/5/2022, at: https://bit.ly/3uKw3cH

أشارت إليه القاعدة 52 بتفصيل شديد، حيث نصّت في الفقرة الثانية منها على أن يقوم بذلك مختصون في الرعاية الصحية، أو مدربون تدريبًا على يد أخصائيين في الرعاية الصحية، وهذا يناقض تمامًا ما أقرّت به مقابلات متقاطعة مع عدد من المعتقلين الذين نُقلوا إلى الأماكن المخصصة لأداء امتحاناتهم، وجرى إرغامهم على القيام به، إضافة إلى الإجبار على "التبرز" في ردهة السجن كنوع من الإجراءات التي تفرضها السجون العمومية لكي يُقبل إيداعهم في "السجن العمومي" المخصص لأداء امتحانات نصف العام أو نهايته، ولا سيم بين طلاب الجامعات. تتابع قواعد مانديلا، ولا سيم في القاعدة 54، الحياة اليومية للسجين وذلك لضمن حقوقه، ونركز هنا على ما يلبي احتياجات السجناء الراغبين في التعليم من داخل السجون، فتنص على ضرورة أن يتوافر السجين "سياسيًا أو جنائيًا" على المعلومات الأساسية المتعلّقة بالمكان المحتجز فيه، مثل قانون تنظيم السجون، واللوائح المنظمة لعمله والمعتمدة عليه، بما في ذلك حقوقه بوصفه سجينًا، وواجباته داخل السجن، بما يشمل الجزاءات التأديبية. ثم تنتقل في تفصيل حقوق السجناء إلى الحقوق التي تحضّ على ضمنات استكمل الحق في التعليم من داخل السجن، وهنا يمكن أن نستشفّ اهتممًا خاصًا بهذه المسألة لدى السجناء، ولأول مرة في وثائق الأمم المتحدة تصل إلى هذا التفصيل، لذلك تنص القاعدة 64 على أن: "يزوّد كل سجن بمكتبة مخصصة لمختلف فئات السجناء تضم قدرًا وافيًا من الكتب الترفيهية والتثقيفية على السواء. ويشجع السجناء على الإفادة منها إلى أبعد حد ممكن". يمكننا القول إن هذه القاعدة قد أرست تعميمً جيدًا يخدم عمومية التفسير على مختلف فئات السجناء من سياسيين وجنائيين وآخرين غير معرّفين، لكنهم موجودون داخل حيّز السجن ويكوّنون جزءًا من نظامه اليومي، وتختلف تسمياتهم باختلاف النظام السجني المطبّق في الدول، غير أن هذه القاعدة قد أدخلتهم إلى حيز من يجب أن يُضمن لهم الحق في مطالعة مكتبة السجن وكتبها، من دون تحديد ماهية هذه الإفادة أو الغرض البعيد منها في تأهيل السجناء للتعامل مع المجتمع خارج إطار السجن، أو حضّهم على تبنّي القيم الوطنية، والبُعد عن التطرف والإرهاب الذي يشكّل السجن حاضنة رئيسة لانتشاره. بيد أنه في حالة السجون المصرية، وسنوضح الأمر في المبحث الثالث على نحو أوسع، لا يمكن أن يلج السجناء، وخاصة السياسيين، مكتبة السجن ولو مرة واحدة، إذ تقتصر على عدد من السجناء ذوي الحظوة عند ضباط المباحث، وهم في الغالب من غير السجناء السياسيين بعد انقلاب 2013، ويجري استخدامها أحيانًا حيّزًا مكانيًا لأداء الامتحانات في بعض السجون العمومية، كسجن برج العرب في الإسكندرية.

74 عمرو حشاد (إسطنبول)، مقابلة عبر الإنترنت 2021/12/29؛ م. ع. (الإسكندرية)، مقابلة عبر الإنترنت،.2022/2/2 48 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules , Rule 54, pp. 16-17. للاطلاع على قانون تنظيم السجون الصادر عن رئيس الجمهورية، ولائحة تنظيم السجون الصادرة عن وزير الداخلية، ينظر: جمهورية مصر العربية، "قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون"، الوقائع المصرية، العدد 96 مكرر (ب)، 1956/11/29، شوهد في 2021/12/1، في: http://bit.ly/3giEuYF؛ جمهورية مصر العربية، "قرار رقم 79 لسنة 1961 باللائحة الداخلية للسجون"، ملحق الوقائع المصرية، العدد 103، 1961/12/28، شوهد في 2022/5/15، في: https://bit.ly/3XaKbbH 4 9 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules , Rule 64, p. 19. 50 ض. س. (البحيرة)، مقابلة عبر الإنترنت،.2022/6/16

وتتابع قواعد مانديلا في القاعدة 68 التأكيد على حق السجناء في إخبار ذويهم وأقاربهم بالأماكن التي تنقلهم السلطات إليها، ويُعدّ انتهاك هذه القاعدة مألوفًا في الحالة المصرية؛ إذ يُنقل طلاب التعليم داخل السجون المصرية على حين غرّة وفجأة إلى السجون التي يؤدون فيها الامتحانات من دون إخبارهم أو

تمكينهم من إخبار أهاليهم. وقد وثّقت المقابلات في سياق هذا البحث عددًا من الشهادات الشخصية حيال هذا الأمر. وتتابع الفقرة الثانية من القاعدة 73 من قواعد مانديلا تفصيل ظروف الانتقال من سجن إلى آخر، حيث تؤكد على حظر نقل السجناء في ظروف سيئة، أو عدم توفير الإضاءة والتهوية اللازمتين، أثناء التنقّل من سجن إلى آخر. وقد أطلق عدد من السجناء وصف "رحلة الجحيم" على الانتقال من سجن إلى آخر لأداء الامتحانات، وأحجم بعضهم عن تكرار التجربة نظرًا إلى الظروف السيئة وظروف عربة الترحيلات المروّعة، وساعات الانتقال الطويلة التي يمرّ بها المعتقلون، وخاصة السياسيين، أثناء الانتقال من سجن إلى آخر، وتعرّض عدد كبير منهم لسوء المعاملة والإجبار على قضاء الحاجة داخل العربة الزرقاء، والانتظار ساعات طويلة تحت حرارة الشمس، لا سيم في امتحانات الفصل الثاني من العام الدراسي التي تكون عادة في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو. تتضمن قواعد مانديلا شقًا متعلقًا بقواعد معاملة السجناء، وتتناول في القاعدتين 91 و 92 الغرض من معاملة السجين داخل حيز السجن، وغرض السجن القيمي في: "إكسابهم الرغبة في العيش بعد إطلاق سراحهم، في ظل القانون معتمدين على أنفسهم". ولأجل تحقيق ذلك، يجب الاعتداد بعدة وسائل من بينها التعليم. تختتم القواعد بتأكيد عام على ضمن الحق في التعليم للسجناء، حيث تعاود التأكيد في القاعدة 104 (من أصل 122 مادة) على ضرورة توفير التعليم داخل السجن، وتهيئة الظروف لتوفير كل أنواع التعليم بما في ذلك التعليم الديني الذي يغرس القيم، إضافة إلى جعل محو الأمية إلزاميًا. وتنص على أن تعمل السلطات على جعل التعليم داخل السجون متناسقًا مع التعليم النظامي في البلاد، بما يساعد السجين بعد إطلاق سراحه على مواصلته. انتبهت قواعد القانون الدولي سابقًا إلى أمر الأحداث داخل السجون – من هم دون 18 عامًا- فأعلنت الأمم المتحدة قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون الأحداث (قواعد بكين)، التي أوصى باعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو في الفترة 26 آب/ أغسطس - 6 أيلول/ سبتمبر 1985، واعتمدتها الجمعية العامة بقرارها 22/40 المؤرخ في

51 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules , Rule 68, pp. 20-21. 52 يأتي ذكرها في المبحث الثالث من هذه الدراسة، تحت عنوان "ترحيلة الامتحانات." 53 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules , Rule 68, p. 22. 54  سيف الإسلام عيد، عند الامتحان: من ذكريات طالب معتقل (بيروت: أمم للدراسات والتوثيق؛ منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية، 2020)، ص 16-15، 54-51؛ حشاد؛ م. ع. 55 United Nations Office on Drugs and Crimes, The United Nations Standard Minimum Rules , Rules 91, 92, pp. 27-28. 56 Ibid. 57 Ibid., p. 30. 58 United Nations, Human Rights Office for the High Commissioner, United Nations Standard Minimum Rules for the Administration of Juvenile Justice (The Beijing Rules) , Adopted by General Assembly Resolution 40/33 of 29 November 1985 (New York: 1985), accessed on 3/2/2022, at: https://bit.ly/3IivkVi

29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985، والتي لم تقدم اختلافًا كبيرًا في جملتها الحقوقية عن قواعد مانديلا في التأكيد على حقوق السجناء القُصّ وإن بكمٍّ أقل، حيث أكدت في المادة الخامسة من الفصل الثالث على أهمية أن يُولى التعليم قدرًا من الأهمية - مع جهود أخرى اجتمعية ومهنية وطبية وجسدية - وذلك نظرًا إلى طبيعة أعمرهم، وشخصيتهم وجنسيتهم. ويُضاف إلى ما سبق ما جاءت به المادة السادسة من الفصل السادس والعشرين التي حضّت المؤسسات العقابية على الحرص على تعليم الأطفال وألا تُستكمل فترات عقوبتهم إلا بعد أن يكونوا قد تلقوا قدرًا مهمً من التعليم يسمح لهم بالاندماج في المجتمع بعد ذلك.

ثالثًا: قانون تنظيم السجون المصرية واللائحة التنظيمية له

شغلت مسألة التناقض بين التشريع والتطبيق Practice and Legislation عددًا من أدبيات العلوم السياسية، لا سيم في الدول السلطوية التي يلُاحظ فيها التناقض بين الجانب التشريعي، الذي يتواءم ظاهريًا أحيانًا مع مبادئ الديمقراطية، والجانب الممرساتي. ويجادل آدم شيفورسكي بأن لدى 80 في المئة من الدكتاتوريات سلطة تشريعية ظاهرها مستقل تسنّ لها القوانين، وذلك في ظل وجود سلطات تنفيذية غير منتخبة أو انتُخبت عبر انتخابات شكلية. وينطبق هذا النوع من الأنظمة (السلطوية غير المنتخبة ديمقراطيًا) على الأنظمة المصرية المتعاقبة التي حرصت دومًا على وجود سلطات تشريعية لها ظاهر الاستقلالية، تقوم بمهمة التشريع لعدد من القوانين، التي يكفل عدد منها الحريات والحقوق نظريًا، ولكنها في تناقض تام مع الممرسات الحكومية ويظهر هذا التناقض على نحو بائن في الجمهورية المصرية منذ سيطرة تنظيم الضباط الأحرار الكاملة على الحكم في مصر عام 1954، وتكثّفت في مرحلة ما بعد انقلاب تموز/ يوليو.2013 وتشير كذلك داون برانكاتي، في رؤيتها العلاقة بين السلطوية والتشريع، إلى أن السلطة التشريعية في الدول السلطوية تعمل على نحو تجميلي للنظام السلطوي وليس على نحو تشريعي فاعل، بما لا يتناقض مع رؤى السلطة التنفيذية التي يكون في يدها مجريات الأمور الحقيقية. وترى أن التشريعات في الدول السلطوية التي تسنها السلطات التشريعية، والتي تكون عادة أداة طيّعة في أيدي السلطة التنفيذية، هي بنت بيئتها، ولا يمكن أن تخرج عن طوع البيئة والسياق السلطويَيّن التي نشأت فيهم. ولم يختلف الأمر كثيرًا لدى لاين

59 للمزيد، ينظر: United Nations, Human Rights Office for the High Commissioner, United Nations Rules for the Protection of Juveniles Deprived of their Liberty , Adopted by General Assembly Resolution 45/113 of 14 December 1990 (New York: 1990), accessed on 10/3/2022, at: https://bit.ly/3OGiu5M 60  ينظر في هذا الصدد النسخة العربية من قواعد بكين: الأمم المتحدة، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون الأحداث (قواعد بكين) أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو من 26 آب/ أغسطس إلى 6 أيلول/ سبتمبرر 1985 واعتمدتها الجمعية العامة بقرارها 22/40 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/ نوفمبرر 1985 (نيويورك: 1985/11/29)، شوهد في 2022/11/7، في: https://bit.ly/3DIysIv 61 United Nations, Human Rights Office for the High Commissioner, United Nations Rules for the Protection of Juveniles Deprived of their Liberty. 62 Adam Przeworski, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1991). 63 Dawn Brancati, "Democratic Authoritarianism: Origins and Effects," Annual Review of Political Science , vol. 17 (May 2014), pp. 313-326. 64 Ibid.

هندرسون الذي اعتبر بكل وضوح أن التشريع في ظل النظم الاستبدادية قائم على اتباع ما تريده السلطة المهيمنة. وفي الحالة المصرية، لا يمكن إغفال التناقض البيّ بين القوانين والتشريعات واللوائح المسنونة وبعض الأحكام القضائية أيضًا من جهة، وبين الممرسات السلطوية الفعلية من جهة ثانية، وكذلك الشح التام في النصّ على الحقوق التي كفلتها المواثيق والتشريعات الدولية المبينة في المبحث السابق من الدراسة. بعبارة أخرى، يكون التشريع المتناقض مع الممرسات مزيجًا بين تشريع السياسات والممرسات السلطوية وتقنينها تارة، وبين تشريع قوانين ولوائح لها ظاهر حفظ حقوق الإنسان وباطنها الممرسات والسياسات المناقضة تمامًا لهذه القوانين، كم هي الحال بالنسبة إلى طلب ممرسة الحق في التعليم من داخل السجون المصرية، ولا سيم منذ عام 2013، إضافة إلى إغفال النصّ على حقوق كفلتها المواثيق والتشريعات الدولية. ومن نافلة القول أن نذكر أن الدستور المصري المعدّل آخر مرة في عام 2019 لا يختلف كثيرًا عن دساتير كثير من الدول التي تنص على ضمن الحق في التعليم الإلزامي لكل مواطنيها في المراحل الأساسية، وتسهيله في المراحل العليا؛ إذ تنص المادة 19 منه على أحقية التعليم لجميع المواطنين، والتزام الدولة المصرية بضمن هذا الحق لكل مواطنيها مجانًا بمراحله المختلفة وإلزاميته حتى المرحلة الثانوية على اختلاف أنواعها، وإشراف الدولة على ضمن التعليم في مؤسساتها المختلفة من مدارس ومعاهد. أما عن ضمن الحق في التعليم للمسجونين والمحبوسين والمعتقلين، فقد عانى القانون شُحًا في النص على إلزامية تعليمهم، أو على الأقل الإلزام بتلبية رغباتهم في التعليم بمختلف أشكاله، فذُكر الحق في التعليم داخل السجون في مادة واحدة ضمن قانون تنظيم السجون المصرية من أصل 98 مادة هي جملة مواد القانون وفق آخر تعديلاته عام 2022، وذلك في تناقض جليّ مع ما نصّت عليه القوانين والمواثيق الدولية من تفصيل في حق المسجونين والمحبوسين، ولا سيم قواعد مانديلا المفصلة. تنصّ المادة 31 من قانون تنظيم السجون المصرية رقم 396 لسنة 1956، والمعدّل عام 2015، على ما يلي: "على إدارة السجن أن تشجع المسجونين على الاطلاع والتعليم، وأن تيسر الاستذكار للمسجونين الذين لديهم الرغبة في مواصلة الدراسة، وأن تسمح لهم بتأدية الامتحانات الخاصة بها في مقار اللجان." ففي ظاهر هذا النص القانوني إلزام لإدارات السجون والقائمين عليها بدعم التعليم وطرائقه داخل السجون، والسمح للراغبين من السجناء في استكمل التعليم المؤسسي وأداء الامتحانات، والتيسير لهم في التعليم من خلف أسوار السجون، من دون تفريق في نص المادة بين جنائي وسياسي. ويتبيّ أن التفرقة غير موجودة في أي نص من النصوص القانونية، وهي تفرقة عُرفية نشأت داخل السجون المصرية قديمًا، واعتُمدت مرة أخرى بعد اشتداد موجات الاعتقال المتعاقبة بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013.

65 Lynne Henderson, "Authoritarianism and the Rule of Law," Indiana Law Journal , vol. 66 (1991), pp. 379-456. 66  ينظر نسخة الدستور على موقع رئاسة الجمهورية: جمهورية مصر العربية، رئاسة الجمهورية، دستور جمهورية مصر العربية 2019 (القاهرة: 2019)، شوهد في 2022/3/25، في: https://bit.ly/3unVoZF. ويشمل ذلك التعليم الأزهري، الذي تديره مؤسسة الأزهر الشريف. 67 جمهورية مصر العربية، "قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون"، ص.4 68 المرجع نفسه.

أتت عبارة "مقار اللجان" في نص المادة 31 من قانون تنظيم السجون المصرية عامة غير مفسّة وغير محددة المكان؛ هل هي مقار اللجان في المؤسسات التعليمية (المدارس والجامعات)؟ وتعتبر إقامة الامتحانات داخل السجون نمطًا عُمل به قديمًا بالمناسبة حتى مع سجناء الجمعة الإسلامية وتنظيم الجهاد الذين اعتقلوا في منتصف التسعينيات، وبداية الألفية الجديدة، وعُمل به فترة قصيرة بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013، حتى صدر قرار - لم يُنشر - من وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم بعدم إجراء امتحانات الطلاب داخل مقار الجامعات والمدارس، واعتمدها داخل مقار قوات الأمن، والأقسام ومراكز الشرطة، والسجون العمومية والليمنات، وذلك بعد أن شكّلت الناشطية الطلابية داخل الجامعات المصرية بعد عام 2013 تهديدًا حقيقيًا لاستقرار النظام. إذًا، تُركت هذه الجملة لتفَّسَّ بقرارات وزير الداخلية وفقًا للحالة الأمنية، لذا يمكن القول إن مسألة ضمن الحق في التعليم من داخل السجون لم تكن ذات أهمية مبدئية لدى السلطة في فترة ما بعد عام 2013، رغم اكتظاظ السجون المصرية بعدد كبير من المعتقلين السياسيين الطلاب، ونجد ذلك واضحًا في ترك الأمور عائمة من الناحية القانونية، ما يوقعها في فخ التأويل الذي يتُرك عادة في يد السلطات الأمنية المسيّة لأمور السجون. وكذلك الأمر في لائحة تنظيم السجون الصادرة بقرار وزير الداخلية رقم 79 لسنة 1961، المعدلة عامي 2015 و 2022، التي يفترض أنها تفصيل تنظيمي لقانون تنظيم السجون وتحديد لمهمت السجين وواجباته وحقوقه وتفصيلات حياته اليومية داخل زنزانته وخارجها؛ إذ تنص المادة 15 منها بوضوح على إنه "يجوز للمحكوم عليهم والمحبوسين احتياطيًا أن يستحضروا على نفقتهم ما يشاءون من الكتب والصحف والمجلات المصرّح بتداولها للاطلاع عليها في أوقات فراغهم. وعلى إدارة السجن أن تطّلع على ما يستحضره المسجونون من كتب وصحف ومجلات، ولا تسلّمها لهم إلا بعد التأكد من خلوّها مم يخالف النظام أو يثير الشعور أو الحواس، أو يخلّ بالأمن والعقيدة، والتوقيع عليها بما يفيد ذلك وختمها بخاتم الليمن أو السجن [كي تصبح بعد ذلك ملكًا للسجن في غالب الأحوال ويمنع على المسجون اصطحابها إذا تنقل أو خرج من السجن]. فإذا كانت مم يُحظر طبعه ونشره، تخطر الجهات المختصة ومصلحة السجون". وعلى الرغم من أن المادة 15 قد كفلت للمسجون الحق في استحضار المواد المكتوبة إلى داخل السجن، فإنها قيّدت هذا الحق بنصّ عائم حمّلٍ أوجهًا، يتيح للسلطات داخل السجن تصنيف الكتب والمراجع والمواد التعليمية المنوط إدخالها إلى السجن وفق أهواء ضباط جهازي المباحث والأمن الوطني، ووصف أي مواد مكتوبة (كتب أو مجلات أو مجرد أوراق دراسية) بأنها مخالفة لنظام السجن ولوائحه الداخلية غير المنشورة. وهو ما جرى بالفعل، ورصدته المقابلات التي أجرتها الدراسة من التعنت في إدخال عدد من الكتب الدراسية والتعلل بأنها مخالفة لنظام السجن، خاصة بين طلاب العلوم الاجتمعية والإنسانية؛ إذ لا يوجد معيار محدد في أي من القوانين المنشورة يحدد ماهية المخالفة لنظام السجن الذي يتحدد على أساسه

69 عيد، "طلاب مقاومون." 70 جمهورية مصر العربية، "قرار رقم 79 لسنة 1961 باللائحة الداخلية للسجون." 71 لم نستطع الحصول على اللوائح الداخلية للسجون في مصر، وبعد التواصل مع عدد من الحقوقيين وجدنا أنها غير منشورة في الأساس، ولا يمكن أن يحصل عليها المحامون أو الحقوقيون، ويتُرك الأمر عادة، كما أفاد حقوقيون ومعتقلون سياسيون سابقون، لتقرير مأمور السجن، أو ضابط المباحث، أو ضابط الأمني الوطني، أيّهم أقدر على فرض سطوته وعُرفه.

منع الكتب من الدخول إلى السجون، ما يجعل هذه الممرسة ضمن السياسات السلطوية التي تنتهجها سلطات السجون المصرية على نحو مكثف منذ عام 2013. وهكذا، ففي مادة واحدة فقط، نصّت اللائحة على حقّ المسجونين في إحضار الكتب والمجلات، لكنّها لم تحدد استثناءً للكتب التعليمية، أو تضع استثناءً خاصًا بأوقات الامتحانات الدراسية، أو تخصص أوقاتًا معيّنة للمسجونين المسجّلين لدى مؤسسات تعليمية للدراسة والاستذكار في أماكن مخصصة (مكتبة السجن مثلً) وقت الامتحانات المدرسية والجامعية، ما يؤكد أن أمر التعليم داخل السجون لا يمثل أهمية لدى المشرّع المصري بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013. وإذا ما قارنّا هذا النص في مادة واحدة، بما جاء من تفسير في العهدين الدوليين وقواعد مانديلا، يتجلى لنا تكرار الشُحّ في النص على حقوق المسجونين الذي يعانيه القانون المصري. وكم سنعرض لاحقًا، فإن السياسات السلطوية حيال انتهاك ضمن الحق في التعليم من داخل السجون أدواتُ قمع تنتهجها السلطات المصرية عن طريق التشريع الذي لا يخضع للرقابة، ومن خلال الممرسات التي لا تخضع كذلك للرقابة أو للرصد الدقيق، أو يمكن معرفتها بسهولة إلا من خلال شهادات الضحايا. ويفيدنا تتبع تعديلات اللوائح التي أجراها المشرّع بعد انقلاب عام 2013 في الوقوف على الخط التشريعي الذي تنحوه السلطة، وجلاء ما نعنيه حينم نطلق على السياسات التشريعية التي أتىى بها النظام أنها سياسات سلطوية. فقد عُدلت لائحة تنظيم السجون من دون مشاورة مجتمعية مع الفاعلين في منظمت المجتمع المدني ومنظمت حقوق الإنسان عدة مرات بعد انقلاب 2013، كان أولها قد بدأ الحديث عنه في آب/ أغسطس 2014، حينم أرسل قطاع الشؤون القانونية في وزارة الداخلية عدة مقترحات لتعديل لائحة السجون إلى قسم التشريع في مجلس الدولة، تمهيدًا لتعديل قانون تنظيم السجون، من دون الالتفات إلى ضمن الحقوق الأساسية للمسجونين، كالتعليم والصحة، التي أهملتها اللائحة. ووفق ما جاء في تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أصدر السيسي، بوصفه رئيسًا للجمهورية يجمع في يديه السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعديلات للقانون آنذاك، قبل أن يجري انتخاب برلمان 2015 الذي عدّ حليفًا للنظام ويدًا تشريعية، صيغت على أعين المخابرات الحربية في مصر. أما التعديل الثاني لقانون تنظيم السجون فكان عام 2015، وذلك عبر البرلمان الأول بعد الانقلاب العسكري، الذي تجاهل تمامًا ضمن الحق في التعليم داخل السجون المصرية. وبعد ذلك بسبع سنوات، في آذار/ مارس 2022، أقرّ مجلس النواب عدة تعديلات لقانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، للمواد 1 و 2 و 31 و 81، كان أبرزها تعديل المادة 31 التي تتناول مسألة طلب التعليم من داخل السجون المصرية، والتي نصّت على ما يلي: "على مراكز الإصلاح والتأهيل العمومية [وهو المسمى القانوني الجديد البديل من تسمية السجون] أن تشجع النزلاء [وهي التسمية القانونية الجديدة البديلة من المسجونين] على الاطلاع والتعلم، وأن تيسر الاستذكار لمن لديهم الرغبة في استكمل الدراسة، وعلى الجهات التعليمية المقيد بها النزلاء

72  المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تعديلات لائحة السجون: دون المستوي وتنقصها الشفافية (القاهرة: أيلول/ سبتمبر 2014)، ص 5-4، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3ylh8GD 73 ينظر: Ann M. Lesch, "Parliament Without Politics: The Effort to Consolidate Authoritarian Rule," The Philadelphia Papers , no. 12 (February 2016), accessed on 1/4/2022, at: https://bit.ly/3nE7dXX; "The 2015 Elections: The End of Competitive Authoritarianism in Egypt?" Arab Reform Initiative, 1/12/2015, accessed on 15/4/2022, at: https://bit.ly/3NNCsKP

عقد لجان خاصة لهم داخل مراكز إيداعهم [أي السجون]، لتمكينهم من أداء الامتحانات المقررة عليهم، إلا إذا طلب رئيس الجهة التعليمية انتقال النزلاء لأداء الامتحانات العملية أو الشفوية خارج المراكز المودعين بها، في الأحوال التي تستلزم ذلك، ما لم تكن هناك خطورة من انتقالهم يقدرها وزير الداخلية أو من يفوضه، وينظم ذلك كله اللائحة الداخلية". حسم هذا التعديل مسألة الأماكن المخصصة التي يجري فيها امتحان المحبوسين والمسجونين، أي إنها تكون داخل السجون (بأنواعها) ومراكز الاحتجاز ما قبل السجون العمومية والمركزية والليمنات، وتُرك الاستثناء في عقدها خارج السجون بطلب من رئيس الجهة التعليمية (جامعات أو مدارس)، وهو ما يمكن اعتباره تكريسًا لطابع السياسات السلطوية، وتضييقًا لمفهوم الحق في التعليم الذي ينص عليه قانون تنظيم السجون ولائحته التنفيذية، إذا ما أخذنا في الحسبان اعتبار المؤسسات التعليمية المصرية بعد عام 2014، وهو العام الذي شهد تظاهرات ضخمة من الطلاب شارك فيها أيضًا عددٌ من أعضاء هيئة التدريس، خاضعة للنظام السلطوي الجديد، لا سيم بعد صدور القرار بقانون رقم 52 لسنة 2014 بتعديل قانون تنظيم الجامعات، حيث تم تغيير نظام اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات من الانتخاب إلى التعيين، عبر قرارات صادرة عن رئيس الجمهورية. كم مُنح رئيس الجمهورية صلاحية إقالة رئيس الجامعة قبل نهاية مدة تعيينه. وبهذا، يدور التعديل الأخير لقانون تنظيم السجون عام 2022 في فلك السياسات السلطوية المقررة بيد الفاعلين غير المستقلين، أي النواب المختارين على أعين الأجهزة الأمنية، وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذين يختارهم رئيس الجمهورية، وذلك على الرغم من ظاهر هذا التعديل الذي يبدو أنه أنصف حق المسجون في التعليم من داخل السجون، فضلً عن تناقضه مع المواثيق والقوانين الدولية، وإلى حد بعيد مع السياسات الفعلية الممرسة داخل السجون المصرية على النحو الذي نعرضه في المبحث التالي من الدراسة.

رابعًا: سياسات السجون الفعلية تجاه طالبي حق التعليم

"في السجن وراء قضبانه وجدرانه، لم أتوانَ لحظة عن التفكير في كيفية تحصيل العلم، واعتبرت اعتقالي فترة أخلو بها مع نفسي وكتبي، ومع كلّ صاحب تجربة قابلته في كل زنزانة مررت بها [...] ومع اقتراب امتحانات نهاية العام الدراسي، شُغل ذهني عن أي شيء سواها، وخصوصًا أنهم يحبون أن يتهكموا ويتلاعبوا بآمالك التي تركن إليها حين تكون في قبضتهم؛ تلك الآمال التي يخافون منها أيّا خوف وأنت حرٌّ تسعى في الوطن المزعوم".

74 جمهورية مصر العربية، "قانون رقم 14 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون"، الجريدة الرسمية، العدد 11 مكرر (ب)، 2022/3/20، شوهد في 2022/5/20، في: https://bit.ly/3NCxWiC 75 كان اقرار حق انتخاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات من مكاسب ثورة 25 يناير 2011. أما القانون رقم 52 لسنة 2014 فقد نص على تعيين رئيس الجامعة من رئيس الجمهورية بناء على عرض وزير التعليم العالي، وأجاز القانون لرئيس الجمهورية كذلك إقالة رئيس الجامعة من منصبه وقبل انتهاء مدة تعيينه، بناء على طلب رئيس الجامعة، وذلك إذا أخلّ بواجباته، وهي عبارة فضفاضة تفتح الباب على مصراعيه لفصل رؤساء الجامعات. ينظر: جمهورية مصر العربية، "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 52 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 94 لسنة 1972 "، الجريدة الرسمية، العدد 25 مكرر (أ)، 2014/6/24، شوهد في 2022/5/20، في: https://bit.ly/3giMXuG 76  عيد، عند الامتحان، ص.13-12

لا تعبّ القوانين، وإن ادّعت تحقيقها فلسفة العدالة، عن مكنون السياسات السلطوية المُمرَسة والمختبَة في حقل الواقع. فالسياسات التي تحدّ من ضمن حقوق السجناء، سواء نصت عليها القوانين والتشريعات واللوائح أو لم تنص، تتناقض على نحو واضح مع كثير من الحقوق الأولية للسجناء داخل السجون المصرية (سواء كانوا سياسيين أو جنائيين). يتناول هذا المبحث التطبيق العملي للسياسات السلطوية داخل السجون المصرية بعد انقلاب عام 2013، ويرصد وفق المقابلات الدوافع التي قادت المعتقلين السياسيين إلى المطالبة بحق التعليم من داخل السجون المصرية، وبعد ذلك يتناول ست محطات تتجلى فيها التطبيقات العملية لهذه السياسات وتفاعل المعتقلين السياسيين معها. تبدأ هذه الخطوات بما تطلق عليه الدراسة التعاضد السلطوي بين مؤسسات عدة تقوم بوضع العقبات في طريق طلب التعليم من داخل السجون، ثم الدوران في فلك البيروقراطية واعتبارها إحدى العقبات السلطوية أمام الحصول على حق التعليم، ثم عملية الرصد والرقابة والتحكم التي تمارسها السلطات الأمنية على الكتب والمراجع وما يخص التحصيل التعليمي من داخل السجن، إضافة إلى عملية التنقل من سجن إلى آخر لأداء الامتحانات وكيف أنّ السلطات الأمنية تكرّسها لمنع تكرار تجربة التقدم للامتحانات مرة أخرى، وصولً إلى تفاعل المعتقلين السياسيين مع بعضهم عبر ما تسميه الدراسة "مجتمع السجن" باعتباره نوعًا من مقاومة السياسات السلطوية، انتهاء إلى عملية عقد الامتحانات الدراسية داخل السجن، وما تكتنفه من سياسات تؤدي إلى الإخلال بضمن الحق في التعليم من داخل السجن. وقبل عرض هذه المحطات، من الأهمية الوقوف على الدوافع التي تشجع المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية على الدفاع عن حقهم في التعليم داخل السجون. فبناء على مقابلات الدراسة، تباينت الدوافع التي ساقها المعتقلون السياسيون بين الرغبة في تحقيق الذات، والدافع المجتمعي، وتحدي السياسات السلطوية. يقول عبد الرحمن الجندي، الذي اعتقل في عامه الجامعي /2013 2014 الأول في كلية الهندسة في الجامعة الألمانية في القاهرة GUC، والذي اضطر بعد ذلك إلى التحويل إلى جامعة عين شمس في القاهرة بعد أن فصلته إدارة الجامعة الألمانية، إن الذي دفعه إلى ممرسة الحق في التعليم من داخل السجون هو حفظ إنسانيته وكرامته التي تجلب له الشعور الدائم بتعدّي مسمى "السجين" إلى مسمى "الطالب"، ويقول: "كنتُ قد أدركت أن المذاكرة هي المخرج الوحيد الذي يحملني خارج الكابوس، ويحفظ لي حدًا أدنى من إنسانيتي وعقلي، كون المذاكرة السبيل الوحيد لئلا أتجمد مكاني، وأبقى متحركًا بأي شكل في طريقي. وتحوّل هذا الإدراك مع الوقت إلى رافعة وحيدة تعمل وقت انكسار أو قهر أو رغبة في الاستسلام وترك كل شيء للخراب، وتتعطل في أحيان أخرى ولا ينقذها إلا لطف ربنا". وقد أدّى الجندي، وفق شهادته، 94 امتحانًا في الهندسة داخل السجون، وأنهى دراسته الجامعية وحصل على درجة البكالوريوس عام 2018. باختصار،

77 عن مفهوم العدالة، ينظر: "Justice," Stanford Encyclopedia of Philosophy , accessed on 1/5/2022, at: https://stanford.io/3IgRNlP; وينظر في هذا الصدد: فرانك أ. ميتشلمان، "رولز عن النزعة الدستورية والقانون الدستوري"، في: اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا، صموئيل فريمان (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 78 نستخدم التفريق بين السجناء السياسيين والجنائيين في الحالة المصرية لوجود تناقض جليّ وواضح في المعاملة بين السجناء الجنائيين والمعتقلين السياسيين، لا سيما بعد عام.2013 79  عبّ الجندي عن شهادته في سلسلة مقالات نشرها عبر موقع مدى مصر، ينظر: الجندي.

كانت الرغبة في حفظ الإنسانية، والتمتع بالتفكير العقلاني، وعدم الشعور بالانعزال ومسايرة واقع الحياة خارج السجن، ومقاومة ما فرضه السجّان من هوية "سجين"، والتمتع بحق العيش كإنسان كامل الأهلية، دافعًا للجندي لكي يسعى لممرسة الحق في التعليم. يختلف السجين ي. ج. مع الحالة السابقة، فقد اعتُقل أثناء امتحانات نهاية عام الصف الثاني من مرحلة

الثانوية الأزهرية في محافظة الشرقية، وأخلي سبيله بعد ذلك، ليختفي قسريًا مرة أخرى ويُعاد "تدويره" بعدها بعدة أسابيع في قضية جديدة. طلب ي. ج. من أحد الضباط المسؤولين أثناء فترة الاختفاء القسري أن يتقدم بطلب لأداء الامتحانات من داخل السجن، فتجاهل الضابط الطلب، بحجة أنه غير مسجّل بأنه مسجون من الأساس! ويذكر: "يتعامل الضباط معنا بأننا بلا حقوق أولية/ أساسية وبيولوجية، فكنا نجد صعوبة في الحركة بسبب القيود والعصابات التي على أعيننا طيلة فترة الاختفاء القسري، فكيف إذا ما طلبنا بحقوق طلب التعليم من داخل السجون، كان الأمر مستحيلً"!. كان الدافع في هذه الحالة عند ي. ج. هو مقاومة المنظومة القسرية الكاملة التي وُضع فيها، من تدوير داخل السجون، واختفاء قسري، وتجاهل تام للحقوق الأولية ويشاركه حالة الاختفاء القسري نفسها م. س. الذي اعتقل وهو في عامه الجامعي الأول في كلية الحاسبات والمعلومات، ولم يكن لديه سعة الطلب في التقدم أساسًا لأداء امتحانات نهاية العام، فلم يجد أساسًا مسؤولً يتقدم إليه بطلب الامتحانات. على عكس الحالتين السابقتين، كان عمرو حشاد، الذي لم يكن يرغب من الأساس في استكمل حقه في التعليم من داخل السجن لعدم توافر الحاجات الأولية للمعيشة، طالبًا في السنة الثانية في كلية الهندسة في جامعة أسيوط، وقضى في السجن خمس سنوات (2019-2014). ويذكر أنه فقد الأمل تمامًا في الحصول على حقه في التعليم من داخل السجن، نظرًا إلى تضافر السياسات السلطوية من مؤسسات عدة ضده؛ فقد فصلته الجامعة فصلً نهائيًا بعد أيام قليلة من اعتقاله بزعم أنه من "الطلاب المخربين" رغم اعتقاله من بلدته في محافظة المنوفية، ورفضت الجامعة تمكينه من التحويل إلى أي جامعة حكومية أخرى، ثم رفض القضاء الإداري إنصافه بعودته إلى الجامعة، أما النيابة فقد أحالت قضيته إلى المحاكمة العسكرية رغم أنه مدني. يقول حشاد: "أعتقد أن ذلك كله من تدبير الأمن الوطني الذي يتحكم في المؤسسات الجامعية والقضائية في مصر، لكن أمام رغبة أسرتي وإلحاح زملائي داخل السجن، لجأتُ إلى قطاع التعليم الخاص، رغم أنه يتطلب موارد مالية كثيرة، وسجّلت في أحد المعاهد العليا لإدارة الأعمل بالقاهرة، حتى لا أكون بعيدًا عن مقر سجني [سجن 1 وادي النطرون آنذاك]، وتم قبولي بشكل استثنائي نظرًا إلى حالتي كمعتقل وذلك نظير مبلغ مالي دفعه أهلي". تتمثل حالة حشاد مع حالة ن. ج. في مقاومة السلطوية، إذ اعتقل وهو في الصف الثالث من مرحلة الثانوية العامة في إحدى محافظات شمل مصر. ورغم فرق المرحلة التعليمية، ونظام السجن، لم يكن لدى ن. ج. رغبة

80 مما يعني قانونيًا أنه مُخفى قسرًا. 81 ي. ج. (إسطنبول)، مقابلة عبر الإنترنت،.2021/12/11 82 م. س. 83 وهو الوسم الذي كانت تستخدمه مجالس التأديب في الجامعة ضد طلاب الناشطية الطلابية التي اندلعت في الجامعات بعد الانقلاب العسكري رفضًا للحكم. 84 تبعد نحو 300 كيلومتر عن محافظة أسيوط. 85 حشاد.

في استكمل التعليم من داخل السجن لفقدانه الأمل في العملية التعليمية واعتقاله في سن صغيرة (17 عامًا)، فيقول: "لا يوجد شيء اسمه طلب التعليم من داخل السجن أساسًا، لم يكن هناك فرص لتعلّم ما يفيد سوى التشاجر مع السجّانين من أجل ضمن معيشة آدمية، فكيف بطلب العلم؟ لكنّي أمام إقناع أهلي ورغبتهم في عدم تخلّفي عن المراحل التعليمية استكملت التعليم من داخل السجن رغم الصعوبات وعدم التحصيل العلمي من أي وجه لا سيم في هذه المرحلة التعليمية المفصلية التي كنت بصددها [الثانوية العامة"]. وبناء على ذلك، تتباين الأسباب وراء رغبات المسجونين محل الدراسة، فلا توجد رغبة واحدة حاكمة، إلا أن مواجهة السياسات السلطوية تبقى العامل المشترك الذي يمكن من خلاله كشف أسباب إقبال المعتقلين السياسيين على طلب التعليم من داخل السجون المصرية. وفيم يلي عرض لرؤاهم وتفاعلهم مع سياسات السجون تجاه الحق في التعليم داخل السجون.

1 ي. التعاضد السلطوي ف إعاقة حق التعليم في السجون

لا تقتصر السياسات السلطوية للحد من ممرسة حق التعليم من داخل السجون على البيئة الداخلية للسجن وبوجه عام، تتشارك السياساتِ السلطوية التي ينتجها النظام السياسي مؤسساتٌ عدة، أولاها المؤسسة التعليمية "المدرسة"/ "الجامعة"، وثانيتها مصلحة السجون، وثالثتها الأمن الوطني، وهو المؤسسة الأمنية الأقوى في التحكم في شؤون المعتقلين السياسيين، ورابعتها المؤسسة القضائية. وفي هذا الصدد، يلزم المعتقل السياسي الحصول على موافقات الجهات الأربع. فعلى سبيل المثال، تتشارك عدة مؤسسات في تأطير عملية الموافقة على إتمام السجين طلب الحق في أداء الامتحان. وتتباين على نحو طفيف أسمء المؤسسات وفقًا لحالة السجين (1. تحت التحقيق "أي رهن الحبس الاحتياطي"، 2. مُحال إلى المحاكمة، 3. محكوم بحكم نهائي). فإذا كان محبوسًا احتياطيًا، يتقدم بطلب إلى النيابة العامة للموافقة على تمكينه من أداء الامتحانات، وذلك بعد أن يأتي من ينوب عنه من الأقارب بوثيقة إثبات قيد رسمية من المؤسسة التعليمية المقيّد فيها. أما المحبوس المحال إلى المحكمة، أو السجين المحكوم عليه بحكم نهائي، فيجري تقديم الطلب إلى المحكمة التي يحاكمن أمامها، بعد إحضار إثبات قيد من المؤسسة التعليمية، وصورة من واقع جدول الامتحانات مصدّقة من المؤسسة التعليمية. وتعد حالة المعتقل والناشط السياسي أحمد دومة مث لً مهم في هذا السياق، فقد اعتُقل في كانون الأول/ ديسمبر 2013 وحُكم عليه بالسجن المشدد مدة 15 عامًا بعد محاكمته في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "أحداث مجلس الوزراء". تقدّم دومة من داخل محبسه بطلب لإتمام دراسته العليا في معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة التابع لجامعة الدول العربية، إلا أن المعهد اشترط عليه أن يُجري نسبة حضور للمحاضرات والامتحانات، وهو ما يستحيل في حالته نظرًا إلى عدم اشتمل لائحة تنظيم السجون على مادة تضمن الحق للسجين في حضور محاضراته في مقر دراسته إذا كان مسجلً في إحدى

86 ن. ج. (إسطنبول)، مقابلة عبر الإنترنت، شباط/ فبراير.2022 87 ر. م. (حقوقي مصري، القاهرة)، مقابلة عبر الإنترنت،.2021/9/5 88 المرجع نفسه. 89 ينظر: معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، شوهد في 2022/6/2، في: https://bit.ly/3bdTTqf

المؤسسات التعليمية. واشترط المعهد عليه أيضًا إذنًا كتابيًا من مصلحة السجون التابعة لوزارة الداخلية، غير أنها لم تردّ على طلبه حيال هذا الأمر لتمكينه من أداء الامتحانات، ما جعله يعلن دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام لتمكينه من ممرسة حقه في التعليم من داخل السجون، وهو ما قابلته إدارة السجن بالتعنت والرفض. وقد تكفّلت مؤسسة حرية الفكر والتعبير (مؤسسة حقوقية مصرية) برفع دعوى قضائية ضدّ وزيري الداخلية والتعليم العالي، لعدم تمكين دومة من حقه في أداء الامتحانات وإكمل العملية التعليمية من داخل السجن. تتمثل حالة دومة مع زميله المعتقل على ذمة القضية أحمد أشرف نصار، الطالب في كلية الصيدلة، لذي مُنع من أداء امتحانات السنة الأخيرة للكلية بعد تعلل إدارة الجامعة بإلزامه بأداء الامتحانات حضوريًا في مقر الكلية، وهو ما رفضته إدارة السجن.

2. التقديم لدخول الامتحانات

فضلً عم تقدم، عادة ما يدخل المعتقل وأسرته في دائرة ممتدة من الإجراءات لإتمام طلب التقدم للامتحان. فمثلً يعبّ ي. ج. أن الضابط لم يُعره اهتممًا حينم طلب تمكينه من إكمل امتحانات الثانوية الأزهرية وهو قيد الإخفاء القسري، وكذلك م. س. الذي لم يستطع حتى مقابلة الضابط المسؤول عنه أثناء فترة إخفائه قسريًا لتقديم طلب أداء الامتحانات. ويبين ي. ج. أن والدته كانت تسافر من محافظة الشرقية إلى العاصمة القاهرة مرات عدة لكي تحصل على رقم جلوسه فقط، لتقوم بعدها بتسليمه من إدارة المنطقة التعليمية الأزهرية إلى إدارة مصلحة السجون في القاهرة، التي لا بد من أن تسلّمه بعدها إلى إدارة السجن لكي يتم استدعاء لجنة الامتحان إلى مقرّ السجن، فيقول: "لولا سعي أمي، لم أكن لأكمل تعليمي أساسًا من داخل السجون". تحدد بعد ذلك مصلحة السجون المكان المناسب، الذي عادة ما يكون أقرب سجن عمومي إلى المؤسسة المقيّد فيها المعتقل. وقد قنن التعديل الأخير لقانون تنظيم السجون في آذار/ مارس 2022 أداء الطلاب المعتقلين لامتحاناتهم داخل السجون بعدما كان بعض المعتقلين السياسيين قديمًا، قبل عام 2013، يؤدونها في مقار الجامعات كم سبق أن أشرنا.

90  "الناشط المصري أحمد دومة يضرب عن الطعام في السجن"، العربي الجديد، 2022/3/28، شوهد في 2022/6/5، في: https://bit.ly/3Opl2F0 91  "أحمد دومة يقاضي وزيرين مصريين بسبب منعه من استكمال دراسته"، عربي 21، 2021/11/2، شوهد في 2022/5/28، في: https://bit.ly/39BN8xT 92  "أسرة الصيدلي أشرف نصار تروي تفاصيل محاكمته مرتين في 'أحداث مجلس الوزراء'"، المصري اليوم، 2016/11/17، شوهد في 2022/6/4، ف:ي https://bit.ly/3N5MsP1 93 ي. ج. 94 م. س. 95 أي رقمه في لجنة الامتحانات. 96 ي. ج. 97 ينظر مثال لحالات أدّت الامتحانات داخل جامعاتها: عصام دربالة وفؤاد الدواليبي وعاصم عبد الماجد، في: "مصر: زعماء الجماعة الإسلامية يؤكدون اتجاههم لوقف العنف"، ميدل إيست أونلاين، 2002/6/27، شوهد في 2022/6/25، في: https://bit.ly/3y1k4YX

وقد خصصت مصلحة السجون عددًا من السجون لجامعات بعينها، نظرًا إلى ارتفاع عدد الطلاب المعتقلين من هذه الجامعات، وكذلك مركزيتها، مثل جامعتي الأزهر وعين شمس اللتين خُصص لهم سجن استقبال طرة (بمنطقة سجون طرة) لأداء الامتحانات فيم كان يشبه جامعة موازية، نظرًا إلى كثرة عدد الطلاب المعتقلين لا سيم من جامعة الأزهر، وكذلك خصص للطلاب المعتقلين من جامعة القاهرة والجامعات الخاصة سجن ليمن طرة، أما عن طلاب جامعة الإسكندرية فقد خُصص لهم سجن الحضرة لأداء الامتحانات. أما امتحانات الثانوية العامة فتُعقد في عدة سجون مخصصة، ويُجمع المعتقلون المسجلون لامتحانات الثانوية العامة إليها بحسب الأقرب جغرافيًا إلى مكان عقد اللجنة. وتُعقد الثانوية الأزهرية داخل السجن الأقرب إلى المنطقة الأزهرية المسجل لديها الطالب.

3. الرقابة على القراءة والكتابة داخل السجن

لا يشمل الطلب المقدم إلى السلطات المختصة بتمكين المعتقل السياسي لأداء الامتحانات الدراسية الحصول على الكتب والمراجع العلمية، ولا يُقبل عادة أي طلب مقدّم للحصول على الكتب إلا على نحو استثنائي قبل وقت قصير من موعد أداء الامتحانات، وتبقى القاعدة هي رفض دخول الكتب من دون موافقة ضباط المباحث أو الأمن الوطني، وذلك في تناقض مع ما نص عليه قانون تنظيم السجون ولائحة تنظيم السجون بتشجيع القراءة والتعلّم والتثقيف، ويتُرك الأمر لضباط المباحث والأمن الوطني القائمين على أمر السجن تقرير ذلك. ويتمثل ذلك جليًا في حالة المعتقل السياسي والناشط البارز علاء عبد الفتاح الذي يخوض نض لً من داخل السجن من أجل الحصول على الكتب أو السمح له بدخول مكتبة السجن، وتخوض أسرته من خارج السجن نض لً حقوقيًا لتمكينه من ضمن حقه في الحصول على الكتب، ما يدل على تحكّم ضابط المباحث وضباط الأمن الوطني في هذا الأمر. ويزداد الأمر صعوبة لدى طلاب التخصصات العملية، فضلً عن عدم ضمن بيئة سجنية تمكّن المعتقل السياسي من استذكار دروسه والقراءة بانتظام، والمنع شبه التام من زيارة مكتبة السجن، التي ينص قانون تنظيم السجون على وجودها. تتباين كذلك، على نحو لافت، السياسات السلطوية حيال السمح بإدخال المواد التعليمية للسجناء وفق طبيعة السجن نفسه، وطبيعة تصنيف المعتقلين لدى الأجهزة الأمنية. وبحسب عدد من المستجيبين، يوضح ع. ه. الذي استطاع إنهاء شهادة الثانوية الأزهرية من داخل السجون بتفوق، وكذلك العام الأول من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، في سجن دمنهور العمومي (الأبعادية)، أن الكتب كانت تُفتش أثناء زيارة الأهل على نحو يعرّضها للتمزق دائمًا، وتُعرض بعد ذلك على موظف مدني يسمى (الأخصائي الاجتمعي)، فيم يبدو أنها خطوة بيروقراطية تقرر دخول الكتب أو منعها عن المعتقلين، ثم يقوم ضباط

98 م. ع. 99 بسبب ما شهدته الجامعة من حراك طلابي غير مسبوق، قاده على نحو أساسي طلاب محسوبون على جماعة الإخوان المسلمين تحت مسمى "طلاب ضد الانقلاب"، واجهوا قدرًا كبيرًا من قمع النظام. للمزيد: عيد، "طلاب مقاومون." 100 تختلف كل عام عن سابقتها؛ ففي عام 2015 مثلً عُقدت امتحانات الثانوية العامة في ستة سجون عمومية هي: "القناطر الخيرية، وليمان طرة، وليمان 044 بوادي النطرون، وبرج العرب، وجمصة، وأسيوط. ينظر: "'الداخلية': لجان ب 6 سجون لأداء 200 طالب امتحانات الثانوية العامة"، المصري اليوم، 2015/6/5، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3yk64us 101  ينظر: ديمة ونوس، "منى سيف ل 'العربي الجديد': علاء عبد الفتاح مستمر بإضرابه عن الطعام"، العربي الجديد، 2022/5/22، شوهد في 2022/6/22، في: https://bit.ly/3A5vLAx

السجن (التابعون للأمن الوطني أو مباحث السجن) بتفتيشها مرة أخرى، وفي أحيان كثيرة يمنع أفراد الأمن دخول بعض الكتب بحجة أنها تخلّ بنظام السجن. يقول ع. ه.: "كنت أقوم على تجميع الكتب والملازم العلمية بعد أن تأتي مهلهلة من الزيارة". أما م. ع. الذي أدّى امتحاناته لكلية الإعلام في جامعة الأزهر في سجن استقبال طرة، فيذكر أن الكتب والمواد التعليمية كان يُسمح بدخولها إليه من دون التعنت المعهود، نظرًا إلى كثرة أعداد الطلاب في هذا السجن - رفض أن يذكر اسم السجن- ولا سيم طلاب جامعة الأزهر. ويضيف ع. ه. أن التعنت في إدخال المواد التعليمية كان يصل إلى حد يثير السخرية، فقد رفض أحد أفراد الأمن في سجن الأبعادية (دمنهور) السمح بإدخال أحد الكتب التعليمية المخصصة لطلاب الأزهر لأن عنوانه (المرشد)! "ظنًا منهم أنه متعلق بفكر جمعة الإخوان المسلمين لاحتوائه على اسم 'المرشد'، رغم أنه من سلسلة كتب تعليمية شهيرة يقتنيها طلاب الثانوية الأزهرية لاستذكار الدروس! رفض إدخاله وظن بذلك أنه أمسك حرزًا مهمً، هددنا بإبلاغ كبار الضباط عنه"!. ويضيف س. ع.، الذي قضى قرابة عام في سجن الأبعادية، أنه لم يتمكن من الحصول على كتبه الدراسية، المتعلقة بتخصص العلوم السياسية، إلا بعد أن وقّع إقرارًا بعدم تمرير الكتب لأي من المعتقلين السياسيين الآخرين لقراءتها، ويفسّ ذلك بأنها خطوة ترهيبية لمنع الحوارات السياسية بين المعتقلين. لا تضمن بيئة السجن والحياة اليومية للسجين، لا سيم في مراكز الشرطة وأقسامها (أماكن الاحتجاز الأولية) التي تشهد كثافة في أعداد السجناء السياسيين والجنائيين على حد سواء، بيئةً آمنة لاستذكار الدروس والقراءة؛ فعلى سبيل المثال، يبين كل من ي. ج.، وم. ع.، وس. ع.، وض. س.، الذين احتجزوا في أماكن احتجاز أولية في ثلاث محافظات مختلفة، وفي أعوام مختلفة بعد عام 2013، أن أماكن الاحتجاز الأولية كانت تتكدس إلى حد غير معقول، ولم تكن تتوفر على إضاءة كافية لكي يتمكن من رؤية السجناء حوله، فضلً عن القراءة على نحو سلس، إضافة إلى انتشار المخدرات داخلها بين الجنائيين، ما يجعل استذكار الدروس أو مجرد القراءة السريعة داخل أماكن الاحتجاز الأولية أمرًا مستحيلً. أما في السجون العمومية، التي يُفترض أنها مجهزة لإقامة السجين فترةً أطول، يذكر عبد الرحمن الجندي محاولاته لمذاكرة دروسه في الهندسة في سجن وادي النطرون: "أصبح حالي الدائم محشورًا ومقرفصًا، وشي [وجهي] مدفون في كتاب، مذكرة على فخذي اليسرى ودفتر على اليمنى، وقلم في يدي وآلة حاسبة على بطني، وكشاف صغير كلعب الأطفال يؤلم العين متدلٍ من يد حقيبتي أوقده ليلً وبعد الفجر". وقد رصدت حملات حقوقية هذه السياسات في حالات عدة، منها حالة الطالب عمرو ربيع في كلية الهندسة الذي اعتُقل عام 2014 ودع في أحد سجون طرة، ورفضت إدارة السجن إدخال الكتب إليه بحجة وجود تعليمت، وأُ تفيد بذلك، وبعدها توجّهت والدته إلى إدارة مصلحة السجون التي تعلّلت بأن مسؤولية إدخال الكتب تقع

102 ع. ه.. 103 المرجع نفسه. 104 س. ع. (أحد المعتقلين السياسيين السابقين عام 2014، الإسكندرية)، مقابلة عبر الإنترنت،.2022/1/25 105 ينظر: "'We're next': Prisoner's secret filming appears to show torture in Cairo police station," The Guardian , 24/1/2022, accessed on 9/2/2022, at: https://bit.ly/3NawrYa 106 الجندي.

ضمن اختصاصات مباحث السجن. وقد رصدت حملة "امتحنوهم"، التي أطلقتها حركات طلابية حقوقية مختلفة لضمن حق الطلاب في التعليم من داخل السجون المصرية، عدة حالات مشابهة.

4. إعاقة الوصول إلى مقار الامتحانات

تنقل مصلحة السجون المعتقلين الذين أتمّوا إجراءات التقدّم للامتحانات إلى السجون العمومية أو الليمنات الأقرب إلى المؤسسات التعليمية المسجلين فيها. وتُعد تجربة الانتقال إلى هذه الأماكن تجربة مؤلمة جدًا لعدة وجوه؛ فلا يعرف أغلب المعتقلين السياسيين موعد ما يسمى "الترحيل لأداء الامتحانات"، ويظل المعتقل على وضع الاستعداد للرحيل في أي وقت، صباحًا أو مساءً، في يوم غير محدد، ومن دون إعطاء مهلة للتجهّز. ويعاني المرحّلون التكدّس في عربات الترحيلات، إضافة إلى ممرسات أخرى مثل إطالة مدة الترحيل التي تصل في كثير من الحالات إلى قرابة 12 ساعة من التنقل بين السجون، وانعدام الحقوق الأولية للسجناء أثناء الترحيل، ما قد يصل بهم الحال إلى قضاء الحاجة في عربة الترحيلات في علب بلاستيكية بسبب عدم السمح لهم بالنزول منها. يوضّح س. ع. الذي نُقل إلى أداء امتحاناته في سجن عمومي جنوب غرب مصر: "نُقلت أثناء عودتي من الامتحانات في عربة ترحيلات تتسع لعشرة سجناء ملأتها مصلحة السجون بأكثر من 25 سجينًا مع متعلقاتهم الشخصية. كنت أنا السياسي الوحيد بينهم، وعدت إلى سجني بعد أكثر من 12 ساعة في الطريق، مررنا بأربعة سجون عمومية، ولم أنزل من عربة الترحيلات لأقضي حاجتي أو أتناول شربة ماء طول الطريق، كانت تجربة التنقل من وإلى السجن الذي أدّيت به الامتحانات من أكثر التجارب إيذاءً في السجن، تعذيبًا ممنهجًا في سياسة التنقّل، يحملك على عدم التفكير في إعادة الامتحانات مرة أخرى لتجنّب هذه الرحلة المأساوية". ويؤكد ذلك أيضًا م. ع. الذي مرّ بالتجربة نفسها من التنقل في سيارة الترحيلات من سجن الأبعادية إلى مجمع سجون طرة من أجل أداء امتحاناته مدة 12 ساعة، مرّ خلالها على خمسة سجون مختلفة، وفي كل مرة كانت سيارة الترحيلات تزيد عددًا من المعتقلين السياسيين المرحّلين إلى السجن نفسه، وعندما وصل هو ورفاقه من الطلاب المعتقلين، وجدوا "تشريفة السجن" في انتظارهم، وعاملوهم كأنهم "إيراد  " سجن جديد، ما

107  ينظر: آية الحبال، "'امتحنوهم'.. حملة حقوقية ترصد حالات منع الطلاب المحبوسين عن امتحاناتهم"، المصري اليوم، 2015/6/3، شوهد في 2022/6/23، في: https://bit.ly/3O5PSmd 108 حشاد. 109  للمزيد بشأن سيارة الترحيلات المعتمدة لنقل السجناء، ينظر: "سيارات الترحيلات.. نعوش متحركة"،، 2013/12/29، شوهد في أريج 2022/6/22، في: https://bit.ly/3OfvP4T 110 س. ع. 111 "التشريفة" مصطلح سجني يعني مراسم استقبال السجناء الجدد أو المرحّلين في السجن من قوات الأمن، وعادة ما يتخللها الضرب والتعنيف والتعذيب من مخبري السجن، والإجبار على خلع الملابس وقضاء الحاجة أمامهم، وذلك لسببين، أولهما: ظاهر، وهو التأكد من خلو السجناء من أي ممنوعات عن نظام السجن، ثانيهما: باطن، وهو محاولة كسر إرادة السجناء، وبث الخوف في نفوسهم من إدارة السجن الجديد. ينظر: أحمد سعيد، كلام حبسجية: نماذج من مسكوكات السجن المصري (بيروت: أمم للتوثيق والأبحاث؛ منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية، 2021)، ص 22-21. 112 "الإيراد" من مصطلحات السجن المستخدمة لوصف السجناء الجدد القادمين إلى السجن، أو المنتقلين إليه حديثًا من سجن آخر، وهي كذلك وصف لعدة زنازين يوضع فيها السجين (السياسي أو الجنائي) عند قدومه، وذلك لإجباره على الخضوع لنظام السجن الجديد، قبل توزيعه على السكنى في الزنازين مع باقي السجناء القدامى في السجن، ووفق نظام معين من تقسيم عنابر السجن. للمزيد، ينظر: المرجع نفسه، ص.14

صعّب "رحلة الامتحانات"، وصعّب من أمر الامتحانات برمّتها، نظرًا إلى الكم الكبير من الإهانة التي تعرضّوا لها في تشريفة السجن. ويذكر عمرو حشاد كذلك أن إدارة سجن ليمن طرة قد منعته من إدخال بعض الكتب التي كانت في حوزته بعد وصوله من سجن وادي النطرون، خوفًا من أن تكون كتبًا تثقيفية تنتشر بين المجتمع الطلابي الجديد المجموع من عدة سجون. ويضيف م. ع. أن طريق العودة إلى سجنه مرة أخرى لم يكن أقل صعوبة؛ إذ زاد الأمر في إحدى سنوات الامتحانات - التي صادفت حلول شهر رمضان - أن قضى وزملاؤه من المعتقلين السياسيين يومًا كاملً في سيارة الترحيلات، بلا إفطار أو سحور، أو قضاء للحاجة. لذا، يمكن القول إن ما يمكن تسميته ب "ترحيلة الامتحانات" ضرب من السياسات السلطوية التي تتسم بها عملية طلب التعليم من داخل السجون المصرية، وإنها تقف عائقًا تقوم به مصلحة السجون بالتعاون مع الأمن الوطني والمباحث وإدارة الترحيلات من أجل تصعيب تكرار طلب المعتقلين السياسيين أداء الامتحانات مرة أخرى، ومن ثم فهي عقبة أساسية أمام ضمن الحق في التعليم من داخل السجون المصرية.

5 ي. تبادل الخبرات ف "مجتمع السجن"

يتفاعل المعتقل السياسي مع السياسات السلطوية التي تحاول سلطات السجن فرضها باعتبارها جزءًا من طبيعة النظام السياسي، ويمارس داخل المجتمع السجني الكبير - لاستكمل ما بدأه خارج السجن وليكون جزءًا من صناعة الفعل اليومي داخل السجون - نض لً ومقاومة في حيز مكاني له طبيعته المختلفة، مستندًا إلى ما يشتمل عليه مجتمع السجون المصرية من خبرات تعكس أزمة الاعتقال السياسي ويخلق هذا مجتمعًا موازيًا داخل السجون المصرية، يعتمد على تبادل الخبرات والتآزر بين المعتقلين السياسيين في مواجهة سلطة السجن. ولا يقتصر التآزر بينهم على الجانب الوجداني، بل يتعداه إلى التآزر والتضامن الفعلي والحركي شبه المنظم داخل السجون، ومحاولة تدبير ما أمكنهم داخل مجتمعهم الصغير (الزنزانة) ومجتمعهم الأكبر قليلً (العنبر). وفي حين تتضافر مؤسسات النظام السياسي السلطوي لإنتاج سياسات تعوق عملية طلب التعليم من داخل السجون، فإن المجتمع الناشئ داخل السجون المصرية يتضافر بين ذاته لإنتاج ما يسميه عبد الوهاب المسيري "المجتمع التراحمي"، الذي يقوم في حالة السجون المصرية على تبادل الخبرات بين السجناء من دون جزاء مادي نظير لتبادل الخبرات، ولا يتم هذا في مسألة طلب التعليم فحسب، بل في المجالات الصحية والرياضية والتعليمية والاجتمعية وغيرها. فعلاوة على ما يقوم به السجناء من تبادل الخبرات لشرح المواد التعليمية، والاستفادة من الخبرات العلمية المتنوعة لكل المراحل التعليمية داخل السجون، يتآزر ذوو السجين (من أسرة وأصدقاء) لمساعدته في مواجهة السياسات السلطوية وإعانته على استذكار دروسه.

113 حشاد. 114 م. ع. 115 مصطلح كرره المستجيبون، لذا اصطلحنا على إطلاقه على عموم عملية التنقل من سجن إلى آخر لأداء الامتحانات. 116 Christopher M. Sullivan, "Undermining Resistance: Mobilization, Repression, and the Enforcement of Political Order," The Journal of Conflict Resolution , vol. 60, no. 7 (October 2016), p. 1164. 117  على حد قول المسيري، المجتمع التراحمي، ينظر للتفصيل: عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر، ط 9 (القاهرة: دار الشروق، 2018)، ص.88-64

وبحسب ما أورده المستجيبون، اعتمد أغلب المعتقلين السياسيين الراغبين في التعليم من داخل السجون المصرية بقدر كبير على مجتمعي "الزنزانة" رغم استحالة ظروفها المعيشية المكدّرة للمذاكرة، و"العنبر" في الأوقات التي يُسمح فيها بتلاقي معتقلي العنبر الواحد في ساحات التريّض، وذلك لفهم ما يصعب عليهم في المناهج التعليمية المؤسسية، سواء في المدارس أو الجامعات. ويذكر س. ع. أنه كان يرسل صباحًا مع بدء فترة "التريّض" بعض مصطلحات العلوم الاجتمعية باللغة الإنكليزية إلى أحد المترجمين في زنزانة مجاورة من العنبر نفسه، ليأتي له بها في نهاية اليوم بعد أن يترجمها، وذلك في ظل منع إدارة السجن إدخال قواميس مصطلحات العلوم الاجتمعية. أما ع. ه. فيقول إنه كان يستعين على دراسة المواد الشرعية، ولا سيم المواريث في مرحلة الثانوية الأزهرية وبعض المواد الشرعية الأخرى في السنة الأولى من كلية الشريعة والقانون، ببعض علمء الأزهر الموجودين في العنابر التي كان يتنقل بينها، وكان يضطر في أحيان كثيرة إلى دفع "علب السجائر" لأفراد الأمن للسمح له بلقاء أحد المعتقلين الآخرين لشرح ما يصعب عليه في بعض المواد خارج أوقات التريّض التي تزدحم فيها طرقات العنابر. أما ي. ج. فيذكر أنه كان يعتمد في أغلب أوقات المذاكرة في سجني جمصة العمومي والزقازيق العمومي، على السجناء ذوي الخبرة في المواد الجامعية المختلفة، سواء العملية أو الاجتمعية، إضافة إلى ما ذكره عمرو حشاد من طلبه المتكرر من إدارة السجن لنقله إلى زنزانة كان فيها أستاذ جامعي لمادة المحاسبة، لكنّ إدارة السجن رفضت الأمر أكثر من مرة. ويستغل المعتقلون وقت التريّض (الذي يراوح وقته بين ساعة وخمس ساعات في بعض السجون) المخصص للحركة خارج الزنزانة وداخل العنبر، في لقاء أصحاب الخبرة العلمية من زنازين أخرى داخل العنبر الذين يتطوعون لشرح المسائل العلمية الصعبة لا سيم أثناء فترة الامتحانات، وهذا ما يؤكده ي. ج.: "في سجن جمصة العمومي، كنا نعدّ بعض الممرات بين الزنازين كفصول دراسية وكتاتيب لتعلّم القرآن الكريم، بشكل جمعي أثناء وقت التريّض حينم نلتقي بزملائنا من زنازين أخرى، حيث كنا نعمل على استغلال الوقت للتدارس الجمعي أو لفهم ما يصعب علينا". يتعدى ذلك الأمر لمجتمع المتضامنين إلى خارج السجن، فيشير عبد الرحمن الجندي مثلً أنه كان يكتب الأسئلة على ورقة ويرسلها في الزيارة المقررة للمسجون المحكوم "كل أسبوعين، وفق اللائحة"، فيجيب عنها أصدقاؤه من طلاب الهندسة ويعيدون إرسالها إليه كي تعينه على فهم الأسئلة الصعبة، لا سيم في تخصص علمي يتطلب فهمً دقيقًا للمسائل الحسابية. ويذكر: "ساعدني وجود أبي خارج السجن كثيرًا، تعرّف على زميل لي في دفعتي، وكان يأخذ منه كل الأوراق والكتب والمراجع التي أريدها. شرحت لأبي ما أنوي فعله فأحضر لي كتب ومراجع المادتين المؤجلتين من السنة الماضية لأنهي دراستهم في إجازة الصيف، وما إن تبدأ السنة الدراسية رسميًا أكون انتهيتُ منهم لأبدأ دراسة السنة الحالية والتفرغ لمشروع التخرج".

118 س. ع. 119 وهي العملة المتعارف عليها داخل السجون المصرية، وتساوي أكثر من قيمتها خارج السجن، وتتباين أسعارها تبعًا لعلامتها التجارية، إلا أن سجائر "الكليوباترا" هي أكثر الأنواع المنتشرة داخل السجون المصرية. 120 ي. ج. 121 المرجع نفسه. 122 الجندي. 123 المرجع نفسه.

ويؤكد الأمر ذاته "أحد المعتقلين السابقين" الذي كان يدرس تخصصًا في العلوم الإنسانية بأنه اعتمد على أصدقائه في إرسال إجابات بعض الأسئلة التي كانت تصعب عليه، وكانوا يجتهدون كذلك في إرسال ملخصات المحاضرات والأجزاء المقررة من المراجع، وكانت والدته تجتهد بشتى الطرق لضمن إدخالها إليه أثناء الزيارة. وهكذا، تُعتبر حالة التضامن القائمة بين المعتقلين السياسيين داخل السجن في مسألة الإعانة على طلب التعليم لمواجهة السياسات السلطوية التي تتبعها إدارة السجون، نوعًا من مقاومة السياسات السلطوية، وكذلك نوعًا من إجلاء كيفية عمل سياسات المؤسسة الأمنية والسجنية للحد من ضمن الحق في التعليم من داخل السجون المصرية، ولا سيم بعد عام.2013

6. عقد الامتحانات

ذكرنا سابقًا كيف أن أماكن عقد الامتحانات داخل السجون تتابين، وأن عملية الانتقال إليها تواجهها الكثير من الصعاب. ونستكمل هنا حديثنا عن ظروف عقد الامتحانات ذاتها. يذكر م. ع. الذي أدّى امتحانات كلية الإعلام بجامعة الأزهر داخل سجن استقبال طرة أن: "مكان الامتحانات كان يشبه مسرحًا كبيرًا، يُسمى 'مدرسة السجن'، ويتم تقسيم جلسة الطلاب المعتقلين وفقًا للكلية والمادة المسجل بها، وليس أرقام الجلوس، وترسل كل كلية اثنين من المعيدين المعينين حديثًا لغرض المراقبة علينا، ولم تكن المراقبة متشددة لأنهم كانا يعرفان حالة السجن المزرية التي لا تسمح لنا إلا بالتعرّف على أسمء المواد والقليل من قراءة تفاصيل المناهج الدراسية، إضافة إلى أن أفرادًا من الأمن كانوا 'يتعسفون' في المراقبة الصارمة بغرض المضايقة ليس أكثر". أما ع. أ. الذي أدّى امتحاناته لكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية في سجن الحضرة فإنه يذكر أن مكان الامتحان كان مبنى قديمًا متهالكًا يُسمى "ورشة السجن"، يجري تقسيم طرقاته عبر وضع كراسي خشبية قديمة يؤدي عليها الطلاب امتحاناتهم، بعد أن ترسل كل كلية اثنين من المعيدين للمراقبة، إضافة إلى الوجود شبه الدائم لأفراد أمن السجن بغرض "شدّ اللجنة" وأمننة عملية الامتحانات. وعند حضور أحد ضباط السجن، تشهد اللجنة رقابة صارمة من جانبهم أكثر من المعيدين، ويُرجع ذلك إلى خصومة ضباط السجن مع المجتمع الطلابي السكندري، نظرًا إلى ما أحدثته الناشطية الطلابية في الجامعة، ولا سيم كلية الهندسة الشهيرة بتظاهراتها الرافضة للانقلاب ونشاط حركة "طلاب ضد الانقلاب" التي اعتقل الكثير من أفرادها. أما ض. س.، الذي أدّى بعض مواد امتحانات الثانوية العامة في سجن برج العرب، فيذكر أن لجان الامتحان كانت تؤدى في "مكتبة السجن" التي لا يدخلها السجناء إلا نادرًا، بعد أن يجري صفّ طاولات القراءة كالفصول، ويتم تشديد الرقابة في وجود ضابط مباحث السجن فحسب. وفيم عدا ذلك، كانت اللجنة تسير وفق المعتاد، من وجود "هرج ومرج". وبوجه عام، تتباين لجان الامتحانات وفق نظام السجن المعقودة به؛ فالسجون التي تشهد نظامًا شديدًا وصارمًا في الرقابة والعقاب، كطرة والحضرة ودمنهور العمومي والفيوم العمومي، كانت تشهد لجانًا قاسية

124 س. ع. 125 م. ع. 126 ع. أ.، الدوحة، مقابلة شخصية،.2022/6/15 127 ض. س.

في بعض الأحيان. وتتباين أيضًا وفقًا لطبيعة الطلاب المعتقلين في السجن؛ فالسجون التي تقع في محافظات شهدت جامعاتها حراكًا طلابيًا مؤثرًا، وخاصة عامي 2014 و 2015، شهدت انعكاسًا لما يمكن أن يوصف بسياسات انتقامية من نشاط الطلاب السياسي في الجامعات بعد انقلاب عام 2013، وكان هؤلاء الطلاب يتلقّون معاملة سيئة داخل السجون تحول دون ضمن حقهم في التعليم.

خاتمة

ناقشت الدراسة النصوص الدولية التي تكفل حق التعليم للإنسان، وكذلك القوانين والمواثيق والقواعد التي خُصصت لتكفل هذا الحق (سواء كانوا سياسيين أو جنائيين)، ومدى اتساع هذه النصوص لتشمل الظواهر المتعلقة بهذا الحق ومن ثم انتقلت إلى مناقشة القوانين المحلية المصرية، ولا سيم قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 وتعديلاته حتى عام 2022، واللائحة الداخلية المنظمة لعمل السجون المصرية وتعديلاتها منذ عام 2013، ووضعتها في سياق مقارن بالقوانين والمواثيق الدولية، لتخرج بنتيجة مفادها أن السلطات التشريعية كرّست بنية تشريعية، لا سيم بعد مجيء برلمان 2015، تحتوي تقنينًا للممرسات السلطوية التي اعتمدها نظام ما بعد تموز/ يوليو 2013، وتغاضيًا عن النص على الحقوق التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية وبعد

أن كانت بعض الممرسات تُعدّ خرقًا للقانون واللوائح السجنية، عدّتها السلطة التشريعية مجرد تنفيذ للقانون. أما عن جانب السياسات الفعلية، فلم تكن مناقضة لنصوص القانون والمواثيق الدولية، وشحيحة في النص على الحقوق التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية كالعهدين الدوليين وقواعد مانديلا فحسب، بل كانت مكرّسة لبعض الممرسات السلطوية أيضًا، كالإلزام بعقد لجان الامتحانات في السجون، أو ترك النصوص

القانونية فضفاضة تقبل عدة تفسيرات، ما يعطيها مج لً أوسع لممرسات سلطوية، كتقييد إدخال الكتب والمراجع إلى السجن بحجة عدم مخالفة نظام السجن. فضلً عن أنه يمكن اعتبار هذه السياسات إجراءات عقابية لمن يطالب بحقه في التعليم، وذلك عبر عدة مراحل، بدءًا من تقديم طلب الرغبة في أداء الامتحانات داخل السجن، مرورًا بالعقبات التي تضعها المؤسسات التعليمية والأمنية والقضائية والسجنية أمام الموافقة على ضمن الامتحانات، والتقيّد بما جاء في نصوص القوانين واللوائح وأحكام المحاكم الإدارية، إضافة إلى العقبات أمام السمح بإدخال المواد العلمية إلى السجن، ثم سياسات المؤسسة الأمنية والسجنية المجحفة في تنقّل السجناء للوصول إلى مقارّ لجانهم، ثم النظام السجني العقابي الذي تنعدم فيه البيئة الملائمة لطلب المعتقلين السياسيين التعليم. وعلى الرغم من هذا، فإن المعتقلين يحاولون التفاعل مع هذه السياسات السلطوية ومقاومتها بطرق عدة فالسياسات السلطوية للسجون لم تجرّد المعتقلين السياسيين من إرادتهم في المقاومة، ويظهر هذا جليًا بداية من الإقدام على خوض المطالبة بالحق في التعليم مرورًا بمحاولة السجناء التفاعل مع ما ينتجه نظام السجن من ممرسات سلطوية متعددة، على النحو الذي أوضحته الدراسة. وأخيرًا، تظل هنا أبعاد أخرى تتصل بحقوق المعتقلين السياسيين في مصر لا يمكن فصلها عن حق التعليم وتحتاج إلى مزيدٍمن البحث، مثل الحق في التمتع بالرعاية الصحية، والحق في المحاكمت العادلة، والحق في لقاء الأهل والزيارة، وإيضاحِأي تناقض قد يبرز بين التشريعات الدولية والمحلية حيال هذه الحقوق، فضلً عن طبيعة السياسات التي تمارسها إدارات السجون تجاه المسجونين.

ملحق: بيان بمقابلات الدراسة

الرقماسم المستجيب
وممحل إقامته
طريقة إجراء
المقابلة وتاريخها
حالة المستجيبملاحظات
1م. س.
إسطنبول، تركيا
عبر الإنترنت
2م021/12/25
مرّ المستجيب بتجربة الاعتقال في عامه
الجامعي الأول عام 2015 من كلية
الحاسبات والمعلومات
رفض المستجيب
ذكر اسمه بالكامل
لدواعٍ أمنية
2ض. س.
البحيرة، مصر
عبر الإنترنت
2ر022/6/16
اعتُقل المستجيب وهو في الصف الثاني
الثانوي عام 2014، وقضى في السجن
أكثر من ثلاث سنوات متنقلً بين عدة
سجون، وأدى جزءًا من امتحانات
الثانوية العامة داخل السجن
3ي. ج.
إسطنبول، تركيا
عبر الإنترنت
2ي021/12/11
اعتُقل أثناء امتحانات نهاية عام الصف
الثاني من مرحلة الثانوية الأزهرية في
محافظة الشرقية عام 2016خلي، وأ ُ
سبيله بعد ذلك، ليُخفى قسريًا مرة
أخرى ويُعاد "تدويره" على ذمة قضية
جديدة، وقد أدى امتحانات شهادة
الثانوية الأزهرية والعام الجامعي الأول
من كلية التربية في جامعة الأزهر من
داخل السجن
4عمرو حشاد
إسطنبول، تركيا
عبر الإنترنت
2يى021/12/29
قضى حشّاد في السجن خمس سنوات،
واعتُقل وهو في عامه الجامعي الثاني
في كلية الهندسة في جامعة أسيوط،
ما اضطره إلى التحويل من الكلية بعد
قإمرار الجامعة فصله
يعمل حشّاد الآن
باحثًا حقوقيًا في
عدد من المنظمت
الإقليمية والدولية
المدافعة عن
حقوق الإنسان
5ن. ج.
إسطنبول، تركيا
مقابلة شخصية
شباط/ فبراير
2ىى022
قضى المستجيب ثلاث سنوات محتجزًا
على ذمة عدة قضايا عام /2014 2015،
ودخل السجن وهو دون الثامنة عشرة.
وأثناء أدائه لامتحانات الصف الثاني
الثانوي، تعرّض للمحاكمة العسكرية،
وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات
6ر. م.
القاهرة، مصر
عبر تطبيق
واتساب
أيلول/ سبتمبر
2021
محامٍ وحقوقي مصري، مهتم بقضايا
المعتقلين السياسيين المصريين
رفض الإشارة إلى
أي معلومات
شخصية تخصّه
الرقماسم المستجيب
وممحل إقامته
طريقة إجراء
المقابلة وتاريخها
حالة المستجيبملاحظات
ع. ه.
ارلإسكندرية، مصر
عبر تطبيق زووم
2أ022/1/2
اعتقل المستجيب مدة ثلاث سنوات
بدءًا من عام 2014، وكان عمره 17
سنة، وأدى امتحانات الصفين الثاني
والثالث للثانوية الأزهرية، والسنة
الأولى من كلية الشريعة والقانون في
ارألسجون
حصل على
الترتيب الأول على
مستوى معهده
الأزهري، وترتيب
89 على مستوى
الجمهورية في
شهادة الثانوية
الأزهرية
.إ8س. ع.
ارلإسكندرية، مصر
عبر تطبيق زووم
2022/1/25
اعتقل المستجيب في عمر 18 عامًا عام
2014، أثناء دراسته في عامه الجامعي
الأول
.إ9م. ع.
الإسكندرية، مصر
عبر تطبيق
واتساب
2أ022/2/2
اعتقل المستجيب عدة مرات، كان
أطولها عام 2014، وأدى أثناء فترة
الاعتقال امتحانات الصف الثالث
الأزهري، والسنتين الأولى والثانية من
كلية الإعلام بجامعة الأزهر
.10ع. أ.
الدوحة، قطر
مقابلة شخصية
2إ022/6/15
اعتُقل المستجيب ثلاث سنوات بدءًا
من عام 2014، من داخل جامعة
الإسكندرية. وأدى امتحانات ثلاث
سنوات دراسية لكلية الهندسة في
جامعة الإسكندرية من داخل السجون

المراجع

Reference

العربية

الأمم المتحدة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. نيويورك: 1948/12/10:. في https://bit.ly/3nUu9Ct الأمم المتحدة. فريق الخبرراء الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. فيينا: 2014/3/28-25:. في https://bit.ly/3uj11Ij الأمم المتحدة. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون الأحداث (قواعد بكين) أوصى باعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو من 26 آب/ أغسطس إلى 6 أيلول/ سبتمبرر 1985 واعتمدتها الجمعية العامة بقرارها 22/40 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/ نوفمبرر 1985. نيويورك. 1985/11/29: ف:ي https://bit.ly/3DIysIv ______. حقوق الإنسان والسجون: دليل تدريب موظفي السجون على حقوق الإنسان. نيويورك/ جنيف: 2004:. في https://bit.ly/3aayU7E اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا. صموئيل فريمان (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الأنصاري، محمد. "دور النيابة العامة المصرية في قمع أصوات المعارضة". مؤسسة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (تموز/ يوليو 2007:). في https://bit.ly/3I9cznt جمهورية مصر العربية. "قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون". الوقائع المصرية. العدد 96 مكرر (ب.) 1956/11/29:. في http://bit.ly/3giEuYF ______. "قرار رقم 79 لسنة 1961 باللائحة الداخلية للسجون". ملحق الوقائع المصرية. العدد. 103 1961/12/28:. في https://bit.ly/3XaKbbH ______. "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 52 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 94 لسنة 1972 ". الجريدة الرسمية. العدد 25 مكرر (أ). 2014/6/24:. في https://bit.ly/3giMXuG ______. "قانون رقم 14 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون". الجريدة الرسمية. العدد 11 مكرر (ب.) 2022/3/20:. في https://bit.ly/3NCxWiC جمهورية مصر العربية. رئاسة الجمهورية. دستور جمهورية مصر العربية 2019. القاهرة: 2019. في: https://bit.ly/3unVoZF سعيد، أحمد. كلام حبسجية: نماذج من مسكوكات السجن المصري. بيروت: أمم للتوثيق والأبحاث؛ منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية،.2021

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. في انتظارك: 78 سجن، بينهم 35 بعد ثورة يناير: عن الأوضاع الصعبة للسجناء والسجون في مصر. القاهرة: 2021/4/11:. في https://bit.ly/3I9ingw عيد، سيف الإسلام. "طلاب مقاومون: النشاطية الطلابية والقمع السياسي في الجامعات المصرية بعد انقلاب يوليو 2013". رسالة ماجستير. معهد الدوحة للدراسات العليا. الدوحة، 2020. (غير منشورة) ______. عند الامتحان: من ذكريات طالب معتقل. بيروت: أمم للدراسات والتوثيق؛ منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية،.2020 اللجنة الدولية للحقوقيين. القضاء المصري: أداة للقمع، غياب ضامنات فعّالة تكفل الاستقلالية والمساءلة. جنيف: 2016:. في https://bit.ly/3qV9XSn المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. تعديلات لائحة السجون: دون المستوى وتنقصها الشفافية. القاهرة: أيلول/ سبتمبر 2014:. في https://bit.ly/3ylh8GD المسيري، عبد الوهاب. رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر. ط 9. القاهرة: دار الشروق،.2018 منظمة العفو الدولية والجبهة المصرية لحقوق الإنسان. "مصر: في يوم الطفل العالمي، يجب على الحكومة المصرية أن تتخذ خطوات لحمية الأطفال وضمن مساءلة مرتكبي الانتهاكات". بيان مشترك. في: https://bit.ly/3AIzFjd

الأجنبية

Brancati, Dawn. "Democratic Authoritarianism: Origins and Effects." Annual Review of Political Science. vol. 17 (May 2014). Freedom Initiative & Egyptian Front for Human Rights. No One is Safe: Sexual Violence Throughout the Life Cycle of Detention in Egypt 2015-2022. Washington, DC: March 2022. at: https://bit.ly/3uKw3cH Foucault, Michel. Discipline & Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). New York: Vintage Books, 1995. Hamid, Shadi. "Rethinking the US-Egypt Relationship: How Repression is Undermining Egyptian Stability and What the United States Can Do." Testimony. Brookings Institution. 3/11/2015. at: https://brook.gs/3I3i19O Henderson, Lynne. "Authoritarianism and the Rule of Law." Indiana Law Journal. vol. 66 (1991). Human Rights Watch. Egypt: Al-Sisi Should End Rights Abuses: Allies Should Push for Reform in Second Term. Beirut: 10/4/2018. at: https://bit.ly/3QxM0Lm Kienle, Eberhard. Egypt: A fragile Power. London/ New York: Routledge, 2022. Lesch, Ann M. "Parliament Without Politics: The Effort to Consolidate Authoritarian Rule." The Philadelphia Papers. no. 12 (February 2016). at: https://bit.ly/3nE7dXX

Przeworski, Adam. Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1991. Rutherford, Bruce K. "Egypt's New Authoritarianism under Sisi." The Middle East Journal. vol. 72, no. 2, Authoritarianism: Old and New (Spring 2018). Stacher, Joshua. "Egypt Running on Empty." Middle East Research and Information Project. 8/3/2016. at: https://bit.ly/3JbfBXV Sullivan, Christopher M. "Undermining Resistance: Mobilization, Repression, and the Enforcement of Political Order." The Journal of Conflict Resolution. vol. 60, no. 7 (October 2016). Suter, Keith. "The Successes and Limitations of International Law and the International Court of Justice." Medicine, Conflict and Survival. vol. 20, no. 4 (October-December 2004). Tilly, Charles & Sydney Tarrwo. Contentious Politics. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 2015. Mbembe, Achille. "Necropolitics." Libby Meintjes (trans.). Public Culture. vol. 15, no. 1 (Winter 2003). United Nations. Universal Declaration of Human Rights. New York: December 1948. at: https://bit.ly/3PDJSBF United Nations Office on Drugs and Crimes. The United Nations Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (the Nelson Mandela Rules). General Assembly Resolution 70/175, Annex, Adopted on 17 December 2015. New York: December 2015. at: https://bit.ly/3Ar9IEE United Nations. Human Rights Office for the High Commissioner. United Nations Standard Minimum Rules for the Administration of Juvenile Justice (The Beijing Rules). Adopted by General Assembly resolution 40/33 of 29 November 1985. New York: 1985. at: https://bit.ly/3IivkVi ______. United Nations Rules for the Protection of Juveniles Deprived of their Liberty. Adopted by General Assembly resolution 45/113 of 14 December 1990. New York: 1990. at: https://bit.ly/3OGiu5M United Nations. International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights: Adopted and opened for signature, ratification, and accession by General Assembly resolution 2200A (XXI) of 16 December 1966. New York: 16/12/1966. at: https://bit.ly/3R6Ls0g United Nations. The International Covenant on Civil and Political Rights. New York: 1967. at: https://bit.ly/3afIAxx