Return to Article Details The Mutual Relationship Between Energy Transition and Democratic Transition: Energy Transition in Tunisia

العلاقة التبادلية بين الانتقال الطاقي والانتقال الديمقراطي

The Mutual Relationship Between Energy Transition and Democratic Transition: Energy Transition in Tunisia

محمد عبد الرزاق حسين

الملخّص

عنوان الكتاب: الانتقال الطاقي في تونس. المؤلفون: أحمد بوعزي، محمد القرقوري، محمد زياد قنر، فتحي الحنشي. تحرير وتقديم: مهدي مبروك.

تاريخ النشر:.2021 عدد الصفحات:.292

الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ تونس: سوتيميديا للنشر والتوزيع.

Abstract

The book primarily aims to illustrate the significance of governance in the energy sector and the ways by which to accomplish energy transition: a critical component of the cultural transition process for developing countries. According to the authors, it draws a common thread between disparate, selective discussions on energy democracy, representing one of the revolution’s demands and a pillar of democratic transition. The book is considered an authoritative contribution to Arabic-language scholarship, serving as a wake-up call for Arab elites to take interest in this pressing issue and comprehend the close relationship between energy transition and democratic transition.

الكلمات المفتاحية:
  • الانتقال الطاقي
  • الانتقال الديمقراطي
  • الحوكمة الطاقية
  • الطاقة المتجددة
  • تونس
Keywords:
  • Energy Transition
  • Democratic Transition
  • Energy Regulation
  • Renewable Energy
  • Tunisia

باحث ماجستير في برنامج الإدارة العامة، معهد الدوحة للدراسات العليا.

Postgraduate Researcher at the Doha Institute for Graduate Studies, Public Administration Program. Email: Mhu002@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

في وقت يتنامى فيه الحديث في الأوساط العلمية عن العلاقة الطردية بين مدى التقدم في الانتقال الطاقي نحو الطاقة المستدامة والمتجددة من ناحية، والانتقال الديمقراطي من ناحية أخرى، يأتي كتاب الانتقال الطاقي في تونسليؤكّد عمق هذه العلاقة في حالة هذا البلد، وارتباطها بالتحول الديمقراطي الذي تعيشه البلاد منذ ثورة الياسمين في عام 2011. يهدف الكتاب بشكل أساسي إلى بيان أهمية حكامة قطاع الطاقة، والسبل التي يمكن من خلالها إنجاز الانتقال الطاقي بوصفه سيرورة محورية في سيرورة الانتقال الحضاري للبلدان النامية. ويأتي - بحسب ما أشار مؤلفوه - لينسج خيطًا ضابطًا لتلك النقاشات المشتتة والاجتزائية الدائرة حول مطلب الديمقراطية الطاقية، الذي يمثل استحقاقًا من استحقاقات الثورة وأحد أركان الانتقال الديمقراطي. يعد الكتاب إثراءً مرجعيًا للمكتبة العربية، فهو بمنزلة جرس التنبيه إلى النخب العربية، لكي تعتني بهذه القضية الملحة، وتعي أهمية العلاقة الطردية بين الانتقال الطاقي والانتقال الديمقراطي. ويتضمن الكتاب خمسة فصول، كتبها مجموعة من المختصين، هم الدكتور أحمد بوعزيّ الأستاذ الجامعي والمختص في الخلايا الشمسية وتكنولوجيا أشباه الموصلّات، الذي قدم فصلً بعنوان "الكهرباء الشمسية وطاقة الريح" (ص 91–31)، وقدم الدكتور محمد القرقوري، الأستاذ الجامعي في اختصاص البيوتكنلوجيا وتثمين الموارد الحيوية، فصلً بعنوان "الطاقة الحيوية: الآفاق والبدائل" (ص. 95-149)، والأستاذ محمد زياد قنر، مهندس الطاقة المختص في الأنظمة الحرارية، الذي قدم فصلً بعنوان "الانتقال الطاقي في مجالي التعمير والسكن في تونس" (ص 229–153)، والأستاذ فتحي الحنشي المختص في الهندسة الميكانيكية الذي يشغل منذ شباط/ فبراير 2011 خطة مدير ترشيد استهلاك الطاقة بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة بتونس، حيث قدم فصلً بعنوان "تخطيط التنقلات ودوره في الانتقال الطاقي" (ص –233 286). ووضع تقديمًا للكتاب الدكتور مهدي مبروك، أستاذ علم الاجتمع التونسي ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - فرع تونس.

أولً: يف معنى الديمقراطية الطاقية

تعتبر الديمقراطية الطاقية جيلً من أجيال الديمقراطية (ص 14–12)، بدأ الحديث عن تطبيقاتها في أوروبا بشكل عام وتحديدًا في ألمانيا والنمسا منذ ثمانينيات القرن الماضي. وانصبّ على بيان أهمية القطاع الطاقي في سياق التحولات الديمقراطية؛ لكونه من المجالات التي لم تعطَ حقّها من التركيز والطرح في أجندة الحوارات التي تسعى إلى إيجاد حلول وتسويات تتوافق عليها النخب السياسية. وفي هذا يشير الكتاب إلى أن اتساع الوعي العام المجتمعي بأهمية الطاقة وعلاقتها بالتنمية بات يحتّم على صناع القرار الاستعجال في تشييد البنى التحتية الداعمة لتطور القطاع الطاقي، الذي يضمن بشكل كبير تطور الانتقال الديمقراطي في البلاد. يصف قاسم حجاج الانتقال الطاقي بأنه حركة، تتوجه فيها السياسات والسلوكيات الاستثمرية والاستهلاكية العمومية والخاصة، نحو الانخراط التدريجي في إقامة نظام طاقي وطني وكوكبي مستدام، يتصف بالإنصاف واللامركزية، ويشكل أساسًا يمكن الاعتمد عليه في استخدام الطاقات المتجددة. وموضع المواطنين من هذا

1 قاسم حجاج، "الاستشراف والحوكمة الطاقية للانتقال الطاقي السويسري في أفق عام 2050: بعض الدروس المستفادة عربيًا"، استشراف،

العدد 3 (2018)، ص.174

النظام لا يقف عند دورهم بصفتهم مستهلكين، وإنما يتجاوز ذلك ليشمل عنايتهم بحق الأجيال القادمة في طاقة نظيفة ومتجددة. من هنا، فإن الحديث عن الانتقال الطاقي ليس ترفًا ديمقراطيًا، إنما هو بعد مهم من أبعاد الديمقراطية التشاركية، يتيح للمواطنين المشاركة في اتخاذ القرارات التي تخص حياتهم ومستقبل الأجيال، إضافة إلى إسهامهم في رسم استراتيجيات تصون وتنمي ثرواتهم المختلفة. بالمثل، فإن الانتقال الطاقي بات بعدًا مهمً في العلاقات الدولية؛ فالعديد من التبادلات التجارية في المجال الطاقي تعتمد على وديّة العلاقات بين الدول. العلاقة هنا تبادلية؛ إذ إن تعزيز دور الأفراد في توجيه السياسات الطاقية وجهة صحيحة إنما يكون عن طريق آليات المشاركة السياسية، عبر الضغط على ممثليهم في المجالس النيابية أو عن طريق التعبير عن وجهة نظرهم، بما فيها اعتراضهم، عبر وسائل التعبير المختلفة. وعبر الآليات السياسية نفسها ينمو الوعي المجتمعي بضرورة إخضاع القطاع الطاقي لقواعد الشفافية ومبادئ الحكامة الرشيدة، وعلى نحو يضمن التوزيع العادل، والاستغلال الأمثل لهذه الموارد، إضافة إلى المطالبة المتكررة بمراقبة هذا القطاع ومكافحة الفساد فيه بفتح تحقيقات عند وجود شبهات حول الإنتاج والتوزيع. في هذا السياق، يذكر تيموثي ميتشل في كتابه ديمقراطية الكربونعلاقة الطاقة بالديمقراطية والتي بدأت منذ التحول من الفحم الحجري إلى النفط، ما قلل نسب الديمقراطية في تلك البلدان. فقد كان الفحم الحجري يتيح لأفراد المجتمع المساهمة في صنع سياسات الدولة؛ عن طريق الاعتراض على القرارات غير الصائبة بالتوقف عن العمل أو التخريب في بعض الأحيان، وهو أمر لم يعد بالإمكان القيام به مع الثورة النفطية التي أعادت تشكيل ملامح الديمقراطية. وفق هذا، لا يستبعد ميتشل إمكانية تعزيز الانتقال نحو الطاقات المتجددة للديمقراطية في تلك البلاد التي تتجاوز الاعتمد على النفط والغاز. وتعتبر الديمقراطية الطاقية مكمِّلً لما تسعى إليه الشعوب لتعزيز المشاركة في مجالات الحياة العامة؛ فعبر المشاركة في رسم السياسات الطاقية على قاعدة الإنصاف والعدالة تزداد فرص هذه المشاركة. ويعزز تطبيقها على أرض الواقع دسترة الحقوق ذات الصلة بثروات الطاقة الوطنية، وإصدار التشريعات والآليات التي تتيح الرقابة على إنتاج الطاقة والتصرف فيها. ونظرًا إلى ارتباط التوزيع العادل لمصادر الطاقة بزيادة معدل

الرفاهية الفردية في المجتمع، بات يُنظَر إلى حكامة القطاع الطاقي بوصفها حلً ناجعًا لعدد من الإشكاليات التي تعترض حالات الانتقال الديمقراطي، وبخاصة مشكلات البطالة، والتهميش، والإقصاء، والفساد؛ فهي من جهة تعين على توفير العديد من فرص العمل، إلى جانب ما تسهم به آليات الحكامة الطاقية من تيسير استغلال موارد الطاقة فيم يصب في الصالح العام. بناءً على ما سبق، يمكننا القول إن الديمقراطية الطاقية تسهم في كشف الانتقال الديمقراطي على حقيقته، وتبرز بجلاء مدى حقيقة التقدم في هذا الانتقال، وتختبر إنصافه ومشروعيته وعدالته؛ لأن الانتقال الطاقي يستدعي الإرادة السياسية في المقام الأول؛ والتي تثمنه وتجعله خيارًا وطنيًا. ومن المهم عند الحديث عن الإرادة السياسية في الانتقال الطاقي التركيز على إخضاع هذا القطاع للقرار الوطني (دون أن يعني ذلك تأميمه أو احتكار الدولة لإدارته)، إضافة إلى مأسسة آليات الشفافية والحكامة لإدارة القطاع بالطريقة التي تضمن تحقيق

Timothy Mitchell, Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil (London: Verso books, 2013), pp. 19-22,

أهدافه الاستراتيجية. ويهدف الانتقال الطاقي إلى البحث عن بدائل طاقية متجددة ومراعية للبيئة، وتطبيق مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة بين أفراد المجتمع. فالانتقال الطاقي ليس مباحث فنية تقنية - علمية تحدد مصادر الطاقات غير الملوثة، ومزايا استعملها مقارنة مع غيرها وتسعى إلى توسيعها فحسب، بل هي أيضًا خيارات وطنية تستدعي مشاركة المواطنين في اتخاذ هذه القرارات الاستراتيجية عن علم ودراية. تبرز أهمية الحالة التونسية في هذا السياق كونها تقدم تطبيقًا واضحًا لهذا المسعى في سياق الانتقال الديمقراطي الذي حضر في الجدل العام خارج الدوائر السياسية والمتخصصة، وصار موضوعًا للرأي العام الوطني في كثير من الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، أثارت مسألة الالتجاء إلى استخراج غاز الشيست بوصفه أحد الحلول الممكنة من أجل تعديل الميزان الطاقي العديد من الاحتجاجات والمبادرات الوطنية، وقد خاض فيها العديد من الخبراء، والمنظمت الدولية، والنشطاء السياسيين، والجمعيات البيئية. كذلك شكلت قضية حجم إسهام النفط والغاز في تنمية المناطق التي يُستخرجان منها، أحد أبرز الجدالات ضمن النقاشات بخصوص عدالة التوزيع الجهوي؛ وقد قاد سكان العديد من مدن الجنوب وقراه احتجاجات تطالب بنصيبهم من هذه الثروة الوطنية، ومثالها البارز "اعتصام الكامور" عام 2017. كم أن الحملات التي يقوم بها الشباب بشكل دوري تحت شعار "وينو البترول" تعيد الحديث عن أهمية حوكمة القطاع الطاقي في تونس لتحقيق أهداف الانتقال الطاقي في البلاد. وفي ضوء تدشين آليات الانتقال الطاقي في تونس، جرى تبنّي مجموعة من السياسات العمومية في مجال الطاقة، أكدت أهمية التحولات والتغيرات التي يُفترَض أن تطول نسق إنتاج الطاقة وتوزيعها واستهلاكها، بوصفها جزءًا من الانتقالات الإيكولوجية العامة، خصوصًا في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة (ص. 12) يناقش الكتاب الدوافع التي أدت لربط الديمقراطية بالطاقة في السياق التونسي، والتي تمثلت في ضرورة حمية صحة المواطنين والتخلي في المدى البعيد عن الطاقات الملوثة، وأهمية إخضاع القطاع لمبادئ الحوكمة والشفافية، وضرورة سلامة الأنساق الطاقية. كم يبرز أهمية الانتقال الطاقي في تونس بالنظر إلى شحّ الموارد الطاقية الكلاسيكية (النفط والغاز) رغم كونهم المصدرَين الأساسييَن للطاقة في البلاد، وأهمية تعزيز مبادئ

اللامركزية، والتي نصَّ الدستور عليها وجسدها في صدور مجلة الجمعات العمومية التي تتيح تدريجيًا أنماطًا من الحكم الذاتي، ويتيح ذلك للجمعات العمومية سبل إدارتها لموضوع الطاقة، إضافة إلى صدور بعض النصوص التشريعية التي تتيح للمبادرات الخاصة إنتاج الطاقة (ص. 13)

ثانيًا: حول الوضع الطاقي يف تونس

استُهلَّ الكتاب، في الفصل الأول (ص 28–17)، باستعراض وضع القطاع الطاقي في تونس، مبيّنًا أن الفائض في الميزان الطاقي يمثل أحد أهم القطاعات الداعمة للملية العمومية، وأحد أهم موارد الدولة من العملة الأجنبية من السبعينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي. ومع بداية الألفية الثالثة، وبسبب نمو الاستهلاك الطاقي بشكل سريع وتناقص إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي، بدأت مرحلة العجز الطاقي في تونس، وقد تفاقم هذا العجز بشكل مطرد مع تقلبات الأسعار العالمية للطاقة؛ ما أدى إلى التأثير السلبي في الموازنات المالية للبلاد.

مُكوِّن غازي من خلائط هيدروكربونية معظمها من الميثان، فضلً عن الإيثان والبروبان والبيوتان، وبعض المواد الكيميائية، يُستخرَج من

طبقات الصخور على أعماق تزيد على 1500 متر.

وبحلول عام 2000 تحوّلت تونس من بلد مصدِّر إلى بلد مستورد للمحروقات، وتفاقم العجز في الميزان الطاقي مع الوقت، ليصل إلى 14. ملايين طن مكافئ نفط (ط.م.ن) في عام 2015، وبما يمثل نسبة 44 في المئة من إجملي استهلاك الطاقة الأولية التجارية (ص. 20). كم يجري الاعتمد على الغاز الطبيعي في تونس لإنتاج الكهرباء؛ نظرًا إلى وجود حقول غازية، إضافة إلى كونها الممرّ لتصدير الغاز الجزائري إلى أوروبا. ويمثل الغاز الطبيعي إضافة إلى النفط الخام والطاقات المتجددة مصادر الطاقة في تونس. في عام 2015 بلغ إنتاج هذه المصادر مجتمعة 6397 (ط.م.ن)، بلغ فيها مقدار المنتج من الكتلة الحيوية 16.8 في المئة؛ أي 1076 (ط.م.ن). والحال أن تونس تنتج نصف حاجتها من النفط والغاز في حين أنها تستورد النصف الآخر (ص. 17). ولكون الغاز الطبيعي أقل تلوثًا من النفط، اعتمدت تونس خيار استعمل الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء منذ بداية الثمنينيات. وفي عام 2015، بلغت حصة استهلاك محطات توليد الكهرباء للغاز الطبيعي قرابة 94 في المئة مقارنة بنسبة لا تتجاوز 37 في المئة عام 1980. وهذه النسبة المرتفعة تشكل خطرًا على مستوى الأمان الطاقي في البلاد، بالنظر إلى أنّ أكثر من نصف استهلاك الغاز الطبيعي يجري توريده من بلد واحد هو الجزائر (ص. 21) يُعدّ القطاعان الصناعي والنقلي أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة في تونس بنسبة 28 في المئة لكل قطاع، ويستهلك القطاع السكني 26 في المئة، والقطاعان الخدمي والفلاحي 8 في المئة و 6 في المئة على التوالي، في حين أن النسبة الباقية تتوزع على الاستعملات المتنوعة للطاقة (ص. 22). يتنامى الطلب على الطاقة في تونس بسبب تحسن الظروف المعيشية، وتوسع الشبكة الكهربائية في أرجاء البلاد، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة الاستثمرات العمومية في المنظومة الكهربائية من 2200 مليون دينار في الفترة 2008-2002 إلى قرابة 0044 مليون دينار في الفترة 2015-2009. وقد ذكر التقرير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة عام 2021 أن العجز في إنتاج الطاقة في تونس وصل إلى 50 في المئة مقارنة مع 7 في المئة في عام 2010؛ وذلك بسبب تزايد استهلاك الطاقة عبر جميع القطاعات الاقتصادية. يحتم العجز الطاقي المتزايد في تونس الاتجاه نحو خيارات تحدّ منه، وتفتح آفاقًا للاستقلال الطاقي وتنويع المصادر. ويمثل مدخل التحكم في الطاقة أحد الخيارات الاستراتيجية للسياسة الطاقية الوطنية، كم تم تحديد مجموعة من الأهداف المزمع تحقيقها بحلول عام 2030؛ منها تخفيض الطلب على الطاقة بنسبة 30 في المئة مقارنة مع سيناريو الطلب المرجعي لعام 2010، والرفع من حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 30 في المئة، وتخفيض نسبة كثافة الكربون ب 14 في المئة (ص. 24). ولبلوغ هذه الأهداف سيجري التركيز على مجموعة من الآليات القانونية والتحفيزية.

يعرّف الكتاب نفسه في ص 96 "الكتلة الحيوية" بأنها "الجزء القابل للتحلل من المنتجات والنفايات والمخلفات، وهي متأتية من المادة

البيولوجية من الزراعة والغابات والصناعات ذات الصلة، فضلً عن النفايات الصناعية". "The Republic of Tunisia: Renewables Readiness Assessment," International Renewable Energy Agency (IRENA) , (June 2021), accessed on 18/2/2022, at: https://bit.ly/3sgjSTL يعني ترشيد استهلاك الطاقة، والنهوض بالطاقات المتجددة. ويسميه دانييل يرغن خامس أنواع الوقود، نظرًا إلى أهميته، وإمكانية اعتباره

موردًا جديدًا عند استخدامه بالشكل الأمثل. ينظر: دانييل يرغن، السعي بحثًا عن الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث، ترجمة هيثم نشواتي وشكري مجاهد (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2015)، ص 827.

يتيح موقع تونس على الكرة الأرضية فرصةً للاستفادة من الطاقة الشمسية، والتي تعد من الطاقات المتجددة، حيث يمكنها إنتاج كميات كبيرة من الطاقة للاستهلاك المحلي وتصديرها للسوق الأوروبية كذلك. وبدأت تونس من عام 2007 التركيز على السطوح الفلتاضوئية؛ لجعل إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية خيارًا شعبيًا. وتعتبر كذلك طاقة الريح شكلً آخر من أشكال الطاقات المتجددة والتي بدأ الاهتمم بها في العقد الأخير، إضافة إلى ذلك، وجود الطاقة الحرارية الأرضية في تونس يتيح لها مصدرًا متجددًا آخر يمكن استغلاله والاستفادة منه. كم أن عدم الاستقرار الجيوسياسي الذي يخلق نوعًا من عدم الثقة بين البلدان المنتجة والمستوردة، وارتفاع وعي الدول والشعوب بشأن المخاطر المناخية؛ يعزّزان المسار التحولي نحو الطاقات المتجددة على حساب الموارد غير القابلة للتجديد.

ثالثًا: الكهرباء الشمسية وطاقة الريح

يشير دانييل يرغن إلى أن أهداف الطاقة الكهربائية في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تُلخَّص في كلمة واحدة وهي النمو. في ضوء هذا، يناقش الدكتور أحمد بوعزي في الفصل الثاني من الكتاب (ص. 91)–31 موضوع نطاقات النمو والتوسع في القطاع الكهربائي في تونس، تحت عنوان "الكهرباء الشمسية وطاقة الريح"؛ إذ استعرض الآليات ووسائل إنتاج الطاقة المتجددة عن طريق الطاقة الشمسية وطاقة الريح. وذكر أنه إضافة إلى الطاقة المتجددة يمكن إنتاج الطاقة من خلال الطاقات الأحفورية كالنفط والغاز والفحم الحجري، وعن طريق الطاقة النووية كذلك. إلا أن الطاقات الأحفورية تفرز نسب عالية من ثاني أكسيد الكربون؛ والذي يتسبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى جانب أضراره المختلفة على الكائنات الحية، في حين أن الأخيرة تنتج مواد مشعة مضرة بالصحة، وتتسبب بأضرار طويلة الأمد، إلى جانب تكلفتها العالية - سواء في التركيب والتفكيك - والتي لا تستطيع الدول النامية أن تتحملها. لكن في المقابل، لم يسلّط الكتاب الضوء على العديد من الدول التي استخدمت الطاقة النووية حًّلًّ للكثير من التحديات التي تواجهها؛ فبين عامي 2000 و 2010 تم تشغيل تسعٍ وثلاثين محطة نووية في آسيا، ويرجع سبب ذلك إلى تناقص إمدادات الغاز في العديد من الدول، والرغبة في الحصول على مستويات عالية من الطاقة، إضافة إلى كون الطاقة النووية في ظروف معينة صفقة جيدة لا يمكن رفضها. تطرّق بوعزي إلى مسألة إنتاج الكهرباء في تونس بتكلفة معقولة، وبيّ في هذا المقام أهمية التركيز على الطاقة الفلتاضوئية، وطاقة الريح، والطاقة الشمسية الحرارية، والطاقة الحيوية؛ فالطاقة الفلتاضوئية أسهل الطرق وأنظفها لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية نافعة، ويمكن أن يستمر اشتغالها لما يزيد على 20 عامًا، كم أن موقع تونس الجغرافي والذي يتميز بارتفاع نسبة تركيز الشمس يتيح الاستفادة من هذا المصدر بشكل كبير، إضافة إلى امتلاكها أراضيَ شاسعة خالية في الصحراء وفي مناطق أخرى تمك نها من إنشاء محطات توليد فلتاضوئية فيها، هذه المساحات الشاسعة إذا تم استغلالها بالشكل الأمثل فستسمح لتونس بالاكتفاء ذاتيًا على المدى البعيد، وتصدير الطاقة الفائضة للأسواق الأوروبية. وقد بلغ عدد الشركات المنتجة لهذه الخلايا الشمسية في تونس عام 2017 خمس شركات. وتجدر الإشارة إلى أن التقرير الصادر من الوكالة

عبد المجيد عطار، "الانتقال الطاقي والأمن الطاقي في الجزائر: التحديات في أفق 2030 "، استشراف، العدد 3 (2018)، ص.115 8 يرغن، ص.557 9 المرجع نفسه، ص.576-575

الدولية للطاقة المتجددة أفاد أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز تستغرق وقتًا طويلً في إجراءات الشراء والتركيب؛ ما يؤثر تأثيرًا كبيرًا في جودة الخدمات المُقدَّمة من قبلها، كم أضعف ذلك استكمل بناء محطات الطاقة المتجددة في البلاد. ولم يتطرّق الكتاب لسبل مواجهة مثل هذه التحديات، ما كان سيمثل إضافة عملية جادة في حالة إيجاد حلٍ لها. أشار المؤلف أيضًا إلى قضية استهلاك محطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الحرارية كميات كبيرة من الماء؛ نظرًا إلى استعملها في تبريد التوربينات، وتنظيف المرايا. تسبب ذلك في حرمان جزئي للمناطق التي تتركز فيها هذه المحطات، فتونس تتسم فيها موارد المياه بالمحدودية، ما أدى إلى عدم الاعتمد كثيرًا على تحويل حرارة الشمس إلى كهرباء في المناطق البعيدة عن الشواطئ. ورغم ذلك تبقى المحطات الحرارية الشمسية الأرخص والأقدر على تخزين الحرارة واسترجاعها، ومن خلالها يمكن استرجاع أكثر من 95 في المئة من المخزون من الحرارة، في حين أن الأساليب الأخرى لا تسمح باسترجاع أكثر من 80 في المئة في أفضل الأحوال. وإضافة إلى معيار القرب من مصادر المياه، هناك معايير أخرى يجب أخذها في الاعتبار - لم يتطرق إليها الكتاب - عند اختيار الموقع الصحيح لمحطات الطاقة الشمسية أو طاقة الريح، بحسب ما يذكر عبد السلام وصبري؛ كاحتملية هبوب الرياح والارتفاع الذي تُقاس عنده، إضافة إلى المستويات السنوية للإشعاع الشمسي في اتجاهات مختلفة مقابل زوايا الانحدار. يؤكد بوعزي أن الإحصائيات في تونس وبناء على التطور المستمر تشير إلى تمكن القطاعات الطاقية من إنتاج 1750 ميغاواط بحلول عام 2030، بينم ستبلغ قدرة الطاقة الشمسية الحرارية 604 ميغاواط، وستنمو الطاقة المستغلة من الرياح لتصل إلى 1750 ميغاواط. ولكن في سبيل تحقيق ذلك تحتاج تونس إلى وجود إرادة سياسية، إضافة إلى معالجة أربعة جوانب مهمة تم تحديدها في تقرير "ريماب"، وهي: تصحيح اختلالات السوق لتوفير الأرضية الاستثمرية المناسبة، وتعزيز مرونة نظم الطاقة واستيعاب تنوع المصادر الرئيسة للطاقة المتجددة، وتطوير حلول الطاقة المتجددة لأغراض التدفئة والتبريد في مشاريع التنمية العمرانية والقطاع الصناعي، وأخيرًا الترويج لاعتمد الطاقة المتجددة والوقود الحيوي في قطاع النقل. هذا من الناحية الإجرائية، أما من الناحية السياساتية، فيتعين تخطيط مسارات التحول على المستوى الوطني، وتحوير قانون الطاقات المتجددة ليتمشى مع الخطة الوطنية، وتوفير بيئة عمل ملائمة، إضافة إلى تسهيل دمج مصادر الطاقة المتجددة ضمن البنية التحتية القائمة، وتعزيز الإجراءات الرامية لمواصلة الابتكار ودعم البحث العلمي في هذا المجال.

رابعًا: الطاقة الحيوية: الآفاق والبدائل

يطرح الدكتور محمد القرقوري أهمية الكتلة الحيوية في الانتقال الطاقي، والدور المحوري الذي تؤديه في الفصل الثالث (ص 149–95)؛ نظرًا إلى مساهمتها في الحد من تلوث البيئة وتغير المناخ، وديمومتها لضمن تنوع مصادر الطاقة. وقد عرض القرقوري مجموعة من الأساليب المختلفة لإنتاج الطاقة من الكتلة الحيوية،

10 "The Republic of Tunisia: Renewables Readiness Assessment." 11 عبد السلام درويش وصبري شعبان، "الطاقة الشمسية وطاقة الريح: التوقعات الحالية والمستقبلية للطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، استشراف، العدد 3 (2018)، ص.243

تشمل المواد العضوية المستخلصة من المنتجات الزراعية سواء منها الحيوانية، أم النباتية، أم الكائنات المجهرية. وتطرق إلى تمثيل الكتلة الحيوية حسب الوكالة الدولية للطاقة نحو 10 في المئة من الطلب على الطاقة عالميًا، في حين أن هذا المعدل يصل إلى 35 في المئة في البلدان النامية والأقل تصنيعًا. وأشار القرقوري إلى ضرورة الانتباه إلى نجاعة استخدام الكتلة الحيوية على نطاق واسع لإنتاج الكهرباء أو الوقود مع تنامي مخاوف تأثير استعمل الطاقات الأحفورية في البيئة. ومم يزيد من أهمية التركيز على استخراج الطاقة من الكتلة الحيوية، مساهمتها في خلق استعملات جديدة للنفايات، والحد من انبعاث الغازات الدفيئة لتقليص الآثار المناخية. يؤكد القرقوري صعوبة تثمين الكتلة الحيوية، فذلك مرهون بشروط معينة؛ إذ يفترض استدامة الإنتاج والتعبئة الفعالة للكتلة الحيوية، والنفايات البيولوجية، إضافة إلى وجود حوكمة واعية، وإنتاجية مرتفعة للأنظمة المستعملة، وكذلك وجود توزيع متوازن للموارد الحيوية بين الاستخدامات المختلفة؛ بما يضمن أولوية المواد الغذائية. كم تطرق الباحث إلى ما تمتاز به تونس من وجود العديد من المنتجات الفلاحية، الأساسية منها والثانوية؛ والتي يمكن استخدامها بصفتها موردًا طبيعيًّا متجددًا لإنتاج الطاقة المتجددة، إلا أن ذلك مرهون بتطور القطاع الطاقي برمته، ونجاح مراحل عملية الانتقال الطاقي. ليس من السهل إدراج طاقة الكتلة الحيوية في مشروع الانتقال الطاقي في تونس، إلا أنه أمر لا بد منه للوصول إلى أهداف الانتقال الطاقي في البلاد. وقد أوضح الباحث أنه لضمن عدم فشل ذلك، من المهم أن تتولى المنظومات التعليمية، والثقافية، والإعلامية مهمة التعريف بالطاقات المتجددة، وطرق إنتاجها، ودور المواطن في استغلال الموارد المختلفة. إضافة إلى ضرورة ابتكار طرق جديدة في هذا المجال، وتطويع الأساليب المتداولة عالميًا للواقع التونسي. كم أنه يتعين على مؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني توفير التخصصات اللازمة لإنتاج أجيال بإمكانها النهوض بهذه المهمت، وتوفير الحاجيات البشرية للقطاع الطاقي بشكل عام. أما من الناحية السياساتية فعلى الجهات المسؤولة أن تعي أهمية الإطار القانوني لمثل هذه القضايا، وأن تسعى بشكل مستمر إلى تحديث النصوص القانونية المنظمة بشكل يتّسق مع التطور السريع في هذا المجال. كم شدد الباحث على أهمية الإعفاء الضريبي للقطاعات التي تساهم في إنتاج الطاقة الحيوية والطاقات المتجددة عمومًا. وتجدر الإشارة إلى أن تونس تعد من الدول العربية القلائل التي تمتلك تشريعات مبدئية في مجال الطاقات المتجددة. لكن من وجهة نظر واقعية، وحتى مع ظروف النمو السريع، لن تشكل أنواع الطاقة المتجددة في عام 2030 المصدر الرئيس للطاقة عالميًا، ولن تقترب من ذلك؛ إذ يحتاج التحول نحو الطاقة المتجددة إلى فترات زمنية طويلة، فالتحول من الفحم الحجري إلى النفط استغرق قرنًا تقريبًا. كم يلاحظ في هذا السياق أن الباحث لم يُحدِّد الاستراتيجيات البديلة في حالة عدم نجاح استراتيجية الاعتمد على الطاقة الحيوية.

12 "Pan-Arab Renewable Energy Strategy 2030: Roadmap of Actions for Implementation," International Renewable Energy Agency (IRENA) , (June 2014), accessed on 10/2/2022, at: https://bit.ly/3shTU2o 13 يرغن، ص.742 14 للمزيد عن الاستراتيجيات البديلة في هذا المجال، ينظر: وكالة الطاقة الدنماركية، "سيناريوهات الطاقة للأعوام 2020 و 2035 و"2050، ترجمة هيئة التحرير، استشراف، العدد.)2016(1

خامسًا: الانتقال الطاقي ي ف مجالَ التعمير والسكن

كيف يمكن أن يساهم التخطيط في مجالَ التعمير والإسكان في الانتقال الطاقي في تونس؟ أجاب عن هذا التساؤل في الفصل الرابع محمد قنر (ص 229–153)، وعرض فيه آليات هذه المساهمة وأسبابها. وذكر أنه بسبب تنامي الاستهلاك الطاقي في المناطق الحضرية، تحتم وجود سياسات تخطيط عمرانية محلية تأخذ في الاعتبار الانتقال الطاقي من خلال اعتمد حلول النجاعة الطاقية، والطاقات المتجددة النظيفة، إضافة إلى ضرورة تطوير الإنتاج المحلي للكهرباء بوساطة استعمل الطاقات المتجددة، واعتمد مواصفات معيارية محددة للتحكم في الطاقة بالنسبة إلى البناءات القائمة والجديدة. وأكد أن التركيز على الانتقال الطاقي في هذا المجال يأتي من باب ضمن اتخاذ إجراءات مناسبة من شأنها ترسيخ مبادئ التخطيط الاستشرافي المستدام، وإيجاد ديناميكية تخطيط وتنمية حضرية؛ بهدف دعم القدرة التنافسية، وتعزيز الشبكة الحضرية العمرانية. وتطرّق الباحث إلى أن نسبة الزيادة في التوسع العمراني في تونس تُقدَّر بنحو 60 في المئة بالمقارنة بين عامي 1994 و 2014. إلا أن هذا التوسع تسبب كذلك في زيادة الأحياء العشوائية، ما أدى إلى تدني الوضع العمراني داخل المدن؛ بسبب غياب المهنيين المعنيين، وعدم امتثال العديد من البنائين لإجراءات الترخيص المسبق للبناء، وعدم اعتمد تدابير التحكم في الطاقة. ومن باب تقليل مثل هذه الظواهر شجعت الدولة على الاستثمر في هذا المجال، ونتج من ذلك تنفيذ العديد من المشاريع، مثل: مشروع القرية الخضراء، ومشروع حدائق تونس، ومشروع مدينة تونس الذكية، ومشروع بنزرت المدينة الذكية، وغيرها من المشاريع المختلفة، والتي تهدف إلى فتح المجال الاستثمري في الانتقال الطاقي في مجالَ التعمير والسكن. يؤكد الباحث أن التخطيط العمراني يمثل الاستراتيجية التي يجري عن طريقها التأسيس لتحقيق التكامل بين المناطق العمرانية في المجال الترابي نفسه، إضافة إلى تحقيق التنمية المستدامة والشاملة، التي تضمن مقومات العيش الكريم وجودة الحياة لجميع أفراد المجتمع، إلى جانب حسن استغلال الموارد الطبيعية والطاقية المتاحة. كم أن تخطيط مناطق عمرانية ذات كتل بنائية متراصة وإنشاءها، هو حلٌّ مجدٍ يساعد على تخفيض الحاجات الطاقية للتدفئة والتبريد في المباني، وعلى الحدّ من طول شبكات الطاقة وتوسّعها؛ نتيجة لتجميع نقاط الاستهلاك. وأشار الباحث إلى أن اعتمد "الهندسة المعمرية البيومناخية" سيساهم بشكل كبير في الاستغلال الأمثل للخصائص المناخية لمواقع البناء. يثبت الباحث أنه رغم وجود محاولات للنهوض بمجال التحكم في الطاقة في قطاع التعمير والسكن، فإن غياب الإطار التشريعي الملائم يعدّ من أهم التحديات التي تواجه التطور الطاقي في هذا القطاع في تونس، إضافة إلى أهمية سلوك أفراد المجتمع، والمساهمة في توعيتهم بأهمية هذا المجال. كم أن نقص تفعيل آليات الرقابة القانونية، وعدم قدرة آليات التمويل والتحفيز المتوفرة على التشجيع على الاستثمر بمجال التحكم في الطاقة في هذا القطاع أثر بشكل سلبي في نموه وتطوره، إلى جانب غياب البعد التطويري والابتكاري. كم تعتبر العرقلة البيروقراطية الإدارية - التي تعانيها المؤسسات التونسية - للعديد من المشاريع الخاصة بالطاقة المتجددة والمستدامة أحد التحديات الرئيسة، ورغم أن المحاولات حثيثة لضمن عدم تكرار مثل هذه الممرسات، فإنها ما زالت متفشية.

15 هي الهندسة المعمارية التي تأخذ في الاعتبار المحددات البيئية المختلفة. 16 "The Republic of Tunisia: Renewables Readiness Assessment."

سادسًا: تخطيط التنقلات ودوره يف الانتقال الطاقي

ناقش فتحي الحنشي في الفصل الأخير من الكتاب أهمية تخطيط القطاع النقلي في الانتقال الطاقي (ص 286–233)، ودوره الأساسي في هذه العملية لكون منظومة النقل تمثل العمود الفقري لأي مدينة حديثة، وذلك يمثل أهم عناصر نجاح التنمية الاقتصادية والاجتمعية. كم أن الجهود الرامية للتحول من المصادر الأحفورية إلى مصادر الطاقات المتجددة ستتجلى بوضوح في قطاع النقل. ولتطويع منظومة التنقلات لمقتضيات الانتقال الطاقي، يؤكد الباحث ضرورة إيجاد حل لمأزقين: الأول، البيروقراطية المؤسساتية المتشعبة والتي تمثل العائق الأكبر لتخطيط التنقلات بشكل يتسق مع الخيارات العمرانية والمقاربة التنموية؛ ويتمثل الثاني في الجانب التمويلي الذي تعانيه العديد من الدول النامية، ويتسبب في كثير من الأحيان بتوقف المشاريع بعد بدايتها واعتمدها. ينصح الباحث لتحقيق أهداف الانتقال الطاقي في القطاع النقلي بإيجاد آلية واضحة للتكامل المؤسساتي، وعدم تشتيت المسؤوليات، بل تجميعها في هيكل واحد يتولى تنسيق مختلف الاستراتيجيات، مع حصوله على الالتزام السياسي من صناع القرار، ومصادر تمويلية مستدامة وغير مرتبطة بالمستوى المركزي. إضافة إلى السعي إلى الحد من الزيادة في الطلب على التنقلات، واستبدال نسبة من أنماط التنقلات غير المقتصِدة للطاقة إلى أنماط أخرى أكثر نجاعة. ولتحقيق ذلك بالإمكان استخدام آليات مختلفة، مثل: آليات التخطيط، والآليات القانونية، وآلية رفع الضرائب، وآلية الإعلام والاتصال. في هذا السياق، استعرض الباحث مجموعة من التجارب الدولية التي اتجهت بشكل كبير نحو استعمل السيارات الكهربائية، والتي يتصاعد الإقبال عليها في الآونة الأخيرة. وقد وضّح الباحث أن قطاع النقل من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة في تونس، وبنسبة نمو سنوية تُقدّر ب 2.7 في المئة، فقد وصلت نسبة استهلاك القطاع للطاقة عام 2015 إلى 2.34 مليون (ط.م.ن) مقارنة ب 1.3 مليون (ط.م.ن) عام 1995. وتأكيدًا على ذلك فقد تضاعف عدد العربات ثلاث مرات من 660 ألف عربة عام 1995 إلى ما يفوق 1.9 مليون عربة عام 2015.

خاتمة

سعى الباحثون في هذا الكتاب إلى سد فجوة معرفية، يتعاظم الحديث عنها في تونس والبلاد العربية بشكل عام، وبخاصة فيم يتعلق بالجانب العملي من الانتقال الطاقي؛ هذا الجانب الذي لم يُعطَ حقه من العناية الأكاديمية والبحثية العربية، ما يمنح الكتاب بعضًا من أهميته، ويجعله مرجعًا مهمً لصناع القرار، والمتخصصين في المجال الطاقي، ومرجعًا للباحثين في كليات الإدارة العامة، والسياسات العامة، والدراسات الطاقية، والعلوم السياسية. بشكل عام، لم يتطرق الكتاب إلى الآليات المؤسسية التي انتهجتها العديد من الدول في العالم لتحقيق أهداف الانتقال الطاقي كألمانيا واليابان وسويسرا، إنما ركّز على الإجراءات الدقيقة التي يضطلع بها المتخصصون في

17 يُعرِّف الحنشي الانتقال الطاقي في قطاع النقل بأنه "الانتقال من منظومات النقل الحالية غير المقتصدة للطاقة والملوثة للبيئة والمستغلة

للمساحات داخل المدن، إلى منظومات نقل مستدامة معتمدة على الطاقات المتجددة، وذات نجاعة طاقية عالية"، ص.235

مجال الطاقة. ويُؤخَذ على الكتاب رغم صدوره في عام 2021 الاستناد في بنائه إلى بيانات قديمة نسبيًا؛ فجل البيانات مؤرخة قبل 2017 على أكثر تقدير. وقد يرجع سبب ذلك إلى كتابة فصوله في فترات زمنية متفاوتة، إلا أن ذلك لا يعفي الكُتاب من الاستناد إلى بيانات حديثة؛ خاصة في المجال الطاقي الذي تُعتبر فيه التغييرات متسارعة بشكل كبير. ختامًا، لا شك في أن سمة التعقيد في العالم تتصاعد يومًا بعد يوم، وتتأكد بشكل أكثر وضوحًا في المجال الطاقي الذي يتأثر بفعل مختلف العوامل السياسية، والاقتصادية، والاجتمعية، والتكنولوجية. يحتم هذا على صناع القرار والطبقة المثقفة ضرورة السعي الدائم إلى استحداث البدائل الممكنة، وطرح سبل تنويع مصادر الطاقة بشكل أكبر. تدعم مثل هذه المساعي بشكل أساسي بناء الأسس الديمقراطية في الدولة، وتشجع على المشاركة والتفاعل المجتمعي على الصعد كافة.

المراجع

العربية

حجاج، قاسم. "الاستشراف والحوكمة الطاقية للانتقال الطاقي السويسري في أفق عام 2050: بعض الدروس المستفادة عربيًا". استشراف. العدد).2018(3 درويش، عبد السلام وصبري شعبان. "الطاقة الشمسية وطاقة الريح: التوقعات الحالية والمستقبلية للطاقة في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا". استشراف. العدد).2018(3 عطار، عبد المجيد. "الانتقال الطاقي والأمن الطاقي في الجزائر: التحديات في أفق 2030 ". استشراف. العدد).2018(3 وكالة الطاقة الدنماركية. "سيناريوهات الطاقة للأعوام 2020 و 2035 و 2050 ". ترجمة هيئة التحرير. استشراف. العدد الأول).2016(يرغن، دانييل. السعي بحثًا عن الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث. ترجمة هيثم نشواتي وشكري مجاهد. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2015

الأجنبية

Mitchell, Timothy. Carbon democracy Political Power in the Age of Oil. London: Verso "The Republic of Tunisia: Renewables Readiness Assessment." International Renewable Energy Agency (IRENA). (June 2021). accessed on 18/2/2022. at: https://bit.ly/3sgjSTL "Pan-Arab Renewable Energy Strategy 2030: Roadmap of Actions for Implementation." International Renewable Energy Agency (IRENA). (June 2014). accessed on 10/2/2022.

Reference

books, 2013.

at: https://bit.ly/3shTU2o