Return to Article Details Artificial Intelligence between Government and Self-Regulation Policies: A Theoretical Approach

الذكاء الاصطناعي بين سياسات التنظيم الحكومي والتنظيم الذاتي: مقاربة نظرية

Artificial Intelligence between Government and Self-Regulation Policies: A Theoretical Approach

أحمد بدران

الملخّص

ملخص: يتطور الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة؛ إذ أصبحنا اليوم نتعامل مع تطبيقاته في العديد من مجالات الحياة اليومية. وعلى الرغم من المزايا المترتبة على توظيفه في كثير من القطاعات، فإن الأنشطة والتطبيقات الخاصة به تطرح العديد من التحديات أمام صانعي السياسات العامة، حيث تثير الأنظمة والتطبيقات الذكية، علاوة على توظيف الروبوتات، العديد من التساؤلات حول المحددات الأخلاقية والقانونية والتنظيمية التي من شأنها الحد من التأثيرات السلبية، أو غير المتوقعة، لأنشطة الذكاء الاصطناعي وأبحاثه وتطبيقاته في حياة البشر. تناقش هذه الدراسة تساؤلً محوريًا: ما الاقتراب المناسب لتنظيم وحكامة أنظمة الذكاء الاصطناعي وأنشطته بصورة تحقق المصلحة العامة وتقلل من المخاطر والمحاذير الأخلاقية والمجتمعية المرتبطة بتطبيقاته؟ تُفاضل الدراسة بين المداخل التنظيمية المختلفة، وترفض فكرة التنظيم الذاتي لهذا المجال، مؤكدة ضرورة أن تتدخل الدولة بوضع السياسات التنظيمية المناسبة لضمن تحقيق المصلحة العامة للمستخدمين. ومن شأن هذا التدخل أن يوازن بين المزايا المتوقعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والمخاطر المحتملة من تطوير تلك التطبيقات الذكية بمعزل عن الإشراف الحكومي.

Abstract

Abstract: Artificial Intelligence (AI) is developing at an accelerated pace in many areas of daily life. Despite the advantages of AI applications in different sectors, its activities pose many challenges to public policy makers. The ethical, legal, and regulatory determinants needed to reduce AI negative or unexpected effects on human lives call for new regulatory interventions. In this context, the paper addresses a pivotal question: What is the appropriate approach to regulate AI in a way that achieves the public interest and reduces the ethical and societal risks? In answering this question, the paper differentiates between regulatory approaches and rejects the idea of AI self-regulation. To protect the public interest, there is a need for governments’ intervention by setting relevant regulatory policies. Such an intervention would balance the benefits of AI applications with the potential risks of developing them in isolation from government supervision.

الكلمات المفتاحية:
  • الذكاء الاصطناعي
  • السياسات التنظيمية
  • مخاطر الذكاء الاصطناعي
  • التنظيم الحكومي للذكاء الاصطناعي
Keywords:
  • Artificial Intelligence
  • Regulatory Policies
  • Artificial Intelligence Risks
  • Government Regulation of Artificial Intelligence
  • Self-Regulation of Artificial Intelligence

مقدمة

يمكن اعتبار التقدم التكنولوجي سلاحًا ذا حدين. فمن ناحية، يمكن جني الكثير من المزايا من استخدام التقنيات الجديدة لتحسين نوعية حياة البشر في مختلف المجالات؛ ومن ناحية أخرى، أثارت التطورات التكنولوجية الحديثة، خاصة في مجال الحوسبة والروبوتات، سؤلً أساسيًا حول إمكانية تصرف تطبيقات الذكاء الاصطناعي المُطوّرة حديثًا، على نحو مستقل عن سيطرة الإنسان، ومن ثم اتخاذ قراراتها الخاصة التي قد تضر بالإنسانية. في هذا السياق، عبّ العديد من العلمء وخبراء التكنولوجيا عن مخاوفهم بشأن التهديدات المحتملة التي تشكلها الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي في ظل غياب الرقابة واللوائح التنظيمية الحكومية1. اقتصاديًا، يشترك العديد من الاقتصاديين في التخوّف من أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التقدم في مجال الحوسبة والروبوتات، قد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين العمل ذوي المهارات المنخفضة2. ومن ثم، فمن المتوقع أن تؤدي تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى فقدان الوظائف في المجالات كلها، بما في ذلك بين أصحاب الياقات الزرقاء والبيضاء، وكذلك الخدمات المهنية. في الوقت نفسه، يعارض العديد من الناشطين والمفكرين فكرة تطوير أسلحة ذاتية التشغيل وآلات قتل تعمل ذاتيًا، بعيدًا عن التدخل البشري، وقد تختار أهدافها وتدمرها، بما يؤدي إلى مخاطر أمنية ضخمة3. يعني وجود الذكاء الاصطناعي في العديد من مناحي الحياة في المجتمعات الحديثة أن الأفراد والحكومات ستتخبط بين تداعياتها القانونية والأخلاقية بعض الوقت4. ومن ثم، تثير الزيادة السريعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي تساؤلات أساسية حول التأثير المحتمل للتطبيقات الذكية في الحياة اليومية للبشر. فمع مرور الوقت، تكسب تقنيات الذكاء الاصطناعي موطئ قدم في الصناعات الجديدة، وتصبح أكثر انغمسًا في حياتنا اليومية، ويبدو أن هذا الاتجاه سيستمر في المستقبل المنظور5. في هذا السياق، يحق للمرء أن يتساءل عم إذا كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى حياة أفضل واستخدام أكثر كفاءة للموارد المُتاحة، أم أنها ستؤثر سلبيًا في الأنشطة الإنسانية؟ بصورة عامة، لا يمكن اعتبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي أمرًا جيدًا، أو سيّئًا على نحو مطلق6، بل إنها حقيقة واقعة تؤثر في حياتنا بأشكال مختلفة، وتوفر الفرص، وتخلق في الوقت ذاته العديد من التحديات. من هنا، يصبح التساؤل الآن: "ما الاقتراب التنظيمي الأفضل لحكامة الذكاء الاصطناعي بالصورة التي تُكّن من التعامل مع تهديداته على النحو الذي يُعظّم من الفوائد، ويُخفّف المخاطر المحتملة؟".

  1. Chris Reed, "How should we Regulate Artificial Intelligence? Philosophical Transactions of the Royal Society A: Mathematical," Physical and Engineering Sciences , vol. 376, no. 2128 (September 2018), accessed on 30/10/2023, at: https://bit.ly/40mNuP2
  2. The Potential Economic Impacts of AI Literature Review," AI Forum of New Zealand (May 2018), accessed on 30/10/2023, at: https://shorturl.at/ruBIJ
  3. للجانب الخاص بالأبعاد القانونية، يمكن الرجوع إلى: محمود الطيبي، "الذكاء الاصطناعي وتحديات الأسس المفاهيمية للقانون:.رؤى استشرافية لإعادة النظر في النظام القانوني"، مسارات في الأبحاث والدراسات القانونية، العدد 29 (2023)، ص 112 - 129
  4. Matthew U. Scherer, "Regulating Artificial Intelligence Systems: Risks, Challenges, Competencies, and Strategies," Harvard Journal of Law & Technology , vol. 29, no. 2 (Spring 2016), pp. 353 - 400.
  5. Olivia J. Erdélyi & Judy Goldsmith, "Regulating Artificial Intelligence Proposal for a Global Solution," Conference on AI, Ethics, and Society (AIES '18), New Orleans, LA, USA, 2 - 3 February 2018, accessed on 30/10/2023, at: https://t.ly/2WSpJ

للإجابة عن التساؤل البحثي المطروح، ستعتمد هذه المقاربة النظرية، منهجيًا، أسلوب المسح المكتبي للأدبيات الخاصة بموضوع الذكاء الاصطناعي ومداخل تنظيمه وحكامته، وذلك باستخدام المنهج الوصفي التحليلي. ستمكن هذه المنهاجية الباحث من الوقوف على طبيعة الظاهرة محل البحث والتعمّق في تحليلها لتحديد الاتجاهات المتعلقة بإمكانية تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي وكيفيته، وما تثيره الخصائص المميزة لهذا القطاع من معضلات تنظيمية، وذلك من خلال المراجعة النقدية للأدبيات ذات الصلة بالموضوع. في معرض مقاربة التساؤل البحثي، وبالتركيز على الفراغ التنظيمي الناشئ من ثورة الذكاء الاصطناعي، تقدم هذه الدراسة طرحًا أساسيًا، مفاده أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تتطلب تدخّلً تنظيميًا من الحكومات من أجل تحقيق التوازن بين الفوائد المحتملة والتهديدات والمخاطر المتوقعة. ومع ذلك، فإن أي محاولة لتنظيم الذكاء الاصطناعي سوف تتأثر بالمعنى الذي نربطه بهذا المفهوم؛ ذلك أن مصطلح الذكاء الاصطناعي يحمل معانيَ متباينة، ويطرح أشك لً متعددة من المخاطر في مجالات السياسات العامة المختلفة. إضافة إلى ذلك، تؤكد الدراسة أن التدخّل الحكومي من خلال وضع السياسات التنظيمية للذكاء الاصطناعي، لا بد من أن يتم بصورة لا تؤدي إلى تقييده، ومن ثم تقتل جانب الابتكار والإبداع الذي يُعدّ المحرك الرئيس لذلك المجال. وهذا يعني أن هناك حاجة إلى نهج تدرّجي وتراكمي لتنظيم الذكاء الاصطناعي وحكامته، يمكن من خلاله التمييز بين المنتجات والابتكارات التي يمكن تنظيمها داخل الإطار التنظيمي القائم، وتلك التي تحتاج إلى لوائح تنظيمية جديدة. لهذا الطرح ما يؤيده من أدلة في أدبيات تنظيم الذكاء الاصطناعي وحكامته. فالخوف من التطور التكنولوجي المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، يدعو الحكومات إلى التدخل بوضع الإطار التنظيمي المناسب لحكامة تلك التكنولوجيات الجديدة7. في هذا الصدد، هناك العديد من النداءات من جانب العلمء والممرسين في حقل الذكاء الاصطناعي، ومن جانب قادة التكنولوجيا أيضًا على مستوى العالم لوضع شكل من أشكال التنظيم الحكومي لأنشطته وبحوثه من أجل حمية المصلحة العامة8. على سبيل المثال، أشار مؤسس "تسلا" إيلون ماسك Musk Elon إلى أن الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة من الأسلحة النووية، وعبّ عن ذلك بقوله: "أنا أميل على نحو متزايد إلى الاعتقاد أنه يجب أن يكون هناك بعض الرقابة التنظيمية للذكاء الاصطناعي على الصعيدين الوطني والدولي"9. وعلى المنوال نفسه، دعا علمء التنظيم والقانونيون، بمن في ذلك ماثيو شيرير، إلى تطوير إطار قانوني وتنظيمي شامل، يضمن سلامة ابتكارات الذكاء الاصطناعي من خلال التدخّل الحكومي10. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن فكرة وضع سياسات ومبادئ توجيهية لتنظيم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحكامتها، ليست غريبة بالنسبة إلى المهتمين بتلك الصناعة. لكن على الرغم من الاتفاق المتنامي بين العديد من الباحثين وقادة الصناعة حول أهمية التنظيم والتدخل

  1. S. Shyam Sundar, "Human Foibles and a Moving Target," The Conversation , 3/4/2023, accessed on 27/10/2023, accessed on 30/10/2023, at: https://t.ly/qUtuj
  2. John Villasenor, "Four Key Questions to Ask," The Conversation , 3/4/2023, accessed on 27/10/2023, accessed on 30/10/2023, at: https://t.ly/pZK7P
  3. James Clayton, "'Overwhelming Consensus' on AI Regulation," BBC News , 19/9/2023, accessed on 27/10/2023, accessed on 30/10/2023, at: https://t.ly/T-qSF
  4. Scherer.

الحكومي، فإن السؤال لا يزال عن مقدار التدخل المطلوب11. ففي مجال يحرّكه الابتكار والتكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي التدخل الحكومي إلى حد بعيد، من خلال وضع اللوائح الصارمة، إلى إعاقة الابتكار والتقدم في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، قد تؤدي اللوائح الحكومية التقييدية إلى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأقل كفاءة وخيارات التصميم القسري ونتائج دون المستوى الأمثل12. وبناء عليه، فإن تنظيم الذكاء الاصطناعي لن يكون مهمة سهلة، بالنظر إلى المعاني والتطبيقات المختلفة لهذا المفهوم، والمخاطر التي تشكلها تطبيقاته على مختلف المستويات أيضًا. انطلاقًا مم سبق، تبدأ الدراسة في مبحثها الأول بالتأصيل لمصطلح الذكاء الاصطناعي من حيث النشأة والتطور، وكذلك محاولات التعريف. ثم تتنقل بعد ذلك، في المبحث الثاني، إلى التركيز على النقاش في مداخل تنظيم الذكاء الاصطناعي بين المنادين بالتنظيم الذاتي لهذا القطاع، ومؤيدي ضرورة تدخّل الحكومات لوضع الإطار التنظيمي الملائم لحمية المصلحة العامة. ويعرض المبحث الثالث لأهم التحديات التي تواجه عملية تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي في ظل الخصائص المميزة لهذا القطاع التي تجعله يختلف عن غيره من القطاعات التي تخضع للأطر التنظيمية القائمة. وتُختتم الدراسة بعرض لأهم النتائج والتوصيات ذات الصلة بطرائق تنظيم هذا القطاع الواعد والسريع التطور.

أولً: مفهوم الذكاء الاصطناعي

يتناول هذا المبحث تطور مفهوم الذكاء الاصطناعي من خلال نبذة تاريخية عن نشأة المصطلح، إضافة إلى محاولات التعريف المقدّمة في الأدبيات التي تصدّت لدراسة المفهوم وتحليله من زوايا مختلفة، وذلك وفق التفصيل الآتي:

1. نشأة مصطلح الذكاء الاصطناعي وتطوره

يعود مفهوم الذكاء الاصطناعي والنقاشات حول إيجابياته وسلبياته، على الأقل، إلى بضعة عقود مضت13. لقد صاغ جون مكارثي مصطلح الذكاء الاصطناعي أولً في عام 1955، وبدأ مجال الذكاء الاصطناعي بوصفه حقلً علميًا في عام 1956. إضافة إلى ذلك، كان التأثير المحتمل للروبوتات في التوظيف مصدرَ قلق في15الولايات المتحدة منذ عام 1980، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة بعنوان "الروبوت يسعى وراء وظيفتك"18. وهناك من قد يذهب إلى أبعد من ذلك في ما يتعلق بالنقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي،

  1. Finale Doshi-Velez et al., "Accountability of AI Under the Law: The Role of Explanation," Working Paper , no. 3, Berkman Klein Center Working Group on Explanation and the Law, Berkman Klein Center for Internet & Society (November 2017).
  2. Harley Shaiken, "A Robot is After Your Job: New Technology is not a Panacea," The New York Times , 3/9/1980, accessed on 30/10/2023, at: https://rb.gy/7v77b
  3. لمزيد من التفاصيل حول الخلفية التاريخية لتطور الذكاء الاصطناعي، ينظر الفصل الثالث في: عبد الله موسى وأحمد حبيب بلال، الذكاء الاصطناعي: ثورة في تقنيات العصر (القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر،.)2019

للإشارة إلى الجدل حول تأثير أجهزة الحاسوب والتقنيات التكنولوجية الجديدة عمومًا في المجتمع، كإرهاصات أولى لظهور هذا المصطلح. وبصرف النظر عن عمر النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي والطرائق التي تؤثر بها تطبيقاته في المجتمعات، أصبح الذكاء الاصطناعي حقيقةً واقعةً، وجذب النقاش الدائر حول آثاره المزيد من الاهتمم من أصحاب المصلحةStakeholders في دوائر صنع القرار والسياسات الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ولعل من بين الأسباب الرئيسة لذلك الاهتمم، تزايد القوة الحاسوبية وإمكانية الوصول إلى البيانات على نحو متزايد على مر السنين؛ الأمر الذي أسفر عن المزيد من الفرص للتعلم الآلي الذاتي Self-learning Machine. إضافة إلى ذلك، يولي واضعو السياسات مزيدًا من الاهتمم لقضية الذكاء19الاصطناعي الآن، استجابة للنداءات الواردة من المنشغلين بهذا المجال لتطوير الأطر والقواعد التنظيمية اللازمة لحكامة أنشطته وتطبيقاته. في حقيقة الأمر، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي من المجالات المثيرة للتفكير، حيث غالبًا ما يُخلط بين الخيال العلمي والواقع. وعلى الرغم من تباين وجهات النظر حول هذا الموضوع، فإننا نستطيع أن نرى أشك لً مختلفة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جوانب منوعة من حياتنا اليومية، بداية من أنظمة الطيران الذاتية في طائرات نقل الركاب، إلى الخدمات الافتراضية والمساعدات الطبية والتمريضية20. من هنا، امتدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتشمل العديد من المجالات، وأصبح البشر يعتمدون أكثر من أي وقت مضى على الروبوتات والتطبيقات الذكية الأخرى في التصنيع والرعاية الصحية، وحتى في إيجاد إجابات عن أسئلتهم من خلال محرّكات البحث الإلكترونية.

2. محاولات التعريف بالذكاء الاصطناعي

على الرغم من تسارع ابتكارات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، فإن المفهوم نفسه ما زال يفتقر إلى تعريف واضح. بمعنى آخر، يوفر مصطلح الذكاء الاصطناعي مظلة واسعة تغطي مفاهيم عدة22. فيمكن النظر إلى مصطلح الذكاء الاصطناعي عمومًا بوصفه "مجموعة من التقنيات الحديثة، تهدف إلى الاقتراب من بعض الجوانب الخاصة بالإدراك البشري"23، وذلك في طريقة عمل التطبيقات الذكية وسلوكها. بهذا المعنى، فإن العنصر المعرفي والقدرة على التعلم في طريقة تلك التطبيقات من خلال الذكاء الاصطناعي، هم ما يجعلان التقنيات الجديدة في هذا المجال مختلفة عن أنواع التقنيات الأخرى كلها. ويمكن أيضًا تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه "تقانة لديها القدرة على تطبيق مفهوم الذكاء على أي مهمة تقوم بها، بدلً من اتّباع مجموعة من المهمت المحددة مسبقًا"24. ويكمن جوهر الذكاء الاصطناعي، من هذا المنظور، في جعل التطبيقات أكثر ذكاءً؛ بمعنى أنها يمكن أن تتصرف بمسؤولية وبطريقة مناسبة، من دون الإضرار بالمجتمعات البشرية التي تعمل فيها25. من هذا

  1. مهني محمد إبراهيم غنايم، "فوبيا الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات البحث العلمي"، المجلة الدولية للبحوث في العلوم التربوية، مج 6، العدد 3 (تموز/ يوليو 2023)، ص 39 -.59
  2. Peter Stone, "Artificial Intelligence and Life in 2030: One Hundred Year Study on Artificial Intelligence," Report of the 2015 Study Panel , Stanford University (September 2016), accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/a905l
  3. Calo.
  4. Mapping Regulatory Proposals for Artificial Intelligence in Europe," Access Now (November 2018), p. 2, accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/u8w1h
  5. كريمة محمود محمد وأسماء السيد محمد، الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المعاصرة، مراجعة وتحرير محمد إبراهيم الدسوقي (القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر،.)2022
  6. Erdélyi & Goldsmith.

المنطلق، يمكن تصوّر الذكاء الاصطناعي باعتباره محاولة لمحاكاة الذكاء البشري في طريقة عمل التطبيقات، حيث تقوم تلك التطبيقات الذكية ببعض المهمت التي تحتاج إلى الذكاء بمفهومه البشري. يُعرّف الذكاء الاصطناعي أيضًا من منظور أضيق بوصفه "التحليل المحوسب لقواعد البيانات الضخمة Big Data بغرض نمذجة الواقع"26. وهو بهذا المعنى، يشمل تطورات تكنولوجية ملموسة تنعكس في مكوّنات البرامج والتطبيقات الذكية. من خلال تلك التطورات التكنولوجية، تستطيع أجهزة الكمبيوتر، عن طريق البرمجيات المتقدمة المبنية على الخوارزميات، معالجة كميات كبيرة من البيانات بسرعة هائلة؛ الأمر الذي يُكّن تطبيقات الذكاء الاصطناعي من اتخاذ القرارات والتوصل إلى استنتاجات، والأهم من ذلك التعلّم من التجارب31. في هذا الإطار، يصبح مفهوم التعلم، وعلى وجه الخصوص "تعلم الآلة " Learning Machine، أحد الأركان الأساسية في مفهوم الذكاء الاصطناعي. وباستخدام هذا النوع من التعلّم، جرى تصميم العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطبيق "سيري" Siri من شركة أبل، وتطبيق "كورتانا" Cortana من ميكروسوفت، وتطبيق "أليكسا" Alexa من أمازون لتتعلم تلك التطبيقات من سلوك المستخدمين من أجل خدمتهم بطريقة أفضل. مقارنةً بمفاهيم الذكاء الاصطناعي القديمة، مثل "النظم الرمزية Symbolic Systems " التي تنظر إلى ذكاء الآلة من حيث قدرتها على تنظيم الرموز المجردة باستخدام القواعد المنطقية، تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم على "مجموعة من التقنيات المعروفة باسم التعلّم الآلي"32. خاصية التعلم في عمل التطبيقات الذكية يجعلها تتصرف على نحو ممثل لطريقة تفكير البشر وتصرفاتهم، وذلك من خلال إمدادها بالبيانات والمعلومات في شكل ملاحظات وتفاعلات في العالم الحقيقي، الأمر الذي يزيد من قدرتها على التعلّم ذاتيًا، ويُحسّن من أدائها وظائفها، ومن قدرتها أيضًا على اتخاذ القرار33. في ضوء ما تقدم، وفي سياق هذه الدراسة، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره المجال الذي يركز على "تطوير مجموعة التطبيقات القائمة على التقنيات الحوسبية المستوحاة من الطرائق التي يستخدمها البشر للتعلّم واتخاذ القرارات"34. ومن خلال مقارنة هذا التعريف بالتعريفات المذكورة السابقة، يتّضح أنه يتّسع لاستيعاب الأنواع المختلفة من ابتكارات الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى ذلك، يؤكد هذا التعريف الطبيعة العملية والعلمية التي تحكم تطور حقل الذكاء الاصطناعي وتساعد في ترسيم حدوده، بوصفه حقلً بينيًا، يستفيد من التطورات المعرفية والنظرية والتطبيقية في تخصصات منوعة ويبنى عليها.

ثانيًا: الذكاء الاصطناعي بين التدخّل الحكومي وسياسات التنظيم الذايت

تستفيد الإنسانية من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، بما في ذلك الخدمات الطبية والنقل. على سبيل المثال، يمنع تزويد طائرات الركاب ببرامج الذكاء الاصطناعي من التصادم، ويجعلها أكثر أمانًا

  1. محمد والسيد محمد.
  2. Daniel Faggella, "What is Machine Learning?" Emerj Artificial Intelligence Research, 26/2/2020, accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/jdwh4
  3. Stone, p. 3.
  4. The Prospects for Successful Regulation in the Public Interest for Artificial Intelligence," Semantic Scholar (2019), accessed on 30/10/2023, at: https://bit.ly/45LVKcd

للمسافرين. ويمكن ذكر الشيء نفسه عن السيارات الذكية، حيث تم تقليل احتملات الأخطاء البشرية في القيادة إلى حد بعيد. وفي مجال الرعاية الصحية، ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات، في تقديم العديد من الخدمات الطبية، بل إنها تفوّقت في غرف العمليات على الجراحين من البشر في أداء العديد من المهمت والجراحات المعقدة. لكن في الوقت الذي تقدم فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي العديد من الخدمات التي تساعد في تحسين نوعية الحياة للبشر، وفي حل مشكلات السياسات العامة المعقدة أيضًا، ثمة مخاطر محتملة لمثل هذه التطبيقات على المستخدمين؛ وهو ما يجعل من تدخّل الدولة عن طريق وضع إطار للحكامة التنظيمية لعمليات البحث والتطوير، وكذلك لعمليات تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، أمرًا لا مفرّ منه.

1. دوافع تنظيم الذكاء الاصطناعي

أشارت المناقشة السابقة لمفهوم الذكاء الاصطناعي إلى حدوث تحوّل في التطبيقات المعاصرة لهذا المصطلح نحو مزيد من التركيز على التطبيقات العملية التي تستهدف مهمت محددة جدًا، تعتمد على قواعد البيانات الضخمة. ويطرح هذا التحول العديد من التحديات المرتبطة بالمخاطر الاجتمعية والقانونية والأخلاقية المحتملة لانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فمن الناحية الاجتمعية، قد يترتب على انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي زيادة في معدلات البطالة في المجتمع، نتيجة لحلول التطبيقات الذكية محل البشر في أداء بعض الأعمل والخدمات. كذلك قد يؤدي التوسع في استخدام التطبيقات الذكية إلى زيادة التمييز ضد فئات اجتمعية بعينها، خاصة في حال وجود تحيّز في قواعد البيانات المستخدمة لتدريب تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلّمها. وقد تزيد كذلك الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل المجتمع إذا لم يجر توزيع العوائد والمنافع المترتبة على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بين الأفراد توزيعًا عادلً. أما من المنظور القانوني، فيطرح انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي العديد من المخاطر التي يأتي في مقدمها حمية بيانات المستخدمين، وقضية الخصوصية أيضًا التي قد تتعرض لانتهاكات نتيجة وصول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى بيانات المستخدمين. يرتبط بالتحديات القانونية كذلك وضع الإطار التنظيمي الخاص بالترخيص لاستخدام التطبيقات الذكية وتحديد الجهات المسؤولة عن ذلك، والصلاحيات التي تتمتع بها كل جهة، بما في ذلك الشركات المصنعة لتلك التطبيقات. يثار في هذا الصدد أيضًا مدى قانونية استخدام التطبيقات الذكية في مجالات بعينها، وما يترتب على ذلك من مسؤولية مدنية عن التصرفات الناتجة من تلك التقنيات. ومن الناحية الأخلاقية، تثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي بعض المحاذير الخاصة بما قد يترتب على استخدام تلك التقنيات من توابع أخلاقية تتناقض مع عادات مجتمعات بعينها وتقاليدها وقيمها، وتُعزّز من صور عدم المساواة، وحتى التمييز بين فئات المجتمع الواحد35. نظرًا إلى الآثار المحتملة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، أصبح تنظيم هذا المجال ضرورةً مُلحة36. فعلى الرغم من الانطباع الإيجابي الناجم عن توظيف تلك التطبيقات لدى العديد من المهتمين بهذا المجال، بمن فيهم واضعو السياسات العامة، فإن الشاغل الأساسي من وجهة نظر الحكامة التنظيمية

  1. محمود محمد سويف، جرائم الذكاء الاصطناعي: المجرمون الجدد (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة،.)2022
  2. Cason Schmit, "Combining ‘Soft’ and ‘Hard’ Approaches," The Conversation , 3/4/2023, accessed on 30/10/2023, at: https://bit.ly/3FC6U8N

Governance Regulatory هو البحث في مدى إمكانية تنظيم هذا المجال المهم، إضافة إلى وضع الإطار القانوني لإدارة أنشطة التكنولوجيا الذكية وتطبيقاتها بطريقة تُعظّم من المنافع وتُقلّل من المخاطر المتوقعة لها على البشر. من ثم، يقتضي الحديث عن التنظيم الحكومي لأنشطة الذكاء الاصطناعي وأنظمته، بهدف التقليل من المخاطر المحتملة لها على البشر، ضرورة التعامل مع عدد من القضايا الأخلاقية والاجتمعية والقانونية والتنظيمية الشائكة39. المشكلة هنا أن مصطلح الذكاء الاصطناعي والأنشطة المرتبطة به، نشأت وتطوّرت في ظل فراغ تنظيمي Vacuum Regulatory، وفي ظل وجود نُدرة نسبية في الدراسات والأبحاث التي تناقش المداخل التنظيمية المحتملة لهذا المجال الجديد. في هذا الإطار، يُعدّ تحقيق المصلحة العامة Interest Public من أكثر المبررات شيوعًا لتدخّل الدول والحكومات من خلال السياسات التنظيمية من أجل إدارة الأنشطة الاقتصادية والاجتمعية والتحكّم في آثارها السلبية في مجموع الأفراد في المجتمع40. وعلى الرغم من الاعتمد على معيار المصلحة العامة أساسًا لتبرير التدخل الحكومي عن طريق وضع الأطر التنظيمية، فإن هذا المصطلح ذاته يفتقر إلى التحديد الدقيق لمضمونه، حيث يصعب تحديد المقصود به على وجه الدقة، أو الفئة التي يتحدّث عنها صنّاع القرار والسياسات العامة داخل الدولة، حينم يتحدّثون باسم المصلحة العامة41. وبعيدًا عن الدخول في تفاصيل الجدل النظري والمفاهيمي حول مفهوم المصلحة العامة، يمكن تحديد هذا المصطلح في إطار هذه الدراسة، نظرًا إلى الآثار والمخاطر المحتملة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البشر، في ظل غياب السياسات والأطر التنظيمية الحكومية وما يمكن أن يترتب على ذلك من إضرار بمصلحة المستخدمين والأفراد عامة داخل المجتمع43. وبناء عليه، تمثل تلك المخاطر العامة Risks Public، التي قد تتسع دائرتها لتشمل قطاعًا عريضًا من المواطنين داخل المجتمع، الأساس لتدخّل الدولة من خلال سياسات التنظيم لإدارة تلك المخاطر ومحاولة التقليل من آثارها السلبية.

2. مداخل تنظيم الذكاء الاصطناعي

في معرض الحديث عن المداخل التنظيمية التي يمكن استخدامها لحكامة أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، هناك من يُيّز بين المداخل القانونية والمداخل التكنولوجية44. من المنظور القانوني، لا تتطلّب أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته بالضرورة تطوير أطر تنظيمية جديدة، إنما يُكن استيعابها وتنظيمها من خلال الأطر القانونية القائمة. ومن ثم، يتمثّل الشاغل الرئيس للدارسين والباحثين القانونيين في كيفية تطبيق القوانين الحالية على مجال الذكاء الاصطناعي. وتشمل المجالات الرئيسة التي يبحثها هذا الاقتراب القانوني موضوعات

  1. 0 3  أحمد بدران، "السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة"، سياسات عربية، العدد 42 (كانون الثاني/ يناير 2023)، ص.138
  2. Ahmed Badran, The Regulatory Management of Privatised Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the Egyptian Telecommunications Market (Riga, Germany: VDM Verlag Dr. Müller, 2011).
  3. عبد القادر مالفي، "شبح العقل الاصطناعي ومستقبل البشرية"، مجلة الحوار الثقافي، مج 12، العدد 1 (2023)، ص 1 -.2
  4. Nicolas Petit, "Law and Regulation of Artificial Intelligence and Robots - Conceptual Framework and Normative Implications," Working Paper , March 2017, accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/7qh0c أ. التنظيم الذاتي للذكاء الاصطناعي
  5. مصطفى إسماعيلي، "المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي"، مجلة الشؤون القانونية والقضائية، العدد 15 (2023)، ص 174-171؛ عائشة عبد الحميد، "الإطار القانوني والتشريعي للرقمنة والذكاء الاصطناعي"،  مجلة الباحث للدراسات القانونية والقضائية، العدد 50 (2023)، ص.42-21

عدة، من بينها المسؤولية عن سلامة المنتج والأمن السيبراني وحمية المستهلك والملكية الفكرية وقانون العمل والخصوصية والمسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية والشخصية القانونية والتأمين وقانون الضرائب45. على عكس النهج القانوني، لا يأخذ الاقتراب التكنولوجي في تنظيم الذكاء الاصطناعي القوانين واللوائح القائمة بوصفها نقطة بداية للبحث في مدى قدرتها على استيعاب التطورات في هذا المجال الجديد. وبدلً من ذلك، ينظر أنصار الاقتراب التكنولوجي إلى ابتكارات الذكاء الاصطناعي الجديدة ويبحثون في ما إذا كانت القضايا والمحاذير الأخلاقية والاجتمعية المرتبطة بتلك التطبيقات المستحدثة تتطلّب إصدار لوائح تنظيمية جديدة وإطار تنظيمي مستقل عم هو موجود من تشريعات وقوانين46. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذين النهجين التنظيميين في مجال الذكاء الاصطناعي لا يستبعد أحدهم الآخر. وهو ما يعني أن الجهات المنظمة للذكاء الاصطناعي، يمكنها استخدام كلا النهجين في التعامل مع القضايا والأخطار العامة المحتملة للتطبيقات الذكية التي يتم تطويرها.

إلى جانب التدخل الحكومي الذي يركز عليه موضوع هذه الدراسة، توجد اختيارات عدة أمام صنّاع السياسات العامة في ما يخص أدوات سياسات تنظيم الذكاء الاصطناعي، نذكر منها التنظيم الذاتي Self-regulation الذي يأخذ بدوره العديد من الأشكال، منها مدوّنات الأخلاق Codes Ethics، والاتفاقات التعاقدية Agreements Contractual. ولعل من المفيد، قُبيل التطرق إلى الحديث عن حجج ترجيح هذه الدراسة47لمدخل التدخل الحكومي في تنظيم الذكاء الاصطناعي، إلقاء بعض الضوء حول الأدوات التنظيمية الأخرى وجوانب القوة والضعف فيها، مقارنة بسياسات التنظيم الحكومي. في الواقع العملي، أفرزت ممرسات الذكاء الاصطناعي وأنشطته العديد من المبادرات تحت مسميات مختلفة، تشترك كلها في محاولة تنظيم الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المرتبطة به، من طرف الصناعة ذاتها. ومن الجدير بالملاحظة أن معظم هذه المبادرات كان المحرك الأساسي وراءها الشركات الصناعية، وكانت تحمل طابعًا تطوّعيًا غير ملزم للأطراف العاملة كلها في مجال البحث والتطوير الخاص بتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي معرض تقييم تلك المبادرات التنظيمية التطوعية، يمكن القول إن تطوير تلك الأطر المهنية لتنظيم الذكاء الاصطناعي ضروري، لكنه ليس كافيًا لتنظيم مثل هذه الصناعة المهمة. فهناك حاجة إلى تنظيم حكومي في شكل مجموعة محددة من القواعد التنظيمية الملزمة لجميع العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته والمدعومة بعقوبات من الدولة لمن يخالف هذه القواعد ويتسبب في تعريض المستخدمين للمخاطر العامة48. في هذا الإطار، تكون الأطر المهنية ومدوّنات الأخلاق التي تُطوّرها الجهات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، مكملةً للإطار التنظيمي الموضوع من الدولة وتتّسق معه49. فلا يمكن الاعتمد بصورة كاملة على هذه الأطر المهنية والأخلاقية لتنظيم صناعة مهمة، مثل الذكاء الاصطناعي، ذات تأثير مهم في الأفراد في

  1. Lode Lauwaert, "Artificial Intelligence and Responsibility," AI & Society , vol. 36, no. 3 (September 2021).
  2. Sundar.
  3. Ian Brown & Christopher T. Marsden, Regulating Code: Good Governance and Better Regulation in the Information Age (Cambridge, MA: MIT Press, 2013).
  4. بدران، ص.138
  5. The Prospects for Successful Regulation in the Public Interest for Artificial Intelligence." ب. التدخّل الحكومي لتنظيم الذكاء الاصطناعي

المجتمع، لما لتلك الأطر من طبيعة معيارية Normative، حيث تختلف الأخلاق والقواعد الأخلاقية باختلاف الزمان والمكان. إضافة إلى ذلك، يعني التنظيم الذاتي في مجال الذكاء الاصطناعي أن الشركات الخاصة ستكون مسؤولة عن وضع المعايير والقواعد التنظيمية التي تحكم أنشطتها، ومراقبتها، الأمر الذي يفتح المجال أمام التساهل في وضع تلك المعايير، أو على أقل تقدير التساهل في عمليات تطبيق القواعد التنظيمية50. يضاف إلى ذلك أن المبادرات التنظيمية القائمة على فكرة التنظيم الذاتي من خلال مدوّنات الأخلاق، أو الاتفاقات التعاقدية، تفتقر، في الكثير من الأحيان، إلى آلية واضحة للتنفيذ، الأمر الذي يجعل إذعان الشركات الخاصة لتلك الأطر التنظيمية أمرًا محل شك، خاصة إذا تعارضت القواعد التنظيمية الواردة في تلك الأطر المنظمة مع مصلحة الشركات ووضعت قيودًا قد تراها الشركات غير مبررة للالتزام بالقواعد المنظمة. هذا الضعف على مستوى إنفاذ القواعد التنظيميةRegulatory Enforcement قد يشجع السلوك الانتهازي من الشركات الخاصة العاملة في حقل الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يضر بمصالح الأفراد في المجتمع. بعبارة أخرى، فإن للشركات الخاصة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي الحقَ في التأثير في عمليات وضع السياسات التنظيمية، باستخدام الموارد كلها التي قد تكون تحت تصرفها. ومع ذلك، ينبغي لمهمة تصميم هذه السياسات التنظيمية وتنفيذها أن تبقى في يد الجهات الحكومية من أجل حمية مصالح المستخدمين51. ونخلص من ذلك إلى أن التنظيم الذاتي لحقل الذكاء الاصطناعي من الشركات الخاصة، أيًّا ما كان شكله، وفي ظل غياب الدور الحكومي، لا يضمن بالضرورة تحقيق مبدأ حمية المصلحة العامة للمستخدمين، ولا يضمن كذلك التقليل من المخاطر العامة والآثار السلبية المحتملة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجتمع.

تقدم الأدبيات المتعلقة بالتنظيم والإدارة التنظيمية عددًا كبيرًا من المبرّرات لتدخّل الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتمعية بوجه عام52. فالدولة تتدخل لأسباب متعددة، وتضع من القواعد المنظمة ما تراه مناسبًا لتشجيع سلوك معين، أو الحدّ من سلوك آخر من جانب الأفراد والكيانات الاقتصادية في المجتمع. على سبيل المثال، يمكن تبرير تدخّل الدولة وتنظيمها قطاعات معيّنة لأسباب اقتصادية، تتعلق بإخفاق بعض الأسواق والرغبة في تصحيح أوجه الفشل فيها. من المنظور الاجتمعي، قد تستخدم الدولة القواعد التنظيمية لحمية الأعراف والقيم المجتمعية، بما في ذلك حقوق الإنسان والحرية والخصوصية والعدالة وغيرها، بطريقة تساعد في بناء الثقة المجتمعية53. ويمكن أن تتدخّل الدولة أيضًا من خلال التنظيم من أجل حمية الصناعات الجديدة وضمن نموّها. ونظرًا إلى الذكاء الاصطناعي وما يثيره من محاذير وآثار محتملة، سبقت الإشارة إليها،

  1. حصة أحمد عبد الله التويم ووفاء بنت أحمد عياض الغامدي، "انتهاك الخصوصية في تقنيات الذكاء الاصطناعي: الواقع وسبل المواجهة من منظور التربية الإسلامية"، مجلة شباب الباحثين في العلوم التربوية (جامعة سوهاج)، العدد 16 (حزيران/ يونيو 2023)، ص 681 -.705 تنظيم الذكاء الاصطناعي لحمية المصلحة العامة
  2. Julia Black, "Decentring Regulation: Understanding the Role of Regulation and Self-Regulation in a ‘Post-Regulatory’," World ,  Current Legal Problems , vol. 54, no. 1 (2001), pp. 103-146, accessed on 30/10/2023, at: https://bit.ly/3Qjrgc3
  3. Calo.
  4. Ahmed Badran, "Steering the Regulatory State: The Rationale behind the Creation and Diffusion of Independent Regulatory Agencies in Liberalized Utility Sectors in the Developing Countries: Thoughts and Reflections on the Egyptian Case," International Journal of Public Administration , vol. 35, no. 3 (2012), pp. 204 - 213.

يبرز عنصر حمية المصلحة العامة باعتباره أحد الدوافع الرئيسة لتدخّل الدولة لحوكمة القطاع وتنظيمه، إضافة إلى الاعتبارات التقنية.

من منظور المصلحة العامة، هناك الكثير من القضايا التي يطرحها الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، الأمر الذي يتطلّب تدخّل الحكومة لوضع السياسات المناسبة لتنظيم العمل في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى حدوث انتهاكات في مجالات الخصوصية للمستخدمين، وقد تُعرّض البيانات الشخصية للأشخاص لطرف ثالث، لا يرغب المستخدم في أن تصل المعلومات إليه. كذلك توفر تهديدات الأمن السيبراني Cyber-Security سببًا آخر للحكومات للتدخل من أجل تقليل مخاطر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. علاوة على ما تقدم، قد يكون مستخدمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي أكثر انفتاحًا على فكرة وجود هيئة تنظيمية عادلة ونزيهة وشرعية تحمي مصالحهم، بدلً من ترك مهمة تنظيم الذكاء الاصطناعي للصناعة نفسها بسبب تضارب المصالح المحتمل بين مطوري برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، والمصنّعين من ناحية، والمستخدمين من ناحية أخرى. من هنا، تبدو حجة التدخّل الحكومي لحمية مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي حجة مقبولة، وتصلح أساسًا لتنظيم هذا المجال61. فعلى الرغم من صعوبة تحديد المعنى المقصود بالمصلحة العامة؛ ذلك أن مصالح الأفراد والجمعات في المجتمع تأخذ أشك لً مختلفة في سياقات متعددة، كم أشرنا من قبل، فإن الآثار السلبية المحتملة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتداعياتها الاجتمعية والأخلاقية تبرّر التدخّل الحكومي. ويكون ذلك التدخل من خلال وضع السياسات والأطر التنظيمية العامة التي يمكن من خلالها إدارة أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته بطريقة تُعظّم من المنافع، وتُقلّل من المخاطر المحتملة71. إلى جانب ما جرى توضيحه من ضرورة التدخّل الحكومي للتقليل من الآثار السلبية والمخاطر العامة المتوقعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإن هيمنة الشركات الكبرى التي كان لها قصب السبق في الاستثمر في هذا المجال على مختلف الأنشطة به - بما في ذلك تطوير التقنيات والتطبيقات الذكية وأنشطة البحث والتطوير الخاصة بها - تجعل من الصعب دخول فاعلين جدد إلى تلك الأسواق، الأمر الذي قد يُضعف المنافسة، ويضع عوائق أمام دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى أسواق الذكاء الاصطناعي. من هذا المنطلق، فإن وضع إطار تنظيمي لسياسات المنافسة، يحدد شروط الدخول والخروج من أسواق الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يحمي مصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ويقلّل من هيمنة الشركات الكبرى على تلك الصناعة الجديدة. كذلك ينبغي لمنظمي الذكاء الاصطناعي أن يتمتعوا ببعض الصلاحيات، إلى جانب تنظيم المنافسة في الأسواق الخاصة بالذكاء الاصطناعي. من أهم الصلاحيات التنظيمية في هذا السياق، حق الجهات التنظيمية في الموافقة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الجديدة قبل دخولها إلى الأسواق. سيضمن مثل هذا الإجراء للمستخدمين أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد جرى اختبارها على نحو صحيح قبل إتاحتها للمستخدمين النهائيين. كذلك يجب على المنظمين في مجال الذكاء الاصطناعي أن يتمتعوا بسلطة فرض العقوبات في حال عدم انصياع الأطراف الخاضعة للتنظيم لتطبيق القواعد التنظيمية. ويحق للجهات

  1. Petit.
  2. Toby Walsh, "EU parliament: Consultation on Robotics and Artificial Intelligence-summary and Contributions," The Future of AI , 19/10/2017, accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/w559b تنظيم الذكاء الاصطناعي لاعتبارات التكنولوجيا

المنظمة أيضًا التحقيق في الشكاوى المقدمة من مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفرض غرامات على الشركات التي لا تتوافق مع اللوائح المنظمة لعمل المجال. ومن شأن مثل هذا النهج المتوازن والمركزي لتنظيم الذكاء الاصطناعي أن يضمن تطوير المجال بطريقة منظمة ومتّسقة مع مبدأ حمية المصالح العامة للمستخدمين، وذلك من خلال الحد من الضرر المحتمل الناجم عن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. في الأخير، قد نختلف بشأن إذا ما كانت الحكومات هي أفضل طرف مجتمعي لتمثيل المصلحة العامة وحميتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بيد أنه في حال غياب التنظيم الحكومي لأسواق الذكاء الاصطناعي والأنشطة المرتبطة به، فإن تلك الصناعة المهمة لن تكون مستعدة لتطوير قواعد تستفيد منها الأطراف التي تعمل في هذا المجال. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي عدم وجود هيئات وآليات إنفاذ في مبادرات التنظيم الذاتي التطوعي للذكاء الاصطناعي إلى إضعاف تطور المجال، وتشجيع السلوك الانتهازي من الشركات الصناعية.

من المنظور التكنولوجي، يمكن تبرير تنظيم مجال الذكاء الاصطناعي بالاعتمد على فكرة التفرد التكنولوجي Technological Singularityوما تطرحه تلك الفكرة من مخاطر وتحديات تهدد المصالح العامة للبشرية جمعاء72. وبصفة عامة، يمكن تعريف التفرد التكنولوجي باعتباره النقطة التي يصبح عندها من الصعب السيطرة على حدود التقدم التكنولوجي من جانب العنصر البشري. بهذا المعنى، هناك من يتوقع أن تصل تطبيقات الحاسوب الذكية وغيرها من أشكال الذكاء الاصطناعي في عام 2030 درجة لا يمكن التحكّم فيها من البشر73. عند تلك النقطة، سوف يتفوّق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري بفضل عمليات التعلم المستمر لتلك التطبيقات الذكية؛ الأمر الذي يُكّنها من أن تطوّر عمليات اتخاذ القرار الخاصة بها، وأن تتصرف ذاتيًا، من دون الحاجة إلى التدخل من جانب البشر. وهنا تصبح تطبيقات الحاسوب الذكية أكثر قدرة من البشر على أداء المهمت المعقدة، وحتى أكثر ذكاءً في ما يخص اتخاذ القرارات في ظل ظروف عدم التأكد، وفي المواقف المعقدة التي تتعدد فيها البدائل، وتتشابك فيها أبعاد مشكلات السياسات العامة82. بمعنى آخر، سيكون الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته أكثر قدرة على إنتاج أشكال جديدة من التقنيات التي تفوق البشر وتتفوّق على الطرائق التقليدية للتحكم والتنظيم. في هذا الصدد، ينظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره آخر اختراع للبشرية83. ومن الجدير بالملاحظة في هذا الشأن أنه على الرغم من المخاوف التي تثيرها فكرة التفرد التكنولوجي وما قد يترتب عليها من خروج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته من حيّز السيطرة البشرية، فإن ثمة فارقًا أساسيًا لا يزال يقف حائلً أمام تصرف تلك التطبيقات على نحو إنساني كامل، ألا وهو الدوافع والرغبات92. فعلى عكس البشر الذين يحاولون تلبية رغباتهم وإشباع دوافعهم بمجرد تحررهم من اللوائح والقوانين التي تحكم سلوكهم وتنظمه، لا تملك التطبيقات الذكية رغبات ودوافع خاصة بها تُكّنها من توجيه تصرفاتها بطرائق معيّنة. من هذه الزاوية، فإن المبالغة في المخاوف حول هيمنة التطبيقات الذكية على البشر

  1. Alexey Potapov, "Technological Singularity: What Do We Really Know?" Information , vol. 9, no. 4 (April 2018), accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/y4wk1
  2. Stone.
  3. Information Technology: Gartner Glossary," Gartner , accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/0qslk
  4. James Barrat, Our Final Invention: Artificial Intelligence and the End of the Human Era (New York: Thomas Dunne Books, 2013).
  5. Ibid.

أمرٌ لا يقبله بعضهم، حيث يؤكد عدد من الدراسات أن النظر في موضوع تنظيم الذكاء الاصطناعي لا بد من أن يأخذ في الحسبان الإيجابيات والسلبيات المترتبة على تطبيقاته، وكذلك التكاليف المتوقعة من الناحية البشرية والاقتصادية، بما في ذلك احتمل تحقق فرضية التفرّد التكنولوجي.

ثالثًا: تحديات سياسات التنظيم للذكاء الاصطناعي

يمكن النظر إلى التدخل الحكومي لتنظيم الذكاء الاصطناعي بوصفه مخاطرةً محسوبةً، حيث يتميز ذلك القطاع ببعض السِمت التي تجعل من الصعب تنظيمه اعتمدًا على أدوات السياسات التنظيمية التقليدية، بما في ذلك ترخيص المنتج ومراقبة الأبحاث والتطوير وتحديد المسؤولية عن الضرر الذي قد يُقيّد حرية الإبداع والتطوير. ومن شأن هذه المداخل التقليدية في مجال التنظيم أن تجعل الجانب الحكومي دائمًا في خانة ردة الفعل، حيث تسبق التقنيات الخاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المحاولات والجهود التنظيمية. في هذا الإطار، تصبح عملية تنظيم الذكاء الاصطناعي أشبه بعمليات إطفاء الحرائق، التي تتدخّل فيها قوات مكافحة الحرائق بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل. ويمكن تلخيص أهم التحديات التي تواجه محاولات تنظيم الذكاء الاصطناعي على النحو الآتي: الاختلاف حول تحديد معنى الذكاء الاصطناعي: لعل التحدي الأول الذي يواجه الجهات المنظمة لمجال الذكاء الاصطناعي هو تحديد معنى هذا المفهوم. فكم أشرنا سابقًا، يستخدم الذكاء الاصطناعي للإشارة إلى أشياء متعددة، بطريقة تجعل من الصعب الاتفاق على تعريف واحد لهذا المفهوم. من ثم، يُعدّ التأطير المفاهيمي لهذا المصطلح أمرًا ضروريًا من أجل تحديد المجالات والأنشطة في حقل الذكاء الاصطناعي التي سيتم إخضاعها للتنظيم. الطبيعة المعقّدة للذكاء الاصطناعي: مم يزيد من تعقيد مهمة الجهات التنظيمية الموكلة بحكامة الذكاء الاصطناعي، الطبيعةُ السرية والمشتتة والمبهمة للأنشطة الخاصة بهذا المجال. هذه الخصيصة من خصائص الذكاء الاصطناعي تجعل من تطبيق المداخل التنظيمية الحكومية القبلية Regulation Government Ex-ante على أنشطة هذا المجال وتطبيقاته أمرًا غير فعال؛ ذلك أن الطبيعة السرّية والمستقلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب على الجهات التنظيمية الحكومية التنبّؤ بالنتائج غير المتوقعة وغير المرغوب فيها لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم التعامل معها من خلال وضع القواعد المنظمة التي تمنع حدوث آثارها السلبية. ينطبق هذا القول بوجه خاص على بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل الأسلحة الذاتية التشغيل، التي يمكن أن تؤدي إلى كوارث بشرية إذا كانت تعمل من دون رقابة من العنصر البشري. في هذا السياق، فإن التنظيم الحكومي اللاحق Regulation Government Ex-ante لتلك الأنظمة وما شابهها لن يكون ناجحًا أيضًا. وعلى الرغم من الصعوبات السابقة الناجمة عن الطبيعة الخاصة للمجال قيد البحث، التي تجعل من

  1. S. Shyam Sundar, Cason Schmit & John Villasenor, "Regulating AI: 3 Experts Explain why it’s Difficult to do and Important to get Right," The Conversation , 3/4/2023, accessed on 30/10/2023, at: https://n9.cl/46bjsd
  2. The Prospects for Successful Regulation in the Public Interest for Artificial Intelligence."
  3. Scherer.

التدخل الحكومي للتنظيم أمرًا صعبًا، فإنه لا يزال من الضروري تأكيد أهمية الدور الحكومي في تنظيم أنشطة الذكاء الاصطناعي للأسباب السابق تبيانها. غير أنه، في مثل هذه البيئة المعقدة والمجزأة للذكاء الاصطناعي، يجب على تدخّل الحكومة من خلال التنظيم أن يكون حذرًا ومحسوبًا بطريقة تتجنّب العواقب السلبية المحتملة على العاملين في هذا المجال، وكذلك على المنظمين والمستخدمين النهائيين. فمن ناحية، يمكن أن يكون التنظيم الحكومي بمنزلة المحفّز أو المثبط لأنشطة الذكاء الاصطناعي. وبالنظر إلى الفوائد المذكورة السابقة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لن يكون من الحكمة أن تضع الحكومة الكثير من القواعد التنظيمية التي تعوق تطوّر المجال بأكمله. من ثم، هناك حاجة إلى نهج متوازن ينظر بدقة إلى إيجابيات التدخل الحكومي وسلبياته في كل حالة. ومن ناحية أخرى، فإن الاستجابة للمخاطر التنظيمية المحتملة من خلال تطوير إطار تنظيمي صارم، يحظر أنشطة أو أبحاثًا معينة في مجال الذكاء الاصطناعي بطريقة آلية أو غير مفهومة، ستؤثر سلبيًا في ذلك المجال الحيوي القائم في جوهره على الابتكار. الاختلاف حول عامل الوقت: أخيرًا، يُعدّ التوقيت الخاص بالتدخل الحكومي من العوامل المهمة التي قد تؤثر في فاعلية أدوات التنظيم المستخدمة. في هذا السياق، تمثل السرعة العالية التي تتطور بها التكنولوجيا أحد التحديات الرئيسة التي تواجه هيئات تنظيم تكنولوجيا المعلومات عمومًا، ومنظمي الذكاء الاصطناعي خصوصًا. وعلى مر عقود طويلة، حاول المنظمون اللحاق بالتطورات التكنولوجية المتسارعة، لكن يبدو أنهم ما زالوا متأخرين. فالتقنيات الجديدة يجري تطويرها بوتيرة أسرع من التدخلات التنظيمية، ما يجعل التنظيم الحكومي يبدو دائمًا أنه تمرين لمكافحة الحرائق. وبناء عليه، في مجال الذكاء الاصطناعي، يجب على الاستجابات التنظيمية من صنّاع السياسات أن تكون مدركةً لتلك الحقيقة التكنولوجية.

خاتمة

حاولت هذه الدراسة الإجابة عن تساؤل محوري مفاده: ما المدخل التنظيمي الملائم لحكامة الذكاء الاصطناعي على النحو الذي يضمن حمية المصلحة العامة للمستخدمين من دون التأثير في أنشطة هذا المجال الحيوي وتطبيقاته؟ وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل، ناقشت المداخل التنظيمية المختلفة، وأكدت ضرورة التدخل الحكومي من خلال وضع السياسات العامة التنظيمية لحكامة أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وتنفيذها. في ضوء ما طرح من نقاش في هذه الدراسة، ونظرًا إلى جدة مفهوم الذكاء الاصطناعي بمدلوله الحديث، المتمثل في قدرة التطبيقات الذكية وبرامج الحاسوب على التعلم الذاتي واتخاذ القرار على نحو مستقل، يصبح التساؤل الآن: هل من السابق لأوانه تنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال سياسات عامة حكومية؟ الجواب، بالطبع لا. فالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة تعمل بالفعل على تشكيل خياراتنا الفردية، وتؤثر في حياتنا في العديد من المجالات. كذلك، فإن الآثار الأخلاقية والاقتصادية والاجتمعية لابتكارات الذكاء الاصطناعي يمكن ملاحظتها في مختلف نواحي الحياة. من ثم، يصبح من الخطر ترك هذا المجال الحيوي السريع النمو من دون إطار تنظيمي حكومي مناسب.

  1. Brown & Marsden.

فمن الناحية التنظيمية، ونظرًا إلى الطبيعة المعقدة والمجزأة للذكاء الاصطناعي، فإن فكرة ترك أنشطة هذا المجال للشركات الخاصة، ولأكثر من جهة تنظيمية في أكثر من قطاع للتعامل معها، قد لا يكون أفضل نهج تنظيمي. فمصطلح الذكاء الاصطناعي يوفر مظلة لمجالات وتخصصات علمية مختلفة، بما في ذلك علوم الحاسوب والرياضيات وتكنولوجيا المعلومات والعديد من التخصصات الأخرى. في مثل هذه البيئة المجزأة للذكاء الاصطناعي، هناك حاجة إلى آلية تنظيمية مركزية لضمن التعاون والتنسيق بين هذه الجهات كلها. وفي حال غياب تلك الهيئة التي تتولّ تنظيم الذكاء الاصطناعي على نحو مركزي، فمن المرجّح أن تتعامل الهيئات التنظيمية على المستوى القطاعي مع المشكلات التي تطرحها أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، بطرائق متفاوتة، وتطرح حلولً مختلفة للقضية نفسها، قد يتضارب بعضها مع بعض، الأمر الذي لا يخدم تطور هذا المجال الجديد. في ضوء ما تقدم، ترفض الدراسة المنطق القائل بإمكانية استيعاب أنشطة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في ما هو قائم من أطر تشريعية وقانونية وتنظيمية. فتطبيقات الذكاء الاصطناعي وما تطرحه من معضلات، تُحتّم تطوير الأطر التنظيمية والقانونية الخاصة به. إن الذكاء الاصطناعي "يعيد تشكيل حياتنا وتفاعلاتنا وبيئاتنا". وبناء عليه، يجب على الحكومات ألّ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع القطاعات والمرافق الأخرى، حيث تنتظر حتى يصل إلى المستوى المطلوب من النضج حتى تتدخل وتضع له الإطار التنظيمي المناسب. فالانتظار قد يجعل التدخل الحكومي متأخرًا جدًا، وقد لا يتم تحقيق النتائج التنظيمية المطلوبة. خلاصة القول، إن المطلوب هو وضع إطار تنظيمي للذكاء الاصطناعي، يقلل من المخاطر العامة التي قد تترتب على تطبيقاته، ويشجع المبتكرين وشركات الذكاء الاصطناعي على مراعاة جوانب السلامة، بداية من مرحلة تصميم المنتج، ومرورًا بمراحل الإنتاج الأخرى كلها، وانتهاءً بتطوير هذا القطاع وتشجيع الابتكار. هذا النهج سيضمن أن الوظائف التي تؤدّيها التطبيقات الذكية والقرارات التي تتخذها آلات الذكاء الاصطناعي تجري في إطار مجموعة معيّنة من المعايير المحددة سلفًا. وبناء عليه، تصبح المعايير المحددة من المطورين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي بمنزلة الحراسة التكنولوجية التي تضمن عدم تصرّف تلك التطبيقات على نحو مستقل عن إرادة البشر.

المراجع

العربية

إسمعيلي، مصطفى. "المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي". مجلة الشؤون القانونية والقضائية. العدد 15 بدران، أحمد. "السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة". سياسات عربية. العدد 42 (كانون الثاني/ يناير.)2023

التويم، حصة أحمد عبد الله ووفاء بنت أحمد عياض الغامدي. "انتهاك الخصوصية في تقنيات الذكاء الاصطناعي: الواقع وسبل المواجهة من منظور التربية الإسلامية". مجلة شباب الباحثين في العلوم التربوية (جامعة سوهاج). العدد 16 (حزيران/ يونيو.)2023

سويف، محمود محمد. جرائم الذكاء الاصطناعي: المجرمون الجدد. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، الطيبي، محمود. "الذكاء الاصطناعي وتحديات الأسس المفاهيمية للقانون: رؤى استشرافية لإعادة النظر في النظام القانوني". مسارات في الأبحاث والدراسات القانونية. العدد).2023(29

عبد الحميد، عائشة. "الإطار القانوني والتشريعي للرقمنة والذكاء الاصطناعي".  مجلة الباحث للدراسات القانونية والقضائية. العدد 2023(50).

غنايم، مهني محمد إبراهيم. "فوبيا الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات البحث العلمي". المجلة الدولية للبحوث في العلوم التربوية. مج 6، العدد 3 (تموز/ يوليو.)2023

مالفي، عبد القادر. "شبح العقل الاصطناعي ومستقبل البشرية". مجلة الحوار الثقافي. مج 12، العدد 1.)2023(محمد، كريمة محمود وأسمء السيد محمد. الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المعاصرة. مراجعة وتحرير محمد إبراهيم الدسوقي. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر،.2022

موسى، عبد الله وأحمد حبيب بلال. الذكاء الاصطناعي: ثورة في تقنيات العصر. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر،.2019

الأجنبية

"Artificial Intelligence: Is it Time to Regulate AI?" InterMEDIA. vol. 45, no. 4 (December- January 2018). at: https://t.ly/dLTIO

Badran, Ahmed. The Regulatory Management of Privatised Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the Egyptian Telecommunications Market. Riga, Germany: VDM Verlag Dr. Müller, 2011.

________. "Steering the Regulatory State: The Rationale behind the Creation and Diffusion of Independent Regulatory Agencies in Liberalized Utility Sectors in the Developing Countries: Thoughts and Reflections on the Egyptian Case." International Journal of Public Administration. vol. 35, no. 3 (2012).

Barrat, James. Our Final Invention: Artificial Intelligence and the End of the Human Era. New York: Thomas Dunne Books, 2013.

Black, Julia. "Decentring Regulation: Understanding the Role of Regulation and Self- Regulation in a ‘Post-Regulatory’." World ,  Current Legal Problems. vol. 54, no. 1 (2001). at: https://bit.ly/3Qjrgc3

Brown, Ian & Christopher T. Marsden. Regulating Code: Good Governance and Better Regulation in the Information Age. Cambridge, MA: MIT Press, 2013.

Calo, Ryan. "Artificial Intelligence Policy: A Primer and Roadmap." University of California, Davis, Law Review. vol. 51, no. 399 (2017). at: https://urlis.net/ttjc7rir

Doshi-Velez, Finale et al. "Accountability of AI Under the Law: The Role of Explanation." Working Paper. no. 3. Berkman Klein Center Working Group on Explanation and the Law. Berkman Klein Center for Internet & Society (November 2017).

Erdélyi, Olivia J. & Judy Goldsmith. "Regulating Artificial Intelligence Proposal for a Global Solution." Conference on AI, Ethics, and Society (AIES '18). New Orleans, LA, USA, 2 - 3 February 2018. at: https://t.ly/2WSpJ

Etzioni, Amitai & Oren Etzioni. "Should Artificial Intelligence Be Regulated?" Issues in Science and Technology. vol. XXXIII, no. 4 (Summer 2017). at: https://t.ly/4P3O8

Faggella, Daniel. "What is Machine Learning?" Emerj Artificial Intelligence Research. 26/2/2020. at: https://n9.cl/jdwh4

"Information Technology: Gartner Glossary." Gartner. at: https://n9.cl/0qslk

Lauwaert, Lode. "Artificial Intelligence and Responsibility." AI & Society. vol. 36, no. 3 (September 2021).

"Mapping Regulatory Proposals for Artificial Intelligence in Europe." Access Now (November 2018). at: https://n9.cl/u8w1h

Petit, Nicolas. "Law and Regulation of Artificial Intelligence and Robots - Conceptual Framework and Normative Implications." Working Paper. March 2017. at: https://n9.cl/7qh0c

Potapov, Alexey. "Technological Singularity: What Do We Really Know?" Information. vol. 9, no. 4 (April 2018). at: https://n9.cl/y4wk1

Reed, Chris. "How should we Regulate Artificial Intelligence? Philosophical Transactions of the Royal Society A: Mathematical." Physical and Engineering Sciences. vol. 376, no. 2128 (September 2018). at: https://bit.ly/40mNuP2

Scherer, Matthew U. "Regulating Artificial Intelligence Systems: Risks, Challenges, Competencies, and Strategies." Harvard Journal of Law & Technology. vol. 29, no. 2 (Spring 2016).

Schmit, Cason. "Combining ‘Soft’ and ‘Hard’ Approaches." The Conversation. 3/4/2023. at: https://bit.ly/3FC6U8N

Stone, Peter. "Artificial Intelligence and Life in 2030: One Hundred Year Study on Artificial Intelligence." Report of the 2015 Study Panel. Stanford University (September 2016). at: https://n9.cl/a905l

Sundar, S. Shyam, Cason Schmit & John Villasenor. "Regulating AI: 3 Experts Explain Why it’s Difficult to do and Important to get Right." The Conversation. 3/4/2023. at: https://n9.cl/46bjsd

Sundar, S. Shyam. "Human Foibles and a Moving Target." The Conversation. 3/4/2023. at: https://t.ly/qUtuj

"The Potential Economic Impacts of AI Literature Review." AI Forum of New Zealand (May 2018). at: https://shorturl.at/ruBIJ

"The Prospects for Successful Regulation in the Public Interest for Artificial Intelligence." Semantic Scholar (2019). at: https://bit.ly/45LVKcd

Villasenor, John. "Four Key Questions to Ask." The Conversation. 3/4/2023. at: https://t.ly/pZK7P

Walsh, Toby. "EU parliament: Consultation on Robotics and Artificial Intelligence- summary and Contributions." The Future of AI. 19/10/2017. at: https://n9.cl/w559b