Return to Article Details Migration Policies and Regional Integration:The Case of Migration between Egypt and Sudan

سياسات الهجرة والتكامل الإقليمي: دراسة حالة الهجرة بين مصر والسودان

Migration Policies and Regional Integration:The Case of Migration between Egypt and Sudan

راوية توفيق

الملخّص

ملخص: شهد العقد الأخير اهتممًا متزايدًا بالأطر الإقليمية والثنائية لتنظيم الهجرة والإقامة؛ إذ لاحظ عدد من الباحثين أن القسم الأكبر من ظاهرة الهجرة في دول الجنوب يحدث إما داخل الدول وإما بين الدول المجاورة في الإقليم نفسه. تتناول هذه الدراسة حالة للهجرة تتسم بالخصوصية، وهي الهجرة بين مصر والسودان، وتركز على تساؤل رئيس، هو: لماذا لم تنجح الدولتان في تحقيق نموذج للتكامل وفق النظريتين الكلاسيكية والحديثة، والذي تعد الهجرة البشرية أحد أبعاده، على الرغم من توافر الأسس المادية لذلك؛ أي تكامل الموارد البشرية والطبيعية، وكذا الأسس غير المادية التي تتمثل في الهوية المشتركة التي تجمع شعبيًا البلدين؟ ترى الدراسة أنه على الرغم من وجود هوية مشتركة، وتمتّع المهاجرين السودانيين وشبكاتهم الاجتمعية في مصر ببعض الامتيازات، فضلً عن أن الأخيرة كانت الملجأ الأساسي لهجرة ملايين من السودانيين، فإن الحساسيات السياسية التاريخية، والسياسات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، والمعوقات البيروقراطية، والتركيبة الاجتمعية السودانية، مثلت كلّها عراقيل أمام تطبيق ترتيبات التكامل الإقليمي التي اتفق عليها البلدان منذ عقود، والتي كان من المفترض أن تضمن حرية الإقامة والتنقل بينهم.

Abstract

Abstract: The last decade has seen growing interest in the analysis of bilateral and regional migration arrangements since most cases of migration in the Global South are internal or regional. Against this background, the study focuses on the special case of migration between Egypt and Sudan. It raises the central question of why the two countries have failed to achieve a model of integration on the basis defined by classical and modern theories of regional integration, despite the fact that the basic elements—material (i.e., the complementarity of Sudan's natural resources and Egypt's human resources) and non-material (i.e., common identity)—of this integration already exist. The study argues that the common identity of the Nile valley, the privileges enjoyed by Sudanese migrants in Egypt, and their social networks may have facilitated the movement of millions of Sudanese to Egypt. However, historical political sensitivities, policies followed by successive governments, bureaucratic hurdles, and the complexities of Sudan's social structure have hindered the implementation of integration arrangements that were supposed to ensure bilateral freedom of movement and residence.

الكلمات المفتاحية:
  • سياسات الهجرة
  • التكامل الإقليمي
  • مصر
  • السودان
Keywords:
  • Migration Policy
  • Regional Integration
  • Sudan
  • Egypt

مقدمة

اعتبرت النظريات الكلاسيكية للتكامل حرية انتقال الأفراد بمنزلة مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي، تتحقق بعد تأمين الدول حرية انتقال السلع والخدمات1. أما النظريات الحديثة، فقد رأت أن حرية انتقال الأفراد جزء من عملية تكامل اقتصادي وسياسي واجتمعي وثقافي، تطمح إليها دول الإقليم الواحد، والغاية منها تعميق التعاون الإقليمي، بما يشمل المجموعات والأفراد على نحو يعزز هوية إقليمية جامعة2. والمنظور الأخير يسم، إلى حدّ بعيد، حالة الهجرة بين مصر والسودان، وهذه الحالة لها خصوصية واضحة في مجال دراسات الهجرة؛ إذ إنها ممتدة في عمق التاريخ، وحكمتها ديناميات متفاوتة؛ بسبب التوسع تارة، وبسبب سياقات التفاعل الطوعي تارة أخرى. وقد مثلت "وحدة وادي النيل" أساسًا تاريخيًا لهذه التفاعلات؛ ما جعل شطريه الوجهة المفضلة لهجرة الشعبين. وبعد استقلال السودان، سهلت الاتفاقيات الثنائية إجراءات الانتقال بين البلدين، وبرز على خلفية هذه الاتفاقيات طرحٌ تصدّره عدد من السياسيين والمفكرين مفاده أن نموذجًا للتكامل يقوم بين البلدين، تنتقل فيه العملة المصرية، وبخاصة منها العملة الزراعية والفنية، بخبرتها ومهارتها، للمساهمة في استغلال الموارد الطبيعية السودانية، ولا سيم الأراضي الزراعية الخصبة التي طالما ترددت بشأنها مقولة مفادها أنه في إمكان السودان أن يكون "سلة غذاء المنطقة" بأسرها3. وبالرغم من استقبال مصر ملايين المهاجرين السودانيين، وتطويرها أطرًا قانونية ومؤسسية لتحقيق التكامل بين البلدين، لم ينل نموذج تكامل العنصر البشري المصري المهاجر إلى السودان والموارد الزراعية السودانية حظه في التطبيق، الأمر الذي يطرح تساؤلً متعلقًا بأسباب هذا القصور. الملاحظ أن هذه الحالة قد توافرت لها أسس التكامل التي طرحتها النظريات الكلاسيكية والحديثة معًا، لكنها لم تحقق التكامل المأمول. وباستخدام القواعد المنهجية، فإن هذه الحالة تعد "حالة أكثر احتملً"4لتحقيق تكامل بين الموارد والعملة المهاجرة؛ ما يحدد ملامح إشكالية الدراسة، وتساؤلاتها التي تبحث في أسباب عدم تحقق النتيجة التي توقعتها تلك النظريات. بعبارة أخرى، تتلخص الإشكالية الرئيسة للدراسة في السؤال: لماذا لم تنجح مصر والسودان في تحقيق نموذج التكامل المطروح وفق النظريتين الكلاسيكية والحديثة للتكامل، والذي تعد الهجرة البشرية أحد أبعاده، على الرغم من توافر الأسس المادية لذلك؛ أي تكامل الموارد البشرية والطبيعية، وكذا الأسس غير المادية التي تتمثل في الهوية المشتركة التي تجمع شعبيًا القطاعات الكبرى في البلدين؟ تنطلق الدراسة من افتراض أن نموذج الهجرة والانتقال اتسم بتناقضات عدة؛ إذ تأرجح بين اعتبارات تجعل من هجرة العنصر البشري أساسًا لتحقيق تكامل وتنمية لشعبَي البلدين، وبين عوامل عرقلت هذا التكامل

  1. Bela Balasa, The Theory of Economic Integration (London: Taylor Garnett Evans and Co., 1961), pp. 2 - 7.
  2. Sonja Nita et al. (eds.), Migration, Free Movement and Regional Integration (Paris: UNESCO, United Nations University - Comparative Regional Integration Studies, 2017), pp. xvi-xvii.

الاقتصادي والاجتمعي. فمن ناحية، جعلت الهوية المشتركة لوادي النيل، وبعض الامتيازات التي يتمتع بها المهاجرون السودانيون وشبكاتهم الاجتمعية في مصر، من الجارة الشملية الملجأ الأساسي لهجرة ملايين من السودانيين، ووضعت بعض الأسس الاقتصادية أساسًا مناسبًا للتعاون والتكامل الاقتصادي. ومن ناحية أخرى، وضعت الحساسيات السياسية التاريخية، والسياسات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، وفي مقدمتها السياسات الأمنية المنظمة لحركة الهجرة، والمعوقات البيروقراطية، والتركيبة الاجتمعية السودانية، العراقيل أمام تطبيق ترتيبات التكامل الإقليمي التي اتفق عليها البلدان منذ عقود، والتي كان من المفترض أن تضمن حرية الإقامة والتنقل بينهم. وتجلت بعض هذه التناقضات، وتزايدت حركة الهجرة واللجوء إلى مصر في أعقاب حالة عدم الاستقرار السياسي في السودان منذ إطاحة نظام عمر البشير في نيسان/ أبريل 2019، وتضاعفت هذه الهجرة على نحو حادٍّ في أعقاب نشوب الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ نيسان/ أبريل 2023. وطرحت هذه المستجدات إشكاليات جديدة؛ إذ فرضت على مصر إعادة التفكير في تنظيم سياسات الهجرة عمومًا، وهجرة السودانيين باعتبارهم أكبر الجاليات المقيمة في مصر على وجه خاص. تعتمد الدراسة في تحليلاتها على البيانات التي تصدرها الجهات الرسمية في البلدين، وما تنشره بعض المنظمت الدولية المتخصصة، مثل المنظمة الدولية للهجرة، واللجنة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا)، استنادًا إلى نص اتفاقيات التكامل الثنائية، التي تضمنت بنودًا تضمن حرية انتقال الأفراد. وتبرز الدراسة أيضًا التحديات التي واجهها المهاجرون وفق ما رصدته التقارير الاستقصائية والحقوقية وبعض الكتابات البحثية ذات الصلة. تنقسم الدراسة إلى أربعة أقسام؛ يقدم القسم الأول إطارًا نظريًا ومفاهيميًا للهجرة والتكامل الإقليمي، ويفصل في المنهجية ومصادر البيانات. ويركز القسم الثاني على اتجاهات الهجرة وحجمها بين البلدين ودلالات بعض الإحصاءات حولها، كم يعرض اتفاقيات التكامل التي مهدت لحرية انتقال الأفراد، وأهمها ميثاق التكامل عام 1982 واتفاقية الحريات الأربع عام 2004. ويناقش القسم الثالث المعوقات التي أثرت في تطبيق اتفاقيات الانتقال وترتيباته والإقامة في البلدين. أمّا القسم الرابع، فيحلل التحديات التي منعت أن تكون الهجرة البشرية أساسًا للتكامل الاقتصادي والاجتمعي بينهم. وتنتهي الدراسة بطرح نظرة تقييمية للسياسات التي اتبعها البلدان، ومدى التزامهم بتطبيق هذه الاتفاقيات، كم تقيّم أثر هذا التطبيق في التكامل الاقتصادي، وتقدّم بعض التوصيات ذات الصلة.

أولً: الهجرة والتكامل الإقليمي: إطار نظري ومفاهيمي

على المستوييَن البحثي والسياساتي التطبيقي، شهد العقد الأخير اهتممًا متزايدًا بالأطر الإقليمية والثنائية لتنظيم الهجرة والإقامة. وقد لاحظ عدد من الباحثين أن القسم الأكبر من ظاهرة الهجرة في دول الجنوب يحدث إما داخل الدول وإما بين الدول المجاورة في الإقليم نفسه5. ووفقًا لتقدير البنك الدولي، مثلت الهجرة بين الدول في الإقليم نفسه نحو 85 في المئة من نسبة المهاجرين في دول الاستقبال، ونحو 66 في المئة بالنسبة

إلى الدول المصدرة للمهاجرين، وغلبت على هؤلاء المهاجرين فئة العملة التي تبحث عن فرص عمل أفضل في البلدان المجاورة، ويلي هذه الفئة الشباب الذين يقصدون الدول المجاورة من أجل التعليم6. وقد رأى عدد من المتخصصين أن التوصل إلى الاتفاقيات والترتيبات المنظمة للهجرة والإقامة وتنفيذها يصبح أكثر سهولة حين يجري على المستوييَن الثنائي والإقليمي. وفي هذا يشيرون إلى الانقسام الراهن حول "الميثاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية" الذي جرى اعتمده في مؤتمر الهجرة في مراكش بالمغرب في كانون الأول/ ديسمبر 2018. وقد أشار الميثاق إلى ضرورة تشجيع الاتفاقيات الثنائية والإقليمية المنظمة7لهجرة العملة بين الدول، بما يتفق مع مبادئ حقوق الإنسان وقواعد منظمة العمل الدولية، ويتسق مع أولويات سوق العمل الوطني واحتياجاته8. تتميز الترتيبات والاتفاقات على المستوييَن الثنائي والإقليمي في الغالب بأنها تجري بين دول متقاربة تاريخيًا وثقافيًا ومتشابهة في مستوى التنمية الاقتصادية والاجتمعية، الأمر الذي ييسر التوافق على شروط الهجرة وآلياتها عمومًا، وهجرة العملة خصوصًا، ويسهّل دمج المهاجرين في المجتمعات المستقبلة. ومن الناحية التاريخية، نجد أن الدول التي فرضت عليها القوى الاستعمرية حدودًا مصطنعة قد تسببت في انقسام الجمعات البشرية الواحدة، وفتّت القبائل والجمعات العرقية المتقاربة. وواقع الحال أن التفاعل الاجتمعي بين هذه التكوينات وحركتها عبر الحدود قد استمر متجاهلً تلك الحدود، والأمر سيان في الفترة الاستعمرية وفيم بعدها9. يشير بعض الباحثين إلى التأثير الإيجابي للهجرة الإقليمية في التنمية الاقتصادية لدول المنشأ والمقصد، وفي تحسين مستوى رفاهية المهاجرين؛ فلطالما كانت الهجرة أبرز وسائل مواجهة الضغوط السكانية والتحديات الاقتصادية والبيئية، وهو الاتجاه الذي يُتوقع تزايده في المستقبل. ومن شأن الهجرة كذلك أن تساعد على تقليص عدم العدالة في توزيع الدخول بين الدول، وهو أحد أهداف التنمية المستدامة10. ينبه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى أن المنطقة العربية لا تزال الأقل عدالة في توزيع الدخول، وأن تيسير الهجرة المنظمة والآمنة وسيلة ناجعة لمعالجة مثل هذا الخلل11. ربما يتناقض هذا الطرح مع نظرية أخرى تشير إلى ضرورة إحداث تنمية اقتصادية -  اجتمعية في دول المنشأ من أجل خفض تدفق الهجرة12. وفقًا للنظريات الاقتصادية الكلاسيكية، فإن حرية انتقال الأفراد تعد مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي تتحقق بوصفها أحد أبعاد تطبيق السوق المشتركة وبعد تأمين الدول حريةَ انتقال السلع والخدمات. ترى نظرية "بيلا بلاسا" للتكامل الاقتصادي أن الدول المتجاورة تنتقل من تطبيق منطقة التجارة

  1. United Nations, Global Compact for Safe, Orderly and Regular Migration (New York: UN, 2018), article 21.
  2. Nita et al. (eds.), pp. xiii-xiv.
  3. Schniederheizer et al., p. 7.
  4. United Nations Development Programme, "The Sdgs in Action: What are the Sustainable Development Goals?" accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/3f2UxsA
  5. لمزيد من المعلومات حول الجدل النظري عن علاقة الهجرة بالتنمية، ينظر: هاشم نعمة فياض، "مفاهيم نظرية في الهجرة السكانية: دراسة تحليلية مقارنة"، عمران، مج 7، العدد 26 (خريف 2018)، ص 12 -.23

الحرة، التي تلغي الرسوم الجمركية على السلع بين دول التجمع الواحد، إلى إنشاء اتحاد جمركي يفرض رسومًا واحدة على صادرات الدول من غير بلدان الاتحاد ووارداتها، ثم إلى سوق مشتركة تلغي جميع القيود على وسائل الإنتاج، ومن بين ما ترفع عنه القيود حركة العملة، وهذه المرحلة تمهد لانتقال صوب مرحلة الاتحاد الاقتصادي والتنسيق الكامل بين السياسات الاقتصادية لبلدان الاتحاد. قد تتلو ذلك مرحلة أعلى هي التكامل الاقتصادي الذي يعتمد على توحيد مجمل السياسات النقدية والمالية والاجتمعية. وعلى الرغم من اعتراف النظريات الكلاسيكية بأن الأسباب السياسية، مثل تجنب اندلاع حرب أخرى دافعًا لتجربة التكامل الأوروبي، قد تحفّز عملية التكامل الاقتصادي، فإنها تركز على العمليات والآثار الاقتصادية لعملية التكامل13. أما النظريات الأحدث للتكامل فتشير إلى أن حرية انتقال الأفراد تتخطى كونها خطوة على طريق التكامل الاقتصادي، لتصبح جزءًا من عملية متكاملة الأبعاد تجمع دول الإقليم الواحد، وهي لا تتضمن تعميق التعاون بين الحكومات فحسب، بل بين الفاعلين من غير الدول من أفراد وتنظيمت اجتمعية أيضًا. وتؤدي مثل هذه العملية إلى تشكيل هوية إقليمية تجمع شعوب هذه الدول14. والشاهد أن تفاعلات الهجرة وتأثيراتها لا تحدث تلقائيًا، وإنما يعتمد حدوثها على سياسات وترتيبات تتبناها دول الإقليم. وتتفاوت هذه الترتيبات الثنائية والإقليمية لتنظيم الهجرة، سواء أكانت اتفاقيات رسمية تضمن حرية انتقال الأفراد بين الدول، أم كانت اتفاقيات تعاون اقتصادي وتجاري تتضمن بنودًا تضمن هذه الحرية، أم ترتيبات غير رسمية وبرامج ومشروعات للتعاون غير المنتظم. وتتطلب الحالة الأولى التنسيق الكامل لتحقيق التجانس والتوافق في التشريعات الوطنية المنظمة للهجرة بين الدول المتعاونة، والتي قد تصل إلى منح حرية الانتقال والعمل والتعليم والحصول على خدمات الرعاية الاجتمعية. وقد وصلت بعض المنظمت الإقليمية إلى هذه الدرجة من التنسيق كم هو الحال في دول الاتحاد الأوروبي؛ فبحلول عام 2017، وصل عدد مواطني الدول الأوروبية الذين يعيشون ويعملون في دول أوروبية أخرى إلى نحو 17 مليون مواطن، وينطبق ذلك على بعض الأقاليم في العالم النامي. فقد نجحت دول الشرق والغرب الأفريقي من خلال منظمتها الإقليمية في تبني نظم تضمن حرية انتقال الأفراد، وإن كان تطبيق هذه النظم يجابهه عدد من التحديات15. ويشير باحثون إلى تلك التحديات التي تواجه التعاون الثنائي والإقليمي في مجال تنظيم الهجرة بصفة عامة، وهجرة العملة بصفة خاصة؛ فهناك أولً صعوبة الاتفاق على نطاق التعاون ودرجة حرية الانتقال نتيجةً للمخاوف من زيادة الأعباء على الحكومات الوطنية، أو بسبب وجود بعض التخوفات الأمنية، أو ضغط الرأي العام ضد السمح بحرية الانتقال، خاصة في الأقاليم التي يسود فيها اختلاف في مستوى التنمية الاقتصادية بين الدول المجاورة. وفي حالة الاتفاق على نطاق التعاون، تثار في بعض الأحيان صعوبات التطبيق والمتابعة والتقييم، وما يرتبط بهذه الأعباء من ضرورة وجود أجهزة وطنية مؤهلة وقادرة على القيام بهذه المهمت. وتواجه عمليتا المتابعة والتقييم في كثير من الأحيان صعوبات تتعلق بعدم توافر معلومات دقيقة عن حجم المهاجرين، وقد تتنصل بعض الدول من الالتزامات التي وقعت عليها لأسباب سياسية على الرغم من قدرتها على تنفيذها. يضاف إلى هذه المعوقات صعوبات أخرى، لا تتعلق بسياسات تنظيم الهجرة

  1. Nita et al. (eds.), pp. xvi-xvii.

على نحو مباشر، بل بسياسات اقتصادية واجتمعية أخرى ذات صلة؛ منها توفير خدمات التعليم والصحة للمهاجرين، وحمية حقوق العملة المهاجرة، وتنفيذ قوانين لمكافحة التمييز، ولتشجيع دمج المهاجرين في المجتمعات المستقبلة16. تمثل حالة التكامل على المستوى الثنائي بين مصر والسودان حالة خاصة، بما يجمعهم من صلات اجتمعية وسياسية واقتصادية ممتدة في عمق التاريخ. ويمثل العنصر البشري في هذه الحالة العنصر الأبرز لهذا التكامل، وقد انعكست أهميته على الاتفاقيات الثنائية وجوانب تطبيقها في واقع الممرسة. وبرزت في مواجهة مسارات التكامل، أيضًا، معوقات تحفزها الاعتبارات السياسية والأمنية والاجتمعية حدت من تدفقات العنصر البشري. وقد ركزت نظريات التكامل ونظريات الهجرة، خاصة الكلاسيكية منها، على العوامل الاقتصادية. وعلى المستوى الكلي، ركزت نظريات الهجرة على مساهمة العوامل البنيوية للمجتمع الرأسملي واختلال الأجور والدخول، في الهجرة من دول الجنوب إلى دول الشمل، أو الهجرة بين الأقاليم، والريف والحضر في الدولة الواحدة. أما نظريات المستوى الجزئي، فقد ركزت على عوامل الطرد والجذب الاقتصادية، وتأثيرها في قرارات الأفراد المتعلقة بالهجرة. هذه النظريات كانت تستهدف فهم حركة الهجرة في داخل الدول الرأسملية، أو فيم بين الدول التي تؤدّي فيها قوى السوق التأثير الأكبر. وقد التفتت النظريات الحديثة إلى دور العوامل الاجتمعية، ومنها رأس المال الاجتمعي الذي يوفر للمهاجرين الجدد شبكة علاقات اجتمعية تسمح لهم بالانتقال إلى المجتمع الجديد18. في حالة الهجرة بين مصر والسودان، تبرز بشدة العوامل السياسية وتأثيرها؛ فحركة الأفراد بين الحدود ظلت تتأثر بتصورات النخب لأولويات الأمن القومي، وكذلك بدور الدولة في تنظيم هذه الحركة، وعلاقتها بسياسة الدولة الخارجية، وبقضايا المواطنة والحقوق. وإذا كانت هذه القضايا في السياقات الغربية الديمقراطية يحكمها تأثير جمعات المصالح ونقاشات الرأي العام حول الهوية الوطنية وتأثير سياسات الهجرة للدول في هذه الهوية19، فإن حالة الدراسة تبرز تأثير الحساسيات السياسية التاريخية في الإدراكات المتبادلة بين الشعبين، والتقلبات السياسية المرتبطة بتغيير الأنظمة الحاكمة، وغلبة الاعتبارات الأمنية، وتعقيدات التركيبة الاجتمعية، خاصة على الجانب السوداني. تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد على المستوى المفاهيمي تعريف قانوني متفق عليه للمهاجر، إلا أن هيئات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للهجرة، تعرّفه باعتباره أي شخص ينتقل إلى بلد غير بلد إقامته الأصلية على نحو مؤقت أو دائم لأي سبب من الأسباب20. ويعد هذا التعريف تعريفًا واسعًا يشمل من

  1. Ibid., pp. 3 - 4; Sonja Nita, "Free Movement of People within Regional Integration Processes: A Comparative View," in: Nita et al. (eds.), pp. 35 - 37.
  2. James Hollifield & Tom Wong, "The Politics of International Migration," in: Caroline Brettell & James Hollifield (eds.), Migration Theory: Talking Across Disciplines (New York: Routledge, 2022).
  3. Who Is a Migrant," The International Organization for Migration (IOM), 2019, accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/45ejl55

يهاجر طوعًا لأسباب اقتصادية، ومنهم العملة المهاجرة، أو لأغراض الدراسة، أو المهاجرين قسرًا هروبًا من حرب أو اضطهاد سياسي. إلا أن الفئة الأخيرة، التي ينطبق عليها قانونيًّا وصف اللاجئين، تنظّم حركتَها وحقوقها أطرٌ قانونية خاصة ومختلفة، في مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951، وبروتوكول عام 1967 الخاصان بوضع اللاجئين. ونظرًا إلى وجود وضع خاص للاجئين، فإن المواثيق والإعلانات الدولية العامة المتعلقة بالهجرة، ومنها "إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين" الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2016، غالبًا ما تميز بين الفئتين، وتعترف للاجئين بحمية خاصة رغم تعرض الفئتين أحيانًا لتحديات مشتركة ومتمثلة21. وبناءً على ذلك، مهّد إعلان نيويورك لتبني ميثاقين مختلفين للفئتين عام 2018، وهم: الميثاق العالمي للاجئين Refugees on Compact Global، والميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية.Global Compact for Safe, Orderly and Regular Migration تركز هذه الدراسة على المهاجرين الطوعيين، لا القسريين، لأسباب تتعلق بالعمل أو الدراسة، على الرغم من صعوبة التمييز بين المجموعتين، خاصة في حالة المهاجرين السودانيين إلى مصر؛ نظرًا إلى ارتباط الهجرة من السودان بظروف سياسية تتعلق بتوالي الانقلابات العسكرية والحرب في الجنوب، وفي دارفور، والحرب الأخيرة بين الكيانات العسكرية. ويعود هذا التركيز إلى أن اللاجئين السودانيين يعانون في الغالب المشكلات نفسها التي يعانيها غيرهم من اللاجئين في مصر. ووفقًا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2022، يبلغ عدد طالبي اللجوء السودانيين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نحو 55 ألف لاجئ، بما يوازي 1.3 في المئة فقط من المهاجرين السودانيين في مصر22. وتجدر الإشارة إلى ضرورة مراعاة التمييز بين حرية الانتقال بوصفه ترتيبًا تتفق عليه الدول وينطبق على الأفراد كافة من جهة، وهجرة العملة التي ترتبط بمؤهلات اقتصادية وترتيبات خاصة تعتمد على تحديد حاجة هذه الدول إلى كفاءات محددة من جهة أخرى.

ثانيًا: الهجرة بين مصر والسودان: الاتجاهات والترتيبات المنظمة

تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن هجرة السودانيين الحديثة إلى مصر تعود إلى القرن التاسع عشر، حينم كان السودان يخضع للحكم التركي - المصري في الفترة 1820 - 1885، ثم للحكم الثنائي المصري - البريطاني منذ عام 1899. ومن المعروف أن لهذه الظاهرة عمقًا تاريخيًا، فالتفاعل الإنساني بين شعبَي وادي النيل23والانتقال بين دولتيه يمتد تاريخيًا منذ العصور القديمة. يُشار بصفة خاصة إلى توسع الأسرة الثانية عشرة الفرعونية جنوبًا وسيطرة الأسرة الثامنة عشرة على بلاد النوبة، وسيادة مملكة كوش على جنوب مصر وشمل السودان في الألفية الأولى قبل الميلاد، ثم امتداد حكمها إلى شمل مصر. وبعد دخول الإسلام إلى السودان في القرن السابع الميلادي وقيام المملك الإسلامية في سنار ودارفور، تزايدت حركة الهجرة والتبادل الثقافي؛ فتوالى العلمء المصريون إلى مملك السودان الإسلامية، واستقبل الأزهر الشريف بعد إنشائه طلاب العلم السودانيين الذين شكلوا رواق السنارية. وفي القرن الثامن عشر، مثّل التبادل التجاري على طريق درب

  1. المنظمة الدولية للهجرة، أعداد المهاجرين في مصر في يوليو 022 2 (القاهرة: 2022)، ص.7
  2. United Nations, General Assembly. Resolution Adopted by the General Assembly: The New York Declaration for Refugees and Migrants (New York: 19/9/2016), accessed on 2/10/2023, at: https://tinyurl.com/yf5abfa4
  3. المرجع نفسه.

الأربعين، الذي امتد بين الفاشر في السودان وأسيوط في جنوب مصر، سببًا آخر لانتقال مجموعات بشرية، مؤقتًا، بين البلدين24. وعلى الرغم مم اعترض هذا المسار في مراحل بعينها من إشكاليات تاريخية، سيجري التعرض لبعضها في القسم التالي، فإن وشائج القربى على الصعيدين الاجتمعي والإنساني لم تنقطع بين الشعبين. نجد، مثلً، في ظل بروز شعارات وحدة وادي النيل بعد ثورة 1919 في مصر، أن عددًا من المثقفين السودانيين وزعمء الحركة الوطنية السودانية من القوى المدنية الشبابية الحديثة قد تأثر باتجاهات الحركة الوطنية المصرية وأفكارها، وانتقل بعضهم إلى القاهرة إيمانًا بوحدة مصير وادي النيل. ويوضح المفكر والسياسي السوداني أبو القاسم حاج حمد كيف كانت مصر بجامعاتها "قِبلة الشباب الوطني" المتطلع لمناهضة الاستعمر البريطاني، مشيرًا في ذلك إلى انتباه المستعمر لقوة هذا التيار، وفرضه "الستار الحديدي" على هجرة الشباب السوداني إلى مصر. في تلك الحقبة، حاولت سلطة الاحتلال في السودان منع هذه الهجرة، حتى إنهم منعوا أي طالب سوداني هارب إلى مصر من العودة إلى السودان. وفي الوقت نفسه، اعتبر حمد أن مصر لم تقدّم الدعم الكافي للمهاجرين من قيادات الحركة الوطنية السودانية إليها وللثورة السودانية عام 1924، ورصد شعور بعضهم بخيبة الأمل من ذلك25. والواضح أن هذه التجربة قد تركت انطباعًا سائدًا لدى السودانيين، وبرز رأي مفاده أن الوعود المصرية بمساعدة السودان لا يمكن التعويل عليها، ومن ثم بات عليه أن يعتمد على حركته الوطنية المستقلة26. ومع ذلك، ظلت التنظيمت السياسية الأيديولوجية اليسارية (مثل الحزب الشيوعي)، والدينية (مثل حركة الإخوان المسلمين)، تتأثر في خطابها وأفكارها وأشكالها التنظيمية بالتنظيمت الأم في مصر. ولم يكن مستغربًا أن بزغ تيار اتحادي قوي يدعم الوحدة مع مصر؛ لموازنة السيطرة البريطانية27. وبعد الحرب العالمية الثانية، التحق العديد من الطلبة السودانيين بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وشكلوا بعد استقلال بلادهم جزءًا من النخبة السياسية والثقافية في السودان28. استمرت الهجرة البشرية إلى مصر بعد استقلال السودان عام 1956، وساعد على ذلك اتفاقيات التكامل بين البلدين التي وقِّعت منذ سبعينيات القرن العشرين. ففي عام 1974 وقّع الرئيسان محمد أنور السادات (1970 - 1981) وجعفر النميري (1969 - 1985) "منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي"، وأقرت اللجنة الوزارية المنبثقة منه حريةَ انتقال الأيدي العاملة بين البلدين من دون قيود، وإلغاء تأشيرة الدخول، والسمح بازدواج الجنسيّتيَن؛ المصرية والسودانية، وذلك ضمن حزمة من الإجراءات للتكامل الاقتصادي32. وفي الأعوام

  1. عبد اللطيف، ص 23 - 22؛ يوسف فضل حسن، "لمحات من تطور العلاقات المصرية السودانية: منظور تاريخي"، في: العلاقات المصرية -  السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، أسامة الغزالي حرب (محرر) (جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1990)، ص 85 -.95
  2. محمد أبو القاسم حاج حمد، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل، مج 1 (لبنان: دار ابن حزم، 1996)، ص 245 -.249
  3. أبو بكر حسن، "التباين الإدراكي وأثره على مستقبل العلاقات السودانية  - المصرية"، ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الخرطوم، تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ص.4
  4. آدم محمد أحمد، "أثر الرؤى الأيديولوجية والسياسية على العلاقات السودانية  - المصرية"، ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الخرطوم، تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ص 6 - 7؛ إجلال رأفت،."عن العلاقات المصرية -  السودانية: رؤية مصرية"، السياسة الدولية، العدد 140 (نيسان/ أبريل 2000)، ص 54 - 56
  5. يونان لبيب رزق، "الخبرة التاريخية في العلاقات المصرية السودانية: محاور أساسية"، في: العلاقات المصرية  - السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ص.69
  6. الهيئة العامة للاستعلامات، تجارب وجهود التكامل بين مصر والسودان (القاهرة).2019:

الثلاثة التي تلت توقيع الاتفاقية، اتفقت الحكومتان على توفير عملة مصرية في بعض المجالات المهنية والعملية المطلوبة في السودان، ووقعتا اتفاقيةً لتنظيم هجرة العملة، فضلً عن توقيع اتفاقيات أخرى لقبول الطلبة السودانيين في الجامعات والمعاهد المصرية33. وفي عام 1982 جرى توقيع ميثاق التكامل المصري – السوداني، ونصت مواده على حرية الانتقال والإقامة والعمل والتملك وممرسة النشاط الاقتصادي34. وعلى الرغم من التوتر في علاقات البلدين بعد وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة في السودان عام 1989، فإن التحسن النسبي في مطلع الألفية قد ساهم في توقيع اتفاقية الحريات الأربع عام 2004، التي أعادت التأكيد على حقوق التنقل والإقامة والعمل والتملك35. غير أن تطبيق هذه الاتفاقيات واجه بعض العقبات. ومع ذلك، هاجر عدد من السودانيين إلى مصر؛ بسبب عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي في بلدهم، وقد سهّلت ذلك مشروعات الطرق بين البلدين في العقد الماضي؛ ففي عام 2015، افتُتح ميناء قسطل البري، ثم افتُتح ميناء أرقين بعد ذلك بعامين. ويتميز أرقين بطاقة استيعابية تُقدر بنحو 7500 مسافر يوميًا وأكثر من 300 شاحنة وحافلة36. وقد قلص الميناءان زمن الرحلة من مصر إلى السودان من 17 ساعة عبر النهر إلى نحو 5 ساعات، كم قللّا تكلفة نقل البضائع بنحو 75 في المئة. وتنتقل عن طريق الميناءَين 11 حافلة عبر قسطل، و 60 عبر أرقين. وتشير بعض المصادر إلى زيادة ملحوظة في عدد السودانيين المهاجرين إلى مصر منذ منتصف عام 2019 بصفة خاصة38، وقد يعزى ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي في السودان بسبب ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 وإطاحة الرئيس عمر البشير (1989 -.)2019 تشير الإحصاءات التي جمعها مكتب منظمة الهجرة الدولية بالقاهرة، من مصادر رسمية وغير رسمية، إلى أن عدد المهاجرين السودانيين في مصر قد وصل عام 2022 إلى 4 ملايين سوداني، مشكلين بذلك أكبر جالية أجنبية وأكثر من 40 في المئة من إجملي المهاجرين في مصر41. ويرصد المصدر نفسه اختلاف التقديرات حول عدد المهاجرين عمومًا والجالية السودانية خصوصًا. والجدير بالذكر أن قاعدة بيانات منظمة الهجرة الدولية ترصد أعدادًا إجملية للمهاجرين تقل كثيرًا عن هذا التقدير (وصلت عام 2020 إلى نحو 545 ألف مهاجر)، وهي توضح تطور إجملي عدد المهاجرين في البلدين خلال العقدين الماضيين، لكنها لا توضح تطور أعداد المهاجرين بصفة خاصة42. وبغض النظر عن هذا الاختلاف، فإن نسبة اللاجئين السودانيين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة، والذين يعتبرون مصر دولة عبور، يلجؤون بعدها إلى دول أخرى، كانوا يشكلون عام 2022 – كم سبقت

  1. 0 3  ميثاق التكامل الموقّع بين حكومة جمهورية السودان، وحكومة جمهورية مصر العربية، 1982، ملحق في: عبد اللطيف.
  2. اتفاق حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك الموقّع بين حكومة جمهورية السودان، وحكومة جمهورية مصر العربية، 2004، ملحق في: عبد اللطيف.
  3. سالي محمد فريد، "آفاق العلاقات الاقتصادية والفرص المتاحة بين مصر والسودان لتحقيق التنمية الاقتصادية"، ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الخرطوم، تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ص.19
  4. Sherif Mohyeldeen, The Egypt - Sudan Border: The Story of Unfulfilled Promise (Beirut: Carnegie Middle East Centre, 2020), pp. 10 - 11.
  5. المنظمة الدولية للهجرة، ص.7
  6. International Organization for Migration, Compare Countries/ Regions/ Sub-Regions for the Selected Indicator , Migration Data Portal, accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/3ZF0z5R
  7. زكي البحيري، "مشروعات التكامل بين مصر والسودان"، ورقة مقدمة في مؤتمر المثلث الذهبي: إمكانات التكامل والتنمية، معهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 5 -6  كانون الأول/ ديسمبر 2012، ص 4 -.5

الإشارة - نحو 55 ألف لاجئ؛ أي نحو 1.3 في المئة من إجملي المهاجرين السودانيين، وهذا يعني أن الأغلبية العظمى منهم ينتقلون إلى مصر من أجل الإقامة فترة طويلة، مقارنة بجنسيات أخرى تعتبر مصر بلد عبور تلجأ إليها مؤقتًا إلى حين انتقالها إلى بلد آخر. وقد أدت الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، منذ نيسان/ أبريل 2023، إلى زيادة عدد طالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في نهاية حزيران/ يونيو 2023 إلى نحو 77 ألف سوداني43. واستقبلت مصر بوصفها دولة الجوار الأقرب، العدد الأكبر من السودانيين الفارين من الحرب، وبلغ عددهم وفق المصادر الرسمية المصرية حتى حزيران/ يونيو 2023 أكثر من 250 ألف سوداني، ما يعادل نحو 60 في المئة من إجملي الفارّين إلى الدول المجاورة44. وفي المقابل، فإن عدد المهاجرين المصريين إلى السودان ضئيل جدًّا؛ إذ قدرته الإسكوا عام 2015 بنحو 14 ألف مهاجر لا يمثلون سوى 3 في المئة من المهاجرين الدوليين في السودان45. وتشير مصادر أخرى إلى زيادة العملة المصرية في السودان بعد توقيع اتفاقية الحريات الأربع لتصل إلى ما يراوح بين 80 و 100 ألف مهاجر46، بينم تقدرها مصادر أخرى بمئات الآلاف48. وعلى الرغم من صعوبة التأكد من دقة هذه الإحصائيات ووجود اختلاف بين تقديرات المصادر المختلفة، فإنّ في ذلك مؤشرًا عامًّا على اتجاهات الهجرة والإقامة بين البلدين. وإضافة إلى انتقال معظم هؤلاء المهاجرين للإقامة والعمل أو التعليم، فإن بعضهم ينتقلون من أجل الاستثمر. وتقدر المصادر الرسمية حجم الاستثمرات المصرية في السودان بنحو 2.7 مليار دولار لأكثر من مئتي شركة في مجالات الزراعة والصناعة (خاصة صناعات الإسمنت والحديد والأدوية والصناعات الغذائية) والنقل والطرق وخدمات الكهرباء والخدمات البنكية. وفي المقابل، تقدر هذه المصادر الاستثمرات السودانية في مصر بنحو 80 مليون دولار في نحو ثلاثمئة شركة في مجالات الصناعة والتجارة والسياحة والاتصالات52. وبصفة عامة، تأثَّر تطبيق اتفاقيات التكامل بين البلدين، خاصة الاتفاقيات المتعلقة بحرية الانتقال والإقامة، بعدد من الإشكاليات التي سيجري تفصيلها فيم يأتي.

ثالثًا: إشكاليات تطبيق اتفاقيات الانتقال والإقامة وترتيباتها: تأثير التقلبات السياسية والقيود الأمنية والاعتبارات الاجتمعية

من خلال مراجعة ما جرى خلال العقود الأربعة الماضية، يمكن رصد حقيقة تراجع تطبيق اتفاقيات التكامل التي ضمنت حرية انتقال الأفراد بين مصر والسودان، وهو تراجع ارتبط بتغير الحكومات وتقلب العلاقات السياسية

  1. 0 4  هاني رسلان، "تحت الاختبار: بوادر التقارب في العلاقات المصرية -   السودانية"، السياسة الدولية، العدد 197 (تموز/ يوليو 2014)، ص.89
  2. Rawia Tawfik, "Conflict and Cooperation in the Eastern Nile: The Role of Business," Working Paper , no. 26, African Peacebuilding Network, 2020, pp. 11 - 12; 2.7" مليار دولار استثمارات مصرية في السودان.. و 300 شركة سودانية بمصر.. وعلي الإدريسي: تقديم حوافز أكبر للمستثمرين يضمن ثبات حجم التدفقات الأجنبية"، البوابة نيوز، 2019/4/15، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3LKVxPz
  3. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، دراسة حول الهجرة الدولية في السودان (بيروت: 2017)، ص.7
  4. الجاليتان المصرية بالسودان والسودانية بمصر"، مصر وأفريقيا، القاهرة، 2019/3/10، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3S4lZaM

بين البلدين. كانت العلاقات الثنائية غالبًا ما تسوء في الفترات القصيرة للحكم المدني، وهو ما شك ل أساسًا للسردية السودانية التي ترى أن مصر تفضّل التعامل مع النظم العسكرية في السودان، ويدل على هذا أن اتفاقيات التكامل لم تُوقع إلا في عهد الحكومات العسكرية في السبعينيات والثمنينيات من القرن الماضي، وفي مطلع الألفية الجديدة. وقد دفع المهاجرون في بعض الأحيان ثمن هذا التغيير السياسي والتقلب في علاقات البلدين. ففي ظل توتّر علاقات حكومة الصادق المهدي (1986 - 1989) مع مصر، لجأ السودان إلى طرد الفنيين المصريين العاملين في مصانع الغزل والنسيج في مدني53. وكان المهدي قد أقدم على إلغاء اتفاقيات التكامل مع مصر الموقَّعة في عهد النميري، والتي تضمنت حرية الانتقال والإقامة بين البلدين، واستبدل بها ميثاق الإخاء الذي جاء بمبادئ عامة وعبارات فضفاضة حول التعاون وتنسيق المواقف54. ومع تدهور العلاقات بين نظامي الرئيسين محمد حسني مبارك (1981 - 2011) وعمر البشير في بداية التسعينيات، خاصة في أعقاب محاولة اغتيال مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، والتي قيل إن نظام البشير تورط فيها، تأثرت حركة انتقال السودانيين إلى مصر، وفرضت الأخيرة - لاعتبارات أمنية - العديد من القيود على هذه الحركة55، وكان من ضمن هذه الإجراءات معاملة السودانيين الراغبين في الإقامة في مصر بعد عام 1995 بوصفهم أجانب، عليهم التقدم بطلب للحصول على تأشيرات للدخول والإقامة. وزادت القيود على تسجيل السودانيين لأبنائهم في المدارس والجامعات المصرية الحكومية56، وينطبق الأمر نفسه على اتفاقية الحريات الأربع التي ظل تنفيذها مرهونًا بالعلاقات السياسية وتقلباتها بين البلدين57، ويمكن رصد مدى تنفيذ هذه الاتفاقية على النحو التالي. فيم يتعلق بحرية الانتقال والإقامة، التزم السودان لفترة بدخول المصريين إليه دون الحاجة إلى تأشيرة، ولكن مصر فرضت بعض القيود التي جرى تفسيرها بالتخوف من حدوث موجات واسعة للهجرة إلى مصر من مناطق النزاعات في السودان، حتى لو كان لجوؤهم إلى مصر مؤقتًا إلى حين الانتقال إلى بلد إقامة، أو اللجوء إلى بلد آخر58. وظلت التوترات الأمنية تضيف قيودًا جديدة على حركة الأفراد وانتقالهم وتؤثر في وضع المهاجرين؛ فمنذ إطاحة الرئيس محمد مرسي (2012 - 2013)، طلبت الحكومة المصرية من مواطنيها من الجنسين، الذين تراوح أعمرهم بين السادسة عشرة والخمسين عامًا، الحصول على تصريح أمني للسفر إلى السودان الذي فُرض منذ عام 2017 على المصريين الذين يراوح سنّهم بين الثامنة عشرة والخمسين عامًا الحصول على تأشيرة للدخول إليه61. كم تكررت شكاوى بعض السودانيين المقيمين في مصر في تلك الفترة من تعرضهم لمضايقات أمنية شملت التوقيف والتفتيش؛ ما دعا السفارة السودانية بالقاهرة إلى تقديم مذكرة إلى الخارجية المصرية التي نفت استهداف السودانيين62.

  1. نادر التجاني الفقي، "إمكانية تكامل دول المثلث الذهبي"، ورقة مقدمة في ندوة المثلث الذهبي: إمكانات التكامل والتنمية، معهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 5 - 6 كانون الأول/ ديسمبر 2012، ص 3 -.4
  2. ميثاق الإخاء بين مصر والسودان، 21 فبراير 1987"، ملحق في: عبد اللطيف؛ هاني رسلان، "مؤسسات التكامل بين الاستمرارية والتغير"، في: مستقبل التكامل السوداني في ظل الأوضاع والتحديات الراهنة، محمود أبو العينين (محرر) (القاهرة: معهد البحوث والدراسات الأفريقية، 2007)، ص 169 -.168
  3. المنظمة الدولية للهجرة، ص.7
  4. Mohyeldeen, p. 9.
  5. لمزيد من التفاصيل حول هذه التقلبات، ينظر: حسن علي الساعوري، "محددات تطور العلاقات السودانية  - المصرية"، ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الخرطوم، تشرين الأول/ أكتوبر 2017؛ جمال محمد السيد ضلع، "الثوابت والمتغيرات في العلاقات المصرية - السودانية"، في: المرجع نفسه.
  6. Mohyeldeen, p.12.
  7. شكري: لا تمييز أو معاملة سيئة للسودانيين في مصر"، المصري اليوم، 2015/11/19، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3th8oCN

ولمعالجة بعض مشكلات الانتقال والإقامة، اتفقت الحكومتان عام 2017 على مجموعة من الإجراءات التيسيرية؛ إذ جرى إعفاء جميع السيدات ومن هم فوق سن الخمسين ودون سن السادسة عشرة من تأشيرة الدخول. كم اتفق البلدان على إصدار تأشيرة إقامة مجانية مدتها ستة أشهر يمكن تجديدها مرة واحدة. ووافق الجانب المصري على أن يعامل السوداني المقيم في مصر قبل عام 1995 معاملة المصري64. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في أعداد السودانيين المقيمين في القاهرة منذ عام 2019، وتخلف بعضهم عن تجديد الإقامة، فإن الحكومة المصرية قررت عدة مرات إعفاء السودانيين من غرامات التأخير في التجديد، ومنحتهم مهلة لتحسين الأوضاع. وقد كانت تلك الإعفاءات تأتي في الغالب بتوجيهات رئاسية خلال زيارات رسمية سودانية إلى مصر تقديرًا للعلاقات بين البلدين65. ومن ضمن الامتيازات التي يتمتع بها السودانيون في مصر أيضًا معاملتهم على غرار نظرائهم المصريين في المستشفيات المصرية، وذلك تنفيذًا لبروتوكول وقعته وزارة الصحة المصرية مع نظيرتها السودانية عام 2018، وأصدرت السفارة المصرية بالخرطوم في66أيلول/ سبتمبر 2019 - بناء على توجيهات رئاسية - قرارًا بتخفيض المصروفات الدراسية للسودانيين في مصر بنسبة 90 في المئة67. وعلى الرغم من أن هذه الإعفاءات والامتيازات تيسر إقامة السودانيين في مصر، وتحد من بعض القيود المفروضة عليهم، فإن اعتمد معظمها على التوجيهات الرئاسية، بدلً من تنظيمها عن طريق قواعد مستقرة ومؤسسات مشتركة بين البلدين، يضفي عليها طابعًا شخصيًا يجعلها أكثر عرضة للتغير. وقد دفعت هذه الامتيازات، ورأس المال الاجتمعي المرتبط بإقامة الملايين من السودانيين في مصر، معظم السودانيين الفارّين من الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى التوجه إلى مصر تحديدًا. واستمرت مصر في السمح بدخول السيدات والأطفال ومن هم فوق سن الخمسين دون تأشيرة في الأسابيع القليلة الأولى من الحرب، إلا أنها لجأت في منتصف حزيران/ يونيو 2023 إلى فرض تأشيرة على كل السودانيين الراغبين في دخول مصر. وقد سوّغت السلطات المصرية هذا الإجراء باعتبارات أمنية، خاصة مع هروب عدد من المسجونين السياسيين والجنائيين من السجون السودانية، فضلً عن عملية أخرى ترتبط بالحاجة إلى رصد عدد السودانيين العابرين إلى مصر مع زيادة أعدادهم في ظل استمرار الحرب68، وقد ساهمت هذه الإجراءات الجديدة في زيادة معاناة السودانيين العالقين في المعابر، وتعرُّض الحكومة المصرية لبعض الانتقادات والمناشدات بتيسير عبور الفارين من الحرب71. أما فيم يتعلق بحرية العمل، فقد ظلّ هذا البعد تنظمه القوانين الخاصة بعمل الأجانب في البلدين؛ فعمل المصريين في السودان ييسره قانون تشجيع الاستثمر، نظرًا إلى القيود المفروضة على عمل الأجانب في قانون

  1. 0 5  "بيان مصري -   سوداني في ختام اجتماع اللجنة المشتركة: إلغاء الغرامات لمخالفي شروط الإقامة"، الأهرام، 2017/5/12، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/48DNUnC
  2. إعفاء السودانيين المقيمين بمصر من غرامات التأخير لتجديد الإقامة"، الأهرام، 2022/4/11، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3Q1Wzt3
  3. قرار هام من وزيرة الصحة بشأن المرضى السودانيين في مصر"، جريدة أخبار اليوم، 2018/7/4، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3rzyEaR
  4. سفارة مصر في الخرطوم تعلن تخفيض %90 من مصروفات الطلبة السودانيين"، اليوم السابع، 2019/9/30، شوهد في:2023/10/2، في https://bit.ly/3PX05or
  5. السوداني تستنطق السفير سامح فاروق قنصل جمهورية مصر في حوار قضايا الساعة والتساؤلات الساخنة"، صحيفة السوداني، 2023/8/19، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3PES4TR
  6. ينظر: "مصر: صد المدنيين الفارين من النزاع في السودان"، هيومان رايتس ووتش، 2023/7/13، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3EXy9dV

العمل السوداني. ووفقًا لقانون العمل المصري، يتقدم طالب استقدام العملة الأجنبية، بما فيها السودانية، بطلب إلى وزارة القوى العاملة، إلا أن العملة السودانية تُعفى من الرسوم72. وفيم يتعلق بحق التملك، فالقانون السوداني يحظر تملّكَ الأجانب الأراضي إلا بموافقة مجلس الوزراء، ويسمح بتأجيرها فحسب، وهو ما ظل يُطبَّق على المصريين المهاجرين إلى السودان للاستثمر و/ أو العمل في المجال الزراعي73. وفي مصر، يجيز القانون تملّك الأجانب الأراضي والعقارات، بينم يحظر عليهم تملك الأراضي الزراعية وما في حكمها74. وتتصل إشكالية تطبيق الحريات الأربع، خاصة الانتقال والإقامة، بدور الأجهزة الأمنية في تشكيل العلاقة بين البلدين بوجه عام، والتعامل مع السودانيين المهاجرين المقيمين في مصر على نحو خاص؛ إذ يلوم بعضُ المفكرين والسياسيين السودانيين تعاملَ مصر الأمني مع السودان75. ويعترف بعض الباحثين المصريين المتخصصين في شؤون السودان بأنّ جزءًا من إشكاليات تطبيق اتفاقية الحريات الأربع وغيرها من مشروعات التعاون يعود إلى غلبة الاعتبارات والنواحي الأمنية على الأبعاد الاجتمعية والثقافية والسياسية76. ولكنْ يشير استقبال مصر مئات الآلاف من السودانيين، مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى محاولتها الموازنة بين الاعتبارات الاجتمعية والإنسانية من جهة، والجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية من جهة أخرى. فبالرغم من أن هذه الحرب قد اندلعت في وقت تعاني فيه مصر أزمةً اقتصاديةً ضاغطةً، وعلى الرغم ممّ مثلته الزيادة المفاجئة لأعداد العابرين إلى الحدود المصرية وطالبي الإقامة فيها من ضغط على الأجهزة البيروقراطية المصرية، فقد حاولت الحكومة المصرية استيعاب هذه الضغوط وحشد بعض الدعم الدولي عن طريق تنظيم مؤتمر للاستجابة الإنسانية للتطورات في السودان في حزيران/ يونيو 2023. وفي أوائل الشهر نفسه، وجّه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، خلال زيارته لمصر، رسالةً إلى المجتمع الدولي تبيّ ضرورةَ توجيه الدعم إلى مصر وغيرها من دول جوار السودان؛ لتمكينه من مواجهة الأزمة77. أما على المستوييَن الشعبي والاجتمعي، فقد رأى حلمي شعراوي، الذي عمل مستشارًا في وزارة شؤون السودان بعد توقيع اتفاقيات التكامل في السبعينيات، أن هناك إشكالية تواصل مشتركة؛ فمن ناحية السودان، ثمة ما أسمه "النظرة الإقصائية" للمصري نتيجة الحساسيات التاريخية والشكوك الدائمة. ومن الناحية المصرية، لا يوجد احتكاكٌ كافٍ بالثقافة السودانية. وقد رصد شعراوي، على سبيل المثال، عزوف الأساتذة المصريين الذين ينتقلون إلى العمل في فرع جامعة القاهرة في الخرطوم، الذي أنشئ عام 1956

  1. 0 6  ينظر: أسماء الحسيني، "العلاقات المصرية - السودانية في عالم متغير"، السياسة الدولية، العدد 178 (تشرين الأول/ أكتوبر 2009)، ص.209
  2. Houssam Hariri & Mohamed Selim, "In Egypt, Refugees Tell UNHCR's Grandi 'Terrible Stories' of Conflict in Sudan," UNCHR, 3/6/2023, accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/46cY8K2
  3. جمهورية مصر العربية، مجلس الشعب، قانون رقم 12 لسنة 0032 بإصدار قانون العمل (2003)، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/48yPKX0
  4. عبد اللطيف، ص.158 - 157
  5. ينظر: "قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 15 لسنة 1963 بحظر تملك الأجانب للأراضي الزراعية وما في حكمها"، الجريدة الرسمية، 1963/1/19، شوهد في 2023/10/2، في: https://tinyurl.com/4hj7cpfu
  6. عبد اللطيف، ص 56 - 55؛ محجوب محمد صالح، "العلاقات المصرية السودانية وإشكالات الإدراك المتبادل"، في: العلاقات المصرية  - السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ص.147 - 146

وحوّله نظام الإنقاذ إلى جامعة النيلين بعد التوتر بين البلدين في منتصف التسعينيات، عن التفاعل مع الأساتذة السودانيين وغيرهم من شرائح المجتمع السوداني78. ويقدر بعض الكتاب السودانيين أن اختلاف التركيبة الديموغرافية في البلدين قد أثر في العلاقات، وإن لم يؤثر في حركة هجرة السودانيين إلى مصر تأثيرًا واضحًا، حيث يتميز النسيج الاجتمعي السوداني بالتنوع الثقافي والعرقي، بينم تتميز الأمة المصرية بالتجانس النسبي80. وقد خلقت هذه الأبعاد الاجتمعية تناقضات في اندماج السودانيين المهاجرين إلى مصر. فمن ناحية، ظلت مصر إحدى الوجهات المفضلة للمهاجرين السودانيين سواء للإقامة الطويلة للعمل والتعليم أو القصيرة للعلاج وغير ذلك من الشؤون، وساعد على ذلك التقارب التاريخي والثقافي بين الشعبين. ومن ناحية أخرى، تتكرر شكوى السودانيين وغيرهم من أصحاب البشرة السمراء من سوء معاملة بعض المصريين، وترصد بعض التقارير الإعلامية والحقوقية تعرضهم لعنف لفظي، وأحيانًا بدني81. ويردّ بعض المتخصصين والمتابعين المصريين على ذلك بوصم السودانيين بالحساسية المفرطة والمبالغة في تصوير الحوادث الفردية على أنها اتجاه عام للتعامل المصري مع السودانيين المقيمين في مصر82. وإلى جانب هجرة العملة والمواطنين السودانيين، استقبلت مصر العديد من السياسيين السودانيين الذين لجؤوا إليها لأسباب مختلفة؛ ما خلق إشكاليات إضافية. فبعد إطاحة الرئيس النميري في ثورة نيسان/ أبريل 1985، لجأ إلى مصر التي منحته حق اللجوء السياسي؛ ما أثار غضب قوى الثورة التي طالبت مصر بتسليمه83. وبعد توتر العلاقات الثنائية في منتصف التسعينيات، فتحت المعارضة السودانية، ممثلة بًالتحالف الوطني الديمقراطي الذي جمع أحزاب المعارضة الشملية، ومنها الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة القومي والحركة الشعبية لتحرير السودان القائدة للحرب في الجنوب، مكاتب لها في القاهرة84، وظل نشاط هذه الأحزاب والحركات مثارًا للخلاف بين البلدين حتى بعد تحسن العلاقات مع نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة85. وبعد نشوب الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، انتقلت بعض الرموز من الأحزاب والقوى المدنية إلى مصر، حتى تلك المنتمية إلى جبهات كانت رؤيتها السياسية بعيدة عن الموقف المصري، مثل قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي. وكانت هذه الأخيرة وبعض رموزها قد انتقدت في مواقف مختلفة ما اعتبرته دعمً مصريًا لإطاحة الحكومة المدنية الانتقالية في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، ولقوى الثورة

  1. حلمي شعراوي، سيرة مصرية - أفريقية (القاهرة: دار العين، 2019)، ص 277 -.278
  2. حسن ساتي، "حركة المد والجزر في العلاقات السودانية المصرية"، السياسة الدولية، العدد 106 (تشرين الأول/ أكتوبر 1991)،.ص 122 - 123
  3. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، مصر: حماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، التقرير الموازي المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم (القاهرة: 2007)؛ "Egypt: Sudanese Struggle in the Streets of Cairo," Relief Web , 29/1/2008, accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/3F0dSnO
  4. حامد، "كلمة افتتاحية"، في: العلاقات المصرية -   السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ص.22
  5. ساتي، ص.123
  6. Harry Verhoeven, Water, Civilization and Power in Sudan: The Political Economy of Military - Islamist State- Building (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 124.
  7. رضوى السيسي، "السودان تطالب مصر بإغلاق مكاتب المعارضة السودانية بالقاهرة"، البوابة نيوز، 2016/1/9، شوهد في 2023/10/2، ف:ي https://bit.ly/3EWxtp4

المضادة التي أيدت هذه الإطاحة وشكلت قوى الحرية والتغيير- الكتلة الديمقراطية. وقد أشارت قوى الحرية والتغيير - المجلس المركزي إلى "أن الموقف المصري من التطورات السياسية في السودان في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة يحتاج لمراجعات عميقة تتطلب تفاكرًا حقيقيًا على المستوى الرسمي والشعبي بين البلدين"86. وقد اتخذ المجلس المركزي هذا الموقف على الرغم من تأكيد مصر عبر تصريحات رسمية أنها لا تدعم طرفًا على حساب آخر. وفي هذا السياق، يدل لجوء بعض رموز الجبهة إلى مصر بعد الحرب على بعض التناقضات والتعقيدات التي تتميز بها العلاقات بين البلدين بصفة عامة، وحركة الهجرة واللجوء بينهم بصفة خاصة. وفي المقابل، ظل لجوءُ بعض منتسبي الجمعات الإسلامية إلى السودان إبان تحالف حسن الترابي مع البشير، وفتح السودان أبوابه للجمعات الإسلامية، محلّ نقاش بين الأجهزة الأمنية من الطرفين قبيل توقيع اتفاقية الحريات الأربع92. وبعد ما حدث في مصر عام 2013، مثّل لجوء بعض قيادات جمعة الإخوان المسلمين إلى السودان أحد القضايا الخلافية بين البلدين، وازدادت القيود الأمنية التي وضعتها مصر على انتقال المصريين إلى السودان93. وإضافة إلى هذه الإشكاليات العامة، فإن هناك بعض المعوقات التي أثرت في إمكانية تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتمعي القائم على تعاون العملة المصرية المهاجرة إلى السودان، خاصة في مجال الزراعة، مع نظيرتها السودانية للاستفادة من الموارد الزراعية السودانية لمصلحة البلدين.

رابعًا: الهجرة والتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان: المعوقات والتحديات

بعد استقلال السودان وتوقيع اتفاقيات التكامل المصري - السوداني، انتقد عدد من السياسيين والمثقفين السودانيين عدم قيام مصر باستثمرات زراعية في السودان، تقوم عليها عملة مصرية مهاجرة، بما يحقق التكامل بين الخبرة المصرية والإمكانات الزراعية السودانية. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن مصر - بعدد سكانها المتزايد الذي يمثل أكثر من ضعف عدد سكان السودان، وأراضيها الزراعية المحدودة بالشريط الضيق حول وادي النيل، والتكلفة المالية الكبيرة للاستثمر في الأراضي الصحراوية - كان عليها أن تتجه إلى الدفع بعملة مصرية تتعاون مع العملة السودانية لاستغلال أراضي السودان الخصبة، التي تقدرها بعض المصادر بنحو 200 مليون فدان قابل للزراعة، مزروع منها بالفعل أقل من 20 في المئة، وقد فسر هؤلاء عدم سعي مصر للاستثمر في الأراضي الزراعية السودانية بتخوفها من زيادة سحب السودان من مياه النيل، وهو ما يؤثر في كمية المياه الواصلة إلى مصر94.

  1. 0 7  رسلان، "مؤسسات التكامل"، ص.175 - 174
  2. عبد اللطيف، ص 44 - 47؛ ينظر أيضًا: Rawia Tawfik, "Beyond the River: Elite Perceptions and Regional Cooperation in the Eastern Nile," Water Alternatives , vol. 12, no. 2 (June 2019), p. 668.
  3. Mohyeldeen, p. 12.
  4. قوى الحرية والتغيير - لجنة الاتصال والعلاقات الخارجية، بيان: قوى الحرية والتغيير ترفض المشاركة في ورشة القاهرة"، قوى الحرية والتغيير، فيسبوك، 2023/1/18، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3PWPE46

كانت الحكومات السودانية المتعاقبة منذ عهد النميري قد طرحت فكرة جذب الاستثمرات لتصبح السودان سلة غذاء العالم العربي95، وطرح الرئيس السابق عمر البشير فكرة التكامل بين الموارد المائية والزراعية السودانية والموارد البشرية والخبرة المصرية ورأس المال الخليجي لتحقيق الأمن الغذائي العربي، وهو التصور الذي كانت تناقشه لجان التكامل المنبثقة من منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي الذي وقعته البلدان المعنية بذلك في السبعينيات. وقد أولى نظام البشير اهتممًا خاصة بجذب الاستثمرات في المجال الزراعي، خاصة بعد توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 الذي مهّد لانفصال جنوب السودان بثرواته النفطية التي كانت تمثل نحو 95 في المئة من صادرات السودان96. لكن حالت الحساسيات التاريخية وتقلبات العلاقات السياسية، والمعوقات البيروقراطية، والمعارضة الداخلية السودانية لسياسات نظام البشير وإدارته العلاقة بين مكونات المجتمع السوداني، دون تحقيق هذه الرؤية التكاملية القائمة على العنصر البشري المصري والإمكانات الزراعية السودانية. وظل حاضرًا في الوعي السوداني أن استغلال الموارد البشرية والطبيعية كان أحد الأسباب الرئيسة لفتح محمد علي السودان عام 1820، وعلق في أذهان السودانيين تاريخ تجارة الرقيق وجلب آلاف السودانيين لتجنيدهم في القوات المصرية خلال تلك الفترة، وما واكب ذلك من معاناة بشرية أرّخت لها بعض الكتابات97. ويرى عدد من السياسيين والمثقفين السودانيين أنه على الرغم من أن حكم محمد علي لمصر والسودان كان تحت السيادة الاسمية للإمبراطورية العثمنية، فإن جزءًا من النخبة السياسية والثقافية المصرية في تلك الفترة، وحتى بعد استقلال السودان، قد تشكّل لديها إدراك مفاده أنّ لمصر حقوقًا تاريخية وقانونية في دولة جنوب الوادي. وقد خلقت هذه الحساسيات معارضة من بعض القوى السودانية للاستثمرات الزراعية المنفذة بأياد مصرية في السودان. وأشار شعراوي إلى المعارضة السودانية للتلميحات المتكررة المتعلقة بمجيء عملة مصرية زراعية للعمل في مشروع الجزيرة في مدني بوسط السودان. وأشار كذلك إلى انتشار الشائعات المرتبطة باستقدام عملة مصرية للعمل في منطقة قناة جونغلي بجنوب السودان التي بدأ تنفيذها بالتعاون بين البلدين في منتصف السبعينيات لتقليل الفاقد من مياه النيل؛ ما أثار معارضة جنوبية للمشروع وصلت إلى حد الهجوم عليه وتوقفه. وبعد توقيع اتفاقية الحريات الأربع، تجددت المعارضة الداخلية السودانية لاستقدام عملة مصرية زراعية للعمل في الأراضي السودانية. وزعم بعض الناشطين السودانيين وجود خطط مشتركة غير معلنة بين نظامي الرئيسين محمد حسني مبارك وعمر البشير لتوطين ملايين من المصريين في الأراضي الزراعية في شمل السودان من أجل دعم الأمن الغذائي وتخفيف آثار الزيادة السكانية في مصر على حساب السودان وجمعاته المحلية في الشمل. في هذا الإطار، نقل محمد جلال هاشم، الناشط والقيادي البارز في الحركة الشعبية لتحرير

  1. خالد فهمي، كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، ترجمة شريف يونس (القاهرة: دار الشروق، 2000)، ص 145 - 148؛ حسن أحمد إبراهيم، "رؤية سودانية للعلاقات التاريخية المصرية - السودانية"، في: العلاقات المصرية  - السودانية بين الماضي. والحاضر والمستقبل، ص 39 - 52؛ رزق، ص 59 - 60
  2. عبد اللطيف، ص 25 - 27؛ إبراهيم، ص 39 -.43
  3. Verhoeven, pp. 69 - 74.
  4. Tawfik, "Conflict and Cooperation," p. 17.
  5. شعراوي، ص 276؛ محمد عبد الغني سعودي، "تقييم تجربة التكامل الاقتصادي في إطار ميثاق التكامل"، في: مستقبل التكامل المصري السوداني، ص.120 - 118

السودان، عن بعض الصحف السودانية المنشورة في تلك الفترة، عقد مفاوضات لتوطين ملايين المزارعين المصريين في المثلث النوبي في شمل السودان (حلفا، ودنقلة، والعوينات) الذي يشمل ملايين الفدادين من الأراضي الخصبة ومخزونًا وفيرًا من المياه الجوفية. وقد ربط هاشم هذه الخطط بالحديث المتواتر عن بعض القيادات في نظام البشير، والمثقفين المقربين من النظام آنذاك، حول ضرورة تحقيق التوازن الديموغرافي بين العناصر العربية والأفريقية في السودان، وحمية الهوية العربية للسودان في مواجهة النزعة الأفريقية للسودانيين على وجه العموم، والنوبيين على وجه الخصوص. وقد ربط باحثون مصريون بين توقيع اتفاقية الحريات الأربع ومفاوضات السلام الدائرة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، معتبرين أن أحد أهداف هذه الاتفاقية كان الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية في الوقت الذي تحاول فيه الحركة الشعبية التحالف مع الأطراف في مواجهة الحكومة في الخرطوم تحقيقًا لرؤيتها للسودان الجديد الذي تمثل فيه العناصر العربية أقلية في إطار مجتمع متعدد، ورصد هؤلاء الباحثون حديث عبد الرحيم محمد حسين، وزير الداخلية السوداني آنذاك، عن الضغوط السكانية والغذائية التي تحتم على مصر النظر إلى الجنوب للاستثمر وتحقيق التنمية بما يتناسب مع مصالح البلدين. وقد تكررت الانتقادات السودانية للهجرة المحتملة لمزارعين مصريين إلى السودان حينم تواترت أنباء في كانون الأول/ ديسمبر 2010 عن استثمرات مصرية في مشروع الجزيرة، حيث انتقد بعضهم نيّة الحكومة المصرية متهمً إياها باستغلال ظروف السودان السياسية والسعي لاستغلال موارده المائية والزراعية لتعويض محدودية موارد مصر المائية، خاصة مع تفاقم مشكلة المفاوضات حول الاتفاقية الإطارية الجديدة للتعاون في حوض النيل، والتي وقعت عليها معظم دول منابع النيل عام 2010، ورفضتها مصر والسودان. وبصفة عامة، تختلف الآراء حول رد فعل السودانيين تجاه الاستثمرات المصرية وهجرة العملة الزراعية المصرية إلى السودان. فبعض المتخصصين والمتابعين يعتبر أنه لا يوجد موقف مناوئ للجمعات المحلية في السودان تجاه العملة والاستثمرات المصرية على وجه الخصوص، وأن موقفهم المعارض ينطبق على كل الاستثمرات والعملة الأجنبية نتيجة التخوف من نزع الحكومة السودانية لملكية أراضيهم، وفقدانهم فرص العمل التي سيحظى بها العمل المهاجرون. وعلى جانب آخر يعتبر بعضهم أن هذا الموقف ينطبق على الاستثمرات والعملة المصرية أكثر من غيرها، حيث تثير الجمعات المحلية الشكوك حول الدوافع المصرية من ورائها. يستدعي الرأي الأول سببًا مضافًا يتعلق بالعراقيل أمام الاستثمرات الأجنبية عمومًا في المجال الزراعي في السودان. فعلى الرغم من الاهتمم الرسمي بجذب هذه الاستثمرات، فإن مناخ الاستثمر لم يوفر الظروف المواتية لتشجيعها، فقد أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص العملات الأجنبية لتوفير بعض المدخلات، وتعدد الجهات والإجراءات التي يتعامل معها المستثمر سواء على المستوى الاتحادي أو مستوى الولايات،

  1. Ali Abdalla Ali, "Egypt's Takeover of Sudan's Gezira Scheme," Sudan Tribune , 19/12/2010, accessed on 2/10/2023, at: https://bit.ly/3RCwKkp
  2. Tawfik, "Conflict and Cooperation," pp.18 - 19.
  3. رسلان، ص.179 - 174

وعدم التنسيق بين هذه الجهات والمستويات، وعدم مشاركة الجمعات المحلية في القرارات الخاصة بإقامة المشروعات ومنح امتيازات الاستثمر في الأراضي الزراعي، إلى إحجام العديد من المستثمرين الأجانب عن الاستثمر في هذا المجال أو تنفيذ استثمراتهم المخططة. يعني ذلك أن المعوقات البيروقراطية ساهمت أيضًا في ضعف الاستثمرات المصرية الزراعية في السودان، كم ساهمت على مدى فترات زمنية مختلفة في عرقلة تطور العلاقات بين البلدين. وبغض النظر عن هذه الاختلافات حول تقييم الاستثمرات المصرية في المجال الزراعي في السودان، فإنّ المؤكد أن الخطط، أو المزاعم المرتبطة بتنفيذ هذه الاستثمرات واستقدام ملايين الفلاحين المصريين للعمل بهذه الأراضي، لم تتحقق. فكم سبقت الإشارة، لم تتجاوز الهجرة المصرية إلى السودان مئات الآلاف، ولم تتجاوز الاستثمرات في الزراعة كذلك مئات الآلاف من الفدادين لبعض الشركات الكبيرة (شركة القلعة على سبيل المثال)، إضافة إلى أحياز صغيرة لبعض المزارعين في الولاية الشملية وولاية نهر النيل. وقد كان للخبرة السلبية لمشروع الدمازين، الذي نفذته الحكومتان في ولاية النيل الأزرق في أعقاب اتفاقية التكامل عام 1976 والذي لم تستطع الدولتان الحفاظ عليه من تأثيرات التقلبات السياسية والعقبات البيروقراطية، دورٌ في الإحجام المصري عن تنفيذ مشروعات زراعية ضخمة في السودان. وفي ظل ذلك، لم يكن غريبًا أن تعمل معظم العملة المصرية في السودان في مجالات أخرى غير الزراعة، مثل البناء والتشييد والخدمات والاتصالات والبترول.

خاتمة وتوصيات

منذ ما يزيد على ثلاثة عقود لاحظ بطرس بطرس غالي التناقض بين طبيعة العلاقات القديمة بين الشعبين المصري والسوداني بالمعنى الاجتمعي والإنساني، والواقع السياسي والاقتصادي والأمني للعلاقات الثنائية. يطابق هذا الرأي ما يكشفه تحليل أنماط الهجرة والانتقال بين البلدين، ويطرح السؤال عن أسباب استمرار هذا التناقض. فمن ناحية، توافد على مصر ملايين السودانيين على مدى قرون سعيًا للعيش في أوضاع سياسية واقتصادية أكثر استقرارًا، أو طلبًا للعلم أو للاستثمر، واستقبل السودان مئات الآلاف من المصريين الذين عملوا في مجالات التشييد والزراعة والخدمات والتعليم. وقد سهلت الاتفاقيات التي وقعها البلدان، والتي ضمنت حرية الانتقال والإقامة والعمل، حركة الهجرة بين البلدين، وأتاحت بعض الترتيبات والامتيازات الاستثنائية ظروفًا أفضل للمهاجرين من البلدين، كم يَسّ التقارب الاجتمعي والثقافي التفاعل بين الشعبين. ومن ناحية أخرى، فرض عدم التطبيق الكامل لاتفاقيات التكامل لاعتبارات سياسية وأمنية قيودًا على المهاجرين، ومنعت الحساسيات التاريخية والمعوقات البيروقراطية وتعقد التكوين الاجتمعي للمجتمع السوداني من تكامل خبرة العملة المصرية المهاجرة مع الموارد السودانية لتقديم نموذج للتكامل الاقتصادي في المنطقة العربية والقارة الأفريقية.

  1. حسن بشير محمد نور، "الاستثمار الأجنبي في السودان: المخاطر والسلبيات وأساليب التوافق مع المعايير العالمية"، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية العلمية، العدد 4 (2015)، ص 133 -.139
  2. شعراوي، ص.283 - 282
  3. Tawfik, "Conflict and Cooperation," pp. 13 - 21.
  4. المستشار العمالي في الخرطوم: العمالة المصرية في السودان تتزايد تحت وهم قيمة الجنية السوداني الجديد"، المصري اليوم، 2009/3/23، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/3F1imLa
  5. بطرس بطرس غالي، "كلمة افتتاحية"، في: العلاقات المصرية -   السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ص.15

تكشف الدراسة تأثير الاعتبارات السياسية والاجتمعية والمعطيات التاريخية التي شكلتها في مقابل الاعتبارات الاقتصادية التي غالبًا ما تركز عليها نظريات الهجرة والتكامل. وبينت أثر الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية في السودان بوصفها عوامل طاردة تشير إليها نظريات الهجرة، وكيف أنها مثلت شبكة العلاقات الاجتمعية، وبعض الامتيازات الخدمية التي يتمتع بها السودانيون في مصر عوامل جذب مقابلة. وقد وفّرت موارد السودان الطبيعية وفرصها الاقتصادية، خاصة بعد توقيع اتفاقية الحريات الأربع واتفاقية السلام الشامل، عوامل جذب للعملة المصرية. لكن الأسس الاقتصادية للتكامل بين الموارد السودانية والعملة المصرية لم تكن وحدها كفيلة بتقديم نموذج ناجح للتكامل الإقليمي. عمومًا، يكشف هذا الجدل حول العملة والاستثمرات المصرية في المجال الزراعي الأثر السلبي للحساسيات التاريخية المتعلقة بالدور المصري في السودان، ويطرح السؤال بخصوص استمرارها. في الوقت نفسه، يعكس الجدل من جهة السودان الأثر السلبي للخلاف حول الهوية السودانية، واختلال أسس التعايش بين مكونات المجتمع السوداني من عرب وأفارقة، وتسييس النظم المتعاقبة هذه الخلافات، وبخاصة نظام البشير. ومن ثم، فإن النموذج المنشود القائم على تكامل خبرة العملة المصرية المهاجرة مع الموارد السودانية من الصعب أن يتحقق في المدى القصير، حتى إن توافرت الإرادة السياسية للحكومات. وفي ضوء ما تقدم، توصي الدراسة ببعض الإجراءات التي يجدر على الحكومات العمل عليها، وكذا مؤسسات المجتمع المدني، التي من شأنها أن تخفف القيود وتعالج جملة من التحديات التي يواجهها المهاجرون من البلدين: ضرورة الرصد الدقيق لأعداد المهاجرين. وكان هذا الأمر، خاصة ما يتصل بحجم الجالية السودانية في مصر، مثارًا للخلاف، وقد غابت الحقيقة فيه بسبب ميل مصر إلى المبالغة في تقدير هذا الحجم، بينم مال السودان إلى تقديم تقديرات متواضعة عنه. على الرغم من صعوبة التطبيق الكامل لاتفاقية الحريات الأربع في الوقت الحالي مع زيادة التحديات الأمنية والتعقيدات السياسية، خاصة في ظل استمرار المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع وعدم وجود أفق واضح للتسوية، فإن بعض الإجراءات قد تيِّسِّ الحصول على تصاريح وتجديدها، ومن ذلك ما أوصى به رئيس الجالية السودانية بمصر في فترة سابقة من زيادة فترة الإقامة لتكون عامًا بدلً من ستة أشهر. المجابهة الحاسمة، وبخاصة من جانب الحكومة المصرية، لممرسات التمييز، وتفعيل الأدوات القانونية لمواجهة بعض حوادث العنف اللفظي أو البدني والتمييز على أساس اللون أو الجنسية. وهو أمر من الضروري إيضاحه حتى إن كانت حوادث فردية. إن المهم إنفاذ القانون والالتزام بالإعلانات والمواثيق الدولية، ومنها إعلان حقوق غير المواطنين الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1985، واتفاقية حقوق العمل المهاجرين وأفراد أسرهم التي اعتمدت بقرار من الجمعية العامة عام 1990، وهذا التزام على الدول لا مفر منه. والبلَدان يقران، وفق الاتفاقيات التي وقّعاها، بحق المهاجرين في عدم التعرض لمعاملة مهينة، وحقهم في العمل في ظل ظروف آمنة وبأجرٍ عادل. وتؤكد اتفاقيات الهجرة على مناهضة التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة وتأمين السلامة للعمل المهاجرين وأسرهم، والتمتع بظروف عمل تضاهي تلك التي يتمتع بها العملة الوطنية. وبالنسبة إلى حقوق العمل

المهاجرين من السودان وغيرها، ومع تزايد حجم هذه العملة في مصر في العقد الأخير، فإنه من المهم تسهيل إجراء بحوث ميدانية لرصد التمييز الذي يتعرض له هؤلاء العاملون وتطوير الأطر التشريعية المناسبة لحمية حقوقهم. تفعيل دور المجتمع المدني في تعزيز بيئة مواتية للمهاجر، وهو جهد مطلوب على نحو عاجل لتحسين التواصل الاجتمعي للسودانيين المقيمين في مصر وبعض قطاعات المجتمع المصري المتعاملين معهم. ولا يتوقف الأمر عند منظمت المجتمع المدني، فالمنابر الإعلامية مطالبة بالقيام بدورها في رفع الوعي بأهمية هذا البعد الشعبي في علاقات البلدين، والتنبيه إلى تأثير أي خبرة سلبية عليها، حتى إن كانت فردية أو محدودة. وفي هذا الصدد يوصي المجتمع المدني الحقوقي بإنشاء مرصد لحوادث العنف المختلفة التي قد يتعرض لها المهاجرون من السودان وغيرها، والتواصل مع الأجهزة الحكومية للتعامل معها. أبرزت أزمة تدفق السودانيين على مصر، في وقت قصير، وبأعداد كبيرة، على إثر الاشتباكات المسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، الحاجة إلى التواصل الفعال مع الرأي العام المصري، وتوعيته بشأن سياسة مصر المتعلقة بالهجرة واللجوء. استقبلت بعض العائلات في الجنوب المصري بعض السودانيين الفارّين من الحرب بالترحيب، ودشن بعض الناشطين المصريين على مواقع التواصل الاجتمعي حملة لمناشدة الحكومة المصرية بالسمح لكل السودانيين بالدخول دون تأشيرة. ولكنّ جانبًا من المجتمع المصري قلق بشأن التداعيات الاقتصادية والاجتمعية لاستقبال اللاجئين من جنسيات عربية وأفريقية، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية. كم ترددت عدة أقاويل عن تأثير تدفق اللاجئين في أسعار الخدمات العامة وجودتها. وهي أمور تحتاج إلى الإجابة الواضحة عنها، وتجاوز السردية التي تركز على الاحتفاء بالنموذج المصري في التعامل مع اللاجئين، وهو نموج قائم على رفض فتح معسكرات لإيوائهم وإدماجهم في المجتمع المصري، لتحليل مزايا هذا النموذج ومثالبه وشرح أسباب اختياره للرأي العام، والتعاون مع منظمت المجتمع المدني في الداخل للتعامل مع الأزمات الطارئة المرتبطة بالزيادة المفاجئة للاجئين في فترة معينة ومع ملف الهجرة واللجوء بصفة عامة. قد يكون إدراك هذه الحاجة سببًا في طرح القانون الجديد المتعلق بلجوء الأجانب وتحسين أوضاعهم، والذي وافق عليه مجلس الوزراء المصري في حزيران/ يونيو 2023. ويستحدث القانون "لجنة دائمة لشؤون اللاجئين" تعنى برصد أعداد اللاجئين والتنسيق مع المؤسسات الوطنية والدولية بشأن أوضاعهم. وعلى منظمت المجتمع المدني والجمعة الأكاديمية في المستقبل متابعة هذا القانون وتقييمه بعد الموافقة عليه من مجلس النواب وتطبيقه. على الرغم من أنه من غير المأمول على المدى القصير قيام استثمرات زراعية مصرية ضخمة في السودان تتعمد على عملة مصرية وسودانية، فإن السودان في حاجة، بعد انتهاء الحرب وتولي حكومة جديدة منتخبة، إلى التعاون مع مصر وفتح الدعوة للقطاع الخاص المصري العامل في هذا المجال حتى لو كان ذلك بتوجيه استثمرات جديدة متوسطة الحجم. ويجدر توثيق بعض نماذج الاستثمرات المصرية في السودان التي حققت قدرًا من النجاح؛ للاستفادة من خبرتها، وللاحتفاء بنجاحها، على الرغم من التحديات التي تواجهها العلاقات الثنائية.

  1. مجلس الوزراء يوافق على إصدار قانون لجوء الأجانب وتشكيل لجنة لشؤون اللاجئين"، الهيئة الوطنية للإعلام، 2023/6/7، شوهد في 2023/10/2، في: https://bit.ly/46wVte3

المراجع

العربية

أحمد، آدم محمد. "أثر الرؤى الأيديولوجية والسياسية على العلاقات السودانية - المصرية". ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية. مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. الخرطوم (تشرين الأول/ أكتوبر.)2017

البحيري، زكي. "مشروعات التكامل بين مصر والسودان". ورقة مقدمة في مؤتمر المثلث الذهبي: إمكانات التكامل والتنمية. معهد الدراسات الأفريقية. جامعة القاهرة. 5 - 6 كانون الأول/ ديسمبر.2012

التوم، على عثمن. "نحو علاقات استراتيجية بين دول حوض النيل". السياسة الدولية. مج 40، العدد 185 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2004

جمهورية مصر العربية. مجلس الشعب. قانون رقم 12 لسنة 2003 (2003:). في https://bit.ly/48yPKX0 حسن، أبو بكر. "التباين الإدراكي وأثره على مستقبل العلاقات السودانية - المصرية". ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية. مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. الخرطوم (تشرين الأول/ أكتوبر.)2017

الحسيني، أسمء. "العلاقات المصرية - السودانية في عالم متغير". السياسة الدولية. العدد 178 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2009

حمد، محمد أبو القاسم حاج. السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل. مج 1. لبنان: دار ابن حزم،.1996 رأفت، إجلال. "عن العلاقات المصرية - السودانية: رؤية مصرية". السياسة الدولية. العدد 140.(نيسان/ أبريل 2000)

رسلان، هاني. "تحت الاختبار: بوادر التقارب في العلاقات المصرية - السودانية". السياسة الدولية. العدد 197 (تموز/ يوليو.)2014

ساتي، حسن. "حركة المد والجزر في العلاقات السودانية المصرية". السياسة الدولية. العدد 106 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1991

الساعوري، حسن علي. "محددات تطور العلاقات السودانية - المصرية". ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية. مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. الخرطوم. تشرين الأول/ أكتوبر.2017

شعراوي، حلمي. سيرة مصرية - أفريقية. القاهرة: دار العين،.2019

عبد اللطيف، الأمين. العلاقات السودانية - المصرية ورؤية مستقبلية. الخرطوم: مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية،.2006

العلاقات المصرية - السودانية بين الماضي والحاضر والمستقبل. أسامة الغزالي حرب (محرر). جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،.1990

فريد، سالي محمد. "آفاق العلاقات الاقتصادية والفرص المتاحة بين مصر والسودان لتحقيق التنمية الاقتصادية". ورقة مقدمة في مؤتمر العلاقات السودانية - المصرية. مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. الخرطوم. تشرين الأول/ أكتوبر.2017

الفقي، نادر التجاني. "إمكانية تكامل دول المثلث الذهبي". ورقة مقدمة في ندوة المثلث الذهبي: إمكانات التكامل والتنمية. معهد الدراسات الأفريقية. جامعة القاهرة. 5 - 6 كانون الأول/ ديسمبر.2012

فهمي، خالد. كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة. ترجمة شريف يونس. القاهرة:.دار الشروق، 2000

فياض، هاشم نعمة. "مفاهيم نظرية في الهجرة السكانية: دراسة تحليلية مقارنة". عمران. مج 7، العدد 26 (خريف.)2018

"قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 15 لسنة 1963 بحظر تملك الأجانب للأراضي الزراعية وما في حكمها". الجريدة الرسمية. 1963/1/19:. في https://tinyurl.com/4hj7cpfu

اللجنة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا). دراسة حول الهجرة الدولية في السودان. بيروت: إسكوا،.2017 المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، مصر: حمية حقوق العمل المهاجرين وأفراد أسرهم، التقرير الموازي المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحمية حقوق جميع العمل المهاجرين وأفراد أسرهم. القاهرة.2007:

مستقبل التكامل السوداني في ظل الأوضاع والتحديات الراهنة. محمود أبو العينين (محرر). القاهرة: معهد البحوث والدراسات الأفريقية،.2007

المنظمة الدولية للهجرة. أعداد المهاجرين في مصر في يوليو 022 2. القاهرة.2022:

نور، حسن بشير محمد. "الاستثمر الأجنبي في السودان: المخاطر والسلبيات وأساليب التوافق مع المعايير العالمية". مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية العلمية. العدد).2015(4

الهيئة العامة للاستعلامات. تجارب وجهود التكامل بين مصر والسودان. القاهرة.2019:

الأجنبية

Balasa, Bela. The Theory of Economic Integration. London: Taylor Garnett Evans and Co., 1961. Brettell, Caroline & James Hollifield (eds.). Migration Theory: Talking Across Disciplines. New York: Routledge, 2022.

Frankinhaeuser, Malin, Daria Huss & Justanya Seges Frelak. Making the Case for Regional Cooperation on Migration and Mobility. Vienna: International Centre for Migration Policy Development, 2018.

Hagen-Zanker, Jessica. "Why People Migrate? A Review of the Theoretical Literature." Working Paper 2. Maastricht: Maastricht Graduate School of Governance, 2008.

Hashim, Muhammad Jalal. "The Dams of Northern Sudan and the Policy of Demographic Engineering." International Journal of African Renaissance Studies. vol. 5, no. 1 (2010).

International Organization for Migration. Migration Data Portal. Compare Countries/ Regions/ Sub-Regions for the Selected Indicator. at: https://bit.ly/3ZF0z5R

Landman, Todd & Edzia Carvalho, Issues and Methods in Comparative Politics. 3 rd ed. New York: Routledge, 2008.

Mohyeldeen, Sherif. The Egypt-Sudan Border: The Story of Unfulfilled Promise. Beirut: Carnegie Middle East Centre, 2020.

Nita, Sonja et al. (eds.). Migration, Free Movement and Regional Integration. Paris, UNESCO, United Nations University - Comparative Regional Integration Studies, 2017.

Schniederheizer, Claas et al. Regional Integration and Migration between Low and Middle- Income Countries: Regional Initiatives Need to be Strengthened. Buenos Aires: Consejo Argentino para las Relaciones Internacionales, 2018.

Schuerkens, Ulrike. "Transnational Migration and Social Transformations: A Theoretical Perspective." Current Sociology. vol. 53, no. 4 (2005).

Tawfik, Rawia. "Beyond the River: Elite Perceptions and Regional Cooperation in the Eastern Nile." Water Alternatives. vol. 12, no. 2 (June 2019).

_______. "Conflict and Cooperation in the Eastern Nile: The Role of Business." Working Paper no. 26. African Peacebuilding Network (2020).

United Nations Development Programme. "The Sdgs in Action: What are the Sustainable Development Goals?" at: https://bit.ly/3f2UxsA

United Nations. High Commissioner for Refugees. Refugee Context in Egypt. 30/6/2023. at: https://bit.ly/3ZCdqWu

United Nations. Global Compact for Safe, Orderly and Regular Migration. New York: UN, 2018. United Nations, General Assembly. Resolution Adopted by the General Assembly: The New York Declaration for Refugees and Migrants. New York: 19/9/2016. at: https://tinyurl.com/yf5abfa4

Verhoeven, Harry. Water, Civilization and Power in Sudan: The Political Economy of Military-Islamist State-Building. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.