Return to Article Details Judicial Independence in Post-2013 Egypt: Current Status and Reform Proposals

استقلال القضاء في نظام ما بعد عام 2013 في مصر: الوضع الراهن ومقترحات للإصلاح

Judicial Independence in Post-2013 Egypt: Current Status and Reform Proposals

شمس الدين الحجاجي | Shams Al Din Al Hajjaji

الملخّص

ملخص: تتناول هذه الورقة قضية استقلال القضاء في نظام ما بعد عام 2013 في مصر، وتبحث في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية وتداعيات ذلك على النزاهة القضائية وتحقيق العدالة. وتحلل التشريعات والمواد الدستورية التي تنظم القضاء، ثم تتناول بالتفصيل التعديلات التي طرأت عليها منذ عام 2013 من خلال تحليل المعوقات الرئيسة لاستقلال القضاء، ومنها توسيع اختصاص القضاء العسكري، ومحاكمة القضاة المعارضين للحكومة، وعدم قدرة القضاء على حمية السيادة المصرية. وتقترح جملة من التوصيات لإصلاح السلطة القضائية، منها إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وبناء قواعد واضحة للمساءلة والتأديب، فضلً عن تحديد شروط عادلة لتعيين القضاة.

Abstract

Abstract: This paper explores the issue of judicial independence in the post-2013 regime in Egypt. It specifically analyses the dynamics between the executive and the judiciary, highlighting the consequences on judicial integrity and justice. The analysis focuses on the constitutional legislation that governs the judiciary, subsequently delving into revisions made to this legislation since 2013. It explores the primary impediments to the independence of the judiciary, encompassing the increasing scope of the military judiciary's authority, the prosecution of judges who express dissent towards the government, and the court's incapacity to safeguard Egyptian sovereignty. The paper presents several ideas aimed at reforming the judiciary, including the restructuring of the Supreme Judicial Council, the establishment of transparent accountability and disciplinary regulations, and the implementation of equitable criteria for the recruitment of judges.

الكلمات المفتاحية:
  • مصر
  • السلطة التنفيذية
  • السلطة القضائية
  • استقلال القضاء
  • القضاء العسكري
  • التعديلات الدستورية
  • إصلاح القضاء.
Keywords:
  • Egypt
  • Executive Authority
  • Judiciary
  • Judical Independence
  • Military Justice
  • Constitutional Amendments
  • Judicial Reform

مقدمة

اتخذت الصراعات القضائية في مصر (سواء الصراعات الداخلية في أروقة مؤسسات القضاء ذاته، أو الصراعات الخارجية مع الأطراف الحكومية الأخرى) أشك لً مختلفة، كانت تتحدد تبعًا لطبيعة النظام السياسي الحاكم في حينه1. فخلال عهدَي جمل عبد الناصر (1956 - 1970) وعبد الفتاح السيسي (-2014)، مضى النظام في استبعاد القضاة مستندًا إلى ادعاء انتمئهم إلى جمعات الإسلام السياسي، بينم في عهد محمد أنور السادات (1970 - 1981)، وبدرجة أقل في عهد محمد حسني مبارك (1981 - 2011)، اتّخذ الصراع شكلً داخليًا مكتومًا. صحيح أنه في عهد الأخير تمتع القضاة بحرية حركة أكبر ومعارضة النظام من دون مخاطرة كبيرة، على عكس ما كان في عهد عبد الناصر وما هو قائم اليوم، لكن نظام مبارك استخدم أدوات للتحكم جعلت القضاة من أنصار النظام يحظون بأفضل المناصب والإعارات والمزايا، بينم كان يكافح المعارضون منهم، ويعملون في ظروف سيئة وبأجور متوسطة2. قبل انقلاب عام 2013، كان السيسي وزيرًا للدفاع في عهد الرئيس محمد مرسي (2012 - 2013)، وقد استطاع أن يحظى بدعم من العديد من الأطراف السياسية. وقد حضر خلال إلقاء خطاب الانقلاب جميع ألوية الجيش الكبار، وشيخ الأزهر، ورأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومحمد البرادعي (رئيس حزب الدستور، ممثلً للحركة الليبرالية)، وزعمء من جمعة إسلامية أخرى (مثل حزب النور، وهم جمعة سياسية سلفية)3. كان الهدف من وجود ممثلي القوى السياسة هؤلاء ذا شقين: أولً، انتزاع الشرعية للانقلاب بتوفير دعم من غالبية الأحزاب والقوى السياسية في مصر، وبما يوحي بأنه تمثيل معبر عن غالبية مواطنيها. فالأزهر هو رمز الإسلام المعتدل الذي يتبعه كثير من المصريين، في حين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي أكبر كنيسة في مصر4. ثانيًا، تصوير جمعة الإخوان المسلمين على أنها جمعة منعزلة، كانت تحاول حكم مصر منفردةً5. وقبل صعود السيسي إلى سدة الحكم، حقق دفْعه بالقاضي عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيسًا مؤقتًا للبلاد (2013 - 2014) ميزتين عمليتين: أولًالحؤول دون نشوب صراع على السلطة داخل الجيش في توقيت حرج كهذا. وثانيًا، خفض مستوى انتقاد الجيش، لا سيم أن المجلس العسكري قد اعترضته انتقادات شديدة خلال الفترة التي تلت إطاحة مرسي6. لكنّ أهمية هذه الفترة تكمن في صوغ جمعية تأسيسية جديدة، وإصدار دستور

  1. ينظر: Nathan J. Brown & Hesham Nasr, "Egypt's Judges Step Forward: The Judicial Election Boycott and Egyptian Reform," Policy Outlook Democracy and the Rule of Law , Carnegie Endowment for International Peace, 25/5/2005, accessed on 8/10/2023, at: https://shorturl.at/fvHN1; ينظر أيضًا: طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، ص 115 -.120
  2. Factbox: Who are Egypt's Coptic Christians," Reuters , 28/4/2017, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/wa6652v8 ; "Egypt's Coptic Orthodox Church allows Marriage Ceremonies with Limited Guests at Church," Ahram Online , 30/4/2020, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/vb7gxvw7
  3. Ashraf El Sherif, "The Muslim Brotherhood and the Future of Political Islam in Egypt: Part 2 of a Series on Political Islam in Egypt," Carnegie Endowment for International Peace (October 2014), accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/2mhvaqwp

2014. في سياق نظام ما بعد عام 2013، شهدت الهيئة القضائية عودة التيار المنحاز إلى السلطة؛ إذ عاد أحمد الزند، رئيس نادي القضاة الأسبق، إلى موقفه السياسي الأصلي على يمين السلطة7. في حين ظل تيار استقلال القضاء (وكان هدفه تعزيز استقلالية السلطة القضائية وضمن فصل السلطات والبعد عن التدخلات السياسية والضغوط الخارجية)، مهمشًا ولم يعد قط إلى وضعه السابق. راح الزند وأنصاره في الهيئة القضائية يوجهون النقد الحاد إلى زملائهم من القضاة من حركة استقلال القضاء وقضاة مصر. في هذا السياق، أحيل قضاة تيار الاستقلال والتيارات الأخرى المناهضة للانقلاب على لجنة تأديبية، بتهمة خرقهم المادة 73 من قانون السلطة القضائية. واتُّخذ توقيع بعضهم على وثيقة تتعاطف مع أعضاء جمعة الإخوان المسلمين دليلً على الانخراط السياسي لهؤلاء القضاة. في المقابل، مارس الزند وأنصاره السياسة بلا حد، واختارت وزارة العدل غضّ الطرف عنهم، وتسلّم الزند منصب وزير العدل في عام 2015. وبسبب هذا التحول، وقع ما يمكن اعتباره مذبحة ثانية للقضاة، وقد امتدت فصولها من عهد منصور وحتى نهاية الولاية الأولى للسيسي8. تركز هذه الورقة على الوضع الحالي لاستقلال القضاء في مصر، وتشمل تفحص استقلال القضاء في ظلّ قانون السلطة القضائية لعام 1973، والتعديلات التي أجريت عليه منذ عامُ 2013، فضلً عن اقتراح بعض الإصلاحات لمعالجة أوجه الخلل الرئيسة في استقلال القضاء. وتتضمن الورقة ثلاثة أجزاء رئيسة: يركز الأول على الوضع القانوني لاستقلال القضاء في مصر، ويعرض الثاني لما طرأ من تغيرات على استقلال القضاء بعد عام 2013، من خلال تحليل أربعة معوقات رئيسة لاستقلاله، هي: توسيع اختصاص القضاء العسكري، وتكثيف محاكمة القضاة المعارضين للحكومة، وعدم قدرة القضاء على حمية السيادة المصرية، وتعديل تعيين القضاة. أمّا الجزء الأخير، فيتعلق بأفكار الإصلاح المقترحة لاستقلال القضاء، ويشمل إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وبناء قواعد للمساءلة، وصوغ شروط عادلة لتعيين القضاة. وتنتهي الورقة بخاتمة مقتضبة.

أولً: الوضع القانوني لاستقلال القضاء

يمثل القضاء حجر الزاوية في حمية الحرية والعدالة، وهو ضمنة تقي من القمع والاضطهاد وغيرهم من أشكال التعسف التي تمارسها السلطة التنفيذية وجهازها البيروقراطي9. تؤكّد هذا المعنى أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تشدد على استقلال القضاء. فقد ذهبت إلى أن "إسباغ الصفة القضائية على أعمل أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين يفترض أن يكون اختصاص هذه الجهة محددًا بقانون، وليس بأداة تشريعية أدنى، وأن يغلب على تشكيلها العنصر القضائي الذى يلزم أن تتوافر في أعضائه ضمنات الكفاية والحيدة والاستقلال، وأن يعهد إليها المشرع بسلطة الفصل في خصومة بقرارات حاسمة لا تخضع لمراجعة أية سلطة غير قضائية، دون ما إخلال بالضمنات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها، والتي تقوم

  1. Ibid.
  2. في ما يتعلّق بمذبحة القضاة في عام 1969، ينظر: Sarah Wolff, "Constraints on the Promotion of the Rule of Law in Egypt: Insights from the 2005 Judges' Revolt," Democratization, vol. 16, no. 1 (2009), p. 102. في ما يتعلّق بمذبحة القضاة في عام 2016، ينظر: Ahmed Abouelenein, "How Egypt's Crackdown on Dissent Ensnared Some of the Country's Top Judges," Reuters Investigates , 18/10/2016, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/0hnkuyw3
  3. Archibald Cox, "The Independence of the Judiciary: History and Purposes," Dayton Law Review , no. 1 (1995 - 1996), p. 565.

في جوهرها على إتاحة الفرصة المتكافئة لتحقيق دفاع أطرافها، وتمحيص ادعاءاتهم، على ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفًا، ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكدًا للحقيقة القانونية مبلورًا لمضمونها في مجال الحقوق المدعى بها أو المتنازع عليها"11. في التاريخ الدستوري للقضاء المصري، جرى النّص على مبدأ استقلال القضاء مرارًا13. وعلى الرغم من أنّ دستوري 1923 و 1930 لم يذكرا هذا الاستقلال، كان يجري جبْ هذا النقصان عبر وجود قانون منفصل لاستقلال القضاء، شكّل الأساس لقوانين السلطة القضائية في حينه18. وبعد حركة الضباط التي أطاحت الحكم الملكي في عام 1952، حافظت دساتير الأعوام 1956 و 1958 و 1963 و 1971 على وجود نص بشأن استقلال القضاة، لكن لم يصحب هذا أي شكل من أشكال الاستقلال للمؤسسة. وعلى هذا المنوال، أكد دستور 2012 (الفصل الثالث، المواد 168 - 173)، ثم دستور 2014 على استقلال القضاء19، وخصص الأخير قسمً منه لهذا الغرض، بعنوان "السلطة القضائية". وجاءت المادة 186 منه لتنصّ على أنّ: "القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات". كذلك تنص المادة 94 من دستور 2014: "تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمنات أساسية لحمية الحقوق والحريات"20. وتنصّ المادة 184 منه على أنّ "السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقًا للقانون، ويبين القانون صلاحياتها"21. إضافة إلى ذلك، تنصّ المادة 185 على أنَّه "تقوم كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها"22. وفيم يخصّ استقلال الميزانية، تنص المادة ذاتها في فقرتها الثانية على أنّه "يكون لكل هيئة قضائية موازنة مستقلة، يناقشها مجلس النواب بكامل عناصرها، وتدرج بعد إقرارها في الموازنة العامة للدولة رقمً واحدًا، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها"23. هكذا بالعموم وعلى مستوى النص، يمكن القول إنّ دستور 2014 قد منح القضاء امتيازات غير مسبوقة في اتجاه استقلاله، وبخاصة في نواحي الإدارة والميزانية واختيار الكادر. ومعها يمكن الادعاء أن مفهومًا ضيقًا للاستقلال قد غلب على توجهات الدستور، جعل من الاستقلال "حكمً ذاتيًا" يضع حواجز بين السلطات وليس استقلالً بالمعنى القضائي المعتبر لهذا المبدأ، والذي يحقق المبدأ السياسي في الفصل بين السلطات، ويتأسس على التوازن والرقابة المتبادلة بين القضاء والسلطتين التنفيذية والتشريعية، والتي تتحقق من خلال جملة من الضوابط والتوازنات. وبعبارة أدق، يمكن تلمس ملامح لمزيجٍ يجمع ما بين استقلال القضاء Judicial Independenceوالتنظيم الذاتي للقضاة.Judicial Autonomy

  1. 0 1  جمهورية مصر العربية، المحكمة الدستورية العليا، الحكم رقم 79 لسنه 41 قضائية (2020)، شوهد في 2023/10/23، في: https://tinyurl.com/3ta67958
  2. عمرو الشلقاني، ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية (القاهرة: دار الشروق، 2013)، ص.277
  3. جمهورية مصر العربية، دستور جمهورية مصر العربية الصادر 0142 والمعدل في 019 2، المادة.186
  4. المرجع نفسه، المادة.1 /185
  5. المرجع نفسه، المادة.2 /185

ولبيان ذلك، نوضح ابتداءً أن مبدأ استقلال القضاء يتضمن أربع ضمنات رئيسة، وهي24:

التشريعية، ما لم يكن هناك تعديل دستوري. أشكال الضغط السياسي. أن يخضع القضاء المستقل لضوابط وتوازنات مع السلطتين التنفيذية والتشريعية25.

ممرسات يتسم بها الاستقلال الذاتي للقضاة:

موازنة مستقلة".

رؤساء المحاكم الابتدائية.

غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون"31. خضع للتغيير على النحو الذي نعرضه في الجزء التالي. ألّ يكون القضاة عرضة لأي شكل من أشكال الضغط الخارجي أو أي التزام بخلاف مقتضيات العدالة. ألّ تخضع قرارات المحاكم للتعديل إلا بحكم قضائي، ويمنع أي تعديل لها بالطرائق التنفيذية أو أن يكون النص القانوني هو المصدر الوحيد للأحكام القضائية، وأن تُتخذ بمعزل عن أي شكل من

أمّا الاستقلال الذاتي القضائي، فيشير إلى امتناع أشكال الرقابة المتبادلة وغيرها من الضوابط والتوازنات فيم بين السلطة القضائية والسلطتين التنفيذية والتشريعية. ويمكن بيان التميز بينه وبين استقلال القضاء في خمس

عدم خضوع الميزانية القضائية لأي رقابة من السلطات التشريعية، ولا تجري مناقشتها علانية. في دستور 2014 تنص المادة 185 على أن "تقوم كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها. ويكون لكل منها يُنتدب العديد من القضاة لأداء الواجبات الإدارية ومهمت القضاء. ويكون وزير العدل المصري ونوابه وكبار المسؤولين العموميين في وزارة العدل إمّا قضاة وإمّا قضاة سابقين. وعلى الرغم من أن وزير العدل جزءٌ من السلطة التنفيذية، فإنه يتمتع أيضًا بسلطة قبول معظم أعضاء السلطة القضائية. يؤدي وزير العدل الدور الأساس في ترقية أعضاء السلك القضائي ونقلهم ومساءلتهم، وكذلك في ترشيح يدير مجلس القضاء الأعلى عملية تعيين القضاة. وينعكس أثر السلطة التنفيذية بصفة واضحة في فرض الضوابط الأمنية على عملية الاختيار، وهذا له تأثير سلبي في مجمل هذه العملية. كذلك للسلطة التنفيذية القدرة على استبعاد بعض المرشحين الذين لهم نشاط سياسي أو سجل جنائي33. القضاة مسؤولون أمام نظرائهم من القضاة، وليس أمام السلطة التشريعية (مثال الولايات المتحدة الأميركية)، أو لجنة مكونة من قضاة وسلطتين أخريين تشريعيتين (مثال ألمانيا). ويحدد دستور عام 2014 القاعدة العامة المتعلقة بمثل هذا الاستقلال في المادة 18634 التي تنصّ على أنّ "القضاة مستقلون وإجملً، هذا هو الوضع القانوني لاستقلال القضاء بحسب ما ورد على مستوى النص في دستور 2014، والذي

  1. Shams AlHajjaji, Judicial Accountability in Egypt (Luxembourg: Luxembourg University Press, 2022), p. 260.
  2. Rafael La Porta et al., "Judicial Checks and Balances," Journal of Political Economy , no. 112 (2004), pp. 447 - 449.
  3. AlHajjaji, p. 261.
  4. Ibid.
  5. Ibid.

ثانيًا: التعدي الت التي أ حدثت بخصوص استقلال القضاء منذُ عام 2013

.توسيع نطاق القضاء العسكري 1

وسّع نظام ما بعد 30 حزيران/ يونيو اختصاص القضاء العسكري على نحوٍ غير مسبوق، وبات يضطلع بدور حيوي في النظام السلطوي في مصر35. والغاية من ذلك إبعاد القضايا المتعلقة بأنشطة الجيش عن أي تقاضٍ مدني، وإفراد القضاء العسكري باختصاص حصري فيها. وأحد أهداف هذا الاختصاص الحصري هو حمية استثمرات الجيش الذي يمتلك بنية كبيرة من الشركات المنخرطة في الاقتصاد المدني36، والتي تحظى بميزات غير تنافسية، منها عدم الخضوع لمنظومة الضرائب37. يعكس دستور 2014 هذه الأهداف في المادة 204 المتعلقة بالقضاء العسكري. وبالمثل، فإن المدنيين الذين يهددون تلك المصالح الاقتصادية38سيردعهم أن تُعرض قضاياهم أمام القضاء العسكري. على الرغم من أن دستور 2014 يحظر محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية؛ إذ نصت المادة /204 2 على أنّه "لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري"40، فإن المادة ذاتها تسمح باستثناءات واسعة للغاية لهذه القاعدة، فتنص على ما يلي: "لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري، إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المنشآت التي تتولى حميتها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمل وظائفهم"41. في كانون الأول/ ديسمبر 2013، سُئل اللواء مدحت رضوان، رئيس القضاء العسكري، خلال مقابلة تلفزيونية، إن كانت منشآت الجيش، مثل نوادي القوات المسلحة، ومنافذ المصانع التي يديرها الجيش، ومحطات الوقود مفتوحة للجمهور44، فأكّد أنه لا فرق بين منشأة عسكرية للمدنيين ومنشأة عسكرية للجيش، فكلتاهم مكان عسكري: "هذا الشخص اللي يؤدي هذه الخدمة هل بيفرق]هل يتميز] عن الجندي القاعد على دبابة. يعني هو ذنبه أنه بيخدم في هذا المكان؟"45. أجابت المذيعة: "بس دا مجال

  1. 0 3  المرجع نفسه.
  2. جمهورية مصر العربية، دستور جمهورية مصر العربية الصادر 014 2، المادة.204
  3. المرجع نفسه، المادة.2 /204
  4. المرجع نفسه، المادة.3 /204
  5. محاكمةعسكريةللىهيتخانقمععاملبنزينةالوطنيةواللىمشعاجبهيسيبالبلد"، يوتيوب، 2013/12/2، شوهد في 2023/9/10، ف:ي https://urlis.net/eiv6ijky

مدني"، فكان الردّ: "لا، بعد إذن سيادتك"51. وضمن هذا الغرض الحمئي، أدرجت محاكمة المدنيين الذين يهددون المصالح السياسية للجيش في صلاحيات القضاء العسكري. واستخدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن بعده السيسي، القضاء العسكري بديلً من القضاء العادي. وأمامه حوكم كثير من المدنيين، سواء في أثناء ثورة 2011 أم بعدها. وقد أشارت تقارير حقوقية أن أكثر من 11 ألف مواطن قُدموا للمحاكمة أمام محاكم عسكرية منذ كانون الثاني/ يناير 2011 وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2014.55وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 وحده، حوكم 820 مدنيًا أمام القضاء العسكري56. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2014، حوكم كبار قادة الإخوان المسلمين أمام محاكم عسكرية. وبين تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 ونيسان/ أبريل 2016، حوكم 7400 مدني أمام محاكم عسكرية57. ومحاكمة مثل هذه الأعداد الكبيرة من المواطنين أمام محاكم عسكرية هي دليل على تزايد حضور القضاء العسكري في الحياة السياسية والقانونية في مصر.

2.التوسع يف محاكمة القضاة المعارضين

أطلق النظام يد مجلس القضاء الأعلى وإدارة التفتيش القضائي ووزارة العدل في التحقيق مع أي قاضٍ أثير الشك في دعمه جمعة الإخوان المسلمين، مطالبًا بأن يجري عزله. ومنذ عام 2013، جرى العديد من المحاكمت التأديبية لعزل العديد من القضاة الذين أعلنوا معارضتهم الحكم العسكري58. ويلحظ المراقب أن القضاة في الفترة 2014 - 2019، قد انقسموا إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى تضم غالبية القضاة، اختارت أن تبقى على الحياد، وألا تتبنَّى أي موقف سياسي خلال فترة الاضطرابات السياسية التي أعقبت نجاح مرشح الرئاسة المنتمي إلى جمعة الإخوان، وحتى إسقاطه عام 2013. وهذا الموقف يعكس بعضًا من الثقافة القانونية للقضاة وغلبة ميلهم إلى59الابتعاد عن السياسة. والمجموعة الثانية أظهرت مواقف سياسية مؤيدة للسيسي بطريقة مباشرة، في فترة الخلاف مع الجمعة أو فترة التمهيد للانقلاب وما بعده. ونشُرت هذه التصريحات الرسمية والمؤتمرات الصحفية في وسائل الإعلام العامة منددةً بالإخوان المسلمين وسياساتهم. وجاء الموقف الأبرز لهذه المجموعة بعد صدور الإعلان الدستوري لعام 2012، إلى ما بعد انتخاب السيسي. وراحت هذه المجموعة تزداد قوة حتى إقالة الزند من وزارة العدل لاحقًا.

  1. المرجع نفسه.
  2. Egypt: Unprecedented Expansion of Military Courts, Decree Broaden Jurisdiction over Civilians," Human Rights Watch, 17/11/2014, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/wms924qw
  3. Egypt: Surge of Military Trials Decree Used to Send Protesters to Flawed Courts," Human Rights Watch, 18/12/2014, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/z9w4q2n6
  4. AlHajjaji, p. 146.

أما المجموعة الثالثة، فهي التي ضمت عددًا قليلً من القضاة دعموا الإخوان المسلمين ضد انقلاب عام 201361. بعض هؤلاء القضاة وقّعوا على بيان يدعم مرسي، وقد اشتهروا صحفيًا باسم "قضاة رابعة"62. هؤلاء لاحقتهم دائرة التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى بإجراءات تأديبية في الفترة 2014 - 2019، انتهت بعزل عدد منهم. وادعت دائرة التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى عليهم أنَّهم قد انتهكوا المادة 73 المتعلقة بحظر المشاركة السياسية64. وفي تناقض واضح، لم تُوجه مثل هذه الاتهامات إلى الزند ومن تبعه من القضاة الذين شاركوا في السياسة، وأجروا اعتصامات، وطالبوا بإيقاف العمل بالمحاكم، فضلً عن ظهورهم الإعلامي منتقدين سياسات الإخوان المسلمين، وكذلك النزول إلى المظاهرات الشعبية خلال هذه الفترة. وغُضّ الطرف عن ذلك وتركوا بلا عقاب، وبدا أن أعضاء دائرة التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى ينظرون إلى قضاة الزند على أنهم يحمون استقلال القضاء.

. 3 عدم قدرة القضاء على حمية السيادة المصرية

في عام 2016، قرر النظام نقل السيادة المصرية على جزيرتين في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية71. وقد أثار هذا القرار لدى المصريين غضبًا غير مسبوق منذ عام 2013. وفي سياق نزول مجموعات من72المواطنين إلى الشوارع، معلنين رفضهم واستنكارهم هذا القرار، لا سيم بعد موافقة مجلس النواب على التنازل، اختار حقوقيون المضي في دعوى قضائية ضد القرار أمام مجلس الدولة (القضاء الإداري). كان الفصل في هذه القضية معقدًا بعض الشيء؛ فمعارضو قرار النقل استندوا في ادعائهم أمام مجلس الدولة إلى المادة 151 من دستور 2014 والتي تقضي بإجراء استفتاء حول القضايا المتعلقة بالسيادة74. وقد نظر مجلس الدولة في القضية وحكم بتعليق القرار الإداري. وفي حزيران/ يونيو 2016، حكمت المحكمة برئاسة القاضي يحيى الدكروري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة لصالح السيادة المصرية على الجزيرتين82. وفي كانون الثاني/ يناير 2017، قدمت الحكومة طعنها أمام المحكمة الإدارية العليا برئاسة القاضي أحمد الشاذلي، ولتؤيد حكم الدكروري بالسيادة المصرية على الجزيرتين84. أمّا الحكومة، وفي ظل فقدانها القدرة على تمرير القرار بعد حكمَي القضاء الإداري، فقد اختارت الادعاء بتنازع الاختصاص بين مجلس الدولة والقضاء العادي، ولجأت في ذلك إلى محكمة الأمور المستعجلة لتنتزع

  1. جمهورية مصر العربية، الدستور المصري لعام 014 2، المادتان 151 و.152
  2. جمهورية مصر العربية، مجلس الدولة، المحكمة الإدارية العليا، "الدعوى المرفوعة أمام مجلس الدولة رقم 43866 لسنة 70 قضاء إداري".)2016(
  3. Egyptian Court Sacks 41 Judges for Supporting Muslim Brotherhood Judicial Sources Says," ABC , 15/3/2015, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/9awndws4
  4. 60 Judges Disciplined for Signing a Statement Supporting Rabaa Sit-In," Middle East Monitor , 21/10/2014, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/1r0y0oko
  5. Ian Black, "Egypt's President Under Fire over Red Sea Islands Transfer to Saudi Arabia," The Guardian , 11/4/2016, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/2n99q3ud
  6. Jared Malsin, "The Fate of Two Deserted Islands Has Egyptians Taking to the Streets Again," Time , 15/4/2016, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/q0593i1i; "Egyptian Polic Deploy to Deter Red Sea Island Protest," Reuters , 16/6/2017, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/210762c9
  7. جمهورية مصر العربية، المحكمة الإدارية العليا، "الدعوى 74236، للسنة القضائية "62.)2017(
  8. جمهورية مصر العربية، "قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972"، المادة 73، الجريدة الرسمية،.1972/10/5

منها حكمً لصالح السيادة السعودية على الجزيرتين. وحكمت محكمة الأمور المستعجلة لصالح قرار النظام بنقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية. ونشأ، وفق إرادة الحكومة، هذا التعارض في الاختصاصات92. وفي عام 2018، انتهت المحكمة الدستورية العليا برئاسة كبير القضاة وقتها، حنفي الجبالي، النائب الأول لرئيس المحكمة (بوصفها السلطة المختصة للفصل في النزاع) إلى إلغاء جميع الأحكام السابقة الصادرة عن محكمة الأمور المستعجلة ومجلس الدولة93. ونظرت في الدعوى مقررة السيادة السعودية على الجزيرتين؛ الأمر الذي وضع حدًا قانونيًا لهذا الصراع. جعلت هذه القضية الوضع السياسي للسيسي معقدًا، وقد بدا له أنّ بعض المقاومة لا يزال موجودًا داخل القضاء وأن عليه أن يضع حدًا له.

4.تعديل تعيين القضاة

في غمر تعديل دستوري طرحه رئيس الجمهورية في عام 2019 سعيًا لزيادة سلطته وإطالة فترة رئاسته، وبعد تصريحات عديدة عن ضعف القضاء ورخاوة يده، اتجه النظام إلى قمع أي مقاومة يبديها القضاة، لا سيم رؤساء المنصات القضائية العليا. وبخلاف المواد المتعلقة بالحقوق السياسية والانتخابات، جرى ضم تعديلات على مواد الدستور تتعلق بالقضاء، شملت: أ. منح رئيس الجمهورية الحق في تعيين رئيس كل هيئة قضائية (إدارية، عادية، دستورية)؛ إذ تنص المادة 185 على حق الرئيس في اختيار واحد من بين أقدم سبعة قضاة في هذه الهيئة94. إضافة إلى ذلك، تمنح المادة 193 الرئيس الحقّ في اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم خمسة قضاة في المحكمة. ب. منح رئيس الجمهورية الحق في تعيين النائب العام الجديد، في حين كان هذا الحقّ في دستور 2014 لمجلس القضاء الأعلى. ولهذا التعديل خلفياته؛ إذ بعد اغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات في عام 2015، جرى تعليق عملية الخلافة لأكثر من ستة أشهر. وكان سبب التأخير رغبة الرئيس في تعيين نائب عام جديد موال له، في حين تمسّك مجلس القضاء الأعلى بحقه الدستوري في القيام بذلك بنفسه. بعد ذلك، نجح مجلس القضاء الأعلى في تعيين النائب العام نبيل صادق. ولذلك لم يكن الرئيس راغبًا في مواجهة مثل هذه المخالفة كم كان الحال من قبل، وأراد أن ينهي أي شكل أو أمل في المقاومة داخل القضاء. ج. أعاد التعديل الجديد أيضًا إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية، بحيث يضم رئيس الجمهورية (رئيسًا للمجلس)، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، ورؤساء الجهات والهيئات القضائية، ورئيس محكمة

  1. 0 5  مريم جبل، "خلاف دستوري يؤجل اختيار النائب العام"، البوابة نيوز، 2015/9/11، شوهد في 2023/9/10، في: https://urlis.net/dojr4vpz
  2. Nabil Sadek Sworn in by Sisi as Egypt's New Prosecutor General," Ahram Online , 19/9/2015, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/ai7o4etk أ. معايير واضحة للسلوك المنضبط
  3. جمهورية مصر العربية، المحكمة الدستورية العليا، "الدعوى رقم 12 للسنة "39،.2018/3/3
  4. المرجع نفسه، المادة.185
  5. المرجع نفسه، المادة.193
  6. Egypt Prosecutor Hisham Barakat Killed in Cairo Attack, Middle East," BBC , 29/6/2015, accessed on 10/9/2023, at: https://urlis.net/tb6aqwg2

استئناف القاهرة والنائب العام ورئيس القضاء العسكري. إضافة إلى ذلك، يتمتع المجلس الجديد بصلاحيات واسعة، تشمل الحق في تعيين أعضاء الهيئات القضائية وترقيتهم ومساءلتهم. كم أنّ له دورًا استشاريًا فيم يخص مشاريع القوانين المتعلقة بتنظيم هذه الهيئات.

ثالثًا: إصلاحات مقترحة لاستقلال القضاء

1. إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى

تشبه الصيغة الحالية لمجلس القضاء الأعلى تلك التي أعقبت انقلاب عام 1952، فهو يتكون من سبعة أعضاء، يمثلون مختلف الكيانات داخل القضاء العادي: رئيس محكمة النقض، وأول نائبين لرئيس محكمة النقض، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، ورئيس محكمة استئناف الإسكندرية، ورئيس محكمة استئناف المنصورة (بدلً من ممثل وزارة العدل)، والنائب العام، فضلً عن رئيس هيئة القضاء العسكري. ومن هنا يقترح إعادة تشكيل المجلس على خطوتين؛ إصلاحات مؤقتة وأخرى دائمة. يمكن أن يستغرق الإصلاح المؤقت ما بين خمس وعشر سنوات، إذ يُفترض به أن يعبّد الطريق أمام المشاركة العامة الكاملة في الإدارة القضائية. وخلال هذه الفترة، على مجلس القضاء الأعلى ألّ يقتصر على أعضاء منتخبين من القضاء وحده، كم كان الحال قبل عام 1952، بل يجب أن تشتمل الصيغة الجديدة أيضًا على أساتذة قانون كبار. وأقترحصيغة مؤقتة على النحو الآتي: ثلاثة ممثلين من المحاكم الابتدائية، ثلاثة ممثلين من محاكم الاستئناف، ثلاثة ممثلين من محكمة النقض، ممثلان من النيابة الشابة، ممثلان من النيابة العامة (بما في ذلك النائب العام)، خمسة أساتذة قانون كبار من أقدم أربع كليات حقوق (القاهرة، والإسكندرية، وأسيوط، وعين شمس). أما الإصلاح الدائم، فيجري في فترة لاحقة؛ أي بعد قبول القضاء والهيئات العامة فكرة وجود الأشخاص العاديين والمحامين والأساتذة في الإدارة القضائية.

2. إعادة وضع قواعد المحاسبة

في ظل قانون السلطة القضائية الحالي والصادر عام 1973، لا تزال المعايير غير الواضحة لما يُعتبر منضبطًا وما لا يعتبر كذلك لمحاسبة القضاة؛ ما يفتح الباب أمام السلطة التقديرية، والتي قد تصل إلى التعسف، لبعض القضاة. وهذا يفتح الباب لوزير العدل والنائب العام واللجنة التأديبية لإقالة القضاة غير الممتثلين. ويمكن تصحيح ذلك في ثلاث خطوات: الأولى: ضرورة إنشاء هيئة ديمقراطية مستقلة تكون مسؤولة عن محاسبة القضاة، وتكون مختصة بالتحقيق وفرض العقوبة. الثانية: إنّ تطبيق قانون السلطة القضائية الحالي ينتهك مبدأ ("لا عقوبة من دون نص"). ولهذا المبدأ بعدان: الأول، هو وجوب أن ينص القانون على ما يجب إخضاعه للإجراءات التأديبية من

  1. جمهورية مصر العربية، مجلس النواب، دستور جمهورية مصر العربية 019 2، المادة.185
  2. المرجع نفسه، المادة.193
  3. جمهورية مصر العربية، "قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 "، الجريدة الرسمية، 1943/7/10، المادة.43 ب. شفافية عملية التأديب

سلوك القضاة وأعضاء النيابة. فعلى الرغم من أنّ قانون الإجراءات الجنائية لم يُدرج التصرف الشخصي أساسًا للإجراءات التأديبية، فإنّ ممرسات إدارة التفتيش القضائي تعتبر هذا التصرف جزءًا من السلوك التأديبي. وفي فرنسا على سبيل المثال، لا تقتصر الإجراءات التأديبية على الإهمل المهني المتعمد، بل تشمل أيضًا تصرف القضاة الخاص في حياتهم الشخصية، وتعتبر السرقة وإدمان الكحول، من بين أفعال أخرى، انتهاكًا لالتزامات القضاة في الحياة الخاصة في فرنسا. أمّا البعد الثاني، فهو أنّ على قانون السلطة القضائية أن يحدد عقوبة دقيقة لكل انتهاك؛ إذ لا يمكن ترك الأمر للسلطة في تحديد العقوبة المناسبة، كم حدث حينم عاقبت اللجنة التأديبية القضاة وأعضاء النيابة العامة، الذين أدلوا بتصريحات سياسية بعد انقلاب عام.2013 الثالثة: لا يمنح قانون السلطة القضائية القضاة أو أعضاء النيابة أي شكل من أشكال الضمنات ضد الإجراءات التعسفية التي تتخذها اللجنة التأديبية. في فرنسا، يوفر الدستور والقانون القضائي للقضاة والمدعين ضمنات عديدة ضد القرارات التعسفية أو المحاكمت غير العادلة. ويحق للقضاة والمدعين العامين المتهمين بأفعال تخرق الانضباط (المدعى عليهم) الوصول الكامل إلى الأدلة والملفات ذات الصلة بقضاياهم. ولا تخضعهم اللجنة لأي شكل من أشكال التفتيش أو الحجز. ومنازل القضاة والمدعين العامين وممتلكاتهم محمية بصفتها جزءًا من الحصانة الممنوحة لهم. كم أن مجلس الدولة يراجع القرارات التي تتخذها اللجنة، وهو الكيان المسؤول عن المنازعات الإدارية.

يعاني نظام القضاء في مصر افتقارًا واضحًا إلى الأشكال المعروفة في الخبرة الدولية من إجراءات التأديب الشفافة. ويجدر أن نعرض منها ثلاثة تستند إلى الخبرة البريطانية بالخصوص، وتبرز أبعاد مفهوم الشفافية في هذا السياق: الشكل الأول، تتخذ المساءلة القضائية وجهين: المساءلة الجنائية والمساءلة المسلكية. تقع المساءلة الجنائية عندما يرتكب القاضي فعلً إجراميًا. ويخضع القضاة للتحقيق الجنائي لدى مكتب الشكاوى القضائية، حيث يتعرض المخالف لاحقًا لإجراءات تأديبية. وتقع المساءلة المسلكية عندما يُحقَّق في تصرفات القاضي ودواعي سلوكه. وكبير القضاة ووزير العدل كلاهم مسؤولان عن التحقيق في أي شكاوى تتعلّق بهذا النوع من السلوك. الشكل الثاني يتمثل في إتاحة نتائج عملية المساءلة القضائية للجمهور لزيادة ثقته بالنظام القضائي. في المملكة المتحدة، يصدر مكتب التحقيقات الخاص بالسلوك القضائي تقريرًا سنويًا يحدد عدد الشكاوى المستلمة. وبين عامي 2013 و 2014، قُدّر عدد أعضاء الجهاز القضائي بدوام كامل وجزئي ب 36000، منهم 29000 قاضٍ و 7000 عضو محكمة. ومن إجملي 2018 شكوى، اشتملت 58 قضية على إجراءات

  1. The Principle of Judicial Accountability," Courts and Tribunals Judiciary , accessed on 11/9/2023, at: https://shorturl.at/dgmn3
  2. Judicial Conduct," Courts and Tribunals Judiciary , accessed on 11/9/2023, at: https://shorturl.at/noDHN
  3. Judicial Appointments & Conduct Ombudsman, Annual Report 2013 - 14 (July 2014), at: https://shorturl.at/eoR23 ج- نقل إدارة التفتيش القضائي إلى مجلس القضاء الأعلى بعد إعادة تشكيله

تأديبية رسمية. تُفحَص الشكاوى أولً لدى مكتب التحقيقات الخاص بالسلوك القضائي. فإذا ما كانت الشكوى من ضمن اختصاصه، تُحال القضية إلى مكتب الشكاوى القضائية. الشكل الثالث يتمثل في وجود متحدث رسمي يخاطب الجمهور في ما يتعلق بجميع مسائل السلطة القضائية. وليست الشؤون القضائية من قضايا الأمن الوطني التي يجب إخفاؤها عن الجمهور. وفي المملكة المتحدة، يقوم القضاء بثلاثة أشكال من الأنشطة على هذا الصعيد: المقابلات وجلسات الإحاطة الإعلامية، ومراجعة كبير القضاة لإدارة العدالة في المحاكم، وتقارير المحكمة. بالنسبة إلى المقابلات الإعلامية، يُجري القضاة من حين إلى آخر مقابلات مع وسائل الإعلام. ومنذ عام 2008، ينشر مكتب كبير القضاة مراجعة دورية للمسائل القضائية، وتهدف هذه المراجعة إلى تحديد القضايا ذات الأهمية الرئيسة للسلطة القضائية وإدارة العدل. وبالنسبة إلى تقارير المحكمة، فإنّ على كل محكمة أن تقدّم تقريرًا سنويًا عن "أدائها على مدار العام". ولهذا، أقترح أن تحذو مصر حذو المملكة المتحدة، وأن تنشر جميع بياناتها القضائية للجمهور.

لن يحقق نقل إدارة التفتيش القضائي من وزارة العدل إلى المجلس الأعلى القضاء استقلالً ملموسًا للقضاء، إلا بعد إعادة تشكيل قواعد إدارة التفتيش القضائي ولجنة العزل. والتعديل المقترح في هذا الخصوص هو إنشاء لجنة عزل مستقلة عن إدارة التفتيش القضائي أو مجلس القضاء الأعلى. ويمتاز هذا المقترح بأن لجنة العزل المستقلة هي اختيار ديمقراطي، ويمكن اختيار أعضاء هذه اللجنة على أساس الأقدمية أو عن طريق الانتخابات الداخلية بين القضاة لاختيار عدد من المحامين والأساتذة الجامعيين. كم أنه من المتصور أن يقدم الأعضاء غير القضائيين مساهمت مهمة في عملية المساءلة. أما مجلس القضاء الأعلى فيقترح أن يضم أعضاء منتخبين وغير منتخبين وقضائيين وغير قضائيين. إن الصيغة الحالية لمجلس القضاء الأعلى تضعه في معزل عن المساءلة من القضاء والجمهور.

3. تحديد شروط التعيين على نحو عادل

ثمة ثلاثة شروط قضائية جديدة يجب إضافتها إلى شروط التعيين الحالية: أ. معايير التعليم في حاجة إلى تحسين. فالاكتفاء بالحد الأدنى من متطلبات التعليم يترك الأبواب مفتوحة لمرشحين من مستوى منخفض، لديهم صلات بالقضاء (أقارب القضاة)، لا سيم مع تزايد عدد خريجي كليات الحقوق في مصر. ويمكن لتحسين معايير التعليم العالي أن يؤدي إلى تحسين شروط التعيين، كأن يشترط الحصول على دبلوم أو ماجستير في القانون. ولن يترتب على ذلك عبء مالي إضافي على المرشحين؛ إذ إن الدبلوم في جامعة القاهرة، على سبيل المثال، يكلف أقل من مئة دولار. ب. فرض فترة التدريب قبل التعيين. يحقق تنفيذ هذا النظام عدة أهداف؛ فهو يزود طلاب كليات الحقوق بمنظور أعمق حيال تعقيدات نظام المحاكم، ويمكن أن يساهم المتدربون في جهود القضاة في البحث وجمع البيانات والتحرير والكتابة.

  1. Other Forms of Accountability, " Courts and Tribunals Judiciary , accessed on 11/9/2023, at: https://shorturl.at/fmK18
  2. Statement From the Judicial Conduct Investigations Office - Mrs Amanda Cornick JP," Judicial Conduct Investigations Office (October 2014).

ج. حظر التقارير السياسية، فإن من شأن ذلك الحظر أن ينهي تأثير السلطة التنفيذية في عملية الترشيح. يمكن التعامل مع انتهاك قاعدة حياد القضاة وعدم الانتمء السياسي لاحقًا بطريقة قانونية من خلال عملية العزل.

خاتمة

عرضت هذه الورقة جزءًا من العلاقة بين السلطتيَن التنفيذية والقضائية في مصر، وبينت كيف حافظت السلطة التنفيذية على صور من التحالف السلطوي مع القضاة، من أجل اجتياز ما تعده عراقيل سياسية وقانونية في مسارها، واعتبارها القضاة ذراعها القوية في العديد من القضايا. أدى القضاة دورًا رئيسًا في الحفاظ على النظام السلطوي الحالي. وسواء تصرف هؤلاء بحسن نية أم لا، فقد كان لهم بلا شك تأثير سلبي في الحياة القضائية والقانونية في مصر. وأوضحت الورقة أهمية الربط بين هذه التحديات وإصلاح القضاء، وبينت الأسباب الداعية إليه. ومن ذلك أن استقلال القضاء له تأثير مباشر في تعزيز حمية الحريات وإقرار العدالة ومواجهة القمع والاضطهاد. تعتبر المحكمة الدستورية العليا في مصر أن استقلالية القضاء هي الأساس لسيادة القانون وحمية الحقوق الأساسية. تاريخيًا، جرى النص على استقلالية القضاء في الدساتير المصرية منذ دستور 1923. وعلى هذا المنوال، جاء دستور 2014 مؤكدًا استقلالية القضاء، بل منح امتيازات غير مسبوقة لجهاز القضاء في الإدارة والميزانية والكادر. لكن ظلت هناك معوقات لهذه النصوص تجعل تحقيق وضعية جيدة لاستقلالية القضاء أمرًا بعيد المنال. عرضت الورقة التعديلات القانونية والدستورية التي طرأت على استقلالية القضاء في مصر منذ عام 2013، وبخاصة توسيع اختصاص القضاء العسكري على نحوٍ غير مسبوق، حيث أصبح له دور حيوي في حمية النظام ومصالح الجيش، سواء بمحاكمته المدنيين بتهم تتعلق بالمصالح العسكرية والسياسية أو الاقتصادية للجيش، أم باستخدامه في محاكمة القضاة المعارضين للنظام وعزلهم. وفي هذا تطورت آليات تعزز هذا التوجه، منها ما يتصل ببنية القضاء المدني، كإدارة التفتيش القضائي بوزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى، وما قامتا به من إجراءات تنتقص من استقلالية القضاء. وطرحت الورقة أيضًا جملة من الإصلاحات المقترحة لتعزيز استقلالية السلطة القضائية في مصر، من ذلك إعادة صياغة مجلس القضاء الأعلى لمواجهة التحديات التي تواجه استقلالية السلطة القضائية، وإعادة صياغة قواعد المساءلة، ومتطلبات التعيين. وفيم يتعلق بمجلس القضاء الأعلى، يعتبر التشكيل الحالي متحيزًا ويفتقر إلى التمثيل العادل. كم طرحت الورقة أن يُنفذ الإصلاح في موضوع عضوية المجلس على مرحلتين، إحداهم مؤقتة، بضم أعضاء منتخبين من القضاء وأساتذة القانون لضمن التمثيل العام. والأخرى مرحلة الإصلاح الدائم بضم قضاة ومحامين وشخصيات عامة بارزة وأساتذة متقاعدين. إن قواعد المساءلة في حاجة إلى توضيح للتمييز بين السلوك التأديبي وغير التأديبي، وهو دور يجدر أن يضطلع به قانون السلطة القضائية، بحيث يحدد ماهية المخالفات وما يقابلها من عقوبات. وثمة أهمية لتوفير ضمنات للقضاة وأعضاء النيابة العامة ممن يواجهون إجراءات تأديبية، تمنع اتخاذ قرارات تعسفية في حقهم. وإزاء افتقار العمليات التأديبية في نظام القضاء المصري إلى مبدأ الشفافية، أوصت الورقة باعتمد عملية شفافة مشابهة لما في المملكة المتحدة. كم اقترحت نقل إدارة التفتيش القضائي القائمة على هذه العملية من وزارة العدل إلى مجلس القضاء الأعلى من أجل تحقيق الاستقلالية.

المراجع

العربية

البشري، طارق. الديمقراطية ونظام يوليو 0 - 1952(791). القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.1987 _______. الحركة السياسية في مصر. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2002

_______. القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2006 جمهورية مصر العربية. دستور جمهورية مصر العربية لعام 013 2.

_______. دستور جمهورية مصر العربية لعام 014 2.

_______. "قانون استقلال القضاء رقم 188 لسنة 1952 ". الجريدة الرسمية.1952/9/14. _______. "قانون استقلال القضاء رقم 65 لسنة 1943 ". الجريدة الرسمية.1943/7/10. _______. "قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 ". الجريدة الرسمية.1972/10/5. جمهورية مصر العربية، مجلس الدولة، المحكمة الإدارية العليا. "الدعوى المرفوعة أمام مجلس الدولة رقم 43866 لسنة 70 قضاء إداري".)2016(

_______. المحكمة الإدارية العليا. "الدعوى 74236، للسنة القضائية "62.)2017(

جمهورية مصر العربية، مجلس النواب. دستور جمهورية مصر العربية 019 2.

_______. المحكمة الدستورية العليا. "الدعوى رقم 12 للسنة."39.2018/3/3

الشلقاني، عمرو. ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية. القاهرة: دار الشروق،.2013

الأجنبية

Brown, Nathan J. & Hesham Nasr. "Egypt's Judges Step Forward: The Judicial Election Boycott and Egyptian Reform. " Policy Outlook Democracy and the Rule of Law. Carnegie Endowment for International Peace (25/5/2005). at: https://shorturl.at/fvHN1

Cox, Archibald. "The Independence of the Judiciary: History and Purposes. " Dayton Law Review. no. 1 (1995 - 1996).

El Sherif, Ashraf. "The Muslim Brotherhood and the Future of Political Islam in Egypt: Part 2 of a Series on Political Islam in Egypt. " Carnegie Endowment for International Peace. at: https://urlis.net/2mhvaqwp

La Porta, Rafael et al. "Judicial Checks and Balances. " Journal of Political Economy. no. 112 (2004).

Marshall, Shana. "The Egyptian Armed Forces and the Remaking of an Economic Empire. " Carnegie Middle East Center. 15/4/2015. at: https://urlis.net/aqfbbb8q

مراجع إضافية

Mustafa, Tamir. The Struggle for Constitutional Power, Law, Politics, and Economic Development in Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.

Roll, Stephan. "Managing Change: How Egypt's Military Leadership Shaped the Transformation. " Mediterranean Politics. no. 21 (2016).

Wolff, Sarah. "Constraints on The Promotion of The Rule of Law in Egypt: Insights from the 2005 Judge' Revolt. " Democratization. vol. 16, no. 1 (2009).

Abat Ninet, Antoni & Mark Tushnet. The Arab Spring: An Essay on Revolution and Constitutionalism. Cheltenham: Elgar Monographs in Constitutional and Administrative Law, 2015.

Bernard-Maugiron, Nathalie. Judges and the Political Reform in Egypt. Cairo: The American University Cairo Press, 2008.