Return to Article Details Decentralization and Governance

اللامركزية والحوكمة

Decentralization and Governance

جان بول فاغيت

الملخّص

ملخص: من أهم الحجج النظرية التي تُساق دفاعًا عن اللامركزية تلك التي تجعل الحكومة مسؤولة أمام المحكومين وأكثر استجابة لاحتياجاتهم. ويُعدّ تحسين الحوكمة مبررًا يستند إليه دعاة الإصلاح في الواقع الحقيقي. وفي حين تركز الأدبيات على النتائج ذات الصلة بالسياسات، مثل التعليم والخدمات الصحية والاستثمر العام والعجز المالي، تبحث هذه الدراسة في كيفية تأثير اللامركزية في الحوكمة، لا سيم فيم يتصل بتعزيز التنافس السياسي، وتحسين المساءلة العامة، والحد من عدم الاستقرار السياسي، وفرض قيود على سلطة الحكومة تقوم على الحوافز، لكنها أيضًا قد تهدد الاستدامة المالية. وهذه التحسينات في الحوكمة يمكنها تحفيز التحولات التاريخية الكبرى في عمليات التنمية.

Abstract

Abstract: The most important theoretical argument concerning decentralization is that it can make government more accountable and responsive to the governed. Improving governance is also a central justification of real-world reformers. But the literature has mostly focused on policy-relevant outcomes, such as education and health services, public investment, and fiscal deficits. This paper examines how decentralization affects governance, in particular how it might increase political competition, improve public accountability, reduce political instability, and impose incentive-compatible limits on government power, but also threaten fiscal sustainability. Such improve­ments in governance can help spur the broad historical transitions that define development.

الكلمات المفتاحية:
  • الحكومة المحلية
  • المساءلة
  • المنافسة السياسية
  • عدم الاستقرار
  • القيود على السلطة
  • الصحة
Keywords:
  • Local Government
  • Accountability
  • Political Competition
  • Instability
  • Limits on Power
  • Health

مقدمة

تعدّ اللامركزية من أهم الإصلاحات التي اعتُمدت خلال الجيل الماضي، من حيث عدد البلدان التي اعتمدتها أو آثارها العميقة المحتملة في طبيعة الحكم وجودته. وقد راوحت التقديرات بشأن عدد تجارب اللامركزية التي طبقت قبل عقد من الزمن إلى نحو 80 في المئة من بلدان العالم1. ومن ثم، أعلن عن مزيد من الإصلاحات في عشرات البلدان، مثل بوليفيا وكمبوديا وإثيوبيا وفرنسا وإندونيسيا واليابان وبيرو وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وأوغندا وإنكلترا، وبلدان أخرى كثيرة. يشمل هذا التوجه مناطق العالم جميعها، وينطبق على الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، الكبرى والصغرى، على اختلاف موروثها الكولونيالي. وهكذا، أصبحت اللامركزية مطبقة في العالم برمته. لا تتمثل أهمية الإصلاح في تعداد التجارب المعتمدة فحسب؛ فكثير من تجارب اللامركزية تهدف، من حيث المقصد على الأقل، إلى إعادة تشكيل الحكومة بالانتقال من آلية بيروقراطية للإدارة الهرمية من أعلى إلى أسفل، إلى نظام من الحكم الذاتي المتداخل الذي يحظى بمشاركة الأفراد وتعاونهم؛ إذ يجري تعزيز الشفافية والمساءلة أمام المحكومين على نحو يشكّل قيدًا ملزمًا لسلوك الموظفين العموميين. ومن خلال هذا المنظور، يعدّ نطاق السلطة والموارد التي فوّضتها بلدان كثيرة إلى حكوماتها دون الوطنية لافتًا للانتباه. يقول تيم كامبل إن "الحكومات المحلية]في أميركا اللاتينية[تنفق من 10 إلى 50 في المئة من عائدات الحكومة المركزية"2. ويسميها "الثورة الهادئة" Revolution Quiet The، ويحاجّ في أنها أوجدت نموذجًا جديدًا للحكم قائمًا على قيادة مبتكرة تملك القدرات، ومشاركة شعبية عالية، وعقد ضمني جديد يحكم الضرائب المحلية. ويشير جوناثان رودن إلى مسألة ممثلة بقوله: "باستثناء الانتقال إلى الديمقراطية، ربما تكون اللامركزية وانتشار الفدرالية أهم اتجاهات الحكم في جميع أنحاء العالم على مدار الأعوام الخمسين الماضية"3. ألهم هذا الحمس نحو اللامركزية موجة مهمّة من الأبحاث التي سعت إلى الكشف عن آثار اللامركزية في مجموعة من النتائج التي تتعلق بالسياسات، فضلً عن محاولات فهم سبب اتجاه البلدان نحو الإصلاح وتوقيت مثل هذه القرارات. ثمة مئات الدراسات الإمبريقية المنشورة عن اللامركزية خلال الأعوام الأربعين الماضية، ويرتفع العدد إلى الآلاف إذا ما أضفنا إليها تقارير السياسات الصادرة عن المنظمت الدولية والتنموية (مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي). ويركز القسم الأكبر منها على آثار اللامركزية في مخرجات القطاع العام، مثل مستويات الاستثمر، وتوفير الخدمات العامة، ومؤشرات التعليم والصحة، واستقرار الاقتصاد الكلي، على سبيل المثال لا الحصر4.

  1. James Manor, The Political Economy of Democratic Decentralization (Washington, DC: The World Bank, 1999).
  2. Tim Campbell, The Quiet Revolution: The Rise of Political Participation and Leading Cities with Decentralization in Latin America and the Caribbean (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2001), p. 2.
  3. يمكن العثور على ملخصات ذات أهمية لهذا الدراسات في: Dennis Rondinelli, Shabbir Cheema & John Nellis, "Decentralization in Developing Countries: A Review of Recent Experience," Working Paper no. 581, World Bank Staff, Washington, DC, 1983; Manor; Daniel Treisman, The Architecture of Government: Rethinking Political Decentralization (New York: Cambridge University Press, 2007); Jean- Paul Faguet, Decentralization and Popular Democracy: Governance from Below in Bolivia (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2012).

في مقابل ذلك ثمة عدد قليل نسبيًّا من الدراسات التي تبحث في تأثير اللامركزية في جودة الحكم5. وليس من الصعب فَهْم أسباب ذلك؛ فأولها أن البيانات المطلوبة لإجراء فحص إمبريقي عن آثار اللامركزية في مسائل مثل الاستثمر في الصحة أو الالتحاق بالمدارس متاحة على نحو أكثر شيوعًا، مقارنةً بالمسائل ذات الطابع الحكومي؛ كالمساءلة والمنافسة السياسية والمشاركة في اتخاذ القرار العام. وثانيها أن شواغل المنظمت المتعددة الأطراف التي ترعى كثيرًا من أبحاث اللامركزية، تُعنى بمخرجات الخدمة العامة، أكثر من اهتممها بنتائج الحوكمة. بيد أن التباين بين الاعتبارات التي حظيت بالبحث، والقضايا الرئيسة التي تحفز تبني اللامركزية يبدو أمرًا لافتًا للانتباه؛ على المستوى النظري، وعلى مستوى الإصلاحات في الواقع المعيش. ولعل أقوى حجة نظرية سيقت لفائدة اللامركزية هي تحسينها القدرة على مساءلة الحكومة، وكذلك قدراتها الاستجابية من خلال إحداث تغيير في بنيتها بحيث يُسمع صوت المواطن، وتتغير الحوافز العميقة التي يواجهها المسؤولون العموميون6. وثمة حجج أخرى مؤيدة هي: 1. إمكان الحدّ من إساءة استخدام السلطة عن طريق نقل بعض وظائف الحكومة المركزية ومواردها إلى مستويات أدنى، 2. تحسين الاستقرار السياسي عبر منح الأقليات المتضررة سيطرة على الحكومات دون الوطنية ترافقها سلطة مقيّدة في القضايا التي تؤثر فيهم على نحو مباشر، 3. زيادة المنافسة السياسية بإيجاد الكثير من المجالات الأصغر التي يتنافس السياسيون على السيطرة عليها. إنّ تأثيرات اللامركزية في الموازنات وتوفير الخدمات هي بالتأكيد مسائل مهمة، لكنها ليست الأهم، وهي فكرة أثارها أيضًا إيتون وكيزر وسموك7. يتفق دعاة الإصلاحات في سائر أنحاء العالم على أن الدافع الأول لاعتمد برامج اللامركزية في مختلف البلدان الغنية والفقيرة هو السعي إلى تحسين الحوكمة. وتنص ديباجة القانون البوليفي للمشاركة الشعبية Boliv­ian Law of Popular Participationعلى أن هدفه الرئيس تحسين جودة حياة المواطنين عبر تحسين الديمقراطية التمثيلية وتسهيل المشاركة. وبعد ستة عشر عامًا، توسّع القانون الإطاري للحكم الذاتي واللامركزية Decentralization and Auton­omies of Law Framework في هذه الأفكار، وأعلن أن هدفه هو "المشاركة الفعالة للمواطنين في اتخاذ القرار، وتعميق الديمقراطية، وتلبية الاحتياجات الجمعية، والتنمية الاجتمعية والاقتصادية المتكاملة للبلد"8. وبالمثل، هدفت اللامركزية، أو التفويضDevolution، في بريطانيا إلى "إعادة موازنة السلطة بين المواطن والحكومة" من أجل "نقلنا بعيدًا عن بريطانيا الممركزة في اتجاه دولة أكثر ديمقراطية ولامركزية وتعددية"9. وفي حين تعدّ مستويات الاستثمر وتوفير الخدمات جزءًا من هذا كله، فإن طموحات هذه الإصلاحات تذهب أبعد من ذلك. ففي مصر، تحوّل نظام محمد

  1. تتضمن بعض الاستثناءات ما يأتي: Pranab Bardhan, "Decentralization of Governance and Development," Journal of Economic Perspectives , vol. 16, no. 4 (2002), pp. 185 - 205; Luiz de Mello & Matias Barenstein, "Fiscal Decentralization and Governance: A Cross-Country Analysis," Working Paper , no. 01/71, International Monetary Fund, Washington, DC, 2001; Philip Oxhorn, Joseph Tulchin & Andrew Selee, Decentralization, Democratic Governance , and Civil Society in Comparative Perspective: Africa, Asia and Latin America (Washington, DC: Woodrow Wilson Center Press, 2004).
  2. Faguet, Decentralization and Popular Democracy.
  3. Kent Eaton, Kai Kaiser & Paul Smoke, The Political Economy of Decentralization Reforms: Implications for Aid Effectiveness (Washington, DC: The World Bank, 2011).
  4. Government of Bolivia, Framework Law of Autonomies and Decentralization (La Paz: Government of Bolivia, 2010).
  5. A. Blair, "Full Text of Blair's Speech: The Full Text of Tony Blair's Speech to the Welsh Assembly," The Guardian , 30/10/2001, accessed on 10/9/2023, at: https://shortly.at/5E0WI

حسني مبارك إلى اللامركزية عام 2004، بوصفه وسيلة لتعميق الديمقراطية "وتعزيز الشراكة المجتمعية"10. ولم يضطرب مسار الإصلاحات بسبب الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، بل زاد الحمس إلى المزيد من تبني اللامركزية خشية أن تنتفض القواعد ودعت شخصيات مهمة في الحكم الانتقالي11.الشعبية مرة أخرى وتفعل ذلك بدلً منها12وتنظر الحكومة البيروفية إلى اللامركزية في البلاد بوصفها وسيلة لتحسين مشاركة المواطنين في الحكومة، و"فرصة فريدة لمواجهة التفاوتات التي وسمت بلدنا تاريخيًا، وتعزيز المساواة في الوصول إلى الفرص [...] للجميع"13. وتقول الحكومة الكمبودية إنها تسعى نحو اللامركزية من أجل تعزيز الديمقراطية وتوسيعها، من خلال دفعها إلى المستوى المحلي في المقام الأول. إذ يُؤمل أن يؤدي الإصلاح إلى تعزيز التمثيل الديمقراطي، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتقوية المساءلة العامة، وتحسين فعالية الحكومة14. وتوافق الحكومة الأوغندية كذلك على هذا التوجه بحمس15. واختارت المكسيك اللامركزية أيضًا من أجل "تحسين المشاركة السياسية للشعب في عملية اتخاذ القرارات العامة"؛ ومن ثم "تعزيز الديمقراطية وتحفيز جهود البلاد في مجالات التنمية"16. ولدى دول أخرى دوافع تتعلق بتحديات أكثر تحديدًا تختص بمجال الحوكمة. صُممت اللامركزية في كولومبيا باعتبارها ردًّا صريحًا على العنف، وكان يُؤمل أن تمنح الحكومات المحلية المنتخبة المواطنين صوتًا أعلى في الشؤون العامة، وبذلك يُستنزَف خزان السخط الذي يغذي حركات التمرد اليمينية منها واليسارية17. وفي جنوب أفريقيا، كانت اللامركزية مكونًا أساسيًّا في انتقالها من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية؛ إذ طالب بها الحزب القومي التابع للأقلية البيضاء أملً في الاحتفاظ بالسلطة في بعض الولايات، بعد أن فقد السلطة على الصعيد الوطني أمام المؤتمر الوطني الأفريقي. وعلى المستوى الوطني أيضًا، طالبت بالفدرالية الأغلبيةُ التي يمثلها حزب الحرية إنكاثا بالنسبة إلى قبائل الزولو18. وفي إثيوبيا، حيث التنوع الاجتمعي، هدفت اللامركزية إلى منح التمثيل السياسي لمجموعات إثنية مختلفة لمساعدة الدولة في تلبية احتياجات السكان غير المتجانسين وتطلعاتهم19. وعلى المنوال

  1. Ahmad Nazeef, "Statement of the Cabinet to the People's Assembly," 19/9/2004.
  2. المقصود هنا الحكم الانتقالي في مصر خلال الفترة شباط/ فبراير -2011 حزيران/ يونيو 2012. (المحرر)
  3. Government of Cambodia, Strategic Framework for Decentralization and Deconcentration Reforms (Phnom Penh: Government of Cambodia, 2005); Leonardo Romeo & Luc Spyckerelle, "Decentralization Reforms and Commune- level Services Delivery in Cambodia," Case Study Submitted at the Workshop on Local Government Pro-Poor Service Delivery, Manila, February 9 - 13, 2004, ADB Conference Paper, December 2003, accessed on 10/10/2023, at: https://tinyurl.com/bdz2wzh2
  4. Deborah Mulumba, Uganda: Country Review of the Framework of Decentralization , IFAD, Office of Evaluation
  5. L.G. Mufioz, A.J. Acosta & L.D. Moreno, Aspectos baasicos de la descentralizacion en Mexico (Mexico City: Instituto Nacional para el Federalismo y el Desarrollo Municipal, 2006).
  6. Democratic Decentralization Programming Handbook (Washington, DC: USAID, 2009).
  7. Ibid.
  8. International Fund for Agricultural Development, IFAD, IFAD' s Performance and Impact in Decentralizing Environments: Experiences from Ethiopia, Tanzania and Uganda (Rome: 2004).
  9. Yossef Ben-Meir, " Egypt's Second Grassroots Resurgence," Daily News Egypt , 10/10/2012, accessed on 10/9/2023, at: https://tinyurl.com/mt69s423

نفسه، يشير الجزء الأكبر من الأدبيات ذات الطابع الإمبريقي إلى أن الهند وتنزانيا اختارتا اللامركزية وسيلةً لتحسين المستوى المنخفض من السلع العامة وجودتها في المقام الأول20. تستهدف هذه الدراسات رأب الفجوة الكبيرة ما بين الدوافع الحقيقية لدعاة الإصلاحات وما نعتبره أقوى الحجج المدافعة عن اللامركزية من جهة، والجزء الأكبر من الأدبيات الإمبريقية من جهة أخرى. وذلك من خلال التركيز مباشرة على الدور الذي يمكن أن تؤديه اللامركزية في تعميق الديمقراطية وتحسين الحوكمة على المستوييَن الوطني والمحلي. ومعظم المساهمت في هذا العدد إمبريقيةٌ تستخدم المقاربات الكمية والكيفية، وهو عدد يتضمّن مساهمتيَن نظريتيَن (لكلّ من باري وينغست وروجيه مايرسون)، تتسمن بعمق تحليلاتهم لدور اللامركزية في بناء حوكمة ديمقراطية أعمق مم جاء في الأدبيات السابقة، فتدرس كلتاهم التفاعلات القوية بين اللامركزية والتنافس السياسي، والمشكلة المزعجة التي تتمثل في الحكومة المفرطة القوة، ومصادر أخرى لانعدام الاستقرار السياسي. إنّ تلك الدراسات هي نتاج ورشة لافتة للانتباه، عقدتها جامعة كولومبيا في حزيران/ يونيو 2009، برعاية فريق عمل اللامركزية التابع لمبادرة حوار السياسات Dialogue Policy for Initiative. وقد سعت الورشة إلى إعادة توحيد الأكاديميين الذين يدرسون اللامركزية، وراسمي السياسات الذين ينفذونها، وجمعت هذه الورشة، التي انعقدت في يومين، باحثين في مجال البحوث الإمبريقية والنظرية اللامركزية والحكومات المحلية، وممرسي السياسات الذين نفذوا الإصلاحات، أو دعموها، على أعلى المستويات الحكومية، وعلى مستوى المنظمت الدولية. ولم يقتصر الغرض من الورشة على تبادل الأفكار، بل شمل كذلك تحقيق التزاوج بين المعرفة التفصيلية لدى راسمي السياسات والرؤى الخاصة بعمليات الإصلاح الجارية من ناحية، والوضوح المفاهيمي والدقة التحليلية للأكاديميين من ناحية أخرى. وقد انتظمت الورشة من أجل هدف صريح هو تسهيل هذا التكامل، وهذه الدراسات هي خلاصة لكل ذلك. تستند الدراسات في هذا العدد إلى بحوث أكاديمية عُرضت في الورشة، وخضعت للمراجعة في ضوء المناقشات التفصيلية التي أثْرته. وقد استُكمل العدد بدراسات إضافية أُنجزت بتكليف خاص. وتنتمي هذه الدراسات في جوهرها إلى الاقتصاد السياسي المتعدد التخصصات؛ إذ حصَّل أغلبية المؤلفين تكوينًا في السياسة أو في الاقتصاد، لكنهم يعملون بطريقة تصل بين التخصصيَن. أما المناهج المستخدمة في الدراسات، فهي كيفية وكمية على حد سواء، وثمة دراسات أخرى تمزج بين الأمرين، وهي تُظهر القوة التحليلية لما يُطلَق عليه مقاربة الدولة الواحدة والحالات المتعددة Approach Large-N One-Country, A. وتعرف هذه المقاربة انتشارًا سريعًا بين الباحثين في العلوم الاجتمعية21؛ إذ يجري فيها الجمع بين المعرفة التفصيلية عن

  1. ينظر على سبيل المثال: Alberto Diaz-Cayeros, Federalism, Fiscal Authority and Centralization in Latin America (Cambridge: Cambridge University Press, 2006); Faguet, Decentralization and Popular Democracy ; Beatriz Magaloni, Voting for Autocracy: Hegemonic Party Survival and Its Demise in Mexico (New York: Cambridge University Press, 2006); Vijayendra Rao & Michael Woolcock, "Integrating Qualitative and Quantitative Approaches in Program Evaluation," in: F. Bourguignon & L.A. Pereira da Silva (eds.), The Impact of Economic Policies on Poverty and Income Distribution: Evaluation Techniques and Tools (New York: Oxford University Press; The World Bank, 2003), chap. 8; Kare Remmer & Eric Wibbels, "The Subnational Politics of Economic Adjustment: Provincial Politics and Fiscal Performance in Argentina," Comparative Political Studies , no. 33 (2000), pp. 419 - 451; Rodden; Mahvish Shami, "The Impact of Market Exposure on Public Goods Provision," Working Paper , no. 2010/13, Institute of Food and Resource Economics; Frank‐Borge Wietzke, "Universal Primary Education, Private Schooling, and Interreligious Inequality: Evidence from Madagascar," Manuscript, London School of Economics, 2012.
  2. Ibid.; Democratic Decentralization Programming Handbook.

السمت المؤسسية والتاريخية والاقتصادية الخاصة ببلد ما (أو منطقة أو مقاطعة) والبحث الكمي المخصص لوحدات تحليل دون وطنية (مثل البلديات أو المقاطعات). ومن خلال المزج بين المعرفة الكيفية العميقة وأساليب البحث الكمي الصارمة، يمكن أن يقترب الباحثون من هدف عزيز المنال تسعى إليه التفسيرات التي تحاول الجمع بين العمومية والفهم التفصيلي. ويمكّنهم كل ذلك من تجنّب المشكلات التي تطرحها المقارنة بين البلدان Comparison Cross-country مثل الاختلافات في الصدمات الخارجية، والنظم السياسية، والمؤسسات، والموروثات الكولونيالية، والخصائص الثقافية، والعوامل الخارجية الأخرى التي قد لا تؤخذ في الحسبان بالقدر الكافي ضمن البيانات؛ ومن ثم الاستمرار في الاستفادة من الدقة أو الصرامة Formal Rigor التي توفرها دراسات الحالات المتعددة Large-N. وهكذا، يمكن أن يقسّم الباحثون تحليلاتهم على المستويات الوطنية، والإقليمية، والمحلية، وعلى النحو الذي تتطلّبه الأسئلة المختلفة، مع احتفاظهم في الوقت نفسه بتركيزهم مثبّتًا على العوامل التفسيرية المعقدة التي تصعب معالجتها كميًّا؛ مثل المساءلة، والثقة، وريادة الأعمل السياسية. في هذا السياق، يجدر بنا تعريف المصطلحيَن الواردَين في عنوانها. نستخدم التعريف الذي صاغه جون پول فاغت وفابيو سانشيز، وجايمس مانور22 للامركزية على أنها تفويض يُنح من الحكومة المركزية (أي الوطنية) بشأن وظائف محددة، مع جميع الخصائص الإدارية والسياسية والاقتصادية التي تنطوي عليها هذه الوظائف، إلى الحكومات الإقليمية والمحلية (أي الولاية/ المقاطعة والبلدية) التي تكون مستقلة عن المركز ضمن مجالات جغرافية ووظيفية معينة. ونستخدم تعريف فوكوياما للحوكمة23 على أنها "قدرة الحكومة على وضع القواعد وإنفاذها وتوفير الخدمات، بغض النظر عم إذا كانت الحكومة ديمقراطية أو خاضعة لسيادة القانون"25. ويلاحظ أنه ما مِن تعريف خاص بالديمقراطيات؛ وذلك لأن الأنظمة غير الديمقراطية تعتمد اللامركزية أيضًا، وتختبر (نوعًا مختلفًا) من الحوكمة، وينبغي ألا تستبعدها التعريفات ذات المتانة النظرية. تهتم الدراسة أيضًا بالموضوعات الواسعة التي تناولتها تلك الدراسات في هذا العدد. ويحلل المحور الثاني طبيعة المنافسة السياسية في النظام اللامركزي وكيفية تأثرها بالنظام الحزبي، وكيفية تأثيرها كذلك في المساءلة وجودة السياسات. ويفحص المحور الثالث أشكال المساءلة المختلفة في الأنظمة الفدرالية أو اللامركزية، وآثارها في الفساد. ويتناول المحور الرابع السؤال الآتي: كيف يمكن أن تثبط الحوافز اللامركزية أو تزيد من انعدام الاستقرار السياسي؟ أما المحور الخامس، فهو يبحث في الكيفية التي تفرض بها المؤسسات الضعيفة في كثير من البلدان النامية قيودًا غير كافية على سلطة الحكومة، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية بشأن المساءلة السياسية، والاستدامة المالية، والصراع المدني، ومستوى الابتكار، والنمو في الاقتصاد. توفر اللامركزية وسائل وحوافز متوافقة مع القيود على الحكومات القوية. ويحلل المحور السادس العلاقة بين الحوكمة المالية المتعددة المستويات وانعدام الاستقرار في الاقتصاد الكلي. ويعرض المحور السابع إسهام الأدبيات التي تُعنى

  1. Jean-Paul Faguet & Fabio Sanchez, "Decentralization's Effects on Educational Outcomes in Bolivia and Colombia," World Development , vol. 36, no. 7 (2008), pp. 1294 - 1316; Manor.

بالآثار التي تحدثها اللامركزية في مخرجات القطاع العام. ثم نختم في المحور الثامن بتوليفة تجمع نطاق رؤانا النظرية والإمبريقية في نقاش واسع عن إمكانات اللامركزية وإسهامها في التحولات الواسعة التي تشهدها العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتمعية التي تتحدد بها التنمية.

أولً: طبيعة المنافسة السياسية

إذا كانت اللامركزية تهدف إلى تحسين الحوكمة في الديمقراطية مثلم يزعم مؤيدوها، فإنّ جزءًا من سلسلة السببية، على الأقل، ينبغي أن يضم المنافسة السياسية. ربما استطاعت اللامركزية أن تعيد إلى بؤرة الاهتمم بعضَ الخطابات السياسية المتنافسة بشأن الاهتممات المحلية في مقابل الاهتممات الوطنية، أو ترفع مستويات ريادة الأعمل السياسية أو عدم التجانس عن طريق خفض تكلفة ولوج السياسة، أو أن تحدث تغييرات في الخصائص الداخلية للأحزاب السياسية. وقد تؤدي أيُّ سمة من هذه السمت إلى تحسين نتائج في الحوكمة أو تدهورها. ومن اللافت للانتباه أنّ تأثير اللامركزية في طبيعة المنافسة السياسية يبدو مسألة لم تتصدر طليعة الأدبيات خلال العقود الأخيرة، ويتضح هذا الأمر على سبيل المثال إذا عرفنا أن أحدث مراجعتيَن26 للأدبيات العامة عن اللامركزية لم تتناولا هذه المسألة على نحو مباشر27. ذلك ما تحاول تلك الدراسات التجميعية إنجازه. ويشير مايرسون إلى أن أحد التسويغات المهمة التي تقوم عليها الديمقراطية هو أن المنافسة ينبغي أن تحفز السياسيين على تقديم خدمات عامة أفضل بقدر أدنى من الفساد. وهنا يمكن أن يزيد النظام الفدرالي المنظم، على نحو جيّد، المنافسة السياسية عبر عدد من الطرائق، ويوفر حوافز قوية لرسم سياسات عالية الجودة، وتعزيز المساءلة التي يقوم بها المحكومون. يستخلص المنطق الكامن في دراسة مايرسون الدروس والمتشابهات من التحليل الاقتصادي لاحتكار القلة من أجل المنافسة السياسية وتصميم الديمقراطية. ويتعلق أول هذه الدروس بمسارات بديلة يلج من خلالها المرشحون غمر السياسة على المستوى الوطني. فإذا ما وُجد طريق واحد (الأحزاب على المستويات الوطنية على سبيل المثال) فحسب، قد يتواطأ القادة البرلمانيون لإبعاد المنافسين؛ ما قد يؤدي إلى آثار وخيمة تمس الكفاءة والمساءلة. يمكن أن توفر الفدرالية طرائق أخرى نحو السياسة الوطنية بفضل الحكومات الإقليمية والمحلية؛ ومن ثم زيادة المنافسة الشاملة، وتعزيز جودة رسم السياسات في الدولة ونزاهتها. وتزيد اللامركزية من المنافسة من خلال عدد من الميكانيزمات الخاصة ذات الصلة؛ أولها أنها توجد فرصًا جديدة للسياسيين الذين انتُخبوا بوصفهم مستقلين لإظهار قدراتهم على الحكم. وإن احتمل تقدّم المسؤولين المحليين الناجحين إلى مستويات أعلى من السلطة في النظام الفدرالي يزيد من مرونة الطلب السياسي على السياسيين في كل مستوى ما دون القمة، فيحفز تنافسَهم على تقديم خدمات عامة أفضل، ويدفعهم إلى كسب التأييد الشعبي على المستوى المحلي، وهو أمرٌ يقوي أحزابهم على التنافس في الانتخابات على المستوى الوطني. وهذا المسار الانتقالي يعمل في الاتجاهيَن؛ وهكذا فإن رعاية الأحزاب الوطنية للمنافسين المحليين يمكن أن تزيد المنافسة في الانتخابات المحلية. ونتيجة لذلك، فهي تحسّن جودة رسم السياسات المحلية.

  1. وذلك على الرغم من خضوع القضايا ذات الصلة، مثل المساءلة، لتحليلات مفصلة.

وهكذا، يرى مايرسون أنه لا ينبغي منع الأحزاب ذات الامتداد الوطني من المشاركة في الانتخابات المحلية على النحو الذي يحدث بوسائل رسمية في باكستان، وبوسائل غير رسمية في أوغندا، على سبيل المثال. وعلى نحو ممثل، فإن تعزيز المنافسة يعني إزالة العوائق أمام تشكيل الأحزاب الجديدة. ويستند السائد في كل بلد إلى وجود حزبيَن يتنافسان على المستوى الوطني، يملكان درجة من القوة، ويضم كلٌّ منهم عددًا من السياسيين من ذوي السمعة في مجال تقديم الخدمة العامة، ويستند كذلك إلى أن الأحزاب الجديدة يمكنها أن تتطور إذا لم تلبِّ الأحزاب القديمة توقعات الناخبين. إن إقامة حواجز أمام تشكيل الأحزاب الجديدة يمكن أن يدعم بقاء الأحزاب الراسخة فترة أطول، مقارنةً بكونها في "سوق حرة" سياسية، ولهذا السبب غالبًا ما يدفع قادة الأحزاب الراسخة إلى فرض الحواجز. ويمكن أن يزيد تخليصُ السياسات من هذه الحواجز – ومن ثم تخليص الهيئة التشريعية من العوائق التي تحول دون تشكيل ائتلافات أو تكتلات جديدة – المنافسة، وأن يحسّن جودة الحوكمة. وتبرز عواقب إهمل توصيات مايرسون على نحو أكثر في الأرجنتين، وهو البلد الذي يعاني جودة أقل في السياسة العامة مقارنةً بتوقعات مستوى التنمية البشرية فيه، مثلم يشير إلى ذلك أردناز وليراس وتوماسي. لم  ذلك؟ يعثر المؤلفون على الإجابة في سياسات النظام الفدرالي الخاص بالأرجنتين، الذي يتسم بوجود "بارونات" baronies سياسية قوية في بعض أفقر مقاطعات الأرجنتين وأقلها تطورًا، وبعضها موروث. وتسمح بنية المساءلة التشريعية في الأرجنتين (التي سنناقشها) لبارونات المقاطعات هؤلاء باستخراج ريع ماليّ من الحكومة الفدرالية، وبناء "ولايات ريعية دون وطنية" States Subnational Rentier. وفي28حلقة مفرغة جدًّا يستخدم شاغلو السلطة هذه الريع لفرض قيود على المنافسة السياسية داخل محلياتهم، وإضعاف القيود المؤسسية والقانونية على سلطتهم على المستوى الوطني، وتقويض الديمقراطية التنافسية في جميع أنحاء الأرجنتين. من الدروس المستفادة من الأرجنتين أن الفاعلين دون الوطنيين يملكون حوافز كبيرة لتحويل النظام الفدرالي في اتجاه تحقيق غاياتهم الخاصة. فكيف يمكن أن تتجنّب الدول التي تروم اعتمد اللامركزية ذلك؟ يقول وينغست: "ما المؤسسات والقوى التي توفر حوافز للمسؤولين السياسيين، بحيث تدفعهم إلى احترام قواعد الفدرالية؟ إنّ الاستقرار الفدرالي، كم بيّ وليم ريكر33، "يواجه مشكلتيَن: القوى الجاذبة Centripetal Forces حيث يستحوذ المركز على سلطات المستويات الدنيا، والقوى الانقسامية Forces Fissiparousالتي تتسبب في إخفاق النظام الفدرالي بسبب مشكلات تواجه المقاطعات الدنيا، تتعلق بالانتفاع المجاني ومشكلة الممتلكات العامة المشتركة"34. وحتى يكون النظام الفدرالي مستقرًا، ينبغي له أن يشق طريقًا ما بين هذه المخاطر التي تواجهه. فكيف يمكنه ذلك؟ يحاجّ وينغست في أن شكل النظام الحزبي هو مفتاح الإجابة عن ذلك. فبعض البلدان تملك نظمً حزبية تمنح النخب الوطنية الهيمنة، في حين يمنح بعضها النخبَ المحلية الأولويةَ، ويوازن بعضهم الآخر بين سلطات

  1. Carlos Gervasoni, "A Rentier Theory of Subnational Regimes: Fiscal Federalism, Democracy, and Authoritarianism in the Argentine Prov­inces," World Politics , vol. 62, no. 2 (2010), pp. 302 - 340.
  2. William Riker, Federalism: Origin, Operation, Significance (Boston: Little Brown, 1964), p. 2.
  3. التشديد في الاقتباس من إضافتنا.

الجانبيَن. عندما تهيمن النخب الوطنية على الأحزاب، يمكنها إجبار القادة المحليين على الإذعان للتغيرات المؤسسية التي تهدد بفقدانهم سلطاتهم. ومن الأمثلة الدالة على ذلك المكسيك في فترة الحزب الثوري المؤسسي 1929 - 2000، والهند في فترة قيادة حزب المؤتمر 1947 - 1996. وعلى النقيض من ذلك؛ حيثم هيمنت النخب المحلية، فإن النظام الحزبي يوظَّف لإجبار نخب المستويات الوطنية على قبول إساءة استخدام موارد الممتلكات العامة المشتركة على المستوى المحلي. ومشكلة عمليات الإنقاذ الإقليمية المتكررة في الأرجنتين هي خير مثال في هذا السياق. ولكن عندما يتسم النظام الحزبي بالموازنة بين النخب الوطنية والمحلية، فإن كل جانب سيدافع عن صلاحياته؛ ما يخلق "توترًا صحيًّا" يمكن أن تزدهر فيه الفدرالية35. يقول وينغست إنّ ثمة شرطين مطلوبان لظهور هذا النظام الحزبي المتوازن والمتكامل: "أولً، يجب أن يكون لدى السياسيين حوافز للتعاون عبر المستويات السياسية والأقاليم من أجل الفوز في الانتخابات. ثانيًا، ينبغي أن يكون لدى المسؤولين السياسيين، بمجرد توليهم المنصب، حوافز للالتزام بالقيود. سيكون في مثل هذا النظام، على سبيل المثال، سياسيون محليون يعتمدون على سمعة حزبهم في امتداده الوطني، وسياسيون على المستوى الوطني غير قادرين على إنشاء تنظيم وطني مستقل خاص بهم، بحيث يضطرون، نتيجةً لذلك، إلى التعاون مع التنظيمت السياسية المحلية وتعبئتها بغية الفوز في الانتخابات؛ أي إنّ السياسيين ينبغي أن يتعاونوا، لا أن ينتفع بعضهم من بعض، وهو أمرٌ ينتهي إلى خلق نظام سياسي متكامل من أعلى إلى أسفل"36، يكون في وسعه الحفاظ على الفدرالية. تعتمد كل هذه الحجج على المنافسة التي تحدث من خلال الأحزاب السياسية، وهي أكثر شكل خضع للدراسة. ولكن ماذا عن المنافسة السياسية غير الحزبية، وهي في البلدان النامية ظاهرة تنتشر في المستويات الدنيا من النظام السياسي؟ يحاجّ غالبًا بالآثار المفيدة لهذه الظاهرة في المشاركة والمساءلة والاستقرار37، على الرغم من عدم خضوعها للدراسة الكافية مقارنةً بدراسات المنافسة السياسية الحزبية. وقد فحص ألبرتو دياز-كايروس وبياترس ماغالوني وألكسندر رويز نوعًا من المنافسة غير الحزبية في عمليات اتخاذ القرار الجمعية التي تحدث في أواكساكا Oaxaca بالمكسيك، المعروفة باسم Usos y costumbres (العادات والأعراف)38. وهو شكل من الأشكال التقليدية الكثيرة للحكم الذاتي المحلي التي تمارَس في أنحاء أميركا اللاتينية، وتعود جذورها إلى ما قبل كولومبوس. وخلص هؤلاء الباحثون إلى أن مجتمعات السكان الأصليين الفقيرة التي تحكمها العادات والأعراف، تتمتع بمستويات أعلى من المشاركة المدنية وحوكمة أفضل، مقارنةً

  1. 0 3  هذا مجال غني ومتطور، ولمزيد من الاطلاع يشكّل كتاب جيوفاني سارتوري إحدى الكلاسيكيات المهمة في دراسات الأحزاب والنظم الحزبية، ينظر: Giovanni Sartori, Parties and Party Systems: A Framework for Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 1976); يربط أرندت ليبهارت بين النظم الحزبية والقوانين الانتخابية والنظم البرلمانية من جهة، والأداء الحكومي الأوسع من جهة أخرى. ينظر: Arend Lijphart, Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty-Six Countries (New Haven: Yale University Press, 1999).
  2. ص.6
  3. Giovanni Carbone, "Political Parties in a 'No-party Democracy': Hegemony and Opposition under 'Movement Democracy' in Uganda," Party Politics , vol. 9, no. 4 (2003), pp. 485 - 501.
  4. يقول المؤلفون إن مبدأ العادات والأعراف يتضمن انتخاب الأفراد لشغل مناصب قيادية من خلال القانون العرفي في انتخابات غير حزبية، واتخاذ القرارات بوساطة الديمقراطية التشاركية، ومراقبة الامتثال عبر نظام موازٍ (وغير رسمي في أغلب الأحيان) لإنفاذ القانون والعدالة المجتمعية (ص. 10)

بالمجتمعات الفقيرة الممثلة التي تتنافس فيها الأحزاب على السلطة. ويمكن رصد هذه المزايا بطريقة كيفية، وهي ذات دلالة إحصائية في 640 بلدية. وتدفع النتائج التي توصّل إليها الباحثون للواجهة بأسئلة أساسية، منها: ما الذي تعنيه "المنافسة السياسية"؟ وكيف ينبغي تقييد السباقات الانتخابية؟ وما أنواع المنظمت التي ينبغي أن تشارك حتى تتحقق الفوائد النظرية العديدة للمنافسة؟

ثانيًا: المساءلة العامة والفساد

طُرِق موضوع المساءلة العامة على نطاق أوسع في أدبيات اللامركزية إذا ما قورنت بالمنافسة السياسية. وتعود نظرية اللامركزية والمساءلة العامة إلى جون ستيوارت مل39، ومونتسكيو40، وجان جاك روسو41، وألكسيس دي توكفيل42، الذين ناقشوا الحجم والتشكيل الأمثل للوحدات السياسية التي تخدم مصالح مواطنيها. وربما يكون كتاب جون واليس ووالاس أوتس43 أفضل مثال دالّ على التعامل الحديث مع هذه المسألة، وهو كتاب يُستشهد به على نطاق واسع. ويحاجّ المؤلفان في أن اللامركزية يمكن أن تجعل الحكومة أكثر استجابة للاحتياجات المحلية عبر "تكييف مستويات الاستهلاك مع تفضيلات أصغر المجموعات وأكثرها تجانسًا"44. يعتمد المنطق الكامن في هذه المناقشة في قوة تحليل التوازن الساكن المقارنCompar­ative Static على النحو الآتي: من خلال نقل القوة والسلطة من المستويات العليا إلى المستويات الأدنى للحكومة المنتخبة من قواعد انتخابية محلية، تغيّ اللامركزية جذريًّا الحوافز التي تواجهها السلطات المحلية؛ ونتيجة لذلك، تغيّ سلوكياتها. ففي ظل المركزية، لا ينتخب المواطنون المحليون السلطات "المحلية"، بل يجري اختيارها من جانب السلطات في المستويات العليا؛ ومن ثم تكون المساءلة المباشرة عن أدائها في المركز الذي يحظى بسلطة على وظائف أعضائها ورواتبهم وآفاقهم المهنية الأوسع45. ولا تتجه المساءلة إلى أسفل نحو المواطنين الذين يستهلكون السلع والخدمات العامة المحلية باستثناء بعض الإقالات؛ بمعنى أنّ المسؤولين المركزيين يدينون بمناصبهم في نهاية المطاف للناخبين على المستوى الوطني، لا المحلي. لهذا، يواجه المسؤولون "المحليون" حوافز قوية وواضحة للاستجابة لأولويات الحكومة المركزية واهتمماتها، وحوافز ضعيفة ومكتومة للاستجابة لاحتياجات المواطنين المحليين. أما اللامركزية فتعيد توجيه هذه الحوافز، ويعدّ هذا الأمر أهم تأثير تُحدثه؛ إذ يصير المسؤولون "المحليون" Local محليين فعلً، وتكون فترة ولايتهم وآفاقهم المهنية في أيدي المواطنين

  1. John Stuart Mill, Utilitarianism; on Liberty; Considerations On Representative Government; Remarks on Bentham's Philosophy , G. Williams (ed.) (London: Everyman, 1993).
  2. Jean-Jacques Rousseau, On the Social Contract: With Geneva Manuscript and Political Economy , R.D. Masters (ed.), J.R. Masters (trans.) (New York: St. Martin's Press, 1978 [1762]).
  3. Alexis de Tocqueville, Democracy in America , H. Reeve (trans.) (London: Everyman's Library, 1994).
  4. John Joseph Wallis & Wallace Oates, "Decentralization in the Public Sector: An Empirical Study of State and Local Government," in: H. Rosen (ed.), Fiscal Federalism Quantitative Studies (Chicago: University of Chicago Press, 1988), pp. 5 - 32.
  5. Ibid., p. 5.
  6. Riker.

الذين يخدمونهم، والذين ينتخبونهم. يتمثل تأثير اللامركزية في توثيق عُرى المساءلة بين الذين ينتجون السلع والخدمات العامة والذين يستهلكونها. يمكن أن يتعرض هذا الأثر للامركزية في تعزيز المساءلة للتقويض إذا كان نطاق الحكومة المحلية صغيرًا نسبيًّا؛ ما يجعلها عُرضة لاستيلاء النخب عليها، مثل مُلّك الأراضي أو أرباب العمل. وفي هذه الحالة، قد توظف جمعات المصالح "الكبيرة" المحلية ثرواتها ونفوذها الاجتمعي من أجل تغيير رسم السياسات لمصلتحها؛ عن طريق تمويل حملة محلية، أو الضغط على الموظفين للتصويت على نحو معيّ. وهذا يؤدي إلى تقويض مساءلة الحكومة المحلية أمام الناخبين على النحو الذي بيّنه برانب باردان وديلب موكرجيه46، وهاري بلير47، ودريز وسان48، وريمي برودوم49. وقد مثّل إخضاع هذه الادعاءات للاختبار أحد الاهتممات البحثية الرئيسة للباحثين في الدراسات الإمبريقية قبل جيل، ويعدّ كتاب روندينلّ وآخرين50 أحد الأعمل الكلاسيكية التي يُستشهد بها على نحو واسع. خلص هذا الجيل من الدراسات إلى نتائج مختلطة في أحسن الأحوال، مع وجود تجارب قُطرية فيها من الإيجابية والغموض، من دون أن تجري موازنتها بدراسات أخرى كانت قد كشفت، على سبيل المثال، عن تعرُّض اللامركزية للتحييد في أكثر البلدان من خلال ميكانيزمات متقنة للإشراف والسيطرة المركزيَيّن51؛ وحيثم فشل التحييد، انحرفت البيئات الانتخابية الصغيرة التي أوجدتها الإصلاحات عن اتجاهها، وقُوّضت المساءلة أمام الأغلبية55 تحت تأثير المصالح القوية. وفي السنوات الأخيرة، تراجعت شعبية هذا الموضوع تراجعًا كبيرًا، بسبب زيادة النزعة الكمية في الحقل على ما يبدو. لكن اللافت للانتباه أنّ الدراسات الكمية القليلة التي اختبرت هذه المسألة في الآونة الأخيرة قد خلصت إلى نتائج أكثر إثارة للاهتمم؛ منها أن اللامركزية تجعل الحكومة أكثر استجابةً للاحتياجات المحلية56، وتزيد المواطنين رضًا عن الخدمات المحلية57، وتساعد الحكومة في استهداف برامج مكافحة الفقر الاستهداف الأفضل58.

  1. Pranab Bardhan & Dilip Mookherjee (eds.), Decentralization and Local Governance in Developing Countries: A Comparative Perspective (Cam­bridge, MA: MIT Press, 2006); Pranab Bardhan & Dilip Mookherjee, "Relative Capture of Local and Central Governments: An Essay in the Political Economy of Decentral­ization," Unpublished Paper, University of California, Berkeley, 1999.
  2. Harry Blair, "Participation and Accountability at the Periphery: Democratic Local Governance in Six Countries," World Development , vol. 28, no. 1 (2000), pp. 21 - 39.
  3. Jean Dreze & Amartya Sen, India: Economic Development and Social Opportunity (Delhi: Oxford University Press, 1996).
  4. Re'my Prud'homme, "On the Dangers of Decentralization," World Bank Research Observer , no. 10 (1995), pp. 210 - 226.
  5. Joel Samoff, "Decentralization: The Politics of Interventionism, Development and Change ," vol. 21, no. 3 (1990), pp. 513 - 530; David Slater, "Territorial Power and The Peripheral State: The Issue of Decentralization," Development and Change , vol. 20, no. 3 (1989), pp. 501 - 531.
  6. Brian Smith, Decentralization: The Territorial Dimension of the State (London: George Allen & Unwin, 1985).
  7. Harold Alderman, "Do Local Officials Know Something We Don't? Decentralization of Targeted Transfers in Albania," Journal of Public Economics , vol. 83, no. 3 (2002), pp. 375 - 104; Faguet & Sanchez, pp. 1294 - 1316; Manor.
  8. World Bank, Colombia Local Government Capacity: Beyond Technical Assistance , World Bank Report 14085-C (Washington, DC: 1995).
  9. Emanuela Galasso & Martin Ravallion, "Decentralized Targeting of an Antipoverty Program," Journal of Public Economics , vol. 89, no. 4 (2005), pp. 705 - 727.

تستخدم الدراسات في هذا العدد الخاص أدلة ثرية ومتعددة المستويات من الأرجنتين والصين والمكسيك لدفع نظرية المساءلة والفساد بعيدًا عن هذه البدهيات الثابتة، وفي اتجاه فهمٍ أعمق للحوافز الدينامية التي تعمل على طول العلاقات المالية والسياسية في النظام الفدرالي. وتنتقل هذه الدراسات إلى مستوى أعلى من التعقد، بحيث يمكنها تضمين الحوافز الخطية المتعلقة ب "البيروقراطي مقابل الانتخابي"، الموضحة آنفًا، في نموذج أوسع تتفاعل فيه الضرورات المالية والسياسية، ويضم المسؤولين الحكوميين على كل المستويات؛ المحلية، والإقليمية، والمركزية. يحلل أردناز وآخرون الفدرالية الأرجنتينية عبر منظار عملية معينة في رسم السياسة التي تميز هذا البلد، والتي غالبًا ما تكون السياسات فيه نتاجًا للتبادلات بين الرئيس وحكام المقاطعات. في هذه التبادلات، يتبادل الرؤساء التحويلات المالية بغية الحصول على دعم الفاعلين الإقليميين للسياسات الوطنية. لكن نادرًا ما تجري هذه المعاملات في الكونغرس، الذي يعمل في كثير من الأحيان مثل هيئة شكلية للتصديق، من دون مناقشة حقيقية Body Rubber-Stamping A، ويضفي الطابع الرسمي على الصفقات التي يبرمها الرئيس وحكام المقاطعات وجمعات المصالح مسبقًا في المساحات غير الرسمية. ينظر أعضاء الكونغرس إلى زعمء الأحزاب الإقليمية التي ينتمون إليها على أنهم رؤساؤهم في العمل، خاصة عندما يكون الزعيم هو حاكم المقاطعة. وباختصار، إن "زعمء الأحزاب في المقاطعات هم الذين يقررون مسألة إرسال شخص ما إلى المؤتمر الوطني، ويتحكمون في إعادة التعيين في المناصب ومدة ولايتها59. لذلك، فالمستقبل السياسي لشاغل المنصب ينظَّم على مستوى المقاطعات، وتتحدد المصائر السياسية في مباريات تجري على المستويات المحلية"60. يتمثل التأثير الأعمق لهذه الدينامية الفدرالية في تقليص دائرة المساءلة التشريعية لجهة جعل أعضاء الكونغرس مسؤولين أمام قادة الأحزاب الإقليمية، لا أمام الناخبين، وهذا يسمح لقادة المقاطعات بالسيطرة على جوانب السياسات الوطنية (القانون الانتخابي، والموارد المالية، على سبيل المثال) على نحو يمكّنهم من إثبات قوتهم وتوسيع نفوذهم. حكام الولايات الأكثر فعالية في هذه "اللعبة" هم الذين ينتمون إلى أقل المقاطعات نموًّا حيث السياسة أكثر عرضة للانحراف عن مسارها. والنتيجة النهائية هي ضعف المساءلة العامة؛ ليس فيم يخص مقاطعات بعينها فحسب، بل يشمل ذلك البلد كلّه أيضًا. ومن وجهة نظر الباحثين، يشكّل هذا الأمر السبب الرئيس للتقلّب المعروف في السياسات الأرجنتينية؛ ما أفضى إلى الافتقار إلى الصدقية والفشل في تحقيق النتائج الاقتصادية والاجتمعية المبتغاة. يتعارض هذا الأمر مع النظام الفدرالي الذي تحلله مايلين بيرني عن الصين. فعلى عكس الفدراليات الغربية، مثل البرازيل وكندا وألمانيا والولايات المتحدة، التي تتسم بالمركزية في السياسة والسياسة الحزبية، تُعدّ الصين أساسًا فدرالية إدارية ومالية مبنية على حكم الحزب الواحد61. هنا، لا يتعلق ضعف المساءلة العامة بتوازن القوة التشريعي، بل مردّه مشكلات خطِرة في المعلومات المتعلقة بشكل المساءلة واتجاهها. وينتج من ذلك

  1. (ص 9 [المجلة.)]
  2. للاطلاع على مناقشة بشأن الخصائص الفدرالية في الصين وتأثيراتها المتنوعة، ينظر: S.P. Gupta, Nicholas Stern & Athar Hussain, Development Patterns and Institutional Structures: China and India (New Delhi: Allied Publishers, 1995); Gabriella Montinola, Yingyi Qian & Barry Weingast, "Federalism, Chinese Style: The Political Basis for Economic Success," World Politics , vol. 48, no. 1 (1996), pp. 50 - 81.
  3. Mark Jones et al., "Amateur Legislators – Professional Politicians: The Consequences of Party-cen­tered Electoral Rules in a Federal System," American Journal of Political Science , vol. 46, no. 3 (2002), pp. 656 - 669.

ما تسميه بيرني حكم التفويضات Mandates of Rule؛ وهو نظام يستهدف الحفاظ على السيطرة السياسية على المسؤولين من المستوى الأدنى من خلال حوافز محددة جيدًا، مثل العقود التي تسعى إلى أهداف محددة بحسب مستوى الأهمية، وما يرتبط بها من مكافآت، وترقيات، وغرامات، وعقوبات أخرى. تسير التفويضات جنبًا إلى جنب مع قوانين النظام نفسه، لكنها ليست علنية – بخلاف القوانين – وهي تغطي مجموعة محدودة فقط من القضايا، وتستهدف إحداث نتائج في حد ذاتها بدلً من الالتزام بعمليات معينة. وفيم يتعلق بالحوافز الوظيفية الممنوحة للمسؤولين المحليين، فإنّ التفويضات تتفوق على القوانين. وفي سياق الفدرالية الصينية، يجعل حكم التفويضات مسألة تحديد المسؤولين الفاسدين ومعاقبتهم عصيّة على النظام. أولً، تعني المسؤولية الجمعية أن المسؤولين يواجهون عوامل مؤسسية تدفعهم إلى مساعدة زملائهم عبر تجاهل الإبلاغات الكاذبة أو المساعدة في تقديمها. ثانيًا، لا يتمتع كبار المسؤولين بإمكانية الوصول إلى المعلومات التي يمتلكها سكان القرى حول التنفيذ المحلي للقوانين، والتي سيكون جمعها على نحو منهجي مكلفًا جدًّا. تحلّ اللامركزية الديمقراطية هذه المشكلة عبر الانتخابات المحلية، والضغط، والحملات، والصحافة الحرة، وجميع أجهزة الديمقراطية ذات الصلة التي تستخرج وتجمع معلومات الأفراد عن الأداء المحلي بتكلفة منخفضة نسبيًّا. أما في الصين، فيستبعد حكم الحزب الشيوعي عددًا من هذه الميكانيزمات، ويضيف حكم التفويضات قيودًا أخرى. لذلك، نادرًا ما يكون الجمهور على دراية بالصلاحيات الممنوحة للمسؤولين المحليين؛ ومن ثم ما مِن طريقة لتقييم أدائهم. وإذا ما جرى إعلام الجمهور، فقد يعترض الكثيرون على الأولويات المتضمنة في هذه التفويضات، وهو أمر لن يفضي إلى المساءلة، بل إلى عدم الاستقرار السياسي. وتشير الأدلة التي جمعتها بيرني إلى أن المسؤولين المحليين يختبئون وراء التفويضات لحمية فسادهم في واقع الأمر. إن الشكل الذي تتخذه المساءلة في الصين يؤثر بشدة في قدرتها على تحقيق أحد أهدافها الرئيسة، وهو الحدّ من الفساد. ويشدد دياز-كايروس وآخرون على هذه الفكرة الأوسع؛ إذ تشكل الحكومة المحلية، من خلال العادات والأعراف غير الحزبية، حكومة أكثر استجابة وخضوعًا للمساءلة بسبب العمليات التي تميز العادات نفسها؛ مثل التشاور المستمر مع المواطنين والمراقبة والعقوبات المستمرة حين يجتمع المواطنون في التجمعات العامة. ويؤدي غياب هذه العمليات في الديمقراطيات الحزبية إلى خسارة المواطنين للفاعلية مقارنةً بالديمقراطيات التشاركية.

ثالثًا: الحدّ من عدم الاستقرار السيايس

ثمة خيط ضئيل في أدبيات اللامركزية، لكنه وثيق الصلة ببعض أصعب مشكلات السياسات في العالم، يتعلق بالصراع الإثني وعدم الاستقرار السياسي. هل يمكن أن تؤدي اللامركزية إلى تخفيف التوترات السياسية وتقليص مخاطر العنف أو الانفصال من خلال نقل السلطة والموارد إلى المستويات الحكومية الأدنى؟ يُعدّ هذا النوع من الأسئلة أكثر صلة بالدول غير المتجانسة، ذات الهويات دون الوطنية القوية (عادةً ما تكون إثنية، أو إقليمية، أو دينية). وحين تكون هذه المجموعات أقلية سكانية على المستويات الوطنية لكنها تشكّل أغلبية في بعض المناطق، يمكن أن تؤدي الحكومة الشديدة المركزية إلى تفاقم المظالم، وتظهر مشاهد من العنف، أو مطالب بالانفصال، تطالب بها الجمعات المتمسكة التي تشعر بأن السلطة تستبعدها. ويُحاجّ هنا في أن اللامركزية يمكن أن تخفف من هذه التوترات من خلال تسليم السيطرة على الحكومات المحلية والموارد

إلى القادة المحليين في أنحاء البلاد، والذين سيكونون، في بعض المناطق، قادة للمجموعة (أو المجموعات) المتضررة. ويحاجّ المؤيدون62 في وجود أثر إيجابي مزدوج. أولً، يمكن للحكومات اللامركزية تنفيذ سياسات أكثر ملاءمة للاحتياجات والتفضيلات المحلية للسكان غير المتجانسين (مثل التعليم، والبث بلغات الأقليات على سبيل المثال)، ومن ثم معالجة جوهر المظالم التي تمتد إلى مجموعات الأقليات. ثانيًا، يمكن أن تقلّل الحكومة الوطنية، في حال تلبية مطالب الذين يرغبون في التسوية في اتجاه حكم ذاتي محدود، الدعمَ السياسي الذي يحظى به القادة الذين يروجون للعنف أو الانفصال. أما حين تصطدم مجموعة معقدة من الشكاوى والمطالب ب "جدار" من المركزية، فالمرجح أن تنمو الدعوة إلى العمل الراديكالي، بخلاف الحالة التي تواجه فيها هذه المطالب دولة مرنة وقادرة على التكيف. بعبارة أخرى، قد تشجع الحكومة المركزية المتجانسة – وإن عن غير قصد – ظهور زعمء يثيرون القلاقل داخل مجموعات الأقليات، ويروجون للتمرد ضد الدولة. أما النظام اللامركزي المتعدد المستويات، فيعزز ظهور نوع إداري مختلف من القادة، يسعون إلى العمل من داخل الدولة لمصلحة ناخبيهم. في أغلب الأحيان، يجري التعامل مع حجج اللامركزية وعلاقتها بعدم الاستقرار السياسي باعتبارها فئة نظرية منفصلة، لكنها تبدو في جوهرها تطبيقًا معينًا لحجة المساءلة التي فصّلنا فيها آنفًا. وفي السياق الخاص بالدولة غير المتجانسة التي تتسم بالتركز المكاني لمجموعات الهوية، يمكن أن تفضي اللامركزية إلى تجفيف منابع التوترات السياسية إذا ما شُكلت حكومات أكثر استجابة لمطالب هذه المجموعات ومصالحها. ويؤدي القيام بذلك إلى أثر إضافي يتمثل في تغيير الديناميات الداخلية للتنظيم والقيادة داخل مجموعات الأقليات، وتحل محلّ التفضيلات النظامية الخاصة بالكاريزما والتعبئة حول المظالم تفضيلات تتعلق بالإدارة والتنظيم والإنجاز. ومن شأن ذلك أن يقلّل من عدم الاستقرار السياسي، وأن يقلّل من مخاطر الصراع أيضًا. تعتمد تلك الدراسات هذه على مثل هذه الأفكار من خلال تطبيقها أولً على باكستان، وهي دولة تعاني عدم الاستقرار وتواجه العديد من المخاطر، ثم يمضي التحليل أبعد من البلدان غير المتجانسة؛ في اتجاه مشكلة أكثر دقة وعمومية تتعلق بالامتيازات والحوافز والاستقرار في جميع البلدان. يشير مايرسون إلى أدلة إمبريقية عبر الدول مفادها أن النظم الرئاسية أكثر عرضة لخطر الانهيار الديمقراطي مقارنةً بالنظم البرلمانية63. وفي رأيه، يحدث ذلك، على الأقل جزئيًا، لأنه من أجل التمكن من الحكم فعليًّا، يعتمد النظامان على تعاون كثير من الفاعلين السياسيين الذين ينبغي أن يثقوا بالقائد. وتعمل الديمقراطية البرلمانية على مواءمة حوافز هؤلاء الفاعلين مع حوافز الفاعلين في السلطة التنفيذية. وعلى النقيض من ذلك، يمكن أن يستخدم الرئيس (في النظم الرئاسية) التفويض الشخصي المتأتي من الناخبين لمحاولة الالتفاف على فاعلين آخرين؛ ما يضعف الانضباط في الحزب أو يحوّله إلى ولاءات شخصية، وكلاهم يضعف الديمقراطية. وثمة ميزة أخرى في النظم

  1. ينظر على سبيل المثال: Larry Diamond, Jean Linz & Seymour Martin Lipset, Politics in Developing Countries: Comparing Experiences with Democracy (Boulder, CO: Lynne Reinner, 1995); Michael Hechter, Containing Nationalism (New York: Oxford University Press, 2000); Donald Horowitz, A Democratic South Africa? Constitutional Engineering in a Divided Society (Berkeley: University of California Press, 1991).
  2. Carles Boix, Democracy and Redistribution (New York: Cambridge University Press, 2003); Adam Przeworski et al., Democracy and Development (New York: Cambridge University Press, 2000).

البرلمانية هي أنها توفر مخرجًا من الأزمات السياسية حين يعاني القائد فضيحة أو يفقد صدقيته. يصعب في النظم الرئاسية تغيير الرئيس بتفويض شعبي قبل انتهاء ولايته. أما في النظام البرلماني، فيمكن للائتلاف أن يستمر في ممرسة سلطته من دون القائد المتأثرةِ سمعتُه، أو يمكن أن يتشكل ائتلاف جديد أكثر مرونة. وهكذا، يوصي مايرسون بالديمقراطية البرلمانية في حالة البلدان النامية مثل باكستان، على الصعيدَين الوطني ودون الوطني، أكثر مم يوصي بالديمقراطية الرئاسية. وتبرز الحاجة الملحّة إلى التعاون في التحليل الذي يقدمه وينغست عن اللامركزية السياسية، وعن عدم الاستقرار أيضًا. ففي الديمقراطية، تمنح الانتخابات السلطةَ لمجموعات سياسية تستطيع استخدامها لفرض ضرائب على الأشخاص، وتنظيمهم، وسجنهم أيضًا، وأن تعيد، نتيجة لذلك، تحديد حقوق الملكية الخاصة بهم، أو تهديدها في المقابل. أما البلدان النامية، فكثير منها يفتقر إلى السمت المؤسسية التي تحدّ من السلطة التقديرية للحكومة، وتحمي المواطنين من إساءة استخدام السلطة. ومن ثم، حين تجلب الانتخابات فريقًا غير موالٍ للسلطة في دولة نامية، فقد يلجأ الأقوياء إلى وسائل غير دستورية للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم ومصالحهم من التعدي الحقيقي عليها أو التعدي المتخيل. ويشكّل ذلك أحد العوامل الرئيسة لعدم الاستقرار السياسي في الديمقراطيات غير المكتملة Democracies Immature، وهو تفسير رئيس لسبب إخفاق القسم الأكبر من الديمقراطيات الجديدة64. ويؤثر حافز التعدي على حقوق الملكية الخاصة بالآخرين أو مواردهم في علاقات الحكومات على كل المستويات؛ الوطنية والمحلية Relations Intergovernmental. ويميل المسؤولون السياسيون، عبر مستويات مختلفة من الفدرالية، إلى التعدي على سلطة الذين هم في المستويات الأدنى والأعلى منهم ومواردهم. ويسهب أردناز وآخرون في هذه الفكرة وتداعياتها الوخيمة في حالة الأرجنتين. وهنا يجيب وينغست عن السؤال: ما الذي يُبقي النظام الفدرالي السليم صامدًا؟ بقوله إنها "الحوافز". إن الانتخابات توفر حوافز تعويضية في الديمقراطية المستقرة (أي حيث التوازن المؤسسي المستقر)؛ إذ يحتاج المسؤولون السياسيون من جميع مستويات الاتحاد الفدرالي إلى الفوز بمناصب وطنية وإقليمية ومحلية. أما التعدي، فيزرع الخلاف داخل الحزب أو الائتلاف، ويفتح فرصًا سياسية لظهور المعارضة. ونتيجة لذلك، تفرض الحاجة إلى الفوز في الانتخابات على الأحزاب والسياسيين الانضباط؛ ما يدفعهم إلى العمل معًا أكثر مم قد يختلفون. تتعامل الديمقراطيات غير المكتملة مع مسألة الافتقار إلى المؤسسات التي تحدّ من سلطة الدولة من خلال منح المجموعات التي تملك قوة كافية لتهديد الاستقرار امتيازات خاصة بغية إبقائها داخل اللعبة. لكن القيام بذلك أمر غير ديمقراطي بطبيعته، بمعنى أنه يتعارض مع جوهر الديمقراطية؛ أي الحكم الذاتي التشاركي بين الأنداد، والسمح للمواطنين بحكم أنفسهم باستقلالية. وقد يحقق منح الامتيازات الخاصة الاستقرار، لكن الثمن سيكون منح صوت أكبر في القرارات العامة لمجموعة ذات حظوة. وهذا أمرٌ قد يدفع الديمقراطية في اتجاه الأرستقراطية. وتكمن ها هنا فكرة على قدر من الغرابة؛ إذ يركز الترويج للديمقراطية حول العالم على حكومات المستوى الوطني في أغلب الأحيان، ولا سيم على الانتخابات الحرة والنزيهة. لكن الديمقراطيات الفتية كثيرًا ما تفتقر

  1. Zachary Elkins, Tom Ginsburg & James Melton, The Endurance of National Constitutions (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), quoted in: Weingast.

إلى المؤسسات التكميلية التي تحدّ من السلطة وتحمي حقوق المواطنين؛ ومن ثم، تجعل عمليات نقل السلطة، ممكنة لدى الذين يمكن أن تكون خسارتهم أكبر. وفي هذا السياق، يعني الترويج للديمقراطية، من دون شك، الدفع في اتجاه هشاشة الديمقراطية وعدم استقرارها. لكن كيف نبني مؤسسات تعزز الديمقراطية في البلدان التي تكون فيها الديمقراطية هشة أو مفقودة؟ يرى وينغست أن اللامركزية جزءٌ أساسي من الإجابة. فمن خلال تطبيق اللامركزية في الحكومة، يمكن أن يحسم دعاة الإصلاحات هذه المسألة على نحو مزدوج؛ بناء ثقافة وخبرة في الممرسة الديمقراطية، والحد في الوقت نفسه من قوة السلطات المركزية، ومن التهديد الحقيقي والمتصوَّر الذي تشعر به النخب القوية نتيجة لذلك؛ ما يقلّل من تكلفة خسارة النخب الراسخة للسلطة أيضًا؛ إذ يظل في إمكان الأحزاب التي تخسر السلطة على المستوى الوطني أن تأمل في الاحتفاظ بالسيطرة على المستويات دون الوطنية؛ ما يردعها عن تقويض النظام. وفي حالة الانتقال من التسلطية، يقترح وينغست البدء بالديمقراطية على المستوى المحلي، ثم الانفتاح السياسي على المستوى الوطني على نحو تدرُّجي. وقد سلكت تايوان – وهي من أكثر الديمقراطيات الجديدة استقرارًا – هذا المسار تحديدًا. لكن أليست اللامركزية بطبيعتها مزعزِعة للاستقرار؟ يرى مايرسون إمكانية أن تؤدي الفدرالية إلى تفاقم خطر الانفصال الإقليمي، وفي هذا قلبٌ للحجة المقدَّمة آنفًا. افترضت الأدبيات الكلاسيكية عن الفدرالية65، في أغلب الأحيان، أن اللامركزية في بلد متنوع من شأنها مأسسة الانقسامات الاجتمعية أو الإثنية؛ ما يحول دون تلاشي هذه الأخيرة بمرور الوقت، كم أنها ستوفر قاعدة من السلطة والموارد للقادة الانفصاليين. ومثل هذا الخطر يزداد في حالة المقاطعات التي تكون أكبر وأكثر ثراءً، والتي يمكنها أن تصمد وتنجح في التحول إلى دول مستقلة. ويرى مايرسون أن العلاج المباشر هو مقاطعات أصغر. ويقترح قاعدة عامة مفادها أنه لا ينبغي لأي مقاطعة أن تضم أكثر من 20 في المئة من سكان البلاد. وفي باكستان، قد يعني هذا تقسيم البنجاب إلى مقاطعتيَن أو أكثر. ويوفر القيام بذلك فائدة إضافية تتمثل في زيادة القدرة التنافسية الديمقراطية على غرار الأفكار التي نوقشت من قبلُ.

رابعًا: القيود عىل السلطة

ترتبط مشكلة تقييد سلطة الحكومة ارتباطًا وثيقًا بمشكلة عدم الاستقرار السياسي، على النحو الذي بيّنَّا، لكن وينغست يذهب أبعد من ذلك. تلبي جميع الديمقراطيات الناجحة شرط التقييد Condition Limit، الذي يحدّ من مخاطر القوة من خلال تقييد نطاق السلطة السياسية في مواجهة مصالح المواطنين والجمعات. ومثلم حاججنا آنفًا، قد يتحقق ذلك من خلال قواعد مؤسسية ذات أثر عام (كم في حالة الديمقراطيات المكتملة)، أو منح امتيازات خاصة للأقوياء (الشائعة في الديمقراطيات غير المكتملة). ومن الطرائق الرئيسة التي يجري بوساطتها تنفيذ هذه الاستراتيجيات تكون من خلال ترتيبات الوصول المفتوحة في مقابل ترتيبات الوصول المحدودة Orders Access Limited vs. Open. ويكون الوصول محدودًا حين لا يسمح المجتمع إلّ لمجموعات معينة أو أفراد معينين بتشكيل منظمت تحصل على امتيازات معينة يحددها القانون (أي مسؤولية محدودة Liability Limited). أما الوصول المفتوح، فهو حين يكون في إمكان أي فرد، أو

مجموعة، تشكيل مثل هذه المنظمة. وتعدّ البلدان النامية في معظمها مجتمعات ذات وصول محدود، في حين أن معظم البلدان المتقدمة هي ذات وصول مفتوح. ولكن في البلدان النامية، تتجاوز مسألة الوصول المفتوح في مقابل الوصول المحدود مستوى التوصيف لتؤثر في معدل النمو الاقتصادي، وحجم القطاع غير الرسمي، ومستوى الابتكار والكفاءة في الاقتصاد. ويشير وينغست إلى أن الأسواق المفتوحة والتنافسية تتطلب منظمت ذات وصول مفتوح، مثل المنظمت التي توفرها أنظمة الاندماج الشامل Regimes Incorporation General. وعلى النقيض من ذلك، فإن الوصول المغلق، على غرار ما يكون في الاندماج الخاص (وهو يتطلب قانونًا تشريعيًّا)، يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستخدام التعسف السياسي من أجل إيجاد الريع وتوزيعه على المجموعات ذات الحظوة. لذلك، عادة ما تعاني الاقتصادات التي تتميز بالوصول المغلق معدلاتٍ عاليةً من الاقتصاد غير الرسمي (نحو 50 في المئة في أميركا اللاتينية، و 75 في المئة في أفريقيا)، وانخفاض معدلات الاستثمر والابتكار، ومعدلات الإنتاجية والنمو الشديدة الانخفاض، بالنظر إلى معدلات الأجور والموارد المتاحة فيها. وبهذه الطريقة تؤثر طبيعة النظام السياسي تأثيرًا مباشرًا في بنية الاقتصاد وإمكاناته الإنتاجية. لكن أهمية الدخول المفتوح لا تقتصر على الاقتصاد؛ إذ يسمح لخصوم النظام بالتهيكل والتنافس على السلطة؛ لذلك تعدّ المنظمت السياسية عنصرًا مهمً في المنافسة السياسية. وقد أظهرت أبحاث كثيرة أن الحكومة ذات القدرات الاستجابية والخاضعة للمساءلة ترتكز على مجتمع تتزاحم فيه المنظمت المدنية المستقلة66. ومن ثم، يُعدّ الدخول المفتوح إلى المنظمت المدنية بالنسبة إلى ديمقراطية صحية أمرًا ذا أهمية. وفعلً، فإن معظم الديمقراطيات الضعيفة والنظم التسلطية تقيّد الوصول إلى التنظيمت السياسية والاقتصادية، والكثير من المنظمت المدنية أيضًا، ذلك أن هذه المنظمت قد تُضعِف قبضة هذه النظم على السلطة لأنها تعطل العلاقات الزبائنية Clientelistic التي تستند إليها. ويمكن أن تدعم اللامركزية الاستقرار الديمقراطي عبر فرض قيودٍ على السلطات تتوافق مع الحوافز في مختلف مستويات الحكومة. لكن ازدهار اللامركزية، لا سيم بغية إنتاج حكومات محلية خاضعة للمساءلة، يتطلّب الوصول المفتوح إلى المنظمت السياسية والاقتصادية والمدنية التي تدعم السياسات المفتوحة والتنافسية، وتمنح المسؤولين حوافز قوية للاستجابة لاحتياجات المواطنين المحليين. ولضمن استقلالية هؤلاء وجني منافع الفدرالية على النحو الذي تتوقعه النظرية، يرى مايرسون أنه ينبغي أن تكون موازنات الحكومات المحلية وسلطاتها موضّحة ومحمية من خلال الدستور.

خامسًا: الحوكمة المالية المتعددة المستويات

خضعت مسألة العلاقة بين اللامركزية والاستدامة المالية للدراسة في الأدبيات ذات الصلة، وكانت النتائج النظرية متشائمة في معظمها، واهتمت على نحو مركزي بمشكلة الحوافز والسلوكيات المالية (أي الحوكمة)

  1. Jean-Paul Faguet, "Governance from Below in Bolivia: A Theory of Local Government with Two Empirical Tests," Latin American Politics & Society , vol. 29, no. 4 (2009), pp. 29 - 68; Faguet, Decentralization and Popular Democracy ; Robert Putnam, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton: Princeton University Press, 1993); Jennifer Widner, Building the Rule of Law (New York: W.W. Norton, 2001).

في بيئة فدرالية متعددة المستويات67. تواجه البلدان التي تعتمد اللامركزية مشكلة متأصلة تتعلق بالقيود الضعيفة على الموازنة؛ لأن السياسيين على المستوى المحلي يملكون حوافز قوية للإفراط في الإنفاق واكتساب المنافع، في حين تُلقى تكلفة سلوكهم على المستوى الوطني عبر عمليات الإنقاذ المركزية. وهم في قيامهم بذلك يعرفون أن بعض اللوم، على الأقل، عن أي تقصير ترتكبه الحكومة المحلية - مع ما يستصحبه ذلك من خفض في الخدمات العامة والاستثمر والتوظيف - سيُلقى على سياسيي الحكومة المركزية لسببيَن؛ أحدهم أنّ كثيرًا من هذه الخدمات يُوَّل على نحو مشترك، وقد لا يميز الناخبون بوضوح بين الأطراف المسؤولة عن التقصير، والآخر أنّ المركز في إمكانه تلافي العجز بإنقاذ البلدية المعسِة. وتواجه الحكومة المركزية في غضون ذلك مشكلة تتعلق بالالتزام؛ إذ إنّ أيَّ وعد بعدم اللجوء إلى الإنقاذ في المستقبل لن يحظى بالصدقية؛ لأن ردّ فعل الناخبين سيكون عقابيًّا. وجميع الحكومات المحلية تدرك هذا الأمر؛ ولذلك فهي تملك جميع الحوافز التي تدفعها إلى الإفراط في الإنفاق في الحاضر على أمل أنّ إنقاذها سيحدث غدًا68. وفي المجمل، يمكن أن يؤدي مثل هذا السلوك إلى عجز كبير على المستوى الوطني، وإلى عدم استقرار الاقتصاد الكلي. تحلل هذه المجموعة من الدراسات دينامية الاقتصاد السياسي في النظام الفدرالي التي تقود إلى عدم الاستقرار في الاقتصاد الكلي. ويحلل أردناز وآخرون كيف أن عملية رسم السياسة الأرجنتينية الموصوفة آنفًا، والتي تجعل المشرّعين مسؤولين أمام حكام مقاطعاتهم، لا أمام من انتخبوهم، تؤدي دورها في المجال المالي؛ إذ تتحمل حكومات المقاطعات في الأرجنتين حصة كبيرة من إجملي الإنفاق، في حين تجمع في المتوسط ثلث هذا المبلغ فقط. وفي عدد كبير من المقاطعات التي تعدّ أقل اكتظاظًا، تشكّل التحويلات الواردة من الحكومة الفدرالية أكثر من 80 في المئة من عائدات هذه المقاطعات. ويوضح الباحثان أن "القسم الأكبر من حكومات المقاطعات، وفقًا لهذا المنطق، هي وحدات سياسية متعطشةٌ للموارد وحريصةٌ على انتزاع المزايا المالية من الحكومة الوطنية. وفي مقابل ذلك، تحتاج الحكومة الفدرالية إلى أصوات داخل الكونغرس حتى تتمكّن من تنفيذ السياسات الاقتصادية على الصعيد الوطني. ويخلق هذا الوضع مكاسب محتملة تتأتى من التجارة بين الرؤساء وحكام المقاطعات، في حين يصير الكونغرس مجرد 'مصدِّق' Ratifeir على الاتفاقات التي أبرمت في ساحات أخرى غير رسمية"ُ69. وهكذا، تقدّم الأرجنتين مث لً ماليًّا متطرفًا لمشكلة الموارد المالية المشتركة، وهي مشكلة واسعة النطاق خضعت لتحليلات موسعة في الأدبيات الخاصة بالمقاربة المؤسساتية70. ويستغل حكام المقاطعات في هذا البلد نفوذهم على الساحة الوطنية ماليًّا وسياسيًّا. وتخضع الحكومات الوطنية، التي تعتمد اعتمدًا كبيرًا على تعاون هؤلاء لتحقيق أغلبية الكونغرس المطلوبة للحكم، لما يشبه "الفدية المالية"؛ فيستخرج حكام المقاطعات الموارد التي يبنون من خلالها هيمنتهم المحلية، كم يبنون كادرًا سياسيًا على المستوى الوطني. ليس من قبيل المصادفة، إذًا، أنّ مِن أكثر السياسيين الوطنيين نجاحًا على مدار العشرين عامًا الماضية، بمن فيهم الرؤساء كارلوس منعم،

  1. ينظر على سبيل المثال: Elinor Ostrom, Governing the Commons (Cambridge: Cambridge University Press, 1990).
  2. Rodden; Jonathan Rodden, Gunnar Eskeland & Jennie Litvack, Fiscal Decentraliza­tion and the Challenge of Hard Budget Constraints (Cambridge, MA: MIT Press, 2003).
  3. Prud'homme; Rodden; Rodden, Eskeland & Litvack; Vito Tanzi, "Fiscal Federalism and Decentralization: A Review of Some Efficiency and Macroeconomic Aspects," in: Annual World Bank Confer­ence on Development Economics (Washington, DC: World Bank, 1995).
  4. Sebastian Saiegh, "The 'Sub-National' Connection: Legislative Coalitions, Cross-Voting, and Policymaking in Argentina," in: F. Fiorucci & M. Klein (eds.), The Argentine Crisis at the Turn of the Millennium: Causes, Consequences, and Explanations (Amsterdam: Aksant Academic Publishers, 2004), pp. 107 - 126.

ورودريغز سا، ونستور كيرشنر، ينحدرون من المقاطعات الثلاث (لاريوكا، وسان لويس، وسانتا كروز) ذات المراتب الأقل في مؤشر الديمقراطية على المستويات دون الوطنية، الذي جمّعه كارلوس كرفاسوني71. ولثقافة الفدية المالية تكاليف سياسية واقتصادية. فهي على الجانب السياسي، تُضعف واحدة من أهم الميكانيزمات المؤسسية للمساءلة الديمقراطية؛ أي المساءلة الأفقية72. وعلى الجانب الاقتصادي، تؤدي عمليات الإنقاذ الإقليمية المتكررة إلى عجز مركزي مزمن ومتزايد لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، على غرار ما يثبته التاريخ الاقتصادي الأرجنتيني الحديث. كانت الكارثة الاقتصادية الأرجنتينية عام 2001 في معظمها كارثة مالية متجذّرة في الإسراف غير المنضبط في المقاطعات، على الرغم من أن الاهتمم الشعبي انصرف في ذلك الوقت إلى سعر العملة. وقد أدت إلى زعزعة استقرار السياسة على نحو بالغ، ودمرت حكومة دي لا روا Rua la De، وغيّت التوازن التنافسي بين الأحزاب بطرائق لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. ولا عجب في ذلك، فقد لوحظ أن الأزمات المرتبطة بالاقتصاد الكليّ أسقطت الحكومات، وهددت الاستقرار الديمقراطي في عشرات البلدان سابقًا؛ إذ يؤكد دلنغر وويب73، وديفيد ولداسين74، ولويز دو ميلّو77، ومونتيرو وصامويل78، وجود صلة إمبريقية بين اللامركزية وعدم استقرار الاقتصاد الكلي في عينات مختلفة من البلدان النامية والمتقدمة.

سادسًا: مخرجات القطاع العام ونتائجه

تحاجّ الأدبيات النظرية في أن اللامركزية تحسن مخرجاتOutputs القطاع العام من خلال تحسين المساءلة والقدرة الاستجابية للحكومة92؛ إذ ينبغي أن تؤدي المشاركة والشفافية المحلية الواسعة في إنتاج الخدمات العامة إلى خدمات أكثر ملاءمة للاحتياجات الحقيقية للسكان المحليين؛ بجودة أعلى، وبتكلفة أقل أيضًا. وفي مقابل ذلك، يحاجّ آخرون في أن اللامركزية ستؤدي إلى تراجع كبير في تقديم الخدمات العامة حين تقلّ الكفاءة الإنتاجية وتقلّل جودة رسم السياسات، ويحاجّون كذلك في أن الحكومة المركزية تستفيد من اقتصادات الحجم الكبيرEconomies of Scale في إنتاج السلع العامة وجودة أكبر لرأس المال البشري. ويترتب على اللامركزية خسارة في الجانبيَن؛ ما يؤدي إلى سلع عامة أكثر تكلفة و/ أو أقل جودة.

  1. Gervasoni, pp. 302 - 340.
  2. Guillermo O'Donnell, "Horizontal Accountability in New Democracies," Journal of Democracy , vol. 9, no. 3 (1998), pp. 112 - 126.
  3. William Dillinger & Steven Webb, "Decentralization and Fiscal Management in Colombia," Policy Research Working Paper , no. 2122, World Bank, 1999.
  4. David Wildasin, "Fiscal Aspects of Evolving Federations: Issues for Policy and Research," Working Paper , no. 1884, World Bank Policy Research, Washington, DC. 1998.
  5. Alfred Montero & David Samuels (eds.), Decentralization and Democracy in Latin America (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2004).
  6. Wallis & Oates.
  7. Prud'hom­me; Treisman.

وحين تكون الحجج معقولة ومتناقضة، فإن الأمر يعني أن النظرية يشوبها الغموض؛ ما يفتح أ فقًا للعمل الإمبريقي لحلحلة المسألة. وقد طرق متخصصو البحث الإمبريقي بإسهاب، فعلً، الأسئلة الخاصة بتقديم الخدمات العامة (مثل التعليم والصحة)، والنتائج القطاعية (مثل معرفة القراءة والكتابة ومعدلات الإصابة بالأمراض). واعتمدت الدراسات التي أجريت منذ أربعة عقود مضت على الأدلة الكيفية ودراسات الحالة على مستوى الدولة، في حين ظهرت مؤلفات أحدث اعتمدت البلدية أو المقاطعة وحدةً للتحليل، ويجري الجمع بين المعرفة العميقة بالمؤسسات والتاريخ والثقافة في بلد ما من جهة، ومناهج الاقتصاد القياسي التي تدرس الحالات المتعددة Large-N من جهة أخرى. وفي الحالة الثانية، تضيف الدراسات المنتقاة في هذه المجموعة أفكارًا معمقة للامركزية تخص البرازيل، وكولومبيا، وأواكساكا. تتناول سونيا غونكلفز مسألة المساءلة وتوفير الخدمات في دراستها للموازنة التشاركيةParticipatory Budgeting في البرازيل. والموازنة التشاركية هي عملية موازنة بديلة تطلب مدخلات من المواطنين تخص ميزانيات البلدية وأولويات الاستثمر. بدأت رائدة في بلدية بورتو أليغري Alegre Porto، ثم توسّع تنفيذها على نطاق واسع في البرازيل، ويعيش زهاء 30 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 200 مليون نسمة في بلديات تعتمد الموازنة التشاركية. وهي تعمل عبر قناتيَن منفصلتيَن: 1. تحسين تدفّق المعلومات بين المواطنين وراسمي السياسات؛ ما يزيد من فرص التطابق الوثيق بين السلع والخدمات والاحتياجات العامة، 2. التحفيز على المراقبة المنتظمة والواعية من المواطنين والصحافة والجمعات الرقابية لوعود السياسيين (شديدة العلنية)؛ ومن ثم تعزيز مساءلة السياسيين أمام الناخبين. استعانت غونكلفز ببيانات أصلية جمعها فريق عمل تغطي جميع البلديات البرازيلية خلال الفترة 1990 - 2004، مع تنوع كبير في زمن اعتمد الموازنة التشاركية ومدتها، داخل البلديات وفيم بينها (على سبيل المثال، اعتمدت بعض البلديات الموازنة التشاركية مبكرًا، وبعضها الآخر تأخر في اعتمدها، وبعضها انسحب في وقت لاحق، وكثير منها لم تعتمدها على الإطلاق). وخلصت إلى أن البلديات التي تبنّت الموازنة التشاركية زادت الإنفاق على الصحة والصرف الصحي على نحو ملحوظ مقارنةً بالبلديات التي لم تفعل ذلك، بنسبة تراوح بين 20 و 30 في المئة من متوسط العينة. وهذا أمر يتمشى مع التفضيلات المعَّبَّ عنها باستمرار في اجتمعات الموازنة التشاركية. ومن اللافت للانتباه أن هذه الزيادات القائمة على التفضيلات حدثت في بيئات موازنة محايدة؛ فهي لم تحدث نتيجةً لزيادة في الموازنات العمومية أو ارتفاع في نصيب الفرد من إجملي الإنفاق في البلديات. ما يشدّ الانتباه على نحو أكبر هو تأثير الموازنة التشاركية في النتائج الحقيقية؛ إذ خلصت غونكلفز إلى أن البلديات التي تبنّت الموازنة التشاركية سجّلت انخفاضًا ملحوظًا في معدل وفيات الأطفال بمعدل طفل واحد في المئة ألف، أو ما بين 5 و 10 في المئة من إجملي معدل وفيات الأطفال في بداية الفترة. وهو أمر لافت للانتباه؛ بالنظر إلى أن التغيرات في مؤشرٍ مثل معدل وفيات الأطفال يظل مدفوعًا بعوامل اقتصادية وديموغرافية وعلمية تتجاوز مخصصات الميزانية؛ ومن ثمّ، لا نتوقع بالضرورة العثور على أي تأثير للموازنة التشاركية. وتشير الأدلة إلى أن هذا النوع من الموازنة يقلّل التباينات المتعلقة بالمعلومات بين راسمي السياسات والمواطنين، ويشجع على المزيد من الإشراف المكثف للمواطنين على أنشطة هؤلاء، وهو أمرٌ يعمل على تحسين مساءلة الحكومة واستجابتها عبر قنوات توقعتها نظرية اللامركزية ذاتها.

ويخبرنا غرانادوس وسانشيز عن تجربة لافتة للانتباه في كولومبيا؛ إذ أسندت بعض البلديات خدمات المياه والصرف الصحي إلى شركات القطاع الخاص، وأبقت بلديات أخرى هذه الخدمات في مسؤولية الحكومة المحلية. وقد اعتمد الباحثان على قاعدة بيانات كبيرة تضم أكثر من 95 في المئة من أصل 1200 بلدية كولومبية، ثم استعانا بنموذج فرق الفروق Model Difference-In-Differences الذي سمح لهم بالتحكم في الخصائص البلدية، بغية تقدير آثار إصلاح خدمات المياه والصرف الصحي في وفيات الأطفال. وأظهرت النتائج التي خلصا إليها أن البلديات التي خصخصت تقديم الخدمات عانت ارتفاعًا كبيرًا في وفيات الأطفال، مقارنةً بالبلديات التي أبقت على الخدمات في أيدي الحكومة المحلية. هذه النتائج لا تشدّ الانتباه بسبب الأدلة التي تقدمها فيم يتعلق باللامركزية في حد ذاتها فحسب، بل لأنها تقدّم أدلة قوية بالنسبة إلى الفعالية النسبية لمختلف أشكال اللامركزية أيضًا. ووجهة النظر الاعتيادية هي أن السوق تمثل شكلً لامركزيًا من التمويل المالي. ونعثر على وجهة النظر هذه أولً في كتاب ثروة الأمم لآدم سميث، ثم في النقاشات التي شهدها القرن الثامن عشر المرتبطة بالدور المناسب للدولة في اقتصاد السوق. وصارت وجهة النظر هذه موضوعًا رئيسًا في السجال الذي ساد ثلاثينيات القرن العشرين بشأن الكفاءة في توزيع الموارد في الاقتصاديات الاشتراكية مقابل اقتصاديات السوق. وفي هذا النقاش، أشار حايك وآخرون إلى أن المعلومات المطلوبة لتوزيع الموارد بكفاءة تتناثر بين الفاعلين في أنحاء الاقتصاد كله، فيحل اقتصاد السوق مشكلة المعلومات بطريق إخضاع سلطة اتخاذ القرار للامركزية لفائدة الفاعلين الأفراد الذين يتصرفون وفقًا لمصلحتهم الذاتية، ويجري التنسيق بينهم بحسب أسعار السوق. وعلى النقيض من ذلك، توظف الاقتصادات الاشتراكية سلطة اتخاذ القرار في مخطط مركزي يعمل على أساس المعلومات التي ينقلها فاعلون أفراد. قورنت أنظمة توزيع موارد السوق الاشتراكية المركزية واقتصاد السوق اللامركزي على أساس المتطلبات التي تفرضها معالجة الاتصال والمعلومات في كليهم، والحوافز والسلوكيات الفردية التي ظهرت في كليهم نتيجةً لذلك. وادّعى أنصار السوق تفوّق السوق في الكفاءة؛ لأنها تحتاج إلى متطلبات أقل في مجال الاتصال الفعال والدقيق داخل سياق يعجّ سلفًا بإشارات السوق، ولأن معالجة المعلومات تتوزع عبر الفاعلين في جوانب الاقتصاد برمته، وهؤلاء توجّههم حوافزُهم الأنانية في اتجاه الحساب الدقيق. وعارض أنصار الاقتصاد الاشتراكي ذلك بالقول إن التخطيط المركزي كان طريقة طبيعية تسمح بتلافي المشكلات العميقة المتعلقة بعدالة التوزيع، والتأثيرات الخارجية Externalities، وزيادة العائدات، والسلع العامة التي تضر بطبيعتها الأنظمة اللامركزية. ويقدّم ليونيد هورفيتز لمحة عامة مهمّة عن هذه الأدبيات، وعن تطورها اللاحق. ويستعرض موكرجيه دراسات نظرية أحدث، مع التركيز على نظرية تصميم الآليات.Mechanism Design Theory

  1. Adam Smith, An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations (London: Everyman, 1991 [1776]).
  2. Friedrich Hayek, A Individualism and Economic Order (Chicago: University of Chicago Press, 1958).
  3. Leonid Hurwicz, "On Informationally Decentralized Systems," in: R. Radner & C. McGuire (eds.), Decision and Organization (Amsterdam: North Holland, 1972), pp. 297 - 336; Leonid Hurwicz, "The Design of Mechanisms for Resource Allocation," American Economic Review , no. 63 (1973), pp. 1 - 30; Leonid Hurwicz, "On the Dimensional Requirements of Informationally Decentralized Pareto-Satisfactory Processes," in: Kenneth Arrow & Leonid Hurwicz (eds.), Studies in Resource Allocation Processes (Cambridge: Cambridge University Press, 1977).
  4. Dilip Mookherjee, "Decentralization, Hierarchies, and Incentives: A Mechanism Design Perspective, Journal of Economic Literature , vol. 44, no. 2 (2006), pp. 367 - 390.

في المقابل، من حيث الجانب الإمبريقي، ما مِن دراسة، بحسب علمنا، قارنت توفير السوق اللامركزي للخدمات العامة بتوفيرها من جهة القطاع العام اللامركزي. وغالبًا ما تكون الدراسات الإمبريقية التي تُعنى بالدولة في مقابل السوق مدفوعة بالإصلاحات المتعلقة بالخصخصة؛ ومن ثم، فهي تنتهي إلى مقارنات تقوم على حالات متعددة في مقابل أخرى تستند إلى حالات أحادية بحيث يظهر فيها توازن السوق المؤلّف من الشركات التنافسية أكثر كفاءةً أو ابتكارًا من الاحتكار العمومي. وقد يعكس هذا الأمر التجربة الحقيقية في كثير من البلدان؛ لذا، فهو يستجيب للنقاشات المتعلقة بالسياسات المعتمدة فيها. لكن هذه الدراسات لا تقارن حالات قابلة للمقارنة، وعلى المستوى النظري قد يُنظر إليها على أنها تكديس للبيانات. تتعارض الدراسة الواردة هنا عن كولومبيا مع هذا النمط على نحو غير اعتيادي؛ ففيها مقارنة بين توفير السوق اللامركزي للخدمات العامة من ناحية، وتوفيرها من جانب القطاع العام اللامركزي من ناحية أخرى. وتتعارض النتائج التي خلص إليها غرانادوس وسانشيز مع وجهة النظر القائلة إن الحوافز تدفع القطاع الخاص بالطبيعة إلى تقديم خدمات عامة ذات جودة أفضل. ففي البلديات ذات الحجم المتمثل، وضمن سياق قانوني ومؤسسي متمثل أيضًا، كان توفير المياه والصرف الصحي العام اللامركزي أفضل من توفير القطاع الخاص اللامركزي. وثمة حاجة إلى مزيد من الأبحاث للكشف عن الاحتملات المتعلقة بأسباب حدوث ذلك (أهو ضعف التنظيم المحلي؟ أم أن مزودي القطاع الخاص تنقصهم الخبرة؟ وثمة احتملات أخرى كثيرة). وفي الوقت الحالي، تشير الأدلة إلى أن المسؤولين الحكوميين المحليين أثبتوا أنهم أكثر اتصافًا بالمسؤولية أمام مستخدمي المياه والصرف الصحي مقارنةً برجال الأعمل في القطاع الخاص. استكمل دياز-كايروس وماغالوني ورويز، في السياق نفسه، فحص تأثيرات نوع معين من اللامركزية في توفير السلع العامة في أواكساكا بالمكسيك، من خلال الاستخدام التقليدي للحكم الذاتي القائم على العادات والأعراف الموصوف آنفًا. ولحلّ مشكلة التحيز في الاختيار ضمن بيئة غير تجريبية، قدّر الباحثون متوسط تأثيرات العلاج في الحالات المعالَجةAverage Treatment Ef­ffects on the Treated باستخدام مقاربة متعددة المناهج، وهي تقدّر، أولً، تأثيرات الاستقلالية المحلية من خلال مطابقة درجة الميل Propensity Matching Score؛ وتستخدم، ثانيًا، نموذج فرق الفروق للتحكم في العناصر الثابتة غير المرصودة. وخلص الباحثون إلى أن البلديات التي تحكمها الطرائق التقليدية القائمة على الاختيار الجمعي تمتعت بتحسينات في توفير الكهرباء، وخفضٍ أكبر في الفقر المدقع، وإلى أنه ما مِن اختلافات سُجلت في الترسيخ السياسي Political Entrenchment للرؤساء السياسيين المحليين، كل ذلك مقارنةً بالبلديات الممثلة في المجموعة الضابطة Group.Control وتتناقض هذه النتائج مع الادعاءات القائلة إن الاستقلالية على المستويات المحلية تخفي بين جنباتها جيوبًا تسلطية وتكرس التجمعات المحلية Caciques Local. وعلى العكس من ذلك، سجلت المجتمعات التي تحكمها العادات Usos مشاركة مدنية أعلى، ومؤشرات حوكمة أفضل، ووصولً أفضل إلى السلع العامة المحلية مقارنةً بالمجتمعات الفقيرة الممثلة التي تديرها الأحزاب السياسية. وفي هذا الصدد يتشابه استخدام العادات في المكسيك والموازنة التشاركية في البرازيل؛ إذ تعتمد الأولى على الأشكال الاجتمعية التقليدية، وتعتمد الثانية على الأشكال الحديثة. ويمكن أن يتفاعل الجانبان إيجابيًّا مع اللامركزية عبر زيادة كثافة المعلومات والمشاركة، بغية تحسين المساءلة والقدرة الاستجابية في المقام الأول، وبعدها مخرجات الخدمات

العامة، ثم النتائج الحقيقية ذات الأهمية أخيرًا، ومنها مسائل الفقر ووفيات الأطفال، وتُعدّ هذه الخطوة الأخيرة نادرة جدًّا في أدبيات اللامركزية.

خلاصة: اللامركزية والتحولات التنموية

تفحص الكثير من أدبيات اللامركزية ما يمكن وصفه بأنه علاقات خطية بسيطة، إلى حد ما، بين اللامركزية والنتائج ذات الصلة بالسياسات؛ مثل التعليم، والخدمات الصحية، والاستثمرات العامة، ومستوى الفساد، والعجز المالي على المستويات الوطنية ودون الوطنية. وأظهرت عقود من البحث أن اللامركزية تعمل على تحسين كل هذه النتائج، أو مفاقمتها، في بلدان مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، وهو ما يحول بيننا وبين استخلاص استنتاجات أوسع. والقسم الأكبر من التحليلات النظرية والإمبريقية هي تطبيقات في الإحصائيات المقارنة، حيث تجري المقارنة بين توازنات ما قبل الإصلاح وما بعده لمعرفة إنْ كان المتغير المتعلق بالسياسات ذات الصلة، وليكن س X (الالتحاق بالمدارس، والتدخلات الطبية، والاستثمر في المياه، والصرف الصحي، على سبيل المثال) يرتفع أو ينخفض. وتحاول دراسات قليلة نسبيًّا استنباط العلاقات الدينامية الكامنة التي ينبغي أن تكون قيد العمل في كل تحليل مقارن ساكن. ثمة ما يثير السخرية ها هنا؛ فهذه "العلاقات الكامنة" تشمل الحوكمة، بل إنّ الحوكمة الجيدة تُعد أكبر مبرر نظري للامركزية، وهي على المستوى العملي التبرير السياسي الرئيس الذي يحفز على إصلاحات حقيقية في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، جرى تجاهل تأثيرات اللامركزية في الحوكمة لفائدة نتائج أخرى أكثر واقعية يمكن قياسها بسهولة أكبر. وهذه المسائل، من دون شك، مهمة أيضًا، كم أن الكثير من الدراسات المعزولة ذات أهمية، لكنها في المجمل، تركت فجوات كبيرة في معرفتنا بالموضوع، وهي الفجوات التي تحاول تلك الدراسات أن تسدها. ثمة فجوتان من هذه الفجوات تتعلقان بآثار اللامركزية في المساءلة وطبيعة المنافسة السياسية في الديمقراطيات. وتحاجّ النظرية في أن اللامركزية يمكنها أن تعيد توجيه حوافز السياسيين من أعلى إلى أسفل في اتجاه الناخبين المحليين، وتزيد من مستوى المنافسة السياسية في بلد ما، وهو أمرٌ يؤدي إلى سياسات عالية الجودة وتعزيز القدرة على مساءلة المسؤولين الحكوميين. وتزيد اللامركزية من المنافسة بتوفيرها طرائق بديلة لولوج السياسيين الجدد، وكذلك توفير حوافز للمسؤولين المحليين من أجل المنافسة بقوة في الانتخابات لمصلحتهم ونيابة عن أحزابهم، ثم تقديم أداء أفضل بمجرد توليهم مناصب في الحكومة، أملً منهم في الحراك صعودًا إلى مستويات أعلى. لكنّ شكل الفدرالية يغدو هنا مهًّمًّ. وفي النظم الديمقراطية قد تنحرف الحوافز الموصوفة آنفًا إلى غايات مختلفة جدًّا. وتُظهر تجربة الأرجنتين أنّ الفاعلين دون الوطنيين لديهم حوافز كبيرة لتعطيل النظام الفدرالي في سبيل استخراج الموارد وتقليص المنافسة السياسية على المستوييَن المحلي والوطني، وهو أمرٌ يؤدي إلى تعطيل مساءلة السياسيين على المستوييَن دون الوطني والوطني على حد سواء؛ ما يسهم في تقلّب السياسات، ونقص الصدقية، وتلك الأنواع من النتائج الاقتصادية والاجتمعية السيئة عانتها الأرجنتين في العقود الأخيرة. ويكتسي شكل الفدرالية أهمية في حالة النظم غير الديمقراطية أيضًا. ففي الصين، تتحدد العلاقات بين المركز والمحليات من خلال حكم التفويضات الذي يقيّد المعلومات التي تصل إلى السلطات المركزية تقييدًا شديدًا؛ ما يُقيّد المساءلة، ويسمح للفساد بالازدهار. وخلاف ذلك نعثر عليه في أجزاء من أواكساكا، حيث يحقق الحكم الذاتي المجتمعي التقليدي حكومة أكثر استجابةً وخضوعًا للمساءلة من الحكم السياسي القائم على الأحزاب. وفيم يتعلق بالديمقراطيات، يمكن أن يساعد النظام الحزبي، الذي يوازن بين سلطات النخب المحلية والوطنية ويجبرها على التعاون من أجل الفوز في الانتخابات على كلا المستوييَن، في تلافي هذه المخاطر.

ويمكن أن تقلّل اللامركزية من عدم الاستقرار السياسي أيضًا. ففي الديمقراطيات التي لم تكتمل من الناحية المؤسسية، قد تلجأ النخب، التي تخشى القوة المطلقة للحكومات التي لا تتوافق معها، إلى العنف لحمية نفسها ومصالحها. ويقابل الكثير من هذه الدول هذا الخطر عبر منح امتيازات خاصة للنخب بغية إبقائها داخل اللعبة الديمقراطية. لكن هذا يقوّض جوهر الديمقراطية. ويمكن أن تسهم اللامركزية في الحل عبر توفير طريقة تحفيزية متوافقة مع فرض القيود على سلطات الحكومة، وذلك بتقسيم هذه الأخيرة بين مستويات هرمية مختلفة، لكلّ منها تفويض ديمقراطي، وينبغي لها أن تتعاون في مباريات تكون حصيلتها إيجابية Games Positive-sum وتنتهي إلى تعظيم نتائجها. تؤكد هذه الاعتبارات فكرةً أعمق تخص إصلاح اللامركزية هي أن الأمر كله جزءٌ من سؤال متعلق بالذين يمتلكون السلطة وبما يريدونه. وفعلً، فإن مسألة الحوكمة المتعددة المستويات – شكل الفدرالية – هي في حد ذاتها نتاج داخلي ناجم عن صراع الأقوياء على المكاسب؛ ما يفسر قدرًا كبيرًا من الاختلاف الذي نلاحظه عبر البلدان في نطاق الحكومة "المحلية" مقابل الحكومة "الإقليمية" Regional، والسلطة والصلاحيات التي جرى تفويضها لها، والموارد التي تتحكم فيها. ولهذا الأمر أيضًا تأثيرات مهمة في نتائج الحوكمة والخدمات التي نرصدها. تقدم هذه المجموعة من الدراسات إضافة أخرى إلى الأدبيات المتعلقة بمخرجات القطاع العام ونتائجه أيضًا. ففي البرازيل، لم تعمل الموازنات المحلية التشاركية على تحسين المواءمة بين الاستثمر العام ورغبات المواطنين فحسب، بل أدت كذلك إلى خفض معدلات وفيات الأطفال في البلديات التي تبنّتها. وتشير النتائج المحققة في كولومبيا إلى أن كيفية تنفيذ اللامركزية مهمة بقدر أهمية اللامركزية نفسها، بحيث شهدت البلديات التي خصخصت خدمات المياه والصرف الصحي زيادة في وفيات الأطفال مقارنةً بالبلديات التي حافظت على هذه الخدمات في أيدي البلدية. وفي المكسيك، أثبتت المؤسسات المجتمعية التقليدية القائمة على العادات والأعراف قدراتها في توفير الكهرباء وخفض الفقر المدقع مقارنةً بالبلديات المجاورة التي تديرها الإدارات الحزبية التقليدية. ومن الجدير بالذكر أن هذه النتائج تحدث من خلال آلية تقوم على تحقيق مشاركة مدنية أعلى وحوكمة أفضل. أخيرًا، يحسن أن نضع الرؤى التي أظهرتها الدراسات في سياق أوسع. لا يمكن أن تقتصر الإصلاحات على تحفيز التحسينات في الخدمات العامة (الصحة والكهرباء مثلً) والنتائج الحقيقية (وفيات الأطفال والفقر مثلً)، وذلك على الرغم من أنها نتائج مثيرة للإعجاب ومهمة، بل يمكنها الإسهام أيضًا في التغييرات المؤسسية التي تستصحبها التحولات التاريخية الواسعة في اتجاه زيادة الثروة والحرية. وقد شهدت دراسة هذه التحولات انتعاشًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. وبغض النظر عم إذا أدركت التحولات التنموية بوصفها طريقًا يُفضي إلى مجتمعات واقتصاديات مفتوحة الوصول Open-access أو إلى مؤسسات إدماجية  Inclusive، فإنّ المنظرين يتفقون على أنهاتتكون من مجموعة معقدة من التغييرات المترابطة التي تتخلل الحكومة والاقتصاد والعلاقات الاجتمعية.

  1. طُرحَت فكرة مماثلة في.Eaton, Kaiser & Smoke:
  2. Douglass North, John Wallis & Barry Weingast, Violence and Social Orders: A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).
  3. Daron Acemoglu & James Robinson, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty? (New York: Crown, 2012).
  4. Edwin Brett, Reconstructing Development Theory (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009); Peter Boone & Jean- Paul Faguet, "Multilateral Aid, Politics and Poverty: Past Failures and Future Challenges," in: R. Grant & J. Nijman (eds.), The Global Crisis in Foreign Aid (Syracuse: Syracuse University Press, 1998).

كثير من هذه التغييرات لا تخضع للامركزية، مثل التطور التقني في القطاع الإنتاجي. لكن ثمة تغييرات أخرى، من قبيل توسيع البنية التحتية وتكوين رأس المال البشري، يمكن للامركزية أن تشكّل من خلالها مؤشرًا مساهمً مفيدًا فيها. وبالنسبة إلى بعض التحولات الشديدة الأهمية التي تنطوي على الحوكمة وممرسة السلطة؛ على غرار زيادة المنافسة السياسية، وتحسين المساءلة العامة، وتقليص الفساد، وتعزيز الاستقرار السياسي، والحد من سلطة الحكومة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، فإن اللامركزية حاضرة بقوة. وعلى النحو الذي بيّناه، يمكنها أن تكون عاملً رئيسًا يؤدي إلى تحسينات في جميع هذه المجالات، أو عنصرًا رئيسًا يؤدي إلى عدم الاستقرار والغموض والاستحواذ والانحدار. ويجبرنا إدراكنا هذا الأمر على تحويل انتباهنا بعيدًا عن "عوامل نجاح اللامركزية" التي أكدتْها دراسات كثيرة، وهو التركيز الذي عادة ما يلقي بلائمة الإخفاق على غياب عوامل الافتقار إلى الإرادة السياسية، والقدرة البيروقراطية المنخفضة، وعدم كفاية الموارد. وبخلاف ذلك كله، نركز على المؤسسات الهرمية وبنية الحوافز التي تتحرك فيها اللامركزية. وفي هذا السياق، فإن أول إجابة عن السؤال: "هل اللامركزية جيدة للتنمية؟"، لن تكون بالقول إنها تحسّن صحة الأطفال، وإنها من ثم تعزز آفاق الدولة على المدى الطويل، وذلك على الرغم من صحة هذه الصلة وأهميتها من دون شك. في مقابل ذلك، ستتخذ إجابتنا الأولى الشكل الآتي: إذا ما قسّمت الإصلاحات المواردَ العامة والسلطةَ بين الكثير من الوحدات المستقلة تقسيمً شفافًا، فإن اللامركزية ستوفر وسائل ذات حوافز تتوافق مع الحدّ من سلطة الحكومة المهدِّدة للنخب القوية. وإذا ما اضطرت هذه الوحدات المستقلة إلى أن تتعاون لتحقيق نتائج إيجابية، وتكررت بنية الحوافز هذه داخل الأحزاب السياسية والإدارة العامة، فإن اللامركزية ستولّد حوافز تنافسية متوافقة مع تعميق الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون. سيتنافس المسؤولون المحليون ضمن قواعد اللعبة لتعزيز مسيرتهم المهنية من خلال تحسين الخدمات المحلية. وستكون وسيلة هذه المنافسة غالبًا هي التعاون مع الوحدات الحكومية المستقلة الأخرى، في المركز أو في الأطراف، بوصف ذلك طريقة للحصول على المزيد من الموارد، وشكلً مستقلً للتصديق عليها. ولا يؤدي هذا النظام إلى زيادة الاستقرار السياسي فحسب، بل إنه يعزز أيضًا المنظمت الاقتصادية والسياسية والاجتمعية ذات الوصول المفتوح. وتدعم المنظمت ذات الوصول المفتوح النظم السياسية التنافسية والمجتمع المدني الحقيقي، وكلا الجانبين مهم للحكومة الخاضعة للمساءلة، فضلً عن تعزيز الابتكار والنمو في الاقتصاد. ولكن إذا غابت الشفافية وأمكن أن تبتز بعضُ الوحدات بعضَها الآخر، فإن اللامركزية يمكنها أن تقوّض المساءلة السياسية والاستقرار الاقتصادي على حد سواء. ما الفرق بين اللامركزية التي تعزز التحولات التنموية وتلك التي تقوّضها؟ في الوقت الحالي لا يسعنا إلا أن نتوقّع ذلك، لأننا في حاجة إلى مزيد من الأبحاث الإمبريقية عن اللامركزية والحوكمة قبل المغامرة بتقديم استنتاجات عامة. لكن الأبحاث في هذا العدد الخاص تشير إلى أن الإجابة تكمن في الحوافز الانتخابية المضمّنة في ديمقراطية تنافسية. ففي النظم التسلطية، على سبيل المثال، قد تقلّل اللامركزية من فرص التحولات من النظم ذات الوصول المغلق إلى النظم ذات الوصول المفتوح؛ لأنها تزوّد المركز بحوافز لتقويض الشفافية والمساءلة المحلية، مثلم يحدث في الصين. أما في الديمقراطيات غير التنافسية أو المشوهة، مثل الأرجنتين، فتحدث نتيجة ممثلة عن طريق قناة تصاعدية بدلً من كونها تنازلية؛ إذ يصعّد "البارونات" السياسيون من المناطق التي استولوا عليها لتوجيه السياسة على المستوى الوطني بعيدًا عن المصلحة الوطنية.

وفي المقابل؛ بالنسبة إلى الديمقراطية التنافسية، يمكننا أن ننظر إلى الحجة القائلة إن اللامركزية تعيد توجيه حوافز المساءلة في اتجاه الناخبين على أنها حجة لفائدة الوصول المفتوح؛ لأن عددًا أكبر من المسؤولين الحكوميين سيدينون بالفضل لعدد أكبر من المواطنين، وسيندمج بفضل ذلك عدد أكبر من الناس ومزيد من المعلومات في الحوكمة المجتمعية. نتيجة لذلك، يمكن القول إن العنصر الأساسي الذي يسمح للامركزية بتحفيز التحولات من الوصول المغلق إلى الوصول المفتوح هو الديمقراطية المفتوحة والتنافسية. فإخضاع المناصب العامة للانتخابات هو ما يغير الحوافز التي يواجهها السياسيون على طول النظام حين يكون هذا النظام تحت اللامركزية. ولا تملك اللامركزية التي لا تعتمد على الانتخابات التأثير نفسه. لذا، فإن اللامركزية تتطلب الديمقراطية حتى تتحقق إمكاناتها. لكن من المفارقات أن الديمقراطية قد تتطلب قدرًا من اللامركزية، التي تقسّم السلطة وتقلّل من قدرة الدولة على تهديد النخب، من أجل التخلص من الأوتوقراطية. فأيهم ينبغي أن يولد أولً؟ وفيمَ ينبغي أن يركز الإصلاحيون جهودهم؟ هنا نحن أمام معضلة كلاسيكية، هي معضلة "البيضة والدجاجة" التي لا توفر النظرية حًّلًّ لها؛ ومن ثم، فهي منطقة خصبة لمزيد من البحث الإمبريقي. في هذا السياق، تقدّم النتائج الملموسة للإصلاح التي حددها باحثون في البرازيل والمكسيك وكولومبيا بدايات الإجابة عن هذه الأسئلة. والمكاسب الموثقة في كل حالة منها ليست نتاجًا تكنوقراطيًا للتعديلات البيروقراطية، بل هي مؤشرات رائدة تدلّ على ديمقراطية تتعمّق، وحوكمة تتحسّن، وحرية تتوسّع.

المراجع

Acemoglu, Daron & James Robinson. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty? New York: Crown, 2012.

Alderman, Harold. "Do Local Officials Know Something We Don't? Decentralization of Targeted Transfers in Albania." Journal of Public Economics. vol. 83, no. 3 (2002).

Annual World Bank Confer­ence on Development Economics. Washington, DC: World Bank, Arrow, Kenneth & Leonid Hurwicz (eds.). Studies in Resource Allocation Processes. Cambridge: Cambridge University Press, 1977.

Bardhan, Pranab & Dilip Mookherjee. "Relative Capture of Local and Central Governments: An Essay in the Political Economy of Decentral­ization." Unpublished Paper. University of California, Berkeley, 1999.

_______ (eds.). Decentralization and Local Governance in Developing Countries: A Comparative Perspective. Cam­bridge, MA: MIT Press, 2006.

Bardhan, Pranab. "Decentralization of Governance and Development." Journal of Economic Perspectives. vol. 16, no. 4 (2002).

Ben-Meir, Yossef. "Egypt's Second Grassroots Resurgence." Daily News Egypt. 10/10/2012. at: https://tinyurl.com/mt69s423

Blair, A. "Full Text of Blair's Speech: The Full Text of Tony Blair's Speech to the Welsh Assembly." The Guardian. 30/10/2001. at: https://shortly.at/5E0WI

Blair, Harry. "Participation and Accountability at the Periphery: Democratic Local Governance in Six Countries." World Development. vol. 28, no. 1 (2000).

Boix, Carles. Democracy and Redistribution. New York: Cambridge University Press, 2003. Bourguignon, F. & L.A. Pereira da Silva (eds.). The Impact of Economic Policies on Poverty and Income Distribution: Evaluation Techniques and Tools. New York: Oxford University Press; The World Bank, 2003.

Brett, Edwin. Reconstructing Development Theory. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009. Campbell, Tim. The Quiet Revolution: The Rise of Political Participation and Leading Cities with Decentralization in Latin America and the Caribbean. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2001.

Carbone, Giovanni. "Political Parties in a 'No-party Democracy': Hegemony and Opposition under 'Movement Democracy' in Uganda." Party Politics. vol. 9, no. 4 De Mello, Luiz & Matias Barenstein. "Fiscal Decentralization and Governance: A Cross- Country Analysis." Working Paper. no. 01 / 71. International Monetary Fund. Washington, DC, 2001.

De Mello, Luiz. "Can Fiscal Decentralization Strengthen Social Capital?" Working Paper. International Monetary Fund. no. WP/00/129. Washing­ton, DC, 2000.

De Tocqueville, Alexis. Democracy in America. H. Reeve (trans.). London: Everyman's Library, 1994.

Democratic Decentralization Programming Handbook. Washington, DC: USAID, 2009.

Diamond, Larry, Jean Linz & Seymour Martin Lipset. Politics in Developing Countries: Comparing Experiences with Democracy. Boulder, CO: Lynne Reinner, 1995.

Diaz-Cayeros, Alberto. Federalism, Fiscal Authority and Centralization in Latin America. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

Dillinger, William & Steven Webb. "Decentralization and Fiscal Management in Colombia." Policy Research Working Paper. no. 2122. World Bank, 1999.

Dreze, Jean & Amartya Sen. India: Economic Development and Social Opportunity. Delhi: Oxford University Press, 1996.

Eaton, Kent, Kai Kaiser & Paul Smok. The Political Economy of Decentralization Reforms: Implications for Aid Effectiveness. Washington, DC: The World Bank, 2011.

Elinor Ostrom, Governing the Commons. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Elkins, Zachary, Tom Ginsburg & James Melton. The Endurance of National Constitutions. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.

Faguet, Jean-Paul & Fabio Sanchez. "Decentralization's Effects on Educational Outcomes in Bolivia and Colombia. World Development." vol. 36, no. 7 (2008).

Faguet, Jean-Paul. "Governance from Below in Bolivia: A Theory of Local Government with Two Empirical Tests." Latin American Politics & Society. vol. 29, no. 4 (2009).

_______. Decentralization and Popular Democracy: Governance from Below in Bolivia. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2012.

_______. "Decentralization and Governance." World Development. vol. 53 (2014). at: https://tinyurl.com/45wyjp77

Fiorucci, F. & M. Klein (eds.). The Argentine Crisis at the Turn of the Millennium: Causes, Consequences, and Explanations. Amsterdam: Aksant Academic Publishers, 2004.

Fukuyama, Francis. "What is Governance?" Unpublished Discussion Paper. Stanford University, 2012.

Galasso, Emanuela & Martin Ravallion. "Decentralized Targeting of an Antipoverty Program." Journal of Public Economics. vol. 89, no. 4 (2005).

Gervasoni, Carlos. "A Rentier Theory of Subnational Regimes: Fiscal Federalism, Democracy, and Authoritarianism in the Argentine Prov­inces." World Politics. vol. 62, no. 2 (2010).

Government of Bolivia. Framework Law of Autonomies and Decentralization. La Paz: Government of Bolivia, 2010.

Government of Cambodia. Strategic Framework for Decentralization and Deconcentration Reforms. Phnom Penh: Government of Cambodia, 2005.

Government of Peru. Defensoria del Pueblo. "Administración Estatal: Programa de Descentralizacion y Buen Gobierno." at: https://tinyurl.com/2w37v2rj

Grant, R. & J. Nijman (eds.). The Global Crisis in Foreign Aid. Syracuse: Syracuse University Press, 1998.

Gupta, S.P., Nicholas Stern & Athar Hussain. Development Patterns and Institutional Structures: China and India. New Delhi: Allied Publishers, 1995.

Hayek, Friedrich. A Individualism and Economic Order. Chicago: University of Chicago Press, 1958.

Hechter, Michael. Containing Nationalism. New York: Oxford University Press, 2000.

Horowitz, Donald. A Democratic South Africa? Constitutional Engineering in a Divided Society. Berkeley: University of California Press, 1991.

Hurwicz, Leonid. "The Design of Mechanisms for Resource Allocation." American Economic Review. no. 63 (1973).

International Fund for Agricultural Development. IFAD. IFAD' s Performance and Impact in Decentralizing Environments: Experiences from Ethiopia, Tanzania and Uganda. Rome: 2004.

Jones, Mark et al. "Amateur Legislators – Professional Politicians: The Consequences of Party-cen­tered Electoral Rules in a Federal System." American Journal of Political Science. vol. 46, no. 3 (2002).

Lijphart, Arend. Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty-Six Countries. New Haven: Yale University Press, 1999.

Maddox, William. "The Political Basis of Federation." American Political Science Review. vol. 35 no. 6 (1941).

Magaloni, Beatriz. Voting for Autocracy: Hegemonic Party Survival and Its Demise in Mexico. New York: Cambridge University Press, 2006.

Manor, James. The Political Economy of Democratic Decentralization. Washington, DC: The World Bank, 1999.

Montero, Alfred & David Samuels (eds.). Decentralization and Democracy in Latin America. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2004.

Montesquieu, Charles Louis de Secondat. The Spirit of the Laws. A.M. Cohler, B.C. Miller & H.S. Stone (trans. & eds.). Cambridge: Cambridge University Press, 1989.

Montinola, Gabriella, Yingyi Qian & Barry Weingast. "Federalism, Chinese Style: The Political Basis for Economic Success." World Politics. vol. 48, no. 1 (1996).

Mookherjee, Dilip. "Decentralization, Hierarchies, and Incentives: A Mechanism Design Perspective." Journal of Economic Literature. vol. 44, no. 2 (2006).

Mufioz, L.G., A.J. Acosta & L.D. Moreno. Aspectos baasicos de la descentralizacion en Mexico. Mexico City: Instituto Nacional para el Federalismo y el Desarrollo Municipal, 2006.

Mulumba, Deborah. Uganda: Country Review of the Framework of Decentralization. Office of Evaluation (2004).

Nazeef, Ahmad. "Statement of the Cabinet to the People's Assembly." 19/9/2004.

North, Douglass, John Wallis & Barry Weingast. Violence and Social Orders: A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.

O'Donnell, Guillermo. "Horizontal Accountability in New Democracies." Journal of Democracy. vol. 9, no. 3 (1998).

Oxhorn, Philip, Joseph Tulchin & Andrew Selee. Decentralization, Democratic Governance, and Civil Society in Comparative Perspective: Africa, Asia and Latin America. Washington, DC: Woodrow Wilson Center Press, 2004.

Prud'homme, Re'my. "On the Dangers of Decentralization." World Bank Research Observer. no. 10 (1995).

Przeworski, Adam et al. Democracy and Development. New York: Cambridge University Press, 2000.

Putnam, Robert. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton: Princeton University Press, 1993.

Radner R. & C. McGuire (eds.). Decision and Organization. Amsterdam: North Holland, Remarks on Bentham's Philosophy. G. Williams (ed.). London: Everyman, 1993.

Remmer, Kare & Eric Wibbels. "The Subnational Politics of Economic Adjustment: Provincial Politics and Fiscal Performance in Argentina." Comparative Political Studies. no. 33 (2000).

Riker, William. Federalism: Origin, Operation, Significance. Boston: Little Brown, 1964. Rodden, Jonathan. Hamilton's Paradox: The Promise and Peril of Fiscal Federalism. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

Rodden, Jonathan, Gunnar Eskeland & Jennie Litvack. Fiscal Decentraliza­tion and the Challenge of Hard Budget Constraints. Cambridge, MA: MIT Press, 2003.

Romeo, Leonardo & Luc Spyckerelle. "Decentralization Reforms and Commune- level Services Delivery in Cambodia." Case Study Submitted at the Workshop on Local Government Pro-Poor Service Delivery. Manila. February 9 - 13, 2004. ADB Conference Paper. December 2003. at: https://tinyurl.com/bdz2wzh2

Rondinelli, Dennis, Shabbir Cheema & John Nellis. "Decentralization in Developing Countries: A Review of Recent Experience." Working Paper. no. 581. World Bank Staff. Washington, DC, 1983.

Rosen, H. (ed.). Fiscal Federalism Quantitative Studies. Chicago: University of Chicago Press, 1988.

Rousseau, Jean-Jacques. On the Social Contract: With Geneva Manuscript and Political Economy. R.D. Masters (ed.). J.R. Masters (trans.). New York: St. Martin's Press, 1978

Samoff, Joel. "Decentralization: The Politics of Interventionism. Development and Change. vol. 21, no. 3 (1990).

Sartori, Giovanni. Parties and Party Systems: A Framework for Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.

Shami, Mahvish. "The Impact of Market Exposure on Public Goods Provision." Working Paper. no. 2010/13, Institute of Food and Resource Economics. University of Copenhagen, 2010.

Slater, David. "Territorial Power and The Peripheral State: The Issue of Decentralization." Development and Change. vol. 20, no. 3 (1989).

Smith, Adam. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. London: Everyman, 1991 [1776].

Smith, Brian. Decentralization: The Territorial Dimension of the State. London: George Allen & Unwin, 1985.

Treisman, Daniel. The Architecture of Government: Rethinking Political Decentralization. New York: Cambridge University Press, 2007.

Watts, Ronald. New Federations: Experiments in the Commonwealth. Oxford: Oxford University Press, 1966.

Widner, Jennifer. Building the Rule of Law. New York: W.W. Norton, 2001.

Wietzke, Frank‐Borge. "Universal Primary Education, Private Schooling, and Interreligious Inequality: Evidence from Madagascar." Manuscript. London School of Economics,

Wildasin, David. "Fiscal Aspects of Evolving Federations: Issues for Policy and Research." Working Paper. no. 1884. World Bank Policy Research. Washington, DC. 1998.

World Bank. Colombia Local Government Capacity: Beyond Technical Assistance. World Bank Report 14085-C. Washington, DC: 1995.